التوهم.. لا التعقل

التوهم.. لا التعقل

الركن الرابع الذي يقوم عليه بنيان العقل السلفي هو [التوهم] بدل التعقل، ونعني به ما يسميه الفلاسفة وعلماء النفس القدامى غلبة القوة الوهمية على القوة العقلية.

ولنفهم هذا المعنى جيدا، لارتباطه بتحليل العقل السلفي، فإننا ننقل هنا ـ باختصار ـ ما ذكره فلاسفة المسلمين وغيرهم عند ذكرهم لأنواع القوى التي تتميز بها أصناف النفوس، ومعها تتميز أصناف العقول، ذلك أننا من خلال تنزيل ما ذكروه على العقل السلفي وجدنا تحليلا علميا منطقيا متوافقا مع القرآن الكريم أولا، ومع الواقع العقلي السلفي ثانيا.

وسنشرح ذلك هنا ببعض التبسيط.. فقد ذكروا أن للنفس الإنسانية أربع قوى([1]): قوة عقلية ملكية، وقوة غضبية سبعية، وقوة شهوية بهيمية، وقوة وهمية شيطانية..

وذكروا أن من شأن (القوة الأولى)، وهي القوة العقلية الملكية: إدراك حقائق الأمور، والتمييز بين الخيرات والشرور، والأمر بالأفعال الجميلة، والنهي عن الصفات الذميمة.

وأما (القوة الثانية)وهي القوة الغضبية السبعية، فهي موجبة لصدور أفعال السباع من الغضب والبغضاء، والتوثب على الناس بأنواع الأذى والتعنيف ونحوها.

وأما (القوة الثالثة)، وهي القوة الشهوية البهيمية، فلا يصدر عنها إلا أفعال البهائم من الحرص على الشهوات المختلفة، والرغبة الشديدة فيها، واختصار مقاصد الحياة في تحصيلها.

وأما (القوة الرابعة) وهي القوة الوهمية، فذكروا أن من شأنها استنباط وجوه المكر والحيل، والتوصل إلى الأغراض بالتلبيس والخدع.. وذكروا أن من خصائص هذه القوة إدراك المعاني الجزئية، واستنباط الحيل والدقائق التي يتوصل بها إلى المقاصد الصحيحة..

ثم ذكروا أن هذه القوة تستخدم ثلاثة قوى موجودة في الإنسان هي: (الواهمة والخيال والمتخيلة)، وذكروا أن وظيفة القوة الأولى أي الواهمة إدراك المعاني الجزئية، ووظيفة القوة الثانية أي الخيال إدراك الصور، وظيفة القوة الثالثة أي المتخيلة التركيب والتفصيل بينهما.

والفلاسفة المسلمون يربطون هذه الأنواع الثلاثة للقوى بأنواع النفوس المذكورة في القرآن الكريم: فـ (ما ورد في القرآن من النفس المطمئنة واللوامة والأمارة بالسوء، إشارة إلى القوى الثلاث: العاقلة والسبعية والبهيمية.. فإذا غلبت قوتها العاقلة على الثلاث الأخر، وصارت منقادة لها مقهورة منها، وزال اضطرابها الحاصل من مدافعتها سميت مطمئنة، لسكونها حينئذ تحت الأوامر والنواهي، وميلها إلى ملائماتها التي تقتضي جبلتها، وإذا لم تتم غلبتها وكان بينها تنازع وتدافع، وكلما صارت مغلوبة عنها بارتكاب المعاصي حصلت للنفس لوم وندامة سميت لوامة.وإذا صارت مغلوبة منها مذعنة لها من دون دفاع سميت أمارة بالسوء لأنه لما اضمحلت قوتها العاقلة وأذعنت للقوى الشيطانية من دون مدافعة، فكأنما هي الآمرة بالسوء) ([2])

وليبسطوا هذه المعاني، فقد شبهوا اجتماع هذه القوى في الإنسان باجتماع حكيم وكلب وخنزير وشيطان في مربط واحد.وكان بينها منازعة، وأيها صار غالبا كان الحكم له، ولم يظهر من الأفعال والصفات إلا ما تقتضيه جبلته.

وضربوا مثلا آخر على ذلك (براكب بهيمة طالب للصيد يكون معه كلب وعين من قطاع الطريق، فالراكب هو العقل، والبهيمة هي الشهوة، والكلب هو الغضب، والعين هو القوة الوهمية التي هي من جواسيس الشيطان، فإن كان الكل تحت سياسة الراكب فعل ما يصلح للكل ونال ما بصدده، وإن كانت الغلبة والحكم للبهيمة أو الكلب لهلك الراكب بذهابه معهما فيما لا يصلح له من التلال والوهاد، واقتحامه في موارد الهلكات وإن كان الكل تحت نهي العين وأمره، وافتتنوا بخدعه ومكره لأضلهم بتلبيسه عن سواء السبيل حتى يوصلهم إلى أيدي السارقين.وكذلك لو كانت القوى بأسرها تحت إشارة العقل وقهرها وغلب عليها وقعت لانقيادها له المسالمة والممازجة بين أكل، وصار الجميع كالواحد، لأن المؤثر والمدبر حينئذ ليس إلا قوة واحدة تستعمل كلا منها في المواضع اللائقة والأوقات المناسبة، فيصدر عن كل منها ما خلق لأجله، على ما ينبغي من القدر والوقت والكيفية، فتصلح النفس وقواها)([3])

انطلاقا من هذا التحليل للنفس الإنسانية وأنواع القوى الموجودة فيها، نرى من خلال الأدلة الكثيرة التي سنسوق بعضها هنا غلبة القوة الوهمية على القوة العقلية في النفس السلفية.. كما سنرى في الفصل التالي غلبة القوة البهيمية على هذه النفس حين فسرت الدين تفسيرا حسيا، وجعلت كل همها من الحياة الحصول على النعيم الحسي في الآخرة.. كما غلبت القوة السبعية على هذه النفس ـ كما سنرى في الفصل السادس من هذا الكتاب ـ حين راحت تمارس كل أصناف التكفير والتضليل والتبديع والعنف باسم الدين، وهي في الحقيقة لم تفعل ذلك إلا من السبع الذي يسكن عقلها وقلبها وجميع لطائفها.

وما ذكره الفلاسفة وعلماء النفس القدامى يوافق تماما ما ذكره القرآن الكريم عن أسلاف السلفية من اليهود، فقد ذكر تغليبهم للقوة الوهمية الحسية على قواهم العقلية التجريدية، ولذلك راحوا كل حين يطلبون إلها حسيا يرضي وهمهم وخيالهم ومداركة الحسية، كما قال تعالى عنهم: ﴿ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: 153]

فهذه الآية الكريمة تختصر مطالب العقل الوهمي الذي لا يؤمن إلا بالمحسوس الملموس، ولهذا سأل هؤلاء رسول الله k أن ينزل عليهم كتابا حسيا يرونه لا مجرد كلمات يرددها، وقد ذكرهم الله تعالى بأن هذا ليس غريبا عنهم، فقد سأل أجدادهم موسى عليه السلام أن يريهم الله جهرة، فلما لم يفعل اتخذوا العجل ليكون بديلا عن إلههم الذي لم يروه.

وهذا نفس ما حصل في هذه الأمة بسبب تتلمذ العقل السلفي على العقل اليهودي، حيث أن هؤلاء رغبوا عن التنزيه القرآني المتعلق بالله، والذي يغلب عليه التنزيه والتعظيم والتسليم لله، وإدراك أن الله أعظم من أن يدرك أو يحاط به، وأن العجز عن المعرفة هو المعرفة نفسها.. لأن المطلق لا يمكن تحديده، والكامل لا يمكن توصيفه.

لكن هؤلاء رغبوا عن ذلك، وراحوا يتعلقون بما تمليه عليهم قواهم الوهمية الحسية، بل وصل بهم الأمر إلى إنكار وجود ما لم يخضع لقواهم الوهمية، فصاروا بذلك مثل فرعون الذي قال: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: 38]

بل إنهم فعلوا ذلك حين نراهم كل حين يشيدون بمعرفة فرعون بالله، وأنه أعلم من منزهة المسلمين، فقد قال أبو أحمد الكرجي: (قوله إخبارًا عن فرعون ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، حجة على من يزعم أن الله بنفسه في الأرض؛ حال في كل مكان، وينكر كينونته بنفسه في السماء وعلمه في الأرض. إذ محال أن يقول فرعون هذا القول إلا وقد دلّـه موسى -صلى الله عليه- أن إلهه في السماء دون الأرض. فإن كان فرعون أنكر كينونته في السماء وثبته في الأرض فقد وافق القوم فرعون في قوله. وإن كان أنكره في السماء والأرض معًا فقد خالفوا موسى -صلى الله عليه – مع خلافهم لجميع الأنبياء والناس، وأهل الملل كافة سواهم. ولا أعلم في الأرض باطلا إلا وهذا أوحش منه، نعوذ بالله من الضلالة)([4])

وقال سعد بن علي الزنجاني في شرح قصيدته في السنة: (وأخبر عن فرعون أنه قال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ وكان فرعون قد فهِم عن موسى أنه يُثبت إلهًا فوق السماء حتى رام بصرحه أن يطلع إليه، واتهم موسى بالكذب في ذلك، ومُخالفنا ليس يعلم أن الله فوقه بوجود ذاته فهو أعجز فهمًا من فرعون)([5])

وهكذا نرى أئمتهم في استدلالاتهم العقلية مع المخالفين لهم من المنزهة ينطلقون مما تمليه هذه القوة الوهمية، فقد قال عبدالعزيز الكناني (240 هـ) ـ كما ينقل ابن تيمية ـ:(قال لي أحد الجهمية: أقول: إن الله في كل مكان لا كالشيء في الشيء، ولا كالشيء على الشيء، ولا كالشيء خارجاً عن الشيء، ولا مبايناً للشيء، فقلت: فقد دللت بالقياس والمعقول على أنك لا تعبد شيئاً)([6])

وقد علق عليه ابن تيمية بقوله: (فهذا عبدالعزيز يبين أن القياس والمعقول يوجب أن ما لا يكون في الشيء ولا خارجاً عنه – فإنه لا يكون شيئاً، وأن ذلك صفة معدوم)([7])

ومثله قال الذهبي (748 هـ): (.. ومقالة الجهمية الأولى أنه في جميع الأمكنة، ومقالة متأخري المتكلمين من المعتزلة والماتريدية والأشعرية أن الله تعالى ليس في السماء ولا على العرش ولا على السماوات ولا في الأرض ولا داخل العالم ولا خارج العالم ولا هو بائن عن خلقه ولا هو متصل بهم.. قال لهم أهل السنة والأثر: فإن هذا السلوب نعوت المعدوم تعالى الله جل جلاله عن العدم، بل هو متميز هن خلقه موصوف بما وصف به نفسه في أنه فوق العرش بلا كيف)([8])

وقال ابن القيم: (إن كل من أقر بوجود رب للعالم، مدبر له، لزمه الإقرار بمباينته لخلقه، وعلوه عليهم، فمن أقر بالرب، فإما أن يقر بأن له ذاتا وماهية مخصوصة أو لا، فإن لم يقر بذلك، لم يقر بالرب، فإن ربا لا ذات له، ولا ماهية له، هو والعدم سواء، وإن أقر بأن له ذاتا مخصوصة وماهية، فيما أن يقر بتعينها أو يقول: إنها غير معينة، فإن قال: إنها غير معينة كانت خيالا في الذهن لا في الخارج، فإنه لا يوجد في الخارج إلا معينا، لا سيما وتلك الذات أولى من تعيين كل معين، فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها، وأن يوجد لها نظير، فتعيين ذاته سبحا نه واجب. وإذا أقر بأنها معينة لا كلية، والعالم مشهود معين لا كلي، لزم قطعامباينة أحد المتعينين للآخر، فإذا لم يباينه لم يعقل تميزه عنه وتعينه. فإن قيل: هو يتعين بكونه لا داخلا فيه، ولا خارجا عنه. قيل: هذا- والله- حقيقة قولكم، وهو عين المحال، وهو تصريح منكم بأنه لا ذات له، ولا ماهية تخصه، فإنه لو كان له ماهية يختص بها لكان تعينها لماهيته وذاته المخصوصة، وأنتم إنما جعلتم تعيينه أمرا عدميا محضا، ونفيا صرفا، وهو كونه لا داخل العالم ولا خارجا عنه، وهذا التعيين لا يقتضي وجوده مما به يصح على العدم المحض. وأيضا، فالعدم المحض لا يعين المتعين، فإنه لا شيء، وإنما يعينه ذاته المخصوصة وصفاته، فلزم- قطعا- من إثبات ذاته تعيين تلك الذات، ومن تعيينها مباينتها للمخلوقات، ومن المباينة العلو عليها، لما تقدم من تقريره)([9])

وهم ينقلون عن الإمام أحمد قوله: (إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله تعالى حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان. فقل له: أليس كان الله ولا شيء؟ فسيقول: نعم. فقل له: حين خلق الشيء هل خلقه في نفسه، أم خارجا عن نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل: واحد منها: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه، كفر حين زعم أنه خلق الجن والشياطين وإبليس في نفسه. وإن قال: خلقهم خارجا عن نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا- أيضا- كفرا حين زعم أنه في كل مكان وحش قذر رديء. وإن قال خلقهم خارجا عن نفسه. لم لم يدخل فيهم، رجع عن قوله كله أجمع)([10])

فالتأمل في هذه النصوص وغيرها يرينا استعمال العقل السلفي لقواه الوهمية في محاولة إدراك الحقائق الكبرى، ولهذا نراهم وقعوا في تجسيم الله وتشبيهه بخلقه.

بل إن ابن تيمية يحاول بكل ما أوتي من قوة المنطق أن يبرهن على ضرورة أن يكون الله جسما حتى يكون موجودا.. فالوجود عنده يقتضي الجسمية، يقول في ذلك:(فالمثبتة يعلمون بصريح العقل امتناع أن يكون موجوداً معيناً مخصوصاً قائماً بنفسه ويكون مع ذلك لا داخل العالم ولا خارجه، وأنه في اصطلاحهم لا جسم ولا عرض ولا جسم ولا متحيز، كما يعلمون أنه يمتنع أن يقال إنه لا قائم بنفسه ولا قائم بغيره.. فإنك إذا استفسرتهم عن معنى التحيز ومعنى الجسم فسروه بما يعلم أنه الموصوف بأنه القائم بنفسه. ولهذا لا يعقل أحد ما هو قائم بنفسه إلا ما يقولون هو متحيز وجسم.. فدعوى المدعين وجود موجود ليس بمتحيز ولا جسم ولا قائم بمتحيز أو جسم مثل دعواهم وجود موجود ليس قائما بنفسه ولا قائما بغيره.. ومن قيل له هل تعقل شيئاً قائماً بنفسه ليس في محل وهو مع هذا ليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز ومع هذا إنه لا يجوز أن يكون فوق غيره ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا أمامه ولا وراءه وأنه لا يكون مجامعا له ولا مفارقا له ولا قريبا منه ولا بعيدا عنه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا مماسا له ولا محايثا له وأنه لا يشار إليه بأنه هنا أو هناك ولا يشار إلى شيء منه دون شيء ولا يرى منه شيء دون شيء ونحو ذلك من الأوصاف السلبية التي يجب أن يوصف بها ما يقال إنه ليس بجسم ولا متحيز لقال حاكماً بصريح عقله هذه صفة المعدوم لا الموجود)([11])

وهكذا يضعنا ابن تيمية وأصحابه من أعلام المدرسة السلفية بين أمرين: إما أن نجسم الله، أو نقول بعدمه.. فالوجود عندهم قاصر على الأجسام.. وهو نفس ما قاله فرعون والملاحدة واليهود.

بل إن ابن تيمية يطبق جميع أوصاف الأجسام على كل الموجودات، لا يفرق في ذلك بين الله سبحانه وتعالى واجب الوجوب، وبين الممكنات التي خلقها، فيقول: (الوجه السادس أن يقال ما عُلم به أن الموجود الممكن والمحدث لا يكون إلا جسما أو عرضا أو لا يكون إلا جوهرا أو جسما أو عرضا أو لا يكون إلا متحيزاً أو قائما بمتحيز أو لا يكون إلا موصوفا أو لا يكون إلا قائما بنفسه أو بغيره يُعلم به أن الموجود لا يكون إلا كذلك.. فإن الفطرة العقلية التي حكمت بذلك لم تفرق فيه بين موجود وموجود ولكن لما اعتقدت أن الموجود الواجب القديم يمتنع فيه هذا أخرجته من التقسيم لا لأن الفطرة السليمة والعقل الصريح مما يخرج ذلك ونحن لم نتكلم فيما دل على نفي ذلك عن الباري فإن هذا من باب المعارض وسنتكلم عليه وإنما المقصود هنا بيان أن ما به يعلم هذا التقسيم في الممكن والمحدث هو بعينه يعلم به التقسيم في الموجود مطلقا)([12])

وهم لا يكتفون بتحكيم قواهم الوهمية في الحقائق الدينية، بل راحوا يستعملون هذه القوة في إنكارهم للحقائق العلمية، والتي اتفق عليها عليها كل علماء وعقلاء العالم بعد بحوث طويلة.

ومن الأمثلة المشهورة على ذلك ما ذكره ابن باز في كتابه المسمى بـ (الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب)، وهو من مطبوعات الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة، فمن أهم الأدلة التي استعملها لإثبات سكون الأرض وعدم حركتها الدليل الحسي الوهمي، فقد قال: (وكما أن هذا القول الباطل – يقصد ثبوت الشمس ودوران الأرض- مخالف للنصوص فهو مخالف للمشاهد المحسوس ومكابرة للمعقول والواقع لم يزل الناس مسلمهم وكافرهم يشاهدون الشمس جارية طالعة وغاربة، ويشاهدون الأرض قارة ثابتة، ويشاهدون كل بلد وكل جبل في جهته لم يتغير من ذلك شيء، ولو كانت الشمس تدور كما يزعمون لكانت البلدان والجبال والأشجار والأنهار والبحار لا قرار لها، ولشاهد الناس البلدان المغربية في المشرق، والمشرقية في المغرب، ولتغيرت القبلة على الناس حتى لا يقرّ لها قرار، وبالجملة فهذا القول فاسد من وجوه كثيرة يطول تعدادها)([13])

ويقول متحدثا عن تجربته الحسية في هذا: (وأنا من جملة الناس الذين شاهدوا سير الشمس وجريانها في مطالعها ومغاربها قبل أن يذهب بصري وكان سني حين ذهاب بصري تسعة عشر عاما، وإنما نبهت على هذا ليعلم القراء أني ممن شاهد آيات السماء والأرض بعيني رأسه دهرا طويلا)([14])

ثم إنه لا يكتفي بذكره لرأيه في المسألة، بل هو يستعمل القوة السبعية في التعامل مع المخالف لرأيه، فيقول: (وكل من تصور هذا القول يعرف بطلانه وفساد قول صاحبه، وأنه بعيد عن استعمال عقله وفكره، قد أعطى القياد لغيره كبهيمة الأنعام، فنعوذ بالله من القول عليه بغير علم ونعوذ بالله من التقليد الأعمى الذي يردي من اعتنقه وينقله من ميزة العقلاء إلى خلق البهيمة العجماء)([15])

بل يذهب إلى أخطر من ذلك، فيقول: (فمن زعم خلاف ذلك، وقال إن الشمس ثابتة لا جارية، فقد كذّب الله وكذّب كتابه الكريم.. ومن قال هذا القول فقد قال كفرا وضلالا لأنه تكذيب لله، وتكذيب للقرآن وتكذيب للرسول k لأنه عليه الصلاة والسلام قد صرح في الأحاديث الصحيحة أن الشمس جارية وأنها إذا غربت تذهب وتسجد بين يدي ربها تحت العرش كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أبي ذر وكل من كذب الله سبحانه أو كذب كتابه الكريم أو كذب رسوله الأمين عليه الصلاة والسلام فهو كافر ضال مضل يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرا مرتدا ويكون ماله فيئا لبيت مال المسلمين كما نص على مثل هذا أهل العلم)([16])

هذه نماذج عن استعمال العقل السلفي للتوهم أو القوة الوهمية في الحقائق الدينية والحقائق الكونية، وتطويعه للنصوص المقدسة لذلك، وسنرى من خلال العنوانين التاليين تفاصيل أسباب ذلك وأدلته.

أولا ـ التوهم والحقائق الدينية:

يستعمل السلفية التوهم بأدواته المختلفة في تفسير لجميع الحقائق الدينية خلافا لسائر المسلمين.. وهم في ذلك يشبهون اليهود والوثنيين وأصحاب الديانات البدائية.

فكل المسلمين ـ مثلا ـ يؤمنون بالملائكة ـ إجمالا ـ باعتبارهم مخلوقات خاصة لا يمكن إدراك ذاتها أو تصورها على حقيقتها، باعتبارها من عالم آخر مختلف عنا تماما، فلذلك نكتفي بالتسليم لما ورد في القرآن الكريم في حقها، ونمتلئ بالتعظيم لها لأجل ذلك.. يقينا منا بأن العقل لا يستطيع أن يتعرف ـ تفصيلا ـ إلا على ما هو من جنسه، أو ما هو في حدود مداركه، كما قال الغزالي: (فإذا يستحيل أن يعرف الله تعالى بالحقيقة غير الله، بل أقول يستحيل أن يعرف النبي غير النبي، وأما من لا نبوة له فلا يعرف من النبوة إلا اسمها، وأنها خاصية موجودة لإنسان بها يفارق من ليس نبيا، ولكن لا يعرف ماهية تلك الخاصية إلا بالتشبيه بصفات نفسه.. بل أزيد وأقول لا يعرف أحد حقيقة الموت وحقيقة الجنة والنار إلا بعد الموت ودخول الجنة أو النار لأن الجنة عبارة عن أسباب ملذة ولو فرضنا شخصا لم يدرك قط لذة لم يمكننا أصلا أن نفهمه الجنة تفهيما يرغبه في طلبها، والنار عبارة عن أسباب مؤلمة ولو فرضنا شخصا لم يقاس قط ألما لم يمكننا قط أن نفهمه النار فإذا قاساه فهمناه إياه بالتشبيه بأشد ما قاساه وهو ألم النار، وكذلك إذا أدرك شيئا من اللذات فغايتنا أن نفهمه الجنة بالتشبيه بأعظم ما ناله من اللذات وهي المطعم والمنكح والمنظر فإن كان في الجنة لذة مخالفة لهذه اللذات فلا سبيل إلى تفهيمه أصلا إلا بالتشبيه بهذه اللذات فكيف يتعجب المتعجبون من قولنا: لم يحصل أهل الأرض والسماء معرفة من الله تعالى إلا على الصفات والأسماء ونحن نقول لم يحصلوا من الجنة إلا على الصفات والأسماء وكذلك في كل ما سمع الإنسان اسمه وصفته وما ذاقه وما أدركه ولا انتهى إليه ولا اتصف به)([17])

لكن العقل السلفي لا يرضى بالاكتفاء بالتعقل، بل يحتاج ليؤمن إلى التوهم والتصور والتخيل، فلذلك راح يرسم في كتبه العقدية صورا كثيرة لعالم الملائكة يمكن لأي رسام ماهر أن يرسمها بدقة، بل يمكن للنحاتين أن يصنعوا منها تماثيل تصور الوثنية السلفية بصورة دقيقة..

ومن الروايات التي رووها في ذلك ما رووا عن العباس بن عبد المطلب قال: كنا بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمرت سحابة، فقال: تدرون ما هذه، قالوا: سحاب، قال: والمزن، قا لوا: والمزن، قال: والعنان، ثم قال: تدرون كم بعد ما بين السماء والأراضين، قالوا: لا، قال: إما واحدة أو اثنتين أو ثلاث وسبعين سنة، ثم السماء فوق ذلك، حتى عد سبع سموات، ثم فوق السابعة بحر بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك كله ثمانية أملاك أوعال، ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء،، ثم فوق ظهورهم العرش بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، والله تعالى فوق ذلك)([18])

وعلى الرغم من الغرابة الشديدة لهذا الحديث إلا أن ابن تيمية انتصر له انتصارا شديدا، ومما قاله في الانتصار له: (إن هذا الحديث قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والإثبات مقدم على النفي، والبخاري إنما نفى معرفة سماعه من الأحنف، ولم ينف معرفة الناس بهذا، فإذا عرف غيره كإمام الأئمة ابن خزيمة ما ثبت به الإسناد، كانت معرفته وإثباته مقدما على نفي غيره وعدم معرفته)([19])

بل انتصر له كل المعاصرين، يقول ابن جبرين: (فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف على نفله وقبوله ولم يتعرضوا لرده ولا تأوله ولا تشبيهه ولا تمثيله)([20])

بالإضافة إلى هذا، فقد نقلوا في روايات أخرى أن حملة العرش كانو بصور أخرى.. وهي (ملك في صورة رجل، وملك في صورة ثور، وملك في صورة أسد، وملك في صورة نسر)، ورووا عن رسول الله k أنه قال: (إن في حملة العرش أربعة أملاك: ملك على صورة سيد الصور وهو ابن آدم، وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد، وملك على صورة سيد الأنعام وهو الثور، قال: فما زال غضبان مذ يوم العجل إلى ساعتي هذه، وملك على صورة سيد الطير وهو النسر)([21])

بل إنهم يصورون لوهمهم كيف خلق الله الملائكة، فيروون عن عبد الله بن عمرو الكيفية التي خلقت بها الملائكة قوله ـ بلغة تجسيمية وثنية ـ: (خلق الله عز وجل الملائكة من نور، وينفخ في ذلك، ثم يقول: ليكن منكم ألف ألفين، فإن من الملائكة خلقا أصغر من الذباب)([22])

بل إنهم في روايات كثيرة يصورون أن خلق الملائكة كان من ماء، ومن ذلك ما رووه عن كعب قال: (لا تقطر عين ملك منهم إلا كانت ملكا يطير من خشية الله عز وجل) قال صفوان: وزاد فيه غيره: (وذلك أنها نطفة خشية، وليست نطفة شهوة، فمن هنالك كثرة الملائكة)([23])

ورووا عن العلاء بن هارون قال: (لجبريل عليه السلام في كل يوم اغتماسة في الكوثر، ثم ينتفض، فكل قطرة يخلق منها ملك)([24])

وهكذا نرى حديثهم عن الله تعالى، فلهذا نراهم ينتقدون بشدة المنهج التنزيهي الذي مارسه المتكلمون والصوفية وكل طوائف الأمة، كما عبر الغزالي عن ذلك بقوله: (فإن قلت فماذا نهاية معرفة العارفين بالله تعالى؟ فنقول: نهاية معرفة العارفين عجزهم عن المعرفة، ومعرفتهم بالحقيقة أنهم لا يعرفونه، وأنه لا يمكنهم البتة معرفته، وأنه يستحيل أن يعرف الله المعرفة الحقيقية المحيطة بكنه صفات الربوبية إلا الله عز وجل، فإذا انكشف لهم ذلك انكشافا برهانيا كما ذكرناه فقد عرفوه أي بلغوا المنتهى الذي يمكن في حق الخلق من معرفته)([25])

لكن السلفية ينكرون هذا، ويرون أن الكمال في إثبات أكبر عدد من صفات الله، والتي يقسمونها إلى قسمين كبيرين ـ كما يقول ابن تيمية ـ: (صفات نقص؛ فهذه يجب تنزيه الله عنها مطلقاً؛ كالموت، والعجز، والجهل، والثاني: صفات كمال؛ فهذه يمتنع أن يماثله فيها شيء)([26])

وهم يرون أن الصفات السلبية إنما تكون كمالاً إذا تضمنت أموراً وجودية، (فلا يوصف الرب من الأمور السلبية إلا بما يتضمن أموراً وجودية، وإلا فالعدم المحض لا كمال فيه، فينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتاً، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال، والعدم المحض ليس بشييء، وما ليس بشييء فهو كما قيل ليس بشييء فضلا عن أن يكون مدحاً وكمالاً، لأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع؛ والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال)([27])

بل إنهم يرون أن في اهتمام المنزهة بالتنزيه، وسلب ما لا يليق بالله سوء أدب مع الله، ذلك أن (النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه، فيه إساءة أدب مع الله سبحانه، فإنك لو قلت لسلطان: أنت لست بزبال ولا كسَّاح ولا حجام ولا حائك لأدبك على هذا الوصف وإن كنت صادقاً، وإنما تكون مادحاً إذا أجملت النفي فقلت: أنت لست مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجل، فإن أجملت في النفي أجملت في الأدب)([28])

ولهذا فإنهم يذمون المنزهة حين (يأتون بالنفي المفصل والإثبات المجمل فيقولون: ليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض إلى آخر تلك السلوب الكثيرة التي تمجها الأسماع وتأنف من ذكرها النفوس والتي تتنافى مع تقدير الله تعالى حق قدره)([29])

وهم يبالغون فيما يسمونه صفات كمال، حيث أنهم لا يكتفون منها بما ورد في الأسماء الحسنى، بل إنهم يحتقرون ذلك، لأن المشركين يشاركونهم فيه، وهم يستدلون بأقوال سلفهم على إيمان المشركين بتلك الكمالات التي يسمونها كمالات معنوية، كما رووا عن مجاهد في تفسير قوله تعالى:﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]: (الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره)([30])، وقال قتادة: (إنك لست تلقى أحداً إلا أنبأك أن الله ربه وهو الذي خلقه ورزقه وهو مشرك في عبادته) ([31])، وقال ابن زيد: (ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله، ويعرف أن الله ربه وأن الله خالقه ورازقه، وهو يشرك به. ألا ترى كيف قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الشعراء: 75-77]، وقد عرف أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون، قال: فليس أحد يشرك به إلا وهو مؤمن به. ألا ترى كيف كانت العرب تلبي تقول: (لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، المشركون كانوا يقولون هذا) ([32])

فهم بدل أن يحملوا هذه النصوص وغيرها على كون هذا الاعتقاد فطريا، وأن الإيمان بهذه المعاني متفق عليه عند البشر جميعا حتى المشركين منهم إلا أننا نراهم يحتقرون هذا النوع من التوحيد، لكون المشركين يشاركونهم فيه.

ولهذا نراهم يركزون بدله على ما يسمونه توحيد الألوهية، والذي من خلاله يكفرون القائلين بالتوسل والاستغاثة وزوار الأضرحة ونحو ذلك.

ويركزون كذلك على توحيد الصفات.. أو الصفات المرتبطة بالذات سواء كانت ذاتية أو فعلية، والتي يقسمونها كما يقسمون صفات الإنسان ذاته.. أو كما يقسمون أعضاءه، وقد رأينا ذلك بتفصيل في كتاب [السلفية والوثنية المقدسة]

بناء على هذا الموقف المبني على التوهم لا على التعقل، راحت قوتهم الوهمية تطوع كل ما عداها من القوى ليصير في خدمتها، فطوعت النقل والعقل لينسجم مع ما تقتضيه أوهامهم.. وسنذكر هنا بعض الأمثلة على هذا التطويع، وتناقضاتهم فيه.

1 ـ تطويع النقل للوهم:

بما أن المنهج السلفي يقوم على اعتقاد عصمة سلفه فيما طرحوه من فهوم حول النصوص القرآنية والأحاديث النبوية.. وبما أن سلفهم من اليهود أو تلاميذ اليهود كانوا مجمعين على التجسيم بكل لوازمه ومقتضياته، فقد راح العقل السلفي يتعامل بانتقائية مع القرآن الكريم والسنة المطهرة، فيؤول ما يشاء منها، ويثبت ما يشاء.

وقد استعانوا بما في القوة الوهمية من قدرة على الاحتيال والخداع، فراح يبدلون الأسماء، ويتصورون أنهم من خلال ذلك يبدل المسميات.

ولهذا سموا ما حمل به المنزهة النصوص المتشابهة على مقتضيات اللغة العربية [تأويلا]، ثم اعتبروه من لوازم التعطيل.. وأفتوا على أساسه بعدم المجاز في القرآن الكريم، كما نقل الذهبي عن الطبري قوله: (القول فيما أدرك علمه من الصفات خبرا وذلك نحو إخباره عزوجل أنه سميع بصير وأن له يدين بقوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64]، وأن له وجها بقوله ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: 27]، وأن له قدما بقول النبي k: (حتى يضع الرب فيها قدمه)، وأنه يضحك بقوله: (لقي الله وهو يضحك إليه)، وأنه يهبط إلى سماء الدنيا لخبر رسول الله k بذلك، وأن له إصبعا بقول رسوله k: (ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن)، فإن هذه المعاني الذي وصفته ونظائرها مما وصف الله به نفسه ورسوله ما لا يثبت حقيقة علمه بالفكر والرؤية لا نكفر بالجهل بها أحدا إلا بعد انتهائها إليه)([33])

فهم يرون أن كل هذه النصوص تحمل على ظاهرها، وأن من جحدها بعد أن أعلم بها جهمي معطل كافر، لكنهم ـ عندما ووجهوا بآيات أخرى كريمة ـ لا تتفق مع توهماتهم التجسيمية سموها ـ من باب الاحتيال ـ [تفسيرا]، واعتبروا ما ورد فيها من مجاز ـ بنوع من الحيل اللفظية ـ ليس مجازا.

ومن الأمثلة على ذلك أن الشيخ ابن العثيمين سئل عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ [الفتح: 10]، فأجاب بقوله: (ينبغي أن نعلم أن التأويل عند أهل السنة ليس مذموماً كله، بل المذموم منه ما لم يدل عليه دليل، وما دل عليه الدليل يسمي [تفسيراً]، سواء كان الدليل متصلاً بالنص، أو منفصلاً عنه، فصرف الدليل عن ظاهره ليس مذموماً على الإطلاق.. فإذا فهمنا هذا القاعدة وهي أن التأويل الذي قام الدليل عليه ليس مذموماً عرفنا الجواب عن الآية التي ساقها السائل.. فهل الصحابة في صلح الحديبية كانوا يبايعون الله؟ هم في الحقيقة كانوا يبايعون النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة، وذلك في قوله سبحانه: ﴿يبايعونك﴾، لكن لما كان الرسول مبلغاً عن الله سبحانه صارت مبايعة الرسول كمبايعة الله، وصار الذي يبايعه كأنما يبايع الله، وقوله تعالى: ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ المعلوم أن يد الله حقيقة ليست فوق أيديهم، وأن التي فوق أيديهم عند المبايعة هي يد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لكن الرسول كان مبلغاً عن الله)([34])

وهكذا يقال في جميع الآيات.. والتي ضرب السلفية بعضها ببعض.. فأولوا ما يشتهون، وأثبتوا ما يشتهون، والعجيب أنهم يحلون لأنفسم التأويل، ويسمونه – احتيالا – تفسيرا، أما غيرهم، فلا يحلون له ذلك، بل يكفرونه إن فعل ذلك، ولست أدري من الذي أعطاهم وحرم غيرهم، أو من الذي أحل لهم، وحرم على غيرهم؟

ومن الأمثلة على ذلك تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16]، بـ (من على السماء) كما عبر عن ذلك الذهبي، فيما نقله عن ابن موهب وأبي الحسن على بن مهدي: (قال أهل التأويل: يريد فوقها، وهو قول مالك مما فهمه عمن أدرك من التابعين مما فهموه عن الصحابة مما فهموه عن النبي k أن الله في السماء، يعني فوقها وعليها)([35])

بل إن الذهبي استدل بعلماء اللغة، في نفس الوقت الذي لا يجيزون فيه للمنزهة أن يستدلوا بما يقوله علماء اللغة، فقد نقل عن الأزهري قوله: (يجوز أن يقال في المجاز هو في السماء لقوله: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) ([36])

وهكذا نرى تأويلهم لقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ ﴾ [المجادلة: 7]، فقد روى الذهبي عن أحمد بن حنبل أنه سئل عن الآية الكريمة، فقال: (قد تجهم هذا، يأخذون بآخر الآية، ويدعون أولها، قرأت عليه ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾ [المجادلة: 7]، فعلمه معهم)([37])

وروى عن المروذي قوله: قلت لأبي عبد الله: إن رجلا قال أقول كما قال الله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: 7]، أقول هذا ولا أجاوزه إلى غيره، فقال: (هذا كلام الجهمية بل علمه معهم فأول الآية تدل على أنه علمه) ([38])

وهكذا نرى ابن بطة ـ مثل غيره من أعلام السلف ـ يذهب لكل ما في النصوص من تنزيه ليؤولها بما يشاء، ثم يذهب لغيرها، والتي يتوافق ظاهرها مع توهمه وتصوره، فيحكم بالقول بظاهرها، ويعتبر المخالف لذلك جهميا معطلا، ومن الأمثلة على ذلك قوله: (واحتج الجهمي بقول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ ﴾ [المجادلة: 7]، فقالوا: إن الله معنا وفينا، واحتجوا بقوله: ﴿ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: 54] وقد فسر العلماء هذه الآية: ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ﴾ [المجادلة: 7]، إنما عنى بذلك علمه.. ولو كان معنى قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: 75]، أنه إنما علم ذلك بالمشاهدة لم يكن له فضل على علم الخلائق، وبطل فضل علمه بعلم الغيب؛ لأن كل من شاهد شيئا وعاينه وحله بذاته، فقد علمه، فلا يقال لمن علم ما شاهده، وأحصى ما عاينه: إنه يعلم الغيب؛ لأن من شأن المخلوق أن لا يعلم الشيء حتى يراه بعينه، ويسمعه بأذنه، فإن غاب عنه جهله، إلا أن يعلمه غيره فيكون معلما لا عالما، والله تعالى يعلم ما في السماوات، وما في الأرض، وما بين ذلك، وهو بكل شيء محيط بعلمه.. وأما قوله: ﴿ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ﴾ [فصلت: 54]، فقد فسر ذلك في كتابه فقال: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق: 12]، فبين تلك الإحاطة: إنما هي بالعلم لا بالمشاهدة بذاته، فبين تعالى أنه ليس كعلمه علم؛ لأنه لا يعلم الغيب غيره، فتفهموا الآن رحمكم الله كفر الجهمي؛ لأنه يدخل على الجهمي أن الله تعالى لا يعلم الغيب، وذلك أن الجهمي يقول: إن الله شاهد لنا وحال بذاته، فسار في كل شيء ذرأه وبرأه، وقد أكذبهم الله تعالى فقال: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [النمل: 65]، فأخبر أنه يعلم الغيب، وقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: 9]، فوصف نفسه تعالى بعلم الغيب والكبر والعلو، ووصفه الجهمي بضد ذلك)([39])

ونقل عن نعيم بن حماد في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ﴾ [المجادلة: 7] كلاما عجيبا مملوءا بالتأويل والتشبيه، حيث قال: (معناها أنه لا يخفى عليه خافية بعلمه، ألا ترى أنه قال في كتابه: ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ﴾ [المجادلة: 7]؟، أراد أنه تعالى لا يخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء، ولا في شيء من خلقه، ولو كان الله شاهدا يحضر منهم ما عملوا، لم يكن في علمه فضل على غيره من الخلائق؛ لأنه ليس أحد من الخلق يحضر أمرا ويشهده إلا علمه، فلو كان الله حاضرا كحضور الخلق من الخلق في أفعالهم لم يكن له في علمه فضل على خلقه، ولكنه تعالى على عرشه كما وصف نفسه لا يخفى عليه خافية خلقه، وإنك لتجد في الصغير من خلق الله أنه ليرى الشيء، وليس هو فيه، وبينه وبينه حائل، فالله تعالى بعظمته، وقدرته على خلقه أعظم ألا ترى أنه يأخذ الرجل القدح بيده وفيه الشراب أو الطعام، فينظر إليه الناظر، فيعلم ما في القدح، والله على عرشه، وهو محيط بخلقه بعلمه فيهم، ورؤيته إياهم، وقدرته عليهم، وإنما دل ربنا تعالى على فضل عظمته، وقدرته أنه في أعلى عليين، وهو يعلم الصغير التافه الحقير الذي هو في أسفل السافلين، أي فليس علمه كعلمهم؛ لأن الخلق لا يعلمون إلا ما يشاهدون، والله عز وجل يتعالى عن ذلك)([40])

بل إنهم يعتبرون هذه التأويلات بما يزينونها بها من استدلالات من القرآن الكريم تفسيرا للقرآن بالقرآن، باعتبار هذا النمط أعلى وجوه التفسير وأصوبها، لكنهم إن ووجهوا باستعمال المنزهة لهذا النمط التفسيري رفضوه منهم، وكأنه لهم الحق وحدهم في استعمال النمط الذي يشاءون، وفي الوقت الذي يشاءون.

بل إنا نراهم ـ وفي أحيان كثيرة، وفي الموضع الواحد ـ يجمعون آيات مختلفة، فيؤولون ما تكون دلالته واضحة، ويثبتون ما يحتاج إلى حمله على المجاز ونحوه، كما فعل أبو القاسم اللالكائي حين قال: (سياق ما روي في قوله تعالى ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5] وأن الله على عرشه في السماء وقال: عز وجل ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]، وقال: ﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكَمُ الْأَرْضَ ﴾ [الملك: 16] وقال: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام: 61] فدلت هذه الآيات أنه تعالى في السماء وعلمه بكل مكان من أرضه وسمائه)([41])

2 ـ تطويع العقل للوهم:

الأصل في العقل الإنساني الحكيم أن يحترم قدره، فلا يتجاوزه، ولا يتدخل فيما لا يعنيه، وفيما لا يطيق فهمه من شؤون الدنيا والآخرة.. لأن خلق الله أعظم من أن يحصر فيما ندركه بحواسنا، أو نتوهمه بأوهامنا.. لكن العقل السلفي المؤسس على الوهم لا يؤمن بذلك، بل يتصور أن في إمكان العقل أن يدرك كل شيء، بل يتصور أنه يمكن أن يدرك الله نفسه.

وهو يستعمل لذلك قياسا غريبا، هو قياس الأولى، وهو قياس وهمي لا يمكن من خلاله التعرف على الكون، فكيف يمكن التعرف على الله.

يقول ابن تيمية في كتابه (الرد على المنطقيين) تحت عنوان [دلالة قياس الأولى في إثبات صفات الكمال]: (وأما قياس الأولى الذي كان يسلكه السلف اتباعا للقرآن فيدل على أنه يثبت له من صفات الكمال التي لا نقص فيها أكمل مما علموه ثابتا لغيره مع التفاوت الذي لا يضبطه العقل، كما لا يضبط التفاوت بين الخالق وبين المخلوق، بل إذا كان العقل يدرك من التفاضل الذي بين مخلوق ومخلوق ما لا يحصر قدره وهو يعلم أن فضل الله على كل مخلوق أعظم من فضل مخلوق على مخلوق كان هذا مما يبين له أن ما يثبت للرب أعظم مما يثبت لكل ما سواه بما لا يدرك قدره فكأن قياس الأولى يفيده أمرا يختص به الرب مع علمه بجنس ذلك الأمر)([42])

ولهذا يرى ابن تيمية وأعلام المدرسة السلفية أن الله سبحانه وتعالى ما دام قد أعطى لعباده بعض الكمالات الحسية، فهو أولى أن يتصف بها، قال ابن تيمية يوضح ذلك: (كل ما ثبت للمخلوق من صفات الكمال فالخالق أحق به وأولى وأحرى به منه لأنه أكمل منه ولأنه هو الذي أعطاه ذلك الكمال، فالخالق أحق به وأولى وأحرى به منه…وعلى هذا فجميع الأمور الوجودية المحضة يكون الرب أحق بها لأن وجوده أكمل ولأنه هو الواهب لها فهو أحق باتصافه بها)([43])

وإلى هنا فإن المعنى مقبول عند جميع المسلمين، فالله سبحانه وتعالى أولى بصفات الكمال من عباده، ولكن ابن تيمية لا يقصد ذلك فقط، بل يقصد التجسيم وما يقتضيه التجسيم، فقد قال بعد ذلك الكلام المقبول بانيا عليه: (وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن كون الموجود قائماً بنفسه أو موصوفاً أو أن له من الحقيقة والصفة والقدر ما استحق به إلا يكون بحيثِ غيره وأن لا يكون معدوماً بل ما أوجب أن يكون قائماً بنفسه مبايباً لغيره وأمثال ذلك هو من الأمور الوجودية باعتبار الغائب فيها بالشاهد صار على هذا الصراط المستقيم، فكل ما كان أقرب إلى الوجود كان إليه أقرب وكلما كان أقرب إلى المعدوم فهو عنه أبعد)([44])

وبذلك فإن ابن تيمية يقع في التشبيه المحض، لأنه يتصور أن الكمال في احتياج الذات إلى حيز ومقدار وأعضاء وغير ذلك مع أن الكمال الحقيقي لا يقتضي ذلك..

وقد أشار الغزالي إلى هذه الأوهام التي ينطلق منها العقل السلفي، فقال ـ عند حديثه عن التفكر في الله ـ: (.. وكذلك النظر إلى ذات الله تعالى يورث الحيرة والدهش واضطراب العقل، فالصواب إذن أن لا يتعرض لمجاري الفكر في ذات الله سبحانه وصفاته، فإن أكثر العقول لا تحتمله بل القدر اليسير الذي صرح به بعض العلماء وهو أن الله تعالى مقدس عن المكان ومنزه عن الأقطار والجهات، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا هو متصل بالعالم ولا هو منفصل عنه، قد حير عقول أقوام حتى أنكروه إذ لم يطيقوا سماعه ومعرفته، بل ضعفت طائفة عن احتمال أقل من هذا إذ قيل لهم إنه يتعاظم ويتعالى عن أن يكون له رأس ورجل ويد وعين وعضو وأن يكون جسما مشخصا له مقدار وحجم، فأنكروا هذا وظنوا أن ذلك قدح في عظمة الله وجلاله حتى قال بعض الحمقى من العوام إن هذا وصف بطيخ هندي لا وصف الإله، لظن المسكين أن الجلالة والعظمة في هذه الأعضاء، وهذا لأن الإنسان لا يعرف إلا نفسه فلا يستعظم إلا نفسه فكل ما لا يساويه في صفاته فلا يفهم العظمة فيه نعم غايته أن يقدر نفسه جميل الصورة جالسا على سريره وبين يديه غلمان يمتثلون أمره فلا جرم غايته أن يقدر ذلك في حق الله تعالى وتقدس حتى يفهم العظمة)([45])

ثم ضرب مثالا بليغا هو أبلغ رد على من يعتبر قياس الأولى في هذا، فقال: (بل لو كان للذباب عقل، وقيل له ليس لخالقك جناحان ولا يد ولا رجل ولا له طيران لأنكر ذلك، وقال: كيف يكون خالقي أنقص مني؟ أفيكون مقصوص الجناح أو يكون زمنا لا يقدر على الطيران؟ أو يكون لي آلة وقدرة لا يكون له مثلها وهو خالقي ومصوري؟)([46])

ثم علق عليه بقوله: (وعقول أكثر الخلق قريب من هذا العقل، وإن الإنسان لجهول ظلوم كفار ولذلك أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه لا تخبر عبادي بصفاتى فينكروني، ولكن أخبرهم عني بما يفهمون) ([47])

ولهذا نرى معاناة المتكلمين مع هذا النوع من العقول، كما روى محمد بن طاهر المقدسي ـ متفاخرا ـ أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس المتكلم الكبير أبي المعالي الجويني المعروف بـ (إمام الحرمين)، (وهو يتكلم في نفي صفة العلو، ويقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان، فقال الشيخ أبو جعفر: يا أستاذ دعنا من ذكر العرش- يعني: لأن ذلك إنما جاء في السمع- أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط: يا ألله، إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف تدفع هذه الضرورة عن قلوبنا، قال: فلطم أبو المعالي على رأسه، وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني)([48])

وهم يذكرون هذا بفخر كبير، ويتصورون أن الهمذاني انتصر على الجويني، وأن لطمه لرأسه دليل على ذلك الانتصار..

وهم يؤسسون لهذا دليلا عقليا آخر يسمونه دليل الفطرة، والذي عبر عنه ابن تيمية بقوله: (علو الخالق على المخلوق وأنه فوق العالم، أمر مستقر في فطر العباد، معلوم لهم بالضرورة، كما اتفق عليه جميع الأمم، إقرارا بذلك، وتصديقا من غير أن يتواطئوا على ذلك ويتشاعروا، وهم يخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون التصديق بذلك في فطرهم، وكذلك هم عندما يضطرون إلى قصد الله وإرادته، مثل قصده عند الدعاء والمسألة، يضطرون إلى توجه قلوبهم إلى العلو، فكما أنهم مضطرون إلى دعائه وسؤاله هم مضطرون إلى أن يوجهوا قلوبهم إلى العلو إليه، لا يجدون في قلوبهم توجها إلى جهة أخرى، ولا استواء الجهات كلها عندها، وخلو القلوب عن قصد جهة من الجهات، بل يجدون قلوبهم مضطرة إلى أن تقصد جهة علوهم دون غيرها من الجهات.فهذا يتضمن بيان اضطرارهم إلى قصده في العلو، وتوجههم عند دعائه إلى العلو، كما يتضمن فطرتهم على الإقرار بأنه في العلو والتصديق بذلك)([49])

والسلفية لا يكتفون بهذه الأنواع من الأدلة العقلية، بل إنهم يضيفون إليها ـ بمعونة من الخداع والحيلة التي يمتلكها العقل التوهمي ـ بعض الجدال الذي يشبه في صورته الجدل الكلامي، ويختلف عنه في الحقيقة.

وقد كان لابن تيمية الحظوة الكبرى بهذا النوع من الجدال حتى عابه عليه الذهبي، فقال في رسالته [بيان زغل العلم والطلب]: (فإن برعت في الأصول وتوابعها من المنطق والحكمة والفلسفة وآراء الأوائل ومحارات العقول، واعتصمت مع ذلك بالكتاب والسُّنّة وأصول السلف، ولفقت بين العقل والنقل، فما أظنك في ذلك تبلغ رتبة ابن تيمية ولا والله تقاربها، وقد رأيتَ ما آل أمره إليه من الحطّ عليه والهجر والتضليل والتكفير والتكذيب بحقّ وبباطل، فقد كان قبل أن يدخل في هذه الصناعة منوَّرًا مضيئًا على مُحَيَّاه سِيْمَا السلف، ثم صار مظلما مكسوفا عليه قتمة عند خلائق من الناس، ودجّالاً أفّاكًا كافرًا عند أعدائه، ومبتدعًا فاضلاً محقّقًا بارعًا عند طوائف من عقلاء الفضلاء) ([50])

ومما جاء فيها قوله ـ يخاطب ابن تيمية ـ: (إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك !.. إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذم العلماء وتتبع عورات الناس مع علمك بنهي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تذكروا موتاكم إلا بخير، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) بلى أعرف أنك تقول لي لتنصر نفسك: (إنما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شموا رائحة الإسلام ولا عرفوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو جهاد).. بلى والله عرفوا خيرا كثيرا مما إذا عمل به العبد فقد فاز وجهلوا شيئا كثيرا مما لا يعنيهم، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.. يا رجل بالله عليك كف عنا فإنك محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام.إياكم والغلوطات في الدين كره نبيك صلى الله عليه وآله وسلم المسائل وعابها ونهى عن كثرة السؤال وقال: (إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان)، وكثرة الكلام بغير زلل تقسي القلوب إذا كان في الحلال والحرام، فكيف إذا كان في عبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات التي تعمى القلوب.. يا خيبة من اتبعك فإنه معرض للزندقة والانحلال، لا سيما إذا كان قليل العلم والدين.. فهل معظم أتباعك إلا قعيد مربوط خفيف العقل أو عامي كذاب بليد الذهن أو غريب واجم قوي المكر أو ناشف صالح عديم الفهم، فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل، يا مسلم أقدم حمار شهوتك لمدح نفسك.. إلى كم تصادقها وتعادي الأخيار.. إلى كم تصادقها وتزدري الأبرار.. إلى كم تعظمها وتصغر العباد.إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد.. إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح – والله – بها أحاديث الصحيحين.. يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والاهدار أو بالتأويل والإنكار، أما آن لك أن ترعوى؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب؟ أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل.. بلى – والله – ما أذكر أنك تذكر الموت بل تزدري بمن يذكر الموت فما أظنك تقبل على قولي ولا تصغي إلى وعظي بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات وتقطع لي أذناب الكلام ولا تزال تنتصر حتى أقول: وألبتة سكت.. فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحب الواد فكيف حالك عند أعدائك.. وأعداؤك – والله – فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء كما أن أولياءك فيهم فجرة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر.. قد رضيت منك بأن تسبني علانية وتنتفع بمقالتي سرا (فرحم الله امرءا أهدى إلي عيوبي) فإني كثير العيوب غزير الذنوب) ([51])

ومن نتائج ذلك الجدل الذي مارسه ابن تيمية ما يسميه السلفية [الجهة العدمية]، أو [المكان العدمي]، وهي من المصطلحات العجيبة التي اخترعها ابن تيمية، وتبعه عليها أتباعه من غير وعي منهم للمحالات العقلية التي ترتبط بها.. فكيف يكون مكانا، ثم يكون معدوما.. أو كيف تكون جهة، ثم تكون معدومة؟

قال ابن تيمية: (وإن أريد بما يتوجه منه أو يتوجه إليه ما يراد بالحيز الذي هو تقدير المكان فلا ريب أن هذا عدم محض)([52])، وقال: (بل يجب في سائر الذوات المتحيزة أن يكون لكل منها تحيز يخصه وهو قدره ونهايته التي تحيط به، ويلزمه الحيز الذي هو تقدير المكان وهو عدمي)([53])

وقد تبعه على هذا القول كل أتباعه من السلفية غير مدركين لمعنى المقولة، يقول العثيمين: (كذلك أيضا: الجهة: هل الله في جهة؟ نقول: أما اللفظ فإننا نتوقف فيه ومالنا وله، ولكن المعنى نستفصل: ماذا تريد في جهة؟ إن أردت الله تعالى في جهة تحيط به إحاطة الظرف بالمظروف فهذا ممتنع وباطل، وإن أردت بذلك سفل ومخالطة للمخلوقات فهذا أيضا باطل ممتنع على الله، فليس الله تعالى في جهة السفل، وليس في جهة تحيط به إحاطة الظرف بالمظروف، وإن أردت أنه في جهة عليا عدمية لا تحيط به، ما ثم إلا هو عزو وجل فهذا حق)([54])

ومثله قال محمد صديق خان القنوجي: (فإن قال القائل: إن الله في جهة قيل له: ما تريد بذلك؟ أتريد أنه سبحانه في جهة موجودة تحصره وتحيط به مثل أن يكون في جوف السموات، أم تريد بالجهة أمرا عدميا وهو ما فوق العلم فإنه ليس فوق العالم شيء من المخلوقات، فإن أردت الجهة الوجودية، وجعلت الله محصورا في المخلوقات، فهذا باطل، وإن أردت الجهة العدمية وأردت أن الله وحده فوق المخلوقات بائن عنها فهذا حق)([55])

ويقول ابن أبي العز: (وإن أريد بالجهة أمر عدمي، وهو ما فوق العالم، فليس هناك إلا الله وحده، فإذا قيل إنه في جهة بهذا الاعتبار فهو صحيح)([56])

ثانيا ـ التوهم والحقائق الكونية

مثلما تخبط العقل السلفي في تصوراته للحقائق الدينية نتيجة تغليبه للوهم على العقل، وإخضاعه النقل للهوى، حصل ذلك معه في تصوراته المرتبطة بحقائق الكون، والتي لم يخالف فيها عقلاء المسلمين فقط، بل خالف فيها العالم أجمع، بل إنه أصبح بسببها موضع سخرية من كل عقلاء العالم، بل إنه أصبح أداة لتشويه الإسلام والتحذير منه.

ولكن مع ذلك فإن من محاسن كلامهم في هذا الجانب هو أنه وسيلة سهلة لبيان حقيقة عقولهم، ذلك أن البعض قد يجادل في الحقائق الدينية، ويعتبرها وجهة نظر قد يكون لها حظها من التقدير والاحترام والصحة، خاصة عندما يكثرون من ذكر ما يسمونه أدلة من الكتاب والسنة، أو عندما يبالغون في وصف محاسن سلفهم، وما أجمعوا عليه.

لكنه عندما يذهب إلى كلامهم في الحقائق العلمية، ويجده بنفس تلك الصورة، ويجد عقولهم تمارس كل أنواع الدجل لتعتبر مخالفة الحقائق العلمية سنة ودينا، حينها لن يبقى لأي عاقل شك في كذبهم ودجلهم.

فهم كما نقلوا الإجماع عن سلفهم في تجسيم الله، كذلك ينقلون الإجماع الذي يحرمون خرقه، عن سلفهم في الحقائق الكونية، ولذلك فإن من يأخذ الحقائق الكونية عندهم من كلام الكفار بدعي وضال وكافر.

يقول بعضهم في مقدمة رسالة سماها [مختصر اللفظ في مسألة دوران الأرض]([57]) ـ مبينا خطر العلوم الحديثة على العقيدة الإسلامية ـ: (فهذه وريقات صغيرة قصيرة تضاد بحوثاً وكتباً، وأفلاماً وأشرطة، ودروساً مدرسية وجامعية، بل وتضاد تفكر كثير من الدهماء أتباع كل ناعق، ولكن لا ضير إذا كانت مستندة إلى الحق الذي يُستقى من الوحيين. وهذه الوريقات ليست من قبيل الكلام في الطبوليات، وإنما هي من النصح والبيان الذي أُمرنا به، وما خطت يداي هذه الأحرف إلا بعد أن سُئلتُ عن هذه المسألة فأجبت بما أدين الله به، ولكن لم تحضرني كل الأدلة حينها، فلزم علي الرجوع والتنقيب، والبحث والنظر والتقصي، كي أخرج بهذا البيان في أكمل حلة؛ ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة والبيان، كما هو معلومٌ عند أهل الأصول. لا سيما ونحن في أيام عصيبة، وسنوات خداعات مريعة، حتى صارت بلادنا ترزح في ظل هيمنة الغرب وسيطرته العسكرية والإعلامية والفكرية، يستقي أبناؤنا وإخواننا في المدارس والجامعات عقائد فاسدة، وتصورات منحطة، مخالفة لعقيدة الإسلام وأصوله؛ كعقيدة أن أصل الإنسان من قرد، وأن الشمس راسخة لا تتحرك، وأن الأرض تدور على نفسها وعلى الشمس، وقد حفظونا قديماً: (كرة الأرض تدورُ  فظـــلامٌ ثم نورُ)([58])

 ومثله قال علم من أعلامهم المشهورين، وهو الشيخ عبد الكريم بن صالح الحميد ردا على من اتهمهم بتحريم دراسة العلم الحديث: (.. الذي يُحَرِّمُه المتديِّنون هو مَا فِي الدِّرَاسَةِ من عقائِد سُوء مثل الإقرار بالطاغوت الدَّوْلي (هيئة الأمم).. وكذلك فإنَّ المتدينين يُحرِّمُون ما في التعاليم الْمُحْدَثة مِمَّا حَرَّمَ الله ورسوله من (الصُّوَرِ)، ويُحَرِّمُون ما حَرَّمَ الله ورسوله من (مَدْحِ الكفار وموالاتهم)، كذلك يُنكِرُون ما فيها من القولَ بـ (دَوران الأرض)، ودعوى (وصول القمر)، واعتقـادَ أنَّ (الفضاء لا حَدَّ له) الذي هو إنكار لوجودِ السموات السَّبْعِ والكرسي والعرش والجنة، بل من اعتقد أن الفضاء لا حد له فهو معطل منكر لوجود الله ملك الكون وخالق الخلق رب العالمين جل جلاله، وغير هذا كثير يصعب حصره موجود في (الدراسة الحادثة)، وقد تقدم كلام شيخ الإسلام -ابن تيمية-: (أن العلوم المفضولة إذا زاحمت العلوم الفاضلة وأضعفتها فهي تحرم)([59])؛ وإذا كان هذا في علوم كثيرة صحيحة في (الدراسة) علتها مزاحمة علم الدين وإضعافه فكيف بما ذَكَرْتُ آنفاً مِمَّا يُفْسِد العقيدة؟!)([60])

وهكذا نجد علما آخر من أعلامهم يكتب كتابا طويلا مفصلا بعنوان [لِماذا حَرَّكوا الأرْض؟]([61]) يستعمل فيه كل قوى الخداع التوهمية ليبرز أن القول بدوران الأرض مؤامرة على عقيدة المسلمين، وقد استهل كتابه بقوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: 46]

ثم قال في مقدمته للكتاب ـ مستعرضا تاريخ البحث العلمي في هذه المسألة مرجعا إلى الفلاسفة الذين كفرهم ابن تيميةـ: (.. مسألة دوران الأرض حول الشمس، أو بلفظ أعم: الهيئة الجديدة للكون، والتي اخترعها الدُّهريون الملاحدة، فالله تعالى ما خلق الخلق إلا ليعبدوه؛ فكان لا بد لهم من مستقر يستقرون عليه؛ لتقع منهم هذه العبادة؛ فلهذا خلق الله الأرض ليسكنها الخلق، ويستقرون عليها، ثم خلق بعد ذلك ما يتمم لهم مصالحهم: من شمس وقمر ونجوم وجبال وشجر ودواب، وأما الدهريون فيدعون كذباً وزوراً: أن هذه الأرض ليست إلا كوكباً ضمن مجموعة شمسية، هذا الكوكب المزعوم يبعد عن الشمس- أمِّها التي خرجت منها- مسافة 93 مليون ميل [150 مليون كم]، وهذه المجموعة الشمسية هي أيضاً واحدة من نحو 100 مليون مجموعة شمسية [شموس تتبعها كواكب]، في المجرة الواحدة التي يزعمون أنا داخلون فيها، ثم هذه المجرة قطرها نحو 100 ألف مليون سنة ضوئية.. وهذه المجرة هي واحدة من مائة مليون من هذه المجرات المتناثرة في الفضاء الهائل الذي لا نهاية له، تكاد تكون تائهة فيه، وهذا الذي ادَّعَوا أنهم اكتشفوه هو جانب ضئيل لا يكاد يذكر من بناء الكون على حد زعمهم) ([62])

وبعد أن ذكر هذا وغيره من الحقائق العلمية راح يبحث عن جذورها، ليكتشف أنها من وضع الفلاسفة الملاحدة الذين تلقفها منهم (الملاحدة من فلاسفة ملة الإسلام أمثال: أحمد بن سهل البلخي، وهو فيلسوف بلخي مشهور، كان رافضياً منجماً، ممن سلك طريقة أرسطو، وممن عُني بنقل فلسفة اليونان وترجمتها إلى العربية، إبعاداً لهذه الأمة عن النور المنزل عليها من السماء، وإضلالاً لها.. ثم جاء بعده أبو نصر الفارابي الفيلسوف المشهور.. وكان بارعاً في الكلام والمنطق والموسيقى، وكان رأساً في الكفر والإلحاد، وإنكار النبوات والمعاد، والقول بقدم العالم، وقد تخرج بكتبه ابن سينا.. ثم جاء بعده أحمد بن محمد بن يعقوب الملقب: مسكويه.. كان مجوسياً وأسلم، اشتغل بالفلسفة والكيمياء، وممن سلك طريقة أرسطو، وخدم دولة بني بويه الشيعية.. كما قد ذكر إخوان الصفا ذلك.. وهم من ملاحدة الشيعة الإسماعيلية، ظهروا في القرن الرابع الهجري، عقائدهم خليط من العقائد الوثنية والمجوسية والإباحية.. ونُسب هذا القول أيضاً إلى غير هؤلاء ممن اغتر بأقوالهم، وممن نسب إلى العلم الشرعي، ممن ليسوا من أهل التحقيق، الذين ساروا على مناهج المتكلمين المتأثرين بالفلاسفة، فسجلوا ذلك في كتبهم، أمثال: الفخر الرازي وابن خلدون)([63])

وهكذا راح يذكر أعلام الغرب الذين استفادوا وتأثروا بأعلام الحضارة الإسلامية الذين يكفرهم السلفية، فقال: (ثم حمل الرايةَ بعدُ هراطقةُ النصارى الذين نابذوا الكنيسة الكاثوليكية العداء، هدماً لفضائلها، ونبذاً لعقائدها، وبغضاً لما بقي من عبادة الله فيها، أبوا إلا أن يُعبد الوثن وحده، وضاقوا ذرعاً بأن يُعبد الله تعالى حتى ولو مع التثليث، أرادوا بعث الوثنية من جديد، لكن تحت ستار العلم.. هذه خلاصة المهزلة التي قال بها الدهريون الملاحدة بدعوى البحث العلمي النـزيه البريء)([64])

ثم.. وفي الأخير، وبعد تلك الجولة الطويلة مع الفلاسفة من المسلمين وغيرهم، يكفرهم جميعا، ولا يستثني أحدا، ويبين أنهم جميعا متآمرون على العقيدة الإسلامية، وصل إلى الحضارة الغربية الحديثة، فقال: (وقد قامت الحضارة الغربية الحديثة على أساس هذه النظرية في الفلك، وكان أول من نُسبت إليه هذه النظرية، وقيل أنه كتب فيها وعارض معتقد النصارى في هذه المسألة، هو: نيكولا كوبرنيك (1473-1543م)، الذي نُسب إليه كتاب (حركة الأجرام السماوية)، محاولاً إثبات هذه النظرية لكنه فشل في ذلك، وأهم عبارة في هذا الكتاب تنم عن معتقد مؤلفه الخبيث، هي قوله: (القمر يدور حول الأرض، والشمس تحتل مركز العالم الذي تنيره وتحكمه)، وكأنه كاهن من كهنة معبد آمون، عبدة الشمس.. ثم جاء بعد كوبرنيك من حاول استخدام علم الرياضيات والفيزياء في إثبات هذه النظرية، مثل: جاليليو في إيطاليا (1564-1642م)، وجوهانز كبلر في ألمانيا (1571-1630م)، وإسحاق نيوتن في إنجلترا (1642-1727م)، وكانت معظم النظريات العلمية الرياضية والفيزيائية التي توصلوا إليها تخدم نظرية الدوران، وكأنها من أجلها وضعت، مع أن الناظر إليها يحسب أن الدافع وراء اكتشاف هذه النظريات العلمية إنما هو البحث العلمي النـزيه، وأنه لا علاقة بينها وبين نظرية الدوران)([65])

وهم لا يكتفون بهذه المسائل، بل يعممونها في كل الحقائق العلمية التي يتفق عليها جميع العقلاء، وقد أورد بعضهم ما ذكره سيد قطب في تفسيره عن بعض الحقائق العلمية، فقال: (إن سيداً قد أُتي في هذا الباب من ثقته الزائدة في هذه العلوم العصرية التي افتتن بها أكثر الناس؛ كيف لا وهم يُفطمون عليها وعلى نظرياتها في مدارسهم التي تخلط الحق بالباطل)([66]):

ثم نقل بعض ما ذكره سيد من الحقائق العلمية الفلكية، وقال: (كل هذا هذيان وظن، ومَن الذي وصل إلى الشمس حتى قاس الذي بيننا وبينها.. فمن أراد النجاة والسلامة لدينه فعليه بالعتيق والأصيل، قال صاحب رسول الله عبدالله بن مسعود: (عليكم بالعتيق)..ولم يقل: (عليكم بالمعاصر) ([67])

 وانطلاقا من هذا العتيق الذي سلموا له عقولهم، راحوا يردون على كل من يتحدث بأمثال هذه الحقائق العلمية بما ذكره عبد القاهر بن طاهر البغدادي التميمي (المتوفى 429هـ) في كتابه (الفرق بين الفرق) عند بيانه لـ [أوصاف الفرقة الناجية]، وفي [بيان الأصول التي اجتمع عليها أهل السنة والجماعة]، قال: (وأجمعوا على وقوف الأرض وسكونها، وأن حركتها إنما تكون بعارض يعرض لها من زلزلة ونحوها خلاف قول من زعم من الدهرية أن الأرض تهوي أبداً ولو كانت كذلك لوجب ألا يلحق الحجرُ الذي نلقيه من أيدينا أبداً، لأن الخفيف لا يلحق ما هو أثقل منه في انحداره.. والرسول k قال: (لا تجمع أمتي على ضلالة)([68])

وقد ذكر في كتابه [أصول الدين] في [بيان وقوف الأرض ونهايتها] الوهم الذي اعتمد عليه وسلفه في المسألة، فقال: (ولو كانت للأرض حركة دورية لأحسسنا بذلك كما نحس بحركتها عند الزلزلة، ثم إنّا لو جعلنا قطعة من الأرض على طبق لم تدر عليه ولو رمينا بها في الهواء لنزلت على الاستواء ولم تدر على نفسها فإذا كانت كل قطعة منها لا تدور فكيف دارت جملتها.. فلما لم يكن كذلك بطلت هذه العلة وسائر العلل التي حكيناها عن مخالفينا وصح بما قلنا أن الأرض واقفة بقدرة الله تعالى وإنها متناهية من كل جهة كما بيناه وإذا بطلت أقوال مخالفينا في هذه المسألة صح قولنا فيها)([69])

انطلاقا من هذا سنحاول هنا ـ باختصار ـ أن نبين كيف استطاعت القوة الوهمية في العقل السلفي أن تتسلط على القوى العاقلة، وتسخرها لها، بل تسخر معها النصوص المقدسة من الكتاب والسنة، مستعملة في ذلك كل صنوف الحيل والخداع.

ا ـ تطويع النقل للوهم:

من أخطر ما مارسه السلفية في كل عصورهم هو ذلك الإخضاع المقيت للنصوص المقدسة، لتتحول إلى أدوات لحمل الخرافة والدجل وكل أصناف التشويهات.

ولكن الذي فعلوه في عصرنا الذي فتحت فيه خزائن العلوم بمختلف أصنافها، أكثر الأمور خطورة لاعلى توجههم الذي يحرصون عليه أكثر من حرصهم على الإسلام [التوجه السلفي]، وإنما على الإسلام نفسه.

ولذلك نرى مقولاتهم في مواقع المبشرين والمستشرقين والملاحدة والتغريبيين مختلطة مع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وهم يفسرونها وفق الرؤية الخرافية، ويعتبرون المنكر لذلك ضالا مضلا.

ومن أمثلة ذلك قول الشيخ ابن عثيمين عند حديثه عن مسألة دوران الأرض، وتطويعه للنصوص المقدسة، قال: (.. لكن الشيء الذي أرى أنه لا بد منه هو أن نعتقد أن الشمس هي التي تدور على الأرض، وهي التي يكون بها اختلاف الليل والنهار، لأن الله تعالى أضاف الطلوع والغروب إلى الشمس، فقال عز وجل: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: 17]، فهذه أربعة أفعال أضيفت كلها إلى الشمس إذا طلعت، وإذا غربت، تزاور، تقرض، كلها أفعال أضيفت إلى الشمس، والأصل أن الفعل لا يضاف إلا إلى فاعله، أو من قام به، أي من قام به هذا الفعل فلا يقال: مات زيدٌ، ويراد مات عمرو.. فإذا قال الله (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ) ليس المعنى أن الأرض دارت حتى رأينا الشمس لأنه لو كانت الأرض هي التي تدور، وطلوع الشمس يختلف باختلاف الدوران ما قيل: إن الشمس طلعت، بل يقال نحن طلعنا على الشمس، أو الأرض طلعت على الشمس وكذلك قال الله تبارك وتعالى في قصة سليمان ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ﴾ [ص: 32] أي الشمس، ولم يقل حتى توارى عنها بالحجاب، وقال النبي k لأبي ذر: أتدري أين تذهب هذه الشمس؟) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (تذهب تسجد تحت العرش، فتستأذن، فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها)([70])، فأضاف الذهاب إلى الشمس)([71])

وهكذا، وبعد أن طوع ما شاء من النصوص القرآنية لقوته الوهمية، قال: (فظاهر القرآن والسنة أن اختلاف الليل والنهار يكون بدوران الشمس على الأرض، وهذا هو الذي يجب أن نعتقده ما لم يوجد دليلٌ حسيٌ قاطع يسوغ لنا أن نصرف النصوص عن ظواهرها إلى ما يوافق هذا النص القاطع، وذلك لأن الأصل في أخبار الله ورسوله أن تكون على ظاهرها حتى يقوم دليل قاطع على صرفها عن ظاهرها، لأننا يوم القيامة سنسأل عما تقتضيه هذه النصوص بحسب الظاهر، والواجب علينا أن نعتقد ظاهرها إلا إذا وجد دليلٌ قاطع يسوغ لنا أن نصرفها عن هذا الظاهر) ([72])

وهكذا قال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: 61] عند ذكره لفوائد هذه الآية الكريمة، فقد قال: (وفي قوله تعالى: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) دليلٌ على أنهما هما اللذان يجريان حول الأرض يسِيرَان حول الأرض خلافًا لِمَن قال: إنَّهما لا يسيرَان على الأرض وأنَّ هذا -اختلاف الليل والنهار- بسبب دَوَران الأرض نفسِها وهذا لا شكَ أنَّ الذي لا يعتقد أنهما يدوران على الأرض أنَّه على خطر عظِيم ربما يصل به ذلك إلى الكفر لأنّ الذي نؤمن به ونعتقِدُه ما أخبرَنا الله عنه مِن أنَّ الشمس هي التي تدور على الأرض وكذلك القمر) ([73])

ثم يرد ـ بمثل ما ردوا به على من أنكر عليهم تصوراتهم المرتبطة بالحقائق الدينية ـ فقال: (ومِن العجيب أنَّ هذا القول المخالف لِظاهِر القرآن أنَّه قد سرَى إلى أناسٍ لا تثِقُ في ديانَتِهم قصدي لا تشُكّ في ديانتهم، لكن غرَّهم السراب، فانخدعوا والواجِبُ علينا في هذه الأمور أن نمشِيَ على ظاهِر القرآن هذا الواجب حتى يتبَيَّن لنا ما يكون مخالِفًا لهذا الظاهر، أمَّا ما دلَّ عليه القرآن دلالة يقينية فإنَّه لا يمكن لِشيء أن يخالفه فدلالةُ القرآن إمَّا ظاهرة وإما صرِيحة الصريحة قطْعِيَّةُ الدلالة ولا يمكن لشيء أن يخالفَها، والظاهرة ظنِّيَّة الدلالة فنبقى على هذا الأصل نبقى على الظاهر حتى يتبيَّن لنا بأمرٍ قطعي خلافُه وحينئذٍ ما دام ظاهرًا فإنه يمكن أن يُؤَوَّل) ([74])

بل إن بعض السلفية لم يكتف بإنكار دوران الأرض، بل راح ينكر كرويتها أيضا، استنادا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 20]، وفي ذلك يقول القحطاني في نونيته التي لا يزال السلفية يهتمون بها ويحفظونها([75]):

كذب المهندس والمنجم مثله       فهما لعلم الله مدعيان

الأرض عند كليهما كروية         وهما بهذا القول مقترنان

والأرض عند أولي النهى لسطيحة بدليل صدق واضح القرآن

والله صيرها فراشا للورى      وبنى السماء بأحسن البنيان

والله أخبر أنها مسطوحة            وأبان ذلك أيما تبيان

بل كان أئمة الوهابية في السعودية يتهمون القائل بكون الأرض كروية بالتجهم، حتى أنه اتهم تقي الدين محمد بن عبد القادر الهلالي (المغربي)، بذلك مع كونه سلفيا متشددا، حيث وشى به المسئول عن مراقبة الدروس في المسجد النبوي للمسئولين لأنه يقول بكروية الأرض! واشتد نكيره عليه، وقال: (هذا لا يقوله إلا جهمي!)([76])

وهم لا يكتفون بتطويع ما تشابه من النصوص القرآنية، بل يضيفون إليها أحاديث ممتلئة بالغرابة، يضعون كل جهودهم في تصحيحها على المنهج الذي ذكرناه سابقا، ليضربوا بها في وجه من يخالفهم، لأنه حينها لن يبقى مخالفا لهم، وإنما مخالفا لرسول الله k.

ومن الأمثلة على ذلك هذا الحديث الذي يوردونه في هذا الباب، وكأنه حقيقة قطعية لا يجوز الجدال فيها.

فقد رووا عن عن عبد الله بن عمرو ـ وقد ذكرنا سابقا أنه كان تلميذا نجيبا لكعب الأحبار وغيره من اليهود ـ أن رسول الله k قال: (لو أن رَصَاصَةً مثل هذه – وأشار إلى مثل الجمجمة- أرسلت من السماء إلى الأرض – وهي مسيرة خمسمائة سنة- لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لصارت أربعين خريفاً الليلَ والنهارَ قبل أن تبلغ أصلها – أو: قعرها-)([77])

فإذا ما ناقشهم أي عاقل في سند الحديث، ضربوه بقول الترمذي: (هذا حديث إسناده حسن صحيح، وسعيد بن يزيد، هو: مصري، وقد روى عنه الليث بن سعد، وغير واحد من الأئمة)([78])

فإن لم تجد الضربة فيه مقتلا ضربوه بقول الحاكم: (صحيح الإسناد)، أو بقول البغوي: (هذا حديث حسن)([79])

فإن لم يجد كل ذلك نقلوا له ما قال العالم العلامة الحبر البحر الفهامة الشيخ عبد الله الدويش في تعليقه على الحديث: (ووجه الاستدلال بهذا الحديث على استقرار الأرض وثباتها: أن الله تعالى جعل الأرض مركزاً للأثقال، ومستقراً لما ينزل من السماء، ولو كانت الأرض تجري وتدور على الشمس – كما زعمه أهل الهيئة الجديدة- لكانت الشمس هي المركز والمستقر للأثقال، وهذا تكذيب لهذا الحديث الصحيح، وفي الحديث دليل آخر على استقرار الأرض وثباتها، وذلك مستفاد من النص على أن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة، والنص شامل لوجه الأرض من جميع الجهات؛ لأن النبي r أطلق ولم يخص جهة منها دون الجهة الأخرى؛ فدل عموم النص على أن المسافة بين السماء والأرض: خمسمائة سنة من كل جهة، وقد قرر الإمام أبو الحسين ابن المنادي: أن بُعد ما بين السماء والأرض من جميع الجهات بقدر واحد، ووافقه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية وغيره على ذلك، وفي حديث عبد الله بن عمرو الذي ذكرنا دليل لما قالوه.. وممن قال بأن جوف الأرض هو المركز للكون: أبو محمد الجويني)([80])

وهكذا لن يجد محاورهم إلا أن يلطم رأسه كما فعل إمام الحرمين.

ومثل ذلك يستدلون بما يروونه عن رسول الله k أنه قال: (أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (إن هذه تجري، حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدةً، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعةً من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدةً، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعةً من مطلعها، ثم تجري، لا يستنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعةً من مغربك، فتصبح طالعةً من مغربها) فقال رسول الله k: (أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين ﴿لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾). [الأنعام (158)])([81])

فيستدلون بهذا الحديث الغريب على (إثبات جريان الشمس، ودورانها حول الأرض، وأنها في كل يوم تذهب فتستقر تحت العرش، ثم تخر ساجدة، فتستأذن فيؤذن لها، فتشرق مرة أخرى من المشرق، وهكذا كل يوم حتى لا يؤذن لها، فتصبح طالعةً من المغرب)([82])

ويدعمون استدلالهم لهذا بقول الخطابي: (لا يُنكَر أن يكون لها استقرار تحت العرش، من حيث لا ندركه ولا نشاهده، وإنما هو خبر عن غيب فلا نكذب ولا نكيفه؛ لأن علمنا لا يحيط به)([83])

هذه بعض النماذج عن تطويعهم النقل للوهم، وسنرى تفاصيل أكثر عن ذلك في الكتاب التالي لهذا، والمسمى [هذه علوم السلفية] في الفصل المخصص بموقفهم من العلوم الكونية.

2 ـ تطويع العقل للوهم:

ينطلق السلفيون في إنكارهم للحقائق العلمية السابقة وغيرها من إنكارهم للعلوم والأدوات التي استخدمها العلماء في اكتشاف تلك الحقائق كالرياضيات والهندسة وعلم الفلك وغيرها من العلوم، وهم يستدلون في هذا بقول ابن تيمية في [الرد على المنطقيين]: (وإنما جعلوا الهندسة مبدأً لعلم الهيئة ليستعينوا به على براهين الهيئة، أو ينتفعوا به في عمارة الدنيا، هذا مع أن براهينهم القياسية لا تدل على شئ دلالة مطردة يقينية سالمة عن الفساد إلا في هذه المواد الرياضية.. وأولئك المشركون كانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل، ويدعونها بأنواع الدعوات، كما هو معروف من أخبارهم، وما صنف على طريقهم من الكتب الموضوعة في الشرك والسحر ودعوة الكواكب والعزائم، والأقسام التي بها يعظم إبليس وجنوده، وكان الشيطان بسبب السحر والشرك يغويهم بأشياء هي التي دعتهم إلى ذلك الشرك والسحر، فكانوا يرصدون الكواكب ليتعلموا مقاديرها، ومقادير حركاتها، وما بين بعضها وبعض من الاتصالات، ليستعينوا بذلك على ما يرونه مناسباً لها. ولما كانت الأفلاك مستديرة، ولم يكن معرفة حسابها إلا بمعرفة الهندسة وأحكام الخطوط المنحنية والمستقيمة، تكلموا في الهندسة لذلك، ولعمارة الدنيا. فلهذا صاروا يتوسعون في ذلك، وإلا فلو لم يتعلق بذلك غرض إلا مجرد تصور الأعداد والمقادير لم تكن هذه الغاية مما يوجب طلبها بالسعي المذكور)([84])

بناء على هذا الموقف السلبي من كل العلوم التي توصل من خلالها العلماء إلى تلك الحقائق العلمية، فإنهم يذكرون أن المرجع في التعرف على حقائق الكون هو النص المقدس، لأن العقل لا يستطيع أن يتعرف بمفرده على حقائق الموجودات.

ولهذا نراهم يضعون صورة للكون تتناسب مع معتقداتهم ـ كما أشرنا إلى ذلك بتفصيل في كتاب [السلفية والوثنية المقدسة]

ونراهم ـ أيضا ـ يستدلون على إنكار تلك الحقائق بما يعتبرونه لوازم كفرية من اعتقاد ما يذكره العلم الحديث عن حقائق الكون.

فقد ذكر صاحب كتاب [لماذا حركوا الأرض] اللوازم الخطيرة التي تنجر من القول بدوران الأرض على العقيدة السلفية، فذكر منها: نفي وجود الخالق تعالى، أو الشك في ذلك، أو في أحسن الأحوال: نفي علوه تعالى على خلقه؛ (فإن القول بفضاء ليس له نهاية، يلزم منه: أولاً: نفي وجود السماوات السبع المبنية المحيطة بهذا الكون المخلوق.. ثانياً: نفي الكرسي الذي هو فوقها.. ثالثاً: نفي العرش الذي هو فوق الكرسي.. رابعاً: نفي علو الله تعالى على خلقه.. خامساً: نفي وجود الملائكة، والذين يعمرون هذه السماوات.. سادساً: نفي وجود الجنة، فإنها فوق السماء السابعة)([85])

وذكر ـ ككل أعلام السلفية ـ الأدلة الوهمية الكثيرة التي تثبت ثبات الأرض واستقرارها، مستخدمين ما أتقنوه من العلوم الحديثة، ومن تلك الأدلة ([86]):

(1): أن الأرض لو كانت تسير بهذه السرعة الهائلة (30 كم في الدقيقة)؛ لما استقر على ظهرها شيء من البناء والشجر فضلاً عن الحيوانات؛ وذلك لشدة مخرها للهواء، ولشدة صدم الهواء لوجهها، وأما زعمهم: أن الغلاف الجوي تابع للأرض في الدوران فهذا زعم كاذب؛ لا دليل صحيح عليه من نقل أو عقل، لأنه قد جاء في آيات كثيرة ما يدل على أن الهواء مستقل بنفسه، وليس تابعاً للأرض، فمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر: قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الأنبياء (16)]: فدلت هذه الآية الكريمة على أن خلق ما بين السماء والأرض كان مستقلاً بنفسه، وأنه مغاير في حقيقته وتكوينه لهما، وأما العقل: فمن المعلوم أن جرم وكثافة الجزيئات المكونة للهواء من الأكسجين والهيدروجين والنيتروجين وثاني أكسيد الكربون وبخار الماء: في غاية الخفة والضآلة؛ بحيث لا تؤثر عليها جاذبية الأرض؛ فتجعلها في حكم الملاصق لها، أو في حكم الأجسام التي على سطحها.. وكذلك: فإنه من المعلوم أن الأجسام التي على سطح الأرض إذا ارتفعت عنه واستقلت في الهواء؛ فإن سلطان الجاذبية عليها يضعف نوعاً ما، لا سيما كلما ازداد الارتفاع، وقلت الكثافة.. وكذلك: فإنه من المعلوم بالحس والضرورة أن الهواء المحصور في المراكب الحديثة، سواءً البرية أو البحرية أو الجوية، يكون متحركاً بسرعتها، بخلاف ما كان خارجها؛ فإنه لا يتبعها ولا يتحرك بسرعتها، بل يقاومها؛ فكذلك ما على ظهر الأرض من الهواء لا يكون تابعاً لها.

(2): سير السحاب المسخر بين السماء والأرض؛ فنحن نراه يتحرك في كل اتجاه، ولو صدق افتراؤهم لكان ينبغي أن تكون حركته فقط من الشرق إلى الغرب.

(3): هجرة الطيور: فما كان لهذه الطيور المهاجرة أن تهتدي لمواطن هجرتها، أو مواطنها الأصلية حين عودتها إليها، لولا فضل الله ورحمته بخلقه أن ثبَّت لهم الأرض التي يسكنونها؛ فجعلها قارَّةً ساكنةً.

(4): الطائرات التي تطير على ارتفاع شاهق جداً من الشمال إلى الجنوب، أو بالعكس: لا تلحظ حركة الأرض ودورانها من المغرب إلى المشرق كما يزعمون كذباً وزوراً، بل لا ينبغي لهذه الطائرات أن تهتدي لمواضع هبوطها على سطح الأرض بمجرد استقلالها في الهواء.

وقد ختم هذه الاستدلالات العجيبة بهذه النتيجة الغريبة: (ومن تفكر في زورهم وبهتانهم تبين له ما يترتب على هذه النظرية الفاسدة من المناقضات العقلية الكثير)([87])

وهكذا استطاع العقل السلفي أن يحول الحقائق العلمية القطعية التي لا شك فيها وهما وخداعا، ويحول الخرافات التي نقلها عن سلفه حقائق قطعية لا يحل لأحد أن يناقشها، ومن تجرأ على ذلك عرض نفسه لسهام التكفير ورماح التبديع والتضليل.


([1])   انظر تفاصيل هذه القوى في: جامع السعادات (ج1، ص 52)، وغيره.

([2])   جامع السعادات (ج1، ص 53)

([3])   جامع السعادات (ج1، ص 55)

([4])     نكت القرآن لأبي أحمد الكرجي القصاب (ج3 ص567-568)

([5])     اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية لابن القيم الجوزية (ص197-198)

([6]) ) درء التعارض 6/118.

([7]) ) مجموع الفتاوى 5/317.

([8]) ) العلو 107، 195.

([9]) مختصر الصواعق: (1/ 279- 280)

([10]) الرد على الزنادقة والجهمية: ص (95- 96)

([11])    بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (2/ 364)

([12])    بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (2/ 370)

([13])   الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض، (ص23)

([14])   الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض، (ص39)

([15])   الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض، (ص24)

([16])   الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض، (ص23)

([17])     المقصد الأسنى (ص: 54)

([18])     رواه وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الجهمية: (5/ 93)، والدارمي في الرد على بشر المريسي: ص 448..

([19])     الفتاوى (3/192)، ومثله مال تلميذه ابن القيم إلى تصحيحه، انظر: تهذيب التهذيب: (7/ 92، 93)

([20])   التعليقات على متن لمعة الاعتقاد 84

([21])   رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد: ص 198، والآجري في الشريعة: ص 494، لعظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (2/756)

([22])  العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (2/734)

([23]) العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (2/745)

([24]) العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (2/746)

([25])     المقصد الأسنى (ص: 54)

([26]) الصفدية 1/102

([27]) الرسالة التدمرية ص 21-23

([28]) شرح العقيدة الطحاوية ص 108-110

([29]) الصفات الإلهية ص 202.

([30])   تفسير الطبري (8/ 13/77)

([31])   تفسير الطبري (8/ 13/78)

([32])   تفسير الطبري (8/ 13/78)

([33])   العلو للعلي الغفار (ص: 206)

([34])     مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (1/ 169)

([35])   مختصر العلو للشيخ الألباني ص283، 252.

([36])   مختصر العلو للشيخ الألباني ص249.

([37])   العلو للعلي الغفار (ص: 176)

([38])   العلو للعلي الغفار (ص: 176)

([39])   الإبانة الكبرى لابن بطة (7/ 144)

([40])   الإبانة الكبرى لابن بطة (7/ 146)

([41])   شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3/ 429)

([42])   الرد على المنطقيين (ص: 154)

([43])    بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (2/ 350)

([44])   المصدر السابق 327-328

([45])   إحياء علوم الدين (4/ 434)

([46])   إحياء علوم الدين (4/ 434)

([47])   إحياء علوم الدين (4/ 434)

([48]) مجموع الفتاوى: (4/ 44، 61)، شرح العقيدة الطحاوية: ص 325، 326.

([49]) انظر: درء تعارض العقل والنقل: (7/5)، بتصرف.

([50])  انظر نص الرسالة كاملا في (السيف الصقيل رد ابن زفيل) السبكي – هامش ص 211- 219  – مكتبة زهران – ومعه تكملة الرد على نونية ابن القيم بقلم : محمد زاهد بن الحسن الكوثري – تقديم : لجنة من علماء الأزهر

([51])  انظر (السيف الصقيل رد ابن زفيل) السبكي – هامش ص 211- 219.

([52])   تلبس الجهمية: 2/119.

([53])   تلبس الجهمية: 2/203.

([54])    شرح العقيدة السفارينية، ص 101.

([55])    قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر،  ص 52.

([56])     شرح العقيدة الطحاوية، ص221.

([57])   من تأليف: أبي سفيان تركي بن مبارك البنعلي .

([58])   مختصر اللفظ في مسألة دوران الأرض، ص4.

([59])   انظر: الإيضاح والتبيين ص197.

([60])   جلاء حقيقة الدين وعزة المتدينين ص33-34.

([61])   من تأليف ياسر فتحي حسن علية، ونشر الموقع السلفي المشهور موقع الألوكة، وقد تضمن خلاصة لآراء السلفية في المسألة.

([62])   انظر: لِماذا حَرَّكوا الأرْض؟، ص6.

([63])   انظر: لِماذا حَرَّكوا الأرْض؟، ص7.

([64])   انظر: لِماذا حَرَّكوا الأرْض؟، ص9.

([65])   انظر: لِماذا حَرَّكوا الأرْض؟، ص10.

([66])  ميزان الاعتدال في تقييم كتاب المورد الزلال في التنبيه على أخطاء الظلال ص 35.

([67])  ميزان الاعتدال في تقييم كتاب المورد الزلال في التنبيه على أخطاء الظلال ص 36.

([68])   الفرق بين الفرق، ص 330.

([69])   أصول الدين، ص 63.

([70])   البخاري 8 / 416، ومسلم رقم (159)

([71])   مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (1/ 71)

([72])   مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (1/ 71)

([73])   مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (1/ 72)

([74])   مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (1/ 73)

([75])   نونية القحطاني (ص: 32)

([76])   مختصر اللفظ في مسألة دوران الأرض، ص19.

([77])   الترمذي (2588) والحاكم (2/438-439) وأحمد (2/197) وابنه عبد الله في الزهد (19-20) وابن المبارك في المسند (124) وفي الزهد (290- زوائد نعيم بن حماد) وابن جرير الطبري في تفسيره (29/64) والطبراني في الكبير (162)

([78])   الترمذي (2588)

([79])   الحاكم (2/438-439)

([80])   المورد الزلال ص (269)

([81])   البخاري (3199و4802و4803و7424و7433) مسلم (159)

([82])   لماذا حركوا الأرض، ص15.

([83])   أعلام الحديث (3/1893)

([84])   الرد على المنطقيين (133)

([85])   لماذا حركوا الأرض، ص15.

([86])   لماذا حركوا الأرض، ص35.

([87])   لماذا حركوا الأرض، ص35.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *