السلفية.. وتكفير المدارس الشيعية

السلفية.. وتكفير المدارس الشيعية

يعتبر الشيعة ـ وخصوصا الإمامية منهم ـ من أكبر المظاهر التي تظهر فيها العدوانية السلفية بقمة عنفوانها وجلالها وشراستها، ذلك أنهم عند حديثهم عنهم يفقدون كل ما بقي لهم من عقل وحكمة وبصيرة ليصبحوا كذلك الأسد الجريح الجائع إذا رأى فريسته السهلة.

ولذلك يمكن لأي شخص أن يستفز من شاء منهم ليخرجه من طوره الإنساني إلى طوره البهيمي السبعي بشيء بسيط جدا، وهو أن يذكر له بأن الشيعة طائفة من المسلمين، أو أن لهم بعض الحسنات، أو أنه لا يصح تكفيرهم، أو أنهم لا يقولون بتحريف القرآن.. فيكفي هذا أو بعضه ليتحول السلفي إلى وحش شرس، قد يقضي على نفسه، أو يقضي على أي شيء يقف بجانبه.

وقد حصل لي هذا كثيرا في حواراتي التي أحاول فيها التقريب بين المذاهب الإسلامية، وردم الهوة التي حفرها الشيطان بينهم.. فكنت حينها ألحظ تلك الوجوه التي كانت تدعي الوحدة والتسامح والسلام وتتحمس لها تتغير وتنقلب انقلابا تاما، وألحظ الألسن كيف ترغي وتزبد، وكيف تطير معها العقول.. وكنت أشفق على محدثي أن تصيبه جلطة أو يرتفع ضغط دمه أو تصيبه سكتة قلبية، فلذلك أسارع إلى تغيير الحديث خشية أن أتسبب في أي مكروه لأمثال هذه العقول الصغيرة التي لا تطيق الحوار.

والسلفية لذلك كله لا يكتفون بتكفيرهم فقط.. بل يضيفون إليه توابل كثيرة من الكذب عليهم لتجعلهم شر أهل الملل، وأكفر أهل الأرض.. بل يصورون للعامة والخاصة أنه لم تقع مصيبة في الأمة إلا كانوا خلفها والمدبرين لها.. ويجيشون لذلك ما تعودوا أن يجيشوه من كلام سلفهم وخلفهم.

وهم ـ فوق ذلك ـ ينتقون من كتبهم ما شاءت لهم أهواؤهم ليرموهم بالعظائم، فإذا رأوا ألف مرجع من مراجعهم يصرح بأن القرآن الكريم كلام الله، وأنه لم يمسه التحريف ولا التبديل أعرضوا عنهم جميعا، وراحوا إلى أي أي مجهول أو مغمور ليجعلوه لسانهم الناطق رغم أنوفهم.

وهكذا يذهبون إلى كتبهم التي جمعت الغث والسمين، والصحيح والضعيف، والمقبول والمرفوض، ليلزموهم بكل ما فيها.. لكنهم إن قيل لهم: لقد روى رواتكم مثلما روى رواتنا، ونحن لا نلزمكم بما تكذبونه من الروايات، فلا تلزمونا بما نكذبه منها، رفضوا منهم هذا.. وأصروا على أن يكيلوا لأنفسهم بخلاف ما يكيلون لهم.

وهذا كله يرجع لتخلي السلفية عن استعمال العقل المقدس الذي وهبه الله لعباده ليزنوا به الأمور.. لأن غلبة السبعية والبهيمية على العقل تمنعه من التفكير السليم.. بل تجعله كذلك الأسد الذي يستحل فريسته، ولا يأذن لها في الدفاع عن نفسها.

والسبب الأكبر الذي جعل السلفية يستعملون كل هذا مع الشيعة سياسي بالدرجة الأولى.. ذلك أن الشيعة كانت لفترات تاريخية كثيرة تمثل المعارضة، لأنها لم تكن تعترف بالحكومات القائمة، وتتصور أنها اغتصاب لحق أهل البيت.. ولذلك شن الحكام حملتهم عليها ابتداء من بني أمية.. واستغلوا السلف والخلف لينشروا لهم من تشويهها ما شاءت لهم أهواؤهم وعدوانيتهم.. ولذلك ورد فيهم من الآثار ما لم يرد في أي طائفة من الطوائف.

وهذه مظلمة عظيمة لا يصح لنا أن نسكت عنها، أو أن نوافقها، فالظلم حرام.. وأعظم الظلم أن يظلم مسلم بسبب حبه لنبيه وآل بيت نبيه..

بناء على هذا سنكتفي في هذا الفصل بذكر تصريحات سلف السلفية وخلفهم بتكفير الشيعة، وآثار ذلك التكفير ([1]).. أما أسباب التكفير والرد عليها، فقد ذكرناها في محل آخر من كتبنا، لأن غرضنا من هذا الكتاب هو بيان تكفير السلفية للأمة جميعا.

أولا ـ تكفير السلفية المتقدمين للشيعة.

تنقل المصادر المسندة للسلفية الكثير من النصوص ـ التي لا ندري مدى صحتها ـ عن أئمة السلفية الأوائل، وحملتهم الشديدة على الشيعة..

وهي ـ إن صحت ـ تنم عن حقد شديد لا يتناسب مع أولئك الأعلام الكبار، وربما يكونون قد قالوا ذلك ـ في حال صحته ـ إرضاء للسلطات الأموية الحاكمة التي جعلت مشروعها الأكبر حرب الإمام علي وذريته.. حتى وصل الأمر في ذلك العصر إلى اعتبار التسمية بعليّ محظورة إلاّ لبني هاشم، فكان بعضهم يخاف من اسمه، فيصغّره، ويقول: انا عُلَيّ ولست بعلي.. قال قتيبة بن سعيد سمعت الليث بن سعد يقول: قال عليُّ بن رباح: (‏لا أجعل في حلٍّ من سمّاني عُلَيّاً فإن اسمي عَلِيّ)، وقال سلمة بن شبيب: (سمعت أبا عبد الرحمن المقرىء يقول: كانت بنو أمية إذا سمعوا بمولود اسمه عَلِيّ قتلوه، فبلغ ذلك رباحاً فقال: هو عُلَيّ، ‏وكان يغضب من (عَلِيٍّ) ويُحرّج على من سمّاه به)([2])

بالإضافة إلى أن المقصود بالتشيع في ذلك الحين ليس المذهب المعروف، وإنما كان مجرد محبة الإمام علي، أو تقديمه على سائر الصحابة، كما نص على ذلك ابن حجر في قوله: (والتشيع محبـة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه ويُطلق عليه رافضي، فإنْ انضاف إلى ذلك السب والتصريح بالبغض فغـال في الرفض، وإنْ اعتقـد الرجعـة إلى الدنيـا فأشـد في الغلو)([3])

وقال: (وقد كنت استشكل توثيقهم الناصبي غالبا، وتوهينهم الشيعة مطلقا، ولا سيما أن عليا ورد في حقه: (لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق)، ثم ظهر لي في الجواب عن ذلك أن البغض ها هنا مقيد بسبب وهو كونه نصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأن من الطبع البشري بغض من وقعت منه إساءة في حق المبغض والحب بالعكس، وذلك ما يرجع إلى أمور الدنيا غالبا والخير في حب علي وبغضه ليس على العموم، فقد أحبه من أفرط فيه حتى ادعى أنه نبي أو إله، تعالى الله عن أفكهم والذي ورد في حق علي من ذلك قد ورد مثله في حق الأنصار وأجاب عنه العلماء أن بغضهم لأجل النصر كان ذلك علامة نفاق وبالعكس. فكذا يقال في حق علي. وأيضا فأكثر من يوصف بالنصب يكون مشهورا بصدق اللهجة والتمسك بأمور الديانة، بخلاف من يوصف بالرفض فإن غالبهم كاذب ولا يتورع في الأخبار، والأصل فيه أن الناصبة اعتقدوا أن عليا قتل عثمان أو كان عليه فكان بغضهم له ديانة بزعمهم. ثم انضاف إلى ذلك أن منهم من قتلت أقاربه في حروب علي)([4])  

بناء على هذا روى السلفية ـ المتقدمون منهم والمتأخرون ـ الكثير من الروايات عن سلفهم الأول، باعتبار أقوالهم فيهم نصوصا مقدسة لا يصح نقضها ولا نقدها ولا حتى توجيهها..

ومن أوائل تلك النصوص ما يروونه عن علقمة بن قيس النخعي (62هـ) وقوله: (لقد غلت هذه الشيعة في علي كما غلت النصارى في عيسى بن مريم)([5])  ​

ومنها الروايات الكثيرة عن عامر الشعبي (105هـ)، والتي نقلها ابن تيمية وغيره من أعلام السلفية، وهي إن صحت تدل على حقد كبير لا يتناسب مع جلال هذا العلم ومكانته، فقد رووا عنه قوله: (ما رأيت أحمق من الخشبية ([6]) [يقصد الشيعة ]، لو كانوا من الطير لكانوا رخما، ولو كانوا من البهائم لكانوا حمرا، والله لو طلبت منهم أن يملؤوا هذا البيت ذهبا على أن أكذب على علي لأعطوني، والله ما أكذب عليه أبدا)([7])  

ورووا عنه هذا القول الطويل الممتلئ بالكذب عليهم: (أحذركم أهل هذه الأهواء المضلة، وشرها الرافضة، لم يدخلوا في الاسلام رغبة ولا رهبة، ولكن مقتا لأهل الاسلام وبغيا عليهم)([8])

ثم راح يقارن بين الشيعة واليهود ليجعل الشيعة يهود هذه الأمة ـ متناسيا تتلمذه وتتملذ إخوانه من السلف على اليهود ـ فقال: (وآية ذلك أن محنة الرافضة، محنة اليهود. قالت اليهود: لا يصلح الملك إلا في آل داود، وقالت الرافضة لا تصلح الإمامة إلا في ولد علي، وقالت اليهود: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال، وينزل سيف من السماء، وقالت الرافضة: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي، وينادي مناد من السماء..      واليهود يؤخرون الصلاة إلى اشتباك النجوم، وكذلك الرافضة يؤخرون المغرب إلى اشتباك النجوم.. واليهود تزول عن القبلة شيئا، وكذلك الرافضة، واليهود تنود في الصلاة، وكذلك الرافضة، واليهود تسدل أثوابها في الصلاة، وكذلك الرافضة.. واليهود حرفوا التوراة، وكذلك الرافضة حرفوا القرآن. واليهود قالوا: افترض الله علينا خمسين صلاة، وكذلك الرافضة.. واليهود لا يخلصون السلام على المؤمنين إنما يقولون: السام عليكم  ـ والسام الموت ـ وكذلك الرافضة.. واليهود لا يرون المسح على الخفين، وكذلك الرافضة.. واليهود تبغض جبريل، ويقولون هو عدونا من الملائكة، وكذلك الرافضة، يقولون غلط جبريل بالوحي على محمد)([9])

وهكذا راح يشببهم بالنصارى، فقال ـ كما يروونه عنه ـ: (وكذلك الرافضة وافقوا النصارى في خصلة: النصارى ليس لنسائهم صداق إنما يتمتعون بهن تمتعا، وكذلك الرافضة يتزوجون بالمتعة، ويستحلون المتعة، وفضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين، سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواري عيسى. وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ قالوا أصحاب محمد، أمروا بالاستغفار لهم، فسبوهم والسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية، ولا يثبت لهم قدم ولا تجتمع لهم كلمة، ولا تجاب لهم دعوة، دعوتهم مدحوضة، وكلمتهم مختلفة، وجمعهم متفرق، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله)([10])

وهكذا رووا عن طلحة بن مصرّف (112هـ) قوله: (الرافضة لا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم، لأنهم أهل ردة)([11])

ورووا عن مسعر بن كدام (155هـ) أنه لقيه رجل من الرافضة فكلمه بشئ.. فقال له مسعر: تنح عني فإنك شيطان)([12]) ‎ ​

ورووا عن أشهب بن عبدالعزيز أن مالكا سئل عن الرافضة فقال: (لا تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون)([13])

وهكذا قال محمد بن يوسف الفريابي (212هـ):​ (ما أرى الرافضة والجهمية إلا زنادقــة)([14])

وقال القاسم بن سلام (224هـ):​ (عاشرت الناس، وكلمت أهل الكلام، وكذا، فما رأيت أوسخ وسخاً، ولا أقذر قذراً، ولا أضعف حجة، ولا أحمق من الرافضة، ولقد وليت قضاء الثغور فنفيت منهم ثلاثة رجال: جهميين ورافضي، أو رافضيين وجهمي، وقلت: مثلكم لا يساكن أهل الثغور فأخرجتهم)([15])

​وقال أحمد بن يونس (227هـ):​ (إنا لا نأكل ذبيحة رجل رافضي، فإنه عندي مرتد)([16])

​ورووا أن أحمد بن حنبل (241هـ) سئل: عن رجل له جار رافضي يسلم عليه؟ قال: (لا، وإذا سلم عليه لا يرد عليه)([17])

وهكذا قال البخاري (256هـ) في كتاب [خلق أفعال العباد]: (ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي، أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهدون، ولا تؤكل ذبائحهم)([18])

وهكذا قال أبو زرعة الرازي (264هـ):​ (إن الجهمية كفار، وإن الرافضة، رفضوا الإسلام)([19])

وقال الحسن بن علي بن خلف البربهاري (329هـ):​ (واعلم أن الأهواء كلها ردية، تدعوا إلى السيف،وأردؤها وأكفرها الرافضة،والمعتزلة، والجهمية، فإنهم يريدون الناس على التعطيل والزندقة)([20])

وقال ابن بطة (387هـ):​ (وأما الرافضة: فأشد الناس اختلافاً، وتبايناً، وتطاعناً، فكل واحد منهم يختار مذهباً لنفسه يلعن من خالفه عليه، ويكفر من لم يتبعه. وكلهم يقول: إنه لا صلاة، ولا صيام، ولاجهاد، ولا جمعة، ولا عيدين، ولا نكاح، ولا طلاق، ولا بيع، ولاشراء، إلا بإمام وإنه من لا إمام له، فلا دين له، ومن لم يعرف إمامه فلا دين له..​ ولولا ما نؤثره من صيانة العلم، الذي أعلى الله أمره وشرّف قدره، ونزهه أن يخلط به نجاسات أهل الزيغ، وقبيح أقوالهم، ومذاهبهم، التي تقشعر الجلود من ذكرها، وتجزع النفوس من استماعها، وينزه العقلاء ألفاظهم وأسماعهم عن لفظها، لذكرت من ذلك ما فيه عبرة للمعتبرين)([21])

وقال القحطاني (387هـ) في نونيته التي يهتم بها السلفية ويعظمونها ويحفظونها([22]):

إن الروافضَ شرُّمن وطيءَ الحَصَى  ‍
مدحوا النّبيَ وخونوا أصحابـــه  ‍
حبّـوا قرابتــهَ وسبَّـــوا صحبــــــــه
  من كـلِّ إنـسٍ ناطــقٍ أو جــانِ
  ورموُهـــمُ بالظلـــمِ والعــدوانِ
  جــدلان عند الله منتقضــــــــانِ

وبعد هؤلاء جميعا وغيرهم جاء ابن تيمية (728هـ)​ إلى كل الأحقاد التي ورثها عن سلفه، فصبها على الشيعة، وألف الكتب في ذلك، ومن أقواله فيهم: (والله يعلم وكفى بالله عليماً، ليس في جميع الطوائف المنتسبة إلى الإسلام مع بدعة وضلالة شر منهم: لا أجهل، ولا أكذب، ولا أظلم ولا أقرب إلى الكفر والفسوق والعصيان، وأبعد عن حقائق الإيمان منهم)([23])

ويقول: (وهؤلاء الرافضة: إما منافق، وإما جاهل، فلا يكون رافضي ولا جهمي إلا منافقاً، أو جاهلاً بما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لا يكون فيهم أحد عالماً بما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع الإيمان به. فإن مخالفتهم لما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وكذبهم عليه لا يخفى قط إلا على​ مفرط في الجهل والهوى)([24])

وقال: (فبهذا يتبين أنهم شر من عامة أهل الأهواء.. وأيضاً فغالب أئمتهم زنادقة إنما يظهرون الرفض لأنه طريق إلى هدم الإسلام)([25])

ويقول عن جهلهم وضلالهم: (القوم من أضل الناس عن سواء السبيل فإن الأدلة إما نقليه وإما عقليه، والقوم من أضل الناس في المنقول والمعقول، في المذاهب والتقرير، وهم من أشبه الناس بمن قال الله فيهم: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10]، والقوم من أكذب الناس في النقليات، ومن أجهل الناس في العقليات، يصدقون من المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل ويكذبون بالمعلوم من الاضطرار، المتواتر أعظم تواتر في الأمة جيلاً بعد جيل)([26])

ويقول عن اشتهارهم بالكذب: (وقد اتفق أهل العلم بالنقل والرواية والإسناد على أن الرافضة أكذب الطوائف، والكذب فيهم قديم، ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون امتيازهم بكثرة الكذب)([27])

ويقول عن عدائهم للمسلمين ومناصرتهم الكفرة والمشركين: (وقد عرف العارفون بالإسلام أن الرافضة تميل مع أعداء الدين، ولما كانوا ملوك القاهرة كان وزيرهم مرة يهودياً، ومرة نصرانياً أرمينياً، وقويت النصارى بسبب ذلك النصراني الأرميني، وبنوا كنائس كثيرة بأرض مصر في دولة أولئك الرافضة المنافقين، وكانوا ينادون بين القصرين: من لعن وسب فله دينار وأردب)([28])  

ويقول: (والرافضة تحب التتار ودولتهم لأنه يحصل لهم بها من العز مالا يحصل بدولة المسلمين، والرافضة هم معاونون للمشركين واليهود والنصارى على قتال المسلمين، وهم كانوا من أعظم الأسباب في دخول التتار قبل إسلامهم إلى أرض المشرق بخراسان والعراق والشام، وكانوا من أعظم الناس معاونة لهم على أخذهم لبلاد الإسلام وقتل المسلمين وسبي حريمهم، وقضية ابن العلقمي وأمثاله مع الخليفة، وقضيتهم في حلب مع صاحب حلب مشهورة يعرفها عموم النـــاس)([29])

ويقول: (وهؤلاء يعاونون اليهود والنصارى والمشركين على أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمته المؤمنين، كما أعانوا المشركين من الترك والتتار على ما فعلوه ببغداد وغيرها بأهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة ولد العباس وغيرهم من أهل البيت المؤمنين من القتل والسبي وخراب الديـــار.​ وشر هؤلاء وضررهم على أهل الإسلام لا يحصيه الرجل الفصيح في الكلام)([30])

وهكذا نرى ابن القيم يسير على نهج شيخه ابن تيميه، ومشايخه من السابقين من السلفية، بل إنه يستعمل ما يسميه توسما ليخبر عن حقيقة الشيعة، وأنهم ليسوا سوى خنازير.. كما عبر عن ذلك بقوله: (ثم إن كنت من المتوسمين فاقرأ هذه النسخة من وجوه أشباههم ونظرائهم كيف تراها بادية عليها وإن كانت مستورة بصورة الإنسانية.. واقرأ نسخة الخنازير من صور أشبهاهم ولا سيما أعداء خيار خلق الله بعدالرسل وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن هذه النسخة ظاهرة على وجوه الرافضة يقرأها كل مؤمن كاتب وغير كاتب، وهي تظهر وتخفى بحسب خنزيرية القلب وخبثه، فإن الخنزير أخبث الحيوانات وأردؤها طباعا، ومن خاصيته أنه يدع الطيبات فلا يأكلها ويقوم الانسان عن رجيعة فيبادر اليه فتأمل مطابقة هذا الوصف لأعداء الصحابة كيف تجده منطبقا عليهم فإنهم عمدوا إلى أطيب خلق الله وأطهرهم فعادوهم وتبرؤوا منهم ثم والواكل عدو لهم من النصارى واليهود والمشركين، فاستعانوا في كل زمان على حرب المؤمنين الموالين لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمشركين والكفار وصرحوا بأنهم خير منهم فاي شبه ومناسبة أولى بهذا الضرب من الخنازير فإن لم تقرأ هذه النسخة من وجوههم فلست من المتوسمين)([31])

وهكذا جعل ابن القيم من شروط التوسم والفراسة والصلاح أن يرى المؤمن إخوانه من الشيعة بصورة الخنازير.. وإلا فلن يتوسم الصلاح أبدا.

هذه مجرد نماذج عن أحقاد سلف السلفية على الشيعة، وإلا فإن أقوالهم فيهم، وخاصة أقوال ابن تيمية لا تكاد تعد ولا تحصى، وهي التي لا يزال يرددها خلفهم، بعد أن أضافوا إليها أيضا المزيد من الأحقاد والعقد، وخاصة بعد أن أعانهتم ودعمتتهم السلطات السياسية التي يعظمونها ويخضعون لها على ذلك.

ثانيا ـ تكفير السلفية المتأخرين للشيعة.

ربما لم يحدث في التاريخ جميعا أن شنت حرب حاقدة على طائفة من الطوائف تريد حرمانها من كل حقوقها في الدنيا والآخرة، وإلصاق كل التهم بها، مثلما فعلت السلفية مع الشيعة الإمامية، وخصوصا بعد تمكنها ولأول مرة في التاريخ من تأسيس دولتها ذات الطابع الإسلامي الملتزم.

فبعد تلك الفترة مباشرة نسي علماء السلفية أحقادهم على الصوفية والأشاعرة والماتريدية والمعتزلة.. بل نسوا الصهيونية والصليبة.. بل نسوا الشيطان نفسه.. ليفرغوا أنفسهم لحرب الشيعة، باعتبارها العدو الأول للدين وللأمة.. وباعتبارها كذلك كيانا يهدد المنطقة والكرة والأرضية والمجموعة الشمسية وكل الكون.

وفي هذا الوقت بالذات ظهرت تلك الفتاوى الدبلوماسية المتساهلة مع مدارس الأمة الأخرى غير الشيعة، لأنها لا تريد أن تتفرغ وحدها لحرب الشيعة، وحرب دولتها، فلذلك تساهلت مع الجميع ـ مؤقتا ـ لتستعملهم في حرب الشيعة وحرب دولتها الفتية.. وقد نجحت في ذلك نجاحا كبيرا.

وسأكتفي هنا بذكر بعض الفتاوى والنماذج من المنشورات السلفية لترينا صورة عن الحقد السلفي على هذه الطائفة الإسلامية المحترمة.

1 ـ الفتاوى والبيانات السلفية في تكفير الشيعة:

لا يمكن عد الفتاوى والبيانات التي أصدرها أعلام السلفية المعاصرين حول الشيعة، فهي من الكثرة بحيث لا يمكن إحصاؤها، فقد جيشوا كل أسلحتهم التي مكنهم منها التطور الحديث ليستعملوها في حربهم ضد الشيعة، فألفوا الكتب، ووزعوا المنشورات، وأرسلوا الخطباء لكل أنحاء العالم، وأقاموا القنوات الفضائية، حتى صار العوام البسطاء يعرفون الشيعة ويقومون هم أنفسهم بالتحذير منهم.. بل وصل الأمر إلى أن يفخر الفسقة والمنحرفون ممن لا يعرفون الدين ولا يوقرونه بكونهم من أهل السنة والجماعة.. وليسوا كأولئك المعممين من الشيعة والرافضة.

وسأكتفي هنا بذكر نموذجين عن الفتاوى السلفية المعاصرة: أحدهما يمثل هيئة رسمية، والثاني يمثل شخصية علمية، بل من هيئة كبار العلماء.

النموذج الأول: فتاوى اللجنة الدائمة في تكفير الشيعة

تعتبر اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية من أكبر الهيئات الرسمية للفتوى التي يرجع إليها السلفية، باعتبارها تضم كبار علمائهم، وباعتبارها مؤسسة رسمية لها قيمتها وحرمتها عند جماهير السلفية.

ومن الأسئلة التي وجهت لهذه اللجنة هذا السؤال حول الحكم على عوام الشيعة الإمامية: (ما حكم عوام الروافض الأمامية الاثنى عشرية؟ وهل هناك فرق بين علماء أي فرقة من الفرق الخارجة عن الملة وبين أتباعها من حيث التكفير أو التفسيق؟)

فأجابت: (من شايع من العوام إماما من أئمة الكفر والضلال، وانتصر لسادتهم وكبرائهم بغيا وعدوا، حكم له بحكمهم كفرا وفسقا، قال الله تعالى: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا } [الأحزاب: 67، 68].. وغير ذلك في الكتاب والسنة كثير؛ ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاتل رؤساء المشركين وأتباعهم، وكذلك فعل أصحابه، ولم يفرقوا بين السادة والأتباع)([32])  

وهذه الفتوى أبلغ رد على الذين يدافعون عن السلفية، ويتصورون أنهم لا يكفرون العوام بسبب جهلهم.. ولو طبقناها على مواقفهم من سائر الأمة، لطبقت عليها جميعا، لأنها كلها تبع لمن تعتبرهم السلفية من الكفرة..

وسئلت هذه اللجنة حول حكم أكل ذبائح الشيعة، فأجابت: (إذا كان الأمر كما ذكر السائل من أن الجماعة الذين لديه من الجعفرية يدعون علياً والحسن والحسين وسادتهم فهم مشركون مرتدون عن الإسلام والعياذ بالله، لا يحل الأكل من ذبائحهم لأنها ميتة ولو ذكروا عليها اسم الله)([33])

وسئلت: (إن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم كي تقع عبادته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلد أحد المذاهب الأربعة المعروفة وليس من بينها مذهب الشيعة الإمامية ولا الشيعة الزيدية فهل توافقون فضيلتكم على هذا الرأي على إطلاقه فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الإمامية والأثنا عشرية مثلاً؟)

فأجابت: (على المسلم أن يتبع ما جاء عن الله ورسوله إذا كان يستطيع أخذ الأحكام بنفسه وإذا كان لا يستطيع ذلك سأل أهل العلم فيما أشكل عليه من أمر دينه ويتحرى أعلم من يتحصل عليه من أهل العلم ليسأله مشافهة أو كتابة. ولا يجوز للمسلم أن يقلد مذهب الشيعة الإمامية ولا الشيعة الزيدية ولا أشباههم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والجهمية وغيرهم وأما انتسابه إلى بعض المذاهب الأربعة المشهور فلا حرج فيه إذا لم يتعصب للمذهب الذي انتسب إليه ولم يخالف الدليل من أجله)([34])

وأجابت في فتوى أخرى من سألها عن طلب العلم من بعض الشيعة: (عليك بالدراسة على العلماء المعروفين بعلمهم، وسلامة اعتقادهم، والبعد عن المبتدعة والمخالفين لأهل السنة، ومنهم الشيعة والإمامية لا تدرس عليهم، ولا تجالسهم ولا تراسلهم ولا تنظر في كتبهم لئلا يضلوك عن سبيل الله)([35])  

النموذج الثاني: فتاوى ابن جبرين في تكفير الشيعة

يعتبر الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين  (1353 – 1430 هـ) من كبار أعلام السلفية المعاصرين من أصحاب الفتاوى الكثيرة المرتبطة بكل شيء، وقد ذكرنا سابقا فتاواه العجيبة في الرقيا والطب ونحوها، وسنذكر هنا بعض فتاواه في الشيعة، لنرى مبلغ علم العقل السلفي في مثل هذه المسائل الخطيرة.

ومن فتاواه في هذا الجانب أنه سئل عن حكم شراء اللحم من جزار شيعي، فقال: (لا يحل ذبح الرافضي ولا أكل ذبيحته، فإن الرافضة غالباً مشركون حيث يدعون علي بن أبي طالب دائماً في الشدة والرخاء حتى في عرفات والطواف والسعي، ويدعون أبناءه وأئمتهم كما سمعناهم مرارا، وهذا شرك أكبر وردة عن الإسلام يستحقون القتل عليها. كما هم يغلون في وصف علي ويصفونه بأوصاف لا تصلح إلا لله، كما سمعناهم في عرفات، وهم بذلك مرتدون حيث جعلوه رباً وخالقاً، ومتصرفاً في الكون، ويعلم الغيب، ويملك الضر والنفع، ونحو ذلك. كما أنهم يطعنون في القرآن الكريم، ويزعمون أن الصحابة حرفوه وحذفوا منه أشياء كثيرة تتعلق بأهل البيت وأعدائهم، فلا يقتدون به ولا يرونه دليلاً.. لكنهم مع ذلك ينافقون فيقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك، ويقولون: من لا تقية له فلا دين له. فلا تقبل دعواهم في الأخوة ومحبة الشرع، فالنفاق عقيدة عندهم، كفى الله شرهم)([36])

وسأله آخر هذا السؤال الذي يبين الأحقاد التي ينشئها علماء السلفية في نفوس العوام والبسطاء: (لدي أمر طالما أشغلني؛ حيث إنني أحد موظفي أرامكو، وحديث عهد بهذه الوظيفة، ولكن ما أشغلني أنني أعمل مع رافضة في نفس القسم، وجرت العادة على الاشتراك في وجبات الطعام خلال وقت الدوام، ويكون الأكل جماعيا، وما قد يتخلل ذلك من الضحك والمزاح، مما قد يضعف عند المسلم قضية الولاء والبراء والغيرة على هذا الدين، مع العلم أنني أحدث واحد فيهم ورئيسي المباشر منهم، مما قد يضطرهم إلى مضايقتي في العمل إذا أحسوا مني بغضهم. أفيدونا رعاكم الله، فإنني في حيرة من أمري؛ لما قد يترتب على ذلك إن أنا قطعتهم وجعلت علاقتي معهم مجردة فيما يتعلق بالعمل، ولكن قد يضايقوني كما أسلفت؟)

فأجاب بقوله: (عليك أن تحاول الانتقال إلى جهة أخرى لا يوجدون بها، أو لا يكون لهم سلطة فيها، فإن لم تجد قريبا فعليك أن تظهر لهم المقت والاحتقار، والسخرية منهم، وأن لا يكون لك انبساط معهم ولا انشراح صدر، وإذا رأيت منهم مضايقة خاصة فسجل كلماتهم واكتب بها إلى المسئولين في الشركة، حتى يلقوا جزاءهم، كما أن عليك محاولة إقناعهم ببطلان معتقدهم وصحة ما أنت عليه، فإن رجع أحد منهم وإلا قامت عليهم الحجة)([37])

وسئل: (أنا طالبة في جامعة الملك سعود ومن ضمن طالبات الجامعة طالبات شيعيات يحضرن معنا نفس المحاضرات، فنتحدث إليهن وتحدث بيننا وبينهن مناقشات خاصة بالدراسة، وغير الدراسة، مع العلم أن معظمهن يتصفن بصفات حميدة وأخلاق عالية، وقد سمعت أنه من المحرم مخالطة الشيعة فما الحكم في ذلك؟)

فأجاب: (الشيعة غالبا يطعنون في أكابر الصحابة كالخلفاء الثلاثة، ويكفرونهم، ويلعنونهم، ويطعنون في القرآن، ويزعمون أن الصحابة نقصوه أكثر من ثلثيه، ويردون الأحاديث التي في الصحيحين؛ لأن رواتها الصحابة الكفرة بزعمهم، ثم يغلون في علي وفاطمة وابنيها، ويعبدونهم من دون الله ويدعونهم في الشدائد، ويكفرون أهل السنة الذين يحبون الصحابة، ويدعون أن من أحبهم فقد أبغض أهل البيت الذين هم عندهم على وابناه وفاطمة فقط، فعلى هذا لا يجوز إقرارهم ولا الأنس بهم، ولا يوثق بهم ولا تجوز محبتهم وموالاتهم، ولو أظهروا النصح والمحبة فإن ذلك من التقية التي هي النفاق، ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم)([38])

وسئل: (ما حكم دفع زكاة أموال أهل السنة لفقراء الرافضة (الشيعة) وهل تبرأ ذمة المسلم الموكل بتفريق الزكاة إذا دفعها للرافضي الفقير أم لا؟)

فأجاب: (لقد ذكر العلماء في مؤلفاتهم في باب أهل الزكاة أنها لا تدفع لكافر ولا لمبتدع، فالرافضة بلا شك كفار)([39])  

وسئل: (أنا أعمل في دائرة حكومية، وعند الانتهاء من صلاة الظهر يحضر بعض من الموظفين الشيعة يؤدون صلاة غير الصلاة التي وردت عن المُصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ولقد بينا لهم الصلاة الصحيحة وأن الصلاة التي يصلونها غير صحيحة، ولكنهم أصروا على صلاتهم، فهل نمنعهم من أداء الصلاة أم لا؟)

فأجاب بهذا الجواب التي لا يتناسب إلا مع العقل السلفي: (عليك أن تسألهم عن صلاتكم هل هي صحيحة أم باطلة، فإن قالوا صحيحة فألزموهم بالصلاة معكم، فإن قالوا باطلة فسلهم عن سبب البطلان، فإن زعموا أنكم على ضلال وخطؤوكم وأبطلوا عباداتكم فقد كفروكم، ومن كفر المسلمين فهو الكافر فامنعوهم من الصلاة لأنهم قد فعلوا ما يكفرون به وهو تكفيركم وبطلان الصلاة خلفكم فلا صلاة لهم ولا عبادة لهم سيما إذا صلوا صلاة تخالف صلاة المسلمين في مساجد المسلمين، فامنعوهم حتى يذهبوا إلى بلادهم ويصلوا في معابدهم الخاصة بهم، والله يكفينا شرهم)([40])

وسئل: (كيف التعامل مع الرافضة؟)، فأجاب: (لا يجوز تشجيعهم ولا تهنئتهم بمواسمهم ولا الشراء من بضائعهم ولا من تجاراتهم، وكذا لا يجوز بداءتهم بالسلام ولا القيام لهم، ولا تصديرهم في المجالس؛ وذلك لأنهم يُكفرون الصحابة غالبًا ويردون الأحاديث التي رويت عنهم مع أنها في الصحيحين، ولأنهم يكفرون أهل السُنة، ولهذا لا يُصلون خلف أئمة أهل السُنة، وقد فشا فيهم الشرك الذي هو دُعاء أئمتهم كعلي والحسن والحُسين وزين العابدين ونحوهم، والشرك يُحبط الأعمال ويُدخل صاحبه في النار)([41])

وسئل: (استنكر أحد الإخوة تكفير الرافضة.. فقال الأخ ـ علماً أنه أقدم منى في طلب العلم ـ أن تكفير عقيدتهم لا يعني تكفير عامة جُهّالهم الذين يُضَلّلون مِن قِبل أئمتهم، ولكن إن نُصِحوا وبُيِّنَ لهم وأقيمت عليهم الحُجة ولم يرجعوا عن تلك العقيدة الفاسدة وجب تكفيرهم، فما رأي سماحة الشيخ، هل الجاهل منهم معذور بشركه؟)

فأجاب: (الرافضة الذين يسمون أنفسهم الشيعة، ويدعون حب آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، هم شر طوائف الأمة، وقد كان المؤسس لهذا المذهب يهودي اسمه عبد الله بن سبأ، وأصحابه السبئية الغلاة الذين ادعوا الإلهية في علي، وورثتهم يألهون أئمتهم من ذرية علي، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين، وإذا أظهروا الإسلام وكتموا اعتقادهم كانوا منافقين، وهؤلاء من غلاة طوائف الرافضة الذين قال فيهم بعض العلماء: إنهم يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض.. ثم اعتنقوا بعض أصول المعتزلة كنفي الصفات، والقدر، ثم أحدثوا بعد القرون المفضلة بناء المشاهد على قبور أئمتهم؛ فأحدثوا في الأمة شرك القبور، وبدع القبور، وسرى منهم ذلك لكثير من طوائف الصوفية، والمقصود أن الرافضة في جملتهم هم شر طوائف الأمة، واجتمع فيهم من موجبات الكفر، تكفير الصحابة، وتعطيل الصفات، والشرك في العبادة بدعاء الأموات، والاستغاثة بهم، هذا واقع الرافضة الإمامية الذين أشهرهم الإثنا عشرية فهم في الحقيقة كفار مشركون لكنهم يكتمون ذلك، إذا كانوا بين المسلمين عملا بالتقية التي يدينون بها، وهي كتمان باطلهم، ومصانعة من يخالفهم.. وعلى هذا فإنهم يعاملون معاملة المنافقين الذين يظهرون الإسلام. ولكن يجب الحذر منهم، وعدم الاغترار بما يدعونه من الانتصار للإسلام.. ومن أجل ذلك الغالب عليهم عدواة أهل السنة، والكيد لهم بكل ما يستطيعون، ولكنهم يخفون ذلك شأن المنافقين، ولهذا كان خطرهم على المسلمين أعظم من خطر اليهود، والنصارى لخفاء أمرهم على كثير من أهل السنة، وبسبب ذلك راجت على كثير من جهلة أهل السنة دعوة التقريب بين السنة والشيعة، وهي دعوة باطلة. فمذهب أهل السنة،ومذهب الشيعة ضدان لا يجتمعان،، فلا يمكن التقريب إلا على أساس التنازل عن أصول مذهب السنة، أو بعضها، أو السكوت عن باطل الرافضة، وهذا مطلب لكل منحرف عن الصراط المستقيم ـ أعني السكوت عن باطله ـ كما أراد المشركون من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يوافقهم على بعض دينهم، أو يسكت عنهم فيعاملونه كذلك، كما قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9])([42])  

2 ـ الكتب والمنشورات السلفية في تكفير الشيعة:

لا يمكن إحصاء ما ألفه السلفية من كتب ومنشورات حول الشيعة، لأن كل علم من أعلامهم أو خطيب من خطبائها يتقرب إلى الله بكتابة كتاب أو رسالة يملؤها بكل ما ملأه به سلفه من أحقاد حول هذه الطائفة المحترمة من طوائف الأمة.

وقد شجع على التأليف في هذا الجانب الكثير من العوامل، ومن أهمها العامل السياسي، فالسعودية ودول الخليج استعملت في حربها مع إيران كل الوسائل وأهمها الحرب الثقافية المتمثلة في نشر الكتب والرسائل والمطويات.. حتى لا يخلو بيت من بيوت المسلمين من أمثال هذه الكتب.

وسأذكر هنا باختصار نموذجين عن كتب تنتشر بكثرة، وخصوصا على النت، لتكون مثالا على أحقاد السلفية وطبيعتها العدوانية، وأمراضها النفسية التي تلبسها لباس الإسلام.

النموذج الأول: كتاب [الخطوط العريضة التي قام عليها دين الشيعة الاثنى عشرية]

وهو لمؤلفه السلفي الكبير صاحب الهوى الأموي محب الدين الخطيب (1303 – 1389 هـ) الذي لم يترك طائفة من الأمة إلا وأصابها بحقده وكبره وغروره السلفي.

وقد ذكر  الدكتور صالح الخرفي لقاء مطولا له مع هذا العلم السلفي الكبير ذكر فيه جهوده الكبرى في خدمة الأمة ـ كما يتصور السلفية ـ وكان مما قاله له قوله: (إن الاستعمار على اختلاف دوله حاول أن يحارب الإسلام بالطرق الصوفية بشمال إفريقيا، وبالقاديانية والبهائية في الهند، وأقطار كثيرة أخرى، فكان من وسائل الدفاع عن الإسلام التنبيه على أضرار الطرق المنحرفة التي كان يسميها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنيات الطريق، وأن مجلة(الفتح) قامت بنصيب كبير من الجهود في مقاومة الطرق ومقاومة القاديانية، وحتى بعد احتجاب الفتح كنت أنتهز الفرص في مجلة (الأزهر) لمواصلة هذا الجهاد الذي أرجو الله أن يؤدي ثمرات طيبة في الجزائر وفي جميع البلاد الإسلامية التي زال عن آفاقها شبح الاستعمار.. وكما كنت أرى ضرر الطرق الصوفية فيما مضى، فقد اتسع في هذه السنوات مجال الدعوة الشيعية بكتب تصدر عن النجف في العراق ومن جبل عامل في لبنان ومن إيران والهند، وفيها الطعن على الصحابة من الصديق الأكبر إلى من هو دونه من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فرأيت من أكبر الجهاد في الدفاع عن مذهب السنة وأهلها أن أنبه على مواطن الباطل من هذه الكتب الشيعية، فنشرت تعليقا على كتاب (العواصم من القواصم) للقاضي ابن العربي الذي سبق الشيخ ابن باديس إلى نشره ولكن بغير تعليق، وكذلك نشرت تعليقا على مختصر(الحافظ الذهبي) لكتاب(منهاج السنة) للشيخ (ابن تيمية) وتعليقا على مختصر(التحفة الإثني عشرية) لابن شاه ولي الله الدهلوي، ورسالة (الخطوط العريضة) في حقيقة الشيعة)([43])

  وقد كان هذا العلم السلفي من كبار المحاربين للتقارب بين المذاهب الإسلامية مع أنه كان مذهب كبار العلماء في عصره، وخاصة علماء الأزهر.. وهو لذلك كان يحذرهم بشدة من تلك الدعوات الصادقة التي اتفق عليه االطرفان من العمل في المتفق عليه، وعذر بعضهم بعضا في المختلف فيه.. وهو نفس ما تدعو إليه التقية التي يقول بها جميع الشيعة.

لكن عقل محب الدين الخطيب السلفي لم يستطع أن يفهم هذا المعنى، فراح يقول: (أول موانع التجاوب الصادق بيننا وبينهم ما يسمونه (التقية)، فإنها: عقيدة دينية تبيح لهم التظاهر لنا بغير ما يبطنون، فينخدع سليم القلب منا بما يتظاهرون له به من رغبتهم في التفاهم والتقارب، وهم لا يريدون ذلك، ولا يرضون به، ولا يعملون له، إلا على أن يبقى من الطرف الواحد، مع بقاء الطرف الآخر في عزلته لا يتزحزح عنها قيد شعرة، ولو توصل ممثلو دور التقية منهم إلى إقناعنا بأنهم خطوا نحونا بعض الخطوات، فإن جمهور الشيعة كلهم من خاصة وعامة يبقى منفصلا عن ممثلي هذه المهزلة، ولا يسلم للذين يتكلمون باسمه بأن لهم حق التكلم باسمه)([44])

وهكذا راح في رسالته تلك يتغافل عن كل الجهود التي قام بها عوام الشيعة وخواصهم في خدمة القرآن الكريم وحفظه وتفسيره لينشر تلك الشبهة التي لا يزال السلفية يتعلقون بها، ويردونها على الرغم من أن كل الأدلة ضدهم.

 يقول الخطيب: (وقد ألف أحد طواغيتهم واسمه النوري الطبرسي كتابا في ذلك سماه (فصل الخطاب)، وفيه مئات النصوص والنقول عن كبار طواغيتهم بدعوى أن القرآن محرف…وإن المنافقين منهم يتظاهرون بالبراءة من هذا الكتاب تقية، ولكن هذه البراءة لا تنفعهم لأنهم يحملون منذ ألف سنة إلى الآن أوزار النصوص والنقول الموجودة في كتبهم بهذا المعنى)([45])

وهكذا راح يواجه تلك الدعوات التقريبية التي تحاول حصر الخلاف بين الشيعة وغيرهم من الأمة في مسائل فرعية وتاريخية لا علاقة لها بجوهر الدين وأصوله، فقال تحت عنوان [الشيعة تخالف المسلمين في الأصول وليس فقط في الفروع]: (يستحيل هذا التفاهم مع الشيعة الإمامية؛ لأنها تخالف جميع المسلمين في أصولهم، ولا ترضى من المسلمين إلا بأن  يلعنوا (الجبت والطاغوت) أبا بكر وعمر، فمن دونهم إلى اليوم، وبأن يتبرؤوا من كل من ليس شيعيا، حتى آل البيت، الذين لم ينضووا تحت لواء الرافضة في عقائدهم الملتوية التي منها ادعاء أن القرآن محرف، وقد زعموا ذلك في جميع عصورهم وطبقاتهم، على ما نقله عنهم وسجله لهم نابغتهم العزيز عليهم، الحبيب إلى قلوبهم: النوري الطبرسي)([46])

ولم يكتف السلفية عند طبعهم للكتاب بتلك الأحقاد التي كتبها الخطيب، وإنما أضاف إليها كل من نشر الكتاب المزيد مما في نفسه منها.

ومن النماذج على ذلك ما قدم به [محمد مال الله] للكتاب، فقد شن حملة شديدة على العلماء الذين يدعون للوحدة الإسلامية، والتقارب بين المذاهب الإسلامية، ومن أقواله أو خطبه في ذلك: (لا يفكرن أحد في الوحدة وفي التأليف بين المسلمين وبين هذه الجماعة، فإن مذاهبها ومبادئها لا تمكنها أبداً في الرضا عن المسلمين ومن الاقتراب إليهم وإلى ودهم وولايتهم. وإذا كانت هذه القرون الطويلة التي مرت بهم لم تستطع أن تأكل من صدورهم ومن كتبهم العداوات التي يحملونهم لأبي بكر وعمر وعثمان والآخرين، بل ظلت في صدورهم وفي كتبهم حتى اليوم تزداد ذكاء واتقاداً وتوهجاً، فكيف نرجو نحن منهم محبة أو ولاية أو صداقة؟! ثم ما الذي نرجوه من الاتحاد بهم والاقتراب إليهم؟ إنهم لن ينفعونا شيئاً، ولن يزيدونا إلا ضعفاً وهوناً وهواناً وخبالاً!.. أنريد منهم أن يجاهدوا معنا أعداءنا وأعداء الإسلام، وهم يقولون إن الجهاد باطل موضوع لا يجوز إلا تحت راية الإمام المنتظر، وهم يقولون أيضاً: إن الذين فتحوا بلاد الكفر والشرع من المسلمين آثمون عاصون لأنهم تحت إمرة غير معصوم أمثال عمرو وخالد وأبي عبيدة وأسامة.. أم نريد منهم القوة وهم ما زالوا الضعف في الإسلام والوهن في صفوف المسلمين؟ أم نريد منهم كثرة العدد، وماذا نفعل بكثرة العدد؟ والمسلمون لم يؤتوا من قلة العدد. إنه الغثاء والوباء والبلاء. ومسلم واحد مثل خالد بن الوليد خير للإسلام من الشيعة في جميع عصورها)([47])

ثم راح يصدق كل تلك الأكاذيب التي تتحدث عن تاريخ الشيعة: (أم ماذا نريد منهم وقد كانوا أبداً حرباً على المسلمين، وعوناً لأعداء المسلمين، المريدين بهم الفواق؟ سائلوا التاريخ قولوا له: في أي عصر من عصورك كتبت في صفحاتك لهذه الطائفة جهاداً أو نصراً للإسلام. أو دفاعاً عنه بين صفوف المجاهدين من المسلمين؟ بل قولوا له في أي عصر من عصورك لم تكتب على هذه الطائفة انحيازها إلى غير المسلمين وانكفاءها شطر آخصام الإسلام فراراً من المسلمين؟ قولوا للتاريخ وهو أصدق ناطق ومجيب: أما كانوا أعواناً وعيوناً لطاغية التتار على المسلمين وعلى خليفتهم، ثم أما حاولوا قتل البطل المجاهد السلطان صلاح الدين بينما هو يناجز عبدة الصلبان ويحاربهم ولكن الله أنجاه منهم ومن عدوانهم؟ وقد خصوا هذا البطل العظيم بمزيد العداوة وعنيف الخصومة. بل قولوا أي بطل من أبطال الإسلام وفاتحيه ومجاهديه لم يكرهوه ويمقتوه ما خلا علي بن أبي طالب، وما ولاؤهم له بولاء ولكنه البلاء؟ إذن ماذا نريد منهم ومن الاقتراب إليهم وتألفهم لو كان ذلك ممكناً ميسوراً؟ إننا نريد مسلماً واحداً سليماً قوياً ولا نريد ألف مريض هالك)([48])

النموذج الثاني: كتاب [أحكام الروافض؛ شبهاتهم؛ كيفية التعامل معهم]

وهو للشيخ عبد الرحمن السحيم، وهو لداعية سعودي يعمل بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، وقد تتلمذ ـ كما ورد في ترجمته ـ على كبار أعلام السلفية، من أمثال الشيخ ابن عثيمين والشيخ ناصر العقل والشيخ عبد الله بن جبرين والشيخ عبد الكريم الخضير، وغيرهم.

وهذا الكتاب مملوء بالفتاوى التكفيرية.. وقد بدأها بهذه الفتوى إجابة عن سؤال يقول: (هل الرافضة أو الشيعة كفار مع أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله): (ليس كل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صار مسلما، فالمنافقون يشهدون هذه الشهادة ومع ذلك لا تنفعهم.. وذلك أن شهادة التوحيد لها شروط وأركان ولها نواقض، فمن أتى بناقض من نواقض هذه الشهادة فإنه لا ينفعه عمل. وكذلك الحال بالنسبة للرافضة فإنهم أشد كفرا من اليهود والنصارى كما نص على ذلك العلماء. وقد بسط القول فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه النافع: [منهاج السنة النبوية ]..  والرافضة عموما يُعظّمون القبور والأموات، والشرك أصل فيهم.وليس شيء أضرّ على الإسلام من الرافضة، ومن قرأ التاريخ عَرَف ذلك، فمن أسقط الخلافة العباسية سواهم؟ ومن جرّأ المغول على سفك دماء المسلمين في بغداد وسائر البلاد الإسلامية إلاّ هـم؟)([49])

وسئل في فتوى أخرى عن مخاظر الشيعة، فقال: (الرافضة شرّ من اليهود والنصارى، وذلك لأنهم ينتسبون إلى الإسلام، والإسلام منهم براء، وقد حذّر السلف من صُحبة الرافضة، بل حتى منعوا من إلقاء السلام عليهم، وهم يُضمرون عداء واضحا لأهل الإسلام، وربما طفح هذا العداء حتى صرّحوا به.. قال الإمام البربهاري: واعلم أن الأهواء كلها ردية تدعو إلى السيف، وأردؤها وأكفرها الرافضة والمعتزلة والجهمية، فإنهم يريدون الناس على التعطيل والزندقة.. وجرائم الرافضة لا تخفى على ذي بصيرة، فجرائمهم عبر التاريخ حتى سوّدوا صفحات من التاريخ بَسوء أفعالهم، سوّد الله وجوههم وأخزاهم)([50])

وأجاب في فتوى أخرى عن سؤال حول التعامل مع الشيعة ومخالطتهم، فقال: (يجب أن لا يغيب عن ذهنك أن الكذب والنفاق هو دين الرافضة، والذي يُسمّونه التّـقـيّـة، وهو عندهم تسعة أعشار الدِّين، وفي حديث عندهم أيضا: (من لا تّـقـيّـة له لا دين له)، ويروون عن جعفر الصادق – وهو منهم برئ – أنه قال: (التّـقـيّـة ديني ودين آبائي وأجدادي)، وعندهم أيضا حديث: (من صلّى خلف سُنيّ تّـقـيّـة فكأنما صلّى خلف نبيّ)، فهذا التعامل الحسن وعدم إظهار الكُره هو من هذا الباب من باب التّـقـيّـة، ثم إنهم لا يملكون قوّة الحجة فيُحاولون كسب العامّة يعني أهل السنة بهذه الطريقة، ولا يغررك طيب كلامهم فما تُخفي صدورهم أكبر. فهم كملامس الحيات وكأنياب الليث.. ثانيًا:  جلوسك معهم ومُصاحبتهم يُطمعهم فيك أكثر. بالإضافة إلى مُجالسة أهل الضلال تكثير لسوادهم. وهم شـرّ من وطئ الحصى كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.. وإني لأتساءل كيف تطيب نفوسنا أن نُجالس من يطعنون في عرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن لم يتفوّهوا بهذا أمامنا، فهذا اعتقادهم الذي تنضح به كتبهم.. رابعًا:  بالنسبة لدعوتهم فهو شبه الريح وأخو المستحيل، أذكر أنني قابلت رافضيًا هداه الله إلى الإسلام فسألته: كيف يُمكن أن أعرف أن الرافضي قد اقتنع وأنه لا يستعمل معي التّقيّة؟ قال: هذا لا يُمكن إلا إذا أسلم وحسُن إسلامه. أما من خلال النقاش والمجادلة فلا يُمكن ذلك، وأفاد أيضا أن دعوتهم أصعب ما تكون، إذ قد رضعوا بغض العامّة يعني أهل السنة رضعوا بغضنا مع حليب أمهاتهم، والحوادث على ذلك كثيرة، والشواهد أكثر)([51])

وسئل: (ما صحة قول: كلنا مسلمين شيعة كنا أم سنة فلا فرق؟)، فأجاب: (إذا صح أنه لا فرق بين الليل والنهار، ولا بين الثرى والثريا فيصحّ أنه لا فرق بين الكفر والإسلام ! فالرفض شرك وكُفر، والرفض دين آخر غير دين الإسلام، ليس لهم مساجد بل حسينيات، ليس عندهم قرآن بل مصحف فاطمة، يحجّون إلى كربلاء والنجف والعتبات المقدسة – بزعمهم – يُقدّسون مراقد الأئمة، يَدعون عليا والحسين من دون الله ! أي إسلام هذا؟! فنحن لا نلتقي مع الرافضة إلا أننا نعيش وإياهم على سطح الأرض)([52])

وسئل: (جاري شيعي فهل يجوز زيارته في بيته أو قبول دعوته إلى بيته أو إلى أي مكان آخر، وهل يجوز أن ندعوه في المناسبات وغيرها؟)، فأجاب بقوله: (روى أبو بكر الخلاّل في كتاب السنة عن يوسف بن موسى أن أبا عبد الله [ الإمام أحمد ] سُئل – وأخبرني علي بن عبد الصمد – قال: سألت أحمد بن حنبل عن جارٍ لنا رافضيّ يُسَلِّمُ عَلَيّ أرُدّ عليه؟ قال: لا. وروى أيضا عن إسماعيل بن إسحاق الثقفي النيسابوري أن أبا عبد الله سُئل عن رجل له جار رافضي يُسَلِّم عليه. قال: لا، وإذا سَلّم عليه لا يَرُدّ عليه. فإذا كان السلف يَمنعون من السلام عليه ومِن رَدّ السلام، فكيف بِدعوته؟ مع أن أهل العلم يُجيزون ردّ السلام على اليهودي أو النصراني إذا سلَّم، وأما الرافضي الطاعن في عرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السابّ لأصحابه، فهذا لا يُردّ عليه ولا كرامة له)([53])

وسئل: (هل يجوز أن يدخَل الروافِض الحرمين؟)، فأجاب بقوله: (إن الرافضة لم يَدخلوا الإسلام أصلا حتى يُحكَم بِكفرِهم، بل لهم دِين مُستَقِلّ، ولهم مُصحف غير مصحف المسلمين [مصحف فاطمة]، بل وحتى الاسم، فاسمهم [الرافضة]، وهم يَعترفون بذلك كله في كُتبهم، وقد صرّح بعض معاصريهم بأنهم لا يَجتمعون مع أهل السنة لا في ربّ ولا في دِين ولا في نبيّ، وإذا كان الأمر كذلك فإنه يَجب منعهم من دخول الحرم.. ومَن سَفَك الدم الحرام في الحرم إلا الرافضة.. ومن قَتل الحجيج قديما وحديثا إلا الرافضة؟! وكل ذلك بِدعوى الإسلام ! وتحت شِعار محبة آل البيت، وحقيقة دِين الرافضة الكفر الصريح والزندقة المكشوفة)([54])

وسئل: (ما رأيكم بعمل تحالف إسلامي سني وشيعي قائم على أساس الشهادتين والقرآن الكريم؟)، فأجاب: (الذي يَطلب القرب من الرافضة كالذي يتطلّب جذوة نار في قاع البحر، والذي يُريد مُسالمة الرافضة أو نُصرتهم فهو كالذي يُريد مسالمة العقارب والأفاعي السامة.. شواهد التاريخ كثيرة وكثيرة جدا على غَدر الرافضة، بل شواهد الواقع المعاصر المشاهَد شاهدة بذلك.. فكيف يُطلب التقارب مع أناس لا عهد لهم ولا وفاء؟ بل مع أناس يَرون سفك دماء أهل السنة (العامة – الناصِبة) قُربة إلى الله.. هذا غير ممُكن إلا أن يتنازل الرافضة عن كُفرهم وشركهم، وأن يُؤمنوا بالكتاب والسنة. أما ما عدا ذلك فعبث ! والتاريخ أثبت أن يد الرافضة بِيَد العدو المحتلّ.. فكيف نطلب حرب عدو أيديهم في يده وقلوبهم معه)([55])

وسئل عن حكم لعن الشيعة، فأجاب: (أما الرافضة فلعنهم قُربة؛ لأنهم يلعنون خيار الأمة، بل يلعنون أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيلعنون أبا بكر وعمر وابنتيهما.. ومَن لا يرعوي عن اللعن، فلا ينبغي التورّع عن لعنه، إلاّ أن يُفضي ذلك إلى حَمْلِهم على لَعْن الأخيار)([56])

وسئل: (من أشد خطرا على المسلمين الروافض أم الإسرائليون؟)، فأجاب: (الرافضة واليهود: وَجْهان لِعُملة واحدة، والرفض صَنيعة يهودية، إلاّ أن الذي يُبطِن لك خلاف ما يُظهِر أخطر. خاصة إذا كان يتمسّح بِدِين الإسلام ويزعم أنه مسلم ! فهذا قد يصِل إلى ما لا يصِل إليه غيره، وقد يُخدَع به فئام من المسلمين، وهل أسقط الخلافة في بغداد قديما إلاّ ابن العلقمي الرافضي؟ وهل ساعد على دُخول العدوّ الْمُحْتَلّ إلى العراق إلا أحفاد ابن العلقمي؟! والتاريخ يُعيد نفسه. والحية لا تُؤمن وإن كانت ناعمة الملمس)([57])

هذه مجرد نماذج قليلة عن فتاوى كثيرة ممتلئة بالحقد والكراهية.. وهي نتيجية طبيعية لتلك الأحقاد التي تتلمذ عليها من مشايخه من السلفية القدامى والمعاصرين.. فيستحيل على من تتلمذ على أولئك الرجال وتلك الكتب أن يكون إنسانا مسالما أو طبيعيا.


([1]) يتصور البعض أن هذا الموقف التكفيري خاص بالشيعة الإمامية الاثني عشرية، وهذا غير صحيح، فالشيعة الزيدية أيضا مشمولون بالتكفير السلفي، بناء على عقائدهم التي لا تختلف عن عقائد المعتزلة، والتي يتفق السلفية جميعا على تكفير القائل بها، وقد شن الوادعي السلفي حملة شديدة عليهم، وقد سُئل عنهم فقال: هم بعيدون عن السنة، ثم ذكر مقولة: ائتني بزيدي صغير أخرج لك منه رافضياً كبير (انظر: بغية الطالب الألمعي لفتاوى المحدث العلامة مقبل بن هادي الوادعي (ص 3)

([2]) تهذيب الكمال ج 20: 429، تهذيب التهذيب 7: 280.

([3]) هدي الساري ص 640.

([4]) تهذيب التهذيب (8/ 458)

([5]) السنة لعبد الله بن أحمد 2/548​.

([6]) يقصد الشيعة، والخشبية نسبة إلى الخشب، وذلك لأنهم كانوا يرفضون القتال بالسيف ويقاتلون بالخشب، وذكر ابن حزم (الفصل 5/45) أن بعض الشيعة كانوا لا يستحلون حمل السلاح حتى يخرج الذي ينتظرونه فهم يقتلون الناس بالخنق وبالحجارة، والخشبية بالخشب فقط.

([7]) منهاج السنة النبوية (1/ 22)

([8]) السنة لعبد الله بن أحمد 2/549، والخلال في السنة 1/497، واللالكائي في شرح السنة 7/1461.​

([9]) منهاج السنة النبوية (1/ 24)

([10]) منهاج السنة النبوية (1/ 26)

([11]) الإبانة الصغرى ص161.​.

([12]) اللالكائي في شرح السنة 8/1457.​.

([13]) ذكره ابن تيمية في منهاج السنة 1/61​.

([14]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة 8/1457​.

([15]) السنة للخلال 1/499.

([16]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة 8/459.‎

([17]) السنة للخلال 1/494​.

([18]) خلق أفعال العباد (ضمن عقائد السلف) ص125​.

([19]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة 1/178.

([20]) شرح السنة ص54.

([21]) اللطيف لشرح مذاهب أهل السنة ص251-252.​

([22]) نونيه القحطاني ص21 ​.

([23]) منهاج السنة 1/160.​

([24]) منهاج السنة 1/161.​

([25]) مجموع الفتاوى 28/482-483.

([26]) منهاج السنة 1/8.​

([27]) منهاج السنة 1/59.​

([28]) مجموع الفتاوى 28/637​

([29]) مجموع الفتاوى28/527-528.

([30]) مجموع الفتاوى 25/309.

([31]) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (1/ 254)

([32]) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ج2/377] فتوى رقم [ 9247 ].

([33]) فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء: 2/ 264..

([34]) فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء:  1/153.

([35]) فتاوى اللجنة الدائمة 12/99..

([36]) فتاوى ابن جبرين: رقم الفتوى (11092)

([37]) فتاوى الشيخ ابن جبرين (18/ 28)

([38]) فتاوى ابن جبرين: رقم الفتوى (10495)

([39]) فتاوى الشيخ ابن جبرين (18/ 44)

([40]) فتاوى ابن جبرين: رقم الفتوى (7827)

([41]) فتاو ابن جبرين: رقم الفتوى (12461)

([42]) فتاوى ابن جبرين: رقم الفتوى 18080.

([43]) صفحات من الجزائر: شخصيات ومواقف للدكتور صالح خرفي (ص:122-123)

([44]) الخطوط العريضة، ص15.

([45]) مقدمة الخطيب لكتاب (التحفة الاثني عشرية) (هامش ص: 33)

([46]) الخطوط العريضة، ص54.

([47]) الخطوط العريضة، ص5.

([48]) الخطوط العريضة، ص7.

([49]) أحكام الروافض، ص9.

([50]) أحكام الروافض، ص10.

([51]) أحكام الروافض، ص12.

([52]) أحكام الروافض، ص19.

([53]) أحكام الروافض، ص30.

([54]) أحكام الروافض، ص39.

([55]) أحكام الروافض، ص41.

([56]) أحكام الروافض، ص46.

([57]) أحكام الروافض، ص65.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *