التنقل.. والحركة

التنقل.. والحركة

يرى أصحاب الرؤية التنزيهية ـ سواء كانوا من أهل البرهان أو من أهل العرفان ـ أن الله تعالى أعظم من أن يحتاج إلى التنقل أو الحركة.. لأنه لا يحتاجهما إلا القاصر الضعيف البعيد الذي لا تتحقق مطالبه إلا بالانتقال والحركة.. أما القوي القادر القريب، فإنه يحقق مطالبه من غير حركة ولا انتقال.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الحركة تستدعي المحدودية والحيز.. والله أعظم من أن يحد أو يتحيز.

والحركة والانتقال تقتضيان أن يحيط به المكان والزمان.. والله أعظم من أن يحتاج للمكان، أو يجري عليه الزمان.

والعقل والقرآن كلاهما يدلان على هذه الحقيقة العظيمة التي من لم يعرفها لم يعرف الله، وإنما عرف وهما كبيرا سماه إلها.

أما دلالة العقل على ذلك، فقد أشار إليها الرازي في قوله: (اعلم أنه ثبت بالدليل العقلي أن الحركة على الله تعالى محال، لأن كل ما كان كذلك كان جسما والجسم يستحيل أن يكون أزليا)([1])

وأما دلالة القرآن الكريم على ذلك، فأعظم من أن تحصر، لأن كل القرآن الكريم يدل عليها لمن تدبر ذلك..

فالله تعالى عندما يقول: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73) } [الواقعة: 63 – 74] يخبر عن حضورة المطلق مع كل شيء، بل عن تصريفه لكل شيء.. بل عن كونه هو الفاعل الوحيد لكل حركة أو سكنة في الوجود.

وهكذا عندما يقول: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]، فالله هو الذي قتل من قتل من الكفار.. وهو الذي رماهم بما رماهم من سهام.

بل إن الله تعالى يشير عندما يحكي قصة سليمان عليه السلام مع أصحابه إلى بيان أن الحركة والانتقال شأن المستضعفين، أما القادر فهو الذي يقضي مصالحه في طرفة عين من غير معاناة حركة ولا حمل ولا أي شيء، قال تعالى: { قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)} [النمل: 38 – 40]، فإذا كان هذا شأن العبد.. فكيف بشأن الرب سبحانه وتعالى؟

بالإضافة إلى ذلك فإن القرآن الكريم يقرر قربه المطلق من خلقه، والذي أشرنا إليه عند حديثنا عن الجهة والمكان.. فالله تعالى أقرب إلى خلقه من أنفسهم، كما قال تعالى: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ق: 16]

ولذلك فإن القرب في المصطلح القرآني لا يدل على قرب الحس أو المكان، بل هو يدل على قرب السلوك والعرفان.. كما قال تعالى في تصنيف عباده يوم القيامة: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11)} [الواقعة: 7 – 11]

وذكر من نعيم الجنة نعيما خاصا بالمقربين، فقال: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 28]

وقد أشار القرآن الكريم إلى منهج التحقيق بهذا القرب، فقال: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19]، فالسجود بكل الكيان لله هو أقرب طريق للقرب الإلهي، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أقرب ما يكون العبد من ربه في سجوده)([2])

ونفى القرآن الكريم ذلك القرب الوهمي الذي يخطر على المستغرقين في الدنيا، فقال: { وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} [سبأ: 37]

وهكذا نرى اتفاق الرؤية العقلية مع الرؤية القرآنية في إثبات غنى الله تعالى عن الحركة والانتقال لقدرته المطلقة أولا، ولقربه من كل شيء ثانيا قربا لا يمكن تصوره، ولا تخيله لأن الله أعظم من أن يحيط به الخيال أو الوهم أو التصور.

وبناء على هذه الرؤية القرآنية والعقلانية اهتم العارفون من هذه الأمة بالقرب الإلهي، وجعلوه غايتهم الكبرى.. متبنين في ذلك الرؤية القرآنية، لا الرؤية الحسية التجسيمية التي تبناها أهل الحديث والسلفية.. وبذلك يتفق على هذه العقيدة التنزهية كلا المدرستين الكبيرتين من مدارس الإسلام: مدرسة البرهان، ومدرسة العرفان.

ونحب هنا من باب التأكيد، وباب بيان أثر العقيدة التنزيهية في الترقي والتحقق العرفاني والأخلاقي أن نذكر مقولات العارفين الذين اختصوا بتحويل المعاني العقدية إلى معان ذوقية تتشربها الروح، وينفعل لها الجسد.

ونبدأ ذلك ببيان اتفاق العرفان مع البرهان على معنى القرب الإلهي.. وقد ذكر ذلك كل العرفاء، ومنهم الشيخ عبد الغني النابلسي الذي وضح معنى القرب الإلهي، فقال: (إن قرب الكائنات منه تعالى قرب أثر من مؤثر، وقرب معلوم من عالم به لا يعزب عن علمه شيء، وبعد الكائنات منه تعالى عدم مناسبتها له وعدم مشابهتها له ولا بوجه من الوجوه)([3])

وقال الشيخ أحمد زروق: (قرب المسافات والنسب والمداناة: وهو قرب الأجسام، وسائر المحدثات، فلا يليق بالحق سبحانه، ولا يجوز عليه)([4])

وقال الغزالي: (القرب منه ليس بالمكان، وإنما هو باكتساب الكمال على حسب الإمكان. وأن كمال النفس بالعلم والعمل، والاطلاع على حقائق الأمور، مع حسن الأخلاق)([5]).

وقد ذكر الشيخ العارف أبو العباس التجاني ناحية مهمة لو تأملها السلفيون لانتفت عنهم كل الشبهات المرتبطة بالتجسيم وما يلزم منه، فقال: (معية الحق بذاته لكل ذرة من الموجودات وقربه لكل ذرة من الموجودات صفتان نفسيتان يتوقف تعلقهما على تعقل ماهية الذات، وحيث كان تعقل ماهية الذات ممنوعا لا سبيل إليه للعقل والفكر، كذلك تعقل هاتين الصفتين معية وقرباً لكل شيء من الموجودات تعقلهما من وراء طور العقل والحس، فلا اتصال ولا انفصال ولا مسافة للقرب والبعد ولا أينية ولا حلول ولا مكان ولا دخول ولا خروج ولا تتعدد الذات بتعددها بالمعية)([6])

وهكذا نرى العرفاء يخبرون عن شهودهم لقرب الله المطلق من كل ذرة من ذرات الوجود، تصديقا لما ورد في القرآن الكريم من ذلك.

يقول ابن عطاء الله: (ما احتجب الحق عن العباد إلا بعظيم ظهوره، ولا منع الأبصار أن تشهده إلا قهارية نوره فعظيم القرب هو الذي غيب عنك شهود القرب)([7]).

ويقول: (قربك منه أن تكون شاهداً لقربه، وإلا فمن أين أنت ووجود قربه؟)([8]).

ويذكر الشيخ عز الدين بن عبد السلام كيفية قطع العقبات الحائلة بين القلب والقرب، فقال: (لا تصل إلى منازل القربات حتى تقطع عنك ست عقبات: العقبة الأولى: فطم الجوارح عن المخالفات الشرعية.. العقبة الثانية: فطم النفس عن المألوفات العادية.. العقبة الثالثة: فطم القلب عن المرغوبات البشرية.. العقبة الرابعة: فطم السر عن الكدورات الطبيعية.. العقبة الخامسة: فطم الروح عن البخارات الحسية.. العقبة السادسة: فطم العقل عن الخيالات الوهمية.. فتشرف من العقبة الأولى على ينابيع الحكم القلبية..وتطلع من العقبة الثانية على أسرار العلوم اللدنية..وتلوح لك في العقبة الثالثة أعلام المناجاة الملكوتية.. وتلمع لك في العقبة الرابعة أنوار أعلام المنازل القريبة.. وتطلع لك في العقبة الخامسة أقمار المشاهدات الحبية.. وتهبط من العقبة السادسة إلى رياض الحضرة القدسية، فهناك تغيب من ما تشاهد من اللطائف الإنسية عن الكثائف الحسية)([9]).

ويذكر الشيخ نجم الدين الكبرى عقبات أخرى تحول بين القلب والتحقق بالقرب، فيقول: (القلب إذا تجرد عن المعلومات، والسر تقدس عن المرقومات، والروح تنـزه عن الموهومات: كانوا أقرب إلى الفطرة، ولم يشتغلوا بقبول النفوس السفلية من الحسيات والخيالات والوهميات)([10]).

وكل هذه المعاني التي اتفق عليها أهل العرفان والبرهان نص عليهم قبلهم أئمة أهل البيت الذين تركوا لنا ثورة ضخمة من الروايات الممتلئة بتنزيه الله وتعظيمه، ومن الروايات المرتبطة بهذا ما روي عن الإمام علي أنه قال: (لا تجري عليه [تعالى] الحركة والسكون، وكيف يجرى عليه ما هو أجراه، أو يعود إليه ما هو ابتدأه، إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزّأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه…) ([11])

وسئل الإمام الصادق: لم يزل الله متحرّكاً؟ فقال: تعالى الله عن ذلك، إنّ الحركة صفة محدثة بالفعل) ([12])

وقال: (إنّ الله تبارك وتعالى لا يوصف بزمان ولا مكان، ولا حركة ولا انتقال ولا سكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً) ([13])

وقال الإمام الكاظم: (كلّ متحرّك محتاج إلى من يحرّكه أو يتحرّك به، فمن ظنّ بالله الظنون هلك)([14])

هذا هو موقف المدرسة التنزيهية من هذه المسألة الخطيرة، وما يترتب عليها، لكن المدرسة التجسيمية التي يمثلها السلفية تخالف هذه الرؤية تماما، لأنها تنطلق في كل هذه المسائل من تغليب التصور على التعقل.. ولهذا تنطلق في هذه المسألة ـ كما تنطلق في غيرها ـ من إثبات الحدود والحيز والمكان.. وكل ذلك يقتضي بعدا حسيا، وحركة حسية.

بل هي تتصور أن نفي الحركة والانتقال عن الله حكم عليه بالإعدام، كما قال ابن القيم: (وقد دل القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظلل من الغمام والملائكة، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنة. وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين، فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له، وحركة الحي من لوازم ذاته، ولا فرق بين الحي والميت إلا بالحركة والشعور، فكل حي متحرك بالإرادة وله شعور فنفي الحركة عنه كنفي الشعور، وذلك يستلزم نفي الحياة) ([15])

أو هو على الأقل نفي للكمال عنه.. لأن الكمال في تصورهم هو القدرة على الحركة والتنقل، كما أشار ابن تيمية إلى ذلك في قوله: (وهكذا يقال لهم فى أنواع الفعل القائم به كالإتيان والمجيء والنزول وجنس الحركة: إما أن يقبل ذلك وإما أن لايقبله:فإن لم يقبله كانت الأجسام التى تقبل الحركة ولم تتحرك أكمل منه. وإن قبل ذلك ولم يفعله كان ما يتحرك أكمل منه فإن الحركة كمال للمتحرك. ومعلوم أن من يمكنه أن يتحرك بنفسه أكمل ممن لا يمكنه التحرك وما يقبل الحركة أكمل ممن لايقبلها)([16])

وقال في شرح حديث النُّزول: (لفظ (الحركة؛ هل يوصف الله بها أم يجب نفيه عنه؟ اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل الملل وغير أهل الملل من أهل الحديث وأهل الكلام وأهل الفلسفة وغيرهم على ثلاثة أقوال، وهذه الثلاثة موجودة في أصحاب الآئمة الأربعة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم) ([17])

ثم ذكر معنى الحركة عند المتكلمين والفلاسفة وأصحاب أرسطو وأنواع الحركة.. إلى أنْ قال: (والمقصود هنا أنَّ الناس متنازعون في جنس الحركة العامة التي تتناول ما يقوم بذات الموصوف من الأمور الاختيارية ؛ كالغضب والرضى والفرح، وكالدنو والقرب والاستواء والنُّزول، بل والأفعال المتعدية كالخلق والإحسان وغير ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: قول من ينفي ذلك مطلقاً وبكل معنى.. وهذا أول من عرف به هم الجهمية والمعتزلة.. والقول الثاني: إثبات ذلك، وهو قول الهشامية والكرامية وغيرهم من طوائف أهل الكلام الذين صرحوا بلفظ الحركة.. وذكر عثمان بن سعيد الدارمي إثبات لفظ الحركة في كتاب نقضه على بشر المريسي، ونصره على أنه قول أهل السنة والحديث، وذكره حرب بن إسماعيل الكرماني – لما ذكر مذهب أهل السنة والأثر – عن أهل السنة والحديث قاطبة، وذكر ممن لقي منهم على ذلك: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وهو قول أبي عبد الله بن حامد وغيره. وكثيرٌ من أهل الحديث والسنة يقول: المعنى صحيح، لكن ؛ لا يطلق هذا اللفظ ؛ لعدم مجيء الأثر به ؛ كما ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر وغيره في كلامهم على حديث النُّزول. والقول المشهور عن السلف عند أهل السنة والحديث: هو الإقرار بما ورد به الكتاب والسنة ؛ من أنه يأتي وينْزل وغير ذلك من الأفعال اللازمة. قال أبو عمرو الطَّلْمَنْكِيُّ: أجمعوا (يعني: أهل السنة والجماعة) على أنَّ الله يأتي يوم القيامة والملائكة صفَّاً صفَّاً لحساب الأمم وعرضها كما يشاء وكيف يشاء ؛ قال تعالى: { هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ }، وقال تعالى: { وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاً صَفَّاً}. قال: وأجمعوا على أنَّ الله يَنْزل كل ليلة إلى سماء الدنيا على ما أتت به الآثار كيف شاء، لا يحدون في ذلك شيئا. ثم روى بإسناده عن محمد بن وضاح ؛ قال: وسألت يحيى بن معين عن النُّزول؟ فقال: نعم ؛ أقر به، ولا أحِدُّ فيه حَدَّاً.. والقول الثالث: الإمساك عن النفي والإثبات، وهو اختيار كثيرٌ من أهل الحديث والفقهاء والصوفية ؛ كابن بطة وغيره، وهؤلاء فيهم من يعرض بقلبه عن تقدير أحد الأمرين، ومنهم من يميل بقلبه إلى أحدهما، ولكن ؛ لا يتكلم لا بنفي ولا بإثبات.) ([18])

وقال الشيخ ابن عثيمين: (.. النصوص في إثبات الفعل والمجيء والاستواء والنُّزول إلى السماء الدنيا إن كانت تستلزم الحركة لله ؛ فالحركة له حق ثابت بمقتضى هذه النصوص ولازمها، وإن كنا لا نعقل كيفية هذه الحركة) ([19])

والمشكلة الكبرى أن المدرسة السلفية تزعم استمدادها لهذه العقائد التجسيمية الخطيرة من الكتاب والسنة.. مع أنها تخالف القطعيات الصريحة من الكتاب والسنة وتقدم عليها النصوص المتشابهة.. فتحول المحكم متشابها والمتشابه محكما.

ولوصف عقائدهم في هذه الناحية، وأدلتهم عليها، سنتحدث عن مواقفهم التفصيلية من خلال العنصرين التاليين:

الدنو والمماسة:

كما رأينا من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة، فإن القرب والبعد عن الله اعتباريان، وليس حقيقيان، فالله قريب من كل شيء قربا واحدا.. فليس هناك شيء أقرب إليه من شيء.. لأنه لا مسافة بين الله وعباده.. ولا حجاب بينه وبينهم، كما قال ابن عطاء الله في ذلك: (الحقّ ليس بمحجوب عنك إنما المحجوب أنت عن النظر إليه إذ لو حجبه شي‏ء لستره ما حجبه ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر وكل حاصر لشي‏ء فهو له قاهر {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } [الأنعام: 18])

ولذلك فإن القرب والبعد ـ كما تدل على ذلك النصوص المقدسة ـ مرتبط بالتخلق.. فبقدر التخلق بالخلق الحسن يكون القرب، وبقدر التخلق بالخلق السيء يكون البعد، كما أشار ابن عطاء الله إلى ذلك في قوله: (اخرج من أوصاف بشريّتك عن كلّ وصف مناقض لعبوديّتك، لتكون لنداء الحقّ مجيبا، ومن حضرته قريبا)

وقال ابن عجيبة معلقا عليه: (إذا تخلص من رق الشهوات والحظوظ، كان قريبا من حضرة الحق، بل عاكفا فيها، إذ ما أخرجنا عن الحضرة إلا حبّ هذه الخيالات الوهمية فإذا تحررنا منها وتحققنا بالعبودية وجدنا أنفسنا في الحضرة)([20])

وهذا الذي ذكره العارفون إنما استمدوه من القرآن الكريم، ومما يقتضيه العقل السليم.. فالعقل يصنف الأشياء بحسب أنواعها لا بحسب قربها وبعدها عن بعضها.. فالذهب يبقى شقيقا للذهب حتى لو باعدت بينهما المسافة.. وهكذا ولله المثل الأعلى يكون القرب من الكمال بحسب الكمال المطاق.

وبناء على هذه النظرة التنزيهية فإن أقرب الخلق إلى الله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه أكملهم، وأكثرهم معرفة به، وهو سيد المقربين من الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة.

وهكذا، وبناء عليه يكون القرب من الله تعالى.. فأقرب الخلق إلى الله أقربهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وقد أشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن ميزان القرب منه هو الأخلاق، وليس الزمان ولا المكان، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون)([21])

 فهذا الحديث يحدد حسن الخلق مقياسا لمكانة المؤمن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مما لا علاقة له لا بالمكان، ولا بالزمان.

هذه هي النظرة التنزيهية للقرب والبعد في مجالاته المختلفة.. لكن النظرة التجسيمية تخالف ذلك تماما.. ولهذا يرى السلفية الذين تبنوا هذه النظرة أن القرب من الله قرب مكاني مخالفين بذلك كل ما ورد في النصوص من القرب الاعتباري.

 قال الدارمي موضحا هذه الرؤية بأصرح عبارة: (..فيقال لهذا المعارض المدعي ما لا علم له من أنبأك أن رأس الجبل ليس بأقرب إلى الله تعالى من أسفله؟ لأنه من آمن بأن الله فوق عرشه فوق سمواته علم يقيناً أن رأس الجبل أقرب إلى الله من أسفله، وأن السماء السابعة أقرب إلى عرش الله تعالى من السادسة والسادسة أقرب إليه من الخامسة ثم كذلك إلى الأرض)([22])

وقد دعاهم إلى هذه الرؤية التجسيمية اعتبارهم للحيز والحدود والمكان وغير ذلك.. وهي جميعا تقتضي أن تكون الأشياء بالنسبة لله متفاوتة في قربها وبعدها بحسب موضعها.

بالإضافة إلى ما أوردوه من روايات تلقفوها من أهل الكتاب أو من تلاميذهم، ثم صاغوها أو صاغوا بعضها على شكل روايات مرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليحصنوا تجسيمهم وتشبيههم لله بحصن السنة المقدس.

وبناء على تلك الرؤية التجسيمية فإن أقرب الخلق إلى الله هو العرش، ثم الملائكة الحاملين للعرش.. وهكذا..

وقد رووا في ذلك الروايات الكثيرة التي تدل على أن أوامر الله تنزل بسلم تنازلي يبدأ من حملة العرش، ثم من بعدهم إلى أن يصل الأمر إلى محله الذي أراده الله.

ومن تلك الروايات التي استدلوا بها على هذا ما رفعوه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: (ولكن ربنا- تبارك وتعالى اسمه- إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش ماذا قال ربكم، فيخبرونهم ماذا قال)([23])

وقد استدلوا بهذا الحديث على أن (حملة العرش هم أول من يتلقى أمر الله، ثم يبلغونه للذين يلونهم من أهل السموات، فكونهم أقرب الخلق إلى الله دليل على أن العرش أقرب منهم إليه – سبحانه – لأنهم إنما يحملونه) ([24])

وقد حددوا في بعض الروايات المسافة التي تفصل الله تعالى عن أقرب الخلق إليه، فرووا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن أقرب الخلق إلى الله تعالى جبرائيل وإسرافيل وميكائيل وإنهم من الله تعالى بمسيرة خمسين ألف سنة) ([25])

ورووا عن سلفهم الكثير من الروايات التي تصور ذلك تصويرا حسيا واضحا حتى لا يتعب عقل السلفي في وضع الاحتمالات المرتبطة بذلك، ومن تلك الروايات ما حدث به وهيب بن الورد قال: (بلغني أن أقرب الخلق من الله عز وجل إسرافيل العرش على كاهله.. فإذا نزل الوحي دلي لوح من تحت العرش، فيقرع جبهة إسرافيل، فينظر فيه فيدعو جبريل فيرسله، فإذا كان يوم القيامة أتى بإسرافيل ترعد فرائصه، فيقال: ما صنعت فيما أدى إليك اللوح؟ فيقول: بلغت جبريل. فيدعى جبريل ترعد فرائصه فيقال: ما صنعت فيما بلغك إسرافيل؟ فيقول: بلغت الرسل. فيؤتى بالرسل ترعد فرائصهم فيقال: ما صنعتم فيما أدى إليكم جبريل؟ فيقولون: بلغنا الناس)([26])

 وبناء على هذا الحديث التجسيمي فسروا قوله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7)} [الأعراف: 6، 7]، ورووا عن وهب بن منبه ما هو أكثر تفصيلا وتجسيما، حيث قال: (إذا كان يوم القيامة يقول الله عز وجل: يا إسرافيل، هات ما وكلتك به فيقول: نعم يا رب في الصور كذا وكذا ثقبة، وكذا وكذا روحا، للإنس منها كذا وكذا، وللجن منها كذا وكذا، وللشياطين منها كذا وكذا، وللوحوش منها كذا وكذا، وللطير كذا، ومنها كذا وكذا للحيتان، وللبهائم منها كذا وكذا وللهوام منها كذا وكذا. فيقول الله عز وجل: خذه من اللوح فإذا هو مثلا بمثل لا يزيد ولا ينقص، ثم يقول الله عز وجل: هات ما وكلتك به يا ميكائيل فيقول: نعم يا رب أنزلت من السماء كذا وكذا كيلة كذا وكذا مثقالا وزنة كذا وكذا مثقالا وزنة كذا وكذا قيراطا وزنة كذا وكذا خردلة وزنة كذا وكذا ذرة، أنزلت في سنة كذا وكذا، وفي شهر كذا وكذا كذا وكذا، وفي جمعة كذا وكذا، وفي يوم كذا وكذا للزرع كذا وكذا وأنزلت منه للشياطين كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وأنزلت للإنس منه كذا وكذا في يوم كذا وكذا كذا وكذا، وأنزلت للبهائم كذا وكذا وزنة كذا وكذا، وأنزلت للوحوش كذا وكذا وزنة كذا، وكذا، وللطير منه كذا وكذا، وللباد منه كذا وكذا، وللحيتان منه كذا وكذا وللهوام منه كذا وكذا فذلك كذا وكذا فيقول: خذه من اللوح، فإذا هو مثلا بمثل لا يزيد ولا ينقص، ثم يقول: يا جبريل هات ما وكلتك به، فيقول: نعم يا رب أنزلت على نبيك فلان كذا وكذا آية في شهر كذا وكذا في جمعة كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وأنزلت على نبيك فلان كذا وكذا آية وعلى نبيك فلان كذا وكذا سورة فيها كذا وكذا آية، فذلك كذا وكذا أحرفا، وأهلكت كذا وكذا مدينة، وخسفت بكذا وكذا. فيقول: خذه من اللوح فإذا هو مثلا بمثل لا يزيد ولا ينقص، ثم يقول عز وجل: هات ما وكلتك به يا عزرائيل. فيقول: نعم يا رب قبضت روح كذا وكذا إنسي وكذا وكذا جني، وكذا وكذا شيطان وكذا وكذا غريق، وكذا وكذا حريق، وكذا وكذا كافر، وكذا وكذا شهيد وكذا وكذا هديم وكذا وكذا لديغ وكذا وكذا في سهل، وكذا وكذا في جبل، وكذا وكذا طير، وكذا وكذا هوام، وكذا وكذا وحش فذلك كذا، وكذا جملته كذا وكذا فيقول: خذه من اللوح فإذا هو مثلا بمثل لا يزيد ولا ينقص فالله تبارك وتعالى علم قبل أن يكتب وأحكم)([27])

وقد فسروا بهذا الحديث قوله تعالى: { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد: 3]

بل ذكروا أن جبريل عليه السلام كان إذا احتاج إلى سؤال الله رحل إليه، ودنا منه، ليسأله، وكأنه لم ينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186]

ومن تلك الروايات التي أوردوها في هذا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سأل جبريل عليه السلام: أي بقاع الأرض أشر؟، قال: الله أعلم، قال: ألا تسأل ربك عز وجل؟ قال: ما أجرأكم يا بني آدم إن الله لا يسئل عما يفعل، ثم عاد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (إني دنوت من ربي حتى كنت منه بمكان لم أكن قط أقرب منه، كنت بمكان بيني وبينه سبعون حجابا من نور، فأوحى الله تبارك وتعالى إلي أن شر بقاع الأرض السوق)([28])

وفي رواية أخرى أن جبريل عليه السلام قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد رحلته الطويلة: (يا محمد، لقد وقفت اليوم موقفا لم يقفه ملك قبلي ولا يقفه ملك بعدي، كان بيني وبين الجبار تبارك وتعالى سبعون ألف حجاب من نور، الحجاب يعدل العرش والكرسي والسماوات والأرض بكذا وكذا ألف عام، فقال: أخبر محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أن خير البقاع المساجد، وخير أهلها أولهم دخولا، وآخرهم خروجا، وشر البقاع الأسواق، وشر أهلها أولهم دخولا، وآخرهم خروجا)([29])

بل إنهم يفسرون قوله تعالى عن موسى عليه السلام: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم: 52] تفسيرا حسيا موغلا في التجسيم، فيروون عن مجاهد قوله: (بين السماء السابعة، وبين العرش سبعون ألف حجاب: حجاب نور، وحجاب ظلمة، وحجاب نور، وحجاب ظلمة، فما زال موسى عليه السلام يقرب حتى كان بينه وبينه حجاب، فلما رأى مكانه وسمع صريف القلم، قال: { رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143])([30])

وهكذا فسروا قوله تعالى: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 25] فقد رووا عن مجاهد قوله: (إن داود عليه السلام يجيء يوم القيامة خطيئته مكتوبة في كفه، فيقول: يا رب خطيئتي مهلكتي، فيقول له: كن بين يدي، فينظر إلى كفه فيراها، فيقول: يا رب خطيئتي مهلكتي، فيقول: خذ بحقوي، فذلك قوله، عز وجل: { وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ } [ص: 25])([31])

وهكذا فسروا قوله تعالى عن المعراج: { ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) } [النجم: 8 – 10]، فقد فسروها تفسيرا حسيا فقد رووا عن أنس بن مالك: (.. ثم عرج به إلى السماء السابعة فقالوا له مثل ذلك كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فوعيت منهم إدريس في الثانية وهارون في الرابعة وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: رب لم أظن أن ترفع علي أحداً، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى فقال: يا محمد ماذا عهد إليك ربك؟ قال عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة. قال إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم. فالتفت النبي إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت فعلا به إلى الجبار فقال وهو مكانه يا رب خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا فوضع عنه عشر صلوات…)([32])

وهكذا يفسرون الكثير من آيات القرآن الكريم تفسيرا حسيا لا يختلف عن هذا، بل إن ابن تيمية أقر قصة عجيبة ذكرها البغوي في تفسيره عن أيوب عليه السلام، رواها عن وهب بن منبه، كتفسير لقوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41]، فقد ذكر أن أيوب لم يقل تلك الكلمة التي ذكرها القرآن الكريم عنه، وإنما قال بدلها: (لو أن ربي نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بملء فمي بما كان ينبغي للعبد أن يحاج عن نفسه لرجوت أن يعافيني عند ذلك مما بي، ولكنه ألقاني وتعالى عني، فهو يراني ولا أراه، ويسمعني ولا أسمعه، فلا نظر إلي فيرحمني، ولا دنا مني، ولا أدناني فأدلي بعذري، وأتكلم ببراءتي، وأخاصم عن نفسي)

ويروي أن الله تعالى أجابه بخلاف ما ذكره القرآن الكريم: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42]، وإنما أجابه بنزوله على الغمام وخطابه له، قال وهبه بن منبه: (فلما قال ذلك أيوب وأصحابه عنده أظله غمام حتى ظن أصحابه أنه عذاب أليم، ثم نودي يا أيوب إن الله عز وجل يقول: ها أنا قد دنوت منك ولم أزل منك قريبا ثم فأدل بعذرك وتكلم ببراءتك وخاصم عن نفسك واشدد إزارك، وقم مقام جبار يخاصم جبار إن استطعت، فإنه لا ينبغي أن يخاصمني إلا جبار مثلي ولا شبه لي لقد منتك نفسك يا أيوب أمرا ما تبلغه بمثل قوتك أين أنت مني يوم خلقت الأرض فوضعتها على أساسها هل كنت معي تمد بأطرافها وهل علمت بأي مقدار قدرتها أم على أي شيء وضعت أكنافها أبطاعتك حمل الماء الأرض أم بحكمتك كانت الأرض للماء غطاء أين كنت مني يوم رفعت السماء سقفا محفوظافي الهواء..)([33]) إلى آخر ما ذكره.

والعجيب أن ابن تيمية استدل بهذه القصة على دنو الله من خلقه، فقال: (..وقد جاء أيضاً من حديث وهب بن منبه وغيره من الاسرائيليات قربه من أيوب عليه السلام وغيره من الأنبياء عليهم السلام. ولفظه الذي ساقه البغوى أنه أظله غمام ثم نودى يا أيوب أنا الله، يقول أنا قد دنوت منك أنزل منك قريبا، لكن الاسرائيليات إنما تذكر على وجه المتابعة لا على وجه الاعتماد عليها وحدها)([34])

ثم يعطي ابن تيمية القاعدة التي بنى عليها السلف هذه المسألة، فقال: (..والذين يثبتون تقريبه العباد إلى ذاته هو القول المعروف للسلف والأئمة وهو قول الأشعرى وغيره من الكلابية فإنهم يثبتون قرب العباد إلى ذاته… وأما دنوه نفسُه وتقرُّبُه من بعض عباده فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه ومجيئه يوم القيامة ونزوله واستوائه على العرش وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة الاسلام المشهورين وأهل الحديث والنقل عنهم بذلك متواتر)([35])

وبناء على هذا المفهوم للقرب ذكروا أن معنى قرب أهل الجنة من الله هو القرب الحسي.. ومما رووه في ذلك عن عبد الله بن مسعود قوله: (سارعوا إلى الجمع في الدنيا فإن الله تعالى ينزل لأهل الجنة كل جمعة في كثيب من كافور أبيض فيكونون في القرب منه على قدر تسارعهم إلى الجمع في الدنيا)([36])

وبناء عليه أيضا فسروا المقام المحمود الذي وعد الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: {عَسَى رَبُّكَ أَنْ يَبْعَثَكَ مَقَامًا مَحْمُوْدًا}[الإسراء:٧٩]، تفسيرا حسيا، فذكروا أن معناه إقعاد الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم على العرش، وقد بالغوا في هذا المعنى كثيرا حتى اعتبروا مخالفته تعطيلا وتجهما وضلالة.

بل إن بعضهم لم يكتف بحديث مجاهد، بل أضاف إليه روايات رفعوها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها ما رواه أبو إسحاق الشيرجي الحنبلي عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قول الله: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا } [الإسراء: 79] قال: (نعم، إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين حبيب الله؟ فأتخطى صفوف الملائكة حتى أصير إلى جانب العرش، ثم يمد يده فيأخذ بيدي فيقعدني على العرش) ([37])

ومثله ما رواه أبو بكر النجاد عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الآية السابقة، قال: (يقعدني على العرش) ([38])

ومثله ما رواه عمرو بن دينار: (أن الله عز وجل يغضب يوم القيامة غضبا لم يغضب مثله، فيقوم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيثني على الله بما هو أهله، فيقول الله عز وجل له: ادنه، ثم يغضب فيقوم نبينا، فيثني على الله بما هو له أهل، فيقول له: ادنه، فلا يزال يقول له: ادنه، حتى يقعده على العرش، وجبريل عليه السلام قائم، فيقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن هذا يعني جبريل جاءني برسالاتك، فيقول الله تبارك وتعالى: صدق) ([39])

بل إنهم لم يكتفوا بهذه الأحاديث المرفوعة، بل راحوا يضيفون الاستدلال بالرؤى على صحة هذه الفضيلة، ومن تلك الرؤى ما حدث به محمد بن علي السراج، قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، رحمة الله عليهما ورضوانه، فتقدمت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقمت عن يسار عمر، فقلت: يا رسول الله، إني أريد أن أقول شيئا فأقبل علي، فقال: قل، فقلت: إن الترمذي يقول: إن الله عز وجل لا يقعدك معه على العرش، فكيف تقول يا رسول الله، فأقبل علي شبه المغضب وهو يشير بيده اليمنى عاقدا بها أربعين، وهو يقول: (بلى والله، بلى والله، بلى والله، يقعدني معه على العرش، بلى والله يقعدني معه على العرش، بلى والله يقعدني معه على العرش)، ثم انتبهت)([40])

ومما ذكره ابن القيم في نونيته عن هذا الأصل من أصول العقائد قوله:

واذكر كلام مجاهد في قوله

   أقم الصلاة وتلك في سبحان

في ذكر تفسير المقام لأحمد

   ما قيل ذا بالرأي والحسبان

إن كان تجسيمًا فإن مجاهدًا

   هو شيخهم بل شيخه الفوقاني

وقد أتى ذكر الجلوس به وفي

   أثر رواه جعفر الرباني

أعني ابن عم نبينا وبغيره

   أيضًا والحقُّ ذو التِّبيان

والدارقطني الإمام يثبت الآثار

   في ذا الباب غير جبان

وله قصيد ضمنت هذا

   وفيها لست للمروي ذا نكران

وجرت لذلك فتنة في وقته

   من فرقة التعطيل والعدوان

والله ناصر دينه وكتابه

   ورسوله في سائر الأزمان

لكن بمحنة حزبه من حربه

   ذا حكمة مذ كانت الفئتان

وقبله قال أبو الحسن الدارقطني:

حديث الشفاعة عن أحمد

   إلى أحمد المصطفى مسنده

وجاء حديث باقعاده

   على العرش أيضًا فلا نجحده

أمرُّوا الحديث على وجهه

   ولا تُدخلوا فيه ما يفسده

ولا تُنكروا أَنَّه قاعد

   ولا تُنكروا أنه يقعده

وقد نص على ثبوت هذا النوع من القرب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل متقدمي السلفية الذين يحتجون بهم في العادة على مخالفيهم([41]) ومنهم أحمد بن حنبل، وهارون بن معروف، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام وعبد الوهاب الوراق، وأبو داود السجستاني، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وإبراهيم الحربي، وأبو بكر المروذي وأبو بكر الخلال،، وأبو القاسم الطبراني، وأبو بكر الآجري، وأبو عبد الله ابن بطة، وغيرهم كثير.

بل قال إبراهيم الأصبهاني في الحديث: (هذا الحديث صحيح ثبت، حدث به العلماء منذ ستين ومائة سنة)

وقال أبو بكر المروذي: قال أبو بكر بن حماد المقرئ: (من ذكرت عنده هذه الأحاديث فسكت فهو متهم على الإسلام ! فكيف من طعن فيها؟!)

و قال أبو بكر بن صدقة: (ما حكمه عندي إلا القتل)

وقال أبو بكر بن أبي طالب: (من رده فقد رد على الله عز وجل، ومن كذب بفضيلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد كفر بالله العظيم).

وقال محمد بن إسماعيل السلمي: (من توهم أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لم يستوجب من الله عز وجل ما قال مجاهد فهو كافر بالله العظيم)

وقال أبو بكر يحيى بن أبي طالب: (لا علمت أحدا رد حديث مجاهد يقعد محمدا صلى الله عليه وآله وسلم على العرش)

وقال أبو قلابة: (لا يرد هذا إلا أهل البدع والجهمية)

وقال الحسن بن الفضل: (من رد هذه الأحاديث فهو مبتدع ضال ما أدركنا أحدا يرده إلا من في قلبه بلية، يهجر ولا يكلم)

وقال ابن بطة: سمعت أخي القاسم – نضر الله وجهه – يقول: (لم يكن البربهاري يجلس مجلسا إلا ويذكر فيه أن الله عز وجل يقعد محمدا صلى الله عليه وآله وسلم معه على العرش).

و قال محمد بن إسماعيل السلمي: (كل من ظن أو توهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يستوجب من الله عز وجل هذه المنزلة في حديث مجاهد فهو عندنا جهمي، وإن هذه المصيبة على أهل الإسلام أن يذكر أحد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يقدموا عليه بأجمعهم !)

بل إن المتأخرين أيضا ممن لا يمارسون التقية قالوا بذلك، من أمثال الشيخ ابن فوزان فقد قال في شرحه على النونية عن أثر مجاهد: (هذا حديث صحيح وإن كان يشوش على ضعاف الإدراك فلا عبرة بهم لأنه لا يمكن أن يقال هذا الكلام من جهة الاجتهاد أو الرأي بل له حكم الرفع)([42])

بل إن بعضهم ألف في ذلك رسالة سماها (الرد بالعدة والعتاد على من أنكر أثر مجاهد في الإقعاد)([43])، وقد قدم لها بقول محمد بن إسماعيل السلمي: (لولا أن أبا بكر المروذي رحمه الله اجتهد في هذا –أي في الرد على من أنكر أثر مجاهد- لخفت أن ينزل بنا وبمن يقصر عن هذا الضال المضل عقوبة، فإنه من شر الجهمية ما يبالي ما تكلم به)([44])

ثم قال: (ومما أعطى الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم المقام المحمود يزيده بذلك شرفا وفضلا، جمع الله الكريم له فيه كل حظ جميل من الشفاعة للخلق والجلوس على العرش، خص الله الكريم به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وأقر له به عينه يغبطه به الأولون والآخرون، سر الله الكريم به المؤمنين مما خص به نبيهم من الكرامة العظيمة والفضيلة الجميلة تلقاها العلماء بأحسن القبول، فالحمد لله على ذلك، وقد حدث المشايخ المشهورون والأولياء المقبولون بالآثار الواردة في هذا الباب منذ قرون، ورأوا أن الفضيلة المنقولة فيها أعظم فضائل نبينا صلى الله عليه وآله وسلم)([45])

ثم نقل قول المروذي: سألت أبا عبد الله بن عبد النور عن فضيلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في حديث مجاهد، فقال: (والله ما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فضيلة مثلها، أدركت شيوخنا على ذلك يتلقونه بالقبول، ويسرون بها ولا يردها إلا رجل سوء جهمي) ([46])

ثم ذكر التقية التي صار يمارسها المتأخرون من السلفية منتقدا لها، فقال: (ولم يزل الأمر كذلك عند أهل العلم والدين، في تلقى هذه الفضيلة بالقبول، وكلما نبغت نابغة فتنة ترد هذه الفضيلة وتنكرها قمعوها، وبينوا ضلال أصحابها، حتى اشتدت الغربة في هذا الزمان، وعظمت المحنة، فصار المثبتون لهذه الفضيلة، المتبعون للسلف الأكارم، يرمون بالشذوذ والسفه والابتداع، وذلك حين انتسب إلى السنة والسلف أقوام ليسوا منها بسبيل، فردوا الآثار المنقولة، وجحدوا الفضلية المذكورة، ونشروا الشبه المدحوضة، في دعم مقالتهم المخذولة، ولم يكتفوا بذلك حتى طعنوا في أهل الحديث النجباء، ولمزوا في السلف الكرماء) ([47])

الإتيان والنزول:

من المنطلقات المهمة التي ينطلق منها السلفية في إثبات التنقل والحركة لله اعتبارهم أن الفرق بين الحي والجماد هو الحركة.. وأن كل ساكن ميت أو معدوم.. ولذلك، فهم يستدلون استدلالا عقليا على وجوب الحركة لله من هذه الناحية.

وهذا يدل على الخلفية التشبيهية التي يمتلئ بها العقل السلفي، ذلك أن إجراء أحكام الخلق على الخالق، أو تطبيق قوانين الخلق على الخالق أكبر أنواع التشبيه، كما أنه أكبر أسبابه.

بالإضافة إلى ذلك، فقد غفل هؤلاء عما أشار إليه قوله تعالى: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40]، فمن بديهيات العلوم الحديثة أن الحركة الفلكية ثابتة لكل جسم حتى أنهم شبهوا حركة الالكترونات حول نفسها وحول النواة بحركة كل كوكب حول نفسه وحول الشمس، والشمس أيضاً تتحرك حول نفسها وتتحرك مع مجموعتها الشمسية من الكواكب حول مركز مجرة درب التبانة والمجرة في حركة مثلها أيضاً، وكل ذرة في الجسم ماهي إلا صورة مصغرة من هذا الكون([48]).

بناء على هذا المعتقد، والذي ينطلقون منه ـ مثلما ذكرنا سابقا ـ من الفهم الحرفي لبعض ما ورد في القرآن الكريم أو السنة المطهرة من تعابير كالإتيان والمجيء ونحوها، فيفسرونها بمعناها الظاهري الذي يلزم منه تشبيه الخالق بالمخلوق.

ولو أنهم فعلوا هذا مع جميع النصوص المقدسة لكان في ذلك بعض العذر لهم.. ولكنهم ـ للأسف ـ ينتقون ما يشاءون تأويله، فيجيزون لأنفسهم ذلك.. وينتقون ما يشاءون حمله على ظاهره، فيعتبرون تأويلا تجهما وتعطيلا.

وكمثال على ذلك أنهم يؤلون قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]، بينما يقولون بظاهر قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة: 210]، مع أن الآية الكريمة تحتمل من وجوه التأويل وفق كلام العرب ما تحتمله الآية التي أولها السلفية، وقد ذكر المنزهة الكثير من الوجوه التي تفسر بها الآية الكريمة ([49]):

ومنها: هل ينظرون إلا أن تأتيهم آياتُ الله، فجعل مجيء الآيات مجيئاً له على التفخيم لشأن الآيات، كما يقال: جاء الملك إذا جاء جيش عظيم من جهته، والذي يدل على صحة هذا التأويل أنه تعالى قال في الآية المتقدمة: {فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 209]، فذكر ذلك في معرض الزجر والتهديد، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} [البقرة: 210] ومعلوم أنه على تقدير أن يصح المجيء على الله لم يكن مجرد حضوره سبباً للتهديد والزجر، لأنه عند الحضور كما يزجر الكفار ويعاقبهم، فهو يثيب المؤمنين ويخصهم بالتقريب، فثبت أن مجرد الحضور لا يكون سبباً للتهديد والوعيد، فلما كان المقصود من الآية إنما هو الوعيد والتهديد، وجب أن يضمر في الآية مجيء الهيبة والقهر والتهديد، ومتى أضمرنا ذلك زالت الشبهة بالكلية، وهذا تأويل حسن موافق لنظم الآية.

ومنها: هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمر الله، ومدار الكلام في هذا الباب أنه تعالى إذا ذكر فعلاً وأضافه إلى شيء، فإن كان ذلك محالاً فالواجب صرفه إلى التأويل، كما قال السلفية أنفسهم في قوله: {الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ } [المائدة: 33]، فقد نصوا على أن المراد منها (يحاربون أولياءه)، ومثل ذلك قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82]، فقد نصوا على أن المراد منها: (واسأل أهل القرية)، فكذا قوله: (يأتيهم الله) المراد به يأتيهم أمر الله، وقوله: { وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر: 22]، فالمراد منها: (جاء أمر ربك)، وليس فيه إلا حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو مجاز مشهور، يقال: ضرب الأمير فلاناً، وصلبه، وأعطاه، والمراد أنه أمر بذلك، لا أنه تولى ذلك العمل بنفسه.

والذي يؤكد هذا المعنى أن قوله تعالى ههنا: (يأتيهم الله) وقوله: (وجاء ربك) إخبار عن حال القيامة، ثم ذكر هذه الواقعة بعينها في سورة النحل فقال: ({هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل: 33]، فصار هذا المحكم مفسراً لذلك المتشابه، لأن كل هذه الآيات لما وردت في واقعة واحدة لم يبعد حمل بعضها على البعض.

لكن المدرسة السلفية، ولحنينها للتجسيم والتشبيه، أو حنينها لإله جسماني متحرك اعتبروا تلك التأويلات تعطيلا، مع أنهم يتبنون أمثالها في مواضع كثيرة من القرآن الكريم والسنة المطهرة.

ولهذا فقد فسروا تلك الآية الكريمة بهذا التفسير التشبيهي التجسيمي الخطير، فقد رووا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينظرون إلى فصل القضاء، فينزل الله من العرش إلى الكرسي في ظلل من الغمام)([50])

ورووا عن أبي هريرة قوله: (يحشر الناس حفاة، عراة، مشاة، قياما، أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء ينظرون فصل القضاء، وقد ألجمهم العرق من شدة الكرب، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي)([51])

ولم يكتفوا بذلك في تفسير الآية، بل جعلوا الغمام مركبا لله تعالى يأتي به كل حين، ومن ذلك ما رووه عن عمر بن عبد العزيز قال: (فإذا فرغ الله – عز وجل – من أهل الجنة والنار؛ أقبل الله – عز وجل – في ظلل من الغمام والملائكة، فسلم على أهل الجنة في أول درجة فيردون عليه السلام، قال القرظي: وهذا في القرآن {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ } [يس: 58]، فيقول: سلوني، قال: ففعل ذلك بهم في درجهم حتى يستوي في مجلسه، ثم يأتيهم التحف من الله تحمله الملائكة إليهم)([52])

وهكذا لا يفوت السلفيون آية من آيات القرآن الكريم إلا ربطوها بمشهد تجسيمي أسطوري خرافي.

وقد ساق هذه النصوص وأمثالها الدارمي في كتابه [الرد على الجهمية]، ثم قال بنبرة غامضة مخاطبا المدرسة التنزيهية بالشدة السلفية المعهودة: (فهذا الناطق من قول الله – عز وجل -، وذاك المحفوظ من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأخبار ليس عليها غبار، فإن كنتم من عباد الله المؤمنين؛ لزمكم الإيمان بها كما آمن بها المؤمنون، وإلا فصرحوا بما تضمرون، ودعوا هذه الأغلوطات التي تلوون بها ألسنتكم، فلئن كان أهل الجهل في شك من أمركم، إن أهل العلم من أمركم لعلى يقين، فإن قال قائل منهم: معنى إتيانه في ظلل من الغمام، ومجيئه والملك صفا صفا، كمعنى كذا وكذا، قلت: هذا التكذيب بالآية صراحا، تلك معناها بين للأمة لا اختلاف بيننا وبينكم وبين المسلمين في معناها المفهوم المعقول عند جميع المسلمين، فأما مجيئه يوم القيامة وإتيانه في ظلل من الغمام والملائكة، فلا اختلاف بين الأمة أنه إنما يأتيهم يومئذ كذلك لمحاسبتهم، وليصدع بين خلقه، ويقررهم بأعمالهم، ويجزيهم بها، ولينصف المظلوم منهم من الظالم، لا يتولى ذلك أحد غيره، تبارك اسمه وتعالى جده، فمن لم يؤمن بذلك؛ لم يؤمن بيوم الحساب)([53])

وهكذا يعطي السلفية لهذا الموقف التجسيمي هذا الحكم الخطير، وهو أنه من لم يؤمن بنزول الله على الغمام، لا يؤمن أصلا بيوم الحساب..

ولم يكتف السلفية باستخدام القرآن الكريم وسيلة لبث الأفكار التجسيمية، بل عمدوا إلى رواية الأحاديث الكثيرة، وتحريف ألفاظها أو معانيها بحيث تتناسب مع رؤيتهم التجسيمية.

وكمثال على ذلك ما يسمونه حديث النزول، والذي ألف ابن تيمية رسالة في شرحه، بل جعلوه مع حديث الجارية، وكأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل غيرهما.

مع أن الحديث روي بروايات أخرى، قال الحافظ أبو بكر بن فورك شيخ البيهقي في كتابه (مشكل الحديث وبيانه): (وقد روى لنا بعض أهل النقل هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما يؤيد هذا الباب وهو بضم الياء من ينـزل وذكر أنه ضبطه عمـن سمعه من الثقات الضابطين وإذا كان ذلك محفوظا مضبوطا كما قال فوجهه ظاهر)([54])

وفي رواية للنسائي: (إن لله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول، ثم يأمر مناديا ينادي يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له، هل من سائل يعطى)([55])

ونظير هذا ما جاء في القرءان من قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } [القيامة: 18]، فإن معناه: (فإذا قرأه جبريل عليك بأمرنا)لأنه من المعلوم أنه ليس المعنى أن الله يقـرأ القرءان على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما يقرأ المعلم على التلميذ.

لكن السلفية ـ لحنينهم للتجسيم ـ يأبون هذا التفسير، ويعتبرونه تعطيلا، وإن كانوا يعملون أمثاله حين يرغبون في ذلك.

وبالرغم من أن ما فهموه من الحديث يقضي على كل ما بنوه من فهمهم لاستواء الله على عرشه إلا أنهم يصرون على الجمع بين المتناقضات، يقول ابن باز في شرحه للحديث: (قد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإثبات النزول.. وقد أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات صفة النزول على الوجه الذي يليق بالله سبحانه لا يشابه خلقه في شيء من صفاته.. والنزول في كل بلاد بحسبها لأن نزول الله سبحانه لا يشبه نزول خلقه وهو سبحانه يوصف بالنزول في الثلث الأخير من الليل في جميع أنحاء العالم على الوجه الذي يليق بجلاله سبحانه.. وأول الثلث وآخره يعرف في كل زمان بحسبه فإذا كان الليل تسع ساعات كان أول وقت النزول أول الساعة السابعة إلى طلوع الفجر، وإذا كان الليل اثنتي عشرة ساعة كان أول الثلث الأخير أول الساعة التاسعة إلى طلوع الفجر وهكذا بحسب طول الليل وقصره في كل مكان)([56])

وما ذكره ابن باز وغيره من السلفية في هذا الباب يتسلزم تناقضات كثيرة تقضي على كل مذهبهم التجسيمي، فمن تلك الاستلزامات التي تلزمهم([57]):

أولا ـ أن الليل والنهار وأجزاءهما كالنصف والثلث يختلف باختلاف البلدان، فإن قالوا: إن الله ينـزل بالنسبة لبلد واحدة كمكة فقط، فمن أين هذا التخصيص ليس عندهم دليل.. وإن قالوا: إنه بالنسبة لكل الدنيا فليل بلد نهار بلد آخر ونصف الليل في بلد يكون نصف النهار في بلد آخر، فيلزم على معتقدهم أن يكون الله نازلا وطالعا كل ساعة من ساعات الليل والنهار، وهذا ينافي قولهم إنه (مختص بالعرش)

ثانيا ـ أنه بناء على قولهم أن العرش أكبر العوالم بحيث أن الكرسي بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في فلاة، وأن السموات بالنسبة إلى الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، وعلى هذا تكون السماء الدنيا بالنسبة للعرش أقل من خردلة ملقاة في فلاة، فكيف تسع الله الذي هو في معتقدهم بقدر العرش أو أوسع من العرش، فإن قالوا هو ينزل إلى السماء الدنيا وهي على حالها وهو على حاله فهذا محال، وإن قالوا: إن الله يصير أقل من قدر خردلة حتى تسعه السماء الدنيا فهذا أيضا محال، وإن قالوا:إن الكرسي والسموات تكون بقدر العرش أو أوسع منه، فمن أين الدليل على ذلك من الكتاب والسنة؟

ثالثا ـ أنه بناء على الروايات الكثيرة التي يصححونها فإن السموات السبعة ممتلئة بالملائكة بحيث أنه لا يوجد فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أطت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجدا)([58]) فمن أين يكون في السماء الدنيا متسع لذات الله الذي هو على زعمهم بقدر العرش أو أوسع منه، فعلى كل تقدير يلزمهم أن يجعلوا، الله متغيرا والتغير على الله محال.

ولم يكتف السلفية بإنزال الله في الثلث الأخير من الليل لإبلاغ عباده بتلك الرسالة، وإنما جعلوه ينزل في كل حين، فمن المواطن التي ينص فيها السلفية على نزول الله تعالى نزوله ليلة النصف من شعبان، فقد رووا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (ينزل الله، عز وجل، ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لكل نفس إلا إنسان في قلبه شحناء أو مشرك بالله جل اسمه)([59])، وفي رواية: (إن الله جل اسمه يطلع ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب) ([60])

ومن المواطن ما رووه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما من أيام أفضل عند الله من يوم عرفة ينزل الله إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض)([61])

ومن المواطن ما رووه عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا } [الفرقان: 25]، ثم قال: (ينزل أهل السماء الدنيا وهم أكثر من أهل الأرض من الجن والإنس فيقول أهل الأرض: أفيكم ربنا؟ فيقولون لا – وذكر الحديث – ثم يأتي الرب في الكروبيين وهم أكثر أهل السموات السبع والأرضين) ([62])

وقد علق عليه الشيخ أبو يعلى على هذه الرواية بقوله: (اعلم أن هذا حديث صحيح يجب الأخذ بظاهره من غير تأويل، ولا يجب أن يستوحش من إطلاق مثل ذلك، وقد نص أحمد عليه في رواية ابن منصور وقد سأله: (ينزل ربنا، تبارك وتعالى، كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا) أليس تقول بهذا الحديث؟ قال أحمد: صحيح، وقال أحمد بن الحسين بن حسان: قيل لأبي عبد الله: (إن الله، تبارك وتعالى، ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة)، قال: نعم، قيل له: وفي شعبان كما جاء الأثر؟ قال: نعم، وقال يوسف بن موسى: قيل لأبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم) ([63])

ومن مواطن النزول هذه الرواية الخطيرة المرفوعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي: (إن الله، عز وجل، ينزل في ثلاث ساعات يبقين من الليل فيفتح الذكر في الساعة الأولى، الذي لم تره عين فيمحوا الله ما يشاء ويثبت، ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنة عدن، وهي داره وهي مسكنه التي لم ترها عين ولم يخطر على قلب بشر، وهي مسكنه لا يسكنها معه من بني آدم إلا ثلاث: النبيون والصديقون والشهداء، ثم ينزل في الساعة الثالثة إلى السماء الدنيا وملائكته، فتنتفض فيقول: قومي بعزتي، ثم يطلع إلى عباده فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ ألا من يسألني فأعطيه؟ ألا من داع فأجيبه؟ حتى تكون صلاة الفجر، ولذلك يقول الله: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } [الإسراء: 78])([64])

وقد علق عليها أبو يعلى بقوله: (وهذا يسقط التأويل، لأنه قال: (ينزل في الساعة الثالثة إلى سماء الدنيا وملائكته)، فأثبت نزول ذاته ونزول ملائكته فإن قيل: يحتمل قوله: (ينزل وملائكته) معناه ينزل بملائكته قيل: هذا غلط لأن حقيقة الواو للعطف والجمع، ولأنه قال في الخبر: (ألا من يسألني فأعطيه؟ ألا من داع فأجيبه؟) وهذا القول لا يكون لملك الثالث: أنه إن جاز تأويل هذا على نزول ملائكته، جاز تأويل قوله: (ترون ربكم على رؤية ملائكته)([65])

وذكر جوابا آخر لذلك، فقال: (وجواب آخر جيد وهو ما رواه إبراهيم بن الجنيد الختلي في كتاب العظمة بإسناده، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله جل اسمه إذا أراد أن ينزل نزل بذاته) فإن قيل: فقد روي بضم الياء (ينزل الله) وإذا كان كذلك، صح التأويل بأنه ينزل من أفعاله التي هي ترغيب لأهل الخير واستعطاف لأهل العطف قيل: هذا غلط لأنه لا يحفظ هذا عن أحد من أصحاب الحديث أنه روى ذلك بالضم فلا يجوز دعوى ذلك، والذي يبين بطلان ذلك قوله: (ألا من يسألني فأعطيه؟ ألا من داع فأجيبه؟) وهذه صفة تختص بها الذات دون الأفعال، وما هذه الزيادة ألا تحريف المبطلين لأخبار الصفات فإن قيل: يحمل قوله: (ثم يعلوا) المراد به ملائكته قيل: هذا غلط لأنه قال في الخبر: (ثم يعلوا على كرسيه) وليس هذه صفة للملائكة لأن الكرسي مضاف إليه، وكذلك قوله: (ثم يرتفع) لا يصح حمله على الملائكة لأن هاء الكناية ترجع إلى المذكور) ([66])

وبناء على كثرة المواطن التي ذكروا فيها نزول الله تعالى من على عرشه، فقد خشوا أن يخلو العرش منه خلوا مطلقا، ولهذا اختلفوا اختلافا شديدا في حل هذه المشكلة، وكلامهم فيها يدل على التناقضات الكبيرة التي يعيشها العقل السلفي.

والذي يعنينا منها أشهر الأقوال فيها، وهو ما تتبناه السلفية الحديثة وهو: أنه ينزل ولا يخلو منه العرش، وقد انتصر لهذا القول ابن تيمية، وذكر أنه قول جمهور أهل الحديث([67])، قال: (ونقل ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد، وعن إسحاق بن راهويه، وحماد بن زيد، وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم)([68]).

وقال القاضي أبو يعلى: (وقد قال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله عز وجل ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا ولا يخلو من العرش. فقد صرح أحمد بالقول إن العرش لا يخلو منه)([69]).

وسأل بشر بن السري حماد بن زيد، فقال: (يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء)ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد، ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء)([70]).

وقال إسحاق بن راهويه: (دخلت على عبد الله بن طاهر، فقال: ما هذه الأحاديث التي تروونها؟ قلت: أي شيء أصلح الله الأمير؟ قال: تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا. قلت: نعم، رواه الثقات الذين يروون الأحكام. قال: أينزل ويدع عرشه؟ قال: فقلت: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو العرش منه؟ قال: نعم. قلت: ولم تتكلم في هذا؟)([71]).

وقد قال ابن تيمية تعليقا على هذا: (وهذه والتي قبلها حكايتان صحيحتان رواتهما ثقات، فحماد بن زيد يقول: هو في مكانه، يقرب من خلقه كيف يشاء، فأثبت قربه مع كونه فوق عرشه، وعبد الله بن طاهر وهو من خيار من ولي الأمر بخراسان كان يعرف أن الله فوق العرش، وأشكل عليه أنه ينزل، لتوهمه أن ذلك يقتضي أن يخلو منه العرش، فأقره الإمام إسحاق على أنه فوق العرش، وقال له: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش؟ فقال له الأمير: نعم. فقال له إسحاق: لم تتكلم في هذا؟ يقول: فإذا كان قادراً على ذلك لم يلزم من نزوله خلو العرش منه، فلا يجوز أن يعترض على النزول بأنه يلزم منه خلو العرش، وكان هذا أهون من اعتراض من يقول: ليس فوق العرش شيء، فينكر هذا وهذا)([72])

والمشكلة التي تنجر عن هذا القول أخطر من المشكلة التي يريدون حلها.. ذلك أنه بناء على قولهم بالحيز والحدود والجسمية لله، فإن ذلك يقتضي أمرين: إما أن ينزل الله وهو على عرشه إلى السماء الدنيا أو غيرها من المحال، وذلك محال.. لأن العرش أكبر بكثير من السماء الدنيا.

وإما أن تصعد السماء الدنيا إليه، وذلك أيضا محال، ولا يتناسب مع الحديث الذي يخبر بأن الله ينزل بذاته..

وعلى العموم، فلو طبقنا أي قول من تلك الأقوال، فإنها ستنسف كل ما أوردوه في المسألة من تجسيم وتشبيه.. ولا يبقى لهم من حل إلا الخضوع للتنزيه الذي ذكره القرآن الكريم، والذي دل عليه البرهان والعرفان.

ولهذا نرى السلفية يخشون من طرح أمثال هذه الأسئلة، فقد سئل الشيخ محمد العثيمين هذا السؤال: (النزول عند أهل السنة معناه: أنه ينزل سبحانه بنفسه إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقيا يليق بجلاله ولا يعلم كيفيته إلا هو، ولكن هل يستلزم نزول الله عز وجل خلو العرش منه أو لا؟)

فأجاب الشيخ ابن عثيمن: (نقول أصل هذا السؤال تنطُّعٌ وإيراده غير مشكور عليه مورده، لأننا نسأل هل أنت أحرص من الصحابة على فهم صفات الله؟ إن قال: نعم. فقد كذب. وإن قال: لا. قلنا فلْيَسَعْكَ ما وسعهم، فهم ما سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقالوا: يارسول الله إذا نزل هل يخلو منه العرش؟ وما لك ولهذا السؤال، قل ينزل واسكت يخلو منه العرش أو ما يخلو، هذا ليس إليك، أنت مأمور بأن تصدِّق الخبر، لا سيما ما يتعلق بذات الله وصفاته لأنه أمر فوق العقول)([73])

ولو أن ابن عثيمين أجاب نفسه بهذا قبل أن يخوض هو وسلفه في أمثال هذه المسائل، لما أوقع نفسه وأوقع الأمة في أمثال هذه الحيرة التي لا مبرر لها.


([1])     مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (31/ 159)

([2])     رواه الترمذي رقم (3574) في الدعوات رقم (129)

([3])   – الشيخان حسن البوريني والشيخ عبد الغني النابلسي – شرح ديوان ابن الفارض – ج 1 ص 228 .

([4])   – الشيخ أحمد زروق – شرح الحكم العطائية  – ص 319 0

([5])   – الإمام الغزالي  – ميزان العمل – ص 293 0

([6])   – الشيخ علي حرازم ابن العربي – جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيدي أبي العباس التجاني  – ج 1 ص 235 .

([7])  الشيخ ابن عطاء الله السكندري – لطائف المنن في مناقب أبي العباس المرسي وشيخه أبي الحسن  (هامش كتاب لطائف المنن للشعراني )  – ج 1 ص 44 .

([8])    بولس نويا – ابن عطاء الله ونشأة الطريقة الشاذلية – ص 169 .

([9])   الشيخ عز الدين بن عبد السلام المقدسي – مخطوطة حل الرموز ومفاتيح الكنوز – ص 32 – 34 .

([10])   الشيخ اسماعيل حقي البروسوي – تفسير روح البيان – ج 6 ص 481 .

([11])   التوحيد، الصدوق: باب 2، ح 1، ص 41 .

([12])   الكافي، الكليني: ج 1، كتاب التوحيد، باب صفات الذات، ح 1، ص 107.

([13])   بحار الأنوار، المجلسي: ج 3، كتاب التوحيد، باب 14، ح 33، ص 330.

([14])   الكافي، الكليني: باب الحركة والانتقال، ح 1، ص 125.

([15])   مختصر الصواعق (2/257-258).

([16])   مجموع الفتاوى 8/23

([17])   مجموع الفتاوى 5/565

([18])   مجموع الفتاوى (5/577)، وانظر: الاستقامة (1/70-78)

([19])     إزالة الستار عن الجواب المختار (ص 32)

([20])     إيقاظ الهمم فى شرح الحكم، ص: 115.

([21])     البيهقى فى شعب الإيمان (4/250، رقم 4969) أحمد (4/194، رقم 17778)

([22])   نقض عثمان بن سعيد1/504. وانظر الفواكه العذاب لحمد بن ناصر 157 وإثبات علوالله لحمود التويجري 84

([23])   رواه مسلم رقم (2229).

([24])  محمد بن عثمان بن أبي شيبة وكتابه العرش  81

([25])   العلو للعلي الغفار 1/90. أبو الشيخ في العظمة 2/684 (276)

([26])     العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (3/ 846).

([27])     العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (3/ 847).

([28])     العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (2/ 672)

([29])     العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (2/ 675).

([30])     العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (2/ 690)، وأخرجه الطبري في تفسيره 16/95 والبيهقي في الأسماء والصفات 508.

([31])     السنة لعبد الله بن أحمد (2/ 503).

([32])   صحيح البخاري6/370 (7079)

([33])     تفسير البغوي (3/ 303).

([34])   كتب ورسائل ابن تيمية في العقيدة 5/464.

([35])   كتب ورسائل ابن تيمية في العقيدة 5/466

([36])   العلو 1/60.

([37])      انظر: الرد بالعدة والعتاد على من أنكر أثر مجاهد في الإقعاد، ص15.

([38])      انظر: الرد بالعدة والعتاد على من أنكر أثر مجاهد في الإقعاد، ص15.

([39])      انظر: الرد بالعدة والعتاد على من أنكر أثر مجاهد في الإقعاد، ص15.

([40])      انظر: الرد بالعدة والعتاد على من أنكر أثر مجاهد في الإقعاد، ص15.

([41])      انظر: السنة لأبي بكر بن الخلال (1/ 187)، فما بعدها، والرد بالعدة والعتاد على من أنكر أثر مجاهد في الإقعاد، ص10، فما بعدها، فقد ذكر فيه الأقوال الكثيرة لأعلام السلف في هذا، ومنه أخذنا هذه الأقوال.

([42])     شرحه على النونية ( 2-453 ).

([43])     ألفها إبراهيم بن رجا بن شقاحي الشمري، وهي في موقعه على النت.

([44])     الرد بالعدة والعتاد على من أنكر أثر مجاهد في الإقعاد، ص3.

([45])     الرد بالعدة والعتاد على من أنكر أثر مجاهد في الإقعاد، ص4.

([46])     الرد بالعدة والعتاد على من أنكر أثر مجاهد في الإقعاد، ص4.

([47])     الرد بالعدة والعتاد على من أنكر أثر مجاهد في الإقعاد، ص4.

([48])     شهادة الكون لعبد الودود رشيد محمد 31 و43 

([49])     انظر هذه الوجوه في: تفسير الرازي (5/ 358)

([50])     العرش للذهبي (2/ 116).

([51])     أورده الذهبي في العلو (ص65) وعزاه للعسال في كتاب المعرفة. وأورده ابن كثير في النهاية (2/205)

([52])     الطبري في التفسير (20/ 540) الرد على الجهمية (ص: 89).

([53])     الرد على الجهمية (ص: 91).

([54])     مشكل الحديث وبيانه (ص: 205)

([55])     النسائي في اليوم والليلة (رقم482).

([56])     مجموع فتاوى ومقالات متنوعة عبد العزيز بن عبد الله بن باز. م/4. ص/420.

([57])     انظر مقالا في هذا بعنوان: ابن باز ومعبوده المتحرك الذي يطلع وينزل، في موقع أهل السنة والجماعة، وانظر: ما ساقه  ابـن جماعة على هذا في كتابه (إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل)

([58])     رواه الترمذي، رقم (2313) وابن ماجة رقم (4190) وأحمد في المسند  5 / 173، وإسناده حسن، وقد حسنه الترمذي.

([59])     إبطال التأويلات (ص: 255).

([60])     إبطال التأويلات (ص: 255).

([61])     إبطال التأويلات (ص: 258).

([62])     إبطال التأويلات (ص: 259).

([63])     إبطال التأويلات (ص: 259).

([64])     إبطال التأويلات (ص: 264).

([65])     إبطال التأويلات (ص: 264).

([66])     إبطال التأويلات (ص: 265).

([67])   شرح حديث النـزول (ص201)، ومنهاج السنة (2/638).

([68])   المصدر السابق (ص149).

([69])   إبطال التأويلات (1/261).

([70])   ابن بطة في الإبانة، كما في المختار من الإبانة (ص203-204، برقم15)

([71])   اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3/452).وأورده ابن تيمية في شرح حديث النـزول (ص152) وصحح إسناده.

([72])   شرح حديث النـزول (ص153).

([73])     مجموع فتاوى الشيخ محمد العثيمين 1/204- 205.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *