الحسية.. لا المعنوية

الحسية.. لا المعنوية

الركن الخامس الذي يقوم عليه بنيان العقل السلفي هو [الحس] بدل المعنى، أو [الظاهر] بدل الباطن، أو [الحرفية] بدل المقاصدية، وهو ناشئ ـ كما يذكر المحللون النفسيون القدامى ـ من غلبة الجسد على الروح، والشهوة على العقل، والبهيمية على الإنسانية.. وهو من الخصال التي اكتسبها العقل السلفي من اليهود نتيجة إدمانه على التلمذة على آثارهم وأخلاقهم.

ولا نحتاج إلى جهد كبير لإثبات هذه الخاصية في العقل السلفي، ومشابهتهم لليهود فيها، فإن كل شيء فيهم يفضح هذه الصفة ويدل عليها.

فهم ـ في الظاهر ـ يظهرون ورعا شديدا في التقيد بأحكام الشريعة، ولكنهم ـ في الباطن ـ أبعد الناس عنها، لأنهم لا يرون من الشريعة إلا ظاهرها الملموس، أما حقيقتها ومعانيها العميقة، فهم يجافونها، بل يشوهونها بسلوكهم وأخلاقهم التي يتصورون أنهم لن يتدينوا التدين الصحيح إلا بممارستها.

وقد أشار الله تعالى إلى هذه الناحية في اليهود خصوصا، وحذر الأمة من الوقوع فيها، كما قال تعالى في شأن القبلة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177]

فالآية الكريمة تبين أن البر ـ الذي هو لب الدين ـ لا يقتصر على تلك المظاهر والرسوم والشعائر الظاهرة، بل هو قبل كل شيء وبعده علاقة روحانية عميقة مع الله ومع جميع الحقائق المقدسة المرتبطة به.. وهو كذلك قيم رفيعة، وأخلاق عالية تتجلى في جميع مظاهر الحياة.

وقد ذكر المفسرون سبب نزول الآية وعلاقتها باليهود، فذكروا أن (الله تعالى لما أمر المؤمنين أولا بالتوجه إلى بيت المقدس، ثم حولهم إلى الكعبة، شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو أن المراد إنما هو طاعة الله عز وجل، وامتثال أوامره، والتوجه حيثما وجه، واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق إلى المغرب بر ولا طاعة، إن لم يكن عن أمر الله وشرعه)([1])

وهكذا نجد قوله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 189]، وهو يشير إلى ما كان يبالغ فيه المشركون من شعائر ظاهرة حسية في نفس الوقت الذي يعرضون فيه عن الشعائر الباطنة، التي هي لب الدين وأصله وجوهره.

وهذا كله يدل على أن التعلق بالشعائر الظاهرة وحدها والمبالغة فيها أسلوب الشيطاني يستعمله مع الديانات المختلفة ليبعدها عن أهداف الدين الأساسية، فيصبح الدين مجرد طقوس وشعائر، لا حياة فيها ولا أثر لها.

وقد طبق الشيطان مشروعه في هذه الأمة عن طريق الاتجاهات السلفية المختلفة التي ملأت حياة الأمة فتنا منذ نشوئها، بل حولت شعائر الدين إلى وسيلة للتنافر والتباغض وجميع الأمراض النفسية.

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن الصلاة التي هي عمود الدين وركنه الركين، بدل أن تكون وسيلة لتغذية الروح، والتواصل مع الله، وامتلاء الحياة بجميع القيم النبيلة بسبب الحرص عليها وأدائها بالصفة التي أمر بها الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1، 2]، وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]، وقال: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]

إلا أنها تحولت في أيدي السلفية إلى مجرد رسوم وطقوس، يتصورون من خلالها كبرا وغرورا أنهم وحدهم المستأثرون بكيفية صلاة النبي k، حتى كتبوا في ذلك كتبا كثيرة، وأثاروا فتنا في المساجد بسببها، يدعون أن صلاتهم هي صلاة سنة، وصلاة غيرهم صلاة بدعة.

وقد أشار k إلى هذه الخصلة فيهم إشارة صريحة، فقال: « يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم)([2])

فهذا الحديث يشير إلى تلك المبالغات في المظاهر التعبدية في نفس الوقت الذي ينشغلون فيه عن حقائق العبادة وجوهرها.

وفي قوله k في الحديث:(يقرأون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء)، وقوله في حديث آخر: (يخرج قوم من أمتي في آخر الزمان أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم)([3]) إشارة إلى مبالغاتهم في أحكام الترتيل والتشدد مع الغنة والمدود، متناسين الحقائق القرآنية العظيمة التي يحاربونها بسلوكهم.

وهكذا نجد شأنهم في جميع أحكام الشريعة.. فهم في المسائل التي أتاحت الشريعة فيها الكثير من الحرية للناس حتى لا تضيق الحياة بهم، نراهم يضيقون عليها، فيفرضون عليهم مظاهر معينة يلزمونهم بها إلزاما شديدا، وكأن الدين مختصر في لحية وقميص وعباءة ونقاب.. وغيرها.

وهكذا نجد موقفهم من الجوانب الاجتماعية التي اختصرت عندهم في بعض الرسوم السطحية التي يخصون بها أصحابهم.. أما غيرهم، فمقتضى الولاء والبراء الذي استخدمه الشيطان للتفريق بين المؤمنين يدعوهم إلى ممارسة كل الرذائل الأخلاقية معهم باسم الدين وباسم رسول الله k رحمة الله للعالمين.

حتى أنهم وفي معاملاتهم مع غير المسلمين الذين أمرنا بأن نحسن إليهم، بل ندفع من أموالنا ما يؤلف قلوبهم، نراهم يدعون إلى ممارسة كل أنواع الإساءت معهم بدل تلك الرحمة والسماحة التي نص عليها القرآن الكريم.

ومن الأمثلة على ذلك ما يتداوله السلفية بينهم من كتب ابن تيمية التي نسخوا بها الشريعة السمحة وهي رسالة تحت عنوان (مسألة في الكنائس)، أجاب فيها على سؤال هذا نصه: (ما تقول السادة العلماء في الكنائس التي بالقاهرة وغيرها التي أغلقت بأمر ولاة الأمور، إذا ادعى أهل الذمة: أنها غلِّقت ظلماً، وأنهم يستحقون فتحها، وطلبوا ذلك من ولي الأمر.. فهل تقبل دعواهم؟ وهل تجب إجابتهم أم لا؟!)([4])

وقد أجاب ابن تيمية على هذه المسألة بقوله: (أما دعواهم أن المسلمين ظلموهم في إغلاقها فهذا كذبٌ مخالفٌ لأهل العلم، فإن علماء المسلمين من أهل المذاهب الأربعة: مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم من الأئمة، كسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وغيرهم، ومن قبلهم من الصحابة والتابعين، متفقون على أن الإمام لو هدم كل كنيسةٍ بأرض العنوة كأرض مصر والسواد بالعراق، وبر الشام ونحو ذلك، مجتهدًا في ذلك، ومتبعًا في ذلك لمن يرى ذلك، لم يكن ذلك ظلماً منه؛ بل تجب طاعته في ذلك.. وإن امتنعوا عن حكم المسلمين لهم، كانوا ناقضين العهد، وحلت بذلك دماؤهم وأموالهم) ([5])

ولذلك لا نستغرب ما يمارسه تلاميذ المدرسة السلفية من تدمير للكنائس وإساءة للمسيحيين وغيرهم من أهل الأديان المختلفة، بل إساءتهم للمسلمين أنفسهم.. لأنهم يعتقدون أن الإسلام لهم وحدهم، أما غيرهم فكلهم منحرفون ضالون مضلون.

وهكذا نجد مواقفهم السلبية من تلك العواطف النبيلة التي يبرزها المسلمون لربهم أو نبيهم k حيث يعتبرون كل ذلك بدعة وضلالة، فلا يهتمون بشيء كما يهتمون بالتحذير من كل مظاهر التدين العميق الممتلئ بالمحبة والسماحة.

بل إن غلبة البهيمية على هذا العقل جعلته في ممارساته الدعوية يعطي كل جهده للدعوة إلى الجنة وقصورها وأنهارها وللحور العين، فهو يتاجر بهم في كل المحال، لأن الدين في تصوره ليس سوى مقايضة الله ببعض الممارسات السطحية الممتلئة بالكثافة، وفي المقابل ينال الخلود في الجنة الحسية التي ملأوا حياة الناس ضيقا وشقاء بسببها.

هذه مجرد أمثلة على غلبة الحس على المعنى في العقل السلفي، وسنرى هنا تفاصيل ذلك وأدلتها من خلال الجوانب التالية: التعبدية، والشخصية، والاجتماعية، والعاطفية، وهي مجرد أمثلة لأن استيعاب ذلك كله محال لكثرته وتشعبه.

أولا ـ الجوانب التعبدية

العبادة بالمفهوم الإسلامي الأصيل الذي نص عليه القرآن الكريم والسنة المطهرة ووضع الشعائر المرتبطة بها هي ذلك التوجه الروحاني الخاشع لله تعالى، بحيث يعيش الممارس لها في ظلها أجواء جميلة من التواصل مع الله والتعرف عليه ومحبته والأنس به والشوق إليه.

ولذلك فإن العبادات ـ بمختلف أنواعها من صلاة وذكر وتلاوة وغيرها ـ هي المعراج الذي يعرج به المؤمن لربه، ليأنس به، ولينال من معرفته والقرب منه بحسب حظه من تلك الشعائر التعبدية وصدقه في أدائها.

وهي مع كونها ذات هيئة خاصة وقع فيها الخلاف في الأمة إلا أن المسلم الواعي.. أو المسلم المدرك للمقصد الشرعي منها لا يهتم بتلك التفاصيل الكثيرة.. فهو قد يختار هيئة من الهيئات عن قناعة أو اجتهاد أو تقليد لكنه في نفس الوقت لا يفرض على غيره تلك القناعة، ولا يعتبر أن عبادته أفضل من عبادة غيره لكون المقصد من تلك العبادات هو الخشوع لا الحركات المرتبطة بها.

هذه هي نظرة المسلم الصادق للعبادة.. فهو ينظر إليها من زاويتين: زاوية شخصية تجعله يهتم بأدائها بحسب ما وصل إليه اجتهاده أو تقليده..

وزاوية اجتماعية، وهي احترام الشعائر التي يمارسها سائر المسلمين بمختلف مذاهبهم، وعدم التفاخر عليهم.. لأنه لا يدري أيهم أقرب، فالله تعالى لا ينظر إلى الأجسام والحركات وإنما ينظر إلى القلوب.

هذه هي نظرة المسلم الإنسان الذي يستلهم دينه من القرآن الكريم ومن السنة النبوية المطهرة المحمية بحصون القرآن الكريم.. أما النظرة السلفية، والتي تجعل القرآن الكريم والسنة المطهرة سجينة لفهوم السلف فإنها تنظر إلى المسألة نظرة مختلفة تماما.

فهي من جهة لا تهتم برعاية المقاصد الشرعية في العبادات.. لأن عنايتها كلها موجهة للأداء الظاهري الحرفي.. ومن جهة ثانية تحارب المقاصد الشرعية، بما ابتدعته من فتاوى وأحكام قاسية تحول العباد والزهاد والمستغرقين في عبادة الله إلى مبتدعين وزنادقة ومنحرفين.

وسنتحدث باختصار هنا عن كلا الجانبين:

1 ـ إهمال المقاصد الشرعية:

من أهم مظاهر التقصير بل الإهمال السلفي للمقاصد الشرعية في العبادات ذلك التركيز الشديد على الصور المرتبطة بأدائها والمبالغة الشديدة في ذلك إلى درجة اعتبار كل مخالف لهم في أي جزئية منها مبتدعا وضالا ومنحرفا.

ومن أكبر الطامات هو ربطهم لذلك برسول الله k.. وكأنهم وحدهم من دون الأمة من رأى رسول الله k، وشاهد صلاته، فهو يقلده تقليدا، ويعتبر المخالف له مقصرا أو مفرطا أو مبتدعا.

لذلك من غرائب ما كتبوه تلك الكتب المصنفة في كيفية صلاة رسول الله k.. وكأن صلاة رسول الله k هي تلك الحركات الخالية من المعاني المقدسة، وكأنهم عندما يتحركون بتلك الحركات يكونون قد فعلوا نفس ما كان يفعله رسول الله k.. وأنى لهم ذلك.

بالإضافة إلى ذلك فإن الصلاة التي هي محل التواضع والخشوع والمسكنة تحولت لديهم إلى وسيلة للتباهي على سائر الأمة، ووسيلة لتفريق صفها، وقد ورد في بعض الآثار: (إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل على خلقي، ولم يبت مصرا على معصيتي، وقطع نهاره في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة، ورحم المصاب، ذلك نوره كنور الشمس، أكلؤه بعزتي، وأستحفظه ملائكتي، وأجعل له في الظلمة نورا، وفي الجهالة حلما، ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة)([6])

هذه هي الصلاة التي حث عليها القرآن الكريم، وهكذا كان رسول الله k يصلي.. لكن السلفية أبوا ذلك، وراحوا ـ بمنهجهم الحديث الذي ذكرنا ثغراته سابقا ـ يحاولون الوصول بانتقائيتهم المعهودة إلى الكيفية التي كان يصلي بها رسول الله k.. وهم يعلمون أن الأمة اختلفت، وأن كل طائفة ومذهب اقتنع بقناعة معينة، فهو يصلي على أساسها محترما لغيره، معطيا الأهمية في الصلاة لروحها ومعناها ومقصدها.

ومن أشهر الكتب التي ألفوها في ذلك، وأثارت فتنا كبيرة في المساجد وغيرها الكتاب المعنون بـ [صفة صلاة النبي k من التكبير إلى التسليم كأنك تراها] من تأليف محمد ناصر الدين الألباني، والذي ذكر دوافعه من تأليفه، فقال: (ولما كنت لم أقف على كتاب جامع في هذا الموضوع فقد رأيت من الواجب علي أن أضع لأخواني المسلمين ممن همهم الاقتداء في عبادتهم بهدي نبيهم k كتابا مستوعبا ما أمكن لجميع ما يتعلق بصفة صلاة النبي k من التكبير إلى التسليم بحيث يسهل على من وقف عليه من المحبين للنبي k حبا صادقا القيام بتحقيق أمره في الحديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ولهذا فإني شمرت عن ساعد الجد وتتبعت الأحاديث المتعلقة بما إليه قصدت من مختلف كتب الحديث فكان من ذلك هذا الكتاب الذي بين يديك)([7])

وهذا الكلام العنصري الخطير الذي يحصر المحبين لرسول الله k في هذا التيار دون سائر الأمة يبين مفهوم المحبة الصادقة لرسول الله k عند السلفيين، فهي عندهم مجرد تقليد لما كان يفعله، لا التواصل الروحي والعاطفي الممتلئ بالمشاعر النبيلة.. ولهذا نراهم يجعلون السنة ـ كما يتصورونها ـ هي وسيلتهم للفرقة والكراهية.

وقد ذكر الألباني الآثار الخطيرة التي ستنجر عن كتابه هذا، فقال ـ بجرأة عجيبة متحديا كل الأمة وفقهائها ـ: (ولذلك فإن الكتاب سيكون إن شاء الله تعالى جامعا لشتات ما تفرق في بطون كتب الحديث والفقه – على اختلاف المذاهب مما له علاقة بموضوعه – بينما لا يجمع ما فيه من الحق أي كتاب أو مذهب، وسيكون العامل به إن شاء الله ممن قد هداه الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ثم إني حين وضعت هذا المنهج لنفسي – وهو التمسك بالسنة الصحيحة – وجريت عليه في هذا الكتاب وغيره – مما سوف ينتشر بين الناس إن شاء الله – كنت على علم أنه سوف لا يرضي ذلك كل الطوائف والمذاهب بل سوف يوجه بعضهم أو كثير منهم ألسنة الطعن وأقلام اللوم إلي ولا بأس من ذلك علي فإني أعلم أيضا أن إرضاء الناس غاية لا تدرك، فحسبي أنني معتقد أن ذلك هو الطريق الأقوم الذي أمر الله تعالى به المؤمنين وبينه نبينا محمد سيد المرسلين وهو الذي سلكه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم)([8])

لقد ذكر هذا الكلام في مقدمته للطبعة الأولى، وبعد عشر سنين من نشر الكتاب، وبعد أن أصبحت الصلاة التي جعلها الله وسيلة لوحدة الأمة وعروجها إلى ربها وسيلة للفتنة والكراهية.. لم يتراجع، ولم يندم، بل ظل مصرا على ذلك.

بل إنه راح يدعو أتباعه وأتباع مدرسته إلى التشدد أكثر، قال في مقدمته لطبعة جديدة من الكتاب: (ذلك ما كنت كتبته منذ عشر سنوات في مقدمة هذا الكتاب وقد ظهر لنا في هذه البرهة أن له تأثير طيب في صفوف الشباب المؤمن لإرشادهم إلى وجوب العودة في دينهم وعبادتهم إلى المنبع الصافي من الإسلام: الكتاب والسنة فقد ازداد فيهم – والحمد لله – العاملون بالسنة والمتعبدون بها حتى صاروا معروفين بذلك)([9])

لكنه بعد العشرية السوداء من الفتنة التي أحدثها كتابه، والتي أنشأت جيلا من الشباب معروفا بصلاته الميزة رأى في البعض بعض الورع عن استخدام الصلاة وسيلة لشق الصف الإسلامي، فراح ينصحهم، ويزل عنهم ذلك الورع، بل راح ينفخ فيهم روح التحدي، تحدي الأمة جميعا في أقدس شعائرها، يقول في ذلك: (غير أني لمست من بعضهم توقفا عن الاندفاع إلى العمل بها لا شكا في وجوب ذلك بعد ما سقنا من الآيات والأخبار عن الأئمة في الأمر بالرجوع إليها، ولكن لشبهات يسمعونها من بعض المشايخ المقلدين، لذا رأيت أن أتعرض لذكرها والرد عليها لعل ذلك البعض يندفع بعد ذلك إلى العمل بالسنة مع العاملين بها، فيكون من الفرقة الناجية بإذن الله تعالى)([10])

وهكذا قسم الألباني المصلين إلى قسمين: ناجين وغير ناجين.. أما الناجون فليسوا أولئك الذين في صلاتهم خاشعون، ولا على صلاتهم دائمون.. وإنما أولئك الذي لكتاب الألباني قارئون، وله متبعون، وفي سبيله مضحون.. وأما الهالكون، فليسوا أولئك الذين عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراؤون، وإنما هم الذين للألباني مخالفون، وعن كيفية صلاة رسول الله k معرضون.

هذا ما يريد الألباني وغيره من أعلام السلفية تلقينه للأمة.. هم يدعونها للانشقاق باسم أقدس مقدساتها، كما دعوها للانشقاق باسم عقائدها ورسولها وكل أصول دينها وفروعه.

والعجيب أن الألباني يرد على أولئك الشباب ورعهم في تمزيق وحدة الأمة، يقول حاكيا موقفه الذي لم يعجبه: (قال بعضهم: لا شك أن الرجوع إلى هدي نبينا k في شؤون ديننا أمر واجب لا سيما فيما كان منها عبادة محضة لا مجال للرأي والاجتهاد فيها لأنها توقيفية كالصلاة مثلا ولكننا لا نكاد نسمع أحدا من المشايخ المقلدين يأمر بذلك بل نجدهم يقرون الاختلاف ويزعمون أنها توسعة على الأمة ويحتجون على ذلك بحديث – طالما كرروه في مثل هذه المناسبة رادين به على أنصار السنة -: (اختلاف أمتي رحمة) فيبدو لنا أن هذا الحديث يخالف المنهج الذي تدعو إليه وألفت كتابك هذا وغيره عليه فما قولك في هذا الحديث)([11])

وهنا يدخل الألباني قدراته الحديثية التي تصحح ما يشاء وتضعف ما يشاء، ليقضي على الحديث، وبعدها يذهب ليقضي على ما ورد في الدعوة إلى الوحدة في القرآن الكريم، فيقول: (.. الثاني: أن الحديث مع ضعفه مخالف للقرآن الكريم فإن الآيات الواردة فيه – في النهي عن الاختلاف في الدين والأمر بالاتفاق فيه أشهر من أن تذكر) ([12])

والعجيب أن الألباني كغيره من السلف يطبق ما يقول المثل بدقة: (رمتني بدائها وانسلت)، فهو يتصور أن الاتفاق والوحدة لابد أن تكون على مذهبه، لا على أي مذهب آخر.. أي أن الأمة جميعا سلفها وخلفها إن أرادت أن تتحد، فعليها أن تتحد على كتابه، وإلا فإنه لا يهمه اتحادها أو اختلافها.

ونحن لا ننكر عليه، ولا على السلفية جميعا، ولا على أي أحد من الناس أن يجتهد في أي مسألة، ولكن ننكر عليه ذلك الاحتكار لرسول الله k ولسنة رسول الله k وللصلاة.. فلو أنه ذكر أن كتابه هذا اجتهاد منه، وهو لا يلغي اجتهاد غيره، وأنه لا حرج على أي أحد أن يتبع ما شاء من الآراء، لما أنكرنا عليه هذا، لأن إنكارنا للفتنة وليس للبحث العلمي.

وما فعله الألباني هو نفس ما فعله السلفية جميعا، وفي جميع مراحل التاريخ، فقد حفظ لنا المؤرخون الكثير من الحوادث التي كان الحنابلة سببا فيها بسبب فروع بسيطة في الصلاة وغيرها.

ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره ابن الأثير في سنة 447 هـ، قال: (في هذه السنة وقعت الفتنة بين الفقهاء الشافعية والحنابلة ببغداذ، ومقدم الحنابلة أبو يعلى بن الفراء، وابن التميمي، وتبعهم من العامة الجم الغفير، وأنكروا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنعوا من الترجيع في الأذان، والقنوت في الفجر، ووصلوا إلى ديوان الخليفة، ولم ينفصل حال، وأتى الحنابلة إلى مسجد بباب الشعير، فنهوا إمامه عن الجهر بالبسملة، فأخرج مصحفا وقال: أزيلوها من المصحف حتى لا أتلوها)([13])

ومنها ما ذكره ابن كثير في أحداث سنة سنة 323هجرية ـ فقد ذكر أن جماعة من الحنابلة ببغداد اعترضوا على من يجهر بالبسملة في الصلاة، مما جعل الشرطة تتدخل ضدهم، فأمرت بأن لا يُصلي حنبلي بالناس إلا إذا جهر بالبسملة في صلاتي الصبح والعشاء، لكن الحنابلة لم يرتدعوا، واستمروا في عنفهم تجاه الشافعية، ولم يُوقفوا ذلك إلا بعدما أصدر الخليفة الراضي بالله توقيعا عنيفا زجرهم فيه، وهددهم بالقتل والتنكيل، والتشريد وحرق البيوت(1)

وقد أشار الغزالي إلى ما يمارسه السلفية من الاستغراق في الجانب الظاهري من الشعائر التعبدية، وإهمال الجانب الباطني، فقال: (وأما الصلاة فالفقيه يفتي بالصحة إذا أتى بصورة الأعمال مع ظاهر الشروط وإن كان غافلا في جميع صلاته من أولها إلى آخرها مشغولا بالتفكير في حساب معاملاته في السوق إلا عند التكبير وهذه الصلاة لا تنفع في الآخرة كما أن القول باللسان في الإسلام لا ينفع ولكن الفقيه يفتي بالصحة أي أن ما فعله حصل به امتثال صيغة الأمر وانقطع به عنه القتل والتعزير فأما الخشوع وإحضار القلب الذي هو عمل الآخرة وبه ينفع العمل الظاهر لا يتعرض له الفقيه)([14])

ثم حكى عن صلاة السلف الصالح الذين يتاجر بهم السلفية، فروى عن الإمام علي بن أبي طالب أنه كان إذا حضر وقت الصلاة، يتزلزل ويتلون وجهه، فقيل له: مالك يا أمير المؤمنين فيقول: (جاء وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتها)([15])

وروى عن علي بن الحسين أنه كان إذا توضأ اصفر لونه فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟ فيقول: (أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟)([16])

أما صلاة رسول الله k وخشوعها وعروجه إلى الله فيها، فلا يمكن التعبير عنه ولا وصفه.. بل لا يمكن لأي كتاب من كتب الدنيا أن يحيط به.

بالإضافة إلى هذا رد الغزالي على هذه المنهج الحسي في التعامل مع الصلاة، بأن تلك الحركات، مهما دقت لا تساوي شيئا أمام حركة القلوب بالخشوع والتقوى، يقول في ذلك: (.. أما الصلاة فليس فيها إلا ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود، فأما الذكر فإنه مجاورة ومناجاة مع الله عز وجل فإما أن يكون المقصود منه كونه خطابا ومحاورة أو المقصود منه الحروف والأصوات امتحانا للسان بالعمل، كما تمتحن المعدة بالإمساك في الصوم، وكما يمتحن البدن بمشاق الحج.. ولا شك أن هذا القسم باطل فإن تحريك اللسان بالهذيان ما أخفه على الغافل فليس فيه امتحان من حيث أنه عمل، بل المقصود الحروف من حيث أنه نطق، ولا يكون نطقا إلا إذا أعرب عما في الضمير، ولا يكون معربا إلا بحضور القلب)([17])

2 ـ مناقضة المقاصد الشرعية:

لم يكتف السلفية بشغل الأمة في تلك الخلافات الفرعية حول الشعائر التعبدية، والتي أثارت الفتن بينهم، وزعزعت وحدتهم واستقرارهم، بل راحوا إلى كل حسنة من حسنات الشعائر التعبدية يواجهونها بالمحاربة والتبديع، بل بالتكفير، بل بالتحريض على القتل.

والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصر.. وسأذكر هنا نماذج عنها لتكون دليلا على غيرها.

فمن الأمثلة على ذلك أن الكثير من المسلمين من أتباع المذاهب المختلفة، وتقديرا منهم لأهمية النية في الصلاة، وخوفا من تسرب الغفلة إليهم فيعجلوا بالتكبير قبل النية، صاروا يتلفظون بالنية ردعا للوسواس.. وقد أخذ بهذا الكثير من المذاهب الإسلامية.. لكن السلفية ـ وبلسان شيخهم الأكبر ـ لم يكتفوا بأن يروا أن هذه المسألة مرجوحة، والدليل فيها ضعيف، وأن الأرجح خلافها..

وإنما راحوا بما في نفوسهم من أسود ونمور يحكمون على فاعل ذلك ومستحله بالقتل، يقول ابن تيمية: (الجهر بلفظ النية ليس مشروعا عند أحد من علماء المسلمين، ولا فعله رسول الله kولا فعله أحد من خلفائه وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها، ومن ادعى أن ذلك دين الله، وأنه واجب، فإنه يجب تعريفه الشريعة، واستتابته من هذا القول، فإن أصر على ذلك قتل)([18])

وعلى إثره قال الشيخ ابن باز: (التلفظ بالنية بدعة، والجهر بذلك أشد في الإثم، وإنما السنة النية بالقلب.. ولم يثبت عن النبي k ولا عن أحد من أصحابه ولا عن الأئمة المتبوعين التلفظ بالنية، فعلم بذلك أنه غير مشروع بل من البدع المحدثة)([19])

ومن الأمثلة على ذلك موقفهم من قراءة القرآن الكريم جماعة، والتي أراد المسلمون من خلالها أن يجعلوا من القرآن الكريم واسطة للتلاحم الاجتماعي، والروحانية الاجتماعية، لتتعمق الوحدة بينهم في ظلال حبل الله المتين القرآن الكريم، بالإضافة إلى ما ورد من الدعوة إلى ذلك في قوله k:: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)([20])

فهذا الحديث العظيم كاف بمفرده للدلالة على الفضل العظيم الذي يناله قراء القرآن الكريم جماعة، أما تحريف الحديث وتأويله بذكر أن معناه المراد منه هو أن يقرأ واحد ويستمع الباقون، فهو تأويل بعيد جدا، بل هو أقرب إلى التحريف منه إلى التأويل، ذلك أننا إذا قلنا: جلس القوم يأكلون.. فهذا لا يعني أن تدار الملعقة بينهم، ليأكل الواحد منهم، وينتظر الآخرون أدوارهم ليأكلوا..

فكلمة [يفعلون] في اللغة العربية دلالتها واضحة، وتعني أنهم يفعلون جميعا في نفس الوقت.. وإخراجها عن هذه الدلالة يقتضي قرينة أو دليلا خارجيا، ودون ذلك خرط القتاد.

لكن السلفية بسبب حرصهم على سلفهم أكثر من حرصهم على رسول الله k راحوا يعقبون على ذلك، بأن السلف لم يفعلوا..وما داموا لم يفعلوا، فهذا يعني أن النصيحة التي وجهها رسول الله k لأمته بدعة، ومن التزم بها فقد ابتدع.. لأن الدين يمثله السلف لا رسول الله k.. أو هو بعبارة أخرى أكثر أدبا: الدين يمثله رسول الله k ولكن بشرط أن يكون بفهم السلف، أو بشرط أن يوافق عليه السلف.

وبناء على هذا، فقد راحوا يحذرون من هذه السنة الحميدة التي امتلأت بها مساجد الأمة، وكانت سببا في اهتمامها بالقرآن الكريم حفظا وفهما وتدبرا.

ومن الأمثلة على ذلك أن الشيخ عبد الله بن قعود وعبد الله بن غديان وعبد الرزاق عفيفي وعبد العزيز بن عبد الله بن باز، وكلهم من هيئة كبار العلماء سئلوا هذا السؤال من بعض المغاربة: (من عادتنا نحن المغاربة أن نقرأ القرآن جماعة صباحاً ومساء بعد صلاة الصبح والمغرب، فهل يعد هذا بدعة؟)، فأجابوا هذه الإجابة الخطيرة: (التزام قراءة القرآن جماعة بصوت واحد بعد كل من صلاة الصبح والمغرب أو غيرهما بدعة، وكذا التزام الدعاء جماعة بعد الصلاة، أما إذا قرأ كل واحد لنفسه أو تدارسوا القرآن جميعاً كلما فرغ واحد قرأ الآخر واستمعوا له فهذا من أفضل القرب)([21])

وهذا للأسف ـ قصدوا أو لم يقصدوا ـ نوع من التنفير من قراءة القرآن الكريم، لأن تلك العادة كانت سببا في انتشار تلاوة القرآن الكريم في المغرب العربي، واهتمامهم به وبحفظه، لكن إزالة هذا وغيره قد ساهم في النفور منه، والرغبة عن حفظه.

ولو أننا طبقنا المقاييس التي اعتمدوا عليها في هذه الفتوى، لوجدناهم يتناقضون معها تناقضا تاما.

ومن الأمثلة على ذلك أن المصحف الذي تطبعه السعودية، والذي كان ولا زال لهيئة كبار العلماء علاقة بالإشراف عليه لا يتفق مع المصحف الذي كان في عهد السلف الأول، بل لا يتفق مع قول مالك الذي بنوا عليه قولهم في تبديع القراءة الجماعية للقرآن الكريم.

فقد قال أشهب: سمعت مالكا، وقد سئل عن المصاحف يكتب فيها خواتم السور في كل سورة ما فيها من آية.قال: (إنى أكره ذلك في أمهات المصاحف أن يكتب فيها شئ أو يشكل، فأما ما يتعلم به الغلمان من المصاحف فلا أرى بذلك بأسا) ([22])

فلذلك عليهم أن يحذفوا من مصاحفهم ما كرهه مالك، وإلا كانوا من الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.

بل إن النصوص الواردة عن السلف في هذه المسألة لم تنحصر في قول مالك وحده، فقد قال الاوزاعي:سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: (كان القرآن مجردا في المصاحف فأول ما أحدثوا فيه النقط على الياء والتاء وقالوا لا بأس به هو نور له ثم أحدثوا فيها نقطا عند منتهى الآي، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم)([23])

ومن الأمثلة على مناقضتهم للمقاصد الشرعية موقفهم من دعاء المسلمين بعضهم لبعض بعد الانتهاء من الصلاة، بأن يقولوا: (تقبل الله)، ونحوها.. فإن السلفية لم يعجبهم هذه السنة الحسنة، والتي تساهم في التآلف والمحبة، والتي تعتبر مقصدا من المقاصد للعبادات التي تؤدى جماعة.. ولذلك راحوا يحاربونها، ويعتبرون الفاعل لذلك مبتدعا، وضالا، وفي النار.

وقد ورد سؤال لبعض مشايخهم المعاصرين الكبار يقول: (بعض الإخوة يقولون تقبل الله بعد الانتهاء من الصلاة، وأنا أعلم أنها بدعة، ولكن أريد التفصيل: لماذا هي بدعة؟ ومن من العلماء قال هي بدعة؟ لأن كثيرا من الجهال عندما تقول له بدعة يتضايق ويقول: إنه دعاء بأن يتقبل الله صلاتك)

فأجاب بقوله: (قال الحافظ ابن كثير: (أهل السنة والجماعة يقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة: هو بدعة ؛ لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها)([24]).. وقال الشيخ الفوزان: (البدع التي أحدثت في مجال العبادات في هذا الزمان كثيرة ؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع شيء منها إلا بدليل، وما لم يدل عليه دليل فهو بدعة ؛ لقوله k: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)([25])، والعبادات التي تمارس الآن ولا دليل عليها كثيرة جدًّا)([26]).. وسئل الشيخ ابن عثيمين: (ما رأى فضيلتكم في المصافحة وقول تقبل الله بعد الفراغ من الصلاة مباشرة؟ فأجاب بقوله: (لا أصل للمصافحة، ولا لقول تقبل الله بعد الفراغ من الصلاة، ولم يرد عن النبي k، ولا عن أصحابه)([27]).. وسئل أيضا: هناك من الناس من يزيد في الأذكار بعد الصلاة كقول بعضهم: تقبل الله أو قولهم بعد الوضوء (زمزم) فما تعليقكم حفظكم الله تعالى؟ فأجاب بقوله: (هذا ليس من الذكر، بل هذا من الدعاء إذا فرغ وقال: (تقبل الله منك)، ومع ذلك لا نرى أن يفعلها الإنسان، لا بعد الوضوء، ولا بعد الصلاة، ولا بعد الشرب من ماء زمزم ؛ لأن مثل هذه الأمور إذا فعلت لربما تتخذ سنة فتكون مشروعة بغير علم)([28])

ومن الأمثلة على مناقضتهم للمقاصد الشرعية موقفهم من كل تلك الممارسات التعبدية التي يمارسها المسلمون لتمتلئ حياتهم بذكر الله، وقراءة القرآن الكريم، ولتشيع المودة والتآلف بينهم بسبب ذلك.. فقد راحو يعتبرون كل ذلك من بدع الضلالة.

فقد سئل الشيخ ابن باز عن قراءة القرآن في مكبرات الصوت قبل الجمعة، فقال: (لا نعلم لذلك أصلا، لا من الكتاب ولا من السنة ولا من عمل الصحابة ولا السلف الصالح رضي الله عن الجميع، ويعتبر ذلك حسب الطريقة المذكورة من الأمور المحدثة التي ينبغي تركها، لأنه أمر محدث ولأنه قد يشغل المصلين والقراء عن صلاتهم وقراءتهم)([29])

وسئل الشيخ ابن عثيمين عن (وضع المصحف في السيارة أو في مكان العمل دفعاً للعين أو توقياً للخطر أو للتبرك)، فأجاب بقوله: (حكم وضع المصحف في السيارة دفعاً للعين أو توقياً للخطر بدعة فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يحملون المصحف دفعاً للخطر أو للعين وإذا كان بدعةً فإن النبي e قال: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)([30])([31])

وهكذا اتفقوا على حرمة قراءة القرآن عند الميت، قال الشيخ ابن عثيمين: (وأما قراءة الفاتحة على الميت فهي بدعة على بدعة، فما كان الرسول k يعزي بقراءة الفاتحة ولا بغيرها من القرآن)([32])

وهكذا بدعوا التلبية الجماعية التي يمارسها المسلمون في الحج، حيث يتقدم واحد منهم أو يكون في الوسط أو في الخلف ويلبي ثم يتبعونه بصوت واحد، قال الشيخ ابن عثيمين: (وهذا هو المشروع للمسلمين أن يلبي كل واحد بنفسه وألا يكون له تعلق بغيره)([33])

وهكذا بدعوا الدعاء الجماعي الذي يمارسه المسلمون بعد الصلاة بصوت واحد، فقد قالت اللجنة الدائمة للفتوى جوابا على من سأل عن هذا: (ليس الدعاء بعد الفرائض بسنة إذا كان ذلك برفع الأيدي سواء كان من الإمام وحده أو المأموم وحده أو منهما جميعاً بل ذلك بدعة لأنه لم ينقل عن النبي k ولا عن أصحابه)

ولم يكتف السلفية بهذا، بل وصل بهم الأمر إلى تبديع ما اتفق عليه المسلمون من قراءة الفاتحة عند عقد القران تبركا بالقرآن الكريم، فقد قال الشيخ ابن عثيمين: (ليس هذا بمشروع بل هذا بدعة، وقراءة الفاتحة أو غيرها من السور المعينة لا تقرأ إلا في الأماكن التي شرعها الشرع فإن قرئت في غير الأماكن تعبداً فإنها تعتبر من البدع)([34])  

بل إن المبالغة في هذا وصلت بهم إلى حد تبديع من يقول: (صدق الله العظيم) بعد قراءة القرآن الكريم، قال الشيخ ابن عثيمين: (قول صدق الله العظيم بعد قراءة القرآن الكريم لا أصل له من السنة ولا عمل الصحابة رضي الله عنهم، وإنما حدث أخيراً، ولا ريب أن قول القائل: صدق الله العظيم: ثناء على الله عزوجل فهو عبادة، فإنه لا يجوز أن نتعبد لله به إلا بدليل من الشرع وإذا لم يكن هناك دليل من الشرع كان ختم التلاوة به غير مشروع ولا مسنون، فلا يسن للإنسان عند انتهاء القرآن الكريم أن يقول: صدق الله العظيم.. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، أنه قال كان يقرأ ولم ينقل عنه كان يقول صدق الله العظيم)([35])

وهكذا تحول السلفية بفعل تبعيتهم المطلقة لسلفهم إلى معاول لهدم كل حسنة تمارس في المجتمعات الإسلامية للتقرب إلى الله، وإضافة مزيد من الروحانية على العلاقات الاجتماعية، ولذلك لا عجب أن نعتبر السلفية هي مشروع الشيطان في هذه الأمة لصرفها عن دينها المحمدي الأصيل وتحويلها إلى دين الشيطان، وعبدة الشيطان.

ثانيا ـ الجوانب الشخصية

نريد بالجوانب الشخصية تلك الأمور التي لا علاقة لها بالشعائر التعبدية، كما أنه ليس لها علاقة بالجوانب الاجتماعية وغيرها، وفي نفس الوقت تعتبر من الأمور التي تختلف فيها أذواق الناس ومشاربهم.. ومن ذلك ما يتعلق باللباس والهيئة والمظهر والمأكل والمشرب والكثير من العادات التي تدخل في دائرة المباحات.

والنصوص القرآنية الكثيرة ومثلها الأحاديث النبوية الشريفة تعطي هذا الجانب حرية كبيرة، فللمؤمن أن يأكل ويلبس ويفعل ما يشاء ما دام ذلك لا يضره، ولا يضر الآخرين من حوله.

ولهذا وصفت هذه الشريعة بكونها شريعة سمحة لطيفة لينة، كما قال تعالى في وصف رسول الله k كما بشر به الأنبياء السابقون: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 156 – 157]

وقوله تعالى: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾، ومثله قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة: 286] يدل على ما كان في الديانات السابقة ـ خاصة اليهودية ـ من أنواع الأغلال التي كلفوا بها بسبب عنتهم وجدلهم مع أنبيائهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: 160]، وقال في بيان أنواع من المحرمات عليهم بسبب بغيهم: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: 146].

بناء على هذا جاءت النصوص الكثيرة تبين حل كل ما يمارسه الناس في جوانبهم الشخصية من أنواع الاختيارات ما دام ذلك لا يضرهم هم ولا مجتمعهم..

بل ورد الأمر بأخذ الزينة والاهتمام بالهندام، كما قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد﴾ (الأعراف: 31)

وقال ـ مخاطبا أولئك المتكلفين الذين يحرمون ما أحل الله ـ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 32)

ولهذا فإن البيان النبوي لأحكام الشريعة المرتبطة بهذا الجانب لم تضع إلا قيودا أخلاقية تحمي الجوانب الشخصية من أن تعتدي على سائر الجوانب، ومن ذلك قوله k: (كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة)([36])

ومن هذا الباب ما ورد من النهي عن إطالة الثوب بسبب المخيلة، لأن المتكبرين في ذلك الحين كانوا يلبسون ثيابا طويلة يختالون بها على المستضعفين، كما قال k: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)([37])

والحديث واضح في كون النهي مرتبطا بعلة محددة مضبوطة، وهي الخيلاء.. ولذلك فإن أي عاقل ينظر إلى العلة التي قد تتوفر في أي مظهر من المظاهر، والتي قد يكون منها تقصير الثوب نفسه.. فإذا أصبح التقصير خيلاء وفخرا وكبرا حرم.. لا لكونه تقصيرا، وإنما لكونه خيلاء.

هكذا يفهم أصحاب العقل المقاصدي.. لكن الحرفيين والحسيين والعقل السلفي خصوصا جعلوا من تقصير الثوب مسألة كبيرة، راحوا من خلالها يميزون أصحاب الفرقة الناجية من الفرق الهالكة.

وقد جعل أتباعه لذلك ممتلئين بالعقد، فهم يخالفون مجتمعاتهم في أمثال هذه المظاهر البسيطة، وذلك يجرهم بالضرورة إلى الكثير من العقد، ومعها الكثير من الاستعلاء.

وقد سئل الشيخ ابن باز: (ما حكم إطالة الثوب إن كان للخيلاء أو لغير الخيلاء وما الحكم إذا اضطر الإنسان إلى ذلك سواء إجبارًا من أهله أو كان صغيرًا أو جرت العادة على ذلك؟)، فأجاب بقوله: (حكمة التحريم في حق الرجال.. ولا يجوز أن يظن أن المنع من الإسبال مقيد بقصد الخيلاء، لأن الرسول لم يقيد ذلك عليه الصلاة والسلام في الحديثين المذكورين آنفا، كما أنه لم يقيد ذلك في الحديث الآخر وهو قوله r لبعض أصحابه: (إياك والإسبال فإنه من المخيلة)، فجعل الإسبال كله من المخيلة لأنه من الغالب لا يكون إلا كذلك، ومن لم يسبل للخيلاء فعمله وسيلة لذلك، والوسائل لها حكم الغايات، ولأن ذلك إسراف وتعريض لملابسه للنجاسات، والوسخ..أما من يتعمد إرخاءها، سواء كانت بشتًا أو سراويل أو إزارًا أو قميصا فهو داخل في الوعيد وليس معذورا في إسبال ملابسه لأن الأحاديث الصحيحة المانعة من الإسبال تعمه بمنطوقها، وبمعناها ومقاصدها فالواجب على كل مسلم أن يحذر الإسبال وأن يتقي الله في ذلك، وألا ينزل ملابسه عن كعبه عملاً بهذه الأحاديث الصحيحة وحذرًا من غضب الله وعقابه)([38])

والعجيب في هذا الاستدلال هو تطبيقه لبعض النصوص على حساب بعض، أو ضربه بعض النصوص ببعض، مع أن الأصل أن يعمل الجميع، فما دام قد ورد القيد في حديث من الأحاديث، فهو يحمل عليها جميعا، وليس بالضرورة أن يبين رسول الله k في كل موضع ذلك القيد.. هذا إن نقلت لنا الأحاديث بدقة ومن غير تصرف، وقد رأينا كيف يتلاعب الرواة بالأحاديث.

وهكذا نرى أمثال هذه الاستدلالات التي ضيقوا بها على أنفسهم، وعلى حياة الناس، فوضعوا عليها من الأغلال أضعاف ما كان موضوعا على اليهود.

وسأنقل هنا من كتاب واحد من كتبهم بعض ما ذكره من أغلال، لنرى الصورة التي يريد الشيطان أن يخرج بها المسلم للعالم حتى يكون حجابا بينهم وبين هداية الله.

وهذا الكتاب هو [الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين]، وهو من تأليف الشيخ (حمود بن عبدالله التويجري) الذي تعرفنا على كتابه في إثبات مشابهة آدم لصورة الرحمن في كتاب [السلفية والوثنية المقدسة]

وقد قدم له هذا الكتاب أيضا شيخ السلفية الأكبر في العصر الحديث الشيخ ابن باز، وقد قال في تقديمه له: (اطَّلعت على هذا المؤلَّف الجليل الموسوم بـ [الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين]؛ تأليف أخينا وصاحبنا الشيخ العلاَّمة (حمود بن عبدالله التويجري)، وسمعته بقراءة مؤلفه من أوَّله إلى آخِره فألفيته عظيم الفوائد، كثير الفرائد، قد اشتمل على بيان جملة كبيرة من الأشياء التي أشبه فيها الكثير من المسلمين أعداء الله من اليهود والنصارى والمجوس وسائر المشركين، معزَّزًا بالأدلة الواضحة من الكتاب والسنة، موشَّحًا بالكثير من كلام السلف الصالح وأئمة الإسلام في بيان الحق بدليله، وتزييف الباطل وإقامة الحجة عليه، وفي التحقيق أني لا أعلم أنه أُلِّف على منواله مثله، مع وضوح العبارة والعناية بالأدلة، والعلل المهمة والحِكَم الشرعية، والأضرار الكثيرة الناجمة عن مشابهة المشركين والاقتداء بهم، المفضية إلى نسيان الكثير من السنة، وطمس الكثير من أعلام الحق، ولا سيما في هذا العصر الذي قد استحكمت فيه غُرْبَة الإسلام، وفَشَتْ فيه البدع والمنكرات، وقلَّ فيه العلم وغلب فيه الجهل، وكثر فيه أنصار الهوى وقلَّ فيه اتِّباع الهدى، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)([39])

بناء على هذه التزكية من ابن باز ومن كثير من مشايخ السلفية سأنقل بعض ما ذكره هذه العلم السلفي حتى لا نتهم بأننا ننقل من أعلام غير معتبرين.

فمن الأنواع التي ذكرها لتشبه المسلمين (بأعداء الله لبس البرنيطة التي هي من لباس الإفرنج ومَن أشبههم من أمم الكفر والضلال، وتسمى أيضًا القبعة، وقد افتُتِن بلبسها كثير من المنتسبين إلى الإسلام في كثيرٍ من الأقطار الإسلامية، ولا سيما البلدان التي فشتْ فيها الحرية الإفرنجية وانطمست فيها أنوار الشريعة المحمدية.. ومن ذلك الاقتصار على لبس السترة والبنطلون، فالسترة قميصٌ صغيرٌ يبلغ أسفله إلى حدِّ السرَّة أو يزيد عن ذلك قليلاً، وهو من ملابس الإفرنج، والبنطلون اسمٌ للسراويل الإفرنجية، وقد عظمت البلوى بهذه المشابهة الذميمة في أكثر الأقطار الإسلامية.. ومَن جمع بين هذا اللباس وبين لبس البرنيطة فوق رأسه فلا فرق بينه وبين رجال الإفرنج في الشكل الظاهر، وإذا ضمَّ على ذلك حلق اللحية كان أتمَّ للمشابهة الظاهرة، ومَن تشبَّه بقوم فهو منهم) ([40])

ثم راح التويجري ينتهج منهج سلفه في الرد على الشبهات المرتبطة بلبس البرنيطة، فقال: (فإن ادَّعى المتشبِّهون بأعداء الله تعالى أنهم إنما يلبسون البرنيطات لتكون وقاية لرؤوسهم من حرِّ الشمس، ويلبسون البنطلونات والقمص القصار لمباشرة الأعمال، قيل: هذه الدعوى حيلة على استحلال التشبُّه المحرَّم والحِيَل لا تُبِيح المحرَّمات، ومَن استحلَّ المحرمات بالحِيَل فقد تشبَّه باليهود)([41])

وهكذا أصبحت البرنيطة والسروال هي علامة اليهودية لا تحويل اليهود إلى مفسرين للقرآن وشارحين للعقيدة، وقد رأينا سابقا كيف أن هذا التويجري نفسه يجيز الرجوع لكتب اليهود للتعرف على صورة الله.

وقد نقل الشيخ التويجري عن علم آخر من أعلام السلفية المعاصرين، وهو الشيخ أحمد محمد شاكر قوله: (ولم يختلف أهل العلم منذ الصدر الأول في هذا؛ أعني: في تحريم التشبُّه بالكفار حتى جئنا في هذه العصور المتأخِّرة فنبتت في المسلمين نابتة ذليلة مستعبدة هجيراها وديدنها التشبُّه بالكفار في كلِّ شيء والاستخذاء لهم والاستعباد، ثم وجدوا من الملتصقين بالعلم المنتسبين له مَن يزيِّن لهم أمرهم ويهوِّن عليهم أمر التشبُّه بالكفار في اللباس والهيئة والمظهر والخلق وكلِّ شيء، حتى صرنا في أمةً ليس لها من مظهر الإسلام إلا مظهر الصلاة والصيام والحج على ما أدخلوا فيها من بِدَع، بل من ألوان من التشبُّه بالكفار أيضًا، وأظهر مظهر يريدون أن يضربوه على المسلمين هو غطاء الرأس الذي يسمُّونه القبعة (البرنيطة)، وتعلَّلوا لها بالأعاليل والأباطيل، وأفتاهم بعض الكُبَراء المنتسبين إلى العلم أن لا بأس بها إذا أُرِيد بها الوقاية من الشمس، وهم يأبون إلا أن يظهروا أنهم لا يريدون بها إلا الوقاية من الإسلام، فيصرح كُتَّابهم ومفكِّروهم بأن هذا اللباس له أكبر الأثر في تغيير الرأس الذي تحته ينقله من تفكير عربي ضيِّق إلى تفكير إفرنجي واسع، ثم أبى الله لهم إلا الخذلان، فتناقضوا ونقضوا ما قالوا من حجة الشمس إذ وجدوا أنهم لم يستطيعوا ضرب هذه الذلَّة على الأمة، فنزعوا غطاء الرأس بمرة تكروا الطربوش وغيره، ونسوا أن الشمس ستضرب رؤوسهم مباشرة دون واسطة الطربوش، ونسوا أنهم دعوا إلى القبعة وأنه لا وقاية لرؤوسهم من الشمس إلا بها) ([42])

ومن أنواع التشبه بأعداء الله ـ كما يذكر التويجري ـ (استقذار الأكل بالأيدي، واعتياد الأكل بالملاعق ونحوها من غير ضرر بالأيدي، وكذلك الجلوس للطعام على الكراسي ونحوها مما يتَّكئ الجالس عليه ويتمكَّن في جلوسه، وكذلك ترتيب سماطات الطعام وأوانيه على الزيِّ الإفرنجي، وكلُّ هذا مخالِف لهدي رسول الله k الذي هو أكمل الهدي على الإطلاق) ([43])

وقد نقل عن الشيخ أحمد محمد شاكر قوله تعليقا على بعض الأحاديث: (هذا الحديث مما يتحدَّث فيه المترَفون المتمدِّنون عبيد أوروبا في بلادنا يستنكرونه والمؤدب منهم مَن يزعم أنه حديث مكذوب؛ لأنه لا يعجبه ولا يوافق مزاجه، فهم يستقذرون الأكل بالأيدي وهي آلة الطعام التي خلقها الله وهي التي يَثِقُ الآكل بنظافتها وطهارتها إذا كان نظيفًا طاهرًا كنظافة المؤمنين.. أما الآلات المصطَنَعة للطعام فهيهات أن يطمئن الآكل إلى نقائها إلا أن يتولَّى غسلها بيده، فأيُّهما أنقى؟ ثم ماذا في أن يلعق أصابعه غيره إذا كان من أهله أو ممَّن يتَّصل به ويخالطه إذا وَثِق كلٌّ منهما من نظافة صاحبه وطهره، ومن أنه ليس به مرضٌ يُخشَى أو يُسْتَقذر) ([44])

وقد ذكر بعد هذا بعض الأحاديث، ثم علق عليها بقوله: (وقد اشتملت هذه الأحاديث على عدَّة فوائد وآداب من آداب الأكل: الأولى: مشروعية الأكل باليد بخلاف ما عليه المتشبِّهون بالإفرنج وأضرابهم من الأكل بالملاعق واستقذار الأكل بالأيدي، وفعل أعداء الله وأشباههم أَوْلَى بالاستقذار من فعل المسلمين، وذلك أن أحدهم يدخل الملعقة أو بعضها في فيه ثم يخرجها وقد علق اللُّعاب بها فيغمسها في الطعام بما علق بها ثم يدخلها في فيه مرة أخرى، وهكذا يفعل إلى أن يفرغ من أكله، وأما الأصابع فإن الآكل بها لا يدخلها في فيه وإنما يدخل اللقمة فقط وتكون الأصابع من خارج فيه فلا يعلق بها اللعاب كما يعلق بالمعلقة. والقول في أكل اللحم بالأشواك التي أحدَثَها أهل المدينة من الإفرنج ومَن يتشبَّه بهم كالقول في الأكل بالملاعق سواء، فكلاهما أَوْلَى بالاستقذار من الأكل بالأيدي. والأكل بهما خلاف هدي رسول الله k الذي هو الغاية في النظافة والنزاهة والبعد عما يُكرَه ويُستَقذر) ([45])

ومن أنواع التشبه بأعداء الله ـ كما يذكر التويجري ـ (الإشارة بالأصابع عند السلام، وكذلك الإشارة بالأكفِّ مرفوعة إلى جانب الوجه فوق الحاجب الأيمن كما يفعل ذلك الشرط وغيرهم.وكذلك ضرب الشرط بأرجلهم عند السلام ويسمُّون هذا الضرب المنكر والإشارة بالأكفِّ التحية العسكرية، وهي تحية مأخوذة عن الإفرنج وأشباههم من أعداء الله تعالى وهي بالهزء والسخرية أشبه منها بالتحية، ولكن ما الحيلة فيمَن غيرت طباعهم المدنية الإفرنجية، وأثَّرت فسادًا كثيرًا في أخلاقهم وأفعالهم حتى صاروا يستحسنون من أفعال الإفرنج وغيرهم من الأعاجم ما يستقبحه أولو العقول السليمة والفِطَر المستقيمة. وهذه التحية المستهجَنة من جملة المنكر الذي ينبغي تغييره والنهي عنه) ([46])

ومن أنواع التشبه بأعداء الله ـ كما يذكر التويجري ـ (ما يفعله كثير من الجهَّال من التصفيق في المجالس والمجامع عند رؤية ما يعجبهم من الأفعال، وعند سماع ما يستحسنونه من الخطب والأشعار، وعند مجيء الملوك والرؤساء إليهم، وهذا التصفيق سخَف ورعونة ومنكر مردود من عدَّة أوجه: أحدها: أن فيه تشبهًا بأعداء الله – تعالى – من المشركين وطوائف الإفرنج وأشباههم.. الثاني: أن التصفيق من خصائص النساء لتنبيه الإمام إذا نابَه شيء في صلاته.. الثالث: أن النبي k أنكر على الرجال لما صفقوا في الصلاة؛ لأنهم فعلوا فعلاً لا يجوز للرجال فعله ولا يليق بهم وإنما يليق بالنساء.. الرابع: أن التصفيق لم يكن من هدي رسول الله k ولا من هدي أصحابه ولم يكن من عمل التابعين وتابعيهم بإحسان، وإنما حدث في المسلمين في أثناء القرن الرابع عشر من الهجرة النبوية لما كثرت مخالطة المسلمين للإفرنج، وأُعجِب جُهَّال المسلمين بسنن أعداء الله وأفعالهم الذميمة) ([47])

ومن أنواع التشبه بأعداء الله ـ كما يذكر التويجري ـ (اللعب بالكرة على الوجه المعمول به عند السفهاء في هذه الأزمان؛ وذلك لأن اللعب بها على الوجه مأخوذ عن الإفرنج وأشباههم من أعداء الله تعالى، وقد رأيت عمل الأمريكان في أخشاب الكرة ومواضع اللعب بها، ورأيت عمل سفهاء المسلمين في ذلك فرأيته مطابقًا لعمل الأمريكان أتمَّ المطابقة.. إذا عُلِم هذا فاللعب بالكرة على الوجه الذي أشرنا إليه من جملة المنكر الذي ينبغي تغييره، وبيان ذلك من وجوه: أحدها: ما فيه من التشبُّه بالإفرنج وأضرابهم من أعداء الله تعالى.. الثاني: ما في اللعب بها من الصدِّ عند ذكر الله وعن الصلاة، وهذا أمر معروف عند الناس عامَّتهم وخاصَّتهم.. الثالث: أن في اللعب بالكرة ضررًا على اللاعبين؛ فربما سقط أحدهم فتخلعت أعضاؤه، وربما انكسرت رجل أحدهم أو يده أو بعض أضلاعه، وربما حصل فيه شجاج في وجهه أو رأسه، وربما سقط أحدهم فغُشِي عليه ساعة أو أكثر أو أقل، بل ربما آلَ الأمر ببعضهم إلى الهلاك، كما قد ذكر لنا عن غير واحد من اللاعبين بها، وما كان هذا شأنه فاللعب به لا يجوز.. الرابع: أن اللعب بالكرة من الأشَر والمرَح ومقابلة نِعَم الله تعالى بضدِّ الشكر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: 37]، واللعب بالكرة نوعٌ من المرح) ([48])

ومن أنواع التشبه بأعداء الله ـ كما يذكر التويجري ـ (ما يفعله أهل المدارس وغيرهم من إقامة التمثيليات للماضِين وأفعالهم.. ولم يكن ذلك من هدي رسول الله k ولا من هدي أصحابه k ولم يكن من عمل التابعين وتابعيهم بإحسان، وإنما حدث ذلك في زماننا وهو متلقًّى عن الإفرنج وأشباههم، وقد قال النبي k: (مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ). وفي هذا الحديث دليلٌ على المنع من إقامة التمثيليات لأنها من المحدثات)([49])

ومن أنواع التشبه بأعداء الله ـ كما يذكر التويجري ـ (جعل الولاية العامَّة جمهوريةً، وهذا من عمل أمم الكفر والضلال ومَن يقتدي بهم من المنتسبين إلى الإسلام، وهو خلاف ما تقتضيه الشريعة الإسلامية من نصب إمام واحد لا غير.. وفي هذه الأحاديث دليلٌ على أن البيعة لا تجوز لأكثر من واحد، وأن الجمهورية لا تجوز في الإسلام، وأنه لا يجوز الخروج على ولاة الأمور وإن ظلموا وجاروا، وإن الخارج عليهم لينازعهم الملك يجب قتله) ([50])

هذا مجرد نموذج عن العقل السلفي، وفهمه للنصوص الشرعية، وهي توضح كيف ضيق هذا العقل على نفسه، وكيف ضيق على المسلمين، وفوق ذلك كيف رسم صورة للمسلم المعقد والمريض نفسيا لتزرع في العالم أجمع [الإسلامفوبيا] التي أراد بها الشيطان أن يحجب البشرية عن آخر مشروع الهداية أنزل عليهم.

ثالثا ـ الجوانب الاجتماعية

وهي من ـ خلال الرؤية القرآنية ـ من أهم الجوانب، وتقرن دائما بالعبادات الكبرى، بل إنها تقدم في أحيان كثيرة على العبادات نفسها، كما قال تعالى في السورة التي وردها في تعريف الدين: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)﴾ [الماعون: 1 – 7]

فهذه السورة الكريمة تعرف المكذب بالدين بأنه ذلك الذي ينهر اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين، وذلك الذي يسهو عن صلاته، ويرائي بها، ويمنع معونته عن الناس.

وبناء على هذا كان نجاح المسلم في بناء علاقات اجتماعية قوية وصحيحة مع الناس من أكبر علامات تدينه، لأن التدين هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين، كما قال k: (المؤمن يأْلَف ويُؤْلَف، ولا خير فيمن لا يأْلَف ولا يُؤْلَف، وخير النَّاس أنفعهم للنَّاس)([51])، وقال: (إنَّ أحبكم إليَّ أحاسنكم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا، الذين يألفون ويُؤلفون، وإنَّ أبغضكم إليَّ المشَّاءون بالنَّمِيمَة، المفرِّقون بين الأحبَّة، الملتمسون للبرآء العنت، العيب)([52])

بل إن الله تعالى اعتبر التآلف من نعم الله تعالى على عباده، فقال: ﴿ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ [آل عمران: 103]، وقال: ﴿ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِ ينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 62-63]

ولهذا شرع لنا أن نمارس كل ما يؤدي إلى هذه الألفة حتى نحافظ على هذه النعمة، كما قال k: (تهادوا تحابُّوا)([53])، وقال: (جُبِلَت القلوب على حبِّ مَن أحسن إليها، وبغض مَن أساء إليها)([54])

بل إن رسول الله k مارس هذا الإحسان المؤلف للقلوب مع ألد أعدائه من المشركين، كما ورد في الحديث وعن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: (لمَّا أفاء الله على رسوله k يوم حنين قسم في النَّاس في المؤلَّفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئًا، فكأنَّهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب النَّاس، فخطبهم فقال: يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضُلَّالًّا فهداكم الله بي وكنتم متفرِّقين فألَّفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟ كلَّما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أَمَن. قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله k؟ قال: كلَّما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أَمَن. قال: لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا، أترضون أن يذهب النَّاس بالشَّاة والبعير، وتذهبون بالنَّبيِّ k إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرءًا مِن الأنصار ولو سلك النَّاس واديا وشعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والنَّاس دثار، إنَّكم ستَلْقَون بعدي أَثَرَة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)([55])

وهذا الحديث الشريف يبين حرص رسول الله k في تأليفه القلوب على من لم يتبعه أكثر من حرصه على من اتبعه، لأن من اتبعه وكل إلى إيمانه بالله، أما الذي لم يتبعه في هو يحتاج إلى مزيد من تأليف قلبه، حتى تزول الحجب التي تحول بينه وبين التأمل فيه أو القناعة به.

ولهذا أمرنا في الشريعة بأن نؤلف قلوب غير المسلمين ولو بإعطائهم من الزكاة، كما قال تعالى في مصارف الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 60]

وهكذا أمرنا أن نقدم لهم كل أنواع البر التي تقربهم إلينا، قال تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [سورة الممتحنة: 8-9]

هذه مجامع ما ورد في القرآن الكريم من اعتبار الألفة والمحبة والتسامح أسسا تقوم عليها العلاقات الاجتماعية بتفاصيلها المختلفة، لكن العقل السلفي راح يخرب ذلك كله بتشريعات غريبة، وضع لها سلفه أحاديث غريبة، ووضع لها خلفه فتاوى عجيبة، حولت المتدين السلفي إلى وحش من الوحوش، لا يكاد أحد يقترب منه إلا آذاه.

وبما أننا سنتناول هذه المسألة بتفصيل في كتاب [السلفية والتاريخ الأسود]، فإننا سنكتفي هنا بعرض بعض النماذج التي تدل على انحراف العقل السلفي عن المقاصد الشرعية في هذه الجوانب المهمة في حياة المسلم.

ومن أهم تلك الأحكام الخطيرة ما ننسبوه للشريعة من أحكام تخرب علاقة المسلم بغير المسلم، ومن الأمثلة على ذلك أن اللجنة الدائمة للفتوى في السعودية سئلت هذا السؤال: (حديث: لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام واضطروهم إلى أضيق الطريق، ما هو شرحه، وكيف يجمع المسلم بينه وبن معاملة الرسول k الحسنة للكفار، من زيارة مرضاهم، وقبول هداياهم، وأعطى عبد الله بن عبد الله بن أُبي بن سلول قميصه ليكفن أباه فيه؟)

فأجابت ـ بمنهجها الحديثي المملوء بالمتناقضات، والذي شرحناه سابقا ـ (نص الحديث كما في (صحيح مسلم): لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام، إذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه، وفي رواية لمسلم: إذا لقيتم اليهود، وفي أخرى: إذا لقيتم أهل الكتاب، وفي أخرى: إذا لقيتموهم ولم يسم أحدًا من المشركين، ومعنى الحديث: أنه لا يجوز ابتداء الكافر بالسلام؛ لأن النهي يقتضي التحريم، وقد نهى رسول الله k عن ابتدائهم بالسلام.. وأما إذا سلموا فإنه يرد عليهم (وعليكم) بدليل ما رواه مسلم في صحيحه: إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم وقد بين النووي رحمه الله: أن معنى قوله k: فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه فقال: قال أصحابنا: لا يترك للذمي صدر الطريق، بل يضطر إلى أضيقه إذا كان المسلمون يطرقون، فإن خلت الطريق من الزحمة فلا حرج، قالوا: وليكن التضييق بحيث لا يقع في وهدة ولا يصدمه جدار ونحوه)([56])

وهكذا تحولت الألفة التي شرعها الله تعالى في القرآن الكريم، ومارسها رسول الله k في حياته إلى أن يضيق المسلم على غيره الطريق، ولا يبدأه بالسلام.. وذلك كله نتيجة الاستسلام لحديث آحاد غريب يتناقض مع كل القيم القرآنية والنبوية، كان يمكن رده لو اعتبرت فيه هذه العلل الخطيرة الدالة على أنه أبعد من أن ينطق به رسول الله k.

ولكن العقل السلفي أضعف من أن يتجرأ على هذا، لأن راوي الحديث من سلفه، ومصحح الحديث من أئمة سلفه.. وسلفه لا يمكن أبدا أن يكذبوا أو يخطئوا أو يدلسوا.

ولهذا فإن اللجنة اضطرت لحل إشكال التعارض بين الحديث وفعل رسول الله k إلى هذا التكلف الممقوت، قالت: (ولا معارضة بين هذا الحديث وبين ما وقع منه k من المعاملة الحسنة للكفار من زيارة مرضاهم وقبول هداياهم وإعطاء عبد الله بن أبي بن سلول قميصه ليكفن فيه، فإن المعاملة الحسنة يقصد بها تأليفهم ودعوتهم إلى الإسلام وترغيبهم فيه.. وجملة القول في ذلك: أن ما كان من باب البر والمعروف ومقابلة الإحسان بالإحسان قمنا به نحوهم لتأليف قلوبهم، ولتكن يد المسلمين هي العليا، وما كان من باب إشعار النفس بالعزة والكرامة ورفعة الشأن فلا نعاملهم؛ كبدئهم بالسلام تحية لهم، وتمكينهم من صدر الطريق تكريمًا لهم؛ لأنهم ليسوا أهلاً لذلك لكفرهم، وإذا خيف منهم التلبيس في الحديث أجيبوا بمجمل من القول دون غلظة وفحش، مثل: رد السلام عليهم بكلمة: (وعليكم) وبهذا يجمع بين الأحاديث) ([57])

وهكذا نرى موقف السلفية من بعض الممارسات البسيطة التي يقوم بها المسلمون تجاه إخوانهم من أهل الأديان الأخرى الذين يعيشون معهم في مجتمعاتهم، أو في غيرها من المجتمعات، كالتهنئة بالأعياد ونحو ذلك.

فقد وقفت المدرسة السلفية التي أخذت أصول دينها من اليهود وتلاميذ اليهود كالجدار الصلب وراء كل تعامل حسن مع هذه المسألة، وكأن الدين كله معلق عليها.

وقد سئل بعض مشايخهم هذا السؤال: (بعض المسلمين يشاركون النصارى في أعيادهم فما توجيهكم؟)، فأجاب بقوله: (لا يجوز للمسلم ولا المسلمة مشاركة النصارى أو اليهود أو غيرهم من الكفرة في أعيادهم، بل يجب ترك ذلك لأن من تشبه بقوم فهو منهم والرسول k حذرنا من مشابهتهم والتخلق بأخلاقهم، فعلى المؤمن وعلى المؤمنة الحذر من ذلك، ولا تجوز لهما المساعدة في ذلك بأي شيء، لأنها أعياد مخالفة للشرع، فلا يجوز الاشتراك فيها، ولا التعاون مع أهلها، ولا مساعدتهم بأي شيء، لا بالشاي ولا بالقهوة ولا بغير ذلك كالأواني وغيرها)([58])

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين: (ما حكم تهنئة الكفّار بعيد (الكريسمس)؟ وكيف نرد عليهم إذا هنؤنا به؟ وهل يجوز الذهاب إلى أماكن الحفلات التي يقيمونها بهذه المناسبة؟ وهل يأثم الإنسان إذا فعل شيئاً مما ذُكر بغير قصد؟ وإنما فعله إما مجاملة، أو حياءً، أو إحراجاً، أو غير ذلك من الأسباب؟ وهل يجوز التشبه بهم في ذلك؟)

فأجاب بقوله: (تهنئة الكفار بعيد الكريسمس أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق. كما نقل ذلك ابن القيم في كتابه [أحكام أهل الذمة] حيث قال: (وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات. وهو بمنـزلة أن تهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثماً عند الله، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبداً بمعصية، أو بدعة، أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه)، وإنما كانت تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية حراماً وبهذه المثابة التي ذكرها (ابن القيم) لأن فيها إقراراً لما هم عليه من شعائر الكفر، ورضى به لهم، وإن كان هو لا يرضى بهذا الكفر لنفسه، لكن يحرم على المسلم أن يرضى بشعائر الكفر أو يهنئ بها غيره.. وإذا هنئونا بأعيادهم فإننا لا نجيبهم على ذلك؛ لأنها ليست بأعياد لنا، ولأنها أعياد لا يرضاها الله تعالى لأنها إما مبتدعة في دينهم، وإما مشروعة، لكن نسخت بدين الإسلام الذي بعث الله به محمداً k إلى جميع الخلق.. وإجابة المسلم دعوتهم بهذه المناسبة حرام؛ لأن هذا أعظم من تهنئتهم بها لما في ذلك من مشاركتهم فيها.. وكذلك يحرم على المسلمين التشبه بالكفار بإقامة الحفلات بهذه المناسبة، أو تبادل الهدايا أو توزيع الحلوى، أو أطباق الطعام، أو تعطيل الأعمال ونحو ذلك، لقول النبي k: (من تشبه بقوم فهو منهم)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه [اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم]: (مشابهتهم في بعض أعيادهم توجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل، وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص واستذلال الضعفاء)، ومن فعل شيئاً من ذلك فهو آثم، سواء فعله مجاملة، أو تودداً، أو حياءً، أو لغير ذلك من الأسباب؛ لأنه من المداهنة في دين الله، ومن أسباب تقوية نفوس الكفار وفخرهم بدينهم)([59])

ثم ختم فتواه بهذا الدعاء: (والله المسئول أن يعزّ المسلمين بدينهم، ويرزقهم الثبات عليه، وينصرهم على أعدائهم، إنه قوي عزيز)

وهكذا غرس ابن عثيمين في مستفتيه كل أنواع الحقد والعداوة على المجتمع الذي يقيم فيه، ثم دعا بأن ينصر الله المؤمنين عليهم ويعزهم.. ثم نتساءل بعد هذا عن سر الإرهاب وسببه.. وهذه فتاوى عقلائهم تنضح بكل مواد الإرهاب.

ولم يكتف السلفية بهذا، بل راحوا يحرمون كل الممارسات الاجتماعية التي تساهم في إضفاء المودة على حياة الناس، وتختلف باختلاف العصور والبيئات.

ومن ذلك تحريمهم للاحتفالات المقامة في المناسبات المختلفة، بل اعتبار ذلك بدعة وضلالة على الرغم من أنها لا تحوي أي محاذير شرعية.

وكمثال على ذلك أن الشيخ عبد العزيز بن باز سئل: ما حكم إقامة أعياد الميلاد؟ فأجاب بقوله: (الاحتفال بأعياد الميلاد لا أصل له في الشرع المطهر بل هو بدعة.. ومعلوم أن النبي k لم يحتفل بمولده مدة حياته ولا أمر بذلك، ولا علمه أصحابه وهكذا خلفاؤه الراشدون، وجميع أصحابه لم يفعلوا ذلك وهم أعلم الناس بسنته وهم أحب الناس لرسول الله k وأحرصهم على اتباع ما جاء به)([60])

وسئل الشيخ ابن عثيمين عن حكم الاحتفال بما يسمى بعيد الأم، فقال: (إن كل الأعياد التي تخالف الأعياد الشرعية كلها يكون بدع حادثة لم تكن معروفة في عهد السلف الصالح وربما يكون منشؤها من غير المسلمين أيضاً، فيكون فيها مع البدعة مشابهة أعداء الله سبحانه وتعالى، والأعياد الشرعية معروفة عند أهل الإسلام؛ وهي عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع يوم الجمعة، وليس في الإسلام أعياد سوى هذه الأعياد الثلاثة، وكل أعياد أحدثت سوى ذلك فإنها مردود على محدثيها وباطلة في شريعة الله سبحانه وتعالى.. وإذا تبين ذلك فإنه لا يجوز في العيد الذي ذكر في السؤال والمسمى عيد الأم، ولا يجوز فيه إحداث شيء من شعائر العيد؛ كإظهار الفرح والسرور، وتقديم الهدايا وما أشبه ذلك، والواجب على المسلم أن يعتز بدينه ويفتخر به وأن يقتصر على ما حده الله تعالى لعباده فلا يزيد فيه ولا ينقص منه، والذي ينبغي للمسلم أيضاً ألا يكون إمَّعَة يتبع كل ناعق بل ينبغي أن يُكوِّن شخصيته بمقتضى شريعة الله تعالى حتى يكون متبوعاً لا تابعاً، وحتى يكون أسوة لا متأسياً، لأن شريعة الله والحمد لله، كاملة من جميع الوجوه)([61])

وسئل في محل آخر عن حكم إقامة أعياد الميلاد للأولاد أو بمناسبة الزواج؟ فأجاب: (وأما أعياد الميلاد للشخص أو أولاده، أو مناسبة زواج ونحوها فكلها غير مشروعة، وهي للبدعة أقرب من الإباحة)([62])

بل إن الأمر بلغ بالسلفية إلى حد تحريم كل مظاهر المواساة التي تقوم بها المجتمعات عندما تحل ببعضهم بعض المصائب، بحجة أن السلف الصالح لم يفعلوه، ولست أدري: هل نتلقى ديننا من القرآن الذي حظنا على التآلف والمحبة، أم نأخذ ديننا من سلفهم الصالح الذين تلوثت أيديهم بكل ألوان الدماء والتكفير والتضليل؟

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين:هل اجتماع أهل الميت في بيت واحد من أجل العزاء ومن أجل أن يصبر بعضهم بعضاً لا بأس به؟ فأجاب: (الاجتماع في بيت الميت ليس له أصل من عمل السلف الصالح وليس بمشروع، ولا سيما إذا اقترن بذلك إشغال الأضواء وصف الكراسي، وإظهار البيت وكأنه في ليلة زفاف عرس، فإن هذا من البدع)([63])

بل إن التشريعات السلفية لم تكتف بذلك، بل راح مشايخهم الكبار أتباع الملوك والأمراء، يحرضون المتبعين لهم من غير أهل بلادهم على مخالفة العادات المرتبطة بالدولة كتحية العلم ونحوها، فقد سئلت اللجنة الدائمة في السعودية هذا السؤال: (أفيدوني عن حكم من يعمل بالجيش المصري وهذا مصدره رزقه وتفرض عليه نظم الجيش وقوانينه وأن يعظم بعضنا بعضاً كما تفعل الأعاجم وأن نلقى التحية بكيفية ليست بالتي أمرنا بها الله ورسوله وأن نعظم علم الدولة ونحكم ونحتكم فيما بيننا بشريعة غير شريعة الله ـ قوانين عسكرية ـ)، فأجابت بقولها: (لا يجوز تحية العلم، ويجب الحكم بشريعة الإسلام والتحاكم إليها، ولا يجوز للمسلم أن يحيي الزعماء أو الرؤساء تحية الأعاجم، لما ورد من النهي عن التشبه بهم، ولما في ذلك من الغلو في تعظيمهم)([64])

وهكذا كان موقفهم من سؤال وجه لهم بخصوص ما اعتادته المجتمعات الحديثة من الوقوف مع الصمت كتحية للشهداء أو غيره، فقد أجابت بقولها: (ما يفعله بعض الناس من الوقوف زمناً مع الصمت تحية للشهداء أو الوجهاء أو تشريفاً وتكريماً لأرواحهم من المنكرات والبدع المحدثة التي لم تكن في عهد النبي e ولا في عهد أصحابه ولا السلف الصالح ولا تتفق مع آداب التوحيد ولا إخلاص التعظيم لله، بل اتبع فيها بعض جهلة المسلمين بدينهم من ابتدعها من الكفار وقلدوهم في عاداتهم القبيحة وغلوهم في رؤسائهم ووجهائهم أحياءً وأمواتاً وقد نهى النبي e عن مشابهتهم)([65])

ولم يكتف العقل السلفي بكل هذه الغلظة والخشونة، بل راح يحرم ما اعتادة المسلمون بعد الصلاة من مصافحة بعضهم بعضا، على الرغم مما ورد في المصافحة من فضل، لكنهم ـ ونظرا لأن سلفهم لم يصافحوا ـ فقد حرموا المصافحة، بل حكموا ببدعيتها.

وقد سئل ابن تيمية عن المصافحة عقيب الصلاة: هل هي سنة أم لا؟، فأجاب: (المصافحة عقيب الصلاة ليست مسنونة، بل هي بدعة)([66])

وسئل ابن عثيمين: ما رأى فضليتكم فى المصافحة وقول (تقبل الله) بعد الفراغ من الصلاة مباشرة؟، فأجاب: (لا اصل للمصافحة، ولا قول (تقبل الله) بعد الفراغ من الصلاة, ولم يرد عن النبى k ولا عن الصحابة)([67])

وقال الشيخ مشهور: (ولم نعلم عن احد من الصحابة أو السلف الصالح أنهم كانوا إذا فرغوا من صلاتهم التفت أحدهم عن يمينه وشماله مصافحا من حوله مباركا له بقبول الصلاة ولم فعل ذلك أحد منهم لنقل إلينا ولو بسند ضعيف.. كيف وقد نقل المحققون من أهل العلم أن المصافحة المذكورة بالهيئة السابقة بدعة؟)([68])

ونحب أن ننقل هنا بعض الأدلة من رسالة نادرة لبعض المشايخ حول حكم المصافحة، يرد بها على العقل السلفي وضيق أفقه، لنقارن من خلالها بين العقل المسلم المتأدب بآداب القرآن الكريم، وبآداب رسول الله k، وبين العقل السلفي المتحجر الذي لا يؤمن إلا بسلفه من اليهود وتلاميذ اليهود.

وهذه الرسالة اسمها (رسالة سعادة أهل الإسلام بالمصافحة عقب الصلاة والسلام)، من تأليف أبي الإخلاص حسن الشرنبلال، والتي قال في مقدمتها مبينا دوافعه من تأليفه: (هذه نبذة يسيرة في تجريد الكلام على سنة المصافحة، الحاصلة بعد الصلوات الخمس والجمعة وعند كل لقي، بيان كيفيتها، وحكم حصولها فيما بين الرجال والنساء.. وسبب جمعها كثرة السؤال عنها، وإنكار بعض الناس على فاعلها من غير استناد لحجة في ذلك)([69])

وسنحاول هنا باختصار ذكر بعض ما ذكره من أدلة، لنتبين من خلالها الفرق بين المنهج المقاصدي الذي يفهم النصوص المقدسة وأغراضها، ويستعمل كل السبل لتحقيق أغراضها، وبين الذي لا يعرف إلا الهدم اقتداء بسلفه.. فمن الأدلة التي ذكرها:

1 ـ أن المصافحة سنة مجمع عليها عند التلاقي، فلم يبقى للإنكار على فاعلها إلا الحمل على حصول المصافحة عقب السلام من الصلاة قبل القيام والأخذ في عمل آخر، وليس ذلك مسلماً، فقد قال k: (من صافح أخاه المسلم وحرك يده تناثرت ذنوبهما كما يتناثر الورق اليابس من الشجرة، ونزلت عليهما مائة رحمة، تسع وتسعون لأسبقهما وواحدة لصاحبه)([70])، وقوله k: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا)([71])

فالحديث الأول يقتضي مشروعية المصافحة مطلقا، أعم من أن تكون بعد الصلوات الخمس والجمعة والعيدين أو غير ذلك، لأن النبي k لم يخصها بوقت دون وقت، فإذا فعلت في أي وقت كان، كانت من مقتضيات هذه الأدلة وداخلة تحت عمومات، ولا يشترط فعل النبي k المصافحة، ولا أمره عليه السلام بالمصافحة، لأن من المقتضيات ما أفاده الدليل، وإلا لما كان يمكن العمل بعموم الأدلة.

2 ـ أن حالة السلام من الصلاة حالة لقي بحسبه، لأن المصلي لما أحرم صار غائباً عن الناس مقبلاً على الله تعالى بعبادته، فلما أدى حقه قيل ارجع إلى مصالحك ومآربك، وسلم على إخوانك لعجزك واحتياجك وقدومك من غيبتك، ولذلك ينوي القوم بسلامه كما ينوي الحفظة، وإذا سلم يندب له المصافحة أو تسن كالسلام، فلا مانع من المصافحة لسنيتها في كل حال.

ثم نقل عن النووي قوله: (اعلم أن المصافحة مستحبة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاة الصبح والعصر فلا أصل له في الشرع على هذا الوجه، لكن لا بأس به فإن أصل المصافحة سنّة، وكونهم حافظوا عليها في بعض الأحوال أو أكثرها لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها)([72])

رابعا ـ الجوانب العاطفية

وهي من أهم الجوانب المكونة لشخصية المسلم، لأنها هي الواسطة التي تستخدمها روحه الطاهرة للتواصل مع الله ومع رسل الله ومع أولياء الله.. بل مع كل الوجود.

و لهذا نرى في القرآن الكريم ذكر هذه العلاقة الطيبة بين المؤمنين وربهم، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 54]، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ﴾ (آل عمران: 31)

بل إن الله تعالى يبادل عباده المؤمنين المتقين حبهم له بحبه لهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4)، وقال: ﴿ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 76]، وقال: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146]، وغيرها من الآيات الكريمة التي تصور محبة الله لعباده، ومحبتهم له.

وهكذا نجد في السنة المطهرة اعتبار محبة رسول الله k من المميزات الكبرى التي يتميز بها المؤمن الصادق الصالح، كما روي أن رجلا جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله: إنك لأحبُّ إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرتُ موتي وموتك وعرفتُ أنك إذا دخلتَ الجنة رُفعتَ مع النبيئين، وإني إذا دخلتُ الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يردَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]([73])

وقد أخبر k عن بعض علامات من يحبه ممن لم يعش في زمانه، فقال: (إن أشدَّ أمتي لي حبا قوم يكونون أو يجيئون، وفي رواية – يخرجون بعدي- يود ّأحدهم أنه أعطى أهله وماله وأنه رآني)([74])، وقال: (ليأتين على أحدكم زمان لأن يراني أحبُّ إليه من مثل أهله وماله)([75])

بل إن رسول الله k أخبر عن شوقه ومحبته لهؤلاء الذين امتلأت قلوبهم بمحبته، فقال: (وددت أني لقيت إخواني)، فقال له أصحابه: أوليس نحن إخوانك؟ قال: (أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني)([76])

وفي رواية: (ومتى ألقى إخواني؟)، قالوا: يا رسول الله، ألسنا إخوانك؟ قال: (بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين آمنوا بي ولم يروني)([77])

وهذه الأحاديث وغيرها تبين أن المحبة المقصودة هي تلك المشاعر الطاهرة الممتلئة بالسمو..

لكن العقل السلفي الذي امتلأ بالغلظة والقسوة لا يذكر هذا المعنى مع أن ظاهر اللفظ يدل عليه، بل نراه يؤول محبة الله ورسوله بالطاعة.. مع أن الطاعة قد تتحقق من قلب فارغ لا يهتم إلا بمصالحه التي يريد أن يجنيها من وراء طاعته، حتى لو كانت تلك المصالح هي الجنة نفسها.

وقد أورد بعضهم في بعض المواقع السلفية الرسمية تساؤلا لبعض المشايخ، فقال: (هناك تساؤل أود الإشارة اليه، وهو أنه عند تتبعي لتراث أئمة الدعوة النجدية الفقهي والأدبي لاحظت أن أغلبهم إن لم يكن كلهم لديهم ابتعاد ونفور من مدح الرسول k، لذلك لا نجد في دواوينهم أية قصائد مديحية في الرسول k، بل بالعكس نجد عندهم ضيق صدر بمدحه والثناء عليه، بل ان كتبهم كثيرة في عدم المبالغة في الثناء عليه وتعداد مناقبه، بينما لانجد عندهم ولو كتاب واحد في مدحه والثناء عليه وتعداد مناقبه وشمائه مثلما نجد عند الشعوب الإسلامية الأخرى علماء وأعيان وأفراد، أم هل يفترض أن يكون العالم عند أئمة الدعوة النجدية فاترا عندما يتحدت عن الرسول k)([78])

وقد رد عليه الشيخ بأن (حب الله ورسوله ليس بالموالد ولا بالبدع، ولكن حب الله ورسوله يكون بطاعة الله ورسوله، وبالاستقامة على شريعة الله، وبالجهاد في سبيل الله، وبالدعوة إلى سنة الرسول k وتعظيمها والذب عنها، والإنكار على من خالفها، هكذا يكون حب الله سبحانه وحب الرسول k ويكون بالتأسي به؛ بأقواله وأعماله، والسير على منهاجه عليه الصلاة والسلام، والدعوة إلى ذلك، هذا هو الحب الصادق الذي يدل عليه العمل الشرعي، والعمل الموافق لشرعه)

ومثله قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: (فالواجب أن نقدم محبة رسول الله k على محبة كل أحد ؛ على محبة الولد والوالد والأهل والمال والنفس أيضاً، ولكن إذا قال قائل: كيف الطريق إلى ذلك وما هي العلامة؟ فالجواب أن نقول: أما العلامة فهي أن نقدم أمر الرسول k على هوى نفسك ؛ فإن هذا هو أكبر علامة على أن الرسول kأحب إليك من نفسك، فإذا أمر الرسول بشيء ونفسك تهوى أن لا تفعل، أو نهى عن شيء ونفسك تهوى أن تفعله، ثم خالفت النفس فمعنى هذا أن الرسول k أحب إليك من نفسك، وإلا لاتبعت هوى نفسك، وتركت أمر الرسول، ثم إن الإنسان كلما ازداد استحضاراً لمتابعة الرسول k في أعماله وأخلاقه فإنه تزداد محبته للرسول ؛ يعني: أنك لو كنت تستشعر عند الوضوء والصلاة والصيام وغيرها من العبادات وكذلك في معاملة الناس بالأخلاق الفاضلة والإحسان إليهم أنك بذلك متأسّ يالرسول عليه الصلاة والسلام ومتابع له، فإن ذلك يُنمي محبتك له ويجعلك تابعاً له متابعة تامة)([79])

و مثله قال الشيخ صالح الفوزان: (وهذا يقتضي أن الإنسان يقدِّم طاعة الرسول k على طاعة غيره: فإذا أمرك الرسول k بأمر وأمرك والدك أو ولدك أو أحد من النّاس بأمر يخالف أمر الرسول k فإنه يجب عليك معصية هذا الآمر وطاعة الرسول k، وهذا هو الدليل على محبة الرسول k، أن لا تقدّم على محبته شيئاً، ولا تقدّم على طاعة الرسول شيئاً، فإذا أمرك أحد بمخالفة الرسول k فلا تطعه ولو كان أقرب النّاس إليك ولو كان أحب النّاس إليك، فطاعة الرسول k مقدَّمة، وهي ثمرة محبته ومن علامات محبة الرسول k ترك ما لم يشرعه الرسول من البدع والمحدثات.. أما الذي يدّعي أنه يحب الرسول k ويُقيم الموالد والاحتفالات المبتدعة، والرسول k ينهاه عن البدع والمحدثات، فلا يطيعه، وإنما يطيع المخرِّفين والدجَّالين في هذا، فهذا كاذبٌ في محبّته للرسول k، لأن الرسول k نهى عن البدع والمحدَثات والخُرافات ولو كان النّاس عليها ولو كان عليها أبوك أو ابنك أو أقرب النّاس إليك، فمن كان عنده بدعة ومخالفة للرسول k وجب عليك معصيته، فإذا أطعته فإن هذا دليل على عدم صدق محبتك للرسول k.. فالحاصل؛ أنه ليس الدليل على محبة الرسول kدعوى تُقال، أو احتفال يُقام، لأن الدليل على محبة الرسول k: متابعته، وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يُعبد الله إلاَّ بما شرع عليه الصلاة والسلام. هذا هو الدليل على محبة الرسول k، ونحن لا نقبل الدعوى، وإنما نقبل الدليل على الدعوى، فالذين يعملون بالسنّة ويتركون البدع فهذا دليلٌ على محبتهم للرسول k)([80])

وبناء على هذا احتكر السلفية محبة الله ورسوله، لأنه لا يطيع أحد في الدنيا الله ورسوله ـ في تصورهم ـ غيرهم.. لأن الأمة كلها مبتدعة.. والحب لا يكون إلا من سني سلفي.. لأن الحب ليس سوى تلك الحركات والرسوم وما يصحبها من الغلظة والخشونة.

وبناء على هذا استطاع العقل السلفي أن يحول في أذهان متبعيه كل المحبين لرسول الله k مبتدعة ضالين بل كفارا.. لأنهم جميعا يمارسون من البدع ما يبرهن على أنهم لم يتبعوا رسول الله k..

ومن أخطر تلك البدع ـ كما يصور العقل السلفي ـ هو ذلك الشوق الذي يتحرك في القلوب ليدعوها إلى زيارة رسول الله k.. لأن زيارة رسول الله عندهم بدعة.. وبدعة ضلالة.

هكذا قرر شيخ إسلامهم.. وهم تبعوه في ذلك.. وخالفوا الأمة جميعا، فقد قال في (مجموع الفتاوى): (السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أمر بها رسول الله، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة)([81])

ومنها قوله في تبديع أشواق المسلمين لزيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند الهم بالحج: (حتى أن أحدهم إذا أراد الحج لم يكن أكثر همه الفرض الذي فرضه الله عليه وهو حج بيت الله الحرام، وهو شعار الحنيفية ملة إبراهيم إمام أهل دين الله بل يقصد المدينة. ولا يقصد ما رغب فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاة في مسجده.. بل يقصد من زيارة قبره أو قبر غيره ما لم يأمر الله به ورسوله ولا فعله أصحابه ولا استحسنه أئمة الدين. وربما كان مقصوده بالحج من زيارة قبره أكثر من مقصوده بالحج وربما سوى بين القصدين وكل هذا ضلال عن الدين باتفاق المسلمين بل نفس السفر لزيارة قبر من القبور – قبر نبي أو غيره – منهي عنه عند جمهور العلماء حتى أنهم لا يجوزون قصد الصلاة فيه بناء على أنه سفر معصية.. وكل حديث يروى في زيارة القبر فهو ضعيف بل موضوع)([82])

وهكذا نرى مواقفهم من كل ما أنتجته الأمة تعبيرا عن محبتها وأشواقها لرسول الله k.. وهكذا أيضا نرى مواقفهم من الطائفة التي اهتمت بهذا الجانب من الدين، وهم الصوفية الذي امتلأت حياتهم وآثارهم بمحبة الله ورسوله k.. لكن السلفية واجهوهم بأسلحة التبديع والتكفير.

كما قال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق: (إن أعظم فتنة ابتلي بها المسلمون قديمًا وحديثًا هي فتنة التصوف. هذه الفتنة التي تلبست للمسلمين برداء الطهر والعفة والزهد والإخلاص، وأبطنت كل أنواع الكفر والمروق والزندقة، وحملت كل الفلسفات الباطلة ومبادئ الإلحاد والزندقة. فأدخلتها إلى عقائد الإسلام وتراث المسلمين على حين غفلة منهم، فأفسدوا العقول والعقائد. ونشروا الخرافات والدجل والشعوذة، ودمروا الأخلاق، وأتوا على بنيان دولة الإسلام من القواعد إذ حارب المتصوفة العلم والجهاد والبصيرة في الدين، بل والزواج والعمل والكسب، فنصبوا للقرآن والسنة حربًا لا هوادة فيها، وحرفوا الناس عن تعليمها بكل سبيل زاعمين تارة أن القرآن والسنة علم أوراق وظواهر وأن علمهم الباطني علم أرواح وحقائق واطلاع على الغيب ومشاهدة وتارة أخرى زاعمين أن أورادهم وأذكارهم تفضل ما في القرآن والسنة آلاف بل عشرات الآلاف من المرات وتارة ثالثة واصفين كل علماء الشريعة بأنهم محجوبون مرتزقة ظاهريون جامدون، لم يتذوقوا الحقائق ولم يشاهدوا الغيب، واختص المتصوفة أنفسهم وهم بوجه عام من الزنادقة المبتدعين والكفار المستترين بأنهم أهل العلم اللدني، والحقيقة)([83])

ونجد أمثال هذه الأكاذيب التي يرمي به السلفية الصوفية من غير بحث ولا روية، لتحذير الأمة من الاهتمام بالجانب العاطفي من دينها، ويبقى دينها مقصورا على تلك الحركات التي وصفها لهم الألباني وابن تيمية والعثيمين وغيرهم.

وكان من نتائج ذلك أنهم حولوا القارة الإفريقية التي كانت محلا للصوفية الصادقين المخلصين إلى قارة ممتلئة بالإرهاب بسبب ما كانوا يرسلونه من كتب ومنشورات ودعاة إلى أبواب جهنم..

لهذا قضوا على بعض الطرق الصوفية، وأحلوا بدلها طريقتهم (بوكو حرام)، و(شباب الإسلام)، وغيرها من الطرق الإرهابية.

وسبب كل ذلك تلك الفتاوى الرعناء التي كانت توجه ضد أكبر طريقة صوفية في إفريقيا، وهي الطريقة التيجانية، لتمحوها من الوجود وتحل بدلاها جماعاتها الإرهابية.

ومن الأمثلة على الفتاوى الكثيرة التي أفتى بها مشايخ السلفية فتوى أكبر هيئة إفتاء في السعودية، فقد قالت: (الطريقة التيجانية طريقة منكرة لا تتفق مع هدي رسول الله k وسنته، بل فيها بدع شركية تخرج من يعتقدها أو يعمل بها من ملة الإِسلام والعياذ بالله، وأورادها فيها بدع فلا يجوز التعبد بها؛ لأن الأذكار من العبادات، والعبادات توقيفية يرجع فيها إلى كتاب الله وإلى ما ثبت عن رسول الله k لتلاوة القرآن الكريم وما حث عليه رسول الله k من الذكر والدعاء في دواوين السنة، والكتب التي استخلصت، منها مثل [رياض الصالحين] للنووي، و[الكلم الطيب] لابن تيمية، و[الوابل الصيب] لابن القيم)([84])

بل إن الغلظة والخشونة وصلت بالعقل السلفية إلى تحريم الكتابة على البراويز (لفظ الجلالة (الله) وبجانبها لفظة (محمد k)، فقد سئل الشيخ ابن عثيمين عن هذا فأجاب بقوله: (موضعها ليس بصحيح لأن هذا يجعل النبي k نداً لله مساوياً له، ولو أن أحداً رأى هذه الكتابة وهو لا يدري من المسمى بهما لأيقن أنهما متساويان متماثلان، فيجب إزالة اسم رسول الله k ويبقى النظر في كتابة (الله) وحدها، فإنها كلمة يقولها الصوفية ويجعلونها بدلاً عن الذكر، يقولون: (الله الله الله)، وعلى هذه فتلغى أيضاً، فلا يكتب (الله)، ولا (محمد) على الجدران، ولا في الرقاع ولا في غيره)([85])

هذه مجرد أمثلة عن خواء الشخصية السلفية من كل المعاني العاطفية، وهو شيء طبيعي، فمن أسلم لليهود دينه، فلن يجد إلا القسوة التي وصفهم القرآن الكريم بها، فقال: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 74]


([1])   تفسير ابن كثير (1/ 485)

([2])   مسلم 2/ 748 وأبي داود 5/ 125 وأحمد 1/ 91 و 92 والنسائي في الكبرى 5/ 163.

([3])   البخاري 6 / 172، ومسلم رقم (1063)

([4])  مسألة في الكنائس، (ص: 99)

([5])  مسألة في الكنائس (ص: 102)

([6])   أبو نعيم في حلية الأولياء ح 4731.

([7])   صفة صلاة النبي k الألباني (ص: 40)

([8])   صفة صلاة النبي k (ص: 43)

([9])   صفة صلاة النبي  k(ص: 58)

([10])   صفة صلاة النبي k (ص: 58)

([11])   صفة صلاة النبي  k (ص: 58)

([12])   صفة صلاة النبي k (ص: 59)

([13])   الكامل في التاريخ (8/ 129)

([14])   إحياء علوم الدين (1/ 18)

([15])   إحياء علوم الدين (1/ 151)

([16])   إحياء علوم الدين (1/ 151)

([17])   إحياء علوم الدين (1/ 160)

([18])   مجموع الفتاوى: ج 22 / ص 235ـ236.

([19])   فتاوى إسلامية ج1ص 315.

([20])   رواه مسلم (8/71)

([21])   مجموع فتاوى اللجنة الدائمة بالسعودية – المجلد الخامس والعشرون (العقيدة)

([22])  الْمُوَطَّأ،2/145(1823)، المحكم الدانى،ص11.

([23])) البيان في عد آي القرآن، أبو عمرو الداني ،ص 130.

([24])   تفسير ابن كثير (7 / 278-279)

([25])   رواه البخاري (2697 ) ومسلم ( 1718 )

([26])    البدعة ( أنواعها وأحكامها) من مجموعة مؤلفات الفوزان (14 / 15)

([27])   مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (13 / 171)

([28])   مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (13 / 211)

([29]) كتاب الدعوة (1/131) الشيخ ابن ياز.

([30]) ) صحيح سنن النسائي رقم (1487)

([31]) ) البدع والمحدثات وما لا أصل له (ص259) ط دار ابن خزيمة .

([32])   لقاء الباب المفتوح (12/16)

([33]) فقه العبادات (ص343)

([34]) ) سؤال وجواب من برنامج نور على الدرب (2/84) الشيخ ابن عثيمين .

([35]) ) فتاوى إسلامية الشيخ ابن عثيمين (4/17)

([36])   (النسائي 2559)

([37])   البخاري 3465، مسلم 2085.

([38]) فتاوى مجلة الدعوة للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (218)

([39])   الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين، ص4.

([40])   الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين، ص74.

([41])   الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين، ص74.

([42])   الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين، ص77.

([43])   الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين، ص174.

([44])   الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين، ص174.

([45])   الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين، ص174.

([46])   الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين، ص151.

([47])   الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين، ص165.

([48])   الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين، ص175.

([49])   الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين، ص188.

([50])   الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين، ص175.

([51])   أحمد (5/ 335) والطبراني (5744) وقال الهيثمي (10/ 276) إسناده جيد.

([52])   قال في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (8/ 21): رواه الطبراني في الصغير والأوسط.

([53])   مالك (الموطأ) (1750)

([54])   قال في المقاصد الحسنة (ص: 280): رواه أبو نُعيم في الحلية، وأبو الشيخ، وابن حبان في روضة العقلاء، والخطيب في تاريخ بغداد.

([55])   رواه البخاري 8 / 37 – 42، ومسلم رقم (1061)

([56])   فتاوى اللجنة الدائمة،  (الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 137)، السؤال السادس من الفتوى رقم (5313)

([57])   فتاوى اللجنة الدائمة،  (الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 137)، السؤال السادس من الفتوى رقم (5313)

([58])   [مجموع فتاوى ومقالات متنوعة 6/405 ].

([59])   مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن صالح العثيمين، ج3، ص 44.

([60])   مجلة البحوث الإسلامية العدد الخامس عشر، ص 285.

(1) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رقم (353)

(2)مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رقم(2/302)

([63])   كتاب البدع والمحدثات وما لا أصل له (ص272)

([64])   فتاوى اللجنة الدائمة: الفتوى رقم : 6894، برئاسة الشيخ: عبدالعزيز بن عبدالله بن باز.

([65]) ) فتاوى إسلامية (2/49)

([66])   مجموع الفتاوى 23 / 339.

([67])   فتاوى اركان الاسلام)336.

([68])   اخطاء المصلين 107/108.

([69])   رسالة سعادة أهل الإسلام بالمصافحة عقب الصلاة والسلام، ص6.

([70])   الترمذي: 5/74.

([71])   سنن الترمذي: 5/74  ح: 2727، أبو داوود: 4/354.

([72])   انظر النووي- حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدعوات والأذكار: 5/379 – 398..

([73])  حديث حسن أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد وقال رواه الطبراني في الأوسط والصغير وحسنه ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي وهو ثقة. انظر أسباب النزول للإمام السيوطي ص 128..

([74])  رواه أحمد.

([75])  رواه البخاري.

([76])  مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (10/ 66)

([77])    وهي لأحمد، وأبي يعلى.

([78]) انظر موقع الألوكة على الرابط التالي:    http://majles.alukah.net/t47665/.

([79])   في شرحه على صحيح البخاري [1/63].

([80])   إعانة المستفيد، [2/41 – 43].

([81])  مجموع الفتاوى 27/ 220.

([82])  مجموع الفتاوى (4/ 519)

([83])   الصوفية في ضوء الكتاب والسنة (ص: 5)

([84])   السؤال الثالث من الفتوى رقم ( 2139 )

([85]) ) السنن والبدع المتعلقة بالألفاظ والمفاهيم الخاطئة للشيخ ابن عثيمين (ص44)‌

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *