السلفية.. وتكفير المدرسة الإباضية

السلفية.. وتكفير المدرسة الإباضية

لا تختلف النظرة السلفية التكفيرية للإباضية عن نظرتها لسائر الأمة، ذلك أنهم يقولون بالكثير من العقائد التي اتفق سلف السلفية وخلفهم على التكفير بها.. ولكن بما أن صراعهم الحالي متوجه إلى الشيعة، وفي وقت سابق كان متوجها إلى الصوفية، فلهذا كانوا أكثر هدوءا معهم، وإن كانوا يبطنون تكفيرهم، بل يظهرونه في كثير من الأحيان، ولكن ليس بالحدة التي أظهروا بها كفر الشيعة أو الصوفية لعدم وجود أسباب سياسية تشجعهم على إعلان المواجهة.

وأول ما يكفر به السلفية الإباضية اتهامهم بكونهم خوارج، وأن كل النصوص الواردة في الخوارج منطبقة عليهم، ولهذا يفسرون قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم وفي سلفهم من الخارجين على الأمة المكفرين لها: (سيخرج قوم في آخر الزمان، حداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة)([1]) إلى حمله على الخوارج قديما والأباضية حديثا([2]).. ولست أدري كيف يحملونه عليهم، وهم أكثر الناس سلاما مع الأمة، وأبعد الناس عن التطرف والإرهاب والعنف الذي بدأ بسلف السلفية، وانتهى بخلفهم.

بالإضافة إلى هذا، فهم يحكمون عليهم بما يحكمون على القائلين بخلق القرآن، وهم جميع الأمة ما عداهم..

ويحكمون عليهم بما يحكمون على ما يسمونه تعطيل الصفات وإنكار الجهة ونفي الرؤية الحسية وغير ذلك من العقائد مما رأينا تكفير السلفية للقائلين بها، والإباضية من جملة القائلين بها.. ولذلك فهم يدخلون في دائرة التكفير السلفي المطلق لجميع المدارس العقدية كما شرحنا ذلك في الفصل الأول.

بالإضافة إلى ذلك، فقد وردت الكثير من التصريحات من السلفية المتأخرين من مدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تكفير الإباضية، ومنها قول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب: (والخوارج ما عندنا أحد منهم حتى في الأمصار ما هنا طائفة تقول بقول الخوارج إلا الإباضية في أقصى عمان ووقعوا فيما هو أكبر من رأي الخوارج وهي عبادة الأوثان ولا وجدنا خطك في الخوارج إلا أن أهل هذه الدعوة الإسلامية التي هي دعوة الرسل إذا كفروا من أنكرها قلت يكفرون المسلمين لأنهم يقولون لا إله إلا الله)[3])

وقال الشيخ سليمان بن سحمان: (فإنه بلغنا عن بعض الإخوان الساكنين بالساحل من أرض عُمان أن في جهتهم جهميةً وإباضية وعباد قبور متظاهرين بمذاهبهم وعقائدهم، مظهرين العداوة للإسلام وأهله. وذكروا أنه كان لديهم أناس ممن ينتسب إلى العلم والطلب يجادلون عنهم، ويوالونهم، ويفرون إليهم، ويأخذون جوائزهم وصلاتهم، ويأكلون ذبائحهم. وهؤلاء الجهمية الذين كانوا بالساحل من أرض عمان قد شاع ذكرهم وانتشر خبرهم، وظهر أمرهم من قديم الزمان.. حكم الجهمية، وعباد القبور والإباضية وغيرهم من طوائف الكفر ممن قد نشأ في الإسلام، وبين أظهر المسلمين، ويسمعون كتاب الله وسنة رسوله ويقرؤون فيهما. وكتب أهل الفقه وأهل الحديث)([4])

وقال: (فأما الجهمية، والإباضية، وعباد القبور، فالرفق بهم، والشفقة عليهم، والإحسان، والتلطف، والصبر، والرحمة، والتبشير لهم، مما ينافي الإيمان، ويوقع في سخط الرحمن، لأن الحجة بلغتهم منذ أزمان)([5])

بل إنهم يستدلون بالحديث السابق على جواز قتلهم، ولو لم يقاتلوا، وقد كتب بعضهم تحت عنوان [حكمهم عند أهل السنة وقتالهم]، أورد بعده الحديث السابق: (يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن فى قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة)([6])

ثم علق عليه بقوله: (بهذا الحديث ونحوه استدل من يرى جواز قتلهم ابتداء وإن لم يبدءوا بحرب، وهذا إذا أظهروا بدعتهم، وكذلك استدل به على جواز قتل المقدور عليه منهم، قال ابن تيمية: (فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج كالحرورية والرافضة ونحوهم، فهذا فيه قولان للفقهاء، هما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح أنه يجوز قتل الواحد منهم)([7])، وقال ابن قدامة: (والصحيح إن شاء الله أن الخوارج يجوز قتلهم ابتداء والإجهاز على جريحهم لأمر النبى صلى الله عليه وآله وسلم بقتلهم ووعده بالثواب لمن قتلهم)([8])، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (اتفق على قتالهم سلف الأمة وأئمتها)([9]) وإنما وجب قتال الخوارج لإفسادهم أمر المسلمين، وتفريق كلمتهم وإضعافهم أمام عدوهم، قال ابن هبيرة (إن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين، والحكمة فيه أن فى قتالهم حفظ رأس مال الإسلام، وفى قتال أهل الشرك طلب الربح، وحفظ رأس المال أولى)([10])

وهكذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية، وهي أعلى لجنة رسمية للفتوى لدى السلفية، فقد سئلت حول حكم الصلاة خلف الإباضية، فأجابت: (فرقة الإباضية من الفرق الضالة لما فيهم من البغي والعدوان والخروج على عثمان بن عفان وعلي رضي الله عنهما، ولا تجوز الصلاة خلفهم)([11])

بناء على هذا سنحاول في هذا الفصل ذكر نموذجين عن الكتب والرسائل المؤلفة في تكفير الإباضية، لنرى من خلالها أسباب التكفير ونتائجه، ونرى معهما مظهرا جديدا من مظاهر حقد السلفية على الأمة جميعا.

النموذج الأول: كتاب [الإباضية في ميزان أهل السنة والجماعة]

وهو لمؤلفه الذين أطلق على نفسه لقب [عبد الله السلفي]، وقد بدأ كتابه هذا ـ كعادة السلفية ـ بمدح أنفسهم وسلفهم الذين (يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويحيون بكتاب الله تعالى الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم)([12])

وبعد ذلك مباشرة، وبدون مقدمات نطق بهذا الحكم التكفيري الخطير: (من المضلين الضالين في هذا الزمان وقبله بأزمان الإباضية فقد جمعوا بين عقيدة الخوارج –إذ هم فرع عنهم- والمعتزلة الجهمية وسموا أنفسهم أهل الحق والاستقامة!)([13])

ثم راح ينقل النصوص الواردة في الخوارج، ويطبقها عليهم، ويستعين بشيخه شيخ الإسلام في ذلك.. ويستنتج بعد ذلك هذه النتيجة: (يتفق العلماء والباحثون قديماً وحديثاً على أن الإباضية في أصولها العقدية فرع عن الخوارج، وتلتقي معهم في أغلب الأصول التي خرجت بها الخوارج عن الأمة وأن الخلاف الذي انشعبت به عنهم كان في موقفهم من بقية المسلمين، وحكم الإقامة معهم ومتى يكون قتالهم، وأحكامهم في السلم والحرب)([14])

ثم راح ينقل أقوالهم في المسائل المختلفة، ويعقب عليها بأحكام سلفه المتشددة، وقد بدأ ذلك بتوحيد الألوهية ـ كما يفهمه السلفية ـ ونقل عن [لباب الآثار] لمهنا بن خلفان البورسعيدي قوله: (ومن نذر لشيء من القبور أو لموضع ولم يبين الشيء هل يثبت، وفيم يجعل؟ قال: يثبت ويجعل في مصالح الموضع أو القبر أن احتاج وإلا يوقف إلى أن يحتاج، وقول يفرق في الفقراء والله أعلم)([15])، وقوله: (من نذر برأس غنم ليؤكل عند القبر الفلاني كل سنة تدور مادام حيا، ثم ترك قضاء النذر سنتين ثم أراد قضاء الماضي ما يلزمه؟ قال: يجزي البدل لما مضى وعليه التوبة والاستغفار وفي الكفارة عليه اختلاف وهي كفارة يمين مرسلة والله أعلم)([16])

وغيرها من النصوص، ثم عقب عليها بقوله: (هذا شركٌ أكبر هذا ما يجوز، هذا لا يحل الوفاء به، وعليه التوبة إلى الله من ذلك؛ لأن هذا شركٌ أكبر، الذبح للأموات، والتقرب إليهم بالذبائح، أو النذور هذا شركٌ أكبر، العبادة حق الله وحده)([17])

وهكذا عقد فصلا خاصا بموقفهم من خلق القرآن، وراح يكفرهم على أساس ذلك، قال: (وهذه المسألة من أهم المسائل وليست فتنة القول بخلق القرآن التي قام بها بعض خلفاء بني العباس ونصرهم فيها قضاة المعتزلة بخافية على أحد فكم أريق فيها من دماء وكم امتحن بسببها وكم جلد وأوذي أهل السنة فيها من الإمام احمد بن حنبل فمن دونه، وقد ورث هذه المقولة الخبيثة المخرجة عن الملة ورثها عن المعتزلة اتباعهم الإباضية وانتصروا لها وقرروها)([18])

وليؤكد هذا ذكر ما أورده ابن جميع الإباضي في مقدمة التوحيد من قوله: (وليس منا من قال إن القرآن غير مخلوق)([19])

ونقل من كتاب [الدليل لأهل العقول] للورجلاني قوله: (والدليل على خلق القرآن أن لأهل الحق عليهم أدلة كثيرة، وأعظمها استدلالهم على خلقه بالأدلة الدالة على خلقهم هم فإن أبوا من خلق القرآن أبينا لهم من خلقهم، وقد وصفه الله عز وجل في كتابه وجعله قرآناً عربياً مجعولاً)([20])

وذكر أن هذا هو ما ذكره جميعهم انتهاء بالخليلي  في كتابه [الحق الدامغ]، والذي سنعرض له في هذا الفصل.

وقد اعتبر أقوالهم في هذه المسألة وحدها ما يكفي لتكفيرهم، قال: (هذه المسألة من المسلمات عند أهل السنة، فقد دل القرآن والسنة وأقوال السلف -الصحابة فمن دونهم- وإجماع أهل السنة على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ومن قال بخلقه كفر)([21])

ثم نقل عن ابن القيم قوله في النونية:

ولقد تقلد كفرهم خمسون فـي عشر من العلماء في البلدان
واللالكائي الإمام حكاه عنهم بل حكاه قبله الطــــــبراني

وهكذا عقد فصلا خاصا بموقفهم من [الأسماء والصفات] كفرهم بسببه، وقد نقل في مقدمته قول بعضهم عند حديثه عن اشتقاق الاسم: (الاسم مشتق من السمة وهو العلامة: يقول المرء: كان الله تعالى في الأزل بلا اسم ولا صفة. فلما خلق الخلق جعلوا له أسماء وصفات، فلما أفناهم بقي بلا اسم وصفة.. والاسم أيضا ما دل على الذات من غير اعتبار معنى يوصف به الذات)([22])

ثم عقب على هذا بقوله: (وهذا من أعظم الضلال وأقبح الكفر أن يكون الله تعالى بلا اسم ولا صفة، وقد كفر جمعٌ من الأئمة من قال إن أسماء الباري سبحانه مخلوقة، ومنهم: الإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، عثمان بن سعيد الدارمي، ونعيم بن حماد، ومحمد بن اسلم الطوسي، ومحمد بن جرير الطبري وابن خزيمة، وغيرهم)([23])

هذه نماذج قليلة عن تكفيره لهم، وأسباب ذلك، وهي مما اتفق عليه سلف السلفية وخلفهم على التكفير على أساسها، ولذلك فإن من يذكر بأن السلفية لا يكفرون الإباضية مخطئ في ذلك، أو هو لا يعرف قوانين السلفية في التكفير، أو لا يعرف مقولات الإباضية.

النموذج الثاني: كتاب [الرد القويم البالغ على كتاب الخليلي المسمى بالحق الدامغ]

وهو لمؤلفه الأكاديمي السلفي الدكتور علي بن محمد ناصر الفقيهي، وقد قدم للكتاب وأقره الشيخ السلفي الكبير صالح بن فوزان بن عبدالله الفوزان، وقد قال في تقديمه له: (وصلتني رسالتكم ومعها مؤلفكم في الرد على الإباضي الجهمي أحمد بن حمد الخليلي في كتابه المسمى (الحق الدامغ)، والذي ضمنه ثلاث ضلالات: نفي رؤية المؤمنين لربهم، والقول بخلق القرآن، وتخليد العصاة من المؤمنين في النار..)([24])  

وقد قال الكاتب في مقدمته بعد ذكره ـ كعادة السلفية ـ للمؤامرات التي شنت على الأمة الإسلامية من طرف المذاهب والفرق: (اطلعت على كتابه بعنوان (الحق الدامغ)المطبوع عام 1409ه‍ وعلى غلافه اسم مؤلفه: أحمد بن حمد الخليلي. وهو يقع في 239 صفحة، وبعد قراءته وجدته خصّصه لثلاث مسائل عقدية خالف فيها أهل السنة والجماعة، وسلك فيها مسلك الجهمية والمعتزلة والزيدية والإمامية الرافضة من الشيعة وهذه المسائل الثلاث هي: (إنكاره رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة في الدار الآخرة.. قوله: إن القرآن مخلوق.. اعتقاده تخليد الفساق في النار)([25])

وقال مبينا دوافعه من تأليف الكتاب: (وحيث إن المؤلف وطائفته – الإباضية – قد ورثوا الجهمية والمعتزلة.. كما صرح بذلك في كتابه هذا أنه يشارك الإباضية في هذه الأفكار الجهمية، والمعتزلة، والزيدية، والإمامية من الشيعة.. وهذا تصريح بإحياء تلك الأفكار التي وقف أهل السنة جميعاً في وجه معتنقيها، وبيّنوا أصولها، وأهداف مَنْ أسّسها ودعا إليها وأدخلها على ضعاف المسلمين علماً وإيماناً، فتفرقت بذلك كلمتهم، وتشتت شملهم، حتى أصبحت تلك الطوائف التي اعتنقت تلك الأفكار باسم الإسلام يكفّر بعضهم بعضاً، أو يبدّعه أو يفسّقه، ولكن بحمد الله بقيت الطائفة الناجية المنصورة، على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، عقيدة، وعبادة ومنهجاً. فردّت على تلك الطوائف المنحرفة انحرافها، وبينت للأمة السبيل الصحيح والصراط المستقيم، بما جاء في كتاب الله العزيز، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأقوال الصحابة والتابعين، واليوم نجد هذه الأفكار التي فرّقت كلمة الأمة، تُبْعَثُ من جديد، ويحمل لواءها الخليلي -ومن كان على شاكلته- في هذا الكتاب.. كما يشارك في هذه الأفكار المنحرفة، في قالب التنزيه، ويطعن في عقيدة علماء السلف وأتباعهم، شخص يدعى حسن بن علي السقاف، الذي صار يسود أوراقه بترهات وأباطيل ينشرها ليستر بها الحق الأبلج، ولنصر آراء الكوثري ومن صار على منهجه قبله وبعده)([26])

والكتاب يمتلئ بتكفيرات الإباضية الصريحة والملمحة، ومن ذلك قوله عند عتاب الخليلي لابن القيم بسبب تكفيره للمنزهة الذين يسميهم السلفية [المعطلة]: (وأما دعوى المؤلف على ابن القيم أنه يكفّر المعطلة لأسماء الله وصفاته من عند نفسه، فهي دعوى باطلة، لأن الحكم بالكفر أو الفسق أو التبديع حكم شرعي، الحكم فيه لله ولرسوله، فابن القيم لا يحكم على أحد بهواه، وإنما يحكم بالكفر على من كفّره الله ورسوله، فهو يقول ما قاله الله ورسوله فيمن رد آيات الله وسنة رسوله الصحيحة وجحدها، وربما أن المؤلف يخشى على نفسه من حكم الله ورسوله)([27])

وهكذا حول المؤلف حكم ابن القيم حكما لله ورسوله.. وهكذا ذكر أن لابن القيم أن يكفر من يشاء باعتباره ناطقا باسم الله ورسوله، أما الخليلي، فلا يصح له أن يقول شيئا وإلا فإنه سيصيبه ما أصاب غيره من التكفير.

هذه هي الكبرياء السلفية التي تصور لهم أن لهم الحق وحدهم في أن يكتبوا ما يشاءون، ويردوا على من يشاءون، وينصروا عقائد التجسيم والتشبيه التي يشاءون، فإن جاء أحد من الأمة وكتب ينتصر لآرائه أقاموا عليه الدنيا.

ومن النصوص الدالة على تكفير المؤلف للإباضية في الكتاب قوله ـ عند نفي الخليلي للرؤية الحسية لله تعالى ـ: (فهل ترضى لنفسك ولطائفتك الإباضية أن تكونوا في صف الجهمية الذين أخذوا عقائدهم عن اليهود أعداء هذا الدين، الذين وصفهم الله بالإفساد في الأرض، ولما عجزوا عن مواجهة الإسلام بالسيف، لجؤوا للكيد له، بأن دخل بعضهم في الإسلام نفاقاً كما فعل (عبدالله بن سبأ) الذي أسس عقائد الإمامية، في الرفض وتكفير الصحابة، ودعوى تحريف القرآن، ثم ختموا عقائدهم بعقائد الجهمية والاعتزال، ومنها إنكار رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، والقول بخلق القرآن، وقد حمل بشر المريسي لواء الجهمية في ذلك، والمعتزلة هم المنكرون للرؤية، وقد ألّف القاضي عبد الجبار المعتزلي مجلداً خاصاً بنفي الرؤية، وهو المجلد الرابع من كتابه المسمى (المغني في أبواب التوحيد والعدل )، وكل فصوله تدور على الفلسفة والمنطق، وليس لها صلة بكتاب الله الذي أنزله الله على رسوله ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، ومنها ظلمات أصحاب الفلسفة والمنطق الذين ضلوا في عقائدهم قبل ظهور الإسلام.. ومما نضيفه إلى معلومات الخليلي هو أن أهل السنة والجماعة، حكموا على الجهم بن صفوان -لأفكاره الضالة، وإنكاره أن يكون لله عزّ وجلَّ اسماً أو صفة –بالكفر)([28])

ومن تكفيراته الصريحة قوله عند الحديث عن موقف الإباضية من خلق القرآن: (إن أولئك الدخلاء من اليهود وغيرهم أرادوا القضاء على الإسلام وأهله بهذا الأسلوب الماكر، حين عجزوا عن مواجهة الإسلام في الظاهر، فهؤلاء الدخلاء اختلطوا بالمسلمين ونشروا أفكارهم الضّالة في المجتمع الإسلامي، ومن هذه الأفكار الضالة المضلة القول (بخلق القرآن) وإلا لم يكن هذا القول معروفاً عند الصحابة والتابعين، وقد تقبل بعض المسلمين (كالمعتزلة) وبعض (الإباضية) والزيدية وغيرهم تلك الأفكار المنحرفة البعيدة كل البعد عن هدي كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فعرف أعداء الإسلام أن اجتماع الأمة الإسلامية على الإيمان بكتاب ربها عزوجل وسنة نبيها صلى الله عليه وآله وسلم وأن التمسك بها  سبب عظيم في عزها وقوتها، وامتداد سعادتها فأدخلوا أفكارهم المنحرفة على المسلمين في باب أسماء الله وصفاته، ونشروها بينهم تحت ستار التنـزيه لله عز وجل عن مشابهة المخلوقين، ومن تلك الصفات التي نفوها عن الله عز وجل  صفة  (الكلام)  فقالوا: إن الكلام لا يصدر إلا عن لسان وشفتين وهذه من صفات المخلوقين، فلو أثبتنا لله صفة الكلام فقد شبهناه بخلقه ومن شبه الله بخلقه فقد كفر، ولمّا تقبّل بعض المسلمين كالمعتزلة والزيدية وبعض الإباضية ومن يدعي الإسلام كالرافضة تلك الأفكار الضالة -وقد يكون ذلك من بعضهم جهلاً بمراد أولئك الدخلاء – وَصَلَ أعداء الإسلام إلى أهدافهم، وهي إثارة الفتنة وتمزيق الأمة)([29])

وهكذا يصور الكاتب السلفي الأكاديمي الإباضية بأنهم مؤامرة لتخريب الإسلام وهدم العقائد الإسلامية، وأن الوحيدين الذين نجوا من هذه المؤامرة، وتوجهوا لمحاربتها هم السلفية..


([1]) رواه البخاري (6930)، ومسلم (1066)

([2]) انظر: فرق معاصرة لغالب عواجي 1/ 295.

([3]) المطلب الحميد لعبد الرحمن بن حسن ص 157.

([4]) مجموعة الرسائل النجدية 1/72،  كشف الشبهتين.

([5]) كشف الشبهتين  ص 60.

([6]) البخاري (3611)، مسلم (1066)

([7]) مجموع الفتاوى (28/499)

([8]) المغني (8/526)

([9]) مجموع الفتاوى (7/481)

([10]) الإباضية في ميزان أهل السنة والجماعة، ص37.

([11]) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، فتوى رقم 6935.

([12]) الإباضية في ميزان أهل السنة والجماعة، ص4.

([13]) الإباضية في ميزان أهل السنة والجماعة، ص4.

([14]) الإباضية في ميزان أهل السنة والجماعة، ص7.

([15]) لباب الآثار لمهنا بن خلفان البوسعيدي، ج2، ص22.

([16]) لباب الآثار ، ص 21.

([17]) الإباضية في ميزان أهل السنة والجماعة، ص12.

([18]) الإباضية في ميزان أهل السنة والجماعة، ص14.

([19]) مقدمة التوحيد ص 19.

([20]) الدليل لأهل العقول للورجلاني ص50، 68-72.

([21]) الإباضية في ميزان أهل السنة والجماعة، ص14.

([22]) أصول العقائد الإسلامية ـ العقيدة (2/25)

([23]) الإباضية في ميزان أهل السنة والجماعة، ص24.

([24]) الرد القويم البالغ على كتاب الخليلي المسمى بالحق الدامغ، ص4.

([25]) الرد القويم البالغ على كتاب الخليلي المسمى بالحق الدامغ، ص7.

([26]) الرد القويم البالغ على كتاب الخليلي المسمى بالحق الدامغ، ص9.

([27]) الرد القويم البالغ على كتاب الخليلي المسمى بالحق الدامغ، ص24.

([28]) الرد على الجهمية، (ص:171)

([29]) الرد القويم البالغ على كتاب الخليلي المسمى بالحق الدامغ، ص155.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *