الصورة.. والرؤية

الصورة.. والرؤية

يرى أصحاب الرؤية التنزيهية لله ـ سواء كانوا من أهل البرهان أو من أهل العرفان ـ أن الله تعالى لعدم انحصاره في عوالم الحدود والقيود والألوان والأشكال والجواهر والأعراض لا يمكن أن تكون له صورة من الصور.. لأن الصورة سجن وقيد وحدود.. فهي تحصر المسجون فيها وتقيده بقيود الألوان والأشكال والأجرام.

ولهذا فإن الرؤية التي يتحدث عنها أهل الله وأولياؤه، والتي أشارت إليها بعض النصوص المقدسة رؤية متناسبة مع جلال الله وكماله وعدم انحصاره.. وهي لذلك يستحيل أن تكون رؤية حسية، لأن الحس لا يدرك إلا الحس، والعين لا ترى إلا ما يمكن أن تحتويه.. والله أعظم من أن تحتويه حدقة، أو يحيط بحدوده بصر، كما قال تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [الأنعام: 103]، فهي آية تقرر الحقيقة العظيمة، وهي أن الله تعالى أعظم من أن يدرك بأي مدرك من المدارك الحسية والمعنوية، لأن الإدراك ـ كما قال علماء اللغة ـ (هو لحوق الشئ بالشئ ووصوله إليه)([1])،كما قال تعالى: { بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ} [النمل: 66] أي أن علمهم أدركهم في الآخرة حين لم ينفعهم.

ولهذا قال تعالى قبل الآية الكريمة التي قررت استحالة إدراك الله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام: 102]، فكما أنه لا يمكن إدراك كل شيء.. وهو مخلوق محصور محدود.. فكيف يمكن إدراك غير المحدود والمحصور.

ولهذا أخبر الله تعالى موسى عليه السلام أنه يستحيل أن يراه.. وقد ذكر ذلك بصيغة النفي المؤبد، وعلق إمكانية الرؤية على شيء مستحيل لم يتحقق، فدل على أن رؤية الله التي تحيط به مستحيلة استحالة مطلقة، قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143]

والإشارة القرآنية في مسارعة موسى عليه السلام إلى التسبيح والتنزيه بعد الإفاقة([2]) هو علمه أن الرؤية لا تنفك عن الجهة والجسمية وغيرهما من النقائص،ولهذا نزه الله سبحانه وتعالى عنها.

بل إن الله تعالى يذكر في القرآن الكريم غضبه الشديد على من طلب الرؤية الحسية، فقال: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } [البقرة: 55]

وهكذا نرى القرآن الكريم يعيب طلب الرؤية مطلقا، سواء كان ذلك من أنبيائه أو من أعدائه، كما قال تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} [النساء: 153]، وقال: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا} [الفرقان: 21]

وبذلك تصبح هذه الآيات محكمة يرد إليه كل ما تشابه من النصوص، وخاصة ذلك النص القرآني الذي يستدل به السلفية، مع أنهم يقولون بتأويله، وهو قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23]، فالنظر هنا لا يعني الرؤية الحسية، بدليل أنه ذكر الوجوه، والإنسان يرى بعينه لا بوجهه.. وبدليل أن الآية تذكر موقف الانتظار في الآخرة قبل دخول الجنة.. وبأدلة أخرى كثيرة ذكرها أهل اللغة الذين هم أعرف الناس بألفاظ القرآن الكريم.

وقد ذكر الزمخشري الوجه الصحيح لذلك وهو أن يكون من قول الناس: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بى، يريد معنى التوقع والرجاء. كا روي أن امرأة سمعت مستجدية بمكة تقول: (عيينتى نويظرة إلى الله وإليكم)، والمعنى: أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم، كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلا إياه([3]).

زيادة على ما في الرؤية الحسية من مستلزمات كثيرة خطيرة ذكرها المنزهة منها([4]) أن الرؤية في منطق العلم والعقل لا تتحقق إلا إذا كان الشيء مقابلا أو حالا في المقابل من غير فرق بين تفسيرها حسب رأي القدماء أو حسب العلم الحديث، فإن القدماء كانوا يفسرون الرؤية على اعتبار خروج الشعاع من العين وسقوطه على الأشياء، ثم انعكاسه عن الأشياء ورجوعه إلى العين لكي تتحقق الرؤية.

لكن العلم الحديث كشف بطلان هذا التفسير وقال: إنها صدور الأشعة من الأشياء ودخولها إلى العين عن طريق عدستها وسقوطها على شبكية العين فتحقق الرؤية.

وعلى كل تقدير فالضرورة قاضية على أن الإبصار بالعين متوقف على حصول المقابلة بين العين والمرئي أو حكم المقابلة،كما في رؤية الصور في المرآة، وهذا أمر تحكم به الضرورة وإنكاره مكابرة واضحة،فإذا كانت ماهية الرؤية هي ما ذكرناه فلا يمكن تحققها فيما إذا تنزه الشيء عن المقابلة أو الحلول في المقابل.

وبعبارة واضحة: أن العقل والنقل اتفقا على كونه سبحانه ليس بجسم ولا جسماني ولا في جهة،والرؤية فرع كون الشيء في جهة خاصة،وما شأنه هذا لا يتعلق إلا بالمحسوس لا بالمجرد.

وهكذا نرى اتفاق العقل مع القرآن الكريم في تحقيق استحالة الرؤية الحسية، ولهذا يحمل كل نص ورد بالرؤية على الرؤية القلبية التي اتفق المنزهة من هذه الأمة بمذاهبهم المختلفة على أنها الرؤية الوحيدة الممكنة، لأنها رؤية تتوجه إلى المعاني لا إلى الحس، وإلى اللطائف لا إلى الكثافات.

ولهذا أجاب الإمام علي الحبر الذي سأله: هل رأيت ربك حين عبدته؟ فقال: (ويلك ما كنت أعبد ربّا لم أره)، قال: وكيف رأيته؟ فقال: (ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان)([5])

وسئل الصادق: هل يرى الله في المعاد؟ فقال: (سبحانه وتعالى عن ذلك علوّا ً كبيرا ًَ، إن الأبصار لا تدرك إلّا ما له لون وكيفيّة، والله خالق الألوان والكيفيّة)([6])

وسئل الإمام الرضا: جعلت فداك، أخبرني عمّا اختلف فيه الناس من الرؤية، فقال (:من وصف الله بخلاف ما وصف به نفسه فقد أعظم الفرية على لله، قال الله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [الأنعام: 103] ([7])

ونحب أن نبين هنا أن ما اشتهر في الواقع من أن نفي الرؤية الحسية مرتبط بالمعتزلة والإمامية والزيدية والإباضية فقط.. وأن الأشاعرة وغيرهم يثبتون هذا النوع من الرؤية كلام غير دقيق، ولا صحيح.

والصحيح في ذلك أن كل من يقول بتنزيه الله عن الحدود يقول بنفي الرؤية الحسية.. وبما أن القول بالحد لله خاص بالسلفية وحدهم دون سائر طوائف المسلمين، فإن الرؤية الحسية أيضا قولهم خاص بهم لم يشاركهم فيه أحد.

ولنؤكد هذا المعنى سنذكر كلاما مفصلا لرجل يعتبر من أعلام المتكلمين الأشاعرة بالإضافة لتصوفه وفلسفته حتى نؤكد هذه الحقيقة العقلانية القرآنية العرفانية.

والرجل الذي أشرنا إليه، والذي هو محل قبول من كثير من الناس هو الشيخ أبو حامد الغزالي، فقد عقد فصلا في الإحياء تحت عنوان [بيان السبب في زيادة النظر في لذة الآخرة على المعرفة في الدنيا]، قال فيه: (لأن فيه [أي يوم القيامة] يتجلى الحق سبحانه وتعالى فيتجلى له تجليا يكون انكشاف تجليه بالإضافة إلى ما علمه كانكشاف تجلى المرآة بالإضافة إلى ما تخيله، وهذه المشاهدة والتجلى هى التى تسمى رؤية، فإذن الرؤية حق بشرط أن لا يفهم من الرؤية استكمال الخيال في متخيل متصور مخصوص بجهة ومكان، فإن ذلك مما يتعالى عنه رب الأرباب علوا كبيرا، بل كما عرفته في الدنيا معرفة حقيقية تامة من غير تخيل وتصور وتقدير شكل وصورة، فتراه في الآخرة كذلك، بل أقول المعرفة الحاصلة في الدنيا بعينها هى التى تستكمل، فتبلغ كمال الكشف والوضوح، وتنقلب مشاهدة، ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا اختلاف إلا من حيث زيادة الكشف والوضوح كما ضربناه من المثال في استكمال الخيال بالرؤية، فإذا لم يكن في معرفة الله تعالى إثبات صورة وجهة فلا يكون في استكمال تلك المعرفة بعينها وترقيها في الوضوح إلى غاية الكشف أيضا جهة وصورة، لأنها هى بعينها لا تفترق منها إلا في زيادة الكشف كما أن الصورة المرئية هى المتخيلة بعينها إلا في زيادة الكشف، وإليه الإشارة بقوله تعالى {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [الحديد: 12]، إذ تمام النور لا يؤثر إلا في زيادة الكشف، ولهذا لا يفوز بدرجة النطر والرؤية إلا العارفون في الدنيا، لأن المعرفة هى البذر الذى ينقلب في الآخرة مشاهدة كما تنقلب النواة شجرة والحب زرعا، ومن لا نواة في أرضه كيف يحصل له نخل، ومن لم يزرع الحب فكيف يحصد الزرع؟ فكذلك من لم يعرف الله تعالى في الدنيا فكيف يراه في الآخرة)([8])

هذا هو قول الغزالي، وهو قول كل منزهة الأمة بمذاهبهم المختلفة، فلا أحد منهم إلا ويقول باستمرار رحلة الإنسان إلى الله في الآخرة، لأن الحياة جميعا دنياها وأخراها رحلة إلى الله.

وحتى يزيل الغزالي تلك الشبه التي يعرضها المجسمة، والذين يبحثون دائما عن المحسوس والملموس، فقد أشار إلى أن تلك الرؤية القلبية التي يتحقق المؤمنون بمباديها في الدنيا، ثم تزداد في الآخرة إلى ما لا نهاية هي اللذة الحقيقية التي لا تعدلها لذة، يقول مبرهنا على ذلك: (وكما أنك ترى في الدنيا من يؤثر لذة الرياسة على المطعوم والمنكوح، وترى من يؤثر لذة العلم وانكشاف مشكلات ملكوت السموات والأرض وسائر الأمور الإلهية على الرياسة وعلى المنكوح والمطعوم والمشروب جميعا، فكذلك يكون في الآخرة قوم يؤثرون لذة النظر إلى وجه الله تعالى على نعيم الجنة إذ يرجع نعيمها إلى المطعوم والمنكوح، وهؤلاء بعينهم هم الذين حالهم في الدنيا ما وصفنا من إيثار لذة العلم والمعرفة والاطلاع على أسرار الربوبية على لذة المنكوح والمطعوم والمشروب، وسائر الخلق مشغولون به ولذلك لما قيل لرابعة ما تقولين في الجنة فقال الجار ثم الدار فبينت أنه ليس في قلبها التفات إلى الجنة، بل إلى رب الجنة، وكل من لم يعرف الله في الدنيا فلا يراه في الآخرة، وكل من لم يجد لذة المعرفة في الدنيا فلا يجد لذة النظر في الآخرة، إذ ليس يستأنف لأحد في الآخرة ما لم يصحبه من الدنيا، ولا يحصد أحد إلا ما زرع، ولا يحشر المرء إلا على ما مات عليه، ولا يموت إلا على ما عاش عليه، فما صحبه من المعرفة هو الذى يتنعم به بعينه فقط إلا أنه ينقلب مشاهدة بكشف الغطاء فتتضاعف اللذة به كما تتضاعف لذة العاشق إذا استبدل بخيال صورة المعشوق رؤية صورته فإن ذلك منتهى لذته وإنما طيبة الجنة أن لكل أحد فيها ما يشتهى، فمن لا يشتهي إلا لقاء الله تعالى فلا لذة له في غيره بل ربما يتأذى به، فإذن نعيم الجنة بقدر حب الله تعالى، وحب الله تعالى بقدر معرفته، فأصل السعادات هى المعرفة التى عبر الشرع عنها بالإيمان)([9])

هذه هي مواقف المنزهة من الصورة والرؤية، وهي مواقف ممتلئة بالشفافية والطهر والصفاء، لأن الذي يحبونه ويتعلقون به في غاية القداسة والكمال، ولهذا كانت مطالبهم مشابهة لحقيقة محبوبهم:

صفاءٌ، ولا ماءٌ، ولُطْفٌ، ولاهَواً،             ونورٌ ولا نارٌ وروحٌ ولا جسمُ

وقد تبنى هذا النوع من الرؤية كل المنزهين من هذه الأمة على اختلاف مذاهبهم من أشاعرة وماتريدية ومعتزلة وإمامية وزيدية وإباضية وصوفية.. وغيرهم، بل حتى الفلاسفة الإسلاميون كابن سينا وابن طفيل وغيرهما أشاروا إلى جمال هذه الرؤية القلبية.

ولهذا فإن أشواق العارفين للرؤية أشواق تنطلق من هذا المنبع المقدس، وهي تصيح كما صاح ذلك العاشق الولهان:

دني بفرطِ الحبِّ فيكَ تحيُّراً         وارحمْ حشى ً بلظي هواكَ تسعَّراً

وإذا سألتكَ أنْ أراكَ حقيقة ً      فاسمَحْ، ولا تجعلْ جوابي:لن تَرَى

يا قلبُ!أنتَ وعدتَني في حُبّهمْ صبراً فحاذرْ أنْ تضيقَ وتضجرا

إنّ الغَرامَ هوَ الحَياة،فَمُتْ بِهِ       صَبّاً    فحقّكَ أن تَموتَ، وتُعذَرَا

ولقدْ خلوتُ معَ الحبيبِ وبيننا   سِرٌّ أرَقّ مِنَ النّسيمِ، إذا سرَى

وأباحَ طرفي نظرة ً أمَّلتهـــا             فغدوتُ معروفاً وكنتُ منكَّراً

فدهشتُ بينَ جمالهِ وجـلالهِ            وغدا لسانُ الحالِ عني مخبراً

فأدِرْ لِحاظَكَ في مَحاسِن وَجْهِهِ، تَلْقَى جَميعَ الحُسْنِ، فيهِ، مُصَوَّرا

لوْ أنّ كُلّ الحُسْنِ يكمُلُ صُورَة ً، ورآهُ كانَ مهلَّلاً ومكبَّراً

وما قاله الشاعر هنا خير دليل على سمو المعرفة التنزيهية وآثارها العظيمة في شفافية صاحبها وطهره وسمو روحه.

أما ما يذكره بعض أدعياء التنزيه من أنه يمكن أن يخلق الله للإنسان في الآخرة بصرا يتيح له أن يراه به، فإن مثله كمثل من يذكر أنه يمكن أن يخترع أحد من الناس جهازا يستطيع التوصل من خلاله إلى العدد الذي ليس بعده عدد، أو أن يكون للسرمدية بداية ونهاية.. وكل ذلك مستحيل.. والإحاطة بالله التي تقتضيها رؤيته أولى أن تكون مستحيلة.

هذا هو تصور الرؤية التنزيهية للصورة والرؤية، وتنزيه الله عنهما جميعا.. أما الرؤية التجسيمية، والتي تمثلها المدرسة السلفية، فلها وجهة نظر مختلفة تماما عن هذه المعاني المقدسة.. فهي مستغرقة في الحس استغراقا كليا.. حتى رؤية لله عندهم ـ والتي يبالغون في شأنها ـ إنما هي رؤية لصورة وجهه الحسي الجميل الذي لا يختلف في شكله العام عن وجه الإنسان إلا في أن الله أجمل من الإنسان بكثير..

أما الحضور مع الله، والشوق إليه، فهو عندهم جلوس حسي معه في الجنة كما يجلسون في الدنيا مع الملوك والأمراء.. ولهذا فإنه عند جلوسه معهم ـ كما يصورون ـ يطلب منهم ما يحتاجون من الصلات، ويصلهم بما يشاء منها.

وعلى العموم فإن حديثهم عن الله ورؤيته وجماله لا يكاد يختلف عن حديثهم عن الحور العين أو الولدان المخلدين.. أو قصور الجنة وأنهارها.

وسنذكر الأدلة على هاتين الناحيتين من خلال الرؤية التجسيمية التي تبنتها المدرسة السلفية، ونبدأ ذلك بذكر تصورهم لصورة الله، وجماله، ثم نتحدث بعدها عن إمكانية رؤيته وكيفيتها، وما يرتبط بها، لنخلص في الأخير إلى النتيجة التي يرمي إليها كل التراث السلفي في العقيدة، وهي تحديد الصورة الدقيقة لله.

الصورة:

يعتبر السلفية إثبات الصورة لله من العقائد الأساسية الكبرى التي لا يخالفها إلا جهمي معطل، أو كافر زنديق.

وقد انتصر ابن تيمية لهذا، وأورد الوجوه الكثيرة التي حاول من خلالها أن يثبت صحته، ومنها ما ذكره في هذا الوجه، قال: (والوجه الخامس: أن الأحاديث مع آيات القرآن أخبرت بأنه يأتي عباده يوم القيامة على الوجه الذي وصف،وعند هؤلاء هو كل آتٍ،وما في الدنيا والآخرة،وأما أهل الإلحاد والحلول الخاص،كالذين يقولون بالاتحاد أو الحلول في المسيح أو علي أو بعض المشايخ أو بعض الملوك أو غير ذلك مما قد بسطنا القول عليهم في غير هذا الموضع؛ فقد يتأولون أيضاً هذا الحديث كما تأوله أهل الاتحاد والحلول المطلق ؛ لكونه قال: فيأتيهم الله في صورة،لكن يقال لهم: لفظ (الصُّورة) في الحديث كسائر ما ورد من الأسماء والصفات التي قد يسمى المخلوق بها على وجه التقييد،وإذا أطلقت على الله مختصة به؛ مثل العليم والقدير والرحيم والسميع والبصـير،ومثل خلقـه بيديه واستوائـه على العرش ونحو ذلك)([10])

وما ذكره ابن تيمية هو نفس ما ذكره من قبله من السلفية وأهل الحديث، يقول ابن قتيبة: (والذي عندي والله تعالى أعلم أن الصُّورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين،وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن،ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن،ونحن نؤمن بالجميع،ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حدٍّ)([11])

وقد استندوا في هذا لحديث طويل، يوردونه عند ذكرهم لرؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، فمما ورد فيه: أنا ناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟) قالوا: لا يا رسول الله، قَالَ: فَكَذَلِكَ تَرَوْنَه، يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه،فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه..)([12])

فهذا الحديث العجيب الذي يجعلونه أصلا في هذه المسألة يحوي الكثير من الغرائب التجسيمية الخطيرة.. فهم يذكرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شبه رؤيتهم لله برؤيتهم القمر.. أي أنه كما أن القمر له حيز وحدود وجسم وهو مقابل لهم.. فرؤيتهم لله تكون مثل ذلك.

ومنها أن الله ـ تعالى الله عما رووا ـ له صورة.. بل له صور متعددة.. وأن له بذلك القدرة على التشكل، والعجيب أنهم أوردوا أن الله نزل عند رغبة عباده المؤمنين، فاختار لهم الصورة التي تتناسب مع مطالبهم.

بل فوق ذلك كله نرى المؤمنين في هذا الحديث ـ وهم الذين لم يعطوا هذا اللقب العظيم إلا بعد معرفتهم لله وتسليمهم له ـ لا يعرفون الله عندما يخاطبهم.. بل يظلون ينتظرون إلههم الحقيقي.

وغيرها من الغرائب الكثيرة التي لو أعمل السلفيون عقولهم لرموا الحديث عرض الجدار، لأنه يحطم كل الأسس العقدية التي يدل عليها القرآن والبرهان والعرفان.

لكنهم لا يفعلون ذلك.. فالحديث في البخاري ومسلم.. وفوق ذلك رواه أبو هريرة.. وهم مستعدون بأن يضحوا بالقرآن وبعقولهم وبكل شيء في سبيل البخاري ومسلم وأبي هريرة.

والسلفيون بعد ذلك التجسيم وتلك الغرائب المرتبطة به، لا يكتفون بإثبات الصورة فقط، وإنما يضمون إليها تحديدها بدقة، حيث يرون أن الله خلق الإنسان على صورته، وبالضبط على صورة آدم.

ولايخلو كتاب من كتبهم العقدية من ذكر هذا، بل قد خصوا ذلك بالتأليف، فقد ألف الشيخ حمود بن عبدالله بن حمود التويجري كتابا سماه [عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن]، وهو منتشر كثيرا، واعتنى به السلفية المعاصرون، بل قدم له شيخهم الكبير عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، وقال في تقديمه له: (اطلعت على ما كتبه صاحب الفضيلة الشيخ حمود بن عبدالله التويجري وفقه الله وبارك في أعماله فيما ورد من الأحاديث في خلق آدم على صورة الرحمن.. فألفيته كتاباً قيماً كثير الفائدة قد ذكر فيه الأحاديث الصحيحة الواردة في خلق آدم على صورة الرحمن، وفيما يتعلق بمجيء الرحمن يوم القيامة على صورته، وقد أجاد وأفاد، وأوضح ما هو الحق في هذه المسألة، وهو أن الضمير في الحديث الصحيح في خلق آدم على صورته يعود إلى الله عز وجل، وهو موافق لما جاء في حديث ابن عمر أن الله خلق آدم على صورة الرحمن، وقد صححه الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه والآجري وشيخ الإسلام ابن تيمية وآخرون من الأئمة رحمة الله عليهم جميعاً، وقد بين كثير من الأئمة خطأ الإمام ابن خزيمة رحمه الله في إنكار عود الضمير إلى الله سبحانه في حديث ابن عمر والصواب ما قاله الأئمة المذكورون وغيرهم في عود الضمير إلى الله عز وجل بلا كيف ولا تمثيل، بل صورة الله سبحانه تليق به وتناسبه كسائر صفاته ولا يشابهه فيها شيء من خلقه سبحانه وتعالى)([13])

وقد أوردت هذه الشهادة من ابن باز حتى يتبين لنا أن ما سنذكره من كلام السلفية والمنقول في كتبهم هو بإقرار مشايخهم الكبار المعتمدين.. لأننا ـ ومن خلال مناقشاتنا لهم ـ يتقنون فن الفرار، فكلما احتج عليهم بحجة ذكروا أنهم لم يقولوا هذا، أو أن هذا قول ضعيف، ونحو ذلك، ولهذا حاولنا في هذا الكتاب كما في غيره من الكتب أن نقتصر على الأقوال المعتمدة عليهم، وعلى الشخصيات التي يزكونها.

وقد ذكر التويجري الدوافع لتأليفه، وهي دوافع لا تختلف كثيرا عن تلك الدوافع التي كان ينطلق منها الدارمي وابن خزيمة وابن تيمية، فقال: (ولا يزال القول بمذهب الجهمية مستمرا إلى زماننا. وقد رأيت ذلك في بعض مؤلفات المعاصرين وتعليقاتهم الخاطئة. وذكر لي عن بعض المنتسبين إلى العلم أنه ألقى ذلك على الطلبة في بعض المعاهد الكبار في مدينة الرياض. ولما ذكر له بعض الطلبة قول أهل السنة أعرض عنه وأصر على قول الجهمية. عافانا الله وسائر المسلمين مما ابتلاه به)([14])

وهو يقصد بالجهمة هنا كل منزهة الأمة، لأنهم جميعا، حتى مع تصحيح الحديث لا يقولون بمقتضاه الظاهر، بل يؤولونه بمختلف صنوف التأويلات.

وبذلك فإن منكر كون الله له صورة كصورة الإنسان ـ عند السلفية ـ جهمي.. والجهمي عندهم معطل وكافر.. ومن شاء أن يعرف حكم الجهمي عندهم، فليقرأ ما كتبه ابن تيمية وغيره عنه.

بعد هذا التقرير المثبت لموقفهم حول ما يسمونه [صورة الله تعالى] نحاول أن نذكر ـ باختصار ـ الأدلة التي يعتمدون عليها.

وهي ـ طبعا ـ ليست أدلة العقلية، فهم يكفرون بالعقل، ويعزلونه، ويعتبرون الرجوع إليه ضلالا وبدعة وكفرا.

وهي ـ كذلك ـ ليست من القرآن الكريم.. فالقرآن الكريم يخبر أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه لم يكن له كفوا أحد.. وأنه لا تدركه الأبصار.

وهي ـ كذلك ـ ليست من السنة النبوية المطهرة الصحيحة المتوافقة مع القرآن الكريم ـ فهي كلها تدل على الله الذي يدل عليه البرهان والقرآن والعرفان.

هي ليست من نوع تلك الأدلة، وإنما تعود جميعا إلى نص واحد من رواة متعددين أخذوه من أساتذتهم من أهل الكتاب، وراحوا ينسبونه زورا وبهتانا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ثم هي بعد ذلك تعود إلى عقل واحد ممتلئ بالغرور يتصور أن الله العظيم الذي خلق هذا الكون جميعا، والذي لا يشكل ما نراه منه شيئا أمام ما لا نراه، اختار صورته ليخلق عليها واحدا من خلقه.. ثم يدلـله على حساب مخلوقاته جميعا، وهذا العقل هو العقل اليهودي.

ولذلك فسنرى كيف يقبل السلفية على النصوص اليهودية المتعلقة بهذا، ويحترمونها، ويستدلون بها.

وقبل أن نذكرها نذكر الحديث الذي اعتمدوا عليه، والذي لا يقل عندهم قيمة عن حديث الجارية وحديث الساق، وهو ما رووه عن همام بن منبه،عن أبي هريرة بلفظ (خلق الله عز وجل آدم على صورته،طوله ستون ذراعاً،فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر – وهم نفر من الملائكة جلوس – فاستمع ما يحيُّونك،فإنها تحيتك وتحية من بعدك)([15])

ومن روايات الحديث ما رووه عن أبي هريرة (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)([16])

ومن رواياته عن ابن عمر: (لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن)([17])

وقد وقف المنزهة من هذا الحديث مواقف متعددة محاولين أن يردوه إلى معنى صحيح متناسب مع التنزيه.. ومن ذلك ما ذكره ابن حجر عند ما قال: (واختلف في الضمير على من يعود؟ فالأكثر على أنه يعود على المضروب لما تقدم من الأمر بإكرام وجهه،ولولا أن المراد التعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها)([18])

وقد رد السلفية على هذا التأويل بشدة على الرغم أن بعض متقدميهم ـ وهو ابن خزيمة ـ ذكره، ومن تلك الردود، ما قاله ابن قتيبة في (تأويل مختلف الحديث) – في سرد لأقوال الأئمة في تأويل هذا الحديث – ومنها (أن المراد أن الله خلق آدم على صورة الوجه،قال: وهذا لا فائدة فيه، والناس يعلمون أن الله تبارك وتعالى خلق آدم على خلق ولده، وجهه على وجوههم، وزاد قوم في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام مر برجل يضرب وجه رجل آخر، فقال (لا تضربه،فإن الله تعالى خلق آدم عليه الصلاة والسلام على صورته)([19]) أي صورة المضروب،وفي هذا القول من الخلل ما في الأول)([20]).

أما الطبراني فقد اعتبر هذا التأويل تجهما، فقال في كتاب السنة: (حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل قال (قال رجل لأبي: إن رجلاً قال: خلق الله آدم على صورته،أي صورة الرجل،فقال: كذب،هذا قول الجهمية،وأي فائدة في هذا)([21])

ولهذا، فقد أنكر السلفية على ابن خزيمة ـ على الرغم من موافقته لهم في كل شيء ـ إنكارا شديدا، قال الذهبي – معاتبا من يشتدون على ابن خزيمة بسبب ذلك – (وكتابه في التوحيد مجلد كبير،وقد تأول في ذلك حديث الصورة،فليعذر من تأول بعض الصفات،وأما السلف فما خاضوا في التأويل بل آمنوا وكفوا،وفوضوا علم ذلك إلى الله ورسوله،ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده – مع صحة إيمانه وتوخيه لاتباع الحق – أهدرناه،وبدعناه،لقل من يسلم من الأئمة معنا،رحم الله الجميع بمنه وكرمه)([22])

أما ابن تيمية فكعادته في التنظر والإطناب فيه، فقد ذكر ثلاثة عشر وجهاً للرد على هذا التأويل، لأن المسألة عندهم مسألة كفر وإيمان، ولهذا تحتاج منهم كل هذه الجهود الفكرية المضنية.

ومن تلك الوجوه([23]) ـ والتي يستخدم فيها ابن تيمية الحيل اللغوية، متناسيا أن أكثرالأحاديث في حال صحتها مروية بالمعنى ـ ما ذكره من أنه في مثل هذا (لا يصلح إفراد الضمير،فإن الله خلق آدم على صورة بنيه كلهم، فتخصيص واحد لم يتقدم له ذكر بأن الله خلق آدم على صورته في غاية البعد،لا سيما وقوله (وإذا قاتل أحدكم.. وإذا ضرب أحدكم) عام في كل مضروب،والله خلق آدم على صورهم جميعهم،فلا معنى لإفراد الضمير،وكذلك قوله (لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك) عام في كل مخاطب،والله قد خلقهم كلهم على صورة آدم)

ومنها: أن ذرية آدم خلقوا على صورة آدم، لم يخلق آدم على صورهم، فإن مثل هذا الخطاب إنما يقال فيه: خلق الثاني المتأخر في الوجود على صورة الأول المتقدم وجوده، لا يقال: إنه خلق الأول على صورة الثاني المتأخر في الوجود، كما يقال: خلق الخلق على غير مثال أو نسيج هذا على منوال هذا.

ومنها: أنه إذا أريد مجرد المشابهة لآدم وذريته لم يحتج إلى لفظ خلق على كذا، فإذ هذه العبارة إنما تستعمل فيما فطر على مثال غيره، بل يقال إن وجهه يشبه وجه آدم، أو فإن صورته تشبه صورة آدم.

ومنها: أنه لو كانت علة النهي عن شتم الوجه وتقبيحه أنه يشبه وجه آدم لنهى أيضاً عن الشتم والتقبيح وسائر الأعضاء، لا يقولن أحدكم قطع الله يدك ويد من أشبه يدك… إلخ ما ذكره([24]).

ولم ييأس المنزهة من توجيه هذا الحديث بعد هذا الرفض الشديد الذي واجههم به المجسمة، فراحوا يقولون لهم: لا بأس.. فليكن الأمر كما تذكرون.. ولكن ألا يمكن أن يعود الضمير يعود إلى آدم، أي (أن الله خلق آدم على صورته) أي على صورة آدم)([25])

لكن السلفية رفضوا هذا أيضا رفضا شديدا، بل اتهموا القائل بذلك التجهم والتعطيل، وقد رووا عن الإمام أحمد أنه لما ذكر له قول أبي ثور في تأويل (أن الله خلق آدم على صورته) أي على صورة آدم، قال: (من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأيُّ صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه؟)([26]).

وقال ابن قتيبة – بعد ذكره لهذا القول – (ولو كان المراد هذا، ما كان في الكلام فائدة، ومن يشك في أن الله تعالى خلق الإنسان على صورته، والسباع على صورها، الأنعام على صورها)([27])

أما ابن تيمية ـ فعادته في الإطناب والتنظر ـ ولخطورة المسألة وأهميتها، ولحرصه الشديد على حفظ عقائد المؤمنين التي وكلت إليه ـ باعتباره شيخ الإسلام ـ من أن يصيبها فيروس التجهم والتعطيل، فقد ساق لفساد هذا القول تسعة أوجه، منها ([28]): أنه إذا قيل: إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورة آدم، أو لا تقبحوا الوجه، ولا يقل أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورة آدم، كان هذا من أفسد الكلام، فإنه لا يكون بين العلة والحكم مناسبة أصلاً، فإن كون آدم مخلوقاً على صورة آدم، فأي تفسير فسر به فليس في ذلك مناسبة للنهي عن ضرب وجوه بنية، ولا عن تقبيحها وتقبيح ما يشبهها.

ومنها: أن الله خلق سائر أعضاء آدم على صورة آدم، فلو كان مانعاً من ضرب الوجه أو تقبيحه لوجب أن يكون مانعاً من ضرب سائر الوجوه وتقبيح سائر الصور، وهذا معلوم الفساد في العقل والدين، وتعليل الحكم الخاص بالعلة المشتركة من أقبح الكلام، وإضافة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يصدر إلا عن جهل عظيم أو نفاق شديد،إذ لا خلاف في علمه وحكمته وحسن كلامه وبيانه.

وبناء على فساد التأويلين السابقين فقد ذهب السلفية أو أكثرهم إلى أن الضمير في الحديث يعود على الله عز وجل.. وبذلك يصبح معنى الحديث: (إن الله خلق آدم على صورته هو) أي على صورة الله.. أي أن آدم يشبه الله.

والسلفية يجتهدون في أن ينسبوا القول بهذا لإمامهم الكبير الإمام أحمد، ويعتبرون تلك النسبة كافية في البرهنة على ما ذهبوا إليه، وقد نقلوا عن بعضهم أنه قال: (نقلت من خط أحمد الشنجي بإسناده قال: سمعت محمد بن عوف يقول: أملى عليَّ أحمد بن حنبل – فذكر جملة من المسائل التي أملاها عليه مما يعتقده أهل السنة والجماعة،ومنها – وأن آدم صلى الله عليه وسلم خلق على صورة الرحمن كما جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([29])

وقال ابن قتيبة: (والذي عندي – والله تعالى أعلم – أن الصورة ليست بأعجب من اليدين،والأصابع،والعين،وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن،ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن،ونحن نؤمن بالجميع،ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد)([30])

وقد انتصر التويجري في كتابه الذي خصصه لهذا الحديث، والذي أقره عليه ابن باز، بوجوه كثيرة نقتصر منها على هذا الوجه، حيث قال: (الوجه الثاني: أن يقال إن خلق آدم على صورة الرحمن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أربعة أحاديث.. أولها: حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (خلق الله آدم على صورته)، وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة عن أبي هريرة والضمير في قوله (على صورته) عائد إلى الله تعالى كما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة.. وثانيها: حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن) وهذا نص صريح في أن الله تعالى خلق آدم على صورته. وهذا النص لا يحتمل التأويل، ومن تأوله فقد أبعد النجعة وتكلف غاية التكلف.. وثالثها: حديث أبي يونس الدوسي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإنما صورة الإنسان على صورة وجه الرحمن) وهذا نص صريح في أن الله تعالى خلق الإنسان على صورة وجهه الذي هو صفة من صفات ذاته. وهذا النص لا يحتمل التأويل، وفيه أبلغ رد على ابن خزيمة وعلى كل من تأول الحديث بتأويلات الجهمية المعطلة.. ورابعها: حديث أبي رافع الصائغ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورة وجهه) وهذا نص صريح في خلق آدم على صورة وجه الله تعالى، وهذا النص لا يحتمل التأويل، وفي هذه الأحاديث الأربعة أبلغ رد على من تأول حديث ابن عمر على غير تأويله ونفى إضافة الصورة إلى الرحمن وزعم أنها من إضافة الخلق والتصوير إلى الله تعالى)([31])

هذا ما ذكره التويجري وهو تلخيص لما ذكره ابن تيمية وغيره من أعلام السلفية الذين أعطوا المسألة ما تستحقه من العناية، باعتبارها تبحث عن صورة الله، وهل هناك عاقل يرغب عن البحث عن هذه الصورة؟

ويتبين لنا من خلال ما ذكره من روايات الحديث المعتمدة كون أبي هريرة يشكل قطب رحاه، وهذا يكشف لنا عن مصدر الحديث، فمن المعلوم عند المحدثين أنفسهم، بل عند السلفية جميعهم أن أبا هريرة كان تلميذا نجيبا لكعب الأحبار وغيره من اليهود، وكانت تختلط رواياته عن كعب برواياته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ولهذا كان من السهولة على المنزهة أن يرفضوا الحديث ويردوه بمجرد روايته عن أبي هريرة، خاصة وأنهم يعللون رواية ابن عمر بالعلل الكثيرة.. ولكن الخشية للأسف من اتهامهم بالطعن في الصحابة جعلهم يرضون بالطعن في تنزيه الله نفسه، بل جعلهم يتكلفون من التأويل ما غلبهم فيه المجسمة، لأن النص واضح في الدلالة على التشبيه، وكل تأويل له تكلف.

ولهذا كان يمكنهم التعامل مع حديث الصورة كما تعاملوا مع قوله في الحديث المشهور: (أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي،فقال: خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال فيها يوم الأحد وخلق الشجر فيها يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس،وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل) ([32])

فمع كون الحديث مرويا في صحيح مسلم إلا أن ابن كثير تجرأ فقال بكذبه، فقد قال في تفسيره تعليقا عليه: (فقد رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه، والنسائي من غير وجه عن حجاج وهو ابن محمد الأعور عن ابن جريج به وفيه استيعاب الأيام السبعة والله تعالى قد قال في ستة أيام، ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعا)([33])

بل إن ابن تيمية نفسه رد الحديث، فقال في (مجموع الفتاوى): (.. خلق الدواب يوم الخميس وخلق آدم يوم الجمعة فإن هذا طعن فيه من هو أعلم من مسلم مثل يحيى بن معين ومثل البخارى وغيرهما وذكر البخارى أن هذا من كلام كعب الأحبار)([34])

وليتهم أعرضوا عن حديث الصورة أيضا، لأن الله تعالى قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، لكن العقل السلفي يتعامل بانتقائية فيرفض ما يشاء، ويقبل ما يشاء.

فمع اعترافهم بأن أحاديث أبي هريرة مختلطة مع أحاديث كعب الأحبار إلا أنهم لا يبالون في أخذ أكثر عقائد الدين منه، وقد روى ابن كثير عن عروة بن الزبير بن العوام،قال: قال لى أبي الزبير: أدننى من هذا اليمانى (يعني أبا هريرة) فانه يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: فأدنيته منه فجعل أبو هريرة يحدث، وجعل الزبير يقول صدق كذب صدق كذب،قال: قلت يا أبة ما قولك صدق كذب،قال: يا بني أما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا أشك، ولكن منها ما يضعه على مواضعه ومنها ما وضعه على غير مواضعه)([35])

وروى ابن كثير أيضا عن مسلم صاحب الصحيح بسنده عن بكير بن الأشج،قال: قال لنا بشر بن سعيد: (اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا تجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويحدثنا عن كعب الأحبار ثم يقوم فأسمع بعض ما كان معنا يجعل حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كعب وحديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([36])

الرؤية:

بناء على الرؤية التجسيمية لله، فإن المطلب الأكبر في المعرفة الكاملة لله هو البحث عن رؤيته رؤية حسية كما يرى القمر وكما ترى الشمس، وكما ترى الأجسام، لتتمتع العين برؤيته كما تتمتع برؤية الأزهار الجميلة والحدائق الغناء وغيرها.

ولهذا نرى السلفية يحشرون رؤية الله تعالى في الجنة في المواضع التي يتحدثون فيها عن جمال صور أهل الجنة، وجمال قصورهم، ونحو ذلك.

ومن أراد أن يرى تفاصيل ذلك يمكنه الرجوع إلى كتاب [حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح] لابن القيم، فقد عقد فيه فصلا بعنوان [ذكر زيارة أهل الجنة ربهم تبارك وتعالى]([37])، وذكر قبله بابا بعنوان: [في ذكر سوق الجنة وما أعد الله تعالى فيه لأهلها]([38]) وفي كليهما ذكر مشاهد للقاء الحسي الذي يجري بين المؤمنين وربهم في الجنة، كما يجري بين أعلام السلفية والملوك والأمراء في الدنيا.

وسنسوق هنا بعض الروايات الواردة في ذلك لنرى مبلغ تعظيم السلفية لله تعالى، وتنزيه لهم، فمن تلك الروايات ما رواه عن سعيد بن المسيب، أنه لقي أبا هريرة، فقال أبو هريرة: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة. فقال سعيد: أو فيها سوق؟ قال: نعم. أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوها بفضل أعمالهم، فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون الله في روضة من رياض الجنة، فتوضع لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ياقوت، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم، وما فيهم دني، على كثبان المسك والكافور، وما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسا)، قال أبو هريرة: فقلت: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: (نعم، هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟) قلنا: لا. قال: فكذلك لا تمارون في رؤية ربكم تبارك وتعالى، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرة، حتى يقول: يا فلان بن فلان بن فلان أتذكر يوم فعلت كذا وكذا، فيذكره بعض غدراته في الدنيا، فيقول: بلى. فيقول: يا رب أفلم تغفر لي؟ فيقول: بلى، فبمغفرتي بلغت منزلتك هذه. قال: فبينما هم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم، فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط، ثم يقول ربنا تبارك وتعالى: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة، فخذوا ما اشتهيتم، قال: فيأتون سوقا قد حفت بها الملائكة، فيه ما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان، ولم تخطر على القلوب. قال: فيحمل لنا ما اشتهيناه، ليس يباع فيه شيء ولا يشترى، في ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا. قال: فيقبل ذو البزة المرتفعة، فيلقى من هو دونه، وما فيهم دني، فيروعه ما يرى عليه من اللباس والهيئة، فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه، وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها. قال: ثم ننصرف إلى منازلنا فيلقانا أزواجنا فيقلن: مرحبا وأهلا بحبنا، لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه، فيقول: (إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار تبارك وتعالى، ويحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا)([39])

ومن الروايات التي يوردونها في هذا ما يروونه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذْ سطع لهمْ نورٌ فرفعوا رؤوسهم،فإذا الربُّ قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة،قال: وذلك قول الله تعالى: { سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 58]،قال: فينظر إليهم وينظرون إليه،فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نورُه وبركته عليهم في ديارهم) ([40])

هذه بعض المشاهد التي يحرص السلفية على ذكرها في كل محل، وهي لا تختلف كثيرا عن المشاهد التي نقرؤها في كتب التاريخ والأساطير عن مجالس الملوك والأمراء.. حيث يقربون ندمانهم، ثم يصلونهم بأنواع الصلات.. وهي علاقة مادية صرفة لا مجال فيها للمشاعر السامية، ولا للعواطف الجياشة التي رأيناها عند أهل العرفان.

ومن العجب الذي نراه في أمثال هذه الرويات هو إسكانهم لله سبحانه وتعالى خالق هذا الكون جميعا في دار من دور الجنة ليجاورهم، ويصلهم، وتزداد صورهم حسنا بذلك، وكأن الله تعالى لم يخلق سواهم، ولا له تدبير لغيرهم.

ومن العجب الأكبر هو أحاديثهم عن جمال الله تعالى.. وهي أحاديث عن الجمال الحسي، لا عن الجمال العظيم الذي لا يمكن الإحاطة به، ومن أمثلة ذلك ما قاله الهرَّاس، فقد قال: (أما جمال الذات ؛ فهو ما لا يمكن لمخلوق أنَّ يعبر عن شيء منه أو يبلغ بعض كنهه، وحسبك أنَّ أهل الجنة مع ما هم فيه من النعيم المقيم وأفانين اللذات والسرور التي لا يقدر قدرها، إذا رأوا ربهم، وتمتعوا بجماله ؛ نسوا كل ما هم فيه،واضمحل عندهم هذا النعيم، وودوا لو تدوم لهم هذه الحال، ولم يكن شيء أحب إليهم من الاستغراق في شهود هذا الجمال،واكتسبوا من جماله ونوره سبحانه جمالاً إلى جمالهم،وبقوا في شوق دائم إلى رؤيته،حتى إنهم يفرحون بيوم المزيد فرحاً تكاد تطير له القلوب)([41])

وهو في هذا الكلام الذي يشبه كلام العارفين في ألفاظه، إلا أنه لا يرقى إلى مقاصدهم.. فالجمال عنده هو جمال صورة الله الحسية التي لم يتصوروا أن يعرف الله من دونها.

والعجيب أن السلفية في ذكرهم لهذا يتناقضون مع ما يوردونه من روايات حول ما يطلقون عليه صفة [السبحات]، والتي رووا في شأنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) ([42])

وقد رفضوا كل التأويلات التي أوردها المنزهة، مثلما فسرها الزمخشري بأنها (الأنوار التي إذا رآها الراءون من الملائكة سبحوا وهللوا لما يروعهم من جلال الله وعظمته)([43])

أو كما فسرها ابن فورك حين قال: (فقد تأول أهل العلم ذلك، منهم أبو عبيد، ذكر أن معنى لو كشفها، فقال: أي لو كشف رحمته عن النار لأحرقت سبحات وجهه، أي لأحرقت وجه المحجوب عنه بالنار، والهاء عائد في سبحات وجهه إلى المحجوب،لا إلى الله عز وجل)([44])

وقد رفض السلفية كل ذلك، وتمسكوا بالمعنى الحسي، وهو أن هذه السبحات نور وجهه جل جلاله، يقول ابن القيم: (فإذا كانت سبحات وجهه الأعلى لا يقوم لها شيء من خلقه، ولو كشف حجاب النور عن تلك السبحات لأحرق العالم العلوي والسفلي، فما الظن بجلال ذلك الوجه الكريم وعظمته وكبريائه وكماله وجلاله وجمالـه) (3)

ولم يكتف السلفية بكل ذلك التجسيم المستند لأمثال تلك الروايات والأساطير التي ينفسون بها عن نفوسهم الممتلئة بالضيق والكدر.. وإنما راحوا يضيفون إليها جرعة أكبر من الجرأة حين يضعون لله صورة تتناسب مع شذوذهم وفطرهم المدنسة بدنس الحس.

وقد قدموا لتلك الصورة ـ لصعوبة تقبلها ـ بمقدمات كثيرة حتى يسهل عليهم التملص والفرار إذا ما اتهموا بالتشبيه المطلق.

وقد انطلقوا في ذلك من ذكر ما يطلقون عليه [رؤية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لربه]، وهي مسألة حظيت باهتمام كبير من السلفية.. وأكثرهم يميل إلى أنها وقعت.. وحتى الذي لا يميل إلى ذلك يذكر بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه في الرؤيا.. ثم يعقب على ذلك بأن رؤيا الأنبياء حق.. وبذلك فإن ما وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ربه من الصفات الحسية مقبول عندهم سواء قالوا برؤية اليقظة أم بالرؤيا المنامية.

ولأن النتيجة في كليهما واحدة، فقد تعامل السلفية بهدوء مع هذه المسألة على الرغم من وجود آثار كثيرة تثبت الرؤية، والمثبت عندهم مقدم على النافي، قال الذهبي: (ولا نعنف من أثبت الرؤية لنبينا في الدنيا، ولا من نفاها، بل نقول الله ورسوله أعلم، بل نعنف ونبدع من أنكر الرؤية في الآخرة، إذ رؤية الله في الآخرة ثبتت بنصوص متوافرة) ([45])

أما الفريق الذي يرى أنها قد وقعت، ويصف بالضبط صورة الله بدقة، فهم أكثر السلفية، كما قال ابن تيمية: (وأكثر علماء أهل السنة يقولون: إن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه ليلة المعراج)([46])

ويستند هذا الفريق إلى بعض الآثار عن الصحابة والتابعين، والتي يجزمون فيها، ويحلفون برؤية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لربه.

وأهم تلك الروايات ما رووه عن عكرمة عن ابن عباس قال: (أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم) ([47])

ومنها ما رووه عن قتادة أن أنسًا قال: (رأى محمدٌ ربَّه) ([48])

ومنها ما رووه أن مروان سأل أبا هريرة: هل رأى محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم ربَّه عز وجل؟ فقال: (نعم، قد رآه)([49])

ورووا عن التابعين أن عكرمة سئل عن قوله تعالى:{مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم 11]، قال: (أتريد أن أقول لك: قد رآه. نعم قد رآه، ثم قد رآه، ثم قد رآه، حتى ينقطع النفس)([50])

ورووا عن المبارك بن فضالة قال: (كان الحسن يحلف ثلاثة لقد رأى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ربه) ([51])

وقد يكون ما ذكره هؤلاء جميعا في هذا صحيحا، ويكون قصدهم كما ذكرنا سابقا (الرؤية القلبية)، لأن الله تعالى لم يكن يغيب أبدا عن قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. بل كان يراه في كل أحواله.

ويؤيد هذا ما رووه عن عن عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم 13] قال: (إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه بقلبه) ([52])، ومنها ما رووه عن أبي ذر أنه قال: (رأى رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم ربَّه بقلبه ولم يره ببصره) ([53])

لكن مشكلة السلفية أنهم لا يكتفون بالروايات التي تحتمل التنزيه، بل يضيفون إليها الروايات التي لا يفهم منها إلا التجسيم.. ومن تلك الروايات ما رووه عن عبد الله بن عمر أنه بَعَثَ إلى عبد الله بن عباس يسأله: هل رأى محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم ربَّه؟ فبعث إليه: (أن نعم قد رآه)، فرد رسوله إليه وقال: كيف رآه؟ فقال: (رآه على كرسي من ذهب، تحمله أربعة من الملائكة، ملك في صورة رجل، وملك في صورة أسد، وملك في صورة ثور، وملك في صورة نسر، في روضة خضراء، دونه فراش من ذهب)([54])

ومع أن السمة اليهودية واضحة على هذا الحديث الممتلئ بالذهب والجواهر الكريمة إلا أننا نجد السلفية تردده في مصادرها العقدية الكبرى التي تتيح قراءتها لعوام الناس، بل تحثهم عليها، لتمتلئ قلوبهم بدرن التجسيم المختلط بالذهب.

هذا هو الفريق الأول الذي مال إليه أكثر السلفية.. أما الفريق الثاني، فتمثله عائشة، فقد ردت ما روي عن ابن عباس ردا شديدا، واستدلت بالقرآن الكريم في ردها، مما أثار بعض السلفية المتقدمين عليها.

وسنذكر قول عائشة، ثم نذكر موقف علم من أعلام السلفية الكبار منها نتيجة لرفضها الرؤية، والرواية هي ما حدث به مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: (يا أبا عائشة: ثلاث من تكلم بواحدة منهن، فقد أعظم على الله الفرية، من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، قال: وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين: أنظريني ولا تعجليني: ألم يقل الله عز وجل {وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ} {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى}، فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطًا من السماء سادًا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض. فقالت: ألم تسمع أن الله يقول: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار} [الأنعام 103]. أو لم تسمع أن الله يقول: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى 51])([55])

ومع أن هذا الحديث يحمل الرؤية التنزيهية بأجمل صورها، ويستند إلى القرآن في ذلك إلا أننا نجد علما كبيرا من أعلام السلفية يلقبونه [إمام الأئمة] هو ابن خزيمة يقول ردا عليها: (هذه لفظة أحسب عائشة تكلمت بها في وقت غضب،ولو كانت لفظة أحسن منها يكون فيها درك لبغيتها كان أجمل بها،ليس يحسن في اللفظ أن يقول قائل أو قائلة: قد أعظم ابن عباس الفرية وأبو ذر وأنس بن مالك وجماعات من الناس الفرية على ربهم ! ولكن قد يتكلم المرء عند الغضب باللفظة التي يكون غيرها أحسن وأجمل منها. أكثر ما في هذا أن عائشة وأبا ذر وابن عباس وأنس بن مالك،قد اختلفوا هل رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربه فقالت عائشة: لم ير النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربه،وقال أبو ذر وابن عباس صلى الله عليه وآله وسلم قد رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربه،وقد أعلمت في مواضع من كتبنا أن النفي لا يوجب علماً والإثبات هو الذي يوجب العلم،لم تحكِ عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أخبرها أنه لم ير ربه عز وجل، وإنما تلت قوله عز وجل {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار} [الأنعام 103]، وقوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً..} [الشورى 51])، ومن تدبر هاتين الآيتين ووفق لإدراك الصواب علم أنه ليس في واحدة من الآيتين ما يستحق الرمي بالفرية على الله،كيف بأن يقول قد أعظم الفرية على الله!)([56])

وبعد أن فند ـ حسب تصوره ـ ما استدلت به من الآيتين الكريمتين قال: (نقول كما قال معمر بن راشد لما ذكر اختلاف عائشة وابن عباس في هذه المسألة: ما عائشة عندنا أعلم من ابن عباس،نقول: عائشة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله عالمة فقيهة،كذلك ابن عباس ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم له أن يرزق الحكمة والعلم وهذا المعنى من الدعاء،وهو المسمى ترجمان القرآن،وقد كان الفاروق يسأله عن بعض معاني القرآن فيقبل منه وإن خالفه غيره ممن هو أكبر سناًّ منه وأقدم صحبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإذا اختلفا فمحال أن يقال قد أعظم ابن عباس الفرية على الله،لأنه قد أثبت شيئاً نفته عائشة،والعلماء لا يطلقون هذه اللفظة،وإن غلط بعض العلماء في معنى آية من كتاب الله أو خالف سنةً أو سنناً من سنن النبيصلى الله عليه وآله وسلم لم تبلغ المرء تلك السنن،فكيف يجوز أن يقال أعظم الفرية على الله من أثبت شيئاً لم يبينه كتاب ولا سنة،فتفهموا هذا لا تغالطوا)([57])

بعد هذا الخلاف، والذي مال فيه أكثر السلفية إلى طرف التجسيم والتشبيه، اخترع الشيطان وأتباعه للطرف المنزه اختراعا ذكيا حولهم إلى صف إخوانهم بلباقة وذكاء وفطنة.

وهذا الاختراع هو تحويل الرؤية من الرؤية الحسية إلى الرؤيا المنامية، باعتبار أن رؤيا الأنبياء حق، كما ورد في النصوص المقدسة الكثيرة، وكما هو محل اتفاق من الأمة.

قال ابن القيم، نقلا عن شيخه ابن تيمية: (قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: وليس قول ابن عباس إنه رآه مناقضا لهذا ولا قوله رآه بفؤاده وقد صح عنه أنه قال: (رأيت ربي تبارك وتعالى)، ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه -تبارك وتعالى- تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- وقال: نعم رآه حقا فإن رؤيا الأنبياء حق ولابد، ولكن لم يقل أحمد -رحمه الله تعالى- إنه رآه بعيني رأسه يقظة، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه، ولكن قال: مرة رآه، ومرة قال: رآه بفؤاده، فحكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيها ذلك) ([58])

بعد تثبيت السلفية هذه المقدمات بمختلف أنواعها، يذكرون أهم نتيجة تصل إليها عقائدهم التجسيمية، وهي تحديد صورة الله تعالى بدقة، حتى إذا ظهر لهم يوم القيامة لم يخطئوا فيه، كما يروون الروايات الدالة على ذلك.

والحديث الذي يسوقونه لهذا هو ما رووه عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب أنها قالت: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر أنه رأى ربه – عز وجل – في المنام في صورة شاب موفر في خضر على فراش من ذهب، في رجليه نعلان من ذهب)، وفي رواية (رَأَيْتُ رَبِّي فِي المنام في صورة شاب مُوَقَّرٍ فِي خَضِرٍ، عليه نَعْلانِ من ذهب، وَعَلَى وجهه فراش مِنْ ذهب)، وفي رواية: (أنه رأى ربه عز وجل في النوم في صورة شاب ذي وفرة، قدماه في الخضرة، عليه نعلان من ذهب،على وجهه فراش من ذهب) ([59])

وفي رواية عن ابن عباس يرفعها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (رأيت ربي، عز وجل، في حلة خضراء في صورة شاب عليه تاج يلمع منه البصر)، وفي وراية: (أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد من دونه ستر من لؤلؤ، قدميه، أو قال: رجليه في خضرة)، وفي رواية (رأيت ربي جعداً أمرد عليه حلة خضراء) ([60])

وقد دافع ابن تيمية عن هذا الحديث والروايات الواردة فيه أيما دفاع، فقال: (قال الخلال أبوبكر المروذي قال قرئ على أبي عبد الله شاذان حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن محمدًا رأى ربه، فذكر الحديث، قلت إنهم يطعنون في شاذان يقولون ما رواه غير شاذان، قال بلى قد كتبته عن عفان عن رجل عن حماد عن سلمة عن قتادة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رأيت ربي، وقال المروذي في موضع آخر قلت لأبي عبد الله: فشاذان كيف هو؟ قال: ثقة، وجعل يثبته، وقال: في هذا يشنع به علينا، قلت: أفليس العلماء تلقته بالقبول، قال بلى قلت إنهم يقولون إن قتادة لم يسمع من عكرمة قال هذا لايدري الذي قال وغضب وأخرج إليَّ كتابه فيه أحاديث بما سمع قتادة من عكرمة، فإذا ستة أحاديث سمعت عكرمة حدثنا بهذا المروذي عن أبي عبد الله قال أبو عبد الله: قد ذهب من يحسن هذا وعجب من قول من قال لم يسمع وقال سبحان الله هو قدم البصرة فاجتمع عليه الخلق)([61])

وقال في موضع آخر: (شاذان يقول أرسلت إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل أستأذنه في أن أحدث بحديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال رأيت ربي، قال حدث به فقد حدث به العلماء، قال الخلال أبنا الحسن بن ناصح قال حدثنا الأسود بن عامر شاذان ثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه جعدًا قططا أمرد في حلة حمراء والصواب حلة خضراء)([62])

ثم يروي أحاديث الرؤية المنامية، ويبين انطباقها على الأحاديث الدالة على الرؤية في اليقظة، فقد روى عن امرأة أبي بن كعب أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول رأيت ربي في المنام في خضر من الفردوس إلى أنصاف ساقيه في رجليه نعلان من ذهب)([63])

ثم علق عليه بقوله: (وهذا الحديث الذي أمر أحمد بتحديثه قد صرح فيه بأنه رأى ذلك في المنام، وهذه الألفاظ نظير الألفاظ التي في حديث ابن عباس) ([64])

بل إنه فوق ذلك، وحتى يبين إمكانية الاستدلال بحديث الرؤية المنامية على صفة الله، قال: (وإذا كان كذلك فالإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه فهذا حق في الرؤيا، ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في المنام فإن سائر ما يرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلا، ولكن لا بد أن تكون الصورة التي رآه فيها مناسبة ومشابهة لاعتقاده في ربه، فإن كان إيمانه واعتقاده مطابقا أتي من الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك، وإلا كان بالعكس.. وليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب يتعلق به سبحانه وتعالى وإنما ذلك بحسب حال الرائي وصحة إيمانه وفساده واستقامة حاله وانحرافه)([65])

وما يريده ابن تيمية من هذا الكلام واضح، ذلك أنه يعرف أن المسلمين جميعا يعرفون أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أعرف الخلق بربه، ولذلك رؤيته مقاربة أو مطابقة لله نفسه.. خاصة إذا انضم إليها ما صححه من الأحاديث المتعلقة بالرؤية الحسية.

وبهذا يختم السلفية حديثهم عن الرؤية والصورة ليصلوا إلى النتيجة الكبرى، وهي أن الله عندهم في صورة بشر، بل في صورة شاب أمرد جميل.. وليس فيه من العيوب سوى أن شعره جعد قطط([66]).


([1])     ابن فارس. مقاييس اللغة 2: 366.

([2])     بناء على القول بتنزيه الأنبياء عليهم السلام وعصمتهم المطلقة، فإني أميل في هذه المسألة إلى ما ذكره الزمخشري في قوله عن موسى عليه السلام: (ما كان طلب الرؤية إلا ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضلالا. وتبرأ من فعلهم، وليلقمهم الحجر، وذلك أنهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم وأعلمهم الخطأ ونبههم على الحق، فلجوا وتمادوا في لجاجهم وقالوا: لا بدَّ، ولن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأراد أن يسمعوا النص من عند الله باستحالة ذلك، وهو قوله (لَنْ تَرانِي) ليتيقنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة)، تفسير الزمخشري (2/ 153)

([3])     الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (4/ 662)

([4])     انظر:  رؤية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل – الشيخ جعفر السبحاني  ص 34.

([5])     أصول الكافي، 1، 98.

([6])     بحار الأنوار، 4، 31 ح 5..

([7])     بحار الأنوار، 4، 53 ح 31.

([8])     إحياء علوم الدين (4/ 313)

([9])     إحياء علوم الدين (4/ 314)

([10])     بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (7/ 131)

([11])     تأويل مختلف الحديث، ص 261.

([12])     رواه: البخاري (7439). ومسلم (183)

([13])     عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن (مقدمة/ 7)

([14])     عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن (1/ 6).

([15])     البخاري ( 3326. 6227 ). ومسلم ( 2841 ). وابن خزيمة في التوحيد ( 1 / 93 – 94 ) وابن حبان ( 6162 ) وابن منده في الرد على الجهمية ص ( 41 – 42 ) و اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ( 711. 712 ) و البيهقي في الأسماء والصفات ( 635. 636 ) و البغوي في شرح السنة ( 3298 ).

([16])     مسلم ( 2612 ). وأحمد ( 2 / 244 ). وابنه عبدالله في السنة ( 496 ) وابن حبان ( 5605 ). و الآجري في الشريعة ( 721 ). و البيهقي في الأسماء والصفات ( 638 ). وفي السنن ( 8 / 327 ).

([17])     عبدالله بن أحمد في السنة ( 498 ). وابن أبي عاصم في السنة ( 529 ). وابن خزيمة في التوحيد ( 1 / 85 ). و الآجري في الشريعة ( 725 ) و الدارقطني في الصفات ( 45. 48  ). و البيهقي في الأسماء والصفات ( 640 ).

([18])    ) فتح الباري ( 5/183 ) .

([19])    وقد كذب ابن تيمية هذا المورد للحديث، فقال في [بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (6/ 424)]: (وما ذكر بعضهم من أن النبي a رأى رجلاً يضرب رجلاً ويقول قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فقال خلق الله آدم على صورته أي على صورة هذا المضروب فهذا شيء لا أصل له ولا يعرف في شيء من كتب الحديث)

([20])    ) تأويل مختلف الحديث ص ( 319 ) .

([21])    ) ميزان الاعتدال ( 1/603 ) .

([22])    ) سير أعلام النبلاء ( 14/374 ) .

([23])     انظر هذه الوجوه في: بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (6/ 426)

([24])     بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (6/ 426)

([25])    انظر من قال بذلك في: طبقات الحنابلة ( 1/309 ) .

([26])    طبقات الحنابلة ( 1/309 ) .

([27])    تأويل مختلف الحديث ص ( 318 ) .

([28])     بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (6/ 428)

([29])    طبقات الحنابلة ( 1/313 ) .

([30])    ) تأويل مخلف الحديث ص ( 318 ) .

([31])     عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن (1/ 40)

([32])     صحيح مسلم (4/ 2149)

([33])     تفسير ابن كثير ج2 ص294.

([34])     مجموع فتاوى ابن تيمية ج18ص18.

([35])     البدابة والنهاية ج8 ص109.

([36])     البداية والنهاية ج8 ص109.

([37])     حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: 267).

([38])     حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: 264).

([39])     السنة لابن أبي عاصم (1/ 258).

([40])     رواه ابن ماجه برقم ( 184 )

([41])     شرح النونية: 2/64.

([42])    رواه مسلم، وقد قدح بعض المتأخرين من المنزهة في سند هذا الحديث الذي رواه مسلم. وذكر أن هذا الحديث رواية شاذة انظر تعليق حسن السقاف على شبه التشبيه (ص200 ـ202 ) .

([43])    الفائق في غريب الحديث (2/148) .

([44])    مشكل الحديث وبيانه (ص231) .

(3)  الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة. 1 / 234 .

([45])   سير أعلام النبلاء 10/114

([46])   مجموع الفتاوى 3/386.

([47])   ابن أبي عاصم في السنة (1/192)، وقال الألباني: إسناده صحيح على شرط البخاري، وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة (1/299)، والنسائي في الكبرى (تحفة الأشراف 5/165)، وابن خزيمة في التوحيد (1/479، ح272)، والآجري في الشريعة (3/1541، ح1031)، (2/1048، ح627)

([48])   – أخرجه ابن أبي عاصم في السنة 1/188 رقم 432. وابن خزيمة في كتاب التوحيد 2/487، رقم 280.

([49])   – أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة 1/176، رقم 218. واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة 3/571، رقم 908.

([50])   – أخرجه ابن جرير في تفسيره 27/48. وعبد الله بن أحمد في السنة 1/178 رقم 221. واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد 3/571 رقم 907

([51])   – أخرجه ابن خزيمة في التوحيد 2/488 رقم 281. وانظر تفسير الحسن البصري 5/85 رقم 1572. وتفسير عبد الرزاق 2/204. والشفا للقاضي عياض 1/258.

([52])   – أخرجه مسلم (3/8). وأحمد في المسند 1/223

([53])   – أخرجه  النسائي في تفسيره 2/345، رقم 556، قال المحقق: صحيح، تفرد به المصنف، وابن خزيمة في كتاب التوحيد 2/516، رقم 310.

([54])   – رواه ابن أبي شيبة في كتاب العرش ص 391 رقم 38، وابن خزيمة في التوحيد 2/483 برقم 275، وعبد الله بن أحمد في السنة 1/175. والآجري في الشريعة 3/1543.

([55])   – أخرجه مسلم 3/9-13، والبخاري 8/472.

([56])     التوحيد لابن خزيمة (2/ 556)

([57])     التوحيد لابن خزيمة (2/ 559)

([58])   – زاد المعاد 3/37.

([59])     أخرجه ابن أبي عاصم في السنة 1/205 رقم 471. والطبراني في المعجم الكبير 25/143 رقم 346. والبيهقي في الأسماء والصفات 2/367-369 رقم 942. والدارقطني في الرؤية ص 190 رقم 316. والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات 1/141. والخطيب في تاريخ بغداد 13/311، وهذا الحديث صححه الحسن بن بشار وأبو يعلى كما في (طبقات الحنابلة لأبي يعلى: 2/59)

([60])     هذا الحديث من هذا الطريق صححه جمعٌ من أعلام السلفية الكبار منهم: الإمام أحمد (المنتخب من علل الخلال: ص282، وإبطال التأويلات لأبي يعلى 1/139)، وأبو زرعة الرازي (إبطال التأويلات لأبي يعلى 1/144)، والطبراني (إبطال التأويلات لأبي يعلى 1/143)، وأبو الحسن بن بشار (إبطال التأويلات 1/ 142، 143، 222)، وأبو يعلى في (إبطال التأويلات 1/ 141، 142، 143)، وابن صدقة (إبطال التأويلات 1/144) (تلبيس الجهمية 7 /225 )، وابن تيمية في (بيان تلبيس الجهمية 7/290، 356)

([61])    بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (7/ 194).

([62])    بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (7/ 196).

([63])    بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (7/ 194).

([64])    بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (7/ 194).

([65])    (بيان تلبيس الجهمية 1/73 )

([66])     معنى الجعد: ضد السبط، ومعنى القطط: الجعد القصير من الشعر، هكذا عرفه شعيب الارناوؤط في  تحقيقه لمسند احمد 5/414.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *