الحدود.. والمقادير

الحدود.. والمقادير

يرى أصحاب الرؤية التنزيهية ـ سواء كانوا من أهل البرهان أو من أهل العرفان ـ أن الله تعالى أعظم من أن تحد عظمته بأي لون من ألوان الحدود أو المقادير.. ولذلك لا يجد العقل أمام المعارف الإلهية سوى الانبهار والتحير والعجز.. فهو دائما يردد ـ وهو في تلك الحالة من الشده والانبهار ـ (الله أكبر)

فالله أكبر من تصوراتنا وتعقلاتنا وتوهماتنا وأفكارنا وتأملاتنا..

والله أكبر من أن ينحصر في حيز محدود، أو أمد معدود، أو مكان أو زمان.

والله أكبر من أن تجري عليه القوانين التي تجري علينا، أو تحكمه السنن التي تقيدنا.

والله أكبر في ذاته وصفاته وكل ما يرتبط به.

وليس لنا ـ نحن العبيد المشتاقين للتعرف على مولاهم ـ سوى أن نوسع قابلياتنا لتنهل من كمالات الله بقدر ما استطاعت.. وبما أن كمالات الله لا تنتهي.. فلذلك نظل في رحلة أبدية نتمتع فيها برؤية الجمال الذي يكشف لنا منه كل حين معنى جديدا.

وفي تلك الرحلة يظل المؤمن يصيح بما قال الشاعر العارف:

ومع تفنن واصفيه بحسنه    يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف

ولهذا كان سيد العارفين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في دعائه: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي)([1])

فأسماء الله الحسنى فيض من فيوضات كمال الله.. وبما أن كمال الله لا حد له.. فأسماؤه لا نهاية لها.

وفي دعاء آخر يقول صلى الله عليه وآله وسلم بشوق روحي عظيم: (اللهم اعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)([2])

وقد حكى الغزالي من باب الإشارة ما فهمه بعض العارفين من هذا الدعاء، فقال: (ومثاله فهم بعض أرباب القلوب من قوله صلى الله عليه وآله وسلم في سجوده: (أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)، أنه قيل له صلى الله عليه وآله وسلم اسجد واقترب فوجد القرب في السجود فنظر إلى الصفات فاستعاذ ببعضها من بعض فإن الرضا والسخط وصفان ثم زاد قربه فاندرج القرب الأول فيه فرقي إلى الذات، فقال أعوذ بك منك ثم زاد قربه بما استحيا به من الاستعاذة على بساط القرب فالتجأ إلى الثناء فأثنى بقوله لا أحصي ثناء عليك ثم علم أن ذلك قصور فقال أنت كما أثنيت على نفسك)([3])

وهذه الإشارة العرفانية تدل على الحقيقة التي ذكرها القرآن الكريم بصيغ مختلفة، ومنها قوله تعالى: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم: 42]، وقوله: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ } [الذاريات: 50]

فالغاية من الخلق هي الرحلة إلى الله.. وهي رحلة لا تنتهي.. والحادي لها أشواق لا تنتهي، وحيرة لا تنتهي، كما عبر عن ذلك الشاعر العاشق، فقال:

زدني بفرط الحب فيك تحيُّرا  وارحم حشى بلظى هواك تسعَّرَا

وقد عبر العارفون على هذه الحقيقة الذوقية العظيمة، واعتبروها النهاية التي لا تنتهي، يقول أحدهم، وهو أبو نصر السراج الطوسي في كتابه (اللمع): (والحيرة بديهة ترد على قلوب العارفين عند تأملهم، وحضورهم، وتفكرهم، تحجبهم عن التأمل والفكرة)([4])

وقد سئل بعضهم عن المعرفة: ما هي؟ فأجاب: (التَحَيَّر، ثم الاتصال، ثم الافتقار، ثم الحَيَرةُ)

وقال قائلهم:

قد تحيَّرتُ فيك خذ بيدي  يا دليلاً لِمَنْ تحيَّر فيك

وهذا ليس كلام العارفين فقط.. بل هو كلام العقلاء والفلاسفة والمتكلمين، والذي عبر الغزالي في (المقصد الأسنى) عن رؤيتهم وفلسفتهم في هذا، فقال جوابا على التساؤل حول منهج التعرف على الله: (لمعرفة الله سبحانه وتعالى سبيلان: أحدهما قاصر، والآخر مسدود، أما القاصر فهو ذكر الأسماء والصفات وطريقة التشبيه بما عرفناه من أنفسنا، فإنا لما عرفنا أنفسنا قادرين عالمين أحياء متكلمين، ثم سمعنا ذلك في أوصاف الله عز وجل أو عرفناه بالدليل فهمناه فهما قاصرا.. لأن حياتنا وقدرتنا وعلمنا أبعد من حياة الله عز وجل وقدرته وعلمه، بل لا مناسبة بين البعيدين، وفائدة تعريف الله عز وجل بهذه الأوصاف أيضا إيهام وتشبيه ومشاركة في الاسم لكن يقطع التشبيه بأن يقال { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [الشورى: 11]، فهو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين.. وكأنا إذا عرفنا أن الله تعالى حي قادر عالم فلم نعرف إلا أنفسنا ولم نعرفه إلا بأنفسنا إذ الأصم لا يتصور أن يفهم معنى قولنا {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ } ولا الأكمه يفهم معنى قولنا إنه بصير، ولذلك إذا قال القائل كيف يكون الله عز وجل عالما بالأشياء؟ فنقول: كما تعلم أنت الأشياء، فإذا قال: فكيف يكون قادرا؟ فنقول: كما تقدر أنت، فلا يمكنه أن يفهم شيئا إلا إذا كان فيه ما يناسبه، فيعلم أولا ما هو متصف به، ثم يعلم غيره بالمقايسة إليه، فإن كان لله عز وجل وصف وخاصية ليس فينا ما يناسبه ويشاركه في الاسم لم يتصور فهمه البتة، فما عرف أحد إلا نفسه، ثم قايس بين صفات الله تعالى وصفات نفسه، وتتعالى صفاته عن أن تشبه صفاتنا، فتكون هذه معرفة قاصرة يغلب عليها الإيهام والتشبيه، فينبغي أن تقترن بها المعرفة بنفي المشابهة وينفي أصل المناسبة مع المشاركة في الاسم)([5])

هذا هو السبيل الأول، وهو السبيل الوحيد المتاح.. والذي يرتبط بمدى قابلية العبد لتلقي المعارف الإلهية.. وأما (السبيل الثاني المسدود)، فقد عبر عنه الغزالي بقوله: (هو أن ينتظر العبد أن تحصل له الصفات الربوبية كلها حتى يصير ربا كما ينتظر الصبي أن يبلغ فيدرك تلك اللذة، وهذا السبيل مسدود ممتنع إذ يستحيل أن تحصل تلك الحقيقة لغير الله تعالى، وهذا هو سبيل المعرفة المحققة لا غير وهو مسدود قطعا إلا على الله تعالى) ([6])

وبناء على هذا الكلام المنطقي ذكر الغزالي استحالة الحد على الله، فقال: (فإذا يستحيل أن يعرف الله تعالى بالحقيقة غير الله، بل أقول يستحيل أن يعرف النبي غير النبي، وأما من لا نبوة له فلا يعرف من النبوة إلا اسمها، وأنها خاصية موجودة لإنسان بها يفارق من ليس نبيا، ولكن لا يعرف ماهية تلك الخاصية إلا بالتشبيه بصفات نفسه.. بل أزيد وأقول لا يعرف أحد حقيقة الموت وحقيقة الجنة والنار إلا بعد الموت ودخول الجنة أو النار لأن الجنة عبارة عن أسباب ملذة ولو فرضنا شخصا لم يدرك قط لذة لم يمكننا أصلا أن نفهمه الجنة تفهيما يرغبه في طلبها، والنار عبارة عن أسباب مؤلمة ولو فرضنا شخصا لم يقاس قط ألما لم يمكننا قط أن نفهمه النار فإذا قاساه فهمناه إياه بالتشبيه بأشد ما قاساه وهو ألم النار، وكذلك إذا أدرك شيئا من اللذات فغايتنا أن نفهمه الجنة بالتشبيه بأعظم ما ناله من اللذات وهي المطعم والمنكح والمنظر فإن كان في الجنة لذة مخالفة لهذه اللذات فلا سبيل إلى تفهيمه أصلا إلا بالتشبيه بهذه اللذات.. ولذات الجنة أبعد من كل لذة أدركناها في الدنيا.. بل العبارة الصحيحة عنها أنها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. فكيف يتعجب المتعجبون من قولنا: لم يحصل أهل الأرض والسماء معرفة من الله تعالى إلا على الصفات والأسماء ونحن نقول لم يحصلوا من الجنة إلا على الصفات والأسماء وكذلك في كل ما سمع الإنسان اسمه وصفته وما ذاقه وما أدركه ولا انتهى إليه ولا اتصف به)([7])

وبناء على هذا كانت نهاية المعرفة ـ كما يذكر أهل البرهان والعرفان ـ هو العجز عن المعرفة، كما قال أبو حامد ـ مستنتجا ذلك مما سبق ـ: (فإن قلت فماذا نهاية معرفة العارفين بالله تعالى؟ فنقول: نهاية معرفة العارفين عجزهم عن المعرفة، ومعرفتهم بالحقيقة أنهم لا يعرفونه، وأنه لا يمكنهم البتة معرفته، وأنه يستحيل أن يعرف الله المعرفة الحقيقية المحيطة بكنه صفات الربوبية إلا الله عز وجل، فإذا انكشف لهم ذلك انكشافا برهانيا كما ذكرناه فقد عرفوه أي بلغوا المنتهى الذي يمكن في حق الخلق من معرفته)([8])

فهذه النهاية التي انتهى إليها العقلاء هي نفسها التي انتهى إليها العرفاء.. كما قال الشيخ عبد الكريم الجيلي ـ معبرا عنهم ـ: (العجز: هو نهاية أهل النهايات، وغاية الترقي إلى الغايات، ليس وراءه لكامل مرمى، ولا بعده لأكمل مرقى فيه، يقول سيد أهل هذا المقام: لا أحصي ثناء عليك … فإن الكامل إذا تحقق بالحقائق الإلهية، وترقى في مقام الاستقراء بالحضرة العلمية تتجلى له الذات الأقدسية بما هي عليه من الكمالات لا تتجلى إلا في تلك الحضرة الكنهية، ولا سبيل إلى بروزها من تلك الحضرة الغيبية إلى هذا العالم الوجودي العيني، لأن تلك الحضرة تسمى: بحضرة الحضرات وبمقام أو أدنى … فلا سبيل إلى درك هذا العجز عن هذا الإدراك إلا بهذا الإدراك الإلهي في حضرة الحضرات، فلأجل هذا كان إدراك العجز إدراكاً محققاً)

وقال ابن عربي: (ثم تتوالى عليه [على الفرد من طائفة أهل الله] التجليات باختلاف أحكامها فيه.. فيزيد حيرة لكن فيها لذة.. فكانت حيرتهم باختلاف التجليات أشد من حيرة النظار في معارضات الدلالات، فقوله: زدني فيك تحيراً طلب لتوالي التجليات عليه، فمن وصل إلى الحيرة… فقد وصل)([9])

ورد على من اعتبر الحيرة ضلالا، فقال: (الهدى هو أن يهتدي الإنسان إلى الحيرة، فيعلم أن الأمر حيرة، والحيرة قلق وحركة، والحركة حياة، فلا سكون، فلا موت، ووجود فلا عدم)([10])

هذه خلاصة النظرة العقلانية والعرفانية للمعرفة التنزيهية.. فلذلك تقوم على التعظيم والتنزيه.. أو على التسبيح والثناء.. فهي دائما في ارتقاء وسفر بهذين الجناحين في العوالم التي لا تنتهي..

وقد أشار الأئمة من أهل البيت إلى هذا المعنى في روايات كثيرة، ومنها ما روي عن الإمام علي من قوله: (ليس له [سبحانه وتعالى] حدّ ينتهي إلى حدّه) ([11])، وقال: (من زعم أنّ إله الخلق محدود فقد جهل الخالق المعبود) ([12])، وقال: (من حدّه [تعالى] فقد عدّه، ومن عدّه فقد أبطل أزله) ([13])

وروي أن بعض الناس طلب من الإمام علي بن موسى الرضا أن يحدّ الله تعالى له، فقال له الإمام: لا حدّ له. قال الرجل: ولم؟ قال الإمام: لأنّ كلّ محدود متناه إلى حدّ. وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة. وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان. فهو غير محدود ولا متزايد ولا متناقص ولا متجزّء) ([14])

وهذه النظرة التي اتفق عليها جميع المنزهة بمختلف مناهجهم، هي النظرة التي يؤيدها العلم في كل أزمانه ومجالاته.. وخاصة العلم الحديث.. فهو يعيش في كل لحظة في حالة انبهار وحيرة من تلك العجائب التي يكتشفها كل حين.. والتي تبرهن له على أن صانع هذا العالم ومهندسه أكبر من أن يحد في حيز، أو يكون في مكان، أو يجري عليه زمان.. لأن من أمهات الحقائق في الفيزياء الحديثة أن المكان والزمان كلاهما مخلوقان.. ويستحيل على المخلوق أن يتحكم في الخالق.

أما النظرة التجسيمية التي تبنتها المدرسة السلفية ـ وحدها من دون الأمة جميعا ـ فتسير في اتجاه مختلف تماما.. ولذلك نظرت بعين الريبة لجميع العقلاء والعرفاء والعلماء.. واتهمت الكل بالجنون والكفر والهرطقة والزندقة.

وهذه النظرة التجسيمية تنطلق من تحديد الله، وتنتهي بوضع المقادير المرتبطة بطوله وحجمه وكتلته.. وكل ما يتعلق به.. ثم تضع له خارطة كونية تخالف كل خرائط الدنيا لتتناسب مع المقادير التي رواها لهم كعب الأحبار ووهب بن المنبه ومن تتلمذ عليهم.

وحتى لا نكون متجنين عليهم، فإننا سننقل كلماتهم، ومن خلال مصادرهم، بل من خلال مصادر من يعتبرونهم، ويثقون فيهم، وأولهم من يعتبرونه الشيخ الوحيد للإسلام: ابن تيمية.

فقد نقل ابن تيمية الكثير من النصوص في كتابه [بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية] التي تدل على أن إثباب الحد لله من العقائد الأساسية التي يقتضيها الإيمان، ومن تلك النقول ما نقله عن الدارمي ـ مقرا له ـ في كتابه (نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله تعالى في التوحيد) قال فيه: (باب الحد والعرش: وادعى المعارض أيضًا أنه ليس له حد ولا غاية ولا نهاية، قال: وهذا الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته واشتق منه أغلوطاته، وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق جهمًا إليها أحدٌ من العالمين، فقال له قائل ممن يحاوره: قد علمت مرادك أيها الأعجمي، تعني أن الله تعالى لاشيء، لأن الخلق كلهم علموا أنه ليس شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حد وغاية وصفة، وأن لاشيء ليس له حد ولا غاية ولا صفة، فالشيء أبدًا موصوف لامحالة، ولا شيء يوصف بلا حد ولا غاية، وقولك لا حد له تعني أنه لا شيء)([15])

وهكذا نقل عن الخلال وعن أبي يعلى وغيرهم ممن يسميهم أهل السنة ([16]) النقول الكثيرة التي تنص على أن من ضروريات المعرفة الإلهية إثبات الحد لله، ومن تلك الروايات ما رواه الخلال عن محمد بن إبراهيم القيسي، قال: قلت لأحمد بن حنبل: يحكى عن ابن المبارك -وقيل له: كيف نعرف ربنا؟- قال: في السماء السابعة على عرشه بحد. فقال أحمد: هكذا هو عندنا([17]).

ومنها ما رروه عن حرب بن إسماعيل قال: قلت لإسحاق بن راهويه: هو على العرش بحد؟ قال: نعم بحد.

ومنها ما رووه عن ابن المبارك أنه قال: (هو على عرشه بائن من خلقه بحد)([18])

وقد علق ابن تيمية على هذه الروايات بقوله: (ولما كان الجهمية يقولون ما مضمونه إن الخالق لا يتميز عن الخلق فيجحدون صفاته التي تميز بها، ويجحدون قَدْرَهُ؛ حتى يقول المعتزلة إذا عرفوا أنه حي، عالم، قدير: قد عرفنا حقيقته وماهيته، ويقولون إنه لا يباين غيره. بل إما أن يصفوه بصفة المعدوم؛ فيقولوا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا كذا ولا كذا. أو يجعلوه حالاً في المخلوقات أو وجوده وجود المخلوقات، فبين ابن المبارك أن الرب سبحانه وتعالى على عرشه مباين لخلقه منفصل عنه، وذكر الحد. لأن الجهمية كانوا يقولون ليس له حد، وما لا حد له لا يباين المخلوقات ولا يكون فوق العالم لأن ذلك مستلزم للحد)([19])

وبناء على هذا الذي ذكره ابن تيمية وغيره من السلف، فإن البناء المعرفي عند السلفية في هذا الجانب ينطلق من اعتقاد تحديد الله.. ولهذا أولوا هذا الأمر أهمية كبرى، واعتبروه من أصول العقائد التي تفرق بين السني والبدعي، بل بين المؤمن والكافر.. فالمؤمن عندهم والسني هو الذي يقول بمحدودية الله.. والكافر والبدعي هو من يقول بعدم محدوديته.

ومن الكتب المؤلفة في هذا ما كتبه الحافظ محمود الدشتي بعنوان [إثبات الحد لله عز وجل وبأنه قاعد وجالس على عرشه]، والذي لقي العناية الكبيرة من السلفية الحديثة تحقيقا وطبعا ونشرا.

بعد هذا، فإن القول بالتحديد يقتضي البحث عن المقادير المرتبطة بالطول والحجم والكتلة ونحو ذلك.. ومع صعوبة هذا الأمر سنحاول هنا أن نذكر ما قالوه في أمثال هذه المسائل، وما رووه من روايات حولها.

وقد رأينا ـ من خلال استقراء ما ذكروه وما رووه ـ أن لجسم إلههم تقديرين مختلفين، بل متناقضين تماما: أحدهما كبير جدا.. والآخر صغير جدا.. وبينهما تقديرات أخرى..

وهذا مع غرابته إلا أنه الواقع.. فالتناقض الذي تعاملوا به مع النصوص المقدسة أو رثهم التناقض في كل المعارف التي اعتبروها حكرا لهم.

وسيرى القارئ الكريم ـ من خلال ما سنذكره من مقولاتهم ورواياتهم ـ أن كل الحسابات الرياضية والهندسية تتوقف، إلا إذا قال أصحاب هذه المدرسة بجواز التشكل على الله تعالى، وحينئذ سيلتزمون بالتزامات خطيرة تتناقض مع كل شيء، لأنهم حينها سيقولون بتعدد الآلهة، أو بتعدد الأقانيم.. أو بالأشكال المختلفة للإله.. وحينها ستسقط كل تلك الصيحات التي يصيحون بها في الحكم على الأمة بالشرك، لأنهم سيكتشفون أنهم لا يختلفون عن مشركي قريش وغيرهم إلا في شيء واحد، وهو أن آلهة قريش كانت في الأرض، وإلههم في السماء.

المقادير الكبرى:

ومشكلة هذا النوع من المقادير أنه يلغي كل ما أورده أعلام المدرسة السلفية من معارف تتعلق بالرؤية وبسكن الله مع المؤمنين في الجنة، وبالدنو والمماسة وغيرها، لأن الحسابات الرياضية تمنع كل ذلك.

وسنذكر هنا بعض مقولاتهم في هذا الجانب ونقارنها بما يقوله العلم الحديث لنرى حقيقة عظمة الله في تصوراتهم.. ونرى قبل ذلك وبعده سر نفورهم من العلم، وخاصة علم الفلك الذي فضح كل منظومتهم الفكرية والعقدية.

وقد رأينا من خلال استقراء ما ذكروه من مقادير في هذا الجانب أنها تشمل ناحيتين: الحجم، والكتلة.

الحجم:

تجتهد المدرسة السلفية عند بيانها لعظمة الله تعالى في أن تصور عظمة الله تعالى الحسية، أو عظمة ذاته الجسمية من خلال تفسيرها الخاطئ لبعض النصوص المقدسة، وتورد لأجل ذلك معاني تتصورها عظيمة، بينما هي لا تساوي شيئا وفق ما دل عليه العلم الحديث.

لذلك فإن العظمة التي يطرحونها قد يصلح ذكرها لبدوي لم يعرف ما يقوله العلم، وليس له القدرة على التأمل العقلي.. أما أن يصلح مع أصحاب العقول السليمة، وخاصة من غذي منها بالمعارف والعلوم فإنه يستحيل عليه أن يقبل ذلك.. ولهذا نرى المدرسة السلفية تميل إلى العوام أكثر من ميلها للعلماء، وتميل إلى أصحاب العقول المنغلقة أكثر من ميلها لأصحاب العقول المنفتحة.

وكمثال على ذلك هذا الحديث الذي يوردونه في كل محل لبيان عظمة الله، وهو ما يروونه في تفسير قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67]

فمع أن الآية واضحة في أن قدر الله لا يمكن أن يحاط بها.. ولذلك ضرب الله مثلا لذلك بأن كل شيء في قبضته، وأنه لا يعجزة شيء في الأرض ولا في السماء، وهو تعبير نستعمله في حياتنا العادية عندما نقول: الأمور في قبضتنا، أو تحت سيطرتنا.. ونحو ذلك.

لكن المدرسة السلفية تفهم من النص غير ذلك تماما، فتورد لذلك حادثة قد تكون صحيحة ثابتة، ولكنها تسيء فهمها إساءة بليغة.. وسنورد الحادثة، ثم نبين كيف فهمتها المدرسة السلفية، وكيف فهمها المنزهة من المتكلمين وغيرهم.. ثم نعرضها بعد ذلك على العلم الحديث ليحكم بينهما.

والحادثة رواها عبد الله بن مسعود قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا محمد: إنا نجد أن الله عز وجل يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع. فيقول: (أنا الملك)، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى بدت نواجذه، تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67]([20])

والحادثة لا حرج في قبولها، لأن الكلام الوارد فيها كلام يهودي، وهو ممتلئ ـ كعادة اليهود ـ بالتجسيم، لكن الخلاف بين المنزهة والمجسمة في تفسير ضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتفسير قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للآية.. فالمنزهة يرون أن ضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لخفة عقول اليهود، ولعدم تقديرهم لله حق قدره.. ولذلك ورد في أول الآية قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}

يقول الفخر الرازي تعليقا على الرواية ـ نقلا عن الزمخشري صاحب (الكشاف) ـ: (وإنما ضحك أفصح العرب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا إصبع ولا هز ولا شيء من ذلك، ولكن فهمه وقع أول كل شيء وآخره على الزبدة والخلاصة، التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام ولا تكتنهها الأذهان هينة عليه)([21])

لكن المدرسة السلفية لم تفهم ضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا المعنى، بل فهمت منه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقر اليهودي، وأعجب بكلماته، وربما يصورون أنه صلى الله عليه وآله وسلم استفاد منها معرفة جديدة بالله.. ولذلك نراهم يرددون هذا الحديث في كل محل.

وعند عرض هذا الحديث على العلم الحديث يتبين لنا مدى ضحالة ما طرحه اليهودي من معان تجسيمية.. فقد ذكر أن الله تعالى (وضع السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع)، انطلاقا من أن السموات في حجمها ـ في تصوره ـ تساوي الأرض، ولذلك وضعت السموات جميعا بنجومها ومجراتها في أصبع، والأرض في أصبع أخرى.. وكأنها تساويها في الحجم أو الكتلة..

وهذا خلاف الحقائق العلمية التي تنص على أن الأرض لا تساوي شيئا أمام هذا الكون الواسع.. وسننقل هنا بعض ما ذكره العلم الحديث في هذا الجانب، لنرى سقم تلك التصورات التي تسربت إلى العقيدة الإسلامية..

فقد نص العلم الحديث في حقائقه القطعية([22]) على أنه يدور حول الشمس ثمانية كواكب، بعضها ما هو أصغر من أرضنا وبعضه ما يفوق حجم أرضنا بأضعاف مضاعفة، فإذا علمنا أن قطر كوكب الأرض هو 12742 كم، فإن قطر كوكب المشتري أكبر كواكب المجموعة الشمسية هو 139822 كم.. أي أن كوكب المشتري يتسع إلى 1300 أرض مثل أرضنا. أما الشمس، فإن قطرها هو 1.39 مليون كم، وهي تتسع إلى مليون و300 ألف أرض من أرضنا.

أما شمسنا العملاقة هذه، فهي مقارنة بغيرها من النجوم فهي ليست عملاقة، بل هي قزم مقارنة بالعديد من النجوم الأخرى، فنجمة الشعرى اليمانية مثلاً، وهي ألمع نجوم السماء وقد عبدها البعض في الزمن الغابر بسبب شدة لمعانها وأقسم بها سبحانه وتعالى، حيث قال تعالى عنها: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى } [النجم: 49]، فإن حجمها أكبر من شمسنا بخمس مرات. أما نجم قلب العقرب، وهو من ألمع نجوم السماء ويمكن رؤيته بالعين المجردة بسهولة فإن قطره يبلغ حوالي 1000 مليون كم، أمّا من حيث الحجم، فهو أكبر من الشمس بحوالي 512 مليون مرّة. ولو وضع نجم قلب العقرب مكان شمسنا لابتلع مدار عطارد والزهرة والأرض والمريخ ولوصل سطحه الخارجي إلى ما بين مدار المريخ والمشتري.

وانطلاقا مما سبق يتبين أن نجمنا الشمس عبارة عن نجم متواضع مقارنة بغيره من النجوم، وما سبب لمعانه الشديد هذا إلا لأنّه أقرب النجوم إلى الأرض. وجميع النجوم التي نراها في السماء ليلا تقع في مجرتنا درب التبانة، ويقدر العلماء أن مجرتنا تحتوي ما بين 200 و500 مليار نجم، أحدها هو الشمس. أي أن هناك عدداً هائلاً من الشموس في مجرتنا درب التبانة. ومجرتنا درب التبانة عبارة عن شيء عظيم وواسع. حيث يبلغ قطرها حوالي 100 ألف سنة ضوئية. أي أنّ الضوء بسرعته الهائلة التي تبلغ 300 ألف كيلومتر في الثانية يحتاج إلى 100 ألف سنة حتى يقطع مجرتنا من طرف إلى طرف مقابل. وبلغة الأرقام التي نعرفها فإنّ هذا يعني أن قطر مجرتنا يساوي حوالي 950 ألف مليوم مليون كم، أي قرابة مليوم مليون مليون كم.

لكن… مجرتنا ليست الوحيدة في هذا الكون. فيقدر العلماء وجود ما بين 100 و200 مليار مجرة أخرى في الكون. ومما يثير الدهشة أن عدد النجوم في مجرات أخرى أكبر من عدد النجوم في مجرتنا، فمجرة المرأة المسلسلة التي يمكن إعتبارها أقرب مجرة إلى مجرتنا تحتوي نحو مليون مليون نجم. أي خمسة أضعاف مجرتنا على أقل تقدير. أمّا أكبر مجرة مكتشفة حتى الآن فيقدر عدد نجومها بـ100 مليون مليون نجم. ومعدل هذه الأرقام يعني أن عدد النجوم في كوننا المرئي يساوي واحداً بجانبه 24 صفراً. أي 1000000000000000000000000 نجم.

فأين هذه الأعداد جميعا أمام ذلك التصور الذي نطق به اليهودي، وضحك عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وبين القرآن الكريم أنه تصور تافه وحقير..

لكن السلفيين ـ ولغرامهم باليهود ـ آثروا ما ذكره اليهودي، واعتبروه عقيدة، وخالفوا بذلك العقل والنقل.. وكل حقائق الوجود.

بل أضافوا إلى تلك الرواية روايات أخرى رفعوها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفسروا بها القرآن الكريم.. وراحوا من خلالها يتباهون على خصومهم من المنزهة، بأنهم أكثر تعظيما لله.

فمن الروايات التي أوردوها ما رواه أبو الشيخ في العظمة يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يطوي الله عز وجل السموات السبع بما فيهن من الخلائق والأرضين بما فيهن من الخلائق يطوي كل ذلك بيمينه فلا ُيرى من عند الإبهام شيء ولا يرى من عند الخنصر شيء فيكون ذلك كله في كفه بمنزلة خردلة)([23])

ومنها ما ذكره ابن تيمية في (الرسالة العرشية)، حيث قال: (والحديث مروي فى الصحيح والمسانيد وغيرها بألفاظ يصدق بعضها بعضا وفى بعض ألفاظه قال: قرأ صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } [الزمر: 67]، ثم قال: (مطوية فى كفه يرمى بها كما يرمى الغلام بالكرة).. وفى لفظ (يأخذ الجبار سمواته وأرضه بيده فيجعلها فى كفه ثم يقول بهما هكذا كما تقول الصبيان بالكرة: أنا الله الواحد)، وقال ابن عباس: يقبض الله عليهما، فما ترى طرفاهما بيده)([24])

وقال: (وفي لفظ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر وهو يقول: (يأخذ الجبار سمواته وأرضه، وقبض بيده وجعل يقبضها ويبسطها ويقول: أنا الرحمن، أنا الملك، أنا القدوس، أنا السلام، أنا المؤمن، أنا المهيمن، أنا العزيز، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الذي بدأت الدنيا ولم تكن شيئا، أنا الذي أعدتها، أين المتكبرون؟ أين الجبارون؟)([25])

والعجب أنهم – بما يروونه من خرافات وأساطير – صاروا يعتقدون أن الأرض تساوي السماوات في ضخامتها، ولهذا تجدهم يصححون الروايات التي تصور أن الله يضع الأرض في يد والسموات بما فيها من نجوم وكواكب وغيرها في يد أخرى، لقد قال ابن القيم يشرح ذلك، أو يصوره: (إذا كانت السموات السبع في يده كالخردلة في يد أحدنا، والأرضون السبع في يده الأخرى كذلك فكيف يقدره حق قدره من أنكر أن يكون له يدان فضلاً عن أن يقبض بهما شيئاً، فلا يد عند المعطلة ولا قبض في الحقيقة وإنما ذلك مجاز لا حقيقة له، وللجهمية والمعطلة من هذا الذم أوفر نصيب)([26])

هذا مثال عن تصور السلفيين لعظمة الله.. والمثال الثاني، وهم أيضا يكثرون من ذكره عند حديثهم عن العظمة الحسية الجسمية لله، وهي حديثهم عن عظمة العرش.. وهو ـ وإن كان قد يكون صحيحا في بعض دلالاته ـ لكن مشكلتهم هو أنهم يربطونه بالله، لا من زاوية قدرته على الخلق والإبداع، وإنما من زاوية عظمة ذات الله، أو جسم الله تعالى الله عما يقولون علوا عظيما.

ذلك أنهم يتحدثون عن عظمة العرش، باعتباره محلا للجلوس، وبقدر الجالس يكون الكرسي، وبقدر الراكب يكون المركب.. ولها نراهم يبالغون في وصف عظمة العرش.. ليبينوا من خلاله عظمة حجم الذي يقعد عليه، ولكنهم لا يعلمون أن تلك الأرقام التي يوردونها لا تساوي شيئا أمام ما اكتشفه العلم الحديث من عظمة الكون.

وسنورد هنا رواياتهم في ذلك، والحسابات التي ذكروها، واعتمدوها، ثم نقارنها بما يقوله العلم الذي يبغضونه بشدة [علم الفلك الحديث]

وأول رواية يرفعونها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم هي ما رووه عن أبي ذر الغفاري قال: دخلت المسجد الحرام فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحده فجلست إليه، فقلت: يا رسول الله أيما آية أنزلت عليك أفضل؟ قال: (آية الكرسي، ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة)([27])

وهم يؤكدون ـ كعادتهم ـ ما يروونه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما يروونه عن سلفهم إما من باب التأكيد المجرد، أو لزياد الفائدة:

ومن باب التأكيد المجرد، ما رووه عن مجاهد من قوله: (ما السموات والأرض في العرش إلا مثل حلقة في أرض فلاة)([28]).

ومن من باب زيادة الفائدة ما رووه عن وهب بن منبه من قوله: (العرش مسيرة خمسين ألف سنة)([29])

ورووا عن ابن مسعود تحديدا أكثر دقة للمسافة يمكن للفلكيين المعاصرين الاستفادة منه للوصول إلى محل العرش، فقد رووا عنه قوله: (بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم)([30])

وقد فرحت المدرسة السلفية سلفها وخلفها بهذه الرواية، حيث صححها ابن القيم في (اجتماع الجيوش الإسلامية)([31])، ومثله الذهبي ـ مع تشدده في التصحيح ـ في (العلو)([32])

أما موقف المعاصرين، فقد قال الشيخ ابن عثيمين: (هذا الحديث موقوف على ابن مسعود، لكنه من الأشياء التي لا مجال للرأي فيها، فيكون لها حكم الرفع، لأن ابن مسعود لم يُعرف بالأخذ من الإسرائيليات)([33])

وقد اعتنى بها كذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي استنبط منها فوائد كثيرة منها (.. التاسعة: عِظَم الكرسي بالنسبة إلى السماء.. العاشرة: عظم العرش بالنسبة إلى الكرسي.. الحادية عشرة: أن العرش غير الكرسي والماء)([34])

ولكن المشكلة هي أن هؤلاء الذين اعتنوا برواية مسعود في تحديد المسافات هم أنفسهم الذين صححوا حديثا مرفوعا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يعطي مسافات أخرى، فقد رووا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (تدرون كم بعد ما بين السماء والأراضين، قالوا: لا، قال: إما واحدة أو اثنتين أو ثلاث وسبعين سنة، ثم السماء فوق ذلك، حتى عد سبع سموات، ثم فوق السابعة بحر بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك كله ثمانية أملاك أوعال، ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء،، ثم فوق ظهورهم العرش بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، والله تعالى فوق ذلك)([35])

وقد صحح ابن تيمية هذا الحديث، وقال: (إن هذا الحديث قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والإثبات مقدم على النفي)([36])

ومثله ابن جبرين الذي قال: (فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف على نفله وقبوله ولم يتعرضوا لرده ولا تأوله ولا تشبيهه ولا تمثيله)([37])

ولكن الإشكال الذي يعرض لنا من ناحية الاختلاف في الحساب بين الروايتين، حله ابن القيم بطريقة مبسطة تنفي الإشكالات والتناقضات بين الروايات فقال: (..فإن المسافة يختلف تقديرها بحسب اختلاف السير الواقع فيها، فسير البريد مثلاً يقطع بقدر سير ركاب الإبل سبع مرات، وهذا معلوم بالواقع فما تسيره الإبل سيراً قاصداً في عشرين يوماً يقطعه البريد في ثلاثة فحيث قدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسبعين أراد به السير السريع سير البريد وحيث قدر بالخمسمائة أراد به السير الذي يعرفونه سير الإبل والركاب، فكل منهما يصدق الآخر ويشهد بصحته)([38])

وبناء على هذا يمكن للرياضيين أن يعتمدوا المسافة الأبعد، ليصلوا إلى التحديد الدقيق وفق الوحدات التي نستعملها في عصرنا الحاضر، وخاصة في علم الفلك الذي استغنى عن مسيرة الإنسان ومسيرة الراحلة بمسيرة الضوء..

والحسابات الفلكية الدقيقة تذكر أن المسافة بيننا وبين جارنا القريب القمر تبعد 384 ألف كم، ويحتاج الضوء إلى ثانية وثلث الثانية فقط ليقطع كل هذه المسافة من القمر إلى الأرض.

 أمّا الشمس التي تبعد عنا حوالي 150 مليون كم تقريباً، فإنّ الضوء يحتاج إلى 8.3 دقيقة ليصل منها إلى الأرض.

أمّا أقرب النجوم إلينا بعد الشمس وهي نجمة ألفا قنطورس فإنّها تبعد عنا 4.22 سنة ضوئية، وحيث إنّ السنة الضوئية (المسافة التي يقطعها الضوء في سنة) تساوي 9.46 مليوم مليون كم. فهذا يعني أن أقرب النجوم إلينا بعد الشمس تبعد عنا نحو 40 مليون مليون كم.

أمّا النجم القطبي الذي لطالما استخدمه الناس للإهتداء عن الجهات، فإنّه يبعد عنا 433 سنة ضوئية، أي أنّ الضوء يحتاج إلى 433 سنة حتى يصل إلينا منه، وهذا يساوي نحو 4 آلاف مليوم مليون كم.

أمّا أقرب مجرة إلينا وهي المرأة المسلسلة والتي يمكن رؤيتها بالعين المجردة من مكان مظلم كبقعة غبشاء بحجم أي نجمة أخرى تقريباً فإنّها تبعد عنا 2.5 مليون سنة ضوئية، أي نحو 24 مليون مليون مليون كم..

أما أبعد جرم سماوي يمكن رؤيته بالعين المجردة ـ في الوقت الذي أكتب فيه هذه الكلمات ـ فهي مجرة المثلث فإنها تبعد عنا 3 ملايين سنة ضوئية، وما زال في كوننا ما هو أبعد من ذلك بكثير.

وحتى ندرك جيدا مدى ضحالة العقل السلفي وبدائيته نذكر نموذجا مصغرا ذكره الفلكيون لنظامنا الشمسي وجيرانه في حديقة ما، فإذا كان حجم الأرض بحجم كرة السلة، فإنّ القمر سيكون بحجم كرة التنس الأرضي تقريباً، وسنضع القمر (كرة التنس) على بعد 7.4 متر من الأرض (كرة السلة). أمّا الشمس فسيكون قطرها 26 متراً (حجم منزل) وستقع على بعد 2.8 كم من الأرض (كرة السلة). أمّا نجم ألفا قنطورس (أقرب النجوم إلينا) فإنّه سيقع على بعد 177 ألف كم من الأرض (كرة السلة). أما مجرتنا درب التبانة وهي الحديثة التي سنضع فيها نظامنا الشمسي فسيكون طولها 17.6 مليون مليون كم.

ولست أدري أين أضع الأرقام الهزيلة التي وضعوها.. والتي تجعل الكون جميعا بعرشه وبفرشه لا يتجاوز المجموعة الشمسية في أحسن الأحوال.

الكتلة:

مثلما أعطى السلفيون الأهمية الكبرى لبيان عظم حجم إلههم، فقد أولوا أهمية كبرى لبيان ثقله العظيم.. وقد اعتمدوا في ذلك على مقدمتين صحيحتين من الناحية المنطقية:

الأولى: بيان عظمة حملة العرش وقدراتهم الهائلة.

الثانية: هي بيان عجز وضعف هؤلاء الحملة أمام العرش، وثقله عليهم.

والنتيجة الضرورية لهذا هي أن الله عظيم جدا..

ولكنا مع ذلك.. وبمعطيات العلم الحديث سنجد كل ما ذكروه من عرش وحملة عرش بل ما فوق ذلك كله لا يساوي جرما من الأجرام السماوية.. بل قد لا يساوي ثقبا من الثقوب السوداء التي تملأ السماء.

وسنورد هنا بعض رواياتهم في ذلك، ومن شاء أن ينظر ما يقوله العلم الحديث في ذلك، فإنه يمكنه أن يزور المواقع الفلكية ليتأكد بنفسه.. ويستحسن للمتردد أو المتذبذب بين التنزيه والتجسيم أن يزور المواقع الفلكية الإسلامية لأن المواقع الفلكية الكافرة لا ثقة فيها ـ كما يقول السلفيون ـ

ولو كان هذا المتردد يعرف القرآن الكريم، ويعظمه، ولم يتلطخ بتحريفات التفاسير له، فيمكنه فقط أن يجلس ويتأمل في قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: 75، 76] ليجد الحقيقة ناصعة واضحة لا تحتاج لا إلى ابن خزيمة ولا إلى ابن تيمية ولا إلى غيرهما.

وأول الروايات وأشهرها وأكثرها تداولا في المصادر السلفية هي ما يروونه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش: إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)([39])

ويروون عن ابن عباس قوله: (حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام، وزعموا أن خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب)([40])

وقد سبق أن أشرنا إلى عظم خلق هؤلاء الملائكة، وإلى أنواعهم وأشكالهم أيضا ـ كما توردها المصادر السلفية ـ وغرضنا هنا هو أن نبين أن هؤلاء الملائكة مع قوتهم العظيمة لا يطيقون هذا الحمل العظيم الذي ذكره أحد أعلامهم المتقدمين، وهو خالد بن معدان بكل جرأة، فقال: (إنَّ الرحمن جل وعز سبحانه ليثقل على حملة العرش من أول النهار إذا قام المشركون، حتى إذا قام المُسَبِّحُونَ خُفِّفَ عن حملة العرش)([41])

وهذه الرواية قد تفيد الباحثين في معرفة الخصائص العجيبة التي يتصف بها العرش الذي يؤمن به السلفية، وهو أنه يخف ويثقل بحسب التسبيح.. فيخف عند التسبيح، ويثقل عند عدمه.. ولعل هذا أيضا ما يجعل السلفي يمن على حملة العرش عند قيامه بالتسبيح لما يؤدي ذلك من تخفيف الحمل عليهم.

وقد رويت روايات كثيرة تذكر أطيط العرش([42])، وتربطه بثقل الله عليه.. ومنها ما رووه عن عمر أنه قال: (إذا جلس عز وجل على الكرسي سُمِعَ له أطيط كأطيط الرحل الجديد)، وقد ذكر في الرواية (فاقشعر رجل سَمَّاهُ أبي عند وكيعٍ فغضب وكيعٌ وقال: أدركنا الأعمش وسفيان يُحَدِّثُونَ بهذه الأحاديث لاينكرونها)([43])

وقد علق البغوي على هذه الرواية بقوله: (هذا حديث أورده أبو داود سليمان بن الأشعث في الرد على الجهمية والمعتزلة. قال أبو سليمان الخطابي: وقوله: (إنه ليئط به) معناه: إنه ليعجز جلاله وعظمته حتى يئط به، إذ كان معلوما أن أطيط الرحل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه ولعجزه عن احتماله)([44])

وقد رووا أنه لشدة قرب أهل الجنة من الله تعالى يسمعون صوت الأطيط، فقد رووا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (سلوا الله جنة الفردوس، فإنها صرة الجنة، وإن أهل الفردوس ليسمعون أطيط العرش)([45])

وقد اعتبر ابن القيم الإيمان بالأطيط من العقائد الإسلامية الكبرى، فقال في نونيته([46]):

واذكر حديثا لابن اسحاق الرضى

  ذاك الصدوق الحافظ الرباني

في قصة استسقائهم يستشفعون

  إلى الرسول بربه المنان

فاستعظم المختار ذاك وقال شأن

   الله رب العرش أعظم شان

الله فوق العرش فوق سمائه

   سبحان ذي الملكوت والسلطان

ولعرشه منه أطيط مثل ما

   قد أط رحل الراكب العجلان

لله ما لقي ابن اسحاق من

   الجهمي إذ يرميه بالعدوان

ويظل يمدحه إذا كان الذي

   يروي يوافق مذهب الطعَّان

ويبدو من خلال الروايات التي يروونها وينتصرون لصحتها أن الملائكة حملة العرش يعانون كثيرا بسبب الثقل الكبير، وقد أوردوا من الروايات ما يوضح مواقيت ذلك بدقة، فقد رووا عن ابن مسعود أنه قال: (إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار. نور السموات من نور وجهه وإن مقدار كل يوم من أيامكم عنده ثنتا عشرة ساعة، فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار، اليوم فينظر فيها ثلاث ساعات فيطلع فيها على ما يكره، فيغيظه ذلك، فأول من يعلم بغضبه الذين يحملون العرش يجدونه يثقل عليهم، فيسبحه الذين يحملون العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة)([47])

بالإضافة إلى ذلك، فهم لا يعانون فقط ـ بحسب رواياتهم ـ من غضب الله، بل يعانون أيضا من رضاه، لأن رضاه أيضا يحدث اهتزازا في العرش، فقد رووا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (اهتز العرش لحب لقاء الله سعدا)([48])

ورووا عن عن امرأة من الأنصار يقال لها أسماء بنت قيس بن السكن قالت: لما توفي سعد بن معاذ صاحت أمه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يرقأ دمعك ويذهب حزنك، فإن ابنك أول من ضحك الله له واهتز له عرش الرحمن)([49])

بالإضافة إلى ذلك، فهم يروون أن حملة العرش لا يستطيعون رفع أبصارهم من شدة النور، وقد قال بعض سلفهم في ذلك ـ: (أرجلهم في التخوم، لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور)([50])

ولا يكتفي السلفيون بأمثال هذه الروايات، بل إنهم يؤولون القرآن الكريم لينسجم مع هذه المعاني التجسيمية، فهم يروون عن ابن عباس قوله في تفسير قوله تعالى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنّ}: (ممن فوقهن من الثقل)، وفي رواية (يعني من ثقل الرحمن وعظمته- تبارك وتعالى-)([51])

وهكذا صارت عظمة الله بالمفهوم السلفي تعني ثقله الشديد، وحجمه الكبير.

المقادير الصغرى:

ومشكلة هذا النوع من المقادير أنه مع وفائه مع الروايات التي يحملها السلفيون على ظاهرها، والتي تتعلق بالرؤية وبسكن الله مع المؤمنين في الجنة، وبالدنو والمماسة وغيرها، كما سنراه في محله إلا أنها لا تتفق مع العظمة التي ذكروها في المقادير السابقة.

وهنا تحصل رجة كبيرة للعقل السلفي، فيقرر حينها الانتحار.. لأن الجمع بين الحجم الكبير جدا، والصغير جدا لا يمكن إلا في حالة واحدة هي الانكماش، أو التشكل.. وكلاهما يحملان من المستحيلات العقلية ما لا يمكن حصره.

ولهذا يفر العقلي السلفي إلى تحريم استعمال العقل.. والعجب في ذلك أنه يذكر ألفاظا ليس لها إلا دلالة واحدة، ثم يقول بعدها بلا كيف.

ومن أمثلة ذلك أنه يذكر الأعداد كما رأينا ذلك سابقا.. وهل يمكن للأعداد أن تكون لها كيفيات.. ومثل ذلك ـ كما سنرى ـ يذكر الألوان، واللون الأخضر خصوصا.. ثم يقول: بلا كيف.. وهل يمكن أن يكون الأخضر غير الأخضر؟

ومن أمثلة الحجم الصغير للجسم الذي يعتقدونه للإله ما رووه عن عن عبد الله بن سلمة أنه قال: أرسل ابن عمر إلى ابن عباس يسأله، هل رأى محمد ربه، فأرسل إليه ابن عباس: أن نعم، قال: فرد عليه ابن عمر رسوله: أن كيف رآه، قال: رآه في روضة خضراء روضة من الفردوس دونه فراش من ذهب، على سرير من ذهب، يحمله أربعة من الملائكة، ملك في صورة رجل، وملك في صورة ثور، وملك في صورة أسد، وملك في صورة نسر([52]).

فهذا الحديث، وبهذه الصورة لا يمكن حمله إلا على جسم صغير، أو هو أقل بكثير من حجم الكواكب والنجوم والمجرات.. بل إن رؤيته في روضة خضراء يدل على أن الروضة أكبر منه.. والسرير الذي يحمله أكبر منه.

ومن الروايات القريبة من هذا ما رووه عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أتاني جبريل فقال: إن الرب اتخذ في الجنة واديا من مسك أفيح، فإذا كان يوم الجمعة فينزل عن كرسيه من عليين، وحف الكرسي بمنابر من ذهب مكللة بالجواهر، ويجيء النبيون فيجلسون على تلك المنابر، ثم ينزل أهل الغرف فيجلسون على ذلك الكثيب، ويتجلى لهم ربهم، فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، وهذا محل كرامتي فاسألوني قال: فيسألونه الرضا، قال: فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا النظر إلى وجه ربهم – عز وجل-)([53])

فصورة هذا الحديث كذلك تدل على أن الحجم والمقادير محدودة جدا، بل كأن الله عز وجل في هذا الحديث لا يختلف عن أولئك الملوك الذين يجمعون حاشيتهم، ويصلونهم بأنواع الصلات.

ومن الروايات الواردة في هذا عن أبي النضرة قال: خطبنا ابن عباس بالبصرة على هذا المنبر فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (آتي باب الجنة فآخذ بحلقة الباب، فأقرع الباب، فيقال لي: من أنت؟ فأقول: أنا محمد؟ فيفتح لي، فيتجلى لي ربي عز وجل فأخر له ساجدا وهو على سريره أو على كرسيه- شك حماد-)([54])

وفي رواية أخرى: (حتى آتي الجنة فأخذ بحلقة الباب، فأستفتح، فيفتح لي، وأحيا ويرحب بي؟ فإذا دخلت الجنة نظرت إلى ربي- عز وجل- على عرشه فخررت ساجدا)

وقد ورد في الرواية في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستأذن على الله في داره، فقد ورد فيها الحديث بهذه الصيغة، قال ابن القيم: (وفي بعض ألفاظ البخاري في صحيحه (فاستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه)، قال عبد الحق في الجمع بين الصحيحين هكذا قال في داره في المواضع الثلاث يريد مواضع الشفاعات التي يسجد فيها ثم يرفع رأسه)([55])

وقال الشيخ ابن عثيمين في شرحه على كتاب التوحيد من صحيح البخاري على هذا الحديث: (هذا الحديث ليس فيه إشكال إلا قوله: (أستأذن على ربي في داره)، فيقال: إن دار الله عزوجل التي جاءت في هذا الحديث لا تشبه دور البشر، تكنه من الحر ومن البرد ومن المطر، ومن الرياح، لكن هي دار الله أعلم بها)

وهذا أيضا يدل على الحجم الصغير لإلههم مقارنة بحجم داره، لأن الدار في العادة أكبر من صاحبها.. وهذا الحديث ـ وهو في صحيح البخاري كما ذكرنا ـ يجعل السلفيين في حيرة من أمرهم:فهل إلههم فوق العرش؟ أم أنه في داره في الجنة؟.. أم أنه في السماء الدنيا..؟

بل ورد في بعض الأحاديث التي اهتم بها جميع السلفيين بمن فيهم ابن تيمية وابن القيم ما يدل على أن إلههم ينزل إلى الأرض.. وهو في هذه الحالة أصغر منها بكثير..

وقد ذكر ابن تيمية في غرائب حديث النزول هذه الرواية التي تطفح بالتجسيم والتشبيه: (ثم تبعث الصيحة فلَعَمْر إلهك ما تدعُ على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربك عز وجل فأصبح ربك يطوف في الأرض وخلت عليه البلاد فأرسل ربك عز وجل السماء.. قلت يا رسول الله فما يعمل بنا ربنا جل وعز إذا لقيناه؟ قال تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا تخفى عليه منكم خافية فيأخذ ربك عز وجل بيده غرفة من الماء فينضح قِبَلكم بها فلعمر إلهك ما يخطىء وجه أحدكم منها قطرة)([56])

فهذه الرواية تصور الله العلي العظيم وهو يطوف في الأرض، وتصوره وهو يأخذ بيده غرفة من الماء فينضح بها.. وقد قال ابن القيم تلميذ ابن تيمية النجيب بعد إيراده الرواية: (هذا حديث كبير جليل تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة لا يعرف إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري، وهما من كبار علماء المدينة ثقتان محتج بهما في الصحيح، احتج بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري. ورواه أئمة أهل السنة في كتبهم وتلقوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد ولم يطعن أحد منهم فيه ولا في أحد من رواته. فممن رواه الإمام ابن الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند أبيه وفي كتاب السنة.. ومنهم الحافظ الجليل أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل في كتاب السنة له، ومنهم الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان العسال في كتاب المعرفة، ومنهم الحافظ أبو محمد عبدالله بن محمد بن حيان أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب السنة، ومنهم الحافظ أبو عبدالله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة حافظ أصبهان،..وجماعة من الحفاظ سواهم يطول ذكرهم)([57])

بل إنه يرتب على منكر هذا حكما خطيرا، فينقل عن سلفه أبي عبد الله بن مندة مقرا له: (ولا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة)([58])

ثم لا يكتفي بذلك.. بل يذهب يفسر الحديث حرفا حرفا يستنبط منه كل صنوف التجسيم والتشبيه، فيقول: (وقوله فيظل يضحك هو من صفات أفعاله سبحانه وتعالى التي لا يشبهه فيها شيء من مخلوقاته كصفات ذاته، وقد وردت هذه الصفة في أحاديث كثيرة لا سبيل إلى ردها كما لا سبيل إلى تشبيهها وتحريفها.. وكذلك فأصبح ربك يطوف في الأرض هو من صفات فعله..والكلام في الجميع صراط واحد مستقيم إثبات بلا تمثيل بلا تحريف ولا تعطيل.. وقوله: فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم فيه إثبات صفة اليد له سبحانه بقوله وإثبات الفعل الذي هو النضح)([59])

وقد علم ابن تيمية الإشكالات التي قد تطرح من وراء هذه الرواية، وأنها تقضي على كل ما صوروه عند ذكر العرش من عظمة الله، فقال ـ ردا عليهم بغلظته المعهودة ـ: (يقال لهذا البَقْبَاق النفاخ إن الله أعظم من كل شيء وأكبر من كل خلق ولم يحمله العرش عِظَمًا ولاقوة ولا حملة العرش حملوه بقوتهم ولا استقلوا بعرشه ولكنهم حملوه بقدرته وقد بلغنا أنهم حين حملوا العرش وفوقه الجبار في عزته وبهائه ضَعفوا عن حمله واستكانوا وجَثَوا على رُكَبِهم حتى لُقّنوا لا حول ولا قوة إلا بالله فاستقلوا به بقدرة الله وإرادته ولولا ذلك ما استقلّ به العرش ولا الحملة ولا السموات والأرض ولا من فيهن ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به)([60])

وهكذا تنتهي حدود عظمة الله عند السلفية إلى هذه الحكمة التيمية العظيمة: (ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به)


([1])     رواه أحمد (1/391) (3712)، (1/452) (4318)

([2])     رواه أَحمد (1/ 96 و 18 أو 150)، وأبو داود (1427)، والنسائي (3/ 248 – 249)، وابن ماجه (1179)

([3])     إحياء علوم الدين (1/ 293)

([4])     اللمع،  ص 421.

([5])     المقصد الأسنى (ص: 53)

([6])     المقصد الأسنى (ص: 53)

([7])     المقصد الأسنى (ص: 54).

([8])     المقصد الأسنى (ص: 54).

([9])     الفتوحات المكية (1/ 305)

([10])     الفتوحات المكية (1/ 305)

([11])     التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 2، ح 1، ص 35.

([12])     المصدر السابق، ح 34، ص 77.

([13])     نهج البلاغة، الشريف الرضي: قسم الخطب، خطبة 152، ص 278 ـ 279

([14])     التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 36، ح 3، ص 246

([15])     بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (2/ 605)

([16])     بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (2/ 612).

([17])    القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (ق151/ب)، وأورده ابن تيمية في نقض تأسيس الجهمية (1/428)

([18])   نقض تأسيس الجهمية (2/34).

([19])   نقض تأسيس الجهمية (1/442-443).

([20])     صحيح البخاري برقم (7414، 7415، 7451) والمسند (1/429) و2صحيح مسلم برقم (2786) وسنن الترمذي برقم (3238) والنسائي في السنن الكبرى برقم (11451).

([21])      مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (27/ 473).

([22])     الكون الواسع.. حقائق فلكية، المهندس محمد شوكت عوده، مجلة البلاغ، بتاريخ: 2012/01/13 على الرابط: [http://www.balagh.com/pages/tex.php?tid=274].

([23])   العظمة 2/445(136)

([24])   الرسالة العرشية (ص: 18)

([25])    الرسالة العرشية (ص: 17)

([26])   الصواعق المرسلة 4/1364

([27])    رواه نعيم في الحلية: (1/ 166)، والبيهقي في الأسماء والصفات: ص 511، قال الألباني في (الصحيحة): رقم 109: (وجملة القول أن الحديث بهذه الطرق صحيح)

([28])   عبد الله بن الإمام أحمد في السنة: ص 71، الدارمي في الرد على بشر المريسي: ص 74.

([29])   أورده الذهبي في العلو: ص 61، وأورده ابن كثير في البداية: (1/ 11)

([30])     رواه ابن خزيمة في التوحيد ( ص 105 )، والبيهقي في الأسماء والصفات ( ص 401 ).

([31])     اجتماع الجيوش الإسلامية  ( ص 100 ).

([32])     العلو  ( ص 64 ).

([33])     القول المفيد شرح كتاب التوحيد  ( 3 / 379 ).

([34])     شرح كتاب التوحيد  ( ص 667، 668 ) ..

([35])     رواه ابن ماجه في سننه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية: (1/ 69)، والإمام أحمد في مسنده: (1/ 257)، وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الجهمية: (5/ 93)، والدارمي في الرد على بشر المريسي: ص 448، والآجري في الشريعة: ص 292، واللالكائي في السنة: (3/ 390)

([36])     الفتاوى (3/192)، ومثله مال تلميذه ابن القيم إلى تصحيحه، انظر: تهذيب التهذيب: (7/ 92، 93).

([37])   وهو عبد الله الجبرين في التعليقات على متن لمعة الاعتقاد 84

([38])     حاشية ابن القيم13/8.

([39])   رواه أبو داود في كتاب السنة باب في الجهمية رقم 3701الحديث: سكت عنه المنذري وقال المناوي: إسناده صحيح كما رمز السيوطي لذلك. راجع عون المعبود 13/36 وفيض القدير 1/458)

([40])   البيهقي في الأسماء والصفادت: ص 505،

([41])   رواه عبدالله بن الإمام أحمد في السنة(رقم1026)، والدينوري في المجالسة(رقم23، 2812) انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية(ص/252).

([42])   الأطيط: نقيض صوت المحامل والرحال إذا ثقل عليها الركبان، وأط الرحل والنسع يئط أطا وأطيطا: صوت، وكذلك كل شيء أشبه صوت الرحل الجديد. لسان العرب: (1/ 92)

([43])   رواه عبدالله في السنة(رقم587)، والخطيب في تاريخ بغداد(8/52)، وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة(2/67).

([44])   شَرْحُ السُّنَّةِ(1/175-176).

([45])   ابن بطة في الإبانة: ق ( 195/ ب)، والحاكم في المستدرك: (2/ 371)، والطبراني في المعجم الكبير: ص 7966.

([46])   شرح قصيدة ابن القيم 1/522 وانظر اجتماع الجيوش 50 .

([47])     الطبراني في الكبير، حديث 8886، 9/ 200، ونقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله عز وجل من التوحيد (1/ 476)

([48])   ابن أبي شيبة في المصنف: (12366)، وابن سعد في الطبقات: (3/433)، والحاكم في  المستدرك: (3/ 206)، وأورده الذهبي في العلو: ص71.

([49])   ابن خزيمة في التوحيد: ص 237، والإمام أحمد في المسند: (6/ 456)، وفي فضائل الصحابة: (1500)، وابن سعد: (3/ 434)، وابن أبي شيبة في المصنف: (12368)، والحاكم في المستدرك: (3/306)، والطبراني في الكبير: (6/14)، وابن أبي عاصم في السنة: (2/246)

([50])   ابن جرير في تفسيره: (29/59)

([51])   الحاكم في مستدركه: (2 / 442)، وابن جرير في تفسيره: (25/7)

([52])   رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد: ص 198، والآجري في الشريعة: ص 494، وعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة: ص 35، والبيهقي في الأسماء والصفات: ص 557- 558.

([53])   أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية: ص 45، وعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة: ص 48، 49، والذهبي في العلو: ص 28. قال الذهبي: هذا حديث مشهور وافر الطرق.

([54])   الدارمي في الرد على بشر المريسي: ص 347، أحمد في مسنده: (1/ 281- 282، 295- 296)

([55])     اجتماع الجيوش الإسلامية (53).

([56])    مجموع الفتاوى (4/ 184)

([57])   زاد المعاد 3/677-682 .

([58])   زاد المعاد 3/677-682 .

([59])   زاد المعاد 3/677-682 .

([60])    بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (3/ 242)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *