التهمة الثالثة.. الصراع والفتنة

التهمة الثالثة.. الصراع والفتنة

كان اليوم الثالث من المحاكمة خاصا بالتهمة التي لا نزال نعيش آثارها، وهي ما نشره ابن تيمية من قيم الصراع بين مذاهب الأمة ومدارسها وطوائفها وشعوبها وأديانها.. والتي أزالت عن الإسلام صورته السمحة الجميلة، وحولته إلى دين عنف وقتل ومصادرة للحريات.

وقد كنت متأكدا تماما من مدى انطباق هذه التهمة على ابن تيمية، فقد كان تلاميذه في قريتي الصغيرة، نماذج مثالية لهذه النار المشتعلة، وكانوا يصدعون رؤوسنا كل حين بمقالات ابن تيمية في كل قضية أو مسألة نطرحها.. وكانوا لكبريائهم وغرورهم لا يسمعون لأي رد أو نقد.. بل يعتبرون الناقد أو الراد جريئا على الصنم الذي يعتقدون أنه يمثل الإسلام.

عقدت الجلسة، وقعد القاضي على كرسي كبير في أعلى مكان في المحكمة كعادته في اليومين السابقين.. وبعد أن استقرت القاعة بمن فيها، قلب القاضي بعض الأوراق التي كانت بجانبه، ثم قال: التهمة التي سنبحث فيها اليوم هي تهمة (الصراع والفتنة).. وأنا أريد من المدعين على ابن تيمية أن يوضحوا لي مرادهم منها قبل أن يذكروا الأدلة المثبتة لدعاواهم.

تقدم الخليلي، وقال: ليس هناك سيدي القاضي تهمة ندعيها على ابن تيمية أخطر من هذه التهمة، ولا أكثر جرما منها.. ذلك أن كل ما ذكرناه سابقا من تهم قد يبقى حبيس العقول التي تفكر بالطريقة التي يفكر بها ابن تيمية وسلفه.. وكل ذلك يدخل ضمن ما أتاح الله للإنسان من حريات في التفكير واتخاذ القرارات المتناسبة مع اختياره.. لكن مشكلة ابن تيمية وسلفه والخلف الذي تتلمذوا على يديه هو أنهم لم يكتفوا بما اعتقدوه من عقائد، أو ما ارتضوه من سلوك، بل راحوا يفرضون عقائدهم وفقههم فرضا، ويبدعون ويكفرون.. بل ويفتون بقتل كل من خالفهم.. حتى صار الدين مساويا للجريمة.. وصارت العقيدة وسيلة لسفك الدماء.. وصارت الأمة شطرين: شطرا يمثلونهم هم بعنجهيتهم وكبريائهم.. وشطرا تمثله سائر الأمة بمذاهبها وطوائفها.

قال القاضي: ما ذكرته قد يكون صحيحا بحكم ما سبق أن سمعت من نصوص من كلام ابن تيمية.. ولكن ذلك لا يكفيني كقاض لتصديق هذه التهمة الخطيرة.

قال الخليلي: لك ذلك سيدي القاضي.. ولذلك اجتمعنا لنذكر لك من الأدلة ما يبين صدق ما ندعيه.. وقد اكتفينا منها بأربعة تكفي كل عاقل في بيان خطورة طروحات ابن تيمية وأثرها في حصول الفتنة بين المسلمين.. ولذلك سجنه فقهاء عصره..

قال القاضي: لقد سمعت أنهم سجنوه لأجل فتاواه في الطلاق ونحوها..

قال الخليلي: ذلك ما أشاعوه.. وما كان لفقهاء الأمة أن يسجنوه لأجل ذلك فقط.. فقد كان الفقهاء في كل زمان يفتون، بل يشذون في بعض الفتاوى، ولا يتعرض لهم أحد.. ولكن ابن تيمية لم يكن يكتفي بالكلام بل كان يضم إليه بيانات الصراع الشديدة، والتي كان يتبعه فيها بعض تلاميذه.. وسنذكر لك في الأدلة ما يثبت لك ذلك.

قال القاضي: لقد تعودت أن أسمع منكم سرد الأدلة مجملة قبل تفصيلها.

قال الخليلي: أجل سيدي القاضي.. وقد رأينا أننا لا يمكن استقراء كل ما يتعلق بهذه التهمة.. لأن كتب ابن تيمية كلها صراع.. ولهذا اكتفينا بأربعة أدلة تثبت لك سيدي أن منهج ابن تيمية كمنهج سلفه وتلاميذه قائم على الصراع والفتنة.

قال القاضي: فما الدليل الأول منها؟

قال الخليلي: الدليل الأول هو صراع ابن تيمية مع المدارس العقدية المختلفة التي كانت في زمانه وغيرها، بل وتكفيره لها، وقد ورث ذلك التكفير كل من تبعه من الذين أثاروا الفتن بين المسلمين واستحلوا دماءهم.

قال القاضي: هذا خطير.. وهو وحده كاف لإدانته.. فهل تستطيعون إثباته؟

قال الخليلي: أجل سيدي القاضي.. بل ما أسهل إثباته.

قال القاضي: فما الدليل الثاني؟

قال الخليلي: صراعه مع الفقهاء والمدارس الفقهية.. والذي أورث بعد ذلك ما نراه من تميز السلفية عن سائر المسلمين في مظاهرهم وسلوكاتهم وكبريائهم.

قال القاضي: فما الدليل الثالث؟

قال الخليلي: صراعه مع الصوفية.. والذي أورث بعد ذلك ما نراه من تكفير الصوفية واستحلال دمائهم.

قال القاضي: ولكني سمعت أن له موقفا طيبا من الصوفية.

قال الخليلي: هو موقف محدود بزمن محدود.. وبطائفة محدودة.. يرى أنها تتفق معه في التجسيم والتشبيه.. أما من عداهم وهم كل صوفية الأمة، فهم عنده حلولية وملاحدة وكفرة..

قال القاضي: فما الدليل الرابع؟

قال الخليلي: صراعه مع غير المسلمين الذين يعيشون بيننا كإخوة لنا في الإنسانية.. والذين أمرنا بأن نتسامح معهم، ونلين لهم، ونؤلف قلوبهم.. لكن ابن تيمية ملأ القلوب حقدا عليهم، وصراعا معهم.

قال القاضي: أهذه هي أدلتكم على هذه التهمة؟

قال الخليلي: أجل سيدي القاضي.. وإن شئتم المزيد زدنا.. فقد ذكرت لك أن إثبات هذه التهمة من أسهل الأمور علينا لأننا لم نختلف معه ولم نطالب بحبس أفكاره إلا لأجلها.

قال القاضي: لا.. هي كافية.. بل لعله يكفيني ما هو أدنى منها.. فلا ينبغي للعدالة أن تتساهل مع المحرضين على الفتنة والصراع.

قال الخليلي: فأذن لنا سيدي القاضي في أن نبدأ في سرد البينات والشواهد على كل ما ذكرنا من قضايا.

قال القاضي: لكم ذلك.

أولا ـ الصراع مع المدارس العقدية

قام الكوثري، وقال: ليسمح لي سيدي القاضي أن أذكر الدليل الأول.. وهو صراع ابن تيمية مع المدارس العقدية.. ولي على ذلك شهود كثيرون، أكتفي باثنين منهم.

قال القاضي: فما الشاهد الأول؟

قال الكوثري: هو تحقير ابن تيمية لجميع المدارس العقدية، ورميها جميعا بالضلالة والبدعة والكفر.

قال القاضي: وما الشاهد الثاني؟

قال الكوثري: دعوته لنشر الفتنة والفرقة والصراع بين المسلمين بسبب مواقفهم العقدية، فقد نقل الفتاوى الكثيرة التي تدعو إلى هجر المخالفين والإساء لهم، بل تدعو إلى استحلال دمائهم، وإقرارها لها، وهو ما أورث بعد ذلك كل ما نراه من فتن.

قال القاضي: إن ما تقوله خطير..

قال الكوثري: ولدينا بحمد الله كل الأدلة المثبتة له.

1 ـ تحقير ابن تيمية للمدارس العقدية:

قال القاضي: فهات الشاهد الأول.

قال الكوثري: الشاهد الأول ـ سيدي القاضي ـ هو تحقير ابن تيمية للمدارس العقدية المخالفة له ولسلفه.. وقد سبق أن ذكرنا بعض ما يدل على ذلك أثناء ذكرنا للتهمة الأولى حين ذكرنا موقفه من المفوضة والمؤولة.. ونضيف إليه هنا ثلاث بينات على ذلك.

البينة الأولى:

قال القاضي: فما البينة الأولى؟

قال الكوثري: هو اعتبار ابن تيمية الحق المجرد في طائفته السلفية، وكل من عداهم على ضلالة، فلذلك لا يعتبرهم في الخلاف، بل يتعامل معهم باستعلاء، كما يتعامل مع أهل الملل المختلفة.. وفي ذلك أكبر إهانة لجميع الأمة..

قال القاضي: هذه دعوى خطيرة.

قال الكوثري: ولدي الأدلة الكثيرة عليها.. فقد صرح ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه على أن سلفه ممن يسميهم أهل الحديث هم أخص الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم الممثلون الوحيدون له، ومن ذلك قوله: (ومن المعلوم: أن أهل الحديث والسنة أخص بالرسول وأتباعه. فلهم من فضل الله وتخصيصه إياهم بالعلم والحلم وتضعيف الأجر ما ليس لغيرهم كما قال بعض السلف: (أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل)، فهذا الكلام تنبيه على ما يظنه أهل الجهالة والضلالة من نقص الصحابة في العلم والبيان أو اليد والسنان. وبسط هذا لا يتحمله هذا المقام. والمقصود: التنبيه على أن كل من زعم بلسان حاله أو مقاله: أن طائفة غير أهل الحديث أدركوا من حقائق الأمور الباطنة الغيبية في أمر الخلق والبعث والمبدأ والمعاد وأمر الإيمان بالله واليوم الآخر وتعرف واجب الوجود والنفس الناطقة والعلوم والأخلاق التي تزكو بها النفوس وتصلح وتكمل دون أهل الحديث فهو – إن كان من المؤمنين بالرسل – فهو جاهل فيه شعبة قوية من شعب النفاق وإلا فهو منافق خالص من الذين ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 13]، وقد يكون من ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ﴾ [غافر: 35]، ومن ﴿الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: 16] وقد يبين ذلك بالقياس العقلي الصحيح الذي لا ريب فيه – وإن كان ذلك ظاهرا بالفطرة لكل سليم الفطرة – فإنه متى كان الرسول أكمل الخلق وأعلمهم  بالحقائق وأقومهم قولا وحالا: لزم أن يكون أعلم الناس به أعلم الخلق بذلك وأن يكون أعظمهم موافقة له واقتداء به أفضل الخلق)([1])

فهذا الكلام الخطير من ابن تيمية، والذي ادعى فيه احتكار أهل الحديث للسنة النبوية، بل اعتبرهم الفرقة الناجية الوحيدة، هو نص في تكفير كل المخالفين.. وقوله (أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل) وحده كاف في بيان تكفير ابن تيمية الجماعي للأمة جميعا ما عدا سلفه.

وابن تيمية بهذا النص يحمل أتباعه على مراجعة تراث السلف ممن يسمون أنفسهم أهل الحديث، وهو تراث ممتلئ بتزكية الطائفة واحتقار من عداها، بل تكفيره وتضليله.

التفت القاضي إلي، وقال: ما تقول أنت في هذا؟

قلت: صدق سيدي القاضي، فإن ابن تيمية يشيد بالكثير من أعلام السلف الذين يعتبرون أنفسهم الممثلين الوحيدين للدين، ولا يقبلون أي مخالف لهم.. ولهذا ورث كل تلاميذه هذه الخصلة من الغرور والكبرياء، فهم يرددون كل حين ما ذكره سلفهم ابن بطة: (من لم يكن معنا فهو علينا)([2])

وهم لهذا وضعوا قيودا كثيرة تميز المسلم من غيره، لم يرد بها الدليل لا من الكتاب ولا من السنة المطهرة.. وكمثال على ذلك ما قاله أبو محمد الحسن البربهاري، وهو من كبار من تأثر بهم ابن تيمية ودعا إلى التزام منهجهم.. فقد ألف رسالة في (شرح السنة)، قال في خاتمتها: (فمن أقر بما في هذا الكتاب وآمن به واتخذه إماما، ولم يشك في حرف منه، ولم يجحد حرفا واحدا، فهو صاحب سنة وجماعة، كامل، قد كملت فيه السنة، ومن جحد حرفا مما في هذا الكتاب، أو شك في حرف منه أو شك فيه أو وقف فهو صاحب هوى. ومن جحد أو شك في حرف من القرآن، أو في شيء جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لقي الله تعالى مكذبا، فاتق الله واحذر وتعاهد إيمانك)([3])

وقال في موضع آخر من الكتاب: (وجميع ما وصفت لك في هذا الكتاب، فهو عن الله، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعن أصحابه وعن التابعين، والقرن الثالث إلى القرن الرابع، فاتق الله يا عبد الله، وعليك بالتصديق والتسليم والتفويض والرضى لما في هذا الكتاب، ولا تكتم هذا الكتاب أحدا من أهل القبلة، فعسى يرد الله به حيرانا عن حيرته، أو صاحب بدعة من بدعته، أو ضالا عن ضلالته، فينجو به.. فاتق الله، وعليك بالأمر الأول العتيق، وهو ما وصفت لك في هذا الكتاب، فرحم الله عبدا، ورحم والديه قرأ هذا الكتاب، وبثه وعمل به ودعا إليه، واحتج به، فإنه دين الله ودين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه من انتحل شيئا خلاف ما في هذا الكتاب، فإنه ليس يدين لله بدين، وقد رده كله، كما لو أن عبدا آمن بجميع ما قال الله تبارك وتعالى، إلا أنه شك في حرف فقد رد جميع ما قال الله تعالى، وهو كافر، كما أن شهادة أن لا إله إلا الله لا تقبل من صاحبها إلا بصدق النية وخالص اليقين، كذلك لا يقبل الله شيئا)([4])

وهكذا ذكر كل من أشاد بهم ابن تيمية ممن يسميهم أهل الحديث أو السلف، وقد روى أبو القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي عن شعيب بن حرب قال: قلت لأبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري: حدثني بحديث من السنة ينفعني الله عز وجل به، فإذا وقفت بين يدي الله تبارك وتعالى وسألني عنه. فقال لي: «من أين أخذت هذا؟» قلت: «يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري، وأخذته عنه فأنجو أنا وتؤاخذ أنت». فقال: يا شعيب هذا توكيد وأي توكيد، اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، من قال غير هذا فهو كافر، والإيمان قول وعمل ونية، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولا يجوز القول إلا بالعمل، ولا يجوز القول والعمل إلا بالنية، ولا يجوز القول والعمل والنية إلا بموافقة السنة. قال شعيب: فقلت له: يا أبا عبد الله وما موافقة السنة؟ قال: تقدمة الشيخين أبي بكر وعمر، يا شعيب لا ينفعك ما كتبت حتى تقدم عثمان وعليا على من بعدهما، يا شعيب بن حرب لا ينفعك ما كتبت لك حتى لا تشهد لأحد بجنة ولا نار إلا للعشرة الذين شهد لهم رسول الله وكلهم من قريش، يا شعيب بن حرب لا ينفعك ما كتبت لك حتى ترى المسح على الخفين دون خلعهما أعدل عندك من غسل قدميك، يا شعيب بن حرب ولا ينفعك ما كتبت حتى يكون إخفاء بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة أفضل عندك من أن تجهر بهما.. يا شعيب لا ينفعك ما كتبت حتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد ماضيا إلى يوم القيامة، والصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل. قال شعيب: فقلت لسفيان: يا أبا عبد الله: «الصلاة كلها؟» قال: لا، ولكن صلاة الجمعة والعيدين، صل خلف من أدركت، وأما سائر ذلك فأنت مخير، لا تصل إلا خلف من تثق به، وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة، يا شعيب بن حرب إذا وقفت بين يدي الله عز وجل فسألك عن هذا الحديث فقل: يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان بن سعيد الثوري ثم خل بيني وبين ربي عز وجل)([5])

وهكذا نلاحظ في كل الكتابات السلفية سواء من المتقدمين أو المتأخرين، فهم يرون أنهم في الأصول والفروع من أصحاب الحق المطلق، ومن خالفهم فهو ضال مبتدع، أو كافر مرتد، ويبنون على هذا الكثير من الأحكام الخطيرة.

البينة الثانية:

قال القاضي: وعيت هذا.. فما البينة الثانية ؟

قال الكوثري: لم يكتف ابن تيمية باعتبار نفسه وطائفته أصحاب الحق المجرد، بل راح يفتي ويكتب الكتب الكثيرة التي تجعل من الأمة جميعا ـ ما عدا طائفته ـ كفرة ومبتدعة ومنحرفين، وهو ما لا نزال نرى آثاره الخطيرة إلى اليوم.

قال القاضي: هذا خطير.. فهل من أدلة عليه؟

قال الكوثري: كل كتب ابن تيمية مشحونة به.. فيستحيل على من قرأ كتب ابن تيمية وتأثر بها أن يبقى سليم الصدر على المسلمين.. كيف هو يراهم جميعا جهمية ومعطلة وحلولية وملاحدة..

ومن أقواله في ذلك ـ وهو يتحدث عن العلاقة بين الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، ويدخل معهم طبعا الماتريدية ـ: (من رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصرا نافذا وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء علم قطعا أنهم يلحدون فى أسمائه وآياته وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب وبما أرسل به رسله، ولهذا كانوا يقولون ان البدع مشتقة من الكفر وآيلة اليه ويقولون: إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة والأشعرية مخانيث المعتزلة، وكان يحيى بن عمار يقول المعتزلة الجهمية الذكور والأشعرية الجهمية الاناث ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية، وأما من قال منهم بكتاب الابانة الذى صنفه الاشعرى فى آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة لكن مجرد الانتساب الى الأشعرى بدعة)([6])

وهكذا يقول في موضع آخر ببذاءته وصلفه: (فالمعتزلة فى الصفات مخانيث الجهمية، وأما الكلابية في الصفات وكذلك الأشعرية ولكنهم كما قال أبو إسماعيل الأنصارى الأشعرية الإناث هم مخانيث المعتزلة ومن الناس من يقول المعتزلة مخانيث الفلاسفة لأنه لم يعلم أن جهما سبقهم الى هذا الأصل أو لأنهم مخانيثهم من بعض الوجوه) ([7])

وقد ذكر ابن تيمية أثناء ذمه للأشاعرة أن أمر المعتزلة واضح، وأن العلماء من سلفه كفوه شأنهم، فقال: (كما يقال الأشعرية مخانيث المعتزلة والمعتزلة مخانيث الفلاسفة لكن لما شاع بين الأمة فساد مذهب المعتزلة ونفرت القلوب عنهم صرتم تظهرون الرد عليهم في بعض المواضع مع مقاربتكم أو موافقتكم لهم في الحقيقة وهم سموا أنفسهم أهل التوحيد لاعتقادهم أن التوحيد هو نفي الصفات، وأنتم وافقتموهم على تسمية أنفسكم أهل التوحيد وجعلتم نفي بعض الصفات من التوحيد وسموا ما ابتدعوه من الكلام الفاسد إما في الحكم وإما في الدليل أصول الدين وأنتم شاركتموهم في ذلك وقد علمتم ذم السلف والأئمة لهذا الكلام بل علم من يعرف دين الإسلام وما بعث الله به نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام ما فيه من المخالفة لكتب الله وأنبيائه ورسله وقد بسطنا الكلام على فساد هذه الأصول في غير هذا الموضع)([8])

التفت القاضي إلي، وقال: ما تقول أنت؟

قلت: صدق سيدي القاضي، وأحب أن أذكر لك فقط بأن ذلك الكلام الذي قاله ابن تيمية فيه قذف عظيم، وسب شنيع، فقد ذكر المخانيث في كتبه الأخرى، فقال: (فكيف بما هو حرام خارج عن العبادة كالنظر إلى البغي والمباشرة لها فكيف بالنظر إلى المردان الصباح المخانيث وغير المخانيث والمباشرة لهن ثم هذا قد يفعل لمجرد شهوة النظر فيكون قبيحا مكروها خارج العبادة فكيف في حال العبادة)([9])

وقال في تعريف المخنثين: (الوجه الخامس تشبيه الرجال بالنساء فإن المغاني كان السلف يسمونهم مخانيث لأن الغناء من عمل النساء ولم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يغني في الأعراس إلا النساء كالإماء والجواري الحديثات السن فإذا تشبه بهم الرجل كان مخنثا وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء، وهكذا فيمن يحضرون في السماع من المردان الذين يسمونهم الشهود فيهم من التخنث بقدر ما تشبهوا بالنساء وعليهم من اللعنة بقدر ذلك وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر بنفي المخنثين وقال أخرجوهم من بيوتكم)([10])  

وقال: (وأحدث بعد أولئك أيضا الاستماع من المخانيث المعروفين بالغناء لأهل الفسوق والزنا وربما استمعوه من الصبيان الـمُرْدان أو من النسوان الملاح كما يفعل أهل الدساكر والمواخير وقد يجمعون في السماع أنواع الفساق والفجار)([11])  

وقد صرح ابن القيم بهذا المعنى الذي استفاده من شيخه ابن تيمية، فقال في نونيته التي لا تزال تحفظ([12]):

أهون بذا الطاغوت لا عز اسمه  ‍
كم من أسير بل جريح بل قتيل  ‍
وترى الجبان يكاد يخلع قلبه  ‍
وترى المخنث حين يقرع سمعه  ‍
ويظل منكوحاً لكل معطـــــل
  طاغوت ذي التعطيل والكفران
  تحت ذا الطاغوت في الأزمان
  من لفظه تبا لكل جبان
  تبدو عليه شمائل النسوان
  ولكل زنديق أخــــي كــــــفران

البينة الثالثة:

قال القاضي: وعيت هذا.. فما البينة الثالثة؟

قال الكوثري: لم يكتف ابن تيمية بتلك التلميحات، ولا بذلك السباب، بل كان يصرح بتكفير المخالفين إما بلسانه أو بلسان من يعتمده من سلفه،  ومن ذلك قوله: (كان الشيخ أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفرايني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علما وأصحابا اذا سعى الى الجمعة من قطعية الكرج الى جامع المنصور يدخل الرباط المعروف بالزوزي المحاذي للجامع ويقبل على من حضر ويقول اشهدوا على بأن القرآن كلام الله غير مخلوق كما قاله الإمام ابن حنبل لا كما يقوله الباقلاني وتكرر ذلك منه جمعات)([13])

وهو يشير بهذا إلى أن الباقلاني ـ وهو إمام من أئمة الأشاعرة الكبار ـ يقول بخلق القرآن.. وهو ينقل مع هذا القول ما يدعيه من إجماعات في تكفير من يقول بخلق القرآن.

وهكذا نراه في [مجموع الفتاوى] يقول: (فقال الشيخ كمال الدين لصدر الدين ابن الوكيل: قد قلت فى ذلك المجلس للشيخ تقى الدين أنه من قال إن حرفا من القرآن مخلوق فهو كافر، فأعاده مرارا، فغضب هنا الشيخ كمال الدين غضبا شديدا ورفع صوته، وقال هذا يكفر أصحابنا المتكلمين الأشعرية الذين يقولون: إن حروف القرآن مخلوقة مثل امام الحرمين وغيره، وما نصبر على تكفير أصحابنا)([14])

وهكذا نراه في مسألة الرؤية، والتي اتفق السلفية على تكفير جاحدها، فقد قال ابن تيمية: (أئمة أصحاب الأشعري لما تأملوا ذلك عادوا في الرؤية إلى قول المعتزلة وفسروها بزيادة العلم كما يفسرها الجهمية وهذا في الحقيقة تعطيل للرؤية)([15])

وهكذا نراه ينقل كثيرا عن الشيخ أبي إسماعيل الهروي (المتوفى: 481هـ) ومن كتابه في [ذم الكلام وأهله]، وهو كتاب مشحون بتكفير الأشاعرة، وقد نقل ابن تيمية الكثير منه مستحسنا له، ومن ذلك قوله في [بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]: (وقال شيخ الاسلام أبو اسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري في كتاب ذم الكلام في آخره لما عقد بابا في ذكر هؤلاء الأشعرية المتأخرين فقال: باب في ذكر كلام الأشعري: (ولما نظر المبرزون من علماء الأمة وأهل الفهم من أهل السنة طوايا كلام الجهمية وما أودعته من رموز الفلاسفة ولم يقع منهم الا على التعطيل البحت، وأن قطب مذهبهم ومنتهى عقدتهم ما صرحت به رؤوس الزنادقة قبلهم، والفلك دوار والسماء خالية، وأن قولهم إنه تعالى في كل موضع وفي كل شيء ما استثنوا جوف كلب ولا جوف خنزير ولا حشا فرارا من الإثبات وذهابا عن التحقيق.. وقال أولئك ليس له كلام إنما خلق كلاما وهؤلاء يقولون تكلم مرة فهو متكلم به منذ تكلم لم ينقطع الكلام، ولا يوجد كلامه في موضع ليس هو به، ثم يقولون ليس هو في مكان، ثم قالوا ليس له صوت ولا حروف، وقالوا هذا زاج وورق وهذا صوف وخشب وهذا إنما قصد النفس وأريد به التفسير، وهذا صوت القاري إما يرى حسن وغير حسن وهذا لفظه أو ما تراه مجازا به حتى قال رأس من رؤوسهم: أو يكون قرآن من لبد وقال آخر من خشب، فراوغوا، فقالوا هذا حكاية عبر بها عن القرآن والله تكلم مرة ولا يتكلم بعد ذلك، ثم قالوا غير مخلوق، ومن قال مخلوق كافر، وهذا من فخوخهم يصطادون به قلوب عوام أهل السنة، وإنما اعتقادهم أن القرآن غير موجود لفظية الجهمية الذكور بمرة والجهمية الإناث بعشر مرات)([16])

وقد أقر ابن تيمية كلام الهروي، وأن الأشاعرة جهمية في باب صفة الكلام، وأنهم بذلك وقعوا في هذه البدعة المكفرة بإجماعهم.

وقد ذكر الشيخ الهروي سلفه في هذا، فقال: (ورأيت يحيى بن عمار ما لا أحصي من مرة على منبره يكفرهم ويلعنهم، ويشهد على أبي الحسن الأشعري بالزندقة، وكذلك رأيت عمر بن إبراهيم ومشائخنا)([17])

قال القاضي: بمناسبة ذكرك للأشاعرة.. لقد سمعت من بعض المصادر أن ابن تيمية أثنى عليهم، وذكر أنه يثني عليهم، بل يذكر أنهم أقرب إلى أهل السنة.

ابتسم الكوثري، وقال: ذلك من خدعه الكبرى سيدي القاضي، لأن الأشاعرة في زمنه كانت لهم الغلبة والسلطة، فلذلك خشي منهم، فاستبدل التصريح بكفرهم بالتلميح..

قال القاضي: نحن لا يمكننا الحكم من خلال التلميحات.. بل نحتاج للتصريحات.

قال الكوثري: صدقت سيدي القاضي.. وسأذكر لك قول بعض تلاميذ ابن تيمية المتأخرين في بيان معنى ما ذكرته من قول ابن تيمية.. فقد قال: (ليس معنى هذا تزكيتهم وأنهم من أهل السنة، بل معناه أنهم خير من الجهمية والمعتزلة على سوئهم الشديد كالقول إن النصارى أقرب إلى الإسلام من اليهود، فليس معنى هذا أن النصارى مسلمون فالله الذي قال: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: 82] قد نص على أن النصارى كفار كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ﴾ [المائدة: 73])([18])  

ورد كذلك على ما (شاع في هذا الزمن عند كثيرين إدخال الأشاعرة في أهل السنة معتمدين في هذا على كلام لابن تيمية وهو أن لأهل السنة اطلاقين: إطلاقاً عاماً وهو ما يقابل الرافضة، وإطلاقاً خاصاً والمراد بهم أهل الحديث، فعلى الإطلاق الأول تكون الأشاعرة من أهل السنة، وإذا أرادوا تعليل إدخال الأشاعرة في أهل السنة قالوا: هم أهل السنة فيما وافقوا فيه أهل السنة)([19])

وبين أن من فعل هذا من أصحاب المنهج التكفيري الخفي وقع في خطئين([20]):

الأول: في فهم كلام ابن تيمية فإنه لما ذكره أراد في استعمال عامة الناس، لا في استعمال الشرع، (وكلام العامة لاينبني عليه شرع، وإنما  يذكر من باب الإخبار ببغض الناس للرافضة، ثم على فهم هؤلاء لكلام ابن تيمية تكون المعتزلة من أهل السنة)

الثاني: أنه يلزم على تعليلهم إدخال الرافضة في أهل السنة فيما وافقوا فيه أهل السنة، وقد أورد للدلالة على هذا نصوصا من كلام ابن تيمية يوضح بها مراده، منها قوله: (فالمقصود هنا أن المشهورين من الطوائف بين أهل السنة والجماعة العامة بالبدعة ليسوا منتحلين للسلف، بل أشهر الطوائف بالبدعة الرافضة، حتى إن العامة لا تعرف من شعائر البدع إلا الرفض، والسنى في اصطلاحهم من لا يكون رافضيا، وذلك لأنهم أكثر مخالفة للأحاديث النبوية ولمعاني القرآن وأكثر قدحا في سلف الأمة وأئمتها وطعنا في جمهور الأمة من جميع الطوائف، فلما كانوا أبعد عن متابعة السلف كانوا أشهر بالبدعة)([21])

وقال في موضع آخر: (فلفظ أهل السنة يراد به من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة، وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ويقول إن القرآن غير مخلوق وإن الله يرى في الآخرة ويثبت القدر وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة.وهذا الرافضي ـ يعنى المصنف ـ جعل أهل السنة بالإصطلاح الأول، وهو اصطلاح العامة كل من ليس برافضي قالوا هو من أهل السنة، ثم أخذ ينقل عنهم مقالات لا يقولها إلا بعضهم مع تحريفه لها فكان في نقله من الكذب والإضطراب ما لا يخفى على ذوي الألباب وإذا عرف أن مراده بأهل السنة السنة العامة)([22])

 وهذا رد قوي من ابن تيمية على الذين ينقلون من كلامه ما يخدم التقية التي يمارسونها، ويقتدون بابن تيمية في ممارستها.

التفت القاضي إلي، وقال: ما تقول أنت؟

قلت: صدق سيدي القاضي.. فكتب ابن تيمية مشحونة بتكفير من يقول بما تقول به الأشاعرة والماتريدية وغيرهما من المدارس الإسلامية، وذلك وحده كاف لتكفيرهم..

قال القاضي: فهلا ضربت لي أمثلة على ذلك.

قلت: من ذلك نقله عن ابن خزيمة قوله: (من لم يقل بأن الله فوق سمواته، وأنه على عرشه، بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة)، وقال: (من لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى، فوق سبع سمواته فهو كافر حلال الدم، وكان ماله فيئا)([23])

وقد نقل ابن تيمية الإجماع على ما قاله ابن خزيمة، حيث قال في (درء تعارض العقل والنقل): (وجواب هذا أن يقال القول بأن الله تعالى فوق العالم معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.. ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك، لأنه عندهم معلوم بالاضطرار من الدين)([24])

وقال في (مجموع الفتاوى) كعادته في نقل إجماع أهل الملل والنحل: (وقد اجتمع أهل الأديان مع المسلمين على أن الله تعالى على العرش، وقالوا هم ليس على العرش شىء وقال محمد بن اسحاق بن خزيمة امام الأئمة من لم يقل: إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب فان تاب والا ضربت عنقه ثم ألقى على مزبلة لئلا يتأذى به اهل القبلة ولا أهل الذمة…)([25])

2 ـ تحريض ابن تيمية على المدارس العقدية:

قال القاضي: وعيت هذا.. فهات الشاهد الثاني.

قال الكوثري: الشاهد الثاني ـ سيدي القاضي ـ هو تحريض ابن تيمية على أتباع المدارس العقدية المخالفة له ولسلفه، بكل أنواع التحريض، ابتداء من الهجر والقطيعة، وانتهاء بالاستتابة والقتل.

قال القاضي: إن ما تذكره خطير.

قال الكوثري: وأنا مسؤول عنه.. ولي الأدلة الوافية عليه.

قال القاضي: يكفيني أن تذكر تصريحا واحدا يدل على هذا..

قال الكوثري: تصريحاته في هذا كثيرة جدا.. منها قوله ـ عند ذكره للشيخ أبي حامد الإسفرائني ـ: (قال الشيخ أبو الحسن: وكان الشيخ أبو حامد الإسفرايني شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب الكلام، قال ولم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري، ويتبرؤون مما بنى الأشعري مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة منهم الحافظ المؤتمن بن أحمد بن على الساجي يقولون: سمعنا جماعة من المشايخ الثقات قالوا كان الشيخ أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفرايني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علمًا وأصحابا إذا سعى إلى الجمعة من قطعية الكرج إلى جامع المنصور يدخل الرباط المعروف بالزوزي المحاذي للجامع ويقبل على من حضر ويقول اشهدوا على بأن القرآن كلام الله غير مخلوق كما قاله الإمام ابن حنبل، لا كما يقوله الباقلاني وتكرر ذلك منه جمعات فقيل له في ذلك، فقال: حتى ينتشر في الناس وفي أهل الصلاح ويشيع الخبر في أهل البلاد  أني بريء مما هم عليه ـ يعني الأشعرية ـ وبريء من مذهب أبي بكر بن الباقلاني فإن جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية ويقرؤون عليه فيفتنون بمذهبه، فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة فيظن ظان أنهم منى تعلموه قبله، وأنا ما قلته وأنا بريء من مذهب البلاقلاني وعقيدته)([26])

وقد ذكر ابن تيمية مستحسنا المعاناة الشديدة التي كان يعانيها الباقلاني من طرف الإسفرايني وتلاميذه من السلفية، فقال: (.. قال الشيخ أبو الحسن وسمعت الفقيه الإمام أبا منصور سعد بن علي العجلي يقول: سمعت عدة من المشايخ والأئمة ببغداد أظن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أحدهم قالوا: كان أبو بكر الباقلانى يخرج إلى الحمام متبرقعاً خوفاً من الشيخ أبي حامد الإسفرايني)([27])

وهكذا نراه يضع قواعد التعامل مع المبتدعة، والذين يشملون عنده وعند أصحاب مدرسته كل المسلمين المخالفين لهم، ومن ذلك قوله:  (فإن الدعاة إلى البدع لا تُقبل شهادتهم، ولا يُصلى خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم، ولا يُناكَحون، فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا، ولهذا يفرّقون بين الداعية وغير الداعية، لأن الداعية أظهر المنكرات فاستحق العقوبة، بخــلاف الكــاتم)([28])

قال القاضي: مع خطورة ما ذكرته إلا أن الذي يعنيني هو سفك الدماء والقتل..

قال الكوثري: تصريحاته وتلميحاته في ذلك أكثر من أن تعد أو تحصى.. ومن ذلك قوله في [الفتاوى الكبرى]: (والداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق المسلمين، وعقوبته تكون تارة بالقتل، وتارة بما دونه، كما قتل السلف جهم بن صفوان، والجعد بن درهم، وغيلان القدري، وغيرهم، ولو قدر أنه لا يستحق العقوبة أو لا يمكن عقوبته فلا بد من بيان بدعته والتحذير منها، فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله به ورسوله)([29])

ثم بين نوع البدع التي يقتل على أساسها هذا النوع من الناس، فقال: (والبدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة: كبدعة الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، فإن عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط، وغيرهما قالوا: أصول اثنتين وسبعين فرقة هي أربع. الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة. قيل لابن المبارك: فالجهمية؟ قال: ليست الجهمية من أمة محمد. والجهمية نفاة الصفات الذين يقولون: القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، وأن محمدا لم يعرج به إلى الله، وأن الله لا علم له ولا قدرة ولا حياة، ونحو ذلك كما يقوله المعتزلة والمتفلسفة ومن اتبعهم) ([30])

وهذا الوصف ينطبق على جميع المدارس العقدية ما عدا المدرسة التي ينتمي إليها ابن تيمية.

وهكذا أفتى بقتل كل من يقول بخلق القرآن أو بخلق لفظه.. وهو ما تقول به جميع المدارس العقدية ما عدا المدرسة السلفية، فقد سئل في رجل قال: (إن الله لم يكلم موسى تكليما. وإنما خلق الكلام والصوت في الشجرة، وموسى عليه السلام سمع من الشجرة، لا من الله، وإن الله عز وجل لم يكلم جبريل بالقرآن، وإنما أخذه من اللوح المحفوظ، فهل هو على الصواب أم لا؟)([31])

فأجاب بقوله: (ليس هذا الصواب، بل هو ضال مفتر كاذب باتفاق الأمة وأئمتها. بل هو كافر يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وإذا قال: لا أكذب بلفظ القرآن وهو قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164] بل أقر بأن هذا اللفظ حق، لكن أنفي معناه وحقيقته، فإن هؤلاء هم الجهمية الذين اتفق السلف والأئمة على أنهم من شر أهل الأهواء والبدع، حتى أخرجهم كثير من الأئمة عن الاثنين وسبعين فرقة، وأول من قال هذه المقالة في الإسلام كان يقال له: جعد بن درهم، فضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم أضحى، فإنه خطب الناس فقال في خطبته: ضحوا أيها الناس يقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه وكان ذلك في زمن التابعين، فشكروا ذلك) ([32])

وقال في [مجموع الفتاوى]: (.. وقال عبد الله بن المبارك – الذي أجمعت فرق الأمة على إمامته وجلالته حتى قيل: إنه أمير المؤمنين في كل شيء. وقيل: ما أخرجت خراسان مثل ابن المبارك وقد أخذ عن عامة علماء وقته: مثل الثوري ومالك وأبي حنيفة والأوزاعي وطبقتهم – قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه. وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة – الملقب إمام الأئمة وهو ممن يعرج أصحاب الشافعي بما ينصره من مذهبه ويكاد يقال: ليس فيهم أعلم بذلك منه -: من لم يقل: إن الله فوق سمواته على عرشه باين من خلقه: وجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل الملة ولا أهل الذمة وكان ماله فيئا)([33])

التفت القاضي إلي، وقال: ما تقول أنت؟

قلت: صدق سيدي القاضي، وبين يدي كتب ابن تيمية، وهو يصرح فيها في مواضع كثيرة جدا بقتل كل من يقول بقول الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة وغيرهم.. بل إنه عقد فصلا طويلا في كتابه [الفتاوى الكبرى] يجمع فيه كل ما روي في تكفيرهم وقتلهم.

وقد نقل فيه مستحسنا ما ذكره اللالكائي من العقوبات الجائرة التي قام بها الخلفاء الموالين لأهل الحديث من التنكيل بالمخالفين، وقتلهم، فقال: (واستتاب أمير المؤمنين القادر بالله، حرس الله مهجته وأمد بالتوفيق أموره ووفقه من القول والعمل لما يرضى مليكته فقهاء المعتزلة الحنفية في سنة ثمان وأربعمائة فأظهروا الرجوع وتبروا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام والسنة وأخذ خطوطهم بذلك، وأنهم مهما خالفوه حل بهم من النكال والعقوبة ما يتعظ به. وامتثل يمين الدولة وأمين الملة أبو القاسم محمود يعني ابن سبكتكين، أعز الله نصره أمر أمير المؤمنين القادر بالله واستن بسننه في أعماله التي استخلفه عليها من خراسان وغيرها في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة وصلبهم وحبسهم ونفاهم، وأمر باللعن عليهم على منابر المسلمين، وإبعاد كل طائفة من أهل البدع، وطردهم عن ديارهم، وصار ذلك في الإسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. وجرى ذلك على يد الحاجب أبي الحسن علي بن عبد الصمد في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة عمم الله ذلك وثبته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين)([34])

وهكذا نقل عن آخر قوله ـ يحكي فترة من الفترات التي تولى فيها الموالين للسلفية ـ: (ولما من الله الكريم على أهل الإسلام بزمام الملك المعظم المحكم بالقوة السماوية في رقاب الأمم الملك الأجل شاهنشاه يمين خليفة الله وغياث عباد الله ظفرلنك أبي طالب محمد بن ميكائيل وقام بإحياء السنة والمناضلة عن الملة حتى لم يبق من أصناف المبتدعة إلا سل لاستئصالهم سيفا عضبا وإذاقتهم ذلا وخسفا، وعقب لآرائهم نسفا، حرجت صدور أهل البدع عن تحمل هذه النقم وضاق صبرهم عن مقاساة هذا الألم، وغموا بلعن أنفسهم على رؤوس الأشهاد بألسنتهم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت بانفرادهم بالوقوع في مهواة محبتهم)([35])

ثانيا ـ الصراع مع المدارس الفقهية

بعد أن ساق الكوثري ما ساقه من الأدلة على تكفير ابن تيمية للمدارس العقدية وتحريضه عليها، قام الهندي، وقال: أظن أن ما ذكرناه من أدلة على تكفير ابن تيمية للمدارس العقدية، وتحريضه عليها، كاف في إقناع سيدنا القاضي بذلك.. وإن لم يكن كافيا ذكرنا له المزيد.. فقد ترك لنا ابن تيمية من الفتاوى والكتب ما يجعلنا في فسحة من شأننا.

قال القاضي: أنا مقتنع بكل ما ذكرتموه.. فيكفينا في القضاء التصريح الواحد.. بالإضافة إلى أني اطلعت على بعض ما ذكره، فوجدته يؤكد ما تقولون.. فهلم بالدليل الثاني، والمتعلق بصراعه مع الفقهاء.

قال الهندي: كما حول ابن تيمية ـ هو وسلفه وخلفه ـ العقيدة الإسلامية إلى ساحة للصراع.. فقد حول الفقه المتعلق بالأمور العملية حتى في فروعه البسيطة إلى ساحة للصراع.. وهو ما ورثه أتباعه من بعده، والذين كفروا المسلمين وقتلوهم من أجل فروع فقهية بسيطة تتعلق بالدعاء أو زيارة القبور ونحوها.

قال القاضي: هذه دعوى.. ونحتاج إلى ما يثبتها.

قال الهندي: البينات الدالة على ذلك كثيرة جدا، ولعل أهمها وأكثرها خطورة مسارعة ابن تيمية للحكم بالقتل على الواقعين في الخلافات أو القضايا الفرعية البسيطة، ولهذا نجده يردد في كتبه وفتاواه كثيرا قوله: (استتيب فإن تاب وإلا قتل) ([36])

قال القاضي: فهلا ضربت لي أمثلة على ذلك تؤكد ما تقول.

قال الهندي: الأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.. ولكني سأكتفي بعشرة منها.

المثال الأول:

قال القاضي: فهات المثال الأول.

قال الهندي: من ذلك مثلا قوله تعقيبا على قوله تعالى: ﴿ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾: (يقتضي وجوب الوضوء على كل مصل مرة بعد مرة، فهو يقتضي التكرار وهذا متفق عليه بين المسلمين في الطهارة.. ولو صلى صلاة بوضوء، وأراد أن يصلي سائر الصلوات بغير وضوء: استتيب فإن تاب وإلا قتل)([37])

فقد كان في إمكانه أن يذكر الحكم الشرعي، ويكتفي به، أو يبين الحكمة منه، ولكنه لحبه للصراع، راح يهدد ويتوعد مع أن القرآن الكريم في آية الوضوء نفسها ربط الحكم الشرعي برفع الحرج، ولم يربطه بأي تهديد.

المثال الثاني:

قال القاضي: وعيت هذا.. فهات المثال الثاني.

قال الهندي: من أمثلة ذلك أنه سئل: (عمن يبوس الأرض دائما هل يأثم؟ وعمن يفعل ذلك لسبب أخذ رزق وهو مكره كذلك؟)، وهي عادة في بعض البلاد، ولدى بعض الأعراف، وقد يقصد منها احترام محل معين، أو شخص معين، مثلما ذكر القرآن الكريم عن سجود إخوة يوسف عليه السلام لأخيهم تعظيما له.

لكن ابن تيمية لم يلتفت لهذا، بل راح يجرم هذا التصرف، ويحكم بالقتل على فاعله من غير التماس أي عذر له، حيث قال: (أما تقبيل الأرض ورفع الرأس ونحو ذلك مما فيه السجود مما يفعل قدام بعض الشيوخ وبعض الملوك: فلا يجوز؛ بل لا يجوز الانحناء كالركوع أيضا كما قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الرجل منا يلقى أخاه أينحني له؟ قال: لا.. وأما فعل ذلك تدينا وتقربا فهذا من أعظم المنكرات، ومن اعتقد مثل هذا قربة وتدينا فهو ضال مفتر بل يبين له أن هذا ليس بدين ولا قربة فإن أصر على ذلك استتيب فإن تاب وإلا قتل)([38])

المثال الثالث:

قال القاضي: وعيت هذا.. فهات المثال الثالث.

قال الهندي: من أمثلة ذلك قوله ـ وهو يشير إلى الصوفية والشيعة وغيرهم ممن يعظمون الأولياء، ويتوسلون بهم إلى الله في قضاء حوائجهم ـ: (فمن اعتقد في بشر أنه إله؛ أو دعا ميتا؛ أو طلب منه الرزق والنصر والهداية وتوكل عليه أو سجد له فإنه يستتاب. فإن تاب وإلا ضربت عنقه. ومن فضل أحدا من المشايخ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو اعتقد أن أحدا يستغني عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استتيب. فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وكذلك من اعتقد أن أحدا من أولياء الله يكون مع محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما كان الخضر مع موسى عليه السلام فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.. فمن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله)([39])

وقد كانت هذه الفتاوى وغيرها أداة بعد ذلك لابن عبد الوهاب وتلاميذه ليكفروا المسلمين، ويضربوا أعناقهم، مستشهدين لكل ذلك بأمثال هذه الفتاوى.

المثال الرابع:

قال القاضي: وعيت هذا.. فهات المثال الرابع.

قال الهندي: من أمثلة ذلك تشدد ابن تيمية مع الغناء، وخصوصا ما كان يمارسه الصوفية من الغناء والإنشاد المهيج للمحبة الإلهية أو للشوق لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونحو ذلك من المعاني التي لا تزال تردد في المجالس الصوفية.. فلم يكتف ببيان موقف من حرمها والانتصار له، بل راح يفتي بقتل من يفعل ذلك..

فقد قال في [مجموع الفتاوى]: (فأما السماع  المشتمل على منكرات الدين فمن عده من القربات استتيب فإن تاب وإلا قتل. وإن كان متأولا جاهلا بين له خطأ تأويله وبين له العلم الذي يزيل الجهل. هذا من كونه طريقا إلى الله. وأما كونه محرما على من يفعله على وجه اللهو واللعب لا على وجه القربة إلى الله فهذا فيه تفصيل فأما المشتمل على الشبابات والدفوف المصلصلة فمذهب الأئمة الأربعة تحريمه..)([40])

وهو بفتواه الخطيرة هذه يحكم بقتل كل الصوفية الذين يعتمدون في هذا على ما ذكره سلفهم من العلماء كأبي حامد الغزالي والسيوطي وغيرهم، والذين يرون إباحة هذا، بل استحبابه، باعتباره نوعا من أنواع ذكر الله، ووسيلة من وسائل الدعوة إلى محبة الله والقرب منه.

وقد كان في إمكان ابن تيمية أن يراجع ما ذكره الغزالي الذي كتب كتابا كاملا في السماع الصوفي، وبين أهميته، وذكر الأدلة الكثيرة على مشروعيته.. لكن ابن تيمية لا يهتم بالخلاف، ولا يراعيه.. لأن الغزالي عنده مبتدع، والمبتدع لا عبرة بخلافه.

المثال الخامس:

قال القاضي: وعيت هذا.. فهات المثال الخامس.

قال الهندي: من أمثلة ذلك قوله في بيان بعض أحكام الرضاع: (ولا فرق باتفاق المسلمين بين أولاد المرأة الذين رضعوا مع الطفل وبين من ولد لها قبل الرضاعة وبعد الرضاعة: باتفاق المسلمين. وما يظنه كثير من الجهال أنه إنما يحرم من رضع معه: هو ضلال على صاحبه إن لم يرجع عنه، فإن أصر على استحلال ذلك استتيب كما يستتاب سائر من أباح الإخوة من الرضاعة فإن تاب وإلا قتل)([41])

المثال السادس:

قال القاضي: وعيت هذا.. فهات المثال السادس.

قال الهندي: من أمثلة ذلك فتواه حول سؤال بسيط عن أثر متداول بين عامة الناس يقول: (من علمك آية من كتاب الله فكأنما ملك رقك إن شاء باعك وإن شاء أعتقك)، وقد كان في إمكانه أن يذكر المعنى المراد من النص، وأنه قصد به المبالغة، ويبين من خلاله قيمة التعليم وأهميته.. لكن ابن تيمية، وللصراع الذي تعلمه من سلفه راح يقول: (ليس هذا في شيء من كتب المسلمين؛ لا في الستة ولا في غيرها؛ بل مخالف لإجماع المسلمين؛ فإن من علم غيره لا يصير به مالكا إن شاء باعه وإن شاء أعتقه ومن اعتقد هذا فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل)([42])

المثال السابع:

قال القاضي: وعيت هذا.. فهات المثال السابع.

قال الهندي: من أمثلة ذلك قوله في حكم فرعي بسيط يتعلق ببعض مسائل السفر: (ومن قال إنه يجب على كل مسافر أن يصلي أربعا فهو بمنزلة من قال: إنه يجب على المسافر أن يصوم شهر رمضان، وكلاهما ضلال، مخالف لإجماع المسلمين، يستتاب قائله، فإن تاب وإلا قتل)([43])

وقد كان في إمكانه أن يشرح الحكمة الشرعية من هذا، ويبين من خلالها رحمة الله بعباده، ولكنه ـ لحبه للصراع ـ صار يحول من الرخصة وسيلة لسفك الدماء.

المثال الثامن:

قال القاضي: وعيت هذا.. فهات المثال الثامن.

قال الهندي: من أمثلة ذلك قوله جوابا لمن سأله عن الفرق بين الطلاق والحلف: (الصيغ التي يتكلم بها الناس في الطلاق والعتاق والنذر والظهار والحرام ثلاثة أنواع:  النوع الأول:  صيغة التنجيز مثل أن يقول: امرأتي طالق. أو: أنت طالق. أو: فلانة طالق. أو هي مطلقة. ونحو ذلك: فهذا يقع به الطلاق ولا تنفع فيه الكفارة بإجماع المسلمين. ومن قال: إن هذا فيه كفارة فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل. وكذلك إذا قال: عبدي حر. أو علي صيام شهر. أو: عتق رقبة. أو: الحل علي حرام. أو: أنت علي كظهر أمي: فهذه كلها إيقاعات لهذه العقود بصيغ التنجيز والإطلاق)([44])

المثال التاسع:

قال القاضي: وعيت هذا.. فهات المثال التاسع.

قال الهندي: من أمثلة ذلك قوله في حكم الرضعات الخمس، وهي مسألة خلافية، لأن هناك من يقول بالتحريم بعشر رضعات: (إذا أرضعتها الداية خمس رضعات في الحولين صارت بنتا لها؛ فجميع أولاد المرضعة حرام على هذه المرضعة؛ وإن ولد قبل الرضاع أو بعده. وهذا باتفاق المسلمين. ومن استحل ذلك فإنه يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل)([45])

وهكذا قال فيمن يرى وجوب أخذ أخذ الأجرة على بعض الأعمال كالآذان وتعليم القرآن ونحوه: (فلم يقل أحد من المسلمين أن عمل هذه الأعمال بغير أجر لا يجوز. ومن قال: إن ذلك لا يجوز؛ فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل)([46])

المثال العاشر:

قال القاضي: وعيت هذا.. فهات المثال العاشر.

قال الهندي: من أمثلة ذلك أنه سئل (عن رجل قيل له: لا يجوز الجهر بالنية في الصلاة ولا أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: صحيح أنه ما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا أمر به لكن ما نهى عنه ولا تبطل صلاة من جهر بها. ثم إنه قال: لنا بدعة حسنة وبدعة سيئة واحتج بالتراويح..)([47])

فأجاب بقوله: (الجهر بالنية في الصلاة من البدع السيئة ليس من البدع الحسنة، وهذا متفق عليه بين المسلمين لم يقل أحد منهم إن الجهر بالنية مستحب ولا هو بدعة حسنة، فمن قال ذلك فقد خالف سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإجماع الأئمة الأربعة وغيرهم. وقائل هذا يستتاب فإن تاب وإلا عوقب بما يستحقه) ([48])

وقد وضح نوع هذه العقوبة، فقال في [الفتاوى الكبرى] عندما سئل عن مثل هذه المسألة: (الجهر بلفظ النية ليس مشروعا عند أحد من علماء المسلمين، ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا فعله أحد من خلفائه وأصحابه، وسلف الأمة وأئمتها، ومن ادعى أن ذلك دين الله، وأنه واجب، فإنه يجب تعريفه الشريعة، واستتابته من هذا القول، فإن أصر على ذلك قتل)([49])

وخطورة هذه الفتوى لا تكمن فقط في هذا الحكم الفرعي البسيط الذي وقع فيه الخلاف بين المسلمين، بل في تشريعه قتل كل مجتهد بما لا يجوز السلفية الاجتهاد فيه..

وتطبيق هذه الفتوى على أتباع المذاهب الأربعة وحدهم كفيل بقتل جميعهم، أو قتل أكثرهم، لتصبح المساجد محلا لقطع الرؤوس، ولاستحلال الدماء.

التفت القاضي إلي، وقال: أحقا ما يقول؟

قلت: أجل ـ سيدي القاضي ـ فقد استحسن الكثير من الفقهاء من المذاهب الأربعة وغيرهم التلفظ بالنية لتأكيدها، وأقلهم من لم ير في ذلك بأسا.. وابن تيمية يصارع بذلك كل من يقول بذلك، ويعتبره مخالفا للشرع، ويجب تعريفه به، ثم قتله بعد ذلك.

قال القاضي: فهلا ذكرت لي من أقوال الفقهاء ما يدل على ذلك.

قلت: أجل سيدي القاضي.. فمن أقوال الحنفية في ذلك ما ذكره الحصكفي في الدر المختار عند كلامه عن نية الوضوء، فقد قال: (والجمع بين نية القلب وفعل اللسان هذه رتبة وسطى بين من سن التلفظ بالنية ومن كرهه لعدم نقله عن السلف)

وقال ابن عابدين في حاشيته تعليقا على ذلك:  (قوله: (هذه) يعني الطريقة التي مشى عليها المصنف حيث جعل التلفظ بالنية مندوباً لا سُنة ولا مكروها)

وقال الإمام عثمان الزيلعي الحنفي في كتابه [تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق]: (والشرط أن يعلم بقلبه أي صلاة يصلي) وأدناه أن يصير بحيث لو سُئل عنها أمكنه أن يجيب من غير فكرة، وأما التلفظ بها فليس بشرط ولكن يحسن لاجتماع عزيمته)

ومن أقوال المالكية حول المسألة ما قاله العلامة الدردير في [الشرح الكبير]: (ولفظه: أي تلفظ المصلي بما يفيد النية كأن يقول نويت صلاة فرض الظهر مثلا (واسع) أي جائز بمعنى خلاف الأولى. والأولى  أن لا يتلفظ لأن النية محلها القلب ولا مدخل للسان فيها)

وقال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير: (لكن يستثنى منه الموسوس فإنه يستحب له التلفظ بما يفيد النية ليذهب عنه اللبس)

ومن أقوال الشافعية فيها ما نص عليه النووي بقوله في [المجموع]: (النية الواجبة في الوضوء هي النية بالقلب ولا يجب اللفظ باللسان معها، ولا يجزئ وحده وإن جمعهما فهو آكد وأفضل، هكذا قاله الأصحاب واتفقوا عليه)

وقال زكريا الأنصاري في [أسنى المطالب] وهو يعدد سنن ومستحبات الوضوء: (والتلفظ بها: ليساعد اللسان القلب، وللخروج من خلاف من أوجبه (سرا)

قال ابن علان الصديقي الشافعي في كتابه [الفتوحات الربانية على الإذكار النووية]: (يسن النطق بها ليساعد اللسان القلب ولأنه صلى الله عليه وآله وسلم نطق بها في الحج فقسنا عليه سائر العبادات، وعدم وروده لا يدل على عدم وقوعه، وأيضا فهو صلى الله عليه وآله وسلم لا يأتي إلا بالأكمل، وهو أفضل من تركه والنقل الضروري حاصل بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يواظب على ترك الأفضل طول عمره، فثبت أنه أتى في نحو الوضوء والصلاة بالنية مع النطق ولم يثبت أنه تركه والشك لا يعارض اليقين، ومن ثم أجمع عليه الأمة في سائر الأزمنة)

ومن أقوال الحنابلة فيها ما نص عليه المرداوي في [الإنصاف] من قوله: (لا يستحب التلفظ بالنية على أحد الوجهين.. الوجه الثاني: يستحب التلفظ بها سرا، وهو المذهب، قدمه في الفروع، وجزم به ابن عبيدان، والتلخيص، وابن تميم، وابن رزين. قال الزركشي: هو الأولى عند كثير من المتأخرين)

وقال البهوتي في [كشاف القناع]: (واستحبه) أي التلفظ بالنية (سرا مع القلب كثير من المتأخرين) ليوافق اللسان القلب قال في الإنصاف: والوجه الثاني يستحب التلفظ بها سرا وهو المذهب)

وهكذا ترى سيدي القاضي كل هؤلاء.. وهم أعلام المذاهب الإسلامية الكبرى.. لم يتجرأ أحد منهم على الحكم على من فعل ذلك بالقتل إلا ابن تيمية.. فهو لم يكتف بتخطئتهم في المسألة، وإنما راح يحكم عليهم بما ورثه من سلفه من صراع.

ثالثا ـ الصراع مع الصوفية

بعد أن ساق الهندي ما ساقه من الأدلة على تكفير ابن تيمية للمدارس العقدية وتحريضه عليها، قام الإسكندري، وقال: أظن أن ما ذكرناه من أدلة على مواقف ابن تيمية من الفقه والفقهاء، وتحويله الشريعة السمحة إلى وسيلة للتهديد وسفك الدماء كافية في إقناع سيدنا القاضي بذلك.. وإن لم تكن كافية ذكرنا له المزيد.. فما أكثر فتاوى ابن تيمية الداعية لهدر الدماء لأجل أبسط الأمور، وأقل الشؤون..

قال القاضي: بل أنا مقتنع بما ذكرتكم.. فانتقلوا بنا إلى الدليل الثالث.

قال الإسكندري: الدليل الثالث ـ سيدي القاضي ـ مرتبط بنا معشر الصوفية.. فقد نفث فينا كل أحقاده، ونشر بين أتباعه ما يشوهنا ويحولنا إلى حلولية وملاحدة.. بل ترك من التراث ما تحول من بعده ـ وخصوصا في عهد تلميذه النجيب ابن عبد الوهاب ـ إلى سيوف ورماح تقطع أوصالنا.

قال القاضي: لكني سمعت أن ابن تيمية كان متسامحا مع الصوفية.. بل كان يثني على كبارهم.

قال الإسكندري: أجل.. ذلك صحيح.. ونحن لا نشكك فيه، ولكن ذلك كان مجرد طلاء وزخرف لا أثر له في علاقته بنا.

قال القاضي: لم أفهم.. ما تقصد بذلك؟

قال الإسكندري: أرأيت سيدي القاضي لو أن جيشا من الجيوش هم باقتحام بلدة، فجاء شيخ من الشيوخ ليتوسط لأهلها، فقال مخاطبا قائد الجيش: انتظروا قبل أن تقتحموا هذه البلدة، فإن أسلافهم وأجدادهم كانوا من الصالحين، وكانوا متمسكين بالسنة، وكانوا يقولون بأقوالنا في كل شيء.. فقال له قائد الجيش: فهل تنصحنا بعدم اقتحامها؟.. فقال له الشيخ: أنا لم أطلب منكم ذلك.. بل ذكرت لكم أن أسلافهم كانوا كما وصفت.. أما هؤلاء فقد بدلوا وغيروا وحرفوا.. وهم يستحقون كل ما تفعلون بهم.. بل إنكم تتقربون إلى الله بالتنكيل بهم جزاء على تغييرهم وتحريفهم وتبديلهم.

فهل تعتبر هذا سيدي القاضي شافعا وناصحا لأهل تلك البلدة، أم تراه عدوا من أعدائها.

قال القاضي: بل هو عدو من أعدائها.. بل هو لا يقل عن قائد الجيش نفسه.

قال الإسكندري: فهكذا فعل ابن تيمية مع الصوفية.. وما ذكرته لك من المثال هو الواقع الذي حصل للصوفية بسبب ابن تيمية.. فقد استعمل ابن عبد الوهاب تلميذ ابن تيمية النجيب كل ما في تراث ابن تيمية من تكفير ليقتلنا ـ معشر الصوفية ـ وينكل بنا، ويتهمنا بكل أنواع التهم.

قال القاضي: إن ما ذكرته خطير.. وهو يحتاج شهودا يدلون عليه.

قال الإسكندري: لك ذلك سيدي القاضي.. وقد أحضرت لك شاهدين عدلين يدلان عليه.

قال القاضي: فما أولهما؟

 قال الإسكندري: أولهما موقف ابن تيمية من ممارسات الصوفية وسلوكاتهم ومناهجهم التي اجتهدوا فيها بناء على فهمهم للشريعة وقراءتهم لها.. وهي مواقف عدائية تبدأ بالتبديع والتضليل، وتنتهي بالتكفير والتقتيل.

قال القاضي: فما الثاني؟

قال الإسكندري: الثاني هو موقفه من المعارف الصوفية، والفتوح التي فتح الله بها عليهم.. وهي مواقف تنتهي بالتكفير الذي يشمل الصوفية بجميع أعلامها ومدارسها.

1 ـ ابن تيمية والممارسات الصوفية:

قال القاضي: فهات الشاهد الأول.

قال الإسكندري: الشاهد الأول ـ سيدي القاضي ـ هو موقف ابن تيمية المتشدد من الممارسات التي ارتضاها الصوفية لأنفسهم، بناء على فهمهم للشريعة السمحة وقراءتهم لها.

قال القاضي: هلا وضحت لي هذا الفهم، وبينت لي حقيقة هذه القراءة حتى أفهم بعدها موقف ابن تيمية منها، فلعله يكون له بعض الصواب في موقفه.

قال الإسكندري: اعلم ـ سيدي القاضي ـ أن أصحابنا من الصوفية يفرقون بين أمرين مهمين في فهمهم للإسلام، وتعاملهم معه، يعبران عنهما بمصطلحين: الشريعة والطريقة.. أو الأحكام الشرعية، وكيفية تنزيلها وتطبيقها في الواقع بحسب كل شخص.

وهم يقرون، بل يذكرون كل حين أن الشريعة تحتاج إلى نبي مرسل معصوم، وأنه لا يجوز أن يضاف إليها شيء أو يحذف منها شيء، وأن البدعة في أحداث شيء في الدين لم يأذن به الله ولا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

أما الطريقة، وهي المنهج العملي الذي تطبق به الشريعة، وخاصة في أحكامها الروحية والتربوية،  فهي محل للاجتهاد والنظر والتجربة.. فما يصلح لتربية شخص، قد لا يصلح لغيره.

ولذلك ينص الصوفية على أن الشريعة واحدة بينما الطرق لا حد لها، كما لا حد للطبائع الإنسانية، أو كما قال الشيخ محي الدين بن عربي: (الطرق إلى الله عدد أنفاس الخلائق)([50])

وبذلك فإن الطرق الصوفية مع مشربها الواحد، وهو الشريعة إلا أنها تختلف في تطبيقها باعتبارين:

الاعتبار الأول: هو رؤية الشيخ لكيفية التربية، فالبعض يغلب في تسليكه للمريدين طريقة المجاهدة، وآخرون يستعملون طرقا أخرى، ومن هنا نجد في الطرق الصوفية وصف بعض الطرق بكونها طريقة مجاهدة، أو طريقة شكر، أو غير ذلك.

الاعتبار الثاني: هو اختلاف طبائع المريدين وحاجاتهم، وهذا من يجعل الشيخ يبحث في الشريعة عما يتناسب مع حاجة هذا المريد أو ذاك، كما عبر عن ذلك الشيخ عبد القادر عيسى، فقال عند حديثه عند تعدد الأوراد في الطرق: (وبما أن صيغ الأذكار كثيرة متنوعة، ولكل صيغة تأثير قلبي خاص ومفعول نفسي معين، فإن مرشدي السادة الصوفية – أطباء القلوب وورَّاث الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في الدعوة والتوجيه والتربية – يأذنون لمريديهم بأذكار معينة تتناسب مع أحوالهم وحاجاتهم، وترقيهم في السير إلى رضوان الله تعالى، وذلك كما يعطي الطبيب الجسماني للمريض أنواعاً من الأدوية والعلاجات تتلاءم مع علله وأسقامه، ثم يبدل له الدواء حسب تقدمه نحو الشفاء، ولهذا لا بد للمريد السالك أن يكون على صلة بالمرشد، يستشيره ويذاكره، ويعرض عليه ما يجده في الذكر من فوائد روحية، وأحوال قلبية، وحظوظ نفسية، وبذلك يترقى في السير، ويتدرج في السمو الخُلقي والمعارف الإلهية)([51])

وبناء على هذا تعددت طرائق المربين، وانتهجوا المناهج المختلفة التي يجذبون بها قلوب المريدين للحضرة الإلهية والحضرة النبوية.. وعلى أساسها يقومون سلوكهم وأخلاقهم.

وقد أشار أبو حامد الغزالي عند بيان ضرورة الشيخ للسلوك إلى هذا، فقال: (.. إن كان المريد مبتدئا جاهلا بحدود الشرع، فيعلمه أولا الطهارة والصلاة وظواهر العبادات، وإن كان مشغولا بمال حرام أو مقارفا لمعصية، فيأمره أولا بتركها، فإذا تزين ظاهره بالعبادات وطهر عن المعاصي الظاهرة جوارحه نظر بقرائن الأحوال إلى باطنه ليتفطن لأخلاقه وأمراض قلبه، فإن رأى معه مالا فاضلا عن قدر ضرورته أخذه منه وصرفه إلى الخيرات وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه، وإن رأى الرعونة والكبر وعزة النفس غالبة عليه فيأمره أن يخرج إلى الأسواق للكدية والسؤال فإن عزة النفس والرياسة لا تنكسر إلا بالذل ولا ذل أعظم من ذل السؤال فيكلفه المواظبة على ذلك مدة حتى ينكسر كبره وعز نفسه.. وإن رأى الغالب عليه النظافة في البدن والثياب ورأى قلبه مائلا إلى ذلك فرحا به ملتفتا إليه استخدمه في تعهد بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان حتى تتشوش عليه رعونته في النظافة، فإن الذين ينظفون ثيابهم ويزينونها ويطلبون المرقعات النظيفة والسجادات الملونة لا فرق بينهم وبين العروس التي تزين نفسها طول النهار، فلا فرق بين أن يعبد الإنسان نفسه أو يعبد صنما، فمهما عبد غير الله تعالى فقد حجب عن الله ومن راعى في ثوبه شيئا سوى كونه حلالا وطاهرا مراعاة يلتفت إليها قلبه فهو مشغول بنفسه)([52])

وهكذا يذكر أبو حامد – كما يذكر الصوفية جميعا – أن للشيخ المربي أن يستعمل أحيانا من الحيل ما يستطيع أن يهذب به مريديه، فإذا كان المريد – مثلا – (لا يسخو بترك الرعونة رأسا أو بترك صفة أخرى ولم يسمح بضدها.. فينبغي أن ينقله من الخلق المذموم إلى خلق مذموم آخر أخف منه، كالذي يغسل الدم بالبول، ثم يغسل البول بالماء إذا كان الماء لا يزيل الدم، كما يرغب الصبي في المكتب باللعب بالكرة والصولجان وما أشبهه، ثم ينقل من اللعب إلى الزينة وفاخر الثياب، ثم ينقل من ذلك بالترغيب في الرياسة وطلب الجاه، ثم ينقل من الجاه بالترغيب في الآخرة، فكذلك من لم تسمح نفسه بترك الجاه دفعة، فلينقل إلى جاه أخف منه، وكذلك سائر الصفات وكذلك إذا رأى شره الطعام غالبا عليه ألزمه الصوم وتقليل الطعام، ثم يكلفه أن يهيءالأطعمة اللذيذة ويقدمها إلى غيره وهو لا يأكل منها حتى يقوى بذلك نفسه فيتعود الصبر وينكسر شرهه)([53])

وهكذا يذكر الشيخ أبو حامد وهو الفقيه الأصولي أن للشيخ أن يمنع بعض المباحات عن المريد أو يكلفه ببعض ما لم يوجبه الشرع لتستقيم نفسه بذلك، ولعل ما ذكره القرآن الكريم من نهي طالوت لجنده من شرب الماء مع توفره، بل مع كثرته إشارة إلى هذا، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ [البقرة: 249]، وذلك لأن الجندي الذي لا يطيق أن يصبر على الماء لا يمكنه أن يصبر على مواجهة جالوت، وكم في النفس من (جالوت)

قال القاضي: وعيت هذا.. وهو واضح لا حرج فيه، فهل أنكر ابن تيمية مثل هذا؟

قال الإسكندري: ليته اكتفى بالإنكار.. بل ليته اكتفى بتحريم ما يمارسه الصوفية لتهذيب المريدين ونشر القيم الروحية والأخلاقية في المجتمع.. بل ليته اكتفى بتبديعهم في ذلك.

قال القاضي: فهل هناك أكثر من هذا؟

قال الإسكندري: أجل.. سيدي القاضي.. فقد أفتى الفتاوى الكثيرة التي تجرم ما يفعلونه، وتبيح دماءهم لذلك، مثلما فعل مع تلك الفروع الفقهية البسيطة.. فما أسهل أن يفتي ابن تيمية بقطع الرقاب..

وقد كان ذلك ذريعة لكل من حارب الصوفية.. فقد جعلوا من كلمات ابن تيمية بيانات وفتاوى تبيح لهم ذلك.. ولعلك تعرف سيدي ما فعله ابن عبد الوهاب بصوفية زمانه، بل وعوامهم.. فقد قتلهم وشردهم وسباهم وحكم بردتهم.. وكل ذلك تحت مظلة ابن تيمية.

قال القاضي: فهلا ذكرت لي بينات تثبت ذلك.

قال الإسكندري: ما أكثر البينات الدالة على ذلك.. ولكني سأقتصر لك منها على ثلاثة.

البينة الأولى:

قال القاضي: فهات البينة الأولى.

قال الإسكندري: البينة الأولى سيدي القاضي هي موقفه من كل الوسائل التي استعملها الصوفية لجذب المريدين، وخاصة العوام منهم للتدين، وللتعلق بالله ورسوله.. فقد حارب كل تلك الوسائل واعتبرها بدعا.

قال القاضي: فهل ضربت لي مثالا على ذلك ييسر لي فهم قصدك.

قال الإسكندري: من الأمثلة على ذلك موقفه من السماع الصوفي أو الإنشاد أو الغناء الروحي، وهو ما استعمله الصوفية لترغيب المريدين وعامة الناس في التعلق بالله ورسوله والأولياء والصالحين وكل المعاني الإيمانية.

قال القاضي: عجبا.. هل أنكر ابن تيمية هذا؟

قال الإسكندري: أجل.. هو وكل مدرسته راحوا يشنعون على هذا، ويسخرون من فاعليه، بل يكفرونهم لأجل أي بيت أو قصيدة يتغنون فيها بالمعاني الإيمانية والقيم الروحية.

وسأضرب لك مثلا على ذلك بفتوى طويلة لابن تيمية ([54])  أجاب فيها على سؤال مهم  حول رجل من الصالحين أراد أن يدعو جماعة من المنحرفين إلى الله، ولم ير حلا لذلك سوى (أن يقيم لهم سماعاً ـ أي غناء ـ يجتمعون فيه بهذه النية، وهو بدف بلا صلاصل، وغناء المغني بشعر مباح  بغير شبابة، فلما فعل هذا تاب منهم جماعة، وأصبح من لا يصلي ويسرق ولا يزكي  يتورع عن الشبهات، ويؤدي المفروضات، ويجتنب المحرمات، فهل يباح فعل هذا السماع لهذا الشيخ على هذا الوجه لما يترتب عليه من المصالح مع أنه لا يمكنه دعوتهم إلا بهذا؟)([55])  

فمع أن السائل ذكر سوء حال المدعوين قبل هدايتهم، وأنهم كانوا مرتكبين لذنوب كبائر متعدية كالقتل وسرقة المال وقطع الطرق.. ومع أن الداعية الذي قام بذلك ـ كما ذكر السائل ـ كان شيخاً معروفاً بالخير واتباع السنة.. ومع أنه قصد من فعله الخير.. ومع أنه لم يمكنه إلا اتخاذ هذه الطريقة لهدايتهم.. ومع أنه لم يقع معهم في محرمات كبائر، وإنما دف بلا صلاصل وغناء بشعر مباح بغير شبابة.. ومع أنه ترتب على هذه الطريقة مصلحة كبيرة وخير عظيم. (ومع هذا كله لم تغلب ابن تيمية عاطفته ولم ينكسر لها، بل بنى فتواه على الأدلة الشرعية والقواعد المرعية)([56]) كما يذكر السلفية، وهو التشدد مع هذا لمخالفته السنة.

ولطول جواب ابن تيمية على المسألة، وإيراده النصوص الكثيرة على ذلك، فسأختصر جوابه هنا، فقد قال: (.. إذا تبين هذا فنقول للسائل: إن الشيخ المذكور قصد أن يتوب المجتمعين على الكبائر، فلم يمكنه ذلك إلا بما ذكره من الطريق البدعي يدل أن الشيخ جاهل بالطرق الشرعية التي بها تتوب العصاة، أو عاجز عنها، فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة والتابعين كانوا يدعون من هو شر من هؤلاء من أهل الكفر والفسوق والعصيان بالطرق الشرعية، التي أغناهم الله بها عن الطرق البدعية، فلا يجوز أن يقال: إنه ليس في الطرق الشرعية التي بعث الله بها نبيه ما يتوب به العصاة، فإنه قد علم بالإضطرار والنقل المتواتر أنه قد تاب من الكفر والفسوق والعصيان من لا يحصيه إلا الله تعالى من الأمم بالطرق الشرعية، التي ليس فيها ما ذكر من الاجتماع البدعي؛ بل السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان –وهم خير أولياء الله المتقين من هذه الأمة – تابوا إلى الله تعالى بالطرق الشرعية، لا بهذه الطرق البدعية. وأمصار المسلمين وقراهم قديماً وحديثاً مملوءة ممن تاب إلى الله واتقاه، وفعل ما يحبه الله ويرضاه بالطرق الشرعية لا بهذه الطرق البدعية. فلا يمكن أن يقال: إن العصاة لا تمكن توبتهم إلا بهذه الطرق البدعية، بل قد يقال: إن في الشيوخ من يكون جاهلاً بالطرق الشرعية، عاجزاً عنها، ليس عنده علم بالكتاب والسنة، وما يخاطب به الناس، ويسمعهم إياه، مما يتوب الله عليهم، فيعدل هذا الشيخ عن الطرق الشرعية إلى الطرق البدعية. إما مع حسن القصد. إن كان له دين وإما أن يكون غرضه الترأس عليهم وأخذ أموالهم بالباطل.. فلا يعدل أحد عن الطرق الشرعية إلى البدعية إلا لجهل،أو عجز، أو غرض فاسد)([57])

وهكذا حول ابن تيمية هذا الشيخ الصالح الذي استطاع أن يخلص المجرمين من إجرامهم بتلك الوسائل الشرعية المباحة التي استعملها، إلى مبتدع ضال.. لأن كل مبتدع عندهم ضال، وكل ضال في النار.

بل إنه أومأ إلى اتهامه في نيته نفسها بأن يكون قصده الرئاسة عليهم، وقد استدل لذلك بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34]

ولم يستند في هذا إلى حجة عقلية أو نقلية، وإنما كل حججه هي أولئك السلف المعصومين الذين أحل بهم ما حرم الله، وحرم بهم ما أحل الله، يقول ابن تيمية: (ولم يكن في السلف الأول سماع يجتمع عليه أهل الخير إلا هذا. لا بالحجاز، ولا باليمن، ولا بالشام ولا بمصر والعراق وخراسان والمغرب، وإنما حدث السماع المبتدع بعد ذلك)([58])

وبما إن ابن تيمية وإمعانا منه في بغض الصوفية والحقد عليهم أباح السماع والغناء إذا كان في الأعراس ونحوها من باب اللهو واللعب، أما أن يتحول إلى وسيلة للتعبد، والدعوة إلى الله، فلم ير صحة ذلك، بل وقف في وجهه، كما يقف السلفية كل حين في وجه كل مشروع لخدمة الأمة ورقيها.

يقول ابن تيمية: (وقول السائل وغيره: هل هو حلال؟ أو حرام؟ لفظ مجمل فيه تلبيس. يشتبه الحكم فيه، حتى لا يحسن كثير من المفتين تحرير الجواب فيه؛ وذلك أن الكلام في السماع وغيره من الأفعال على ضربين: (أحدهما) أنه هل هو محرم؟ أو غير محرم؟ بل يفعل كما يفعل سائر الأفعال التي تلتذ بها النفوس. وإن كان فيها نوع من اللهو واللعب كسماع الأعراس وغيرها. مما يفعله الناس لقصد اللذة واللهو لا لقصد العبادة والتقرب إلى الله، و(النوع الثاني) أن يفعل على وجه الديانة والعبادة وصلاح القلوب وتجريد حب العباد لربهم وتزكية نفوسهم وتطهير قلوبهم وأن تحرك من القلوب الخشية والإنابة والحب ورقة القلوب وغير ذلك مما هو من جنس العبادات والطاعات لا من جنس اللعب والملهيات.. فيجب الفرق بين سماع المتقربين،وسماع المتلعبين، وبين السماع الذي يفعله الناس في الأعراس والأفراح ونحو ذلك من العادات، وبين السماع الذي يفعل لصلاح القلوب والتقرب إلى رب السموات، فإن هذا يسأل عنه: هل هو قربة وطاعة؟وهل هو طريق إلى الله؟وهل لهم بد من أن يفعلوه لما فيه من رقة قلوبهم وتحريك وجدهم لمحبوبهم وتزكية نفوسهم وإزالة القسوة عن قلوبهم ونحو ذلك من المقاصد التي تقصد بالسماع كما أن النصارى يفعلون مثل هذا السماع في كنائسهم على وجه العبادة والطاعة لا على  وجه اللهو واللعب)([59])

وبناء على هذا كله، فقد ذكر أن (من حضر السماع للعب واللهو لا يعده من صالح عمله، ولا يرجو به الثواب، وأما من فعله على أنه طريق إلى الله تعالى فإنه يتخذه ديناً، وإذا نهى عنه كان كمن نهى عن دينه، ورأى أنه قد انقطع عن الله وحرم نصيبه من الله تعالى إذا تركه. فهؤلاء ضلال باتفاق علماء المسلمين، ولا يقول أحد من أئمة المسلمين: إن اتخاذ هذا ديناً وطريقاً إلى الله تعالى أمر مباح؛ بل من جعل هذا ديناً وطريقاً إلى الله تعالى فهو ضال، مفتر، مخالف لإجماع المسلمين. ومن نظر إلى ظاهر العمل وتكلم عليه، ولم ينظر إلى فعل العامل ونيته كان جاهلاً متكلماً في الدين بلا علم)([60])

بل إن تيمية لم يكتف بذلك، بل راح يصعد في موقفه من هذا الشيخ الطيب الذي استعمل هذه الوسيلة المباحة لهداية المنحرفين، فقال: (فمن فعل ما ليس بواجب ولا مستحب على أنه من جنس الواجب أو المستحب فهو ضال مبتدع، وفعله على هذا الوجه حرام بلا ريب)

هذه هي قاعدته في هذا الموضوع، والتي يستعملها تلاميذه كما يستعملون النصوص المقدسة لتحريم كل عمل إسلامي لا يتوافق مع ما فعله السلف.. الذين هم أعلم الناس وأطهر الناس وأبر الناس قلوبا وأصدقهم حديثا.. ولا يخالفهم ـ حسب تصورهم ـ إلا هالك.

ولم يكتف ابن تيمية بهذا، بل حمل حملة شديدة جدا على الصوفية بسبب هذا، فقد وصفهم في فتواه هذه بقوله: (فهؤلاء جند الشيطان،وأعداء الرحمن، وهم يظنون أنهم من أولياء الله المتقين، وحالهم أشبه بحال أعداء الله المنافقين؛ فإن المؤمن يحب ما أحبه الله تعالى، ويبغض ما أبغضه الله تعالى، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله، وهؤلاء يحبون ما أبغض الله، ويبغضون ما أحب الله، ويوالون أعداء الله، ويعادون أولياءه؛ ولهذا يحصل لهم تنزلات شيطانية بحسب ما فعلوه من مزامير الشيطان، وكلما بعدوا عن الله ورسوله وطريق المؤمنين قربوا من أعداء الله ورسوله وجند الشيطان)([61])

التفت القاضي إلي، وقال: ما تقول أنت؟

قلت: صدق سيدي القاضي.. وقد كانت فتاواه هذه سببا استعمله من بعده من تلاميذه في تكفير الصوفية وإباحة دمائهم.. ومن أبسط الأمثلة على ذلك موقفهم من البردة التي ينشدها الصوفية، والممتلئة بمدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والشوق إليه.. فقد كفر تلاميذ ابن تيمية من السلفية قائلها، وحكموا عليه بالشرك الجلي.. بل كفروا منشدها وسامعها والراضي عنها والساكت عن تكفير الجميع.

فمن تصريحات تلميذ ابن تيمية النجيب الشيخ محمد بن عبد الوهاب قوله: (فمن عرف هذه المسألة، وعرف البردة ومن فتن بها، عرف غربة الإسلام، وعرف أن العداوة، واستحلال دمائنا وأموالنا ونسائنا، ليس عند التكفير والقتال؛ بل هم الذين بدؤونا بالتكفير والقتال، بل عند قوله: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن: 18]، وعند قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: 57]، وقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد: 14])([62])  

ويقول في بعض رسائلهِ الشخصية: (وأعجب من ذلك: ما رأيت، وسمعت، ممن يدعى أنه أعلم الناس، ويفسر القرآن ويشرح الحديث بمجلدات، ثم يشرح البردة، ويستحسنها، ويذكر في تفسيره وشرحه للحديث أنه شرك! ويموت ما عرف ما خرج من رأسه! هذا هو العجب العجاب، أعجب بكثير من ناس لا كتاب لهم، ولا يعرفون جنة، ولا نارا، ولا رسولا، ولا إلها؛ وأما كون لا إله إلا الله، تجمع الدين كله، وإخراج من قالها من النار، إذا كان في قلبه أدنى مثقال ذرة، فلا إشكال في ذلك)([63])

وهذا النص واضح في تكفيره للعلماء الذين قبلوا البردة أو شرحوها.. وكأنه يقول لهم: لن تغني عنكم كل علومكم وتصانيفكم ما دمتم استحسنتم البردة أو شرحتموها.

وهكذا قال علامتهم المجدد عبد الرحمن بن حسن في قول البوصيري:

يا أكرَمَ الخلقِ ما لي مَن ألوذُ به
 
سِوَاكَ عِندَ حُلولِ الحادِثِ العَمِمِ
  
ولَن يَضِيقَ رسولَ اللهِ جاهُكَ بي
 
اذا الكريمُ تَجَلَّى باسمِ مُنتَقِمِ
  

فقد علق على هذه الأبيات بقوله: (فناقضوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ارتكاب ما نهى عنه أعظم مناقشة، وشاقوا الله ورسوله أعظم مشاقة، وذلك أن الشيطان أظهر لهم هذا الشرك العظيم، في قالب محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمه. وأظهر لهم التوحيد والإخلاص، الذي بعثه الله به في قالب تنقصه. وهؤلاء المشركون هم المتنقصون الناقصون، أفرطوا فى تعظيمه بما نهاهم عنه أشد النهي، وفرطوا في متابعته. فلم يعبؤوا بأقواله وأفعاله، ولارضوا بحكمه ولاسلموا له، وأنما يحصل تعظيم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بتعظيم أمره ونهيه. وهؤلاء المشركون عكسوا الأمر فخالفوا ما بلَّغ به الأمة، وأخبر به عن نفسه صلى الله عليه وآله وسلم فعاملوه بما نهاهم عنه: من الشرك بالله، والتعلق على غير الله)([64])

وهكذا قال علامتهم المحدث سليمان بن عبدالله، والذي علق على الأبيات السابقة وغيرها بقوله: (فتأمل ما في هذه الأبيات من الشرك.. منها: أنه نفى أن يكون له ملاذٌ إذا حلت به الحوادث، إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا هو.. الثاني: أنه دعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه، وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله، وذلك هو الشرك في الإلهية.. الثالث: سؤاله منه أن يشفع له، وهذا هو الذي أراده المشركون ممن عبدوه، وهو الجاه والشفاعة عند الله، وذلك هو الشرك، وأيضاً فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى لطلبها من غيره، فإن الله تعالى هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لا أن الشافع يشفع ابتداء.. تناقض عظيم وشرك ظاهر، فإنه طلب أولاً أن لا يضيق به جاهه، ثم طلب هنا أن يأخذ بيده فضلاً وإحساناً، وإلا فيا هلاكه. فيقال: كيف طلبت منه أولاً الشفاعة ثم طلبت منه أن يتفضل عليك، فإن كنت تقول: إن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله، فكيف تدعو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وترجوه وتسأله الشفاعة؟ فهلا سألتها من له الشفاعة جيمعاً، الذي له ملك السموات والأرض، الذي لا تكون الشفاعة إلا من بعد إذنه، فهذا يبطل عليك طلب الشفاعة من غير الله)([65])  

البينة الثانية:

قال القاضي: وعيت هذا.. فهات البينة الثانية.

قال الإسكندري: البينة الثانية ـ سيدي القاضي ـ هي إعلانه الحرب في كتبه الكثيرة على الأضرحة والمقامات المبنية على الأولياء والصالحين، والتي جرى عرف الأمة على احترامها وتعظيمها، لنشر قيم الصلاح، وحفظ تاريخ الصالحين، والتبرك بهم وبآثارهم..

وقد علمت سيدي القاضي موقفه من قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتبديعه لزائريه، بل اعتبار السفر لأجله معصية لا تقصر لها الصلاة.

قال القاضي: أجل.. علمت ذلك منكم في التهمة الثانية.

قال الإسكندري: وهكذا تعامل مع الآثار التي يعظمها المؤمنون، والتي تربطهم بالصالحين، والتي وردت الأدلة الكثيرة على جوازها، بل على الترغيب فيها، وقد كتب فقهاؤنا من الصوفية الكثير من الرسائل والكتب الدالة على ذلك.. لكن ابن تيمية لم يأبه لذلك كله.. فراح يجرم ذلك، ويفتي فتاواه المتشددة في شأنها.

ومن ذلك قوله في [مجموع الفتاوى]: (وأما بناء المشاهد على القبور والوقف عليها فبدعة؛ لم يكن على عهد الصحابة؛ ولا التابعين؛ ولا تابعيهم؛ بل ولا على عهد الأربعة. وقد اتفق الأئمة على أنه لا يشرع بناء هذه المشاهد على القبور؛ ولا الإعانة على ذلك بوقف ولا غيره؛ ولا النذر لها؛ ولا العكوف عليها؛ ولا فضيلة للصلاة والدعاء فيها على المساجد الخالية عن القبور؛ فإنه يعرف أن هذا خلاف دين الإسلام المعلوم بالاضطرار المتفق عليه بين الأئمة؛ فإنه إن لم يرجع فإنه يستتاب)([66])

والاستتابة عنده يعقبها القتل.. كما رأينا ذلك سيدي القاضي في مواقفه المختلفة..

وقد كان هذا الموقف مددا للوهابية ابتداء من شيخهم ابن عبد الوهاب في إعلان حربهم على المسلمين، حيث نجد ابن عبد الوهاب وحفدته وتلاميذه كلهم ينقلون من كلام ابن تيمية ما يؤيدون به جرائمهم في حق الأمة.

ومن ذلك ما أورده في بعض رسائله من كلام ابن تيمية ليثبت لهم أن ما يقوم به الصوفية من الذبح في الموالد والمناسبات المختلفة شرك أكبر يخرج عن دين الإسلام، فقد نقل عن ابن تيمية قوله في كتابه [اقتضاء الصراط المستقيم] تعليقا على قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ [المائدة: 3]: (ظاهره: أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقال: هذا ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود: فسواء لفظ به أو لم يلفظ. وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم، وقال فيه: باسم المسيح، ونحوه، كما أن ما ذبحناه نحن متقربين به إلى الله سبحانه كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه: باسم الله، فإن عبادة الله سبحانه بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، فكذلك الشرك بالصلاة لغيره والنسك لغيره أعظم شركا من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور. فإذا حرم ما قيل فيه: باسم المسيح، أو الزهرة؛ فلأن يحرم ما قيل فيه: لأجل المسيح والزهرة أو قصد به ذلك، أولى. وهذا يبين لك ضعف قول من حرم ما ذبح باسم غير الله، ولم يحرم ما ذبح لغير الله، كما قاله طائفة من أصحابنا وغيرهم، بل لو قيل بالعكس لكان أوجه، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله. وعلى هذا: فلو ذبح لغير الله متقربا به إليه لحرم وإن قال فيه: بسم الله، كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى الأولياء والكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان)([67])

وقد علق على هذا النص الصريح بالتكفير بقوله: (وهو الذي ينسب إليه بعض أعداء الدين أنه لا يكفر المعين، فانظر أرشدك الله إلى تكفيره من ذبح لغير الله من هذه الأمة، وتصريحه أن المنافق يصير مرتداً بذلك، وهذا في المعين، إذ لا يتصور أن تحرم إلا ذبيحة المعين)([68]).

وهكذا يورد نصاً لابن القيم ـ تلميذ ابن تيمية النجيب ـ يؤكد فيه على أن ما ذكره ابن تيمية من الحكم بالشرك على الصوفية الذين يحترمون الأولياء، ويعظمون ما يرتبط بهم من آثار، فقد قال في ذلك: (وقال ابن القيم في (إغاثة اللهــفان) في إنكار تعظيم القبور: (وقد آل الأمر بهؤلاء المشركين إلى أن صنف بعض غلاتهم في ذلك كتاباً سماه (مناسك المشاهد) ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عباد الأصنام).. وهذا الذي ذكره ابن القيم رجل من المصنفين يقال له: ابن المفيد: فقد رأيت ما قال فيه بعينه، فكيف ينكر تكفير المعين)([69])

وهكذا قال محمد بن ناصر التهامي بعد نقله نصوصا لابن تيمية وابن القيم، وعقب عليها بقوله: (فهذه نصوص ابن تيمية وتلميذه ابن القيم قاضية بكفر من اعتقد النفع والضر في مخلوق ونذر له، أو دعا له، أو استغاث به، وهو صريح في ذلك كفر أكبر يحل الدم والمال، إذا عرفت هذا فقد انتفض على صاحب الرسالة ما طول به، وبذل فيه مجهوده أن أفعال هؤلاء من الشرك الأصغر، زاعماً أن ذلك صريح قول ابن القيم وشيخه ابن تيمية الذين قصد الذب عنهم بما هم فيه مصرحون بأنه شرك أكبر، والأدلة القرآنية قاضية بما صرحا به، ولو أراد إنسان أن يجمع ما ورد في هذا المعنى من الكتاب والسنة لكان مجلداً ضخماً …)

التفت القاضي إلي، وقال: ما تقول أنت؟

قلت: صدق سيدي القاضي.. فابن عبد الوهاب وتلاميذه وحفدته من بعده ليسوا سوى تلاميذ لكتب ابن تيمية، ولولا تلمذتهم على ما فيها من تكفير وتضليل وتبديع للأمة، لما أقدموا على ذلك..

2 ـ ابن تيمية والمعارف الصوفية:

قال القاضي: وعيت هذا.. فهات الشاهد الثاني.

قال الإسكندري: الشاهد الثاني ـ سيدي القاضي ـ هو موقف ابن تيمية المتشدد من المعارف الصوفية الممتلئة بالتنزيه والتعظيم لله ورسوله.. ولذلك كفر أصحابها، وكفر كل من يقول بقولهم.. وقد أعطى ذلك الذريعة لتلاميذه من بعده ليكفروا جميع الصوفية متقدميهم ومتأخرهيم.. ويستحلوا دماءهم.

وسبب ذلك بسيط جدا، وهو أن الصوفية لم يعتمدوا على ما اعتمد عليه ابن تيمية في المعارف الإلهية من سلفه الذين تتلمذوا على اليهود وتلاميذ اليهود، والتي أدت به إلى التجسيم والتشبيه..

بل إنهم رأوا أن معرفة الله أخطر من أن نسلم فيها لأي كان ما عدا المصدر المقدس.. فذلك المصدر هو وحده الكفيل بتعريف الله إذا ما هذبت النفس وطهر القلب ليصبح محلا للمعرفة الإلهية.

قال القاضي: هلا وضحت لي ـ قبل عرضك لموقف ابن تيمية ـ هذا.. فلا يمكن معرفة موقف ابن تيمية إلا بعد معرفته.

قال الإسكندري: اعلم سيدي القاضي أن الصوفية يحرصون في كل تراثهم الذي بين أيدينا على أن ينبهوا على أن عقائدهم ومعارفهم الإيمانية هي نفس العقائد الموجودة في القرآن الكريم، لكن الله فتح عليهم بمزيد من الفهم والتفصيل والعمق لم يتح للعوام الحصول عليه بسبب الحجب الحائلة بينهم وبين الوصول إليها.

ولهذا ينبهون إلى ضرورة ما يسمونه (السلوك) لتحصيل المعرفة، أو كما عبرت عن ذلك بقولي في بعض حكمي: (كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته؟ أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته؟ أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟)([70])

وحتى أقرب لك هذا المعنى أستشهد له بمثال يتعلق بمعارف البشرية عن الكون قبل اختراع التلسكوب، وبعده، فقبل اختراع التلسكوب كانت المعارف بسيطة محدودة، وأحيانا خاطئة، لكنه باختراع التلسكوب وغيره من الأجهزة المتطورة تغيرت النظرة للكون، وتعمقت، وهكذا كلما زاد تطور الأجهزة كلما زادت صورة الكون عمقا ودقة.

وهكذا الأمر بالنسبة للمقصود من السلوك وعلاقته بالمعرفة الإلهية، فدور السلوك العملي هو تطوير الأجهزة الاستكشافية في الإنسان للتوصل إلى الحقائق بدقة وعمق.

فالحقائق موجودة، ولكن الحوائل النفسية تحول بين الإنسان والوصول إليها، ولهذا ذكر الغزالي عند حديثه عن علوم المكاشفات التي توصل إليها بعد ممارسة السلوك المتمثل في الخلوات وأنواع المجاهدات والرياضات، كيف عرف الحقائق بصورتها الحقيقية بعد أن كانت مجرد ألفاظ وحروف، فقال: (علم المكاشفة هو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها فيتوهم لها معاني مجملة غير متضحة فتتضح إذ ذاك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه وبصفاته الباقيات التامات وبأفعاله وبحكمه في خلق الدنيا)([71])

ثم بين العلاقة بين المعارف العمومية السابقة، وهذه المعارف التي لا تتجلى إلا بعد تطهير القلب الذي هو تلسكوب الحقائق، فقال: (إذ للناس في معاني هذه الأمور بعد التصديق بأصولها مقامات شتى فبعضهم يرى أن جميع ذلك أمثلة وأن الذي أعده الله لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وأنه ليس مع الخلق من الجنة إلا الصفات والأسماء، وبعضهم يرى أن بعضها أمثلة وبعضها يوافق حقائقها المفهومة من ألفاظها وكذا يرى بعضهم أن منتهى معرفة الله عز وجل الاعتراف بالعجز عن معرفته، وبعضهم يدعي أمورا عظيمة في المعرفة بالله عز وجل وبعضهم يقول حد معرفة الله عز وجل ما انتهى إليه اعتقاد جميع العوام وهو أنه موجود عالم قادر سميع بصير متكلم)([72])

بناء على هذا المعنى المتفق عليه عند الصوفية، فإن الذي يريد أن يجادل الصوفية في الحقائق التي يوردونها ويتفقون عليها ينبغي أولا أن يتحصل على الجهاز الذي حصلوه، وإلا فإنه من مخالفة المنهج العلمي أن يجادل العامي الفلكي في حقائق الكواكب والمجرات.

قد يقال بأن حقائق الدين واضحة، وقد تكفل القرآن الكريم ببيانها، وهكذا يقال كذلك بأن السماء واضحة، ولكن الفلكي يرى في السماء ما لا يرى فيها العامي، وهكذا القرآن الكريم يرى فيه الصوفي العارف المحقق ما لا يرى فيه العامي البسيط.

ولذلك فإن الباحث الذي يحترم نفسه يقع بين خيارين إما أن يسلم للصوفية بما ذكروه من أن معارف الباطن لا تتناقض مع معارف الظاهر، وإنما هي عمق من أعماقها، ولذلك يحكم لهم بما يحكم لسائر المسلمين من الإيمان.

وإما أن لا يكتفي بهذه المرتبة، وهو في هذه الحالة بين خيارين كذلك: إما أن يستعمل الأجهزة التي استعملوها، ليصل إلى الحقائق التي وصلوا إليها، وذلك يقتضي منه السلوك والسير إلى الله والمجاهدة في ذلك، وإما أن يسلم لأمر اتفق عليه الآلاف المؤلفة من الصالحين في كل  زمان ومكان.

وهناك خيار ثالث بعد هذا، وهو أن يتوقف فلا يحكم لهم بإسلام، ولا يحكم لهم بالكفر.

أما الخيار الأخطر فهو أن يتجرأ فيحكم عليهم بالإلحاد والحلول والكفر، ليطهر الأمة من كل الذاكرين والصالحين، ولا يبقى في الجبة إلا السطحيون والسلفيون، وهذا ما فعلته ابن تيمية حين أعلن حربه على الصوفية.

قال القاضي: وعيت هذا.. فهلا ذكرت لي من البينات ما يثبت موقف ابن تيمية من المعارف الصوفية.

قال الإسكندري: بما أن الإقرار سيد الأدلة، فسأذكر لك ـ سيدي القاضي ـ أربع تصريحات مما ذكره في صوفية زمانه، والذين ينطبق عليهم ما ينطبق على غيرهم من صوفية كل الأزمنة، وأبين لك ـ سيدي ـ أن من حيل ابن تيمية الخطيرة في هذا أنه مثلما ضرب آل البيت بالنواصب، فهو كذلك راح يضرب الصوفية الصادقين ببعض المنحلين والمنحرفين الذين لم يورد أسماءهم.. ولكن راح يعمم أحوالهم على كل الصوفية.

قال القاضي: فهات التصريح الأول.

قال الإسكندري: التصريح الأول هو قوله ـ بعد ذكره لبعض المنحرفين ممن ينتسبون للتصوف ـ: (ومن قال: إن لقول هؤلاء سرا خفيا وباطن حق وإنه من الحقائق التي لا يطلع عليها إلا خواص خواص الخلق: فهو أحد رجلين – إما أن يكون من كبار الزنادقة أهل الإلحاد والمحال وإما أن يكون من كبار أهل الجهل والضلال. فالزنديق يجب قتله؛ والجاهل يعرف حقيقة الأمر فإن أصر على هذا الاعتقاد الباطل بعد قيام الحجة عليه وجب قتله. ولكن لقولهم سر خفي وحقيقة باطنة لا يعرفها إلا خواص الخلق. وهذا السر هو أشد كفرا وإلحادا من ظاهره؛ فإن مذهبهم فيه دقة وغموض وخفاء قد لا يفهمه كثير من الناس. ولهذا تجد كثيرا من عوام أهل الدين والخير والعبادة ينشد قصيدة ابن الفارض ويتواجد عليها ويعظمها ظانا أنها من كلام أهل التوحيد والمعرفة وهو لا يفهمها ولا يفهم مراد قائلها؛ وكذلك كلام هؤلاء يسمعه طوائف من المشهورين بالعلم والدين فلا يفهمون حقيقته فإما أن يتوقفوا عنه أو يعبروا عن مذهبهم بعبارة من لم يفهم حقيقة؛ وإما أن ينكروه إنكارا مجملا من غير معرفة بحقيقته ونحو ذلك وهذا حال أكثر الخلق معهم. وأئمتهم إذا رأوا من لم يفهم حقيقة قولهم طمعوا فيه وقالوا: هذا من علماء الرسوم وأهل الظاهر وأهل القشر وقالوا: علمنا هذا لا يعرف إلا بالكشف والمشاهدة وهذا يحتاج إلى شروط وقالوا: ليس هذا عشك فادرج عنه ونحو ذلك مما فيه تعظيم له وتشويق إليه وتجهيل لمن لم يصل إليه. وإن رأوه عارفا بقولهم نسبوه إلى أنه منهم وقالوا: هو من كبار العارفين. وإذا أظهر الإنكار عليهم والتكفير قالوا: هذا قام بوصف الإنكار لتكميل المراتب والمجالي)([73])

فهذا التصريح ـ سيدي القاضي ـ كاف منه في تكفيره لكل الطرق الصوفية التي لا تزال تنشد قصائد ابن الفارض وغيره، وتتواجد للمعاني السامية التي تشير إليها..

وهو كاف كذلك في حكمه عليهم بالقتل، كعادته في الجمع بين التكفير والتقتيل، وهو ما ورثه خلفه من بعده من الذين استباحوا دماء الصوفية.

قال القاضي: وعيت هذا.. وهو واضح في الدلالة على حكمه عليهم بالكفر والقتل.. فهات التصريح الثاني.

قال الإسكندري: التصريح الثاني هو قوله ـ سيدي ـ: (فإن إنكار هذا المنكر الساري في كثير من المسلمين أولى من إنكار دين اليهود والنصارى الذي لا يضل به المسلمون لا سيما وأقوال هؤلاء شر من أقوال اليهود والنصارى وفرعون ومن عرف معناها واعتقدها كان من المنافقين الذين أمر الله بجهادهم بقوله تعالى: جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ والنفاق إذا عظم كان صاحبه شرا من كفار أهل الكتاب، وكان في الدرك الأسفل من النار. وليس لهذه المقالات وجه سائغ، ولو قدر أن بعضها يحتمل في اللغة معنى صحيحا فإنما يحمل عليها إذا لم يعرف مقصود صاحبها، وهؤلاء قد عرف مقصودهم كما عرف دين اليهود والنصارى والرافضة، ولهم في ذلك كتب مصنفة وأشعار مؤلفة وكلام يفسر بعضه بعضا، وقد علم مقصودهم بالضرورة فلا ينازع في ذلك إلا جاهل لا يلفت إليه، ويجب بيان معناها وكشف مغزاها لمن أحسن الظن بها وخيف عليه أن يحسن الظن بها أو أن يضل فإن ضررها على المسلمين أعظم من ضرر السموم التي يأكلونها ولا يعرفون أنها سموم، وأعظم من ضرر السراق والخونة الذين لا يعرفون أنهم سراق وخونة. فإن هؤلاء: غاية ضررهم موت الإنسان أو ذهاب ماله وهذه مصيبة في دنياه قد تكون سببا لرحمته في الآخرة وأما هؤلاء: فيسقون الناس شراب الكفر والإلحاد في آنية أنبياء الله وأوليائه ويلبسون ثياب المجاهدين في سبيل الله وهم في الباطن من المحاربين لله ورسوله ويظهرون كلام الكفار والمنافقين في قوالب ألفاظ أولياء الله المحققين فيدخل الرجل معهم على أن يصير مؤمنا وليا لله فيصير منافقا عدوا لله)([74])

قال القاضي: وعيت هذا.. وهو واضح في الدلالة على حكمه عليهم بالكفر والقتل.. فهات التصريح الثالث.

قال الإسكندري: التصريح الثالث هو قوله ـ سيدي القاضي ـ: (وأقوال هؤلاء شر من أقوال النصارى وفيها من التناقض من جنس ما في أقوال النصارى؛ ولهذا يقولون بالحلول تارة وبالاتحاد أخرى وبالوحدة تارة فإنه مذهب متناقض في نفسه؛ ولهذا يلبسون على من لم يفهمه. فهذا كله كفر باطنا وظاهرا بإجماع كل مسلم ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين)([75])

فأنت ترى ـ سيدي القاضي ـ أنه لم يكتف بتكفيرهم، بل راح يكفر من توقف في تكفيرهم، أو شك في ذلك.. وليس بعد ذلك تكفير.

قال القاضي: وعيت هذا.. فهات التصريح الرابع.

قال الإسكندري: التصريح الرابع سيدي القاضي هو قوله ـ بعد ذكره لبعض الصوفية ومقولاتهم التي لم يفهم مقاصدها ـ: (ولا يتصور أن يثني على هؤلاء إلا كافر ملحد أو جاهل ضال. وهؤلاء من جنس الجهمية الذين يقولون: إن الله بذاته حال في كل مكان ولكن أهل وحدة الوجود: حققوا هذا المذهب أعظم من تحقيق غيرهم من الجهمية)([76])

وهذا القول ـ سيدي ـ يدلك على سر إنكاره على المعارف الصوفية.. فهو يعتقد ـ كسلفه ـ بينونة الله عن خلقه بالمكان، وأن الله في تصوره ليس سوى جرم من الأجرام السماوية العلوية، ولذلك فهو يعتبر كل منزه لله عن الحد والمقدار والمكان والجسمية حلوليا واتحاديا.

رابعا ـ الصراع مع غير المسلمين

بعد أن ساق الإسكندري ما ساقه من الأدلة على موقف ابن تيمية من الصوفية وتكفيره لهم، وتحريضه عليهم، قام الخليلي، وقال: أظن أن ما ذكرناه من أدلة على مواقف ابن تيمية من التصوف والصوفية، وتكفيره لهم وتحريضه عليهم كاف في إقناع سيدنا القاضي بذلك.. وإن لم تكن كافية ذكرنا له المزيد.. فما أكثر فتاوى ابن تيمية الداعية لهدر الدماء لأجل أبسط الأمور، وأقل الشؤون..

قال القاضي: بل أنا مقتنع بما ذكرتكم.. فانتقلوا بنا إلى الدليل الرابع.

قال الخليلي:  الدليل الرابع ـ سيدي القاضي ـ مرتبط بمن أمرنا بأن نحسن إليهم ونؤلف قلوبهم، ونحببهم في ديننا وفي نبينا، حتى لا نكون حجابا بينهم وبين التعرف على الحقيقة أو سلوك سبيلها.

قال القاضي: أتقصد غير المسلمين الذين يعيشون معنا.

قال الخليلي: أجل.. وأقصد غيرهم أيضا من الذين لا يعيشون معنا.. فكل إساءة نواجه بها من يعيشون معنا ترتد سلبا على البعيدين عنا..

قال القاضي: فما كان موقف ابن تيمية من هؤلاء الذين أوصى القرآن الكريم بتأليف قلوبهم والبر بهم.

قال الخليلي: لم يدع ابن تيمية وسيلة من التضييق عليهم واحتقارهم وإذلالهم إلا قال بها ودعا إليها، وأثنى على الفاعلين لها.

قال القاضي: أنت تعلم أني قاض.. ولا يكفيني الكلام المجرد.

قال الخليلي: ولدي البينات الكثيرة على ذلك.. فقد ألف ابن تيمية رسالة تنتشر في مجتمعاتنا كالنار في الهشيم، وهي عند تلاميذه من المسلحين وغيرهم أكبر وسيلة لقمع الأقليات وقهرها وإذلالها.. وهي الرسالة التي بسببها هدم تلاميذ ابن تيمية كنائس المسييحيين وأحرقوها.

قال القاضي: هل وصل به الصراع إلى هذا الحد؟

قال الخليلي: أجل.. سيدي القاضي.. فهو لم يترك أحدا إلا صارعه.. حتى الجن كان يصارعهم ويضربهم كما حدث بذلك عن نفسه([77])، وحدث عنه أصحابه.

قال القاضي: فحدثني عن البينات التي تستنبطها من هذه الرسالة، والتي تدل على ما ذكرت.

قال الخليلي:  الرسالة كما ذكرت لك سيدي مصدر من أكبر مصادر الإرهاب، وكل ما فيها تحريض على الأقليات المسيحية.. ويقاس عليهم غيرهم.. لكن لضرورة الاختصار، فسأذكر لك أربعة أمثلة من ذلك التحريض.

المثال الأول:

قال القاضي: فهات المثال الأول.

قال الخليلي: المثال الأول هو فتوى ابن تيمية الموجهة للسلطات الحاكمة بعدم إعطاء المسيحيين المطالبين بأبسط حقوقهم الدينية الحق في تلك المطالبة، فقد كان السؤال في الرسالة حول (الكنائس التي بالقاهرة وغيرها التي أغلقت بأمر ولاة الأمور، إذا ادعى أهل الذمة: أنها غُلِّقت ظلماً، وأنهم يستحقون فتحها، وطلبوا ذلك من ولي الأمر، فهل تقبل دعواهم؟ وهل تجب إجابتهم أم لا؟!)([78])

هذا ملخص مختصر للسؤال المطول.. وكان الأجدى بابن تيمية أن يراجع ما ورد في القرآن الكريم فيما يرتبط بالحرية الدينية، بل فيما يرتبط بالكنائس نفسها، والتي قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 40]

لكن ابن تيمية لم يفعل ذلك.. بل راح يجيب بعنصريته وكبريائه وصراعه قائلا: (أما دعواهم أن المسلمين ظلموهم في إغلاقها فهذا كذبٌ مخالفٌ لأهل العلم.. فإن علماء المسلمين من أهل المذاهب الأربعة.. متفقون على أن الإمام لو هدم كل كنيسةٍ بأرض العنوة كأرض مصر والسواد بالعراق، وبر الشام ونحو ذلك، مجتهدًا في ذلك، ومتبعًا في ذلك لمن يرى ذلك، لم يكن ذلك ظلماً منه؛ بل تجب طاعته في ذلك. وإن امتنعوا عن حكم المسلمين لهم، كانوا ناقضين العهد، وحلت بذلك دماؤهم وأموالهم)([79])

وهذا أكبر تشريع للقمع والظلم الذي لا علاقه له بدين الله، ولا بالسماحة التي جاء بها، بل إن نشر هذه الفتوى وحدها كاف في الصد عن دين الله، وفي منع العقول من التفكير في الدخول فيه.

قال القاضي: صدقت في هذا.. لكن ما دليله في ذلك مع صراحة النص القرآني الذي قرأته؟

قال الخليلي: أنت تعلم ـ سيدي القاضي ـ من خلال ما ذكرناه لك سابقا أن ابن تيمية يتعامل مع الشريعة بما يقتضيه مزاجه.. فهو في المسائل المتعلقة بالتوسل والقبور والطلاق لم يبال بكل الخلافات التي خالف بها جماهير الفقهاء، بل راح يدعو إلى تحكيم الكتاب والسنة واعتبارهما المرجع الأكبر للأحكام، من دون النظر لأي مخالف لهما.. لكنه في هذه المسألة أو في أي مسألة تلبي نواحي الرغبة في الصراع تجده يتهافت لأي قول، ويستند لأي جدار.

المثال الثاني:

قال القاضي: وعيت هذا.. فهات المثال الثاني.

قال الخليلي: المثال الثاني سيدي القاضي مرتبط بتحريضه على مصادرة الكنائس التي بنيت في الأرض التي فتحت عنوة.. فقد قال في ذلك: (بل إذا كان لهم كنيسة بأرض العنوة، كالعراق ومصر ونحو ذلك فبنى المسلمون مدينة عليها، فإن لهم أخذ تلك الكنيسة؛ لئلا تترك في مدائن المسلمين كنيسةٌ بعد عهد.. والمدينة التي يسكنها المسلمون، والقرية التي يسكنها المسلمون، وفيها مساجد المسلمين، لا يجوز أن يظهر فيها شيء من شعائر الكفر: لا كنائس ولا غيرها)([80])

قال القاضي: فهل اكتفى بالتنظير.. أم ترك للحكام الحرية في التنفيذ؟

قال الخليلي: ليته اكتفى بذكر المسألة دون الكلام في تفاصيلها.. بل إنه راح يضع خارطة للكنائس الموجودة في البلاد الإسلامية، ويحرض على هدمها.. وهو ما استعمله تلاميذه من بعده في هدم الكنائس وحرقها مستندين لهذه الرسالة التي تحول فيها ابن تيمية إلى مؤرخ وجغرافي، بل إلى قائد يرسم لجنوده أهداف العدو، ويشير إليهم بضربها.

المثال الثالث:

قال القاضي: وعيت هذا، فهات المثال الثالث.

قال الخليلي: لم يكتف ابن تيمية بالدعوة لمصادرة وإغلاق الكنائس التي بنيت في الأرض التي فتحت عنوة، بل راح يحرض على هدم الكنائس التي بنيت في عهد الدولة الفاطمية باعتبارها عنده دولة غير شرعية، ولذلك لا عبرة بالرخص التي أعطتها لبناء الكنائس في القاهرة ونحوها، وذلك ما يفتح مجالا كبيرا للظلم والعدوان على من ائتمننا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم.

لقد قال ابن تيمية في رسالته يعبر عن ذلك، ويشكو من سماحة الفاطميين مع المسيحيين وغيرهم من الأقليات المتواجدة في المجتمع المصري: (فلو كان بأرض القاهرة ونحوها كنيسةٌ قبل بنائها([81])، لكان للمسلمين أخذها، لأن الأرض عنوةً فكيف وهذه الكنائس محدثة، أحدثها النصارى؟! فإن القاهرة بقي ولاة أمورها نحو مائتي سنةٍ، على غير شريعة الإسلام([82])، وكانوا يظهرون أنهم رافضة، وهم في الباطن إسماعيلية، ونصيرية، وقرامطة.. وقد عرف العارفون بالإسلام أن الرافضة تميل مع أعداء الدين.ولما كانوا ملوك القاهرة، كان وزيرهم مرة يهودياً، ومرة نصرانياً أرمنياً وقويت النصارى بسبب ذلك النصراني الأرمني، وبنوا كنائس كثيرةً بأرض مصر، في دولة أولئك الرافضة والمنافقين)([83])

المثال الرابع:

قال القاضي: وعيت هذا، فهات المثال الرابع.

قال الخليلي: لم يكتف ابن تيمية بالتحريض على تلك الكنائس التي بنيت في عهد الدولة الفاطمية، وإنما راح إلى غيرها من الكنائس التي بنيت قبل ذلك، والتي توجد في صعيد مصر وأريافها يحتال لهدمها أيضا، ويقدم لذلك المقدمات الطويلة، ولذلك نختصر كلامه اختصارا، يقول في ذلك: (وقد كان في بر مصر كنائس قديمة، لكن تلك الكنائس أقرهم المسلمون عليها حين فتحوا البلاد؛ لأن الفلاحين كلهم كانوا نصارى، ولم يكونوا مسلمين، وإنما كان المسلمون الجندَ خاصة، فأقرهم كما أقر النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليهود على خيبر لما فتحها؛ لأن اليهود كانوا فلاحين، وكان المسلمون مشتغلين بالجهاد. ثم إنه بعد هذا في خلافة عمر بن الخطاب لما كثر المسلمون واستغنوا عن اليهود، أجلاهم أمير المؤمنين عن خيبر.. حتى لم يبق في خيبر يهودي. وهكذا القرية التي يكون أهلها نصارى وليس عندهم مسلمون، ولا مسجدٌ للمسلمين، فإذا أقرهم المسلمون على كنائسهم التي فيها، جاز ذلك، كما فعله المسلمون، وأما إذا سكنها المسلمون وبنوا بها مساجدهم، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تصلح قبلتان بأرض).. والمسلمون قد كثروا بالديار المصرية، وعمرت في هذه الأوقات؛ حتى صار أهلها بقدْر ما كانوا في زمن صلاح الدين مراتٍ متعددة)([84])

وهو بهذا يشير إلى هدم هذه الكنائس أيضا.. وبذلك لن تبقى كنيسة في مصر، لأنه لا توجد بلدة فيها إلا ويختلط مسلموها بمسيحييها.

المثال الخامس:

قال القاضي: وعيت هذا، فهات المثال الخامس.

قال الخليلي: لم يكتف ابن تيمية بالتحريض على هدم الكنائس، بل راح يحرض على المسيحيين أنفسهم، ويستعمل كل الطرق لدعوة الحكام والمجتمع لإذلالهم، بل وإخراجهم من أرضهم.. ويستشهد لذلك بما فعله صلاح الدين والأيوبيون، فيقول: (وصلاح الدين وأهل بيته كانوا يذلون النصارى، ولم يكونوا يستعملون منهم أحداً من أمرٍ من أمور المسلمين أصلاً. ولهذا كانوا مؤيدين منصورين على الأعداء مع قلة المال والعدد. فيما قويت شوكة النصارى والتتار بعد موت العادل، أخي صلاح الدين، حتى إن بعض الملوك أعطاهم بعض مدائن المسلمين) ([85])

بل إنه يستنبط من التاريخ قاعدة عامة وسنة من السنن الكبرى الخطيرة، فيقول: (فكان ولاة الأمور الذين يهدمون كنائسهم ويقيمون أمر الله فيهم كعمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد ونحوهما مؤيدين منصورين، وكان الذين هم بخلاف ذلك مغلوبين مقهورين. وإنما كثرت الفتن بين المسلمين، وتفرقوا على ملوكهم من حين دخل النصارى مع ولاة الأمر بالديار المصرية، في دولة المعز، ووزارة الفائز، وتفرق البحرية، وغير ذلك)([86])

وهو يعتبر أمثال هؤلاء الحكام الذين يذلون المسيحيين والأقليات ويضطهدوهم هم الطائفة المنصورة التي نص عليها الحديث، فيقول: (وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة)، وكل من عرف سير الناس وملوكهم رأى كل من كان أنصر لدين الإسلام، وأعظم جهاداً لأعدائه، وأقوم بطاعة الله ورسوله، أعظم نصرة وطاعة وحرمة، من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وإلى هذا الزمان. وقد أخذ المسلمون منهم كنائس كثيرةً من أرض العنوة، بعد أن أُقروا عليها في خلافة عمر بن عبد العزيز، وغيره من الخلفاء، وليس في المسلمين من أنكر ذلك)([87])

المثال السادس:

قال القاضي: وعيت هذا، فهات المثال السادس.

قال الخليلي: لم يكتف ابن تيمية بكل ذلك.. بل راح يشجع الحكام على تلك المواجهة مع الأقليات، ويخبرهم أنه لن يحصل لهم ضرر بسببها، فيقول: (ومن قال إن المسلمين يحصل لهم ضررٌ، إن لم يجابوا إلى ذلك؛ لم يكن عارفاً بحقيقة الحال، فإن المسلمين قد فتحوا ساحل الشام، وكان أعظم المصائب عليهم؛ أخذُ أموالهم، وهدم كنائسهم. وكان نوروز – رحمه الله – قد شرط عليهم الشروط، ووضع الجزية، وكان ذلك أعظم المصائب عليهم، ومع هذا لم يدخل على المسلمين بذلك إلا كل خير، فإن المسلمين مستغنون عنهم، وهم إلى ما في بلاد المسلمين أحوج من المسلمين إلى ما في بلادهم، بل مصلحة دينهم ودنياهم لا تقوم إلا بما في بلاد المسلمين، والمسلمون -ولله الحمد والمنة- أغنياء عنهم في دينهم ودنياهم. فأما نصارى الأندلس فهم لا يتركون المسلمين في بلادهم إلا لحاجتهم إليهم، وخوفهم من التتار، فإن المسلمين عند التتار أعز من النصارى وأكرم، ولو قدروا، وإنهم قادرون على من عندهم من النصارى. والنصارى الذين في ذمة المسلمين فيهم من البتاركة، وغيرهم من علماء النصارى ورهبانهم، وليس عند النصارى مسلمٌ يحتاج إليه المسلمون ولله الحمد، مع أن إفكاك الأسارى من أعظم الواجبات، وبذل ذلك الموقوف وغيره في ذلك من أعظم القربات. وكل مسلمٍ يعلم أنهم لا يتجرون إلى بلاد المسلمين، إلا لأغراضهم، لا لنفع المسلمين؛ ولو منعهم ملوكهم من ذلك لكان حرصهم على المال يمنعهم من الطاعة. فإنهم أرغب الناس في المال، ولهذا يتقامرون في الكنائس. وهم طوائف مختلفون، وكل طائفة تضاد الأخرى)([88])

وهكذا راح يدعوهم إلى إحياء تلك الشروط الجائرة التي لا تتناسب مع العدالة الإلهية، مع أنه لم يدل عليها دليل نصي، بل هي في أحسن أحوالها اجتهاد مرتبط بواقع معين، وفي زمان معين.

فمن تلك الشروط (أن لا يتخذوا من مدائن الإسلام ديراً ولا كنيسة ولا قُليّة ولا صومعة لراهب، ولا يجددوا ما خرب منها.. ولا يمنعوا كنائسهم التي عاهدوا عليها أن ينزلها المسلمون ثلاثة أيام، يُطعموهم، ويؤووهم.. ولا يظهروا شِركاً ولا ريبة لأهل الإسلام.. 4- ولا يعلوا على المسلمين في البنيان.. ولا يعلموا أولادهم القرآن.. ولا يركبوا الخيل ولا البغال، بل يركبوا الحمير بالأكف عرضاً من غير زينة لها ولا قيمة. ويركبوا وأفخاذهم مثنية.. ولا يظهروا على عورات المسلمين.. ويتجنبوا أوساط الطرق؛ توسعة للمسلمين.. ولا ينقشوا خواتمهم بالعربية.. وأن يجذّوا مقادم رؤوسهم.. وأن يلزموا زيَّهم حيث ما كانوا.. ولا يستخدموا مسلماً في الحمام، ولا في أعمالهم الباقية.. ولا يتسموا بأسماء المسلمين، ولا يتكنوا بكناهم، ولا يتلقبوا بألقابهم.. ولا يركبون سفينة نوتيها مسلمٌ.. ولا يشترون رقيقاً مما سباه مسلم.. ولا يشترون شيئاً مما خرجت عليه سهام المسلمين.. ولا يلبسون عمامة صافية، بل يلبس النصراني العمامة الزرقاء عشرة أذرع، من غير زينة لها ولا قيمة.. ولا يشتركون مع المسلمين في تجارة، ولا بيع، ولا شراء.. ولا يخدمون الملوك، ولا الأمراء فيما يُجري أميرهم على المسلمين من كتابة، أو أمانة، أو وكالة، أو غير ذلك.. فإن خالفوا شيئاً مما أخذ عليهم فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق)([89])

المثال السابع:

قال القاضي: وعيت هذا، فهات المثال السابع.

قال الخليلي: لم يكتف ابن تيمية بكل ذلك.. بل راح يحرض الحكام على المستشارين الذين يدعونهم إلى رعاية العدل وحقوق الأقليات، متهما إياهم بالنفاق والكفر، فقال: (ولا يشير على ولي المسلمين بما فيه إظهار شعائرهم في بلاد الإسلام، أو تقوية أمرهم بوجه من الوجوه، إلا رجل منافقٌ، يظهر الإسلام، وهو منهم في الباطن، أو رجلٌ له غرضٌ فاسدٌ، مثل أن يكونوا برطلوه، ودخلوا عليه برغبةٍ، أو رهبةٍ، أو رجلٌ جاهلٌ في غاية الجهل، لا يعرف السياسة الشرعية الإلهية التي تنصر سلطان المسلمين على أعدائه، وأعداء الدين. وإلا فمن كان عارفاً ناصحاً له أشار عليه بما يوجب نصره، وثباته، وتأييده، واجتماع قلوب المسلمين عليه، وفتحهم له، ودعاء الناس له في مشارق الأرض ومغاربها. وهذا كله إنما يكون بإعزاز دين الله، وإظهار كلمة الله، وإذلال أعداء الله تعالى. وليعتبر المعتبر بسيرة نور الدين، وصلاح الدين، ثم العادل، كيف مكنهم الله، وأيدهم، وفتح لهم البلاد، وأذل لهم الأعداء، لما قاموا من ذلك بما قاموا به؟! وليعتبر بسيرة من والى النصارى؛ كيف أذله الله، وكبته؟!)([90])


([1]) الفتاوى (4/140)

([2]) الإبانة الكبرى، ج2، ص 474.

([3]) شرح السنة، ص: 132.

([4]) شرح السنة، ص: 103.

([5]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ج1، ص170.

([6]) مجموع الفتاوى (6/359)

([7]) مجموع الفتاوى (8/227)

([8]) الفتاوى الكبرى (5/325)

([9]) الاستقامة (1/316).

([10]) الاستقامة (1/319).

([11]) الاستقامة (1/306).

([12]) شرح قصيدة ابن القيم  2/320.

([13]) درء تعارض العقل والنقل (2/96)

([14]) مجموع الفتاوى (3/ 173)

([15]) بيان تلبيس الجهمية 2/434.

([16]) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (4/405)

([17]) ذم الكلام 1315.

([18]) تأكيد المسلمات السلفية، ص19.

([19]) تأكيد المسلمات السلفية، ص20.

([20]) تأكيد المسلمات السلفية، ص20.

([21]) مجموع الفتاوى (4/ 155)

([22]) منهاج السنة (2/221)

([23])   انظر: درء تعارض العقل والنقل 6/ 264.

([24])   درء تعارض العقل والنقل، (7/27)

([25])   مجموع الفتاوى، (5/138)

([26]) درء تعارض العقل والنقل (2/96)

([27]) الإصفهانية، 58.

([28]) مجموع الفتاوى (28/ 205)

([29]) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (4/ 194).

([30]) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (4/ 194).

([31]) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/ 29)

([32]) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/ 29)

([33]) مجموع الفتاوى (33/ 179)

([34]) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (6/ 650)

([35]) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (6/ 652)

([36]) عد بعضهم هذا وأمثاله، فوجد 429 موضعا.

([37]) مجموع الفتاوى (21/ 379)

([38]) مجموع الفتاوى (1/ 372).

([39]) (مجموع الفتاوى (3/ 422)

([40]) مجموع الفتاوى (11/ 535)

([41]) مجموع الفتاوى (34/ 32)

([42]) مجموع الفتاوى (18/ 345)

([43]) مجموع الفتاوى (22/ 31).

([44]) مجموع الفتاوى (33/ 57)

([45]) مجموع الفتاوى (34/ 48)

([46]) مجموع الفتاوى (30/ 206)

([47]) مجموع الفتاوى (22/ 232)

([48]) مجموع الفتاوى (22/ 232)

([49]) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (2/ 98)

([50]) ابن عربي، الفتوحات المكية، 2/317.

([51]) الشيخ عبد القادري عيسى، حقائق عن التصوف، ص92.

([52]) إحياء علوم الدين (3/ 61)

([53]) إحياء علوم الدين (3/ 62)

([54]) طبعت هذه الفتوى ضمن مجموع الفتاوى (11/620-635)وقد أفردت في كتيب صغير بعنوان: الطرق الشرعية والطرق البدعية في المسائل الدعوية.

([55]) مجموع الفتاوى (11/ 620)

([56]) الإمام ابن تيمية وجماعة التبليغ، ص16.

([57]) مجموع الفتاوى (11/ 625)

([58]) مجموع الفتاوى (11/ 627)

([59]) مجموع الفتاوى (11/ 631)

([60]) مجموع الفتاوى (11/ 633)

([61]) مجموع الفتاوى (11/ 635)

([62]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (4/ 294)

([63]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (2/ 65)

([64]) فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد: (1 / 381)

([65]) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد (ص 621)

([66]) مجموع الفتاوى (31/ 11)

([67]) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/ 64)

([68]) مجموعة مؤلفات الشيخ 1/285.

([69]) مجموعة مؤلفات الشيخ 1/303.

([70]) شرح الحكم العطائية (ص: 26)

([71]) إحياء علوم الدين (1/ 19)

([72]) إحياء علوم الدين (1/ 20)

([73]) مجموع الفتاوى (2/ 378)

([74]) مجموع الفتاوى (2/ 359)

([75]) مجموع الفتاوى (2/ 368)

([76]) مجموع الفتاوى (2/ 367)

([77]) فقد كان ابن تيمية يدعو ـ عند الرقية التي ابتدعها أو نقلها عن سلفه ـ إلى ضرب الجن، وإلحاق مختلف العقوبات بهم، فيقول: (ولهذا قد يحتاج في إبراء المصروع ودفع الجن عنه إلى الضرب، فيضرب ضربا كثيرا جدا، والضرب إنما يقع على الجني، ولا يحس به المصروع حتى يفيق المصروع، ويخبر أنه لم يحس بشيء من ذلك، ولا يؤثر في بدنه، ويكون قد ضرب بعصا قوية على رجليه نحو ثلاثمائة أو أربعمائة ضربة وأكثر وأقل، بحيث لو كان على الإنسي لقتله، وإنما هو على الجني والجني يصيح ويصرخ، ويحدث الحاضرين بأمور متعددة كما قد فعلنا نحن هذا وجربنا مرات كثيرة يطول وصفها بحضرة خلق كثيرين) [مجموع الفتاوى 19 / 60]

وقال: (وإذا ضرب بدن الإنسي؛ فإن الجني يتألم بالضرب ويصيح ويصرخ ويخرج منه ألم الضرب، كما قد جرب الناس من ذلك ما لا يحصى، ونحن قد فعلنا من ذلك ما يطول وصفه) [مجموع الفتاوى  10 / 349]

وقال: (فإنه يصرع الرجل؛ فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضرباً عظيماً لو ضرب به جمل لأثَّر به أثراً عظيماً، والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب، ولا بالكلام الذي يقوله)[ مجموع الفتاوى 24 / 277]

بل إن ابن تيمية نفسه استعمل هذه الوسيلة في عقاب الجن، فقد حكى ابن مفلح – وهو تلميذ لابن تيمية– فقال: (كان شيخنا – يعني شيخ الإسلام ابن تيمية – إذا أتي بالمصروع وعظ من صرعه وأمره ونهاه، فإذا انتهى وفارق المصروع أخذ عليه العهد أن لا يعود، وإن لم يأتمر ولم ينته ولم يفارق؛ ضربه حتى يفارقه)[ الفروع  1 / 607]

([78]) مسألة في الكنائس، ص: 99.

([79]) مسألة في الكنائس، ص: 102.

([80]) مسألة في الكنائس، ص: 103.

([81]) لأن الذي بناها هم الفاطميون كما هو معلوم.

([82]) يقصد الفترة التي تولى فيها الفاطميون، وفي هذا دليل على كون ابن تيمية من أوائل من سن تكفير الأنظمة والدول، وتبعه على ذلك ابن عبد الوهاب وغيره من السلفية، وأخذته عنهم بعد ذلك بعض الحركات الإسلامية.

([83]) مسألة في الكنائس، ص: 116.

([84]) مسألة في الكنائس، ص: 118.

([85]) مسألة في الكنائس، ص: 120.

([86]) مسألة في الكنائس، ص: 121.

([87]) مسألة في الكنائس، ص: 122.

([88]) مسألة في الكنائس، ص: 124.

([89]) مسألة في الكنائس، ص: 134.

([90]) مسألة في الكنائس، ص: 127.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *