الجهة.. والمكان

الجهة.. والمكان

يرى أصحاب الرؤية التنزيهية لله ـ بتوجهاتهم المختلفة العقلية والذوقية ـ أن الله تعالى أعظم من أن يشار إليه، أو أن تكون له جهة تحصره، أو مكان يحده.. فالله أعظم وأجل وأقدس من ذلك كله.

ذلك أن مجرد اعتباره في جهة حد لعظمته، وتقييد لإطلاقه، وحبس له في عالم الحدود والقيود والجسمية.

ومجرد اعتباره في مكان حصر له، بل قول بإمكانية تعدده.. فمن حدد فقد عدد.

والعقل السليم يقول بهذا، كما تقول به النصوص المقدسة، وكما يقول به أرباب الأرواح الطاهرة الذين تجلت على صفحات قلوبهم الصافية حقائق العرفان في أبهى صورها.

وأولهم أهل بيت النبوة والطهارة الذين وردت عنهم النصوص الكثيرة في تنزيه الله عن الجهة والمكان، ومنها ما روي عن الإمام علي من قوله: (إنّ اللّه جلّ وعزّ أيّن الأين فلا أين له، وجلّ عن أن يحويه مكان…) ([1])، وقال: (كان الله ولا مكان) ([2])

وروي عن الإمام جعفر الصادق قوله: (ولا يوصف [عزّ وجلّ] بكيف ولا أين…، كيف أصفه بأين وهو الذي أيّن الأين حتّى صار أيناً، فعرفت الأين بما أيّنه لنا من الأين) ([3])

و سُئل: أين كان ربّنا قبل أن يخلق سماءً أو أرضاً؟ فقال: (أين سؤال عن مكان، وكان الله ولا مكان) ([4])

وسئل: فهو [عزّ وجلّ] في كلّ مكان؟ أليس إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض؟! وإذا كان في الأرض كيف يكون في السماء؟! فأجاب: (إنّما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل عن مكان، واشتغل به مكان، وخلا منه مكان، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه. فأمّا الله العظيم الشأن المَلِك الديّان فلا يخلو منه مكان، ولا يشتغل به مكان، ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان) ([5])

وسئل الإمام الكاظم: لأيّ علّة عرج الله بنبيه صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء، ومنها إلى سِدرَة المنتهى، ومنها إلى حجب النور، وخاطبه وناجاه هناك، والله لا يوصف بمكان؟ فقال: (إنّ الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان، ولا يجري عليه زمان، ولكنّه عزّ وجلّ أراد أن يشرّف به ملائكته وسكّان سماواته ويكرمهم بمشاهدته، ويريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه، وليس ذلك على ما يقول المشبّهون، سبحان الله وتعالى عما يشركون) ([6])

وهكذا قال كل منزهة الأمة.. وسنقتبس هنا للدلالة العقلية على هذا كلام رجل جمع بين علوم الحديث والكلام والتصوف، لنرى أن اعتقاد الجهة مطلب للخيال للعقل، وأن النصوص المقدسة تقدس الله من أن تحده الجهات، أو يحل في الأماكن.

وهذا العلم هو الشيخ يوسف النبهاني الذي كتب رسالة في الرد على المجسمة في هذا المجال سماها (رفع الاشتباه في استحالة الجهة على الله) يقول فيها: (فكما أنه تعالى ليس لذاته المقدسة جهات ليس هو في جهة أحد من المخلوقات، قد تنزه عن جميع السفليات والعلويات من الأمكنة والأزمنة والأرضين والسموات، كلها نسبتها إليه تعالى نسبة واحدة، وهي أنها مخلوقاته وهو خالقها أوجدها بعد أن لم تكن من العدم المحض، وهو تعالى كان موجوداً قديماً ولا سماء ولا أرض، وهو عز وجل قبل خلقها وبعد خلقها هو الله القديم العظيم المتصف بكل الكمالات المنزه عن جميع أوصاف الحادثات لم تتجدد له تعالى بعد خلقها أوصاف لم تكن له من قبل خلقها.. وإذا كان الأمر كذلك فكيف تختص به تعالى جهة دون جهة؟ ويقال إنه في جهة العلو والفوق، وهذه الجهات إنما حدثت بعد خلق المخلوقات؟)([7])

ثم ذكر أن حصر الله في الجهات مقولة تجسيمية لم يقل بها أحد من المنزهة من هذه الأمة، قال: (إذا علمت ذلك فقد تبين وظهر ظهوراً جلياً أن هذه العقيدة، وهي تنزيه الله تعالى عن أن تحصره جهة من الجهات العلويات والسفليات هي العقيدة الإسلامية الصحيحة التي تليق بكمال الله تعالى، وهي عقيدة معظم الأمة المحمدية من أهل المذاهب الثلاثة وبعض الحنابلة وسادتنا الصوفية وهي التي تقتضيها الكمالات الإلهية وتؤيدها الإدراكات العقلية والنقلية، ولمن خالفهم وإن قلوا مستند وهو تمسكهم بظواهر النصوص بدون تدقيق ولا تحقيق، ولا تفكر بما يليق بالكمالات الإلهية وما لا يليق، فحكموا عليه تعالى بأنه في جهة العلو وفي جهة الفوق، ولم يبالوا بأن الجهات إنما هي من أوصاف الحادثات وقبل أن يخلقها تعالى لم يكن هنالك جهات إذ لا علويات ولا سفليات ولا شيء وقتئذ من المخلوقات حتى تحيط به تعالى الجهات)([8])

ومن الأدلة العقلية المنطقية التي أوردها قوله: (وأيضاً الجهات هي أمور نسبيات، فقد تكون جهة العلو لمخلوق هي جهة السفل لمخلوق آخر، إذ من المعلوم أن الأرض كروية وفي سائر جهاتها يوجد مخلوقات، فجهة العلو لقوم منهم هي جهة السفل لقوم آخرين، وكذا أجرام السموات المحيطة بالأرض)([9])

هذا مثال عن الأدلة التي يعتمدها المنزهة في مواجهة المجسمة.. وإلا فإن القضية من البداهة بحيث لا تحتاج إلى دليل يدل عليها.

وكيف تحتاج إلى الدليل والقرآن الكريم واضح في الدلالة عليها، فالله تعالى يقول: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [البقرة: 115]

فهذه الآية الكريمة كافية في الدلالة على استحالة الجهة على الله، وهي تحصن الأمة من الوقوع فيما وقعت فيه الأمم قبلها من التجسيم، وقد نقل الفخر الرازي عن بعضهم قوله في مناسبة نزولها لتغيير القبلة: (.. لأن اليهود والنصارى كل واحد منهم قال: إن الجنة له لا لغيره، فرد الله عليهم بهذه الآية لأن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لأنهم اعتقدوا أن الله تعالى صعد السماء من الصخرة، والنصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى عليه السلام إنما ولد هناك على ما حكى الله ذلك.. فكل واحد من هذين الفريقين وصف معبوده بالحلول في الأماكن ومن كان هكذا فهو مخلوق لا خالق، فكيف تخلص لهم الجنة وهم لا يفرقون بين المخلوق والخالق)([10])

والله تعالى يذكر في آيات كثيرة أن له معية وحضورا مع كل شيء، وهو ما يكفي لنفي الجهة عن الله، ومن أمثلتها قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7]، وقوله تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُم} [النساء 108]، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}[الحديد 4]، وقوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} [التوبة 40]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق 16]، وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف 84]، وقوله تعالى: {وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام3].

وقد كانت هذه الآيات وأمثالها من الآيات التي يستعملها المتكلمون المنزهة لإيقاع المجسمة في الحرج، لأنهم إما أن يقولوا بمقتضياتها، فينفوا الجهة عن الله، وينفوا معها الجسمية ومقتضياتها، وإما أن يصرفوها عن ظاهرها، وحينها يتخلون عن اعتبارهم التأويل تعطيلا.

يقول إمام الحرمين الجويني: (ومما يجب الاعتناء به معارضة الحشوية بآيات يوافقون على تأويلها حتى إذا سلكوا مسلك التأويل عورضوا بذلك السبيل فيما فيه التنازع. فمما يعارَضون به قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ } [الحديد: 4] فإن راموا إجراء ذلك على الظاهر حلوا عقدة إصرارهم في حمل الاستواء على العرش على الكون عليه، والتزموا فضائح لا يبوء بها عاقل، وإن حملوا قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ }على الإحاطة بالخفيات فقد تسوغوا التأويل)([11])

وهكذا نجد الأحاديث الصحيحة الموافقة للمعقول والمنقول، والتي لم تتلطخ بتشويهات المجسمة والمحرفة تنص على هذا، ففي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال للصحابة لما رأى رفعهم لأصواتهم بالذكر: (أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً قريباً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)([12])

لكن مع كل هذا، فإن لأصحاب الرؤية التجسيمية موقفا مختلفا تماما، وهو موقف ينطلق من تغليب التصور على التعقل أولا.. ثم من ضرب بعض النصوص ببعض.. بالإضافة إلى عدم استطاعتهم رمي كل الثروة الحديثية الكبرى التي جاءهم بها كعب الأحبار وأصحابه.. بالإضافة لأبعاد أخرى سبق ذكرها.

وسنحاول هنا، ومن خلال المصادر المعتمدة لدى هذا الفريق أن نبين التصورات العقدية لهذه المسألة الخطيرة، وعلاقتها بالمصادر المقدسة.. وعلاقتها بعد ذلك بالعقل، وبما يقوله العلم.

الجهة:

يعتبر السلفية تحديد [جهة الله] من أعظم المسائل العقدية، ولهذا يقومون بامتحان الناس على أساسها، فمن أثبت الجهة اعتبروه مؤمنا وموحدا وسنيا، ومن خالفهم فيها اعتبروه جهميا ومعطلا وكافرا.

بل قد نقلوا إجماع الأمة على ذلك، وهو يدل على أنهم لا يعتبرون الأمة غيرهم.. فمن عداهم من الأمة من المتكلمين والصوفية وغيرهم من المنزهة لا يعتبرونهم ـ بسبب عدم قولهم بالجهة ـ من هذه الأمة، فضلا عن اعتبارهم من أهل السنة.

يقول أحد متقدميهم، وهو قتيبة بن سعيد (150-240 هـ): (هذا قول الائمة في الإسلام والسنة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال جل جلاله:الرحمن على العرش استوى)، وقد علق عليه الذهبي بقوله: (فهذا قتيبة في إمامته وصدقه قد نقل الإجماع على المسألة، وقد لقي مالكا والليث وحماد بن زيد، والكبار وعمر دهرا وازدحم الحفاظ على بابه)([13])

وقال ابن بطة العكبري (304-387 هـ) في كتابه المشهور [الإبانة عن شريعة الفرقة والناجية]: (باب الإيمان بأن الله على عرشه بائن من خلقه وعلمه محيط بخلقه: أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله تبارك وتعالى على عرشه فوق سمواته بائن من خلقه وعلمه محيط بجميع خلقه، ولا يأبى ذلك ولا ينكره إلا من انتحل مذاهب الحلولية وهم قوم زاغت قلوبهم واستهوتهم الشياطين فمرقوا من الدين وقالوا: إن الله ذاته لا يخلو منه مكان)([14])

وقال أبو عمر الطلمنكي الأندلسي (339-429 هـ) في كتابه (الوصول إلى معرفة الأصول): (أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله: وهو معكم أينما كنتم. ونحو ذلك من القرآن: أنه علمه، وأن الله تعالى فوق السموات بذاتـه مستو على عرشه كيف شاء)([15])

وقال أبو نصر السجزي (ت 444 هـ) في كتابه الإبانة: (فأئمتنا كسفيان الثوري ومالك وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وعبد الله بن المبارك وفضيل بن عياض واحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي متفقـون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش وأن علمه بكل مكان وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء فمن خالف شيئا من ذلك فهو منهم بريء وهم منه براء)([16])

وقال ابن عبد البر (ت 463 هـ) في التمهيد بعد ذكر حديث النزول: (وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على عرشه من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم إن الله عز وجل في كل مكان وليس على العرش)([17])

وقال: (أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا انهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله) ([18])

وغيرها من النصوص التي يواجهون بها المنزهة، بل يواجهون بها النصوص المقدسة التي تنزه الله عن الجهة وجميع مقتضياتها.

وهم لا يكتفون بنقل الإجماع على المسألة، وعدم اعتبار من ورد عنه خلافها، وهم أكثر الأمة، بل يضيفون إلى ذلك ما تعودوا عليه من تكفير المنكر لها، والتحريض عليه.

يقول ابن خزيمة (ت 311 هـ): (من لم يقل بأن الله فوق سمواته، وأنه على عرشه، بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة)، وقال: (من لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى، فوق سبع سمواته فهو كافر حلال الدم، وكان ماله فيئا) ([19])

وقد نقل ابن تيمية الإجماع على ما قاله ابن خزيمة، حيث قال في (درء تعارض العقل والنقل): (وجواب هذا أن يقال القول بأن الله تعالى فوق العالم معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.. ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك، لأنه عندهم معلوم بالاضطرار من الدين)([20])

وقال في (مجموع الفتاوى) كعادته في نقل إجماع أهل الملل والنحل: (وقد اجتمع أهل الأديان مع المسلمين على أن الله تعالى على العرش، وقالوا هم ليس على العرش شىء وقال محمد بن اسحاق بن خزيمة امام الأئمة من لم يقل: إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب فان تاب والا ضربت عنقه ثم ألقى على مزبلة لئلا يتأذى به اهل القبلة ولا أهل الذمة…)([21])

وقال الشيخ سليمان بن سحمان في (كشف الشبهتين): (وإذا كان أعداء الله الجهمية، وعباد القبور قد قامت عليهم الحجة، وبلغتهم الدعوة، منذ أعصار متطاولة، لا ينكر هذا إلا مكابر، فكيف يزعم هؤلاء الجهلة أنه لا يقال لأحدهم: يا كافر، ويا مشرك، ويا فاسق، ويا متعور، ويا جهمي، ويا مبتدع وقد قام به الوصف الذي صار به كافراً، أو مشركاً، أو فاسقاً، أو مبتدعاً وقد بلغته الحجة، وقامت عليه، مع أن الذي صدر من القبورية الجهمية هؤلاء لم يكن من المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على الإنسان فَيُتَوقَّف في حال أحدهم، لكن قد علم بالضرورة من دين الإسلام أن من جحد علوا الله على خلقه، وأنكر صفاته ونعوت جلاله أنه كافر معطل لا يشك في ذلك مسلم، فكيف يظن بالإخوان أنهم يقولون للمسلم يا سني: يا جهمي، وليس كذلك، أو يا كافر أو يا مبتدع)([22])

وقال: (وإذا أنكر هذا الصنف علو الله على خلقه فهم كفار لأن الله تعالى في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل ومن زعم أن الاستواء بمعنى الاستيلاء أو القدرة على الأشياء كما تقوله الجهمية فقد جحد علو الله على خلقه لأن الله مستول على الأشياء كلها وقادر عليها فلو كان مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء وهو عز وجل مستول على الأشياء كلها لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار لأنه قادر على الأشياء مستول عليه وإذا كان قادرا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقولوا إن الله مستو على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص العرش دون الأشياء كلها وقد كان من المعلوم بالضرورة أن الاستواء هو العلو والارتفاع على العرش وعلى جميع المخلوقات فمن زعم أن الاستواء بمعنى الاستيلاء أو غير ذلك من تفاسير الجهمية فقد جحد علو الله على خلقه واستواءه على عرشه ولا ينفعه الإقرار بلفظ الاستواء على العرش مع جحود معناه وصرفه عن ظاهره وما يليق به إلى ما لا يليق به، فإذا تبين لك هذا علمت أن هذا الصنف هم جهال المقلدين للجهمية وأنه لا خلاف في تكفيرهم)([23])

وقال: (إذا عرفت هذا فمسألة علو الله على خلقه من المسائل الجلية الظاهرة ومما علم بالضرورة فإن الله قد وضحها في كتابه وعلى لسان رسوله وهي مما فطر الله عليها جميع خلقه إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته واتبع هواه وأخلد إلى الأرض وكلام شيخ الإسلام إنما يعرفه ويدريه من مارس كلامه وعرف أصوله فإنه قد صرح في غير موضع أن الخطأ والجهل قد يغفرا لمن لم يبلغه الشرع ولم تقم عليه الحجة في مسائل مخصوصة إذ اتقى الله ما استطاع واجتهد بحسب طاقته وأين التقوى وأين الاجتهاد الذي يدعيه عباد القبور والداعون للموتى والغائبين والمعطلون للصانع عن علوه على خلقه واستواءه على عرشه ونفى أسماءه وصفات كماله ونعوت جلاله والقرآن يتلى في المساجد والمدارس والبيوت ونصوص السنة النبوية مجموعة مدونة معلومة الصحة والثبوت)([24])

وهذه النصوص وحدها كافية في الدلالة على تكفير السلفية لمخالفيهم من جميع الأمة الإسلامية من أشاعرة وماتريدية ومعتزلة فضلا عن الشيعة والإباضية وغيرهم.. لأن هؤلاء جميعا يقولون بنفي الجهة عن الله تعالى.

والعجيب أننا لو طبقنا هذه الأحكام على المدرسة السلفية لوجدنا أنها تكفر نفسها بذلك، لأن الله بحسب الروايات التي يتبنونها ليس دائما في حال علو.. فهو ينزل إلى السماء الدنيا، بل ينزل إلى الأرض.. وبذلك تصير الشمس والقمر وغيرها من الكواكب فوقه كما سنرى في الفصل الخاص بالتنقل والحركة.

بل إنهم يروون حديثا ورد فيه: (والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله)([25])، وقد استعمل أعلام المدرسة السلفية كل ألوان التأويل والاحتيال لتوجيه هذا الحديث لينسجم مع العلو، ولعل آخرها ما ذكره الشيخ محمد بن صالح العثيمين عند ذكره للحديث، فقد قال: (هذا الحديث اختلف العلماء في تصحيحه، والذين قالوا: إنه صحيح يقولون: إن معنى الحديث لو أدليتم بحبل لوقع على الله عز وجل لأن الله تعالى محيط بكل شيء، فكل شيء هو في قبضة الله سبحانه وتعالى وكل شيء فإنه لا يغيب عن الله تعالى، حتى إن السماوات السبع والأرضين السبع في كف الرحمن عز وجل كخردلة في يد أحدنا.. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون دالاً على أن الله سبحانه وتعالى في كل مكان، أو على أن الله تعالى في أسفل الأرض السابعة فإن هذا ممتنع شرعاً، وعقلاً، وفطرة، لأن علو الله سبحانه وتعالى قد دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والإجماع، والعقل، والفطرة)([26])

وقبله قال ابن تيمية: (حديث الإدلاء الذي روي من حديث أبي هريرة وأبي ذر رضي الله عنهما قد رواه الترمذي وغيره من حديث الحسن البصري عن أبي هريرة وهو منقطع فإن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ولكن يقويه حديث أبي ذر المرفوع ؛ فإن كان ثابتا فمعناه موافق لهذا ؛ فإن قوله: (لو أدلي أحدكم بحبل لهبط على الله) إنما هو تقدير مفروض ؛ أي لو وقع الإدلاء لوقع عليه لكنه لا يمكن أن يدلي أحد على الله شيئا ؛ لأنه عال بالذات وإذا أهبط شيء إلى جهة الأرض وقف في المركز ولم يصعد إلى الجهة الأخرى لكن بتقدير فرض الإدلاء يكون ما ذكر من الجزاء. فهكذا ما ذكره السائل: إذا قدر أن العبد يقصده من تلك الجهة كان هو سبحانه يسمع كلامه وكان متوجها إليه بقلبه لكن هذا مما تمنع منه الفطرة ؛ لأن قصد الشيء القصد التام ينافي قصد ضده ؛ فكما أن الجهة العليا بالذات تنافي الجهة السفلى فكذلك قصد الأعلى بالذات ينافي قصده من أسفل وكما أن ما يهبط إلى جوف الأرض يمتنع صعوده إلى تلك الناحية – لأنها عالية – فترد الهابط بعلوها كما أن الجهة العليا من عندنا ترد ما يصعد إليها من الثقيل فلا يصعد الثقيل إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط فكذلك ما يهبط من أعلى الأرض إلى أسفلها – وهو المركز – لا يصعد من هناك إلى ذلك الوجه إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط إلى المركز)([27])

إلى آخر كلامه، وهو يدل على الصورة المشوهة التي يحملونها على الكون وعن موقع الأرض فيه، والتي عبر عنها ابن تيمية بقوله: (ومن علم أن الأفلاك مستديرة وأن المحيط الذي هو السقف هو أعلى عليين وأن المركز الذي هو باطن ذلك وجوفه ـ وهو قعر الأرض ـ هو سجين واسفل سافلين علم من مقابلة الله بين أعلى عليين وبين سجين)([28])

فالأرض وفق هذه الرؤية هي المركز.. وفوقها السموات السبع، وفوقها العرش، وفوقها الله سبحانه وتعالى..

يقول التويجري شارحا التصور الفلكي للكون وفق الرؤية السلفية: (وقد جعل الله تبارك وتعالى الأرض مركزاً ومستقراً للأثقال من جميع جهاتها. فلو سقط من السماء شيء ثقيل من أي جهة كانت لما استقر إلا في الأرض. وكذلك ما يسقط من الأثقال مما بين السماء والأرض فمقره الأرض. وقانون الجاذبية للأثقال ينتهي إلى المركز في جوف الأرض وهو وسط الأرض السابعة السفلى)([29])

ثم نقل عن ابن كثير قوله ـ بعد أن ساق عدة أحاديث في إثبات سبع أرضين ـ: (فهذه الأحاديث كالمتواترة في إثبات سبع أرضين والمراد بذلك أن كل واحدة فوق الأخرى والتي تحتها في وسطها عند أهل الهيئة حتى ينتهي الأمر إلى السابعة وهي صماء لا جوف لها وفي وسطها المركز وهي نقطة مقدرة متوهمة وهو محط الأثقال إليه ينتهي ما يهبط من كل جانب إذا لم يعاوقه مانع) ([30])

ونقل عن ابن تيمية قوله: (إذا أهبط شيء إلى جهة الأرض وقف في المركز ولم يصعد إلى الجهة الأخرى)([31])، وقوله: (ما يهبط من أعلى الأرض إلى أسفلها وهو المركز لا يصعد من هناك إلى ذلك الوجه إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط إلى المركز) ([32])، وقوله: (أهل الهيئة يقولون لو أن الأرض مخروقة إلى ناحية أرجلنا وألقي في الخرق شيء ثقيل كالحجر ونحوه لكان ينتهي إلى المركز حتى لو ألقي من تلك الناحية حجر آخر لالتقيا جميعاً في المركز ولو قدر أن إنسانين التقيا في المركز بدل الحجرين لالتقت رجلاهما ولم يكن أحدهما تحت صاحبه بل كلاهما فوق المركز) ([33])

ولهذا تجد المدرسة السلفية تشتد على من يخالف هذه الرؤية، بل تقول بتكفيره.

يقول التويجري بعد نقله النقول الكثيرة عن ابن تيمية وغيره: (ولما ظهر أهل الهيئة الجديدة في آخر القرن العاشر من الهجرة وما بعده وهم كوبرنيك البولوني وهرشل الإنكليزي وأتباعهما من فلاسفة الإفرنج أصحاب الرصد والزيج الجديد أظهروا خلاف ما كان عليه المسلمون فقالوا إن الشمس ساكنة لا تتحرك أصلا وإنها مركز العالم وأن الأرض والنجوم تدور عليها وقد قلدهم في ذلك كثير من ضعفاء البصيرة من العصريين فخالفوا ما كان عليه جماعة المسلمين منذ زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى زماننا، وهؤلاء ينبغي أن يوضح لهم الحق الذي جاء به القرآن والسنة فمن أصر منهم بعد ذلك على المخالفة فهو كافر حلال الدم والمال لأنه قد عاند الحق على بصيرة وأصر على تكذيب الله تعالى وتكذيب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم)([34])

بعد هذا الكم الكبير من التبديع والتكفير والتحريض على المخالفين للسلفية في هذه المسألة نبحث عن مصادرهم النقلية التي استدعت منهم كل هذا الكم من الشدة.

وعند البحث عنها نجدها لا تعدو نصوصا يمكنهم لو طبقوا عليها مقاييسهم لفهموها الفهم الصحيح..

فلو أنهم طبقوا مع الآيات الكريمة التي يستدلون بها كثيرا، وهي قوله تعالى عن الملائكة عليهم السلام: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50] ما طبقوه في قوله: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل 128] لانتفت المشكلة في أذهانهم، فقد فسروا المعية هنا بمعية النصر والتأييد([35]).

وقال ابن تيمية في قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]: (إن هذه الآية لا تخلو من أن يراد بها قربه سبحانه أو قرب ملائكته كما قد اختلف الناس في ذلك، فإن أريد بها قرب الملائكة: فدليل ذلك من الآية قوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} ففسر ذلك القرب الذي هو حين يتلقى المتلقيان، فيكون الله سبحانه قد أخبر بعلمه هو سبحانه بما في نفس الإنسان، {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} وأخبر بقرب الملائكة الكرام الكاتبين منه، {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} وعلى هذا التفسير تكون هذه الآية مثل قوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف 80]، أما إذا كان المراد بالقرب في الآية قربه سبحانه، فإن ظاهر السياق في الآية دل على أن المراد بقربه هنا قربه بعلمه، وذلك لورود لفظ العلم في سياق الآية {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ}) ([36])

وهكذا يقال في الفوقية، فقد قال من هو أعلم منهم باللغة العلامة الكبير [الزمخشري) في قوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [النحل: 50]: (إن علقته بيخافون، فمعناه: يخافونه أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم، وإن علقته بربهم حالا منه فمعناه: يخافون ربهم عاليا لهم قاهرا، كقوله وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ، وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ)([37])

بالإضافة إلى هذا فهم يؤولون الفوقية نفسها، وفيما يعتبرونه من صفات الله تعالى، وقد سئل الشيخ ابن العثيمين حول قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [الفتح: 10]، فأجاب بقوله: (ينبغي أن نعلم أن التأويل عند أهل السنة ليس مذموماً كله، بل المذموم منه ما لم يدل عليه دليل، وما دل عليه الدليل يسمي تفسيراً، سواء كان الدليل متصلاً بالنص، أو منفصلاً عنه، فصرف الدليل عن ظاهره ليس مذموماً على الإطلاق.. فإذا فهمنا هذا القاعدة وهي أن التأويل الذي قام الدليل عليه ليس مذموماً عرفنا الجواب عن الآية التي ساقها السائل.. فهل الصحابة في صلح الحديبية كانوا يبايعون الله؟ هم في الحقيقة كانوا يبايعون النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة، وذلك في قوله سبحانه: {يبايعونك}، لكن لما كان الرسول مبلغاً عن الله سبحانه صارت مبايعة الرسول كمبايعة الله، وصار الذي يبايعه كأنما يبايع الله، وقوله تعالى: { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } المعلوم أن يد الله حقيقة ليست فوق أيديهم، وأن التي فوق أيديهم عند المبايعة هي يد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لكن الرسول كان مبلغاً عن الله)([38])

وهكذا يقال في جميع الآيات.. والتي ضرب السلفية بعضها ببعض.. فأولوا ما يشتهون، وأثبتوا ما يشتهون، والعجيب أنهم يحلون لأنفسم التأويل، ويسمونه – احتيالا – تفسيرا، أما غيرهم، فلا يحلون له ذلك، بل يكفرونه إن فعل ذلك، ولست أدري من الذي أعطاهم وحرم غيرهم، أو من الذي أحل لهم، وحرم على غيرهم.

هذا من القرآن الكريم.. أما من السنة المطهرة.. فبالإضافة لتلك الأحاديث الكثيرة التي تلقوها من كعب الأحبار ووهبه بن المنبه وغيرهم من مسلمة أهل الكتاب نراهم يستدلون بما يسمونه [حديث الجارية].. وهو الحديث الذي صار ـ بسبب كثرة ترديدهم له ـ وكأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل غيره، أو كأنه آية من القرآن الكريم.

وقد جعل ذلك من فريق التنزيه في هذه الأمة يؤلف الكتب والرسائل في رد الشبه المرتبطة به، ومنها [رسالة تنقيح الفهوم العالية بما ثبت وما لم يثبت في حديث الجارية] للشيخ حسن بن على السقاف، ومنها [رسالة القوافل الجارية بشرح حديث الجارية] للشيخ محمود منصور الداني، ومنها [رسالة دراسة حديث الجارية سندا ومتنا] للدكتور صهيب السقار، وغيرها من الرسائل والكتب.

ونص الحديث ـ كما يستدلون به ـ هو ما رواه مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي قال: (.. وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبل أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعظم ذلك علي، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة)([39])

هذا هو نص الحديث كما يروونه، وهم يحرصون على ألا يرووا الحديث بغير هذه الرواية مع أنه قد ورد بروايات أخرى تتفق مع التنزيه ومع المنهج العام الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتعامل به لتبليغ دين الله.

ولتوضيح ذلك سأسوق هنا روايتين أخريين للحديث، لنجعل ذلك نموذجا عن المنهج الانتقائي الذي يستعمله السلفية لنصرة آرائهم مهما شذت، فقد ورد الحديث بروايتين أخريين غير الرواية التي يهتم بها السلفية.

أما الرواية الأولى: فقد وردت بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله)، وقد رواها مالك وأحمد وغيرهما، ونصها: أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بجارية له سوداء فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت نعم، قال أتشهدين أن محمدا رسول الله؟ قالت نعم، قال أتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعتقها)([40])

وهذا الحديث يتوافق تماما مع غيره من الأحاديث التي تبين أن الهدف الأكبر للأنبياء عليهم الصلاة والسلام هو الدعوة للتوحيد، فلم يرد في أي من النصوص لا القرآن ولا الحديث أن من أهداف دعوة الأنبياء الدعوة إلى أن الله في السماء.

وأما الرواية الثانية، فقد وردت بلفظ (من ربك)، وقد رواها أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان، ونصها: قلت: (يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء قال ادع بها فجاءت، فقال: (من ربك؟ قالت الله، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة)([41])

وهذه الرواية كذلك تتفق مع غيرها من النصوص التي تبين أغراض الرسالة وهي التعريف بالله وبنبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وليس فيها أبدا أن من أغراض الرسالة التعريف بجهة الله ولا مكانه.

ومن الأدلة على ذلك ما رواه البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله)([42])

ومنها ما رواه عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث معاذاً إلى اليمن فقال: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمسَ صلوات في كل يوم وليلة، فإنْ هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)([43])

ومنها ما رواه في [باب كيف يعرض الإسلام على الصبي] من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لابن صياد: (أتشهد أني رسول الله؟)([44])

بالإضافة إلى ذلك كله، فإن إثبات أن قول الجارية ـ كما في الرواية التي يعتمدها السلفية ـ (في السماء) لا يدل على الإيمان، ذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى واليهود ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره كما ورد في الحديث عن عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي يا حصين: كم تعبد اليوم إلهاً؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء)([45])

هذا نموذج عن الانتقائية التي يمارسها السلفية في التعامل مع النصوص المقدسة، فهم يستعملون كل الوسائل والحيل لتطويع النصوص لتصير وفق مقتضيات أهوائهم.

والعجيب أنهم في مثل هذه الأحاديث، والتي ترد بها الروايات المختلفة يعتبرونها مضطربة([46])، واضطرابها يسبب ضعف الاستدلال بها في الفروع فضلاً عن أصول العقيدة.

يقول المحدث الكبير عبد الله بن الصديق: (وقد تصرف الرواة في ألفاظه، فروي بهذا اللفظ كما هنا وبلفظ (من ربك؟) قالت: الله ربي. وبلفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله؟) قالت: نعم، وقد أستوعب تلك الألفاظ بأسانيدها الحافظ البيهقي في السنن الكبرى بحيث يجزم الواقف عليها أن اللفظ المذكور هنا مروي بالمعنى حسب فهم الراوي.. وبهذا ثبت ثبوتا لا شك فيه عندنا حسب قواعد المصطلح وتصريحات أهل الحديث في القديم والحديث اضطراب متن حديث الجارية بحيث لا يمكن التعويل على لفظ من ألفاظه، وأصح أسانيده كما رأيت بلفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله)، فإن كان هناك مجال للترجيح بين هذه الروايات فالرواية الراجحة بلا شك ولا ريب هي رواية (أتشهدين) لأنها الأصح إسنادا، ولأن المعهود من حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الثابت عنه بالتواتر أنه كان يأمر الناس ويختبر إيمانهم بالشهادتين فتكون رواية (أين الله) شاذة)([47])

هذا هو أقوى دليل يستدل به السلفيون على هذه المسألة الخطيرة، وقد رأينا مدى ضعفه، ومخالفته للأصول والقواعد العامة.. ولكنهم كما ذكرنا لا يبالون بضعف الدليل أو قوته.. فالدليل عندهم هو ما ذكره سلفهم،لا ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا ما ذكره القرآن الكريم.. ولا ما دل عليه قبل ذلك العقل والفطرة السليمة.

المكان:

لم يكتف السلفيون بإثبات الجهة لله غير مراعين لما يؤديه ذلك من محالات عقلية ومخالفات نصية.. بل راحوا يثبتون لله تعالى المكان المحدد المضبوط.. ثم راحوا يعتبرون ذلك من أصول العقائد.. ثم راحوا يكفرون كل جاحد لذلك.

وقد ألفوا في مكان الله كما ألفوا في جهته الكثير من الكتب والرسائل، ومنها كتاب [العرش وما ورد فيه] لأبي جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة (ت297هـ)، ومنها ـ وهو أشهرها ـ [كتاب العرش] للذهبي (748هـ)، بالإضافة للرسالة العرشية لابن تيمية.

والمستند الوحيد الذي يستندون إليه في ذلك ـ بالإضافة للأحاديث التي تلقوها من كعب الأحبار وغيره من المجسمة ـ قوله تعالى: {لرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [طه: 5]، وما هو نظير لها.

وهم لذلك يصرحون بأن العرش هو مكان الله، وأنه ما خلقه إلا ليجلس عليه، وقد رووا في ذلك عن أبي رزين العقيلي قوله: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه، قال: (كان في عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء)([48])

ورووا عن سلفهم سليمان التيمي أنه قال: (لو سألت أين الله، لقلت: في السماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل السماء، لقلت: على الماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل الماء، لقلت: لا أعلم، قال أبو عبد الله وذلك لقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ } [البقرة: 255])([49])

وهم يفسرون الاستواء بالقعود والجلوس والتمكن، كما ألف في ذلك أحد أعلامهم الكبار أبو محمد محمود بن أبي القاسم بن بدران الآنمي الدشتي كتابه المعنون بـ [إِثْبَاتِ الْحَدِّ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبِأَنَّهُ قَاعِدٌ وَجَالِسٌ عَلَى عَرْشِهِ]، وقد أورد ـ للبرهنة على ذلك ـ الروايات الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والسلف، ومنها ما رواه عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (يقول الله عز وجل للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده: إني لم أجعل علمي وحكمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان فيكم ولا أبالي)([50])

ومنها ما رواه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يأتوني حتى أمشي بين أيديهم، حتى نأتي باب الجنة، فأستفتح، فيؤذن لي، فأدخل على ربي فأجده قاعداً على كرسي العزة، فأخر له ساجداً)([51])

وفي رواية: (إذا كان يوم القيامة حشر الناس عراة حفاة غرلا، ثم يجلس الله على كرسيه، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب..)([52])

وقد ورد من الروايات أن الله تعالى ـ بحسب معتقد السلف ـ لا يظل جالسا فقط على عرشه، بل يستلقي أحيانا.. وهذا ما يدل على خصائص للعرش الذي يؤمن به السلفية، وهو إمكانية تحوله إلى سرير، وليس مجرد كرسي، كما ورد في الروايات التي يحدثون بها تسميته سريرا.

والرواية هي ما حدثوا به عن عبدالله بن حُنَيْنٍ قال: بينا أنا جالس إذ جاءني قتادة بن النعمان، فقال لي: انطلق بنا يا ابن حنين إلى أبي سعيد الخدري، فإني قد أخبرت أنه قد اشتكى. فانطلقنا حتى دخلناعلى أبي سعيد، فوجدناه مستلقياً رافعاً رجله اليمنى على اليسرى، فسلمنا، وجلسنا. فرفع قتادة بن النعمان يده إلى رِجْلِ أبي سعيد فَقَرَصَهَا قَرْصَةً شديدةً فقال أبو سعيد: سبحان الله يا بن آدم! لقد أوجعني! فقال له: ذلك أردت. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله عز وجل لما قضى خلقه استلقى فوضع إحدى رجليه على الأخرى، وقال: لا ينبغي لأحد من خلقي أن يفعل هذا)، فقال أبو سعيد: لا جرم، والله لا أفعله أبداً([53]).

وبناء على هذا، فقد عرفوا العرش بكونه سريرا، قال ابن كثير في تعريفه للعرش: (هو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم، وهو سقف المخلوقات)([54])

وقال الذهبي- بعد أن ذكر سرر أهل الجنة-: (فما الظن بالعرش العظيم الذي اتخذه العلي العظيم لنفسه في ارتفاعه وسعته، وقوائمه وماهيته وحملته، والكروبيين الحافين من حوله، وحسنه ورونقه وقيمته: فقد ورد أنه من ياقوته حمراء)([55])

وقال ابن قتيبة ـ عند انتقاده للمنزهة ـ: (وطلبوا للعرش معنى غير السرير، والعلماء في اللغة لا يعرفون للعرش معنى إلا السرير، وما عرش من السقوف وأشباهها قال أمية بن أبي الصلت([56]):

مجدوا الله وهو للمجد أهل

  ربنا في السماء أمسى كبيرا

بالبناء الأعلى الذي سبق الن

   اس وسوى فوق السماء سريرا

شرجعا لا يناله بصر العي

   ن ترى دونه الملائك صورا

وهم لا يكتفون بأمثال تلك الروايات لتفسير الاستواء بالقعود والجلوس، بل يضيفون إليها أقوال المتأخرين من سلفهم الصالح، ومن ذلك ما رواه الخلال عن أبي بكر المروذي قال: سمعت عبدالوهاب يقول: {الرحمن على العرش استوى} قال: (قعد)([57])

ثم ساق النصوص التي تزكي عبد الوهاب، وتبين أهليته للكلام في العقائد الكبرى، فذكر أنه قيل للإمام أحمد بن حنبل: من نسأل بعدك؟ فقال: سل عبد الوهاب.. وذكر أن الإمام أحمد نفسه قال: عبدالوهاب أهل يُقْتَدَى به، عافا الله عبدَالوهاب، عبدُالوهابِ إمامٌ، وهو موضعٌ للفتيا.. وأنه قيل له: كلما أجاب عبدُالوهاب في شيء تقبله؟ قال: (سبحان الله! الناس يختلفون في الفقه، هو موضع).. وأنه قال: (عبدالوهاب إمام، وهو رجل صالح، مثلُهُ يُوَفَّقُ لإصابة الحق)([58])

وهم يعتبرون كل تفسير للاستواء بغير هذا المعنى بدعة وتجهما وكفرا.. وقد رووا عن خارجة قوله: (الجهمية كفار، بلغوا نساءهم أنهن طوالق، وأنهن لا يحللن لأزواجهن، لا تعودوا مرضاهم، ولا تشهدوا جنائزهم، ثم تلا: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [طه: 5]، وهل يكون الاستواء إلا بجلوسٍ)([59])

ومع أنه ورد من النصوص عن السلف ما ينفي ما رووه إلا أن السلفية لا يعتبرون السلف سلفا إلا أذا أذعنوا لما يقوله سلفهم الأول كعب الأحبار وإخوانه الذين هم أعلم الناس بالعقائد.. فهم لا يعرفون القرآن فقط، بل يضمون إليه معرفتهم بالكتب السابقة أيضا.

يقول ابن تيمية في رفض ما ورد عن السلف مما يخالف هذا المعتقد: (وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعاً مثل أن الله فوق العرش فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما قصدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك)([60])

وقال في موضع آخر: (وقد فسر الإمام أحمد النصوص التي نسميها متشابهات فبين معانيها آية آية، وحديثاً حديثاً ولم يتوقف فيها هو والأئمة قبله مما يدل على أن التوقف عن بيان معاني آيات الصفات وصرف الألفاظ عن ظواهرها لم يكن مذهباً لأهل السنة وهم أعرف بمذهب السلف، وإنما مذهب السلف إجراء معاني آيات الصفات على ظاهرها بإثبات الصفات له حقيقة، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعاني لا تحرف ولا يلحد فيها)([61])

وهكذا كان موقفهم من الذين حملوا لفظ الاستواء على معناه اللغوي المعروف، والذي يدل عليه السياق، كما قال الشاعر:

قد استوى بشر على العراق  من غير سيف ولا دم مهراق

وقال آخر:

هما استويا بفضلهما جميعاً   على عرش الملوك بغير زور

بل كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [البقرة: 29]، وقال: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11]

والاستواء هنا ـ كما يذكر الفخر الرازي ـ: (ثم استوى إلى السماء من قولهم استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجها لا يلتفت معه إلى عمل آخر، وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج، ونظيره قولهم استقام إليه وامتد إليه، ومنه قوله تعالى: فاستقيموا إليه [فصلت: 6] والمعنى ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها، من غير صرف يصرفه ذلك)([62])

لكن هذا التفسير لا يعجب السلفية، لأن اللغة عندهم هي اللغة الظاهرية فقط التي يفهمها العامي المشبه والمجسم.. لا اللغة التي يفهمها فصحاء العرب وبلغاؤها.

قال ابن عبد البر ـ دفاعا عن الرؤية التجسيمية السلفية ـ: (وأما ادعائهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغالبه أحد ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله عز وجل أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطبتها، مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عبيدة في قوله تعالى {اسْتَوَى} قال: وتقول العرب استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى: أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد”([63]).

بعد هذا، فقد اجتهد محققو السلفية في توضيح كل ما يرتبط بالمكان الذي يوجد فيه العرش، وبناء على ذلك وضعوا خارطة كونية عجيبة، يمكن إرسالها للوكالات الفضائية العالمية لتؤسس من خلالها لعلم فلك أكثر تطورا.

وسأسوق هنا كلام ابن تيمية في تفصيل هذه الخارطة، وذلك في رسالته التي خصصها لهذا الغرض، والتي أجاب فيها على هذه التساؤلات: (ما تقول في العرش هل هو كرى أم لا؟ وإذا كان كرياً والله من ورائه محيط به بائن عنه، فما فائدة أن العبد يتوجه إلى الله تعالى حين دعائه وعبادته، فيقصد العلو دون غيره، ولا فرق حينئذ وقت الدعاء بين قصد جهة العلو، وغيرها من الجهات التي تحيط بالداعي؟ ومع هذا نجد في قلوبنا قصداً يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، وقد فطرنا عليها) ([64])

وقد أجاب ابن تيمية جوابا مفصلا طويلا نقتصر منه على هذا التحقيق البديع، قال: (لا يخلو إما أن يكون العرش كريا كالأفلاك، ويكون محيطاً بها، وإما أن يكون فوقها وليس هو كريا، فإن كان الأول، فمن المعلوم باتفاق من يعلم هذا أن الأفلاك مستديرة كرية الشكل، وأن الجهة العليا هي جهة المحيط، وهي المحدب، وأن الجهة السفلى هو المركز، وليس للأفلاك إلاجهتان:‏ العلو والسفل فقط، وأما الجهات الست فهي للحيوان، فإن له ست جوانب.. لكن جهة العلو والسفل للأفلاك لا تتغير، فالمحيط هو العلو والمركز هو السفل، مع أن وجه الأرض التي وضعها الله للأنام، وأرساها بالجبال، هو الذي عليه الناس والبهائم والشجر والنبات، والجبال والأنهار الجارية، فأما الناحية الأخرى من الأرض فالبحر محيط بها، وليس هناك شيء من الآدميين وما يتبعهم، ولو قدر أن هناك أحداً لكان على ظهر الأرض ولم يكن من في هذه الجهة تحت من في هذه الجهة، ولا من في هذه تحت من في هذه، كما أن الأفلاك محيطة بالمركز، وليس أحد جانبي الفلك تحت الآخر، ولا القطب الشمالي تحت الجنوبى، ولا بالعكس.‏ وإن كان الشمالي هو الظاهر لنا فوق الأرض وارتفاعه بحسب بعد الناس عن خط الاستواء، فما كان بعده عن خط الاستواء ثلاثين درجة مثلاً كان ارتفاع القطب عنده ثلاثين درجة، وهو الذي يسمى عرض البلد، فكما أن جوانب الأرض المحيطة بها وجوانب الفلك المستديرة ليس بعضها فوق بعض ولا تحته، فكذلك من يكون على الأرض من الحيوان والنبات والأثقال لا يقال:‏ إنه تحت أولئك، وإنما هذا خيال يتخيله الإنسان، وهو تحت إضافي؛ كما لو كانت نملة تمشي تحت سقف فالسقف فوقها، وإن كانت رجلاها تحاذيه، وكذلك من علق منكوسا فإنه تحت السماء، وإن كانت رجلاه تلي السماء، وكذلك يتوهم الإنسان إذا كان في أحد جانبي الأرض، أو الفلك أن الجانب الآخر تحته، وهذا أمر لا يتنازع فيه اثنان، ممن يقول:‏ إن الأفلاك مستديرة.. وإذا كان الأمر كذلك، فإذا قدر أن العرش مستدير محيط بالمخلوقات كان هو أعلاها، وسقفها وهو فوقها مطلقا، فلا يتوجه إليه، وإلى ما فوقه الإنسان إلا من العلو، لا من جهاته الباقية أصلا، ومن توجه إلى الفلك التاسع أو الثامن أو غيره من الأفلاك من غير جهة العلو، كان جاهلاً باتفاق العقلاء، فكيف بالتوجه إلى العرش أو إلى ما فوقه وغاية ما يقدر أن يكون كرى الشكل، والله تعالى محيط بالمخلوقات كلها إحاطة تليق بجلاله، فإن السموات السبع والأرض في يده أصغر من الحمصة في يد أحدنا)([65])

إلى آخر أمثال هذه التفاصيل التي يحاول فيها ابن تيمية أن يجمع بين جهة الله ومكانه، ولو على حساب كل ما توصلت إليه المعارف البشرية في كل العلوم.. لأن عقيدة الجهة والمكان هي الأصل الذي يضحى لأجله بكل شيء.

بالإضافة إلى ذلك يتفق السلفية على أن العرش ينتهي على شكل قبة، كما قال ابن تيمية: (وأما العرش فإنه مقبب، لما روي في السنن لأبي داود عن جبير بن مطعم قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعرابي فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس، وجاع العيال،- وذكر الحديث- إلى أن قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله على عرشه، وإن عرشه على سمواته وأرضه، كهكذا)، وقال بأصابعه مثل القبة([66]).. وفي علوه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلاها، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة)([67]).. فقد تبين بهذه الأحاديث أنه أعلى المخلوقات وسقفها، وأنه مقبب)([68])

هذا بالنسبة لوصفهم للعرش وسقفه أما أسفل العرش، فهم يتفقون على أنه موضوع فوق بحر من الماء، وأنه يحمله ملائكة على أشكال حيوانية عجيبة.

ومن تلك الأحاديث التي رووها في الدلالة على ذلك ما رووه عن العباس بن عبد المطلب قال: كنا بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمرت سحابة، فقال: تدرون ما هذه، قالوا: سحاب، قال: والمزن، قا لوا: والمزن، قال: والعنان، ثم قال: تدرون كم بعد ما بين السماء والأراضين، قالوا: لا، قال: إما واحدة أو اثنتين أو ثلاث وسبعين سنة، ثم السماء فوق ذلك، حتى عد سبع سموات، ثم فوق السابعة بحر بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك كله ثمانية أملاك أوعال، ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء،، ثم فوق ظهورهم العرش بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، والله تعالى فوق ذلك)([69])

وعلى الرغم من الغرابة الشديدة لهذا الحديث إلا أن ابن تيمية انتصر له انتصارا شديدا، ومما قاله في الانتصار له: (إن هذا الحديث قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والإثبات مقدم على النفي، والبخاري إنما نفى معرفة سماعه من الأحنف، ولم ينف معرفة الناس بهذا، فإذا عرف غيره كإمام الأئمة ابن خزيمة ما ثبت به الإسناد، كانت معرفته وإثباته مقدما على نفي غيره وعدم معرفته)([70])

بل انتصر له كل المعاصرين يقول ابن جبرين: (فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف على نفله وقبوله ولم يتعرضوا لرده ولا تأوله ولا تشبيهه ولا تمثيله)([71])

ومع هذا، فقد نقلوا في روايات أخرى أن حملة العرش كانو بصور أخرى.. وهي (ملك في صورة رجل، وملك في صورة ثور، وملك في صورة أسد، وملك في صورة نسر)([72])، ورووا عن ابن الكواء أنه قال لعلي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين إن في كتاب الله لآية قد أفسدت علي قلبي، وشككتني في ديني، فقال له أمير المؤمنين: (ويحك يابن الكواء، وما هذه الآية التي أفسدت عليك قلبك وشككتك في دينك؟ فقال له ابن الكواء: قول الله تعالى: {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور: 41]، ما هذه الصلاة؟ وما هذا الصف؟ وما هذا التسبيح؟ فقال له أمير المؤمنين: يابن الكواء إن الله تعالى خلق الملائكة في صور شتى، وإن لله ملكا في صورة ديك أشهب، براثنه في الأرض السفلى السابعة، وعرفه مثنى تحت عرش الرحمن، له جناح بالمشرق من نار، وجناح بالمغرب من ثلج، فإذا حضر وقت كل صلاة قام على براثنه، وأقام عرفه تحت العرش، ثم صفق بجناحيه كما تصفق الديكة في منازلكم، فلا الذي من النار يذيب الثلج، ولا الذي من الثلج يطفئ الذي من النار، ثم نادى بأعلى صوته: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وأشهد أن محمدا خير النبيين، فتسمعه الديكة في منازلكم فتصفق بأجنحتها فتقول كنحو من قوله، فهو قول الله عز وجل في كتابه: {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور: 41])([73])

ورووا عن رسول الله قوله: (العرش على ملك من لؤلؤة في صورة ديك رجلاه في التخوم السفلى وعنقه مثنية تحت العرش، وجناحاه في المشرق والمغرب فإذا سبح الله ذلك الملك لم يبق شيء إلا سبح)([74])

ولم تكتف المدرسة السلفية بتلك الجرأة على الحديث عن العوالم التي خلقها الله من خلال أمثال تلك الروايات الغريبة الممتلئة بالتجسيم والتشبيه والخرافة، بل راحت تضيف إلى العقائد الإسلامية عقيدة خطيرة، لا يوجد عليها دليل لا من كتاب ولا سنة ولا عقل.. وهي ما يسمونه [المكان العدمي]

وهو من الألفاظ العجيبة التي اخترعها ابن تيمية، وتبعه عليها أتباعه من غير وعي منهم للمحالات العقلية التي ترتبط بها.. فكيف يكون مكانا، ثم يكون معدوما.. أو كيف تكون جهة، ثم تكون معدومة؟

قال ابن تيمية: (وإن أريد بما يتوجه منه أو يتوجه إليه ما يراد بالحيز الذي هو تقدير المكان فلا ريب أن هذا عدم محض)([75])، وقال: (بل يجب في سائر الذوات المتحيزة أن يكون لكل منها تحيز يخصه وهو قدره ونهايته التي تحيط به، ويلزمه الحيز الذي هو تقدير المكان وهو عدمي)([76])

وقد تبعه على هذا القول كل أتباعه من السلفية غير مدركين لمعنى المقولة، يقول العثيمين: (كذلك أيضا: الجهة: هل الله في جهة؟ نقول: أما اللفظ فإننا نتوقف فيه ومالنا وله، ولكن المعنى نستفصل: ماذا تريد في جهة؟ إن أردت الله تعالى في جهة تحيط به إحاطة الظرف بالمظروف فهذا ممتنع وباطل، وإن أردت بذلك سفل ومخالطة للمخلوقات فهذا أيضا باطل ممتنع على الله، فليس الله تعالى في جهة السفل، وليس في جهة تحيط به إحاطة الظرف بالمظروف، وإن أردت أنه في جهة عليا عدمية لا تحيط به، ما ثم إلا هو عزو وجل فهذا حق)([77])

ومثله قال محمد صديق خان القنوجي: (فإن قال القائل: إن الله في جهة قيل له: ما تريد بذلك؟ أتريد أنه سبحانه في جهة موجودة تحصره وتحيط به مثل أن يكون في جوف السموات، أم تريد بالجهة أمرا عدميا وهو ما فوق العلم فإنه ليس فوق العالم شيء من المخلوقات، فإن أردت الجهة الوجودية، وجعلت الله محصورا في المخلوقات، فهذا باطل، وإن أردت الجهة العدمية وأردت أن الله وحده فوق المخلوقات بائن عنها فهذا حق)([78])

ويقول ابن أبي العز: (وإن أريد بالجهة أمر عدمي، وهو ما فوق العالم، فليس هناك إلا الله وحده، فإذا قيل إنه في جهة بهذا الاعتبار فهو صحيح)([79])

هذه هي الرؤية العقدية للمدرسة السلفية المرتبطة بالجهة والمكان.. وقد سقنا أشهر أدلتهم عليها، وهي ـ كما رأينا ـ أيناأ لا تستحق منهم كل تلك الأحكام المتشددة حول المخالفين لهم فيها.


([1])     بحار الأنوار، ج 57، باب 1، ح 63، ص 83.

([2])     الإرشاد، الشيخ المفيد: ج 1، ص 201.

([3])     الكافي، ج 1، ، ح 12، ص 103 ـ 104. التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 8 ، ح 14، ص 111 ـ 112.

([4])     الكافي، ج 1، ح 5، ص 89 ـ 90. التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 28، ح 4، ص 170.

([5])     التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 36، ح 3، ص248..

([6])     التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 28، ح 5، ص 170.

([7])     رفع الاشتباه في استحالة الجهة على الله.

([8])     رفع الاشتباه في استحالة الجهة على الله.

([9])     رفع الاشتباه في استحالة الجهة على الله.

([10])     مفاتيح الغيب (4/ 19)

([11])   الإرشاد 161.

([12])     البخاري 13/372 ح 7386.

([13])     مختصر العلو 187، درء تعارض العقل والنقل 6/260، بيان تلبيس الجهمية 2/37.

([14])     الإبانة 3/ 136.

([15])     درء التعارض 6/250، الفتاوى 5/189، بيان تلبيس الجهمية 2/38، مختصر العلو 264.

([16])     درء التعارض 6/250 ونقل الذهبي كلامه هذا في السير 17/ 656.

([17])     فتح البر بترتيب التمهيد 2/ 7 –48.

([18])     فتح البر بترتيب التمهيد 2/ 7 –48.

([19])     انظر درء التعارض 6/ 264.

([20])     درء تعارض العقل والنقل (7/27)

([21])     مجموع الفتاوى (5/138).

([22])     كشف الشبهتين (ص: 31)

([23])     تمييز الحق والمين  ص 139وما بعدها.

([24])     تمييز الحق والمين  ص144.

([25])     رواه الترمذي في كتاب التفسير (3298 ).

([26])     مجموع فتاوى ورسائل محمد بن صالح العثيمين ( 1/ 89).

([27])     الرسالة العرشية (ص: 27)

([28])     مجموع الفتاوى [ 25/ 196ـ 197].

([29])     الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة (ص: 59).

([30])     الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة (ص: 59).

([31])     الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة (ص: 59).

([32])     الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة (ص: 59).

([33])     الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة (ص: 59).

([34])     الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة (ص: 98).

([35])   مجموع الفتاوى (11/250)، و(5/104).

([36])   الفتاوى (6/19-20).

([37])     الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (2/ 610)

([38])     مجموع فتاوى و رسائل الشيخ محمد صالح العثيمين المجلد الأول – باب الأسماء والصفات.

([39])     مسلم: 1/381 (537.

([40])     الموطأ: [ 2/777 ] أحمد في مسنده [مسند أحمد 3/451 ] و مصنف عبد الرزاق [ 9/175 ] والمنتقى لابن الجارود [1/234(931) ].

([41])     ابن حبان في صحيحه: 1/418(189)، والإمام أحمد في مسنده: 4/222 و388 و389، وأبو داود في سننه: ص 477 (3283)،  وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 2\322 (  3283 )

([42])     صحيح البخاري1/17(25)

([43])     صحيح البخاري 2/505(1331).

([44])     صحيح البخاري ( 6 / 171 ).

([45])     سنن الترمذي5/519(3483).

([46])     قال الحافظ النووي في التقريب معرفا الحديث المضطرب: ( المضطرب: هو الذي يروى على أوجه مختلفة متقاربة، فإن رجحت إحدى الروايتين بحفظ راويها أو كثرة صحبته المروي عنه أو غير ذلك فالحكم للراجحة، ولا يكون مضطربا والاضطراب يوجب ضعف الحديث لإشعاره بعدم الضبط ويقع في الاسناد تارة وفي المتن أخرى، وفيهما من راو أو جماعة)

وقال الحافظ ابن دقيق العيد في الاقتراح: (المضطرب: هو ما روي من وجوه مختلفة. وهو أحد أسباب التعليل عندهم، وموجبات الضعف للحديث)

([47])     التمهيد: ( 7 / 135 ).

([48])     رواه الترمذي في سننه، (5/288، حديث 3109)، وابن ماجه في سننه: (1/ 64)، والإمام أحمد في مسنده: (4/ 11، 12)، وابن أبي عاصم في السنة (1/ 271)، وابن جرير الطبري في تفسيره: (12/ 4)، قال الترمذي: حديث حسن، والحديث أورده الذهبي في العلو، وحسن إسناده..

([49])     خلق أفعال العباد: ص 127.

([50])     رواه الطبراني في المعجم الكبير(2/84).

([51])   رواه الحافظ خشيش بن أصرم في كتاب الاستقامة والرد على أهل الأهواء، وعنه: الملطي في التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع (ص/104)، ورواه أحمد في المسند(3/116)، ومحمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة(1/274)، وأبو أحمد العسال في كتاب المعرفة -كما في العلو للذهبي(ص/87-88) ـ قال الذهبي: إسناده قوي.

([52])     الإمام أحمد في مسنده(3/495)، والبخاري في خلق أفعال العباد(ص/59)، وفي الأدب المفرد(970)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني(4/79)، والروياني في مسنده(2/471)، والحاكم(4/574) وغيرهم، وفيه-واللفظ للروياني-

([53])   التكملة من المعجم الكبير(19/13)، ورواه عنه أبو نعيم في معرفة الصحابة (رقم5320)، وابن أبي عاصم في السنة(رقم458)، والبيهقي في الأسماء والصفات(رقم766)، وأبو نصر الغازي في جزء من الأمالي (77/1)

([54])      البداية والنهاية: 1/12.

([55])     العلو، ص57.

([56])     الاختلاف في اللفظ: ص. 24.

([57])   انظر: بيان تلبيس الجهمية(1/435).

([58])   انظر: طبقات الحنابلة(1/211)

([59])   رواه عبدالله بن الإمام أحمد في السنة (رقم10)، ومن طريقه الخلال في السنة (رقم1704)، وابن بطة في الإبانة(ص1224)

([60])   الفتوى الحموية (ص64)

([61])   مجموع الفتاوى (17/414)

([62])     مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (27/ 546).

([63])   التمهيد (7/131)

([64])     الرسالة العرشية (ص: 3)

([65])     الرسالة العرشية (ص: 21) بتصرف.

([66])     أبوداود (4726)

([67])     البخاري (4/19)

([68])     الفتاوى: (5/ 151)

([69])     رواه وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الجهمية: (5/ 93)، والدارمي في الرد على بشر المريسي: ص 448..

([70])     الفتاوى (3/192)، ومثله مال تلميذه ابن القيم إلى تصحيحه، انظر: تهذيب التهذيب: (7/ 92، 93).

([71])   وهو عبد الله الجبرين في التعليقات على متن لمعة الاعتقاد 84

([72])   رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد: ص 198، والآجري في الشريعة: ص 494 ..

([73])     العرش وما روي فيه لابن أبي شبية (ص: 448)

([74])   أورده السيوطي في الحبائك: ص 59، و 68، وعزاه إلى ابن مردويه والديلمي في مسند الفردوس.

([75])   تلبس الجهمية: 2/119.

([76])   تلبس الجهمية: 2/203.

([77])    شرح العقيدة السفارينية، ص 101.

([78])    قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر،  ص 52.

([79])     شرح العقيدة الطحاوية، ص221.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *