التراث السلفي.. والفقه

التراث السلفي.. والفقه

تشكل الأحكام الشرعية العملية التي يطلق عليها اصطلاحا [الفقه] ركنا أصيلا من أركان الاهتمامات السلفية، سواء من القدامى أو من المحدثين.. ولو أن اهتمامات المحدثين به أكثر بكثير من اهتمامات السابقين الذين كانوا يركزون على العقيدة أكثر من تركيزهم على الفقه.

ومثلما كانت الطائفية والأنانية والصراع هي الخاصية الأبرز في التراث العقدي السلفي، فإننا نراها كذلك هي الخاصية الأبرز في التراث الفقهي.. فالسلفي لا يستطيع أن يمارس تدينه بسلام، ومثل سائر الناس.. بل يريد أن يجعل من أبسط فروع تدينه وسيلة للصراع مع المجتمع ومع الأمة ومع كل شيء.

وهو يتخذ لهذا الصراع جلابيب لا تختلف كثيرا عن الجلابيب التي اتخذها في صراعه مع الأمة في الجوانب العقدية.. ذلك أنه يتصور أنه مثلما نال الحظوة في احتكار العقيدة الإسلامية، فله الحق أيضا في أن ينال حق احتكار الفقه.. فيعتبر كل مخالف له في أي مسألة من المسائل الفقهية لا مجرد مخالف، له رأيه المحترم، بل يراه مبتدعا وضالا ومنحرفا.

ولذلك نرى أنه مثلما أمكن تقسيم الأمة في الأصول العقدية إلى قسمين: منزهة وهم كل الأمة.. ومجسمة وهم الطائفة السلفية.. فإننا كذلك في الفروع الفقهية يمكن تقسيم الأمة إلى قسمين: قسم يحترم اجتهادات الآخر، ويرى أن له الحق في التعبد بها ما دام قد وصل إليها باجتهاده وهم كل الأمة بمذاهبها المختلفة.. وقسم لا يرى لأحد غيره الحق في الاجتهاد.. وهم الطائفة السلفية.

بناء على هذا كان أكثر ما كتبه السلفيون في هذا المجال من كتب أحكام أو فتاوى يغلب عليها الصراع.. الصراع مع كل شيء حتى مع النصوص المقدسة نفسها.. والتي يقدمون عليها رجال سلفهم الذين اتخذوهم أندادا من دون الله.

وسنحاول هنا من خلال ذكر أهم الجوانب التي يتناولها الفقه أن نبين الأدلة التي تبرهن على ما ذكرناه من خواص الفقه السلفي.

وقد اخترنا لبيان ذلك أربعة جوانب كبرى: التعبدية، والشخصية، والاجتماعية، والسياسية.

أولا ـ أحكام الجوانب التعبدية:

من المقاصد الكبرى التي ذكرها القرآن الكريم للشعائر التعبدية أن تكون وسيلة لتطهير النفس من الأنانية والكبر وجميع الأمراض، ذلك أنه لا يمكن أن يسير المؤمن إلى الله، أو أن تحل معرفة الله في قلبه، وهو يضم في صدره ثعابين الكبر وحيات الحقد وعقارب الغرور.

ولهذا قال الله تعالى في الصلاة: { إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } [العنكبوت: 45]، وقال في الزكاة: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [التوبة: 103]، وقال في الصيام: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة: 183]، وقال في الحج: { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } [البقرة: 197].

وهكذا كانت الشعائر التعبدية هي وسيلة لتحقيق غايتين كبيرتين:

الأولى: التحقق بمعرفة الله، عبر التواصل المباشر معه، والذي وضعت له الشريعة الكثير من الشعائر التعبدية إما مطلقة: كالذكر وقراءة القرآن، أو مقيدة كالصلاة.

الثاني: التخلق بالأخلاق الإسلامية، ولذلك كان لبعض هذه الشعائر علاقة بالمجتمع، لأنها تؤدى أداء جماعيا، يملأ المجتمع بسكينة الإيمان، وروحانية التواصل مع الله.

وقد حاولت الأمة بمذاهبها المختلفة أن تسعى لتحقيق هذه المقاصد، بطرق مختلفة، وكان الانسجام بينها هو الأصل، حتى لا تضيع في متاهات الفروع عن حقيقة المقاصد الشرعية.

ولهذا لم تلق اهتماما كبيرا للخلافات الفرعية بينها، اهتماما بتحقيق المقاصد، حتى لا تصبح الفروع أداة لهدم الأصول.. ولهذا يروى عن الشافعي أنه صلى الصبح في مسجد أبي حنيفة، وكان الشافعي يرى القنوت في صلاة الصبح، ويرى الجهر بالبسملة، لكنه لم يقنت ولم يجهر ببسم الله تأدباً مع أبي حنيفة واحتراما لأصحابه([1])..

وقد ذكر القرطبي أن ذلك كان شأن أئمة المذاهب الفقهية، فقال: (كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم يصلون خلف أئمة أهل المدينة من المالكية وإن كانوا لا يقرؤون البسملة لا سراً ولا جهراً.. وصلى أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ فصلَّى خلفه أبو يوسف ولم يُعد، رغم أنه يرى أن خروج الدم بحجامة أو غيرها ينقض الوضوء)([2])

وهكذا كانت الخلافات الفرعية لا تؤثر على علاقاتهم الاجتماعية، قال يونس الصدفي متحدثا عن الشافعي: (ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا ولقيته فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة)([3])

ولهذا كان من القواعد التي اتفقوا عليها [عدم الإنكار في مسائل الخلاف إذا كان للاجتهاد فيها مساغ]، وقد روي عن أحمد في ذلك قوله: (لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهب ولا يشدد عليهم)([4])

وقال النووي: (ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً)([5])

وسُئل القاسم بن محمد عن القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به فقال: (إن قرأت فلك في رجال من أصحاب محمد رسول الله k أسوة، وإذا لم تقرأ فلك في رجال من أصحاب رسول الله k أسوة)([6]).

وقد ذكر أنس أن هذا كان شأن الصحابة لا يتدخل أحدهم في اختيار أخيه في الشؤون التعبدية، فقال: (إنا معشر أصحاب رسول الله k كنا نسافر، فمنا الصائم ومنا المفطر، ومنا المتم ومنا المقصر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، ولا المقصر على المتم، ولا المتم على المقصر)([7])

وعلى هذا المنهج نجد أئمة الشيعة الذين يعتبرون الوحدة الإسلامية فوق كل خلاف، ولهذا يجيزون أن يترك الموالي لهم ما يراه من أحكام شرعية حتى لو كانت مبطلة لعمله حرصا على عدم صدع وحدة الأمة، وهو ما يسمونه التقية.. فالتقية بمفهومها عندهم لا تعني الحرص على النفس فقط حتى لا تؤذى، بل تعني كذلك الحرص على حفظ وحدة صف الأمة، وعدم التسبب في وقوع الشقاق بينها.

فمن الروايات في ذلك ما رواه جابر الجعفي، قال: سألت أبا جعفر الباقر ع: (إن لي جيراناً، بعضهم يعرف هذا الأمر ـ أي ولاية أهل البيت k ـ وبعضهم لا يعرف، قد سألوني أن أؤذّن لهم، وأصلي بهم، فخفت أن لا يكون ذلك موسَّعاً لي؟ فقال: (أذّن لهم، وصلِّ بهم، وتحرَّ الأوقات)([8])

وروي عن الصادق أنه قال: (من صلى معهم في الصف الأول كان كمَنْ صلى خلف رسول الله k في الصف الأول)([9])، وقال: (إذا صلَّيت معهم غفر لك بعدد مَنْ خالفك)([10])

وعن أبي علي قال: قلت لأبي عبدالله الصادق ع: إن لنا إماماً مخالفاً، وهو يبغض أصحابنا كلهم؟ فقال: (ما عليك من قوله، والله لئن كنت صادقاً لأنت أحق بالمسجد منه، فكُنْ أول داخل وآخر خارج، وأحسن خلقك مع الناس، وقُلْ خيراً)([11])

وعن إسحاق بن عمار، قال: قال لي أبو عبدالله الصادق ع: (يا إسحاق، أتصلي معهم في المسجد؟ قلت: نعم، قال: (صلِّ معهم؛ فإن المصلي معهم في الصف الأول كالشاهر سيفه في سبيل الله)([12])

وعن عبدالله بن سنان قال: سمعت أبا عبدالله ع يقول: (أوصيكم بتقوى الله عز وجل، ولا تحملوا الناس على أكتافكم فتذلّوا، إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً}، ثم قال: عودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، واشهدوا لهم وعليهم، وصلّوا معهم في مساجدهم) ([13])

وعن زيد الشحّام، عن جعفر بن محمد ع، أنه قال له: (يا زيد، خالقوا الناس بأخلاقهم، صلّوا في مساجدهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، وإن استطعتم أن تكونوا الأئمة والمؤذِّنين فافعلوا، فإنكم إذا فعلتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية، رحم الله جعفراً ما كان أحسن ما يؤدِّب أصحابه. وإذا تركتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية، فعل الله بجعفر ما كان أسوأ ما يؤدِّب أصحابه)([14])

وعن علي بن جعفر في كتابه، عن أخيه موسى بن جعفر، قال: (صلّى حسن وحسين خلف مروان، ونحن نصلّي معهم)([15])

وهكذا يفتي كبار علماء الشيعة ومراجعهم في القديم والحديث، فمن المتقدمين قال الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي: (ويستحبّ حضور جماعة العامة، كالخاصة، بل أفضل، فقد روي: من صلى معهم في الصف الأول كان كمَنْ صلى خلف رسول الله‘ فيه. ويتأكد مع المجاورة. ويقرأ في الجهرية سرّاً، ولو مثل حديث النفس، وتسقط لو فجأه ركوعهم، فيتمّ فيه إن أمكن، وإلا سقط)([16])

ومن المتأخرين قال السيد شرف الدين الموسوي: (حاشا أمير المؤمنين ـ علياً ـ أن يصلّي إلا تقرُّباً لله وأداءً لما أمره الله به، وصلاته خلفهم ـ أي الخلفاء ـ ما كانت إلا خالصة لوجهه الكريم، وقد اقتدينا به ع، فتقرّبنا إلى الله عزّ وجلّ بالصلاة خلف كثير من أئمّة جماعة أهل السنّة، مخلصين في تلك الصلوات لله تعالى. وهذا جائز في مذهب أهل البيت. ويُثاب المصلّي منّا خلف الإمام السني كما يُثاب بالصلاة خلف الشيعي. والخبير بمذهبنا يعلم أنّا نشترط العدالة في إمام الجماعة إذا كان شيعيّاً، فلا يجوز الائتمام بالفاسق من الشيعة، ولا بمجهول الحال، أمّا السنّي فقد يجوز الائتمام به مطلقاً)([17])

وهكذا نجد كل الأمة بمذاهبها المختلفة يحترم بعضها بعضا، ويصلي بعضها خلف بعض إلا السلفية.. فإنهم ينفردون عنهم بذلك الغرور الذي يجعلهم يشعرون أنهم وحدهم على حق، وأن كل من عداهم على باطل، ولذلك نراهم يحولون الشعائر التعبدية إلى أداة لهدم العلاقات الاجتماعية، بل أداة لتفريق صف الأمة وتبديعها وتكفيرها بسبب فروع فقهية لكل فريق من الفقهاء أدلته عليها.

والعجب أنهم يعذرون الفئة الباغية التي انحرفت بمسيرة الأمة عن منهج النبوة، ويزعمون أن ذلك كان اجتهادا منها، وأنهم يؤجرون عليه، في نفس الوقت الذي ينكرون على الأمة الاجتهاد في فروع فقهية بسيطة لعل أدلتهم عليها أقوى بكثير من الأدلة التي يستند إليها السلفية أنفسهم.

وحتى لا يكون كلامنا دعوى لا دليل عليها، فسأذكر هنا أربعة أمثلة على مسائل لقيت اهتماما كبيرا من طرف التراث السلفي، لا لشيء إلا لأنهم يجدون فيها متعة الصراع مع الأمة، وإبراز أنانيتهم وطائفيتهم عليها.

المثال الأول: تحريم السلفية الصلاة مع سائر المسلمين:

مع أن من مقاصد الصلاة الكبرى أن تربي المؤمن على التواضع والخشوع والمسكنة، لتؤهله للتوحد مع إخوانه من المؤمنين، ليكونوا يدا واحدة وقلبا واحد كما ورد في في بعض الآثار: (إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل على خلقي، ولم يبت مصرا على معصيتي، وقطع نهاره في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة، ورحم المصاب، ذلك نوره كنور الشمس، أكلؤه بعزتي، وأستحفظه ملائكتي، وأجعل له في الظلمة نورا، وفي الجهالة حلما، ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة)([18])

إلا أن السلفية ببدعة تصورهم أنهم المستأثرون الوحيدون من دون الأمة بالاطلاع على الكيفية التامة لصلاة رسول الله k، بحيث لا يشركهم أحد في ذلك، حولوا هذه الصلاة إلى وسيلة للترفع والتباهي والكبرياء والغرور كما أشار k إلى هذه الخصلة فيهم إشارة صريحة، فقال: (يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم)([19])

ولذلك لم نر في التاريخ أحدا يؤلف كتابا بهذا العنوان الممتلئ بالغرور [صفة صلاة النبي k من التكبير إلى التسليم كأنك تراها] والذي ألفه شيخ مشايخ السلفية المحدثين محمد ناصر الدين الألباني، ليفرق به صف الأمة في مساجدها التي تعود كل منها على مذهب معين، أو هيئة معينة.. لكن الألباني والسلفية معه جاءوا ليقولوا للجميع: إما أن تصلوا مثلنا.. وإلا فسنعتبركم مبتدعة.

لقد ذكر الألباني ذلك بصراحة عندما ذكر دوافعه من تأليفه، فقال: (ولما كنت لم أقف على كتاب جامع في هذا الموضوع فقد رأيت من الواجب علي أن أضع لأخواني المسلمين ممن همهم الاقتداء في عبادتهم بهدي نبيهم k كتابا مستوعبا ما أمكن لجميع ما يتعلق بصفة صلاة النبي k من التكبير إلى التسليم بحيث يسهل على من وقف عليه من المحبين للنبي k حبا صادقا القيام بتحقيق أمره في الحديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ولهذا فإني شمرت عن ساعد الجد وتتبعت الأحاديث المتعلقة بما إليه قصدت من مختلف كتب الحديث فكان من ذلك هذا الكتاب الذي بين يديك)([20])

وهذا الكلام العنصري الخطير الذي يحصر المحبين لرسول الله k في هذا التيار دون سائر الأمة يبين مفهوم المحبة الصادقة لرسول الله k عند السلفيين، فهي عندهم مجرد تقليد لما كان يفعله، لا التواصل الروحي والعاطفي الممتلئ بالمشاعر النبيلة.. ولهذا نراهم يجعلون السنة ـ كما يتصورونها ـ هي وسيلتهم للفرقة والكراهية.

وقد ذكر الألباني الآثار الخطيرة التي ستنجر عن كتابه هذا، فقال ـ بجرأة عجيبة متحديا كل الأمة وفقهائها ـ: (ولذلك فإن الكتاب سيكون إن شاء الله تعالى جامعا لشتات ما تفرق في بطون كتب الحديث والفقه – على اختلاف المذاهب مما له علاقة بموضوعه – بينما لا يجمع ما فيه من الحق أي كتاب أو مذهب، وسيكون العامل به إن شاء الله ممن قد هداه الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ثم إني حين وضعت هذا المنهج لنفسي – وهو التمسك بالسنة الصحيحة – وجريت عليه في هذا الكتاب وغيره – مما سوف ينتشر بين الناس إن شاء الله – كنت على علم أنه سوف لا يرضي ذلك كل الطوائف والمذاهب بل سوف يوجه بعضهم أو كثير منهم ألسنة الطعن وأقلام اللوم إلي ولا بأس من ذلك علي فإني أعلم أيضا أن إرضاء الناس غاية لا تدرك، فحسبي أنني معتقد أن ذلك هو الطريق الأقوم الذي أمر الله تعالى به المؤمنين وبينه نبينا محمد سيد المرسلين وهو الذي سلكه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم)([21])

لقد ذكر هذا الكلام في مقدمته للطبعة الأولى، وبعد عشر سنين من نشر الكتاب، وبعد أن أصبحت الصلاة التي جعلها الله وسيلة لوحدة الأمة وعروجها إلى ربها وسيلة للفتنة والكراهية.. لم يتراجع، ولم يندم، بل ظل مصرا على ذلك.

بل إنه راح يدعو أتباعه وأتباع مدرسته إلى التشدد أكثر، قال في مقدمته لطبعة جديدة من الكتاب: (ذلك ما كنت كتبته منذ عشر سنوات في مقدمة هذا الكتاب وقد ظهر لنا في هذه البرهة أن له تأثير طيب في صفوف الشباب المؤمن لإرشادهم إلى وجوب العودة في دينهم وعبادتهم إلى المنبع الصافي من الإسلام: الكتاب والسنة فقد ازداد فيهم – والحمد لله – العاملون بالسنة والمتعبدون بها حتى صاروا معروفين بذلك)([22])

لكنه بعد العشرية السوداء من الفتنة التي أحدثها كتابه، والتي أنشأت جيلا من الشباب معروفا بصلاته المميزة رأى في البعض بعض الورع عن استخدام الصلاة وسيلة لشق الصف الإسلامي، فراح ينصحهم، ويرفع عنهم ذلك الورع، بل راح ينفخ فيهم روح التحدي، تحدي الأمة جميعا في أقدس شعائرها، يقول في ذلك: (غير أني لمست من بعضهم توقفا عن الاندفاع إلى العمل بها لا شكا في وجوب ذلك بعد ما سقنا من الآيات والأخبار عن الأئمة في الأمر بالرجوع إليها، ولكن لشبهات يسمعونها من بعض المشايخ المقلدين، لذا رأيت أن أتعرض لذكرها والرد عليها لعل ذلك البعض يندفع بعد ذلك إلى العمل بالسنة مع العاملين بها، فيكون من الفرقة الناجية بإذن الله تعالى)([23])

وهكذا قسم الألباني المصلين إلى قسمين: ناجين وغير ناجين.. أما الناجون فليسوا أولئك الذين في صلاتهم خاشعون، ولا على صلاتهم دائمون.. وإنما أولئك الذي لكتاب الألباني قارئون، وله متبعون، وفي سبيله مضحون.. وأما الهالكون، فليسوا أولئك الذين عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراؤون، وإنما هم الذين للألباني مخالفون، وعن كيفية صلاة رسول الله k ـ كما يراها الألباني ـ معرضون.

هذا ما يريد الألباني وغيره من أعلام السلفية تلقينه للأمة.. هم يدعونها للانشقاق باسم أقدس مقدساتها، كما دعوها للانشقاق باسم عقائدها ورسولها وكل أصول دينها وفروعه.

والعجيب أن الألباني يرد على أولئك الشباب ورعهم في تمزيق وحدة الأمة، فيقول حاكيا موقفه الذي لم يعجبه: (قال بعضهم: لا شك أن الرجوع إلى هدي نبينا k في شؤون ديننا أمر واجب لا سيما فيما كان منها عبادة محضة لا مجال للرأي والاجتهاد فيها لأنها توقيفية كالصلاة مثلا ولكننا لا نكاد نسمع أحدا من المشايخ المقلدين يأمر بذلك بل نجدهم يقرون الاختلاف ويزعمون أنها توسعة على الأمة ويحتجون على ذلك بحديث – طالما كرروه في مثل هذه المناسبة رادين به على أنصار السنة -: (اختلاف أمتي رحمة) فيبدو لنا أن هذا الحديث يخالف المنهج الذي تدعو إليه وألفت كتابك هذا وغيره عليه فما قولك في هذا الحديث)([24])

وهنا يدخل الألباني قدراته الحديثية التي تصحح ما يشاء وتضعف ما يشاء، ليقضي على الحديث، وبعدها يذهب ليقضي على ما ورد في الدعوة إلى الوحدة في القرآن الكريم، فيقول: (.. الثاني: أن الحديث مع ضعفه مخالف للقرآن الكريم فإن الآيات الواردة فيه – في النهي عن الاختلاف في الدين والأمر بالاتفاق فيه أشهر من أن تذكر) ([25])

والعجيب أن الألباني كغيره من السلف يطبق ما يقول المثل بدقة: (رمتني بدائها وانسلت)، فهو يتصور أن الاتفاق والوحدة لابد أن تكون على مذهبه، لا على أي مذهب آخر.. أي أن الأمة جميعا سلفها وخلفها إن أرادت أن تتحد، فعليها أن تتحد على كتابه، وإلا فإنه لا يهمه اتحادها أو اختلافها.

ونحن لا ننكر عليه، ولا على السلفية جميعا، ولا على أي أحد من الناس أن يجتهد في أي مسألة، ولكن ننكر عليه ذلك الاحتكار لرسول الله k ولسنة رسول الله k وللصلاة.. فلو أنه ذكر أن كتابه هذا اجتهاد منه، وهو لا يلغي اجتهاد غيره، وأنه لا حرج على أي أحد أن يتبع ما شاء من الآراء، لما أنكرنا عليه هذا، لأن إنكارنا للفتنة، وليس للبحث العلمي.

وما فعله الألباني هو نفس ما فعله السلفية جميعا، وفي جميع مراحل التاريخ، فقد حفظ لنا المؤرخون الكثير من الحوادث التي كان الحنابلة سببا فيها بسبب فروع بسيطة في الصلاة وغيرها.

ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره ابن الأثير في سنة 447 هـ، قال: (في هذه السنة وقعت الفتنة بين الفقهاء الشافعية والحنابلة ببغداذ، ومقدم الحنابلة أبو يعلى بن الفراء، وابن التميمي، وتبعهم من العامة الجم الغفير، وأنكروا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنعوا من الترجيع في الأذان، والقنوت في الفجر، ووصلوا إلى ديوان الخليفة، ولم ينفصل حال، وأتى الحنابلة إلى مسجد بباب الشعير، فنهوا إمامه عن الجهر بالبسملة، فأخرج مصحفا وقال: أزيلوها من المصحف حتى لا أتلوها)([26])

ومنها ما ذكره ابن كثير في أحداث سنة سنة 323هجرية ـ فقد ذكر أن جماعة من الحنابلة ببغداد اعترضوا على من يجهر بالبسملة في الصلاة، مما جعل الشرطة تتدخل ضدهم، فأمرت بأن لا يُصلي حنبلي بالناس إلا إذا جهر بالبسملة في صلاتي الصبح والعشاء، لكن الحنابلة لم يرتدعوا، واستمروا في عنفهم تجاه الشافعية، ولم يُوقفوا ذلك إلا بعدما أصدر الخليفة الراضي بالله توقيعا عنيفا زجرهم فيه، وهددهم بالقتل والتنكيل، والتشريد وحرق البيوت(1).

ولم يكتف السلفية بكل هذا، بل راحوا يفتون بتحريم الصلاة في كثير من مساجد المسلمين، ووراء كل من عداهم من المسلمين.

نعم سيكذبون ذلك، ويذكرون أن من عقائدهم الصلاة وراء كل بر وفاجر.. وذلك صحيح.. ولكنه لا ينطبق إلا على الصلاة خلف معاوية ويزيد والحجاج بن يوسف أو غيرهم من المجرمين والطغاة والمستبدين.. أما الصلاة وراء البسطاء والمتواضعين من الصوفية والشيعة والأشاعرة والإباضية وكل من عداهم حتى لو كانوا علماء أجلاء فحرام وبدعة وضلالة، وفتاواهم في ذلك أكثر من أن تعد أو تحصر.

وسأضرب أمثلة عن فتاوى كبارهم في ذلك..

فمنها قول الشيخ ابن باز في بعض فتاواه: (الصلاة خلف المبتدع فيها تفصيل، فإذا كان مبتدعاً بدعة مكفرة كالجهمية؛ فهذا لا يُصلى خلفه، والمعتزلي الذي يؤول صفات الله والخوارج لا يُصلى خلفهم، أمَّا إذا كانت بدعته خفيفة لا تفضي إلى الشرك فالأمر في هذا سهل، ولكن إذا تيسر إزالته والتماس إمام من أهل السنة؛ فهذا أمر واجب، ولكن إذا دعت الضرورة أن يُصلى خلفه، كالتي بدعته لا تكفره كالعاصي فهذا يصلى خلفه ما دام مسلماً)([27])

وخطورة هذا الكلام ليس فقط في كون تطبيقه يشمل الأمة جميعا، لأنهم يقصدون بالجهمية كل من لا يقول بإثبات اليدين والعينين والرجلين والحقو والضرس لله.. وذلك يشمل الأمة جميعا.. وإنما خطورته في دعوته إلى إزالة الإمام البدعي باستعمال كل الطرق باعتباره واجبا، وهذا ما يثير الفتن في المساجد.. لأنهم وبمجرد أن يخالفهم الإمام يلصقون به أي تهمة، ويستعملون كل وسيلة لقلعه وإحلال أصحابهم بدله..

ولذلك تمتلئ المساجد التي يزورها السلفية بالفتن والصراعات.. وكيف لا يكون الأمر كذلك وهم رثة الفئة الباغية التي بغت على كل شيء حتى على أئمة المساجد.

ومن تلك الفتاوى فتوى الشيخ ابن عثيمين، والتي يقول فيها: (الصلاة خلف المبتدع، إن كان هذا مما يُغري الناس به، فيثقل ميزانه عند الناس وتقوى بدعته، فلا يجوز أن يُصلى معه مهما كانت البدعة، وإن كان ذلك لا يؤثر، فإن كانت بدعته مكفرة؛ فإنَّه لا يُصلى خلفه، وإن كانت بدعته مفسقة فإنه يُصلى خلفه كسائر العُصاة، ولكن إذا كان هذا يؤدي إلى اغتراره بنفسه واستمساكه ببدعته؛ فإنَّه لا يجوز أن يُصلى خلفه احتقاراً لبدعته ولئلا يضل الناس ببدعته)([28])

وقال في موضع آخر: (سأعطيك قاعدة، كل من صحت صلاته صحَّت إمامته، إلا المرأة للرجال، فحالق اللحية وشارب الخمر ومسبل الإزار، والذي كانت بدعته لا تكفره؛ فإنه يُصلى خلفه، لكن إذا كان صاحب بدعة وفسوق وصليت خلفه فاغتر بنفسه وأعجبته بدعته، أو اغتر به الناس فلا يجوز)([29])

ومن تلك الفتاوى الخطيرة الدالة على أن مرادهم من الجهمية كل المسلمين المنزهين لله عن الجهة والمكان والجسمية فتوى اللجنة الدائمة في السعودية برئاسة الشيخ ابن باز عن سؤال قال صاحبه: (في هذه القرية مسجد مبسط ويجتمع فيه حوالى خمسمائه من المسلمي، ن ولكن للأسف فإن إمام هذا المسجد يعتقد عقيدة فاسدة وحلولية، يعتقد أن الله في كل مكان. وهناك كثير من الخرافات والبدع تقام بهذا المسجد غلبتني نفسي حتى تناقشت مع إمام هذا المسجد وطرحت عليه الأدلة والبراهين بأن الله في السماء مستو على عرشه وفي هذا إذ لانكيف ولانمثل.. وكذلك ذكرت له ليلة الإسراء والمعراج وذكرت له حديث الجارية، وكذلك {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] ولم يقتنع بل ظل في عتوه وعقيدته هذه وبالعلم أن هناك مسجد آخر في هذه القرية ويحمل نفس الخرافات والبدع، حتى الآن لم أطرح سؤالي، وسؤالي هو، هل يجوز لي أن أصلي خلف هذا الإمام أم لا ومع أني أحب أن أصلي صلاة الجماعة؟)

فمع كون هذه العقيدة هي عقيدة كل المسلمين ما عدا السلفية إلا أن أكبر هيئة سلفية للفتوى أجابت عن ذلك بقولها: (إنهم كفار، ولا تجوز الصلاة خلفهم ولا تصح)([30])

وهكذا سئلت هذه اللجنة عن الصلاة خلف الإباضية، فأجابت: (فرقة الأباضية من الفرق الضالة؛ لما فيهم من البغي والعدوان والخروج على عثمان بن عفان وعلي، ولا تجوز الصلاة خلفهم)([31])

وهكذا سئلت هذه اللجنة التي هي أكبر مجمع لكبار علماء السلفية عن الصلاة خلف رجال الطرق الصوفية، وخصوصا الطريقة التيجانية، والتي تشكل جزءا كبيرا من الأمة الإسلامية وخصوصا في القارة الإفريقية، فأجابت: (الفرقة التجانية من أشد الفرق كفرا وضلالا وابتداعا في الدين لما لم يأذن به الله، فلا تصح الصلاة خلف من هو على طريقتهم وبإمكان المسلم أن يلتمس له إماما غير متبع لطريقة التجانية وغيرها من طرق المبتدعة ممن لا تتسم عباداتهم وأعمالهم بالمتابعة لمحمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وإذا لم يجد إماما غير مبتدع فيقيم له جماعة في أي مسجد من مساجد المسلمين إذا أمن الفتنة والإضرار به من المبتدع، فإن كان في بلد يتسلط فيها مبتدع فيقيم الجماعة في أهله أو بأي مكان يأمن على نفسه، ومتى أمكنته الهجرة إلى بلد تقام فيها السنة وتحارب البدع وجب عليه ذلك)([32])

وهكذا سئل ابن باز عن الصلاة خلف من يحتفل بالمولد النبوي الشريف، فأجاب: (هذا فيه تفصيل إن كان مجرد الاحتفال بالموالد من دون شرك فهذا مبتدع فينبغي أن لا يكون إماماً لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي k أنه قال: (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)، والاحتفال بالموالد من البدع، أما إذا كان يدعو الأموات ويستغيث بهم، أو بالجن، أو غيرهم من المخلوقات فيقول: يا رسول الله انصرني، أو اشف مريضي، أو يقول: يا سيدي الحسين، أو يا سيدي البدوي، أو غيرهم من الأموات، أو الجمادات كالأصنام، المدد المدد، فهذا مشرك شركاً أكبر لا يصلى خلفه، ولا تصح إمامته – نسأل الله العافية – أما إذا كان يرتكب بدعة كأن يحضر المولد ولكن لا يأتي بالشرك، أو يقرأ القرآن عند القبور، أو يصلي عندها، ولا يأتي بشرك فهذا يكون قد ابتدع في الدين فيعلم ويوجه إلى الخير وصلاته صحيحة إذا لم يفعلها عند القبور)([33])

وهم لم يكتفوا بكل هذا، بل راحوا يحرمون الصلاة في المساجد التي تحوي أضرحة أو قبورا حتى لو كان أئمتها من أهل سلفهم الصالح.. وبذلك لم يكتفوا بتحريم الصلاة خلف أئمة المسلمين.. بل أضافوا إلى ذلك تحريم الصلاة في مساجدهم، بل في كثير من مساجدهم ([34]).. وقد كتب الألباني في ذلك كتابه المعروف [تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد] الذي أثار من الفتن ما لا يقل عن الفتن التي أثارها كتابه في كيفية صلاة رسول الله k.. ولو طبقنا مقولتهم هذه فإن أول المساجد التي يحرم عليهم الصلاة فيه هو مسجد رسول الله k، والذي يحوي أشرف مكان في الكون قبر رسول الله k.

ومن أمثلة فتاواهم المتداولة في ذلك ما ورد من فتاوى سلف الوهابية كما في [الدرر السنية]: (سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: عن الصلاة في مسجد فيه قبر؟ فأجاب: إن كان مبنياً قبل أن يجعل فيه قبر، فينبش القبر، ويبعد عن المسجد; فإن كان المسجد لم يبن إلا لأجل القبر، فالمسجد يهدم، ولا يصلى فيه، لأنه ثبت عن رسول الله k أنه لعن الذين يتخذون المساجد على القبور؛ ولا تصح الصلاة فيه، ولا تجوز الصلاة عند القبور، ولا عليها، لأنه عليه السلام نهى عن الصلاة في المقبرة.. وأجاب أيضاً: المسجد الذي بني على القبور، يجب هدمه، ولا تجوز الصلاة فيه.. وأما القبر الذي وضع في المسجد بعد بنائه، فينقل من المسجد)([35])

وتبعا لذلك أفتت اللجنة الدائمة للفتوى بالسعودية، عن سؤال وردها يقول صاحبه: (هل تجوز الصلاة في مسجد دفن فيه ميت أو أموات لضرورة عدم وجود غيره مع العلم أني إذا لم أصل فيه لم أصل الجماعة ولا الجمعة؟)، فأجابت: (يجب نبش قبر أو قبور من دفن فيه ونقلها إلى المقبرة العامة أو نحوها ودفنهم فيها، ولا تجوز الصلاة به والقبر أو القبور فيه، بل عليك أن تلتمس مسجدا آخر لصلاة الجمعة والجماعة قدر الطاقة)([36])

بل إنهم في فتوى أخرى أوجبت هدم المسجد، وبذلك تهدم أكثر مساجد الأمة العتيقة، بما فيها مسجد رسول الله k نفسه، فقد ورد في الفتوى: (إذا بني المسجد على قبر أو قبور وجب هدمه؛ لأنه أسس على خلاف ما شرع الله، والإبقاء عليه مع الصلاة فيه إصرار على الإثم في بنائه وزيادة غلو في الدين وفي تعظيم من بني عليه المسجد وذلك مما يفضي إلى الشرك والعياذ بالله، وقد قال تعالى: {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ}، وقد قال k: (إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)، أما إذا بني المسجد على غير قبر ثم دفن فيه ميت فلا يهدم، ولكن ينبش قبر من دفن فيه ويدفن خارجه في مقبرة المسلمين؛ لأن دفنه بالمسجد منكر فيزال بإخراجه منه)([37])

ولم يكتف السلفيون ولا لجنتهم الدائمة بتلك الفتاوى المحرضة على الفتن، بل أضافوا إليها هذه الفتوى الخطيرة، التي تشق صف المسلمين شقا لا يمكن رأبه، فقد جاء فيها: (ليس لك أن تصلي الفريضة في بيتك، بل عليك أن تصليها جماعة مع بعض إخوانك في غير المسجد الذي بني على قبر ولو في الفضاء، وعليكم أن تؤسسوا مسجدا على ما شرع الله؛ لتؤدوا فيه الصلوات الخمس؛ عملا بنصوص الشرع، وبعدا عما نهى الله عنه)([38])

وهذا ما حصل في الكثير من المناطق عندما يبدأ أولئك الشباب بحميتهم وفراغ عقولهم في تأسيس مساجد خاصة بهم، يستقطبون لها أمثالهم من أصحاب العقول الفارغة والتدين العدواني، ليحولوا منهم بعد ذلك إلى ميليشيات تزرع الرعب في صفوف المسلمين.. وبذلك تصبح الصلاة أكبر وسيلة للإرهاب والعنف.

المثال الثاني: مخالفة السلفية لسائر المسلمين في مواقيت الإفطار:

لم يكتف السلفية بمخالفة المسلمين في الصلاة، بل راحوا يخالفونهم في الصيام أيضا، وفي أهم ركن فيه، هو الزمن الذي يكون فيه الصوم.

فمع أن الآية القرآنية واضحة في كون الصيام يبدأ من الفجر إلى الليل، كما قال تعالى: { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]

لكن السلفية يرفضون ذلك.. ويكتفون بمجرد غياب قرص الشمس، ولا يعتبرون قول الفلكيين في ذلك.. وهذا يرينا العقل السلفي المستكبر المغرور الذي يترك النص القرآني الواضح في اعتبار بداية الليل هي الأساس للإفطار، ليذهب إلى أوهام توهمها، اعتبرها دينا وخالف كل الأمة على أساسها.

والسلفية لحبهم للصراع والخلاف لا يتورعون في المسألة حرصا على صومهم، بل تجدهم ببلاهة يرقبون قرص الشمس بمجرد أن يغيب بجبل أو بأي شيء ليسرعوا للإفطار، ولو على الملأ يتحدون بذلك مشاعر المسلمين الذين يحترمون مواقيت الإفطار والسحور، فلا يفطروا حتى يؤذن المؤذن.

وكيف لا يفعلون ذلك وشيخهم الألباني هو قدوتهم في ذلك، فقد قال في [السلسلة الصحيحة]: (وهذه من السنن المتروكة في بلاد الشام، ومنها عَمَّان، فإنَّ داري في جبل هملان من جبالها، أرى بعيني طلوع الشمس وغروبها، وأسمعهم يؤذِّنون للمغرب بعد غروب الشمس بنحو عشر دقائق، علماً بأنَّ الشمس تغرب عمن كان في وسط عَمَّان ووديانها قبل أن تغرب عنا!!، وعلى العكس من ذلك فإنهم يؤذِّنون لصلاة الفجر قبل دخول وقتها بنحو نصف ساعة!!، فإنا لله وإنا إليه راجعون)([39])

وهم ينقلون قول ابن القيم في تعريف المبادرة ليفطروا على أساسها، يقول ابن القيم: (والفرق بين المبادرة والعجلة: أنَّ المبادرة انتهاز الفرصة في وقتها ولا يتركها حتى إذا فاتت طلبها، فهو لا يطلب الأمور في إدبارها ولا قبل وقتها، بل إذا حضر وقتها بادر إليها ووثب عليها وثوب الأسد على فريسته، فهو بمنزلة من يبادر إلى أخذ الثمرة وقت كمال نضلها وإدراكها)([40])

وهكذا تراهم يضعون أمامهم ماء أو طعاما، ثم يرقبوا الشمس، فإذا ما غيبها أي حائل أسرعوا كالأسود إلى فرائسهم، وهم يتصورون أنهم على شيء، وأنهم يحيون السنة التي ضيعها سائر المسلمين المساكين الذين يتنظرون إذن المؤذن لهم بالإفطار.

يقول الألباني: (.. في الحديث اهتمامه k بالتعجيل بالإفطار بعد أن يتأكد k من غروب الشمس، فيأمر من يعلو مكانا مرتفعا، فيخبره بغروب الشمس ليفطر k، وما ذلك منه إلا تحقيقا منه لقوله k: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)، وإن من المؤسف حقاً أننا نرى الناس اليوم، قد خالفوا هذه السنة، فإن الكثيرين منهم يرون غروب الشمس بأعينهم، ومع ذلك لا يفطرون حتى يسمعوا أذان البلد، جاهلين: أولاً: أنه لا يؤذن فيه على رؤية الغروب، وإنما على التوقيت الفلكي. ثانيا: أن البلد الواحد قد يختلف الغروب فيه من موضع إلى آخر بسبب الجبال والوديان، فرأينا ناساً لا يفطرون، وقد رأوا الغروب، وآخرين يفطرون والشمس بادية لم تغرب، لأنهم سمعوا الأذان)([41])

وقال في موضع آخر: (.. وهذه من السنن المتروكة في بلاد الشام، ومنها عمان، فإن داري في جبل هملان من جبالها، أرى بعيني طلوع الشمس وغروبها، وأسمعهم يؤذنون للمغرب بعد غروب الشمس بنحو عشر دقائق، علماً بأن الشمس تغرب عمن كان في وسط عمان ووديانها قبل أن تغرب عنا! وعلي العكس من ذلك فإنهم يؤذنون لصلاة الفجر قبل دخول وقتها بنحو نصف ساعة فإنا لله وإنا إليه راجعون)([42])

المثال الثالث: تبديعهم لبعض الممارسات التعبدية الجماعية:

مع أن السلفية لم يكتفوا باعتبار صلاة التراويح سنة فقط، مع كون رسول الله k لم يفعلها، وإنما ابتدعها عمر بحسب ما تنص عليه الرواية التي يصححونها ([43])، وإنما راحوا يعتبرونها فوق ذلك من عقائد الإسلام حتى يتميزوا بها عن الشيعة الذين ينكرونها باعتبارها بدعة، يقول أبو عبد الله محمد بن خفيف في (عقيدته): (والتراويح سنة)([44])، ويقول قوام السنة الأصفهاني في عقيدته: (ومن السنة صلاة التراويح في شهر رمضان في الجماعة)([45])، وسئل ابن تيمية عمن يصلي التراويح قبل العشاء الآخرة، فقال: (.. ولكن الرافضة تكره صلاة التراويح، فإذا صلوا قبل العشاء الآخرة لا تكون هي صلاة التراويح، فمن صلاها قبل العشاء فقد سلك سبيل المبتدعة المخالفين للسنة) ([46])

لكنهم مع ذلك راحوا إلى كل ما يمارسه المسلمون من اجتماع على ذكر الله وقراءة القرآن الكريم يبدعونه، بل يعتبرونه من بدع الضلالة مع كون النصوص الواردة في هذه المحال مطلقة لا مقيدة.. بحيث تسمح لكل شخص بأن يمارس هذه الأنواع من الشعائر من غير قيود محددة لا بوقت ولا بهيئة ولا بعدد أو نحو ذلك.

بل إن منها ما يدل على مشروعية الأداء الجماعي لها، وهو ما يمكن استنباطه من قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ } [البقرة: 152]، وقوله: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191]، وقوله: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35]، وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41، 42]

ووجه الدلالة فيها واضح، وهو أن الله خاطب المؤمنين بصيغة الجمع التي لا تفيد فقط الأمر بأداء المطلوب، وإنما يضم إليه التعاون الجماعي عليه.

ومثل ذلك قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [آل عمران: 103]، والأمر فيها واضح في الاعتصام بحبل الله، ومن حبله الذكر.

ومثل ذلك ما ورد من الأحاديث الشريفة التي يوردها الصوفية عادة كدليل على استحباب الذكر الجماعي والحث عليه.

ومنها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن لله ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. قال فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا قال: فيسألهم ربهم – وهو أعلم بهم – ما يقول عبادي؟ قال: يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك قال فيقول هل رأوني؟ قال فيقولون لا والله ما رأوك قال فيقول كيف لو رأوني؟ قال يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا اقل يقول فما يسألوني؟ قال يسألونك الجنة قال يقول وهل رأوها؟ قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو أنهم رأوها؟ قال يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة قال: فمم يتعوذون؟ قال يقولون من النار قال يقول وهل رأوها؟ قال يقولون لا والله ما رأوها قال يقول فكيف لو رأوها؟ فقال: يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة قال فيقول فأشهدكم أني قد غفرت لهم قال يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة قال هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم)([47])

وقد عقب على هذا الحديث الشيخ ابن عليوة في معرض رده على السلفي المخالف بقوله: (فانظر بارك الله فيك هذه الجماعة التي أخبرت بها ملائكة ربّ العالمين، أليست هي نظيرة النكير فيما قال الله سبحانه وتعالى يوسّع على الذاكرين، ويعدهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأنتم قابلتموهم بالنقمة نظير ما قابلهم الله به من رحمة، فما بالك تركت ما أفتى به الحقّ سبحانه وتعالى في أهل مجالس الذكر على لسان رسوله، وبموجب لما وراء ذلك، فأخذت تقابل الشيء بنقيضه، أو ليس هذا منك تحريفا في شرع الله؟)([48])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر)([49])

ومنها ما رواه عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في بضع أبياته: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [الكهف: 28]، فخرج يلتمسهم فوجد قومه يذكرون الله تعالى منهم ثائر الرأس، وجاف الجلد وذو الثوب الواحد فلما رآهم جلس معهم وقال: (الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم)([50])

وقد اعتبر الشيخ ابن عليوة هذا الحديث كاف في إثبات سنية ما يفعله الصوفية من الاجتماع على الذكر، فقال في خطابه لعثمان بن المكي السلفي: (ثمّ أقول: ولعلّك قد كنت في غفلة عن هذا فقد يقول الحقّ لك: {فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } [ق: 22]، فتأمّل ما جاءك عن الرسول إن كنت تزعم أنّك من أمتّه، فحديث واحد يكفيك العمل به في مشروعيّة مجالس الذكر، والذي يزيدك يقينا من أنّها كانت على عهد النبّي صلى الله عليه وآله وسلم)([51])

ثم ذكر الحديث، وعقب عليه بقوله: (أو لا يكفيك هذا في مشروعيّة مجالس الذكر في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم)([52])، وما ذكره الشيخ ابن عليوة صحيح، فللأسف نجد الكثير من المسائل يجوزها الفقهاء، وليس لهم من دليل عليها سوى قياس بعيد، أو سد الذرائع، فإذا جاءوا لمثل هذه المسائل تشددوا وتحرجوا وتورعوا ورعا باردا.

ومنها ما رواه أبو سعيد الخدري أن رسول الله k قال: يقول الله عز وجل يوم القيامة: (سيعلم أهل الجمع من أهل الكرم) فقيل: ومن أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: (أهل مجالس الذكر)([53])

ومنها ما رواه أنس بن مالك قال: كان عبدالله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحاب رسول الله k قال: تعال نؤمن بربنا ساعة فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل فجاء إلى النبي k فقال: يا رسول الله ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة فقال النبي k: (يرحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة)([54])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي… وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه)([55])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده)([56])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله عز وجل لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء أن قوموا مغفورا لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات)([57])

وبناء على هذه الأحاديث وغيرها جرت الأعراف بأن يجتمع المسلمون في مساجدهم أو زواياهم أو بيوتهم يذكرون الله، ويصلون على رسول الله k، لينعموا بالروحانية الاجتماعية التي تزيد عقد الأخوة بينهم متانة، بل تحول علاقتهم إلى أخوة في الله، لا مجرد علاقات اجتماعية عادية.

لكن السلفية لا يحبون أن يجتمع المسلمون على عبادة الله.. فلذلك لم يكتفوا بقبول الخلاف في المسألة.. ولم يكتفوا بتحريم اجتماعهم فقط.. بل راحوا يحكمون على ذلك بالبدعة.. وبكونها بدعة ضلالة.. وأن الممارسين لتلك العبادات في النار..

وهم يروون في ذلك عن سلفهم الفضل بن مهران قال: سألت يحيى بن معين وأحمد بن حنبل قلت: إن عندنا قوماً يجتمعون، فيدعون، ويقرأون القرآن، ويذكرون الله تعالى، فما ترى فيهم؟ قال: فأما يحيى بن معين فقال: يقرأ في مصحف، ويدعو بعد الصلاة، ويذكر الله في نفسه، قلت: فأخ لي يفعل ذلك. قال: أنهه، قلت: لا يقبل، قال: عظه. قلت: لا يقبل. أهجره؟ قال: نعم. ثم أتيت أحمد فحكيت له نحو هذا الكلام فقال لي أحمد أيضاً: يقرأ في المصحف ويذكر الله في نفسه ويطلب حديث رسول الله. قلت: فأنهاه؟ قال: نعم. قلت: فإن لم يقبل؟ قال: بلى إن شاء الله، فإن هذا محدث، الاجتماع والذي تصف)([58])

أما المحدثون منهم، فقد كثرت فتاواهم في ذلك، قال الشيخ صالح الفوزان: (البدع التي أحدثت في مجال العبادات في هذا الزمان كثيرة، لأن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع شيء منها إلا بدليل. وما لم يدل عليه دليل فهو بدعة… ثم ذكر بعض البدع. وقال: ومنها الذكر الجماعي بعد الصلاة لأن المشروع أن كل شخص يقول الذكر الوارد منفردا)([59])

وقد ورد للجنة الدائمة هذا السؤال: (نود من سماحتكم الإفادة عن حكم التكبير في أيام التشريق وأيام عيد رمضان المبارك جماعيا، وذلك بأن يقول الإمام بعد كل صلاة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. ثم يردد الجماعة بصوت واحد ومرتفع بلحن يكررونها ثلاث مرات بعد كل صلاة، ولمدة ثلاثة أيام، علما بأن ذلك سائد في بعض قرى المنطقة الجنوبية)، فأجابت: (التكبير مشروع في ليلتي العيدين، وفي عشر ذي الحجة مطلقا، وعقب الصلوات من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق.. لكن التكبير الجماعي بصوت واحد ليس بمشروع بل ذلك بدعة.. ولم يفعله السلف الصالح، لا من الصحابة، ولا من التابعين ولا تابعيهم، وهم القدوة، والواجب الاتباع، وعدم الابتداع في الدين)([60])

والسلفية لا يراعون في هذا أي واقع حتى لو كان واقع شعب مستعمر استعمل عدوه معه كل الوسائل ليعزله عن هويته.. فلجأ الأذكياء من أهله إلى إحياء كل المناسبات التي تجمع المسلمين على ذكر الله.

ولهذا كان من أكبر من واجه هذه العادات الطيبة في المجتمع الجزائري إبان الاستعمار هي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين نتيجة تبعيتها المطلقة للفكر السلفي والوهابي خصوصا.

ونحب هنا أن نسوق بعض الردود التي ذكرها شيخ كبير من مشايخ الصوفية في الجزائر في ذلك الحين، لنقارن بين الرؤيتين: الرؤية السلفية الحرفية المتحجرة المصطدمة بكل مقاصد الشريعة، وبين الرؤية الأخرى المنفتحة على النصوص جميعا.. وعلى الواقع بجميع أشكاله.

يقول الشيخ مخطابا بأدب مخالفيه من سلفية الجمعية وغيرهم، بعد أن أورد الكثير من النصوص الدالة على استحباب الذكر الجماعي: (وإذا تقرّر لديك ما تقدّم من الترغيب في مجالس الذكر، فقل لي: بالله عليك أين يوجد هذا الاجتماع المرغب فيه؟، هل هو في غير البسيطة، أم هو في غير أمّة محمد k؟، أم هو يسمع ولا يرى؟)([61])

وهذا رد مهم جدا، وهو يدل على مدى فقه الشيخ ابن عليوة، ذلك أن من حكمة الله أن الدين لا يزال قائما يتمثل في طوائف الأمة جميعا ومذاهبها، فإذا وجدنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حدثنا عن وجود مجالس الذكر – لا التذكير- فهذا يعني أنها موجودة، فنبحث عن مصداقها الواقعي في الأمة، ولا يوجد مصداق واقعي لهذه المجالس إلا عند الصوفية، لأن غيرهم وإن جلس مجالس العلم والوعظ، واعتبرها مجالس ذكر لم يسلم له، فالذكر مصطلح شرعي له دلالته الخاصة، ولا تنفى الدلالة الخاصة بالدلالة العامة، لأن في ذلك نوع من تمييع المصطلحات الشرعية.

ثم رد الشيخ على عثمان بن المكي برد آخر أقوى، وهو ما تحدثه تلك المجالس من وحدة اجتماعية، وألفة روحية تعجز مجالس العلم عن إحداثها، بل لا نرى أكثر مجالس العلم للأسف لا تحدث إلا الشقاق والجدال والتناحر والانقسام، يقول الشيخ ابن عليوة: (وفي ظنّي إنّك احتقرت المنتسبين المجتمعين على الذكر، وإلاّ حسدتهم فيما هم عليه، أليس وهم المتحابّين الذين يقول فيهم الحقّ سبحانه وتعالى يوم القيامة ويناديهم، فعن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يقول الله عزّ وجلّ: المتحابّون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيّيون والشهداء)([62]) رواه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في سننه، ألم تعلم أن محبّة الله هي عبارة عن حبّ الذكر والذاكرين؟، ألم تعلم أنّ الله يغير على أهل نسبته ولو كانوا كاذبين؟)([63])

بل إن السلفية ولعدم فقههم للنصوص الشرعية، وعدم مراعاتهم لمقاصد الشريعة من العبادات راحوا إلى التلبية في الحج يفرضون على الأمة أن تؤديها أداء منفردا لا أداء جماعيا، لأن الأداء الجماعي لها يرمز إلى الوحدة الإسلامية، والسلفية لا يحبون أن تتوحد الأمة إلا عليهم.

فقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء: (ما حكم التلبية الجماعية للحجاج؟ حيث أحدهم يلبي والآخرين يتبعونه؟)، فأجابت: (لا يجوز ذلك، لعدم وروده عن النبي k، ولا عن خلفائه الراشدين رضوان الله عليهم، بل هو بدعة)([64])

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: (بعض الحجاج يلبون بصوت جماعي، فيتقدم واحد منهم أو يكون في الوسط أو في الخلف ويلبي ثم يتبعونه بصوت واحد، وهذا لم يرد عن الصحابة، بل قال أنس بن مالك: كنا مع النبي k – يعني في حجة الوداع- فمنا المكبّر، ومنا المهلّل، ومنا الملبِّي، وهذا هو المشروع للمسلمين؛ أن يلبي كل واحد بنفسه، وألا يكون له تعلق بغيره)([65])

وسئل: ما حكم التلبية الجماعية للحجاج؟ فأجاب: (هؤلاء أيضا عملهم لا أصل له في السنة، وهو بدعة ينبغي على طالب العلم أن يبين لهم هذا، وأنه ليس من هدي النبي k)([66])

وبذلك لم يترك السلفية وتراثهم شيئا من شعائر الدين يربط المسلمين بعضهم ببعض إلا سعوا لهدمه، ليحلوا بدله شعائرهم الممتلئة بالغرور والكبرياء والعتو.

ثانيا ـ أحكام الجوانب الشخصية:

نقصد بالجوانب الشخصية تلك الأمور التي ترتبط بالإنسان ورغباته وطموحاته المباحة، والتي أعطتها الشريعة السمحة الكثير من الحرية، حتى لا تضيق بالإنسان نفسه، ولا يشعر بالحرج نتيجة التزامه بدينه.

ولهذا وصف الله تعالى رسوله k كما بشر به الأنبياء السابقون، فقال: { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 156 – 157]

ومثله قوله تعالى: { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}، وقوله تعالى: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} [البقرة: 286] يدل على ما كان في الديانات السابقة ـ خاصة اليهودية ـ من أنواع الأغلال التي كلفوا بها بسبب عنتهم وجدلهم مع أنبيائهم، كما قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [النساء: 160]، وقال في بيان أنواع من المحرمات عليهم بسبب بغيهم: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام: 146].

بناء على هذا جاءت النصوص الكثيرة تبين حل كل ما يمارسه الناس في جوانبهم الشخصية من أنواع الاختيارات ما دام ذلك لا يضرهم هم ولا مجتمعهم.. بل ورد الأمر بأخذ الزينة والاهتمام بالهندام، كما قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد} (الأعراف: 31)

وقال ـ مخاطبا أولئك المتكلفين الذين يحرمون ما أحل الله ـ: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (الأعراف: 32)

هذه هي الرؤية القرآنية لهذا الجانب الخطير من جوانب الحياة.. أما الرؤية السلفية له، فمختلفة تماما، فهي لا تنشئ إنسانا سويا طبيعيا يمارس تدينه الراقي بلطف ومودة ومحبة، من دون أن يصطدم مع تلك الرغبات الطبيعية التي جعلها الله فيه.. بل هي تنشئ إنسانا مريضا معقدا منفصلا عن نفسه وعن المجتمع.. ولذلك تكثر العقد النفسية عند هذا النوع من المتدينين، وهذا ما يجعلهم فريسة سهلة لتبني الجماعات السلفية المسلحة لهم.

لأن أول ما ينشئه تدينهم فيهم هو السخط على المجتمع الذي لم يستطيعوا أن يجمعوا بين تدينهم وبين التعايش الطبيعي معه.. فلذلك ينقمون عليه.. ولذلك يلجأون إلى الجماعات المسلحة التي تحولهم إلى قنابل موقوتة تهدم بها أخضر مجتمعهم ويابسه.

بناء على هذا، سنذكر صورة الحياة الشخصية للرجل والمرأة كما يبرزها التراث السلفي، وخاصة الحديث منه:

1 ـ أحكام الرجال:

ينطلق السلفيون في تصورهم لأحكام الرجل من صورة خاطئة ممتلئة بالكثافة والتجسيم لرسول الله k.. فرسول الله k عندهم مختصر في تلك الصورة الحسية التي نقلها لهم سلفهم، ومختصرة في ذلك المظهر الذي كان يخرج به إلى الناس، ولذلك تجدهم يحرصون على تبني ذلك المظهر، واختصار السنة فيه.. حتى صارت السنة عندهم مجرد لحية طويلة، ولباس قصير، وعقل فارغ.

والرجل عندهم هو الذي لا يهتم إلا بذلك.. فلا همة له في علم، ولا طموح له في رقي فكري، أو رقي حضاري، أو أن يخترع شيئا يقدمه للإنسانية، أو يكتشف اكتشافا يعز به الإسلام.. بل يحتاج ـ حتى يطبق السنة ليكون سلفيا حقيقيا ـ إلى أن يقتل كل طموحات جيله، ويقبع في بعض المساجد يلقن الناس السنة ويرد على الجهمية والمعطلة وكل الناس.

وحتى لا يكون كلامي هذا مجرد دعوى، فسأنقل هنا من كلام كبارهم من المعاصرين وبياناتهم وفتاواتهم ما يدل على بعض ذلك:

فمن فتاواهم في هذا المجال حرمة تعلم اللغات الأجنية، لأنها لغات كفار.. وهم يستدلون لهذا بما ذكره ابن تيمية من اعتبار تعلم اللغات الأجنبية تشبها بالكفار، كما قال في كتابه [اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم]: (.. فإذا نهت الشريعة عن مشابهة الأعاجم؛ دخل في ذلك ما عليه الأعاجم الكفار، قديما وحديثا، ودخل فيه ما عليه الأعاجم المسلمون، مما لم يكن عليه السابقون الأولون، كما يدخل في مسمى الجاهلية العربية ما كان عليه أهل الجاهلية قبل الإسلام، وما عاد إليه كثير من العرب من الجاهلية التي كانوا عليها. ومن تشبه من العرب بالعجم لحق بهم، ومن تشبه من العجم بالعرب لحق بهم، ولهذا كان الذين تناولوا العلم والإيمان من أبناء فارس، إنما حصل ذلك بمتابعتهم للدين الحنيف، بلوازمه من العربية وغيرها. ومن نقص من العرب إنما هو بتخلفهم عن هذا، وإما بموافقتهم للعجم، فيما السنة أن يخالفوا فيه، فهذا وجه.. وأيضا فإن الله تعالى لما أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل رسوله مبلغا عنه للكتاب والحكمة بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين به؛ لم يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط اللسان، وصارت معرفته من الدين، وصار اعتبار التكلم به أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله، وأقرب إلى إقامة شعائر الدين، وأقرب إلى مشابهتهم للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، في جميع أمورهم)([67])

وبناء على هذا جاءت الفتاوى السلفية تستنكر تعلم اللغات الأجنبية، بل تعتبره من النفاق، يقول ابن العثيمين في شرحه لزاد المستقنع: (.. ومعلوم أن اعتياد التكلم بغير العربية حتى يكون عادة أمر غير مشروع لأن يورث محبة أهل تلك اللغة من الكفرة وهو مخالف لعقيدة الولاء والبراء من الكفار. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرًا قـويًا بينًا، ويـؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد في العقل والدين والخلق).. والذي أراه أن الذي يعلم صبيّه اللغة الإنجليزية منذ الصغر سوف يُحاسب عليه يوم القيامة؛ لأنه يؤدي إلى محبة الطفل لهذه اللغة، ثم محبة من ينطق بها من الناس؛ هذا من أدخل أولاده منذ الصغر لتعلم اللغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات، فليتق الله من يريد جلب هذه اللغة إلى أبناء المسلمين، والله الله أن يضيع من يعول، وليتذكر قوله k: (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة) رواه مسلم. اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد)([68])

ومن فتاواهم في هذا المجال حرمة التعلم في المدارس والجامعات المختلطة.. ولو طبقنا فتاواهم في هذا الجانب، فسيحرم كل شاب سلفي من الدراسة في أي ثانوية أو جامعة، لأنهم يشترطون أن تكون هذه الثانويات أو الجامعات غير مختلطة، وهذا لا يكاد يوجد.. ويشترطون أيضا أن لا تعلم علوم الكفار.. أي أنهم في الجغرافيا والفلك لا يجوز أن يذكروا أن الأرض تدور حول الشمس.. لأن ذلك من علوم الكفار.

ولو طبق أي سلفي هذين الضابطين فقط، فإنه سيتوقف عن الدراسة في أي ثانوية أو جامعة..

ومن فتاوى اللجنة الدائمة في هذا: (اختلاط الطلاب بالطالبات والمدرسين بالمدرسات في دور التعليم محرم لما يفضي إليه من الفتنة وإثارة الشهوة والوقوع في الفاحشة، ويتضاعف الإثم وتعظم الجريمة إذا كشفت المدرسات أو التلميذات شيئاً من عوراتهن، أو لبسن ملابس شفافة تشف عما وراءها، أو لبسن ملابس ضيقة تحدد أعضاءهن، أو داعبن الطلاب أو الأساتذة ومزحن معهم أو نحو ذلك مما يفضي إلى انتهاك الحرمات والفوضى في الأعراض)([69])

 وسئل الشيخ ابن عثيمين: هل يجوز للرجل أن يدرس في جامعة يختلط فيها الرجال والنساء في قاعة واحدة علماً بأن الطالب له دور في الدعوة إلى الله؟ فأجاب: (الذي أراه أنه لا يجوز للإنسان رجلاً كان أو امرأة أن يدرس بمدارس مختلطة؛ وذلك لما فيه من الخطر العظيم على عفته ونزاهته وأخلاقه، فإن الإنسان مهما كان من النزاهة والأخلاق والبراءة إذا كان إلى جانبه في الكرسي الذي هو فيه امرأة – ولا سيما إذا كانت جميلة ومتبرجة – لا يكاد يسلم من الفتنة والشر، وكل ما أدى إلى الفتنة والشر: فإنه حرام ولا يجوز، فنسأل الله – سبحانه وتعالى – لإخواننا المسلمين أن يعصمهم من مثل هذه الأمور التي لا تعود إلى شبابهم إلا بالشر والفتنة والفساد، حتى وإن لم يجد إلا هذه الجامعة يترك الدراسة إلى بلد آخر ليس فيه هذا الاختلاط، فأنا لا أرى جواز هذا)([70])

وسئل الشيخ ربيع بن هادي المدخلي هذا السؤال: (انتشرت في بلادنا فتوى تحريم الدراسة في المدارس والجامعات المختلطة، فانقطع بعض الإخوة على اختلاف سنهم عن الدراسة ولكنهم تعرضوا لاضطهاد من والديهم يتمثل في الطرد من البيت والضرب والشتم واللعن والسباب فماهي نصيحتكم لهؤلاء الشباب حفظكم الله؟)

فأجاب بقوله: (العلماء يا أخي أفتوا بتحريم الاختلاط لما فيه من المفاسد الكثيرة، وهذا شيء معروف وملموس.. الآن الوظائف الحكومية ما لها قيمة، يتخرج بالشهادة ولا تنفعه، فيضيع دينه ودنياه بدون جدوى، فالأولى له أن يحافظ على دينه، والعوض عند الله في الآخرة، جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، وهذا الذي يحصل دنيا، ويدرس في الاختلاط قد يهلك، يفسد في دينه، ويحرم من الدنيا. فننصح هؤلاء أن يصبروا، يؤذيه أبوه يومين أو ثلاثة وبعدها يتركه، يحاول إقناع أبيه بأن هذا دين الله، وأن الله حرم هذا، والعلماء أفتوا بتحريم هذا، وأنا أتضرر، يفسد ديني ودنياي.. يعني يقتنع، وإذا لم يقتنع يغضب أياماً ثم يرضى، فلابد أن يصبروا، يصبروا ويتعلموا، يطلبون العلم في المساجد على مشايخ العلم.

العلم قال الله قال رسوله     قال الصحابة ليس بالتمويه

ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه([71])

وسئل الشيخ عبيد الجابري: عن الدراسة في المدارس المختلطة بين البنين والبنات؟ فأجاب: (إذا كان ما توجد إلا هذه المدارس فلا تدرس فيها أولادك واجتهد بقدر ما تستطيع في تعليمهم القراءة والكتابة وتحفيظهم القرآن كتاب الله -تبارك وتعالى- هذا هو الذي يجب عليك نحوهم في التعليم، تعلمهم أحكام الشرع، تعلمهم كتاب الله -تبارك وتعالى- وأما بقية العلوم فهي من أمور التوسع فلا يدرسون في هذه المدارس وابحث لهم أو حاول الانتقال إذا ما وجدت في بلدك مدارس أهلية يكون فيها الفصل، حاول الانتقال إلى بلد أخرى، والله -سبحانه وتعالى- هو المعين)([72])

هذا بالنسبة لتحطيم طموحات الرجل السلفي العلمية.. أما تحطيمهم لحبه لتحسين مظهره، فيتجلى في فتاوى كثيرة خصصت لرسم صورة السلفي الذي لا يتجرأ حتى على تهذيب لحيته إذا طالت، أو أن يحلم بأن يلبس من الثيباب ما يلبسه أترابه ومجتمعه، أو أن يحلم حتى بتغطية ساقيه إذا ألهبهما صقيع الشتاء، لأنه إن فعل ذلك، فسيصير مبتدعا وضالا، وسيهجره أصحابه، ويصدرون فتاوى تضليله.

ومن تلك الفتاوى ما أجاب به الشيخ محمد صالح المنجد هذا الشاب المسكين الذي جرته قدماه إليه ليسأله هذا السؤال البريء: (أنا شاب في التاسعة عشرة، وقد بدأت لحيتي بالنمو – ولله الحمد – لكنها متجعدة بعض الشيء فيما يلي الأذنين، ووالدتي تكره أن تراها على هذه الصورة، لذلك طلبت مني تقصيرها حتى تذهب تلك التجعدات، غير أني رفضت رغبة مني في إبقائها على ما هي عليه ودون تعرض لها، كما أنها تريدني أن أقصرها قليلاً من الأسفل حتى تتساوى من جميع الجهات. فلا أدري أيهما أولى بالتقديم، طاعتها أم ترك اللحية على ما هي عليه؟ علماً أنني قد استخدمت بعض الزيوت لإزالة تلك التجعدات لكن دون فائدة، ووالدتي تصر على موقفها، فما رأيكم؟)([73])

فأجابه الشيخ بكل غلظة قائلا: (يحرم حلق اللحية، كما يحرم الأخذ منها؛ لأن النبي k أمر بتوفيرها وإعفائها.. والمختار ترك اللحية على حالها وألا يتعرض لها بتقصير شيء أصلا.. وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: (ما يفعله بعض الناس من حلق اللحية أو أخذ شيء من طولها وعرضها فإنه لا يجوز؛ لمخالفة ذلك لهدي الرسول k وأمره بإعفائها، والأمر يقتضي الوجوب حتى يوجد صارف لذلك عن أصله، ولا نعلم ما يصرفه عن ذلك)([74]).. وقال الشيخ ابن باز: (الواجب: إعفاء اللحية، وتوفيرها، وإرخاؤها، وعدم التعرض لها بشيء، وأما ما رواه الترمذي عن النبي k أنه كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها. فهو خبر باطل عند أهل العلم، فلا يجوز للمؤمن أن يتعلق بهذا الحديث الباطل، ولا أن يترخص بما يقوله بعض أهل العلم، فإن السنة حاكمة على الجميع)([75]).. ووجود جعودة في بعض المواضع من اللحية ليس سببا للترخص في الأخذ منها، ما دامت لم تصل إلى حد تشويه الوجه وتقبيحه، وتعاهد اللحية بالتسريح، قد يذهب بهذه الجعودة، أو يخفف منها، ولا يجوز لأحد أن يأمر أحدا بحلق لحيته أو تقصيرها، فإن أمر الرسول k هو الملزم لكل مسلم، ولا طاعة لأحد إذا أمر بمعصية الله تعالى، ومن بدايات الطريق: أن تدرب نفسك على الالتزام بأحكام الشريعة، وعليك بمداراة والدتك، والتلطف في الرد عليها، وبيان الحكم الشرعي لها بأدب ولطف) ([76])

وسألته امرأة هذا السؤال البريء: (زوجة ترى أن لحية زوجها غير جذابة ومنظمة، فهل لها أن تطلب منه أن يزيلها؟ وهل تأثم بذلك؟)

فأجابها بهذه الغلظة السلفية: (يحرم على الرجل حلق لحيته، وتقصيرها؛ للأدلة الآمرة بإعفائها.. والواجب على المؤمن أن يسلّم ويذعن لأمر الله تعالى، وأمر رسوله k، وألا يكون في نفسه حرج أو ضيق من ذلك.. وقد أحسن الزوج بإعفائه لحيته دون مبالاة بكونها جذابة أو غير جذابة. ولا يجوز للزوجة أن تطلب منه حلقها أو تقصيرها، وتأثم بذلك؛ لأنها دعوة إلى المعصية ومخالفة الشرع. ونصيحتنا لها أن تتقبل هذا الأمر براحة نفس وانشراح صدر، وأن تعلم أن امتثال أمر الشرع فيه الخير والفلاح والنجاح، وأن من أطلق لحيته فهو متشبه بسيد ولد آدم k وبالأنبياء قبله، وبالصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل الخير والفضل، فإن حلق اللحية لم يعرف إلا في الأزمنة المتأخرة جدا. وإن مما يعينها على قبول هذا الأمر أن تعلم أن الله يبتلي عباده بما شاء من السراء والضراء كما قال: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35]، فإن كانت تنفر من اللحية، أولا يعجبها مظهر زوجها بها: فلتصبر على ذلك، وهي مأجورة إن شاء الله، وحسبها أن زوجها إنما أراد طاعة ربه وامتثال أمره)

ومن أعاجيب فتاواهم في هذا المجال اعتبارهم حلق اللحية من الكبائر مع كون ما ورد فيها من الأدلة لا يدل على ذلك.. ومع كونهم يعتبرون الكثير من الكبائر الحقيقة صغائر.. فقد سئل الشيخ ابن عثيمين: هل يعتبر حلق اللحية من الكبائر؟ فأجاب: (حلق اللحية من الكبائر باعتبار إصرار الحالقين، يعني أن الذين يحلقون لحاهم يصرون على ذلك، ويستمرون عليه، ويجاهرون بمخالفة السنة، فمن أجل ذلك صار حلق اللحى كبيرة من حيث الإصرار عليه، أما الأحاديث الواردة في ذلك فقد أخبر النبيk أنها من الفطرة، أي أن إعفاء اللحى من الفطرة، وبناء على ذلك يكون مَنْ حلقها مخالفاً لما فُطِرَ الناس عليه. ثانياً: أخبر النبي k أن حلق اللحية من هدي المجوس والمشركين، ونحن مأمورون بمخالفة المجوس والمشركين، بل وكل كافر لقول النبي k: (مَنْ تشبه بقومٍ فهو منهم).. فالمسألة عظيمة فنحن نخاطب جميع إخواننا المسلمين أن يتقوا الله عز وجل، وأن يتمسكوا بهدي النبي k حتى يؤجروا على ذلك، ويحصل لهم مع طيب المظهر باللحية التي جمَّل الله بها وجه الرجل الطيب المبطن، وطيب القلب، لأن الإنسان كلما ازداد تمسكاً بدين الله ازداد قلبه طيباً)([77])

ومثل ذلك اعتبروا إطالة الثوب للرجال من الكبائر.. فقد سئل الشيخ العثيمين عن حكم إسبال الثياب، فقال: (حكم إسبال الثياب للنساء لا بأس به لأنه ستر لأقدامهنّ وأما إسبال الثياب للرجال فإنه محرم بل هو من كبائر الذنوب ويقع الإسبال على وجهين: أحداهما أن يكون للخيلاء والفخر والتعاظم فهذا جزاءه أن الله تعالى لا يكلمه يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.. أما الوجه الثاني فإن يقع الإسبال لا على وجه الفخر والخيلاء فعقوبته أهون.. فإن صاحبه يعذب عليه بالنار، فيكون العذاب على قدر النازل من الثوب على قدر النازل من الثوب عن الكعبين، وهذه العقوبة أهون من العقوبة الأولى، ومن ثم نقول: إنه لا يمكن أن يقيد هذا الحديث المطلق بالحديث السابق وهو من جر ثوبه خيلاء ذلك لأن العقوبتين مختلفتان، وإذا اختلفت العقوبتان امتنع حمل أحد الحديثين على الآخر لأنه يلزم منه تكذيب أحداهما بالآخر عقوبة هذا كذا وعقوبة هذا كذا مع أن العمل واحد وبهذا نعرف أن ما يتعلل به بعض الناس إذا نهيته عن إسبال ثوبه أو سرواله أو مشلحه قال أنا لم أفعله خيلاء فهذا التعلل الذي يتعلل به لا وجه له، وذلك لأن العقوبتين مختلفتان فلا يحمل أحدهما على الأخر)([78])

وسئلت اللجنة الدائمة للفتوى هذا السؤال: (نهى النبي k عن السدل في اللباس، لكن إذا سدل الإنسان من غير عجب ولا كبرياء، فهل هذا حرام أيضا؟ كالملابس الأوربية التي نستعملها الآن، فإذا أنزل السروال عن الكعب قليلا فهل هذا يؤاخذنا الله عليه؟)

فأجابت: (إسبال الإزرة والقميص والسراويل ونحوها من الملابس وسدلها حتى تكون أسفل من الكعبين – حرام مطلقا، سواء قصد الخيلاء والإعجاب بالنفس أم لا؛ لكونه مظنة لذلك)([79])

والسلفية لا يكتفون برفع الثوب فوق الكعب فقط، بل يعتبرون الكمال في أن يصل رفع الثوب إلى نصف الساق.. ولا يهم أن يكون ذلك شتاء أو صيفا.. بل حتى لو كان في القطب الشمالي.. فقد سئلت اللجنة الدائمة للفتوى: (ما هي الحدود في جر الإزار وأين آخر جر الإزار؟)، فأجابت: (جر الإزار حرام على الرجال، ويعزر من يجر إزاره إذا لم يرتدع عن ذلك، وإزار المؤمن إلى نصف ساقيه، وما كان منه بين الساقين والكعبين فجائز، وما كان منه تحت الكعبين فحرام، يستحق فاعله العذاب في الآخرة، والتعزير في الدنيا)([80])

وهم لا يكتفون بتعزير من جر ثوبه فقط، بل يضيفون إليه تكفير من سخر أو ضحك ممن قصر ثوبه أو أطال لحيته.. فقد ورد في بعض فتاوى اللجنة الدائمة: (.. ومَن استهزأ بدين الإسلام، أو بالسنَّة الثابتة عن رسول الله k، كإعفاء اللحية، وتقصير الثوب إلى الكعبين، أو إلى نصف الساقين، وهو يعلم ثبوت ذلك: فهو كافر، ومن سخِر من المسلم، واستهزأ به، من أجل تمسكه بالإسلام: فهو كافر)([81])

وبذلك أصبح السلفي فتنة بين الناس.. فمن احتقره أو ضحك عليه أو سخر منه لم يعص بذلك فقط، كما هو مع سائر الناس، وإنما يكفر أيضا.. أما إن فعل السلفي ذلك فسخر من الآخرين أو استهزأ بهم، فلا حرج عليه، لأنهم مبتدعة والسخرية من المبتدعة جائزة، بل واجبة، فهي من مقتضيات الولاء والبراء.

ولهذا لا نستغرب تلك الأحقاد التي تملأ قلوب السلفية على المجتمع.. لأنهم ينظرون إلى كل ضحكة أو مزاح أو أي شيء يصدر من غيرهم احتقار للسنة وسخرية من الدين.. لأن السلفي هو الدين، والسخرية منه سخرية من الدين.

ولم يكتف السلفية بكل هذا التضييق.. بل راحوا إلى كل لباس يلبسه سائر الناس يحرمونه ويتشددون في تحريمه، بحجة أنه لم يلبسه السلف، أو لأنه لباس الكفار.. مع العلم أن كل الألبسة العصرية هي ملابس كفار.. فلم يبق من المباح إلا لباس السلف.

فمن تلك الألبسة المحرمة البرنيطة، والتي اعتبرها الشيخ التويجري لبسها من التشبه (بأعداء الله لبس البرنيطة التي هي من لباس الإفرنج ومَن أشبههم من أمم الكفر والضلال، وتسمى أيضًا القبعة، وقد افتُتِن بلبسها كثير من المنتسبين إلى الإسلام في كثيرٍ من الأقطار الإسلامية، ولا سيما البلدان التي فشتْ فيها الحرية الإفرنجية وانطمست فيها أنوار الشريعة المحمدية.. ومن ذلك الاقتصار على لبس السترة والبنطلون، فالسترة قميصٌ صغيرٌ يبلغ أسفله إلى حدِّ السرَّة أو يزيد عن ذلك قليلاً، وهو من ملابس الإفرنج، والبنطلون اسمٌ للسراويل الإفرنجية، وقد عظمت البلوى بهذه المشابهة الذميمة في أكثر الأقطار الإسلامية.. ومَن جمع بين هذا اللباس وبين لبس البرنيطة فوق رأسه فلا فرق بينه وبين رجال الإفرنج في الشكل الظاهر، وإذا ضمَّ على ذلك حلق اللحية كان أتمَّ للمشابهة الظاهرة، ومَن تشبَّه بقوم فهو منهم) ([82])

ثم راح التويجري ينتهج منهج سلفه في الرد على الشبهات المرتبطة بلبس البرنيطة، فقال: (فإن ادَّعى المتشبِّهون بأعداء الله تعالى أنهم إنما يلبسون البرنيطات لتكون وقاية لرؤوسهم من حرِّ الشمس، ويلبسون البنطلونات والقمص القصار لمباشرة الأعمال، قيل: هذه الدعوى حيلة على استحلال التشبُّه المحرَّم والحِيَل لا تُبِيح المحرَّمات، ومَن استحلَّ المحرمات بالحِيَل فقد تشبَّه باليهود)([83])

وهكذا أصبحت البرنيطة والسروال هي علامة اليهودية لا تحويل اليهود إلى مفسرين للقرآن وشارحين للعقيدة، وقد رأينا سابقا كيف أن هذا التويجري نفسه يجيز الرجوع لكتب اليهود للتعرف على صورة الله.

هذه نماذج عن التضييق والتشديد في الأحكام الفقهية المرتبطة بالرجل في التراث السلفي، وهي كما رأينا تنتج شخصية معقدة ممتلئة بالأمراض النفسية، لتصبح فريسة سهلة للجماعات السلفية المسلحة..

2 ـ أحكام النساء:

مهما بلغ تضييق السلفية على الرجل، فإنه لن يبلغ معشار عشر ما ضيقوا به على المرأة.. فالمرأة عندهم عورة في كل شيء، ولهذا فإن أحسن محل لها أن تدفن نفسها في قبر الحياة قبل أن يضمها قبر المماة.

وأول دفن لها حرمانها من العلم إلا تلك العلوم الشرعية البسيطة التي تتلقاها من مشايخ السلفية، والتي بموجبها تصبح امرأة سلفية صالحة، ولا يحق لها أن تتجاوز ذلك.

فقد سئل الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: (نحن مجموعة من طالبات العلم مشرفات على مدرسة كبيرة في تحفيظ القرآن وتعليم أحكامه، ماهي أهم الوسائل في نظركم التي يجب الإهتمام بها، وتعليمها للنساء، علما بأنهن على مستويات وأعمال مختلفة؟)

فأجاب: (لاشك أنهن فيما يتعلق بتعليم النساء إنما هي الأحكام التي تتعلق بعلمهن – بصفتهن نساء- فيعلمن أحكام الحيض والنفاس وغسل النفاس، ومايتعلق بصيامهن وصلاتهن من الأحكام التي تتعلق بهن دون الرجال هذا من جهة، ويعلمن مايجب أن تكون معاملتهن لرجالهن من حيث طاعتهن وخدمتهن بما يتناسب مع قدرتهن، ولايستنكفن عن القيام بما فرض الله عليهن من الطاعة الواجبةكما جاء في الحديث الصحيح: (إن المرأةإذا صلت خمسها، وأحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، دخلت جنة ربها من أي أبواب الجنة شاءت)، فهذا مجمل ماينبغي أن تُعلّم النساء مما يخصهن دونما يتعلق بسواء ذلك. وخلاصة الجواب: أن يعلمن مايجب عليهن علمه بخصوصهن من العلم، وليس العلم الكفائي الذي يجب على أهل العلم فقط من الرجال دون النساء، أما التوسع: فذلك يعود إلى نشاط المرأة في بيتها وإلى الظروف التي تحيط بها من توفر الكتب والاطلاع عليها فهنا بإمكان المرأة والحالة هذه أن توسع معلوماتها لمتابعتها الشخصية، وأما أن تضيع قسما من عمرها قاعدة في دارها وبخاصة إذا كانت متزوجة لأجل العلم الذي ليس علما، وإنما هو فرض كفائي فقيامها على خدمة زوجها وخدمة أطفالها إن رزقت شيء من أولادها فذلك أشرع لها وأفضل)([84])

وقال في موضع آخر ينكر بعض البدع التي حصلت في عهده في دمشق: (وما شاع هنا في دمشق في الآونة الأخيرة من إتيان النساء للمساجد في أوقات معينة ليسمعن درسًا من إحداهن ممن يتسمون بالداعيات -زعمن- فذلك من الأمور المحدثة التي لم تكن في عهد النبي k، ولا في عهد السلف الصالحين، إنما المعهود أن يتولى تعليمهن العلماء الصالحون في مكان خاص كما في هذا الحديث أن رسول الله k وعظ النساء، أو في درس الرجال حجزة عنهم في المسجد، فإن وجد في النساء اليوم من أوتيت شيئًا من العلم والفقه السليم المستقى من الكتاب والسنة فلا بأس من أن تعقد لهن مجلسًا خاصًا في بيتها أو في بيت أحداهن، ذلك خير لهن، كيف لا والنبي k قال في صلاة الجماعة في المسجد: (وبيوتهن خير لهن)، فإذا كان الأمر هكذا في الصلاة… ألا يكون العلم في البيوت أولى لهن لاسيما وبعضهن ترفع صوتها وقد يشترك معها غيرها، فيكون دوي في المسجد قبيح ذميم، ثم رأيت هذه المحدثة قد تعدت إلى بعض البلاد)([85])

بالإضافة إلى هذا، فإن فتاواهم المتعلقة بالاختلاط والتي ذكرنا بعضها سابقا تكفي في حرمان المرأة من التعليم، لأنها تحتاج إلى أن تدرس في مدارس خاصة بالإناث ابتداء من التعليم الابتدائي، وذلك غير ميسر في أكثر دول العالم.

وقد سئل الشيخ محمد صالح المنجد هذا السؤال: (أنا فتاة أبلغ من العمر 16 عاماً، انتقلت مؤخراً إلى مدرسة جديدة، هل من الممكن أن تخبرني كيف يجب عليّ أن أتصرف في المدرسة علماً بأن نسبة الذكور إلى الإناث غير متكافئة)، فأجاب بقوله: (وجودك – أختي السائلة – في مدرسة مختلطة حرام في الشرع؛ لأن الخلطة التي وصفتيها تكون عُرضة وسبباً للفساد المفضي إلى الفواحش المنكرة، وقد حذر الرسول k في كثير من أحاديثه الرجال من فتنة النساء، وعظم أمرهن حتى جعل فتنتهن أشد الفتن وأشد المضرات.. وقال ابن القيم: (ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة.. فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنا بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال والمشي بينهم متبرجات متجملات ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية قبل الدين لكانوا أشد شيء منعا لذلك)([86]).. وفي الخلطة التي ذكرتها عدم التمكن من غض البصر، وفيه مدخل كبير لشهوة النساء للرجال وشهوتهم لهن وهذا لا يجوز بل هو رأس الفساد.. فكيف بنا نسمح لنساء هذا الزمان الذي انتشرت فيه أمراض القلوب وقلَّ الوازع الديني أن تجلس المرأة مع الرجل في مكان واحد مع عدم وجود المحرم وفي كل يوم لساعات طوال.. فاتقي الله تعالى يا أختي ولا تلتحقي بهذه المدرسة مهما كلف الأمر.. وليس هناك ضرورة تدعو إلى الخلطة، فالدراسة في هذه المدرسة ليست ضرورة ما دام أن المرأة تستطيع القراءة والكتابة، وتعلم أمور دينها فهذا يكفي؛ لأنها خلقت لهذا، أي: لعبادة الله تعالى وليس الذي بعد هذا ضرورة)([87])

وسئلت اللجنة الدائمة سؤالا قريبا من هذا، فأجابت: (اختلاط الطلاب بالطالبات والمدرسين بالمدرسات في دور التعليم محرم لما يفضي إليه من الفتنة وإثارة الشهوة والوقوع في الفاحشة، ويتضاعف الإثم، وتعظم الجريمة، إذا كشفت المدرسات أو التلميذات شيئا من عوراتهن، أو لبسن ملابس شفافة تشف عما وراءها، أو لبسن ملابس ضيقة تحدد أعضاءهن، أو داعبَّن الطلاب أو الأساتذة ومزحن معهم أو نحو ذلك مما يفضي إلى انتهاك الحرمات والفوضى في الأعراض)([88])

وقال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد: (حُرِّم الاختلاط، سواء في التعليم، أم العمل، والمؤتمرات، والندوات، والاجتماعات العامة والخاصة، وغيرها؛ لما يترتب عليه من هتك الأعراض ومرض القلوب، وخطرات النفس، وخنوثة الرجال، واسترجال النساء، وزوال الحياء، وتقلص العفة والحشمة، وانعدام الغيرة)([89])

بل إنه حتى لو توفرت مثل تلك المدارس، فإنهم يحرمون وجود أساتذة ذكور فيها، فقد سئلت اللجنة الدائمة للفتوى هذا السؤال: (هل يجوز أن يعلم الأستاذ الطالبات، وليس بينه وبينهن حجاب، بل يرونه، ويراهن، وإن كان لا يرى وجوه أكثرهن في الغالب؛ لأنهن مختمرات؟)

فأجابت: (أولاً: الاختلاط بين الرجال والنساء في المدارس أو غيرها من المنكرات العظيمة، والمفاسد الكبيرة في الدين والدنيا، فلا يجوز للمرأة أن تدرس أو تعمل في مكان مختلط بالرجال والنساء، ولا يجوز لوليها أن يأذن لها بذلك.. ثانيًا: لا يجوز للرجل أن يعلم المرأة وهي ليست متحجبة، ولا يجوز أن يعلمها خاليًا بها، ولو كانت بحجاب شرعي، والمرأة عند الرجل الأجنبي منها كلها عورة، أما ستر الرأس وإظهار الوجه فليس بحجاب كامل.. ثالثًا: لا حرج في تعليم الرجل المرأة من وراء حجاب في مدارس خاصة بالنساء، لا اختلاط فيها بين الطلاب والطالبات، ولا المعلم والمتعلمات، وإن احتجن للتفاهم معه؛ فيكون عبر شبكات الاتصال المغلقة، وهي معروفة ومتيسرة، أو عبر الهاتف، لكن يجب أن يحذر الطالبات من الخضوع بالقول بتحسين الكلام وتليينه)([90])

هذا بخصوص موقفهم من تعليم المرأة، أما موقفهم من حب المرأة للتزين حتى في بيتها ولزوجها، فإنهم يتشددون في ذلك تشددا غريبا، فمن فتاوى الشيخ الألباني حول الماكياج الذي تستعمله المرأة في بيتها ولزوجها، قوله: (لا يجوز للمرأة غير المتحجبة فضلا عن المتحجبة أن تستعمل المكياج الكافر، المكياج الفاسق، متى عرفتم شيء من زينة النساء يسمى باسم ماأنزل الله به من سلطان [المكياج] هذه لغة مانعرفها لا نحن ولا أباؤكم من قبل، وإنما هو لفظة أجنبية تعبر عن زينة لفساق، نساء فاسقات، نساء أوربا، فتشبهت نساؤنا مع الأسف إلا من عصم الله منهن بالتزين بهذه الزينة التي تأثر المجتمع الإسلامي بها ألا وهي المكياج فلا يجوز للمرأة)([91])

وسئل الشيخ مقبل بن هادي الوادعي: (شاع في هذه الأيام بين النساء عند خروجهن حمل حقائب يدوية وأحيانا لا يكون فيها شيء وليست بحاجة إليها، فما حكم هذه العادة، وهل يكن متشبهات بالكافرات أم لا؟)، فأجاب بقوله: (إذا كان هذا الأمر جاء من قبل أعداء الإسلام فهو تشبه بأعداء الإسلام، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وكثيرا مايغتر النسوة والشباب بأعداء الإسلام)([92])

وسئلت اللجنة الدائمة للفتوى عن لبس المرأة الكعب العالي، فأجابت: (لبس الكعب العالي لا يجوز؛ لأنه يعرض المرأة للسقوط، والإنسان مأمور شرعا بتجنب الأخطار)([93])

وسئلت: (هل يجوز للمرأة شرعا أن تقص شعرها؟)، فأجابت: (لا يجوز لها أن تقص أو تحلق شعر حواجبها أو شعر رأسها إلا لضرورة تدعو إلى ذلك كعلاج جروح بالرأس أو الحاجب يتوقف علاجها على قص الشعر أو بعضه فيجوز ذلك بقدر الحاجة، ويجب لها أن تزيل شعر وجهها وسائر جسدها بنتف أو نورة أو نحو ذلك ما عدا الرأس والحاجبين)([94])

وسئلت عن (القصة ولف الرأس كالعمامة أو سدله على الظهر قرنان)، فأجابت: (جمع المرأة شعرها في أعلى رأسها لا يجوز لتحذير النبي k من ذلك.. وكذا جمع المرأة شعرها أو لفه حول رأسها حتى يصير كعمامة الرجل لا يجوز لما فيه من التشبه بالرجال، وأما جمعه وجعله قرنا واحدا أو أكثر وسدله على الظهر مضفورا وغير مضفور فلا حرج فيه ما دام مستورا عمن لا يحل لهم)([95])

وسئلت: (ما حكم عمل الرأس فرقة من الجنب وعمله ضفيره واحدة فقط تقصد بذلك التجمل لزوجها أو تقصد إظهارها بالمظهر اللائق؟)، فأجابت: (أما عمل الرأس فرقة من الجنب ففي ذلك تشبه بنساء الكفار، وقد ثبت تحريم التشبه بالكفار عن رسول الله k وأما عمله ضفيرة واحدة أو أكثر وسدله على ظهرها مضفورا أو غير مضفور فلا حرج فيه ما دام مستورا)([96])

وسئلت: (ما حكم الضفيرة الواحدة، فقد قيل لي إنها لا تجوز وأنها منهي عنها؟)، فأجابت: (جمع المرأة شعر رأسها وسدله وراءها جائز سواء جعلته ضفيرة واحدة أم أكثر أم سدلته وراءها غير مضفور لعدم ورود النهي عن ذلك)([97])

وسئل محمد بن صالح العثيمين: (هل يجوز للمرأة النشرة المائلة أم هي حرام؟)، فأجاب: (النشرة المائلة لا أتصورها لكن إذا كان المقصود فرق الرأس من جانبٍ واحد فإن هذا خلاف السنة أن يكون فرق الرأس من الوسط ليكون الشعر من الجانبين على السواء من جانب اليمين ومن جانب الشمال فهذا هو الذي ينبغي للمرأة أن تفعله أما فرقها من جانبٍ واحد فهذا لا ينبغي لا سيما إن كان يقتضي التشبه بغير المسلمات فإنه يكون حراما)([98])

هذا بالنسبة لشعرها الممتلئ بأصناف العورات، والذي ترتبط به في التراث السلفي الكثير من المحرمات.. أما صوتها.. فهو لا يقل عورة.. والمحرمات المرتبطة به كثيرة جدا، لذلك فإن الأسلم للمرأة أن تسد فمها بأي غراء لاصق، أو بأي وسيلة حتى لا ينبس لسانها بكلمة.

فقد سئلت اللجنة الدائمة للفتوى هذا السؤال: (ما حكم زغاريد النساء في الأفراح؟ وهل تحريمها إن كان ذلك لكون صوت المرأة عورة أم لكونها زغاريد؟)، فأجابت: (منعت لأنها زغاريد، لا لأن كل صوت للمرأة عورة، بل العورة من صوتها ما كان فيه خضوع بالقول في حديثها؛ لما في ذلك من إغراء الرجال بها، وطمعهم فيها)([99])

وقال الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان: (لا يجوز للمرأة رفع صوتها بحضرة الرجال؛ لأن في صوتها فتنة؛ لا بالزغردة، ولا غيرها، ثم إن الزغردة ليست معروفة عند كثير من المسلمين لا قديمًا ولا حديثًا؛ فهي من العادات السيئة التي ينبغي تركها، ولما تدل عليه أيضًا من قلة الحياء)([100])

وسئل عبد المحسن العباد: (هل صوت المرأة عورة؟)، فأجاب: (صوت المرأة إذا كان يتلذذ به فإنه يكون عورة ولا يجوز سماعه، وأما إذا لم يكن كذلك فيجوز للحاجة وعلى قدر الحاجة، ولا يجوز الاسترسال فيه في التلفون ولا في غير التلفون، وإنما عند الحاجة يتكلم مع المرأة في الأمر الذي يقتضي ذلك دون أن يتجاوز إلى ما هو أكثر من الحاجة، وإذا كان الصوت فيه متعة وفيه لذة وفيه فتنة فليس للإنسان أن يسمع ذلك الصوت)([101])

هذا بالنسبة للصوت، والعقد المرتبطة به للتفريق بين العورة منه وغير العورة، لأنهم يشترطون في كونه غير عورة أن يصبح صوتا رجاليا خالصا، لا رقة فيه ولا أنوثة، أو أن تستعمل المرأة بعض الأجهزة لتغيير صوتها حتى يصبح رجاليا.. لأن السلفيين ـ وبسبب هوسهم بالنساء ـ يتأثرون لأدنى المؤثرات.

أما فتاواهم المرتبطة باللباس، وخاصة في مناسبات الفرح المختلفة التي أتاحت فيها الشريعة السمحة الكثير من الحرية للناس، مثل الأعراس ونحوها، فحدث ولا حرج..

وسنذكر هنا فتاواهم مفرقة دون التعليق عليها، لنرى من خلالها حجم التضييق الذي يمارسه الفقهي السلفي على المرأة من دون أن يكون له دليل لا من الكتاب ولا من السنة، بل كل أدلته من باب سد الذرائع..

فمن فتاواهم المتعلقة بهذا تحريم لبس المرأة البياض، فقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين: (هل يجوز أن تلبس المرأة اللباس الأسود الشرعي في حالة إحرامها للحج بدل الأبيض؟)، فأجاب: (المرأة إذا أحرمت ليست كالرجل يلبس لباساً خاصاً إزاراً ورداء، بل المرأة تلبس ما شاءت من الثياب التي يباح له لبسها قبل الإحرام، فتلبس الأسود أو الأحمر، أو الأصفر، أو الأخضر وما شاءت، أما الأبيض فلا أعلم أن المرأة مطلوب منها أن تحرم بأبيض، بل إن الأبيض في الحقيقة من التبرج بالزينة فإن اللباس الأبيض للمرأة يكسوها جمالاً ويوجب انطلاق النظر إليها، لذلك كونها تلبس اللباس الأسود مع العباءة أفضل لها وأكمل)([102])

وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: (ما حكم لبس الأَبيض للمرأَة تحت الثياب؟)، فأجاب: (للحاجة لا بأْس. ولغير الحاجة الأَولى تركه، ولا سيما إِذا كانت مشابهة للأَعاجم)([103])

وسئل الشيخ علي فركوس: (ماحكم لبس العروس العباءة البيضاء ليلة الزفاف؟)، فأجاب: (المعروف أنّ لبس الفستان الأبيض والعباءة البيضاء من خصائص أعراس النصارى ومن ألبستهم دينا ودنيا، وإذا كان من حقوق البراء أن لايشارك المسلم الكفار في أعيادهم وأفراحهم ولا يهنئهم عليها لكونها من الزور كما فسر بعض أهل العلم قوله تعالى: {والذين لا يشهدون الزور}[الفرقان: 72]، أي أعياد المشركين وأفراحهم، فإنه لايجوز التشبه بهم في صفة أعيادهم وطريقة ألبستهم فيها.. إذ المعهود في المجتمعات الإسلامية خصوصيته بالذكور دون الإناث، والعروس المتزينة بالبياض متشبهة بالرجال، وقد: لعن رسول الله k المتشبهات من النساء بالرجال، فضلا عن تضمنه للباس الشهرة المنهي عنه لذلك ينبغي تركه والعدول عنه إلى ما يساير اللباس الشرعي الخاص بالإناث على وجه يوافق النصوص ولا يخالفها)([104])

وسئل عن (البرنس الذي تلبسه العروس يوم زفافها)، فأجاب: (الذي يظهر أنّ فيه تشبها بالرجال، لأنه لا يعلم في العادة أنّ المرأة ترتدي (برنس)، بل هو من خصوصيات الرجال – فيما أعلم – ولايجوز للنساء مشاركة الرجال فيما هو من خصوصيّاتهم، ولا يجوز للرجال مشاركة النساء فيما هو من خصوصياتهن)([105])

وسئل عن (الحايك) الذي تغطى به العروس يوم زفافها، فأجاب: (إن كان هذا (الحايك) من باب السترة عن الناس فلا بأس مالم يكن في (الحايك)معتقد فاسد، ففي هذا الحال يجب أن يستغنى عنه ويترك هجرا للمعصية)([106])

وسئل عن كثرة تغيير العروس ملابسها عند التصديرة، فأجاب: (الملابس التي تتصدر بها العروس مجلسها فيها من الإسراف والتبذير في اللباس مالايخفى إذا معظم هذه الألبسة يترك استعمالها بعد الدخول فضلا عن كونها مدعاة للافتخار والمباهاة، ومن المفاسد أيضا أنّ المغلاق العمودي أو السلسلة توجد في أعلى ملابسها ووراء فساتينها الأمر الذي يتعذر عليها تغيير ملابسها لوحدها فترى عورتها الواجبة الستر، فالحاصل أنّ هذه الملابس – فضلا- عن تضمّنها الاسراف والتبذير والمباهاة والتفاخر، فإنه يزيد في تأكيد المنع ظهور عورتها حال تغيير ملابسها مع نسائها)([107])

والسلفية لا يكتفون بالتضييق على العروس في يوم عرسها فقط، بل يدخلون معها بيت الزوجية، ليفرضوا عليها فتاواهم المتشددة.. فقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين: (ماحكم لبس البنطلون للنساء، خاصة وإن هناك بنطالونات خاصة بالنساء؟)، فأجاب: (لايجوز مطلقا حتى وإن كان أمام الزوج فيوجد بنطالونات ضيقة تكون المرأة كأنها عارية، ولا تفتحوا لهن الباب، وكونها تكون عارية أمام زوجها أحسن من لبسها البنطلون، وإذا كان فيه شهوة سوف يشتهيها وإن لم تلبس البنطلون)([108])

أما بالنسبة لعقدهم المرتبطة بالحجاب، فحدث عنها ولا حرج، فهم لا يكتفون بما ورد في القرآن الكريم من شروط الحجاب البسيطة، والتي لا تضيق بها أي امرأة، فالله تعالى كما أمر بالستر ترك مساحة للعفو والحرية التي لا تضيق بها المرأة الطبيعية، بل أضافوا إلى ذلك الكثير من التشديدات المخالفة للقرآن الكريم والسنة المطهرة ليضيقوا بها على كل امرأة اغترت بمنهجهم، وتتلمذت على مدرستهم.

فمن تلك التشديدات اشتراطهم ـ لكمال الحجاب الشرعي ـ إرخاء المرأة له إلى الأرض حتى يجمع جميع النجاسات، وينظف جميع الطرقات، ويشم جميع الروائح.. فقد سئل الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان: (هل إطالة المرأة لثوبها هل هو على سبيل الاستحباب أم الوجوب؟ وهل وضع الشراب على القدمين يكفي مع قصر الثوب بحيث لا يظهر شيء من الساق؟ وكيف تطيل المرأة ثوبها ذراعًا أتحت الكعب أم تحت الركبة؟)، فأجاب: (مطلوب من المرأة المسلمة ستر جميع أجزاء جسمها عن الرجال، ولذلك رخص لها في إرخاء ثوبها قدر ذراع من أجل ستر قدميها، بينما نهي الرجال عن إسبال الثياب تحت الكعبين، مما يدل على أنه مطلوب من المرأة ستر جسمها كاملاً، وإذا لبست الشراب كان ذلك من باب زيادة الاحتياط في الستر، وهو أمر مستحسن، ويكون ذلك مع إرخاء الثوب)([109])

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين: (هل يجوز تطويل ثوب المرأة من تحت القدم بحوالي خمسة سم أفيدونا؟)، فأجاب: (نعم يجوز للمرأة أن تنزل ثوبها إلى أسفل من الكعب، بل إن هذا هو المشروع في حقها من أجل أن تستر بذلك قدميها، فإن ستر قدمي المرأة أمرٌ مشروع بل واجبٌ عند أكثر أهل العلم فالذي ينبغي للمرأة أن تستر قدميها إما بثوبٍ سابغ وإما بلباس شرابٍ أو كنادر أو شبهها)([110])

وسئل الشيخ الشيخ محمد صالح المنجد: (إرخاء المرأة لثوبها شبرا ألا يؤدي إلى اتساخ ثيابها، وكيف تصلي به؟)، فأجاب: (إن مجتمع الصحابة كان أحرص ما يكون على الحفاظ على المرأة، وصيانتها، وستر عورتها، والمرأة كلها عورة كما قال النبي k، فإذا خرجت فالواجب أن تغطي جميع بدنها حتى أقدامها، ولهذا كانت الواحدة منهن تجعل لها ذيلاً- يعني أنها كانت تطيل ثيابها حتى يكون كالذيل خلفها – حتى لا يبدي شيئا من جسمها.. وما ذكرته – وفقك الله – من اتساخ ثوبها فهذا لا قيمة له مع الحفاظ على المرأة، وقطع باب الشر والفتنة عن المجتمع.. واعلم أن الأصل في النساء القرار في بيتها كما قال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33]، فهي لا تخرج إلا لما دعت إليه الحاجة، وأما ما ذكرته من اتساخ ثوبها، وأنه ربما أصابته النجاسة، فهذا وارد، وقد حصل هذا الاستشكال في زمن النبي k، فعن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قالت: كنت أجر ذيلي، فأمر بالمكان القذر والمكان الطيب، فدخلت عليّ أم سلمة فسألتها عن ذلك، فقالت: سمعت رسول الله k يقول: (يطهره ما بعده)([111])([112])

ومن تلك التشديدات تحريمهم أن تضع المرأة عباءتها على الكتف، فقد سئلت اللجنة الدائمة عن ذلك، فأجابت: (لا يجوز للمرأة وضع العباءة على الكتفين عند الخروج؛ لما في ذلك من التشبه بالرجال، وقد لعن رسول الله k المرأة تلبس لبسة الرجل، والرجل يلبس لبسة المرأة)([113])

ومن تلك التشديدات وأخطرها وأكثرها تكلفا وأبعدها عن المقاصد الشرعية إيجاب تغطية الوجه والكفين للمرأة مع ورود النص القرآني الصريح بإباحة كشف ذلك، كما قال تعالى: { وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } [النور: 31]

والتي فسرها سلف السلفية المعتمدين لديهم بأنها الوجه والكفان، كما قال ابن كثير في تفسيره: (وقال الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} قال: وجهها وكفيها والخاتم. وروي عن ابن عمر، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، والضحاك، وإبراهيم النخعي، وغيرهم -نحو ذلك)([114])

لكن السلفية كعادتهم في الانتقاء راحوا يرمون بأقوال سلفهم وما ورد في الدلالة عليها من الأحاديث عرض الجدار، فقد سئل الشيخ عبد المحسن العباد: (ما رأيكم في كتاب (الرد المفحم على الذين أوجبوا تغطية الوجه والكفين للمرأة) وهو للشيخ الألباني)

فأجاب: (لم أطلع عليه، ولكني أعرف أن رأي الألباني هو القول بكشف الوجه والكفين، وهو مخطئ في ذلك، والله يغفر له ويتجاوز عنا وعنه، والحق هو وجوب تغطية المرأة وجهها وكفيها، ومعلوم أن الوجه هو محل زينة المرأة، والشريعة جاءت بإرخاء الثياب حتى تُغطي القدمين، بل وتجر مقدار شبر على الأرض فمن باب أولى أن تأمر بتغطية الوجه؛ لأنه محل الفتنة، ففيه المحاسن والجمال، فالشيخ الألباني نعتقد أنه قد أخطأ في هذا، وأن الصواب مع غيره، وكنت أقول: إن هذا الذي كان الشيخ الألباني يعتني به ويحرص عليه لو كان حقاً فإنه يكون من الحق الذي ينبغي إخفائه، ولو كان يرى أن تغطية الوجه والكقين ليست بواجبة فإنه ينبغي له أن يسكت، ويترك الناس على ما هم عليه من الحرص على السلامة، والبعد عن التكشف، والوقوع في أمور لا تنبعي، فنسأل الله تعالى يغفر له، وأن يتجاوز عنا وعنه)([115])

وقال الشيخ صالح الفوزان: (الصحيح الذي تدل عليه الأدلة: أن وجه المرأة من العورة التي يجب سترها، بل هو أشد المواضع الفاتنة في جسمها؛ لأن الأبصار أكثر ما توجه إلى الوجه، فالوجه أعظم عورة في المرأة، مع ورود الأدلة الشرعية على وجوب ستر الوجه)([116])

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين: (إننا نلبس قفازات لليد لونها أسود عندما نكون خارجين من المنزل أو عندما نكون ذاهبين إلى المدرسة فما حكم لبس مثل هذه القفازات مع العلم أنها تجعل شكل اليد أجمل من شكلها الطبيعي؟)، فأجاب: (إن الذي أرى أن لبس المرأة القفازين من باب تكميل الحجاب والتستر عن الرجال، وقلت قبلاً أرى ألا تلبسه المرأة لأنه يكون لباس شهرة ويوجب لفت النظر إليها، أما الآن وقد كثر والحمد لله لمن يلبسه من النساء فإني أرى أن لبسه من تمام التستر وموجبات الحياء.. ولا شك أنه أستر لليد وأبعد عن الفتنة سواء كان أسود أو أحمر أو أخضر والسواد في رأيي هو اللون المناسب لأنه يكون الأقرب إلى موافقة لون العباءة والخمار فيكون أولى من الألوان الأخرى أولى من البياض ولون الحمرة والخضرة وما أشبه ذلك، فلتسر نساؤنا بهذا وليحتجبن الحجاب الذي يبعدهنّ عن الفتنة)([117])

بل إن السلفية ـ ولحساسيتهم المفرطة تجاه النساء ـ اعتبروا البرقع الذي تغطي به المرأة وجهها فتنة، فقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين: (ما حكم البرقع إذا لم يتخذ للزينة وإنما للستر ومع ذلك يوضع غطاء؟)، فأجاب: (البرقع الذي للزينة، ولكن تغطي المرأة به وجهها لا بأس به؛ لأنه لا يشاهد فستغطيه بشيء فوقه، لكن البرقع الذي يظهر ولا يغطى لا نفتي بجوازه؛ لأنه فتنة، ولأن النساء لا يقتصرن على هذا، ولو كانت النساء تقتصر على فتحة العين لقلنا: إن هذا النقاب، وهو معروف في عهد الرسول k ولا بأس به، لكن ثق أنك إذا قلت: إنه يجوز للمرأة أن تنتقب لعينها وتنظر من وراء النقاب بعينها أنه بعد مدة قليلة سيكون هذا النقاب متسعاً يتسع إلى الجبهة وإلى الخد، ثم لا يزال يتضاءل المغطى من الوجه حتى يكشف كل الوجه، هذا هو المعروف من عادة النساء، فسد الباب أقرب للصواب)([118])

وسئل: (ما قولكم في لبس البرقع للنساء مع هذا التوسع الموجود الآن؟)، فأجاب: (أنا أمتنع عن الفتوى بذلك، وأرى ألا تلبسه المرأة لأنه فتنة، والنساء بعضهن يتهاون، يجعل الفتحة كبيرة بحيث ترى العين والجفن، وبعضهن تخرج العين وهي مكتحلة فتفتن، فأرى أن المرأة تبقى على ما هي عليه فيما سبق؛ تخمر وجهها كاملاً كما تخمر رأسها)([119])

وهكذا يستمر التشدد السلفي حتى مع اضطرار المرأة لاستبدال ثيابها إن زارت أقاربها، أو خلعتها لتقيس أي لباس تريد شراءه، حتى لو كان ذلك في محل مستتر محصن بكل أنواع الحصون.

فقد سئل الشيخ عبد المحسن العباد: (هل يجوز تغيير ملابس الزوجة في بيت أختها أو أخيها مع الأمن من الفتنة والاختلاط؟)، فأجاب: (إذا احتيج إلى ذلك، بأن تكون مثلاً ماكثة عندهم مدة أسبوع أو قريباً من ذلك أو أقل واحتاجت إلى أن تغير ملابسها فلها أن تغير ما دام أنه لا أحد يراها، ولا مانع من ذلك)([120])

وسئل (إذا خلعت المرأة ثيابها في بيت جارتها لقياس فستان ونحوه)، فأجاب: (الفستان يقاس بدون خلع، فتقيس وعليها ثيابها، وبقاؤها في ثيابها واجب ولا حاجة إلى التعري، فالناس الآن عندما يأتون إلى الخياط لا يتعرون من أجل أن يقيسوا! بل يقيسون وعليهم الثياب)([121])

وسئل: (يوجد في بعض قصور الأفراح غرفة معدة للنساء حيث يقمن بتغيير ملابسهن، ولبس ثياب أخرى من أجل حفل الزواج، فهل يجوز ذلك، علماً بأن ذلك يتم في حشمة وتستر؟)، فأجاب: (هذا لا يجوز، المرأة تخرج من بيتها بلباسها وترجع بلباسها، لا تأتي وتغير وتبدل في تلك الأماكن)([122])

هذه مجرد أمثلة عن الأحكام المتشددة التي يمتلئ بها التراث السلفي الفقهي، كما تمتلئ بها مواقعهم ومنتدياتهم وقنواتهم.. وهي تعطي صورة سيئة عن المرأة تعرض على العالم أجمع باسم الإسلام.. ولذلك لا غرابة أن نعتبر السلفية هي المعول الذي استعمله الشيطان ليهدم الإسلام وكل القيم النبيلة التي جاء بها رسول الله k.

ولذلك لا غرابة أن نجد في التراث السلفي كتابا بهذا العنوان: (كشف الوعثاء بزجر الخبثاء الداعين إلى مساواة النساء بالرجال وإلغاء فوارق الأنثى)، والذي قال في مقدمته: (ألا وإن من أعظم ما يندى له الجبين، وتثلم به عرى الدين لهي هذه الدعوات من أوباش الخنا وأثمة الخائنين، تلك الدعوة البائرة التي لا تصدر إلا عن أحد اثنين: إما مائع مخنث، وإما دجال خبيث يتظاهر بالدعوة إلى إلغاء فوارق التأنيث، وهو يهدف إلى إشباع شهوته من نساء المسلمين، ويتقاضى من وراء ذلك مبالغ من الأموال عمالة من اليهود أو النصارى على إبعاد المرأة المسلمة عن كتاب ربها وسنة نبيها k بارتكاب أنواع الفواحش من تبرج واختلاط وخلع جلباب الحياء وغير ذلك من فنون الفساد وحيلها، فيا هول مصيبة المسلمين بهذا وهل كانت أول فتنة بني إسرائيل وهلاكهم إلا من ذلك.. هذا وليعلم أن الدعوة إلى إلغاء الفوارق بين الذكر والأنثى كفر أكبر مخرج من الملة، لأنه ردٌّ وتكذيبٌ لكتاب الله عز وجل وسنة رسوله k الثابتة الصريحة التي مبنى هذا البحث عليها)([123])

ثالثا ـ أحكام الجوانب الاجتماعية:

تختلف الرؤية السلفية التي تمتلئ بها كتب التراث السلفي، سواء في قسمه العقدي أو الفقهي، عن الرؤية القرآنية في الجانب الاجتماعي اختلافا جذريا، لا يمكن تكلف التوفيق بينهما بحال من الأحوال إلا إذا تخلينا عن المنطق الصوري، واستبدلناه بالمنطق السلفي المبني على المغالطات.. حينها فقط يمكننا تنزيل القرآن الكريم لينسجم مع الفكر السلفي في هذا الجانب.

ذلك أن القرآن الكريم يدعو إلى التعارف والتعايش بين البشر جميعا، بغض النظر عن أديانهم ومعتقداتهم وأفكارهم وأعراقهم كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]

وهو قائم على الحرية في المعتقد، كما قال تعالى: { وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]، وقال: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } [البقرة: 256]

وهو قائم على احترام عقائد الآخر أي آخر كان، وشعائره وطقوسه ومعابده، كما قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: 40]

وهو قائم على أساس أن الله هو الذي يحكم بين عباده يوم القيامة في كل ما اختلفوا فيه، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [الحج: 17]، وقال: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22)} [الغاشية: 21، 22]

هذه هي الرؤية القرآنية، أما الرؤية السلفية، فتناقضها تماما، لأنها مبنية على تصنيف الناس على أساس عقائدهم.. فمن كان معهم في عقائدهم فروعها وأصولها تعاملوا معه وفق ما يمليه الفقه الإسلامي في جانبه الاجتماعي، ومن لم يكن معهم في تلك العقائد، تعاملوا معهم بغلظتهم وشدتهم وكبريائهم.

وبما أن الناس إما مسلمون أو غير مسلمين.. فسنذكر هنا مواقف التراث السلفي الفقهي من كلا الصنفين:

1 ـ العلاقات الاجتماعية مع المخالفين لهم من المسلمين:

كما ذكرنا مرات كثيرة، فإن السلفية يقسمون المسلمين إلى قسمين: سنة ومبتدعة، والسنة عندهم هم من يقول بتلك العقائد الكثيرة التي سطرها ابن بطة والبربهاري وابن خزيمة.. والتي اعتبروها المحك الذي يوزن بها الناس، أو كما عبر البربهاري عن ذلك بقوله في (شرح السنة): (وجميع ما وصفت لك في هذا الكتاب فهو عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وعن التابعين وعن القرن الثالث إلى القرن الرابع فاتق الله يا عبد الله وعليك بالتصديق والتسليم والتفويض والرضى بما في هذا الكتاب ولا تكتم هذا الكتاب احدا من أهل القبلة فعسى الله أن يرد به حيرانا من حيرته أو صاحب بدعة من بدعته أو ضالا عن ضلالته فينجو به فاتق الله وعليك بالأمر الأول العتيق وهو ما وصفت لك في هذا الكتاب فرحم الله عبدا ورحم والديه قرأ هذا الكتاب وبثه وعمل به ودعا إليه واحتج به فإنه دين الله ودين رسوله وأنه من استحل شيئا خلافا لما في هذا الكتاب فإنه ليس يدين الله بدين وقد رده كله كما لو أن عبدا آمن بجميع ما قال الله عز وجل إلا أنه شك في حرف فقد جميع ما قال الله وهو كافر كما أن شهادة أن لا إله إلا الله لا تقبل من صاحبها إلا بصدق النية وخالص اليقين وكذلك لا يقبل الله شيئا من السنة في ترك بعض ومن خالف ورد من السنة شيئا فقد رد السنة كلها فعليك بالقبول ودع المحال واللجاجة فإنه ليس من دين الله في شيء وزمانك خاصة زمان سوء فاتق الله)([124])

وبناء على هذا، فإن من مقتضيات الولاء والبراء عندهم التعامل مع المسلمين الذين يخالفونهم بما أوصاهم بهم سلفهم الأول.. وهو الشدة والعنف والهجر وتقطيب الجبين ونحو ذلك..

وقد كثرت مؤلفاتهم في هذا الباب وتفاصيله([125]) حتى أصبح جزءا أساسيا من حياتهم.. فلا يمكن للسلفي أن يبقى سلفيا، وهو يحتفظ بسلفيته لنفسه، بل لابد أن يبرز بها أمام الملأ، فمن تبعه عليها فهو أخوه، له ما له، وعليه ما عليه، ومن خالفه، فهو عدوه اللدود، وعليه أن يظهر له كل صنوف العداوة، ابتداء من التحذير منه، كما قال ابن تيمية عند بيانه لوجوب النصح لصالح الإسلام والمسلمين: (ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل، فبيَّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته، ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً)([126])

وبناء على هذا أصبحت غيبة المخالف عندهم سنة مستحبة، بل واجبا شرعيا، لأنه لا يتم أمر السنة ـ كما يفهمها السلفية ـ إلا به.. بل لا تكفي الغيبة وحدها، بل السلفي الحقيقي هو الذي يضيف إليها النميمة والتجسس والتحسس وكل ما ورد في الشرع النهي عنه.. لأن النهي ـ بتصورهم ـ خاص بالمؤمنين.. والمؤمنون عندهم هم فقط من يؤمنون بأن الله قاعد على عرشه، وله يدان وعينان وساق.. ومن عداهم ليسوا سوى جهمية ومعطلة وكفرة.

والسلفية لا يكتفون بذلك فقط.. بل يضيفون إليه استعمال كل صنوف الأذى للمخالف ابتداء من الأذى النفسي، وانتهاء بالأذى الجسدي.

ونحب أن ننقل هنا كلاما لرجل يعتبر في نظر الكثير من كبار معتدليهم.. لنرى ما يقول معتدلوهم في هذا المجال..

وهذا الرجل هو الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، والكتاب الذي ننقل منه هو كتابه [هجر المبتدع]، وهو خاص بخلق من الأخلاق التي يفرضها الولاء والبراء السلفي.

يقول الشيخ بكر في مقدمة كتابة عند ذكره لدوافع تأليفه له: (.. إنه في حال من انفتاح ما كان يخشاه النبي k على أمته.. وانفتاح العالم بعضه على بعض، حتى كثرت في ديار الإسلام الأخلاط، وداهمت الأعاجم العرب، وكثر فيهم أهل الفرق، يحملون معهم جراثيم المرض العقدي والسلوكي.. وفي وسط من تداعي الأمم وأمام هذا: غياب رؤوس أهل العلم حينًا، وقعودهم عن تبصير الأمة في الاعتقاد أحيانًا، وفي حال غفلة سرت إلى مناهج التعليم بضعف التأهيل العقدي، وتثبيت مسلمات الاعتقاد في أفئدة الشباب، وقيام عوامل الصد والصدود عن غرس العقيدة السلفية وتعاهدها في عقول الأمة، في أسباب تمور بالمسلمين مورًا، يجمعها غايتان: الأولى: كسر حاجز (الولاء والبراء) بين المسلم والكافر، وبين السني والبدعي، وهو ما يسمى في التركيب المولَّد باسم: (الحاجز النفسي)، فيكسر تحت شعارات مضللة: (التسامح) (تأليف القلوب) (نبذ: الشذوذ والتطرف والتعصب)، (الإنسانية)، ونحوها من الألفاظ ذات البريق، والتي حقيقتها (مؤامرات تخريبية) تجتمع لغاية القضاء على المسلم المتميز وعلى الإسلام.. الثانية: فُشو (الأمية الدينية) حتى ينفرط العقد وتتمزق الأمة، ويسقط المسلم بلا ثمن في أيديهم وتحت لواء حزبياتهم، إلى غير ذلك مما يعايشه المسلمون في قالب: (أزمة فكرية غثائية حادة) أفقدتهم التوازن في حياتهم، وزلزلت السند الاجتماعي للمسلم (وحدة العقيدة)، كلٌّ بقدر ما علَّ من هذه الأسباب ونهل، فصار الدخل، وثار الدخن وضعفت البصيرة، ووجد أهل الأهواء والبدع مجالًا فسيحًا لنثر بدعهم ونشرها، حتى أصبحت في كف كل لافظ، وذلك من كل أمر تعبدي محدث لا دليل عليه (خارج عن دائرة وقف العبادات على النص ومورده)، فامتدت من المبتدعة الأعناق، وظهر الزيغ، وعاثوا في الأرض الفساد، وتاجرت الأهواء بأقوام بعد أقوام، فكم سمعنا بالآلاف من المسلمين وبالبلد من ديار الإسلام يعتقدون طرقًا ونحلًا محاها الإسلام. إلى آخر ما هنالك من الويلات، التي يتقلب المسلمون في حرارتها، ويتجرعون مرارتها، وإن كان أهل الأهواء في بعض الولايات الإسلامية هم: مغمورون، مقموعون، وبدعهم مغمورة مقهورة، بل منهم كثير يؤوبون لرشدهم، فحمدًا لله على توفيقه، لكن من ورائهم سرب يحاولون اقتحام العقبة، لكسر الحاجز النفسي وتكثيف الأمية الدينية في ظواهر لا يخفى ظهور بصماتها في ساحة المعاصرة وأمام العين الباصرة. والشأن هنا في تذكير المسلم بالأسباب الشرعية الواقعية من المد البدعي، واستشرائه بين المسلمين، والوعاء الشامل لهذه الذكرى: القيام بواجب الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة، والتبصير في الدين، وتخليص المنطقة الإسلامية من شوائب البدع والخرافات والأهواء والضلالات، وتثبيت قواعد الاعتقاد السلفي المتميز على ضوء الكتاب والسنة في نفوس الأمة)([127])

 وبعد أن ذكر كل هذا، ذكر الحل الذي وضعه أسلافه لهذه النازلة الخاطرة، فقال: (ومن أبرز معالم التميز العقدي فيها، وبالغ الحفاوة بالسنة والاعتصام بها، وحفظ بيضة الإسلام عما يدنسها: نصب عامل (الولاء والبراء) فيها، ومنه: إنزال العقوبات الشرعية على المبتدعة، إذا ذكروا فلم يتذكروا، ونهوا فلم ينتهوا، إعمالًا لاستصلاحهم وهدايتهم وأوبتهم بعد غربتهم في مهاوي البدع والضياع، وتشييدًا للحاجز بين السنة والبدعة، وحاجز النفرة بين السني والبدعي، وقمعًا للمبتدعة وبدعهم، وتحجيمًا لهم ولها عن الفساد في الأرض، وتسرب الزيغ في الاعتقاد، ليبقى الظهور للسنن صافية من الكدر، نقية من علائق الأهواء وشوائب البدع، جارية على منهاج النبوة وقفو الأثر، وفي ظهور السنة أعظم دعوة إليها ودلالة عليها، وهذا كله عين النصح للأمة. فالبصيرة إذًا في العقوبات الشرعية للمبتدع: باب من الفقه الأكبر كبير، وشأنه عظيم، وهو رأس في واجبات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأصل من أصول الاعتقاد بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، ولهذا تراه بارز المعالم في كتب الاعتقاد السلفي (اعتقاد أهل السنة والجماعة)، كل هذا تحت سلطان القاعدة العقدية الكبرى (الولاء والبراء)التي مدارها على الحب والبغض في الله تعالى، الذي هو (أصل الدين) وعليه تدور رحى العبودية)([128])

ثم ذكر أنواع العقوبات التي شنها سلفه على مخالفيهم، فقال: (وهذه العقوبات الشرعية التي كان يتعامل بها السلف مع أهل البدع والأهواء، متنوعة ومتعددة في مجالات: الرواية، والشهادة، والصلاة خلفهم وعليهم، وعدم توليتهم مناصب العدالة كالإمامة والقضاء، والتحذير منهم ومن بدعهم وتعزيرهم بالهجر، إلى آخر ما تراه مرويًا في كتب السنة والاعتقاد، مما حررت مجموعه في (أصول الإسلام لدرء البدع عن الأحكام) ([129])

 ثم بين غايته من رسالته، وهي إحياء سنة الهجر، فقال: (وما في هذه الرسالة هو في خصوص (الزجر بالهجر للمبتدع ديانة)لأهميته في: التميز، والردع، وعموم المطالبة به، ولأنه أصبح في الغالب من السنن المهجورة) ([130])

ثم بين في خلال الكتاب كيف يتم الهجر، أو مظاهره، أو ـ مفرداته كما عبر الشيخ السلفي المعتدل جدا ـ وهي: (1 – عدم مجالسته.. 2 – الابتعاد عن مجاورته.. 3 – ترك توقيره 5. ترك مكالمته.. 4 – ترك السلام عليه.. 5 – ترك التسمية له.. 6 – عدم بسط الوجه له مع عدم هجر السلام والكلام.. 7 – عدم سماع كلامه وقراءته.. 8 – عدم مشاورته.. وهكذا من الصفات التي يتأدى بها الزجر بالهجر، وتحصل مقاصد الشرع)([131])

وما ذكره هذا السلفي المعتدل هو نفس ما ذكره كل سلفه الأول في كتب عقائدهم التي اختلطت فيها الفروع بالأصول، كما اختلط المقدس بالمدنس، فمما ذكره إمامهم الكبير أبو إسماعيل الصابوني (توفي 449 هـ) عن خصائص أهل السنة المتمسكين بهدي السلف قوله: (ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم ولا يجادلونهم في الديني، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان قَرّت بالآذان وقرت بالقلوب ضرّت وجرّت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جَرَّت، وفيه أنزل الله عز وجل قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68])([132])

ثم ذكر علامات أهل البدع، وعلامات أهل السنة، ثم قال: (واتفقوا مع ذلك على القول بقهر أهل البدع وإذلالهم وإخزائهم وإبعادهم وإقصائهم، والتباعد منهم ومن مصاحبتهم ومعاشرتهم والتقرب إلى الله عز وجل بمجانبتهم ومهاجرتهم…)([133])

وما ذكره الصابوني هو ما مارسه ودعا إليه سلفهم الأول الذين جعلوهم بدائل لرسول الله k وأولئك الطاهرين الصادقين من ورثته المحافظين على هديه..

فلهذا يتركون الاستدلال بالقرآن الكريم الذي يدعو إلى الإخوة الإيمانية والإنسانية، ويتركون هدي رسول الله k الممتلئ بالسماحة، ليرووا لأتباعهم قول الفضيل بن عياض: (من جلس مع صاحب بدعة فاحذره، ومن جلس مع صاحب البدعة لم يُعطَ الحكمة، وأحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصن من حديد، آكل مع اليهودي والنصراني أحب إليَّ من أن آكل مع صاحب البدعة)([134]).

ويروون عنه قوله: (من أتاه رجل فشاوره فدله على مبتدع فقد غش الإسلام، واحذروا الدخول على صاحب البدع فإنهم يصدون عن الحق)([135])

ويروون عن ابن المبارك قوله: (وإياك أن تجالس صاحب بدعة)([136])

ويروون عن سفيان الثوري قوله: (من أصغى بإذنه إلى صاحب بدعة خرج من عصمة الله ووكل إليها يعني إلى البدع)([137])

ويروون عن ابن أي الجوزاء قوله: (لأن يجاورني قردة وخنازير، أحب إليَّ من أن يجاورني أحد منهم يعني أصحاب الأهواء)([138])

ويروون من أفعال السلف المثبتة لذلك ما حدث به ابن زرعة عن أبيه قال: (لقد رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة كأنه بعير أجرب يجيء إلى الحِلَق، فكلما جلس إلى حلقة قاموا وتركوه، فإن جلس إلى قوم لا يعرفونه ناداهم أهل الحلقة الأخرى: عزمة أمير المؤمنين)([139])

ويروون عن طاوس أنه (جعل إصبعيه في أذنيه لما سمع معتزليًا يتكلم)([140])

وعن عبد الرزاق أنه (امتنع من سماع إبراهيم بن أبي يحيى المعتزلي، وقال: لأن القلب ضعيف وإن الدين ليس لمن غلب)([141])

وعن وعبد الله بن عمر السرخسي أن ابن المبارك هجر رجلا مدة لما أكل عند صاحب بدعة([142]).

وقال سلاَّم: وقال رجل من أصحاب الأهواء لأيوب: أسألك عن كلمة، فولى أيوب وهو يقول: ولا نصف كلمة، مرتين يشير بإصبعيه([143]).

هكذا يتعامل سلف السلفية وخلفهم مع المخالفين لهم.. وعلى هذا تنص مصادرهم ومراجعهم وسلوكاتهم.. وهذا يكفي للتعرف على نمط المجتمع الذي يسيطر عليه الفقه السلفي، والعقل السلفي.

ونحب أن نختم هذا الغثاء الذي نقلناه من مصادر السلفية بذكر هدي بعض صالحي الأمة الذين فقهوا جوهر العلاقات الاجتماعية كما ينص عليها القرآن الكريم، وكما ينص عليها هدي النبوة، وهدي آل بيت النبوة، كما عبر عنهم جميعا الإمام علي في عهده لمالك الأشتر لما ولاه مصر، فقال: (.. وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزّلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه)([144])

ونبدأ بالشيخ جمال الدين القاسمي (1332هـ)، وهو من علماء الحديث والتفسير، ولا يمكن للسلفية أن يزايدوا عليه في ذلك.. ولكنهم طبعا يرفضونه، ويتشددون في رفضه([145])، أولا لأنه أنكر على ابن تيمية تكفيره لابن عربي ونصير الطوسي، فقال: (لا عبرة برمي شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وأمثالهما رحمهم الله بالإلحاد مثل النصير الطوسي وابن عربي وبعض الأشاعرة المتأولين لآيات الصفات وآثارها فإن ذلك منه ومن أمثاله حمية مذهبية وغيرة على نصرة ما قوي لديه. وقد عهد في العالم الغيور الذي لا يتسع صدره لخلاف الخصم أن يحمل عليه أمثال هذا وأعظم. وإلا فالنصير قد علم أن له مؤلفات في فن الكلام خدمت وشرحت، وكلها مما يبرئه عن الإلحاد والزندقة. وعقيدته ومشربه وترجمته المحفوظة تبرئه من مثل ذلك. وابن عربي حق الباحث معه المنكر عليه أن ينكر عليه موضعا لا يحتمل التأويل، ويقول ظاهره إلحاد. إلا أن الرجل له عقيدة نشرها أولا، ومذهب في الفقه حسن. فمثله لا يسوغ رميه بالإلحاد)([146])

وثانيا لكونه من دعاة الترفع على الأحقاد، والتعامل مع الناس بإنسانية لا بما يقتضيه ولاؤهم وبراؤهم، فمن مقولاته في ذلك: (من المعروف في سنن الاجتماع أن كل طائفة قوي شأنها، وكثر سوادها، لا بد أن يوجد فيها الأصيل والدخيل، والمعتدل والمتطرف، والغالي والمتسامح، وقد وجد بالاستقراء أن صوت الغالي أقوى صدى، وأعظم استجابة، لأن التوسط منـزلة الاعتدال، ومن يحرص عليه قليل في كل عصر ومصر، وأما الغلو فمشرب الأكثر، ورغيبة السواد الأعظم، وعليه درجت طوائف الفرق والنحل، فحاولت الاستئثار بالذكرى، والتفرد بالدعوى، ولم تجد سبيلاً لاستتباع الناس لها إلا الغلو بنفسها، وذلك بالحط من غيرها، والإيقاع بسواها، حسب ما تسنح لها الفرص، وتساعدها الأقدار، إن كان بالسنان، أو اللسان)([147]).

ويقول مدافعا عن المتهمين بالبدعة: (ولكن لا يستطيع أحد أن يقول: أنهم تعمدوا الانحراف عن الحق، ومكافحة الصواب عن سوء نية، وفساد طوية، وغاية ما يقال في الانتقاد في بعض آرائهم: إنهم اجتهدوا فيه فأخطأوا، وبهذا كان ينتقد على كثير من الأعلام سلفاً وخلفاً لأن الخطأ من شأن غير المعصوم، وقد قالوا: المجتهد يخطئ ويصيب: فلا غضاضة ولا عار على المجتهد أن أخطأ في قول أو رأي، وإنما الملام على من ينحرف عن الجادة عامداً معتمداً، ولا يتصور ذلك في مجتهد ظهر فضله، وزخر علمه)([148]).

ويذكر ثمرة التعامل الطيب مع المخالفين بحسب ما يدعو إليه القرآن الكريم والسنة المطهرة، فيقول: (قال بعض علماء الاجتماع: يختلف فكر عن آخر باختلاف المنشأ والعادة والعلم والغاية، وهذا الاختلاف طبيعي في الناس، وما كانوا قط متفقين في مسائل الدين والدنيا، ومن عادة صاحب كل فكر أن يحب تكثير سواد القائلين بفكره، ويعتقد أنه يعمل صالحاً، ويسدي معروفاً، وينقذ من جهالة، ويزع عن ضلالة، ومن العدل أن لا يكون الاختلاف داعياً للتنافر ما دام صاحب الفكر يعتقد ما يدعو إليه، ولو كان على خطأ في غيره، لأن الاعتقاد في شيء أثر الإخلاص، والمخلص في فكر ما إذا أخلص فيه يناقش بالحسنى، ليتغلب عليه بالبرهان، لا بالطعن وإغلاظ القول وهجر الكلام، وما ضر صاحب الفكر لو رفق بمن لا يوافقه على فكره ريثما يهتدي إلى ما يراه صواباً، ويراه غيره خطأ، أو يقرب منه، وفي ذلك من امتثال الأوامر الربانية، والفوائد الاجتماعية، ما لا يحصى، فإن أهل الوطن الواحد لا يحيون حياة طيبة إلا إذا قل تعاديهم، واتفقت على الخير كلمتهم، وتناصفوا وتعاطوا، فكيف تريد مني أن أكون شريكك ولا تعاملني معاملة الكفؤ على قدم المساواة!! ([149]).

ويقول: (دع مخالفك ـ إن كنت تحب الحق ـ يصرح بما يعتقد، فإما أن يقنعك وإما أن تقنعه ولا تعامله بالقسر فما انتشر فكر بالعنف أو تفاهم قوم بالطيش والرعونة. من خرج في معاملة مخالفه عن حد التي هي أحسن يحرجه فيخرجه عن الأدب ويحوجه إليه لأن ذلك من طبع البشر مهما تثقفت أخلاقهم وعلت في الآداب مراتبهم. وبعد فإن اختلاف الآراء من سنن هذا الكون، وهو من أهم العوامل في رقي البشر، والأدب مع من يقول فكره باللطف قاعدة لا يجب التخلف عنها في كل مجتمع. والتعادي على المنازع الدينية وغيرها من شأن الجاهلين لا العالمين، والمهوسين لا المعتدلين)([150])

وهكذا قال قبله صالح بن مهدي المقبلي (1087هـ)، فقد قال: (فأقول اللهم إنه لا مذهب لي إلا دين الإسلام، فمن شمله فهو صاحبي وأخي، ومن كان قدوة فيه عرفت له حقه، وشكرت له صنعه، غير غالٍ فيه ولا مقصر، فإن استبان لي الدليل، واستنار لي السبيل، كنت غنياً عنهم في ذلك المطلب، وإن ألجأتني الضرورة إليهم وضعتهم موضع الإمارة على الحق، واقتفيت الأقرب في نفسي إلى الصواب بحسب الحادثة، بريئاً من الانتساب إلى إمام معين، يكفيني أني من المسلمين، فإن ألجأني إلى ذلك الله، ولم يبق لي من إجاباتهم بد، قلت: مسلم مؤمن، فإن مزقوا أديمي، وأكلوا لحمي، وبالغوا في الأذى، واستحلوا البذا، قلت: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 55]، {لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} [الشعراء: 50]، وأجعلك اللهم في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم، رب نجني مما فعله المفرقون لدينك، وألحقني بخير القرون من حزب أمينك k)([151])

وقبلهما بزمن طويل، وفي عهد السلف الأول للسلفية قال عمرو بن مرة الجملي (118هـ) ما رواه عنه مسعر بن كدام قال: (ما أدركت من الناس من له عقل كعقل ابن مرة، جاءه رجل فقال: ـ عافاك الله ـ جئت مسترشداً، إنني رجل دخلت في جميع هذه الأهواء فما أدخل في هوى منها إلا القرآن أدخلني فيه ولم أخرج من هوى إلا القرآن أخرجني منه حتى بقيت ليس في يدي شيء، فقال له عمرو بن مرة: الله الذي لا إله إلا هو جئت مسترشداً؟ فقال: والله الذي لا إله إلا هو لقد جئت مسترشداً. قال: نعم أرأيت هل اختلفوا في أن محمداً رسول الله وأن ما أتى به من الله حق؟ قال: لا. قال: فهل اختلفوا في القرآن أنه كتاب الله؟ قال: لا. قال: فهل اختلفوا في دين الله أنه الإسلام؟ قال: لا. قال: فهل اختلفوا في الكعبة أنها قبلة؟ قال: لا. قال: فهل اختلفوا في الصلوات أنها خمس؟ قال: لا. قال: فهل اختلفوا في رمضان أنه شهرهم الذي يصومونه؟ قال: لا. قال: فهل اختلفوا في الحج أنه بيت الله الذي يحجونه؟ قال: لا. قال: فهل اختلفوا في الزكاة أنها من مائتي درهم خمسة؟ قال: لا. قال: فهل اختلفوا في الغسل من الجنابة أنه واجب؟ قال: لا. قال مسعر: فذكر هذا وأشباهه، ثم قرأ: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } [آل عمران: 7]، فهل تدري ما المحكم؟ قال: لا، قال: فالمحكم ما اجتمعوا عليه والمتشابه ما اختلفوا فيه شد نيتك في المحكم وإياك والخوض في المتشابه. فقال الرجل: الحمد لله الذي أرشدني على يديك فوالله لقد قمت من عندك وإني لحسن الحال. قال: فدعا له وأثنى عليه([152]).

هؤلاء هم السلف الذين كان على السلفية أن يتمسكوا بهم، وبهديهم، إن أبوا إلا أن يختاروا لأنفسهم سلفا.. لكن النفوس العدوانية، والقلوب الممتلئة بالأحقاد لا ترضى أن تتدين تدينا مسالما، فلذلك تختار من العدوانيين من يلبون لها رغباتها، ويشرعون لها أحقادها وأمراضها.

2 ـ العلاقات الاجتماعية مع المخالفين لهم من غير المسلمين:

سبق وأن تحدثنا في الفصل الأول من هذا الكتاب على الأسس التي تقوم عليها تصورات السلفية للعلاقة بين المسلمين وغير المسلمين في المجتمع الإسلامي أو غيره من المجتمعات، والتي تقوم على مبدأ [الولاء والبراء]، وكيف حرفوا القرآن الكريم لتستقيم لهم دعاواهم.

ونحب أن نضيف هنا بعض ما كتبوه في تراثهم الفقهي حول ذلك.. خاصة ما كتبه ابن القيم في كتابه عن أحكام أهل الذمة، وهو أكبر كتاب ممتلئ بالعنصرية التي كان الإسلام أول من حاربها.

وهي أحكام تتناقض مع القرآن الكريم والسنة المطهرة، بل تتناقض مع كل القيم الإنسانية التي يؤمن بها كل إنسان عاقل.

فمع أن القرآن الكريم نص على أن لكل دين الشرائع المرتبطة به، والتي لا يصير الإنسان متدينا إلا بالتقيد بها، كما قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ } [المائدة: 48]

بل صرح بأن الحرية مكفولة للأقليات في ممارسة ما يمليه عليه دينها في هذا الباب إلا إذا شاء هؤلاء أن يتحاكموا إلى قوانين المسلمين، فلهم ذلك، قال تعالى: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)} [المائدة: 42، 43]

فهذه الآيات الكريمة تصرح بعدم جواز التدخل مطلقا في الشؤون الخاصة بالمعتقدات والأديان، بل تكفل لهذه الأقليات نوعا من الحكم الذاتي لشؤونها الخاصة بشرط ألا يتعارض ذلك مع المصالح العامة.

لكنا عندما نذهب إلى السلفية وإلى إمامهم ابن القيم نجد الأمر مختلفا تماما، حيث نجد الفروع الفقهية تتدخل تدخلا مباشرا في الكثير من الأحكام الخاصة بغير المسلمين، وكأن مفتي المسلمين يريد أن يفرض نفسه كمفت للملل والنحل الأخرى، ومن أمثلة ذلك ما رواه ابن القيم عن ضمرة قال: كتب عمر بن عبدالعزيز أن (امنعوا النصارى من رفع أصواتهم في كنائسهم، فإنها أبغض الأصوات إلى الله عز وجل وأولاها أن تخفض) ([153])

ومن ذلك هذه الفتوى الخطيرة التي ينص عليها ابن القيم بقوله: (وللإمام أن يستولي على كل وقف وقف على كنيسة أو بيت نار أو بيعة كما له أن يستولي على ما وقف على الحانات والخمارات وبيوت الفسق بل أولى فإن بيوت الكفر أبغض إلى الله ورسوله من بيوت الفسق وشعار الكفر أعظم من شعائر الفسق وأضر على الدين. وإن كنا نقر بيوت الكفر الجائز إقرارها ولا نقر بيوت الفسق فما ذاك لأنها أسهل منها وأهون بل لأن عقد الذمة اقتضى إبرارهم عليها كما نقر الكافر على كفره ولا نقر الفاسق على فسقه فللأمام أن ينتزع تلك الأوقاف ويجعلها على القربات)([154])

وهذه الفتوى تتناقض تماما مع ما ورد في النصوص السابقة من إتاحة الحرية الدينية لهم، والقياس على الفسقة قياس مع الفارق، فالفاسق لم يقر في أي دين على فسقه، بل اعتبر في حال نشره الرذائل محاربا لله ورسوله بخلاف الكتابي المتعبد، فإن أمره إلى الله، وقد منعنا الله من التعرض له.

ووجه الاستدلال الذي استدل به ابن القيم في هذه المسألة يدل على مدى تغليب المواقف والفهوم الشخصية والقياسات البعيدة على النصوص القطعية.

ولم يكتف ابن القيم وسلفه بهذا، بل نراهم يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالمجاورين لهم من أهل الكتاب، فمما ذكره ابن القيم من أحكامهم قوله: (أما حكم أبنيتهم ودورهم فإن كانوا في محلة منفردة عن المسلمين لا يجاورهم فيها مسلم تركوا وما يبنونه كيف أرادوا، وإن جاوروا المسلمين لم يمكنوا من مطاولتهم في البناء سواء كان الجار ملاصقا أو غير ملاصق بحيث يطلق عليه اسم الجار قرب أو بعد) ([155])

وعلل هذا الحكم بقوله: (وهذا المنع لحق الإسلام لا لحق الجار حتى لو رضي الجار بذلك لم يكن لرضاه أثر في الجواز.. وليس هذا المنع معللا بإشرافه على المسلم بحيث لو لم يكن له سبيل على الإشراف جاز، بل لأن الإسلام يعلو ولا يعلى) ([156])

وبين عموم هذا الحكم على كل الأحوال، فقال: (والذي تقتضيه أصول المذهب وقواعد الشرع أنهم يمنعون من سكنى الدار العالية على المسلمين بإجارة أو عارية أو بيع أو تمليك بغير عوض، فإن المانعين من تعلية البناء جعلوا ذلك من حقوق الإسلام واحتجوا بالحديث وهو قوله: (الإسلام يعلو ولا يعلى)([157]) ([158])

ولسنا ندري علاقة الحديث الشريف بالموضوع، فالحديث في حال صحته يدل على علو المسلم بأخلاقه وقيمه الرفيعة، وهذا العلو يدل على المعاني لا على المحسوسات، فالمسلم يعلو بخلقه وعلمه وتفكيره ومنهجه في الحياة، لا بالتطاول بالبنيان على غيره.

وللأسف نجد التطبيق الخاطئ لهذا الحديث ساريا في الكثير من المسائل حتى في المجالس التي يجلسون فيها، قال ابن القيم: (واحتجوا بأن في ذلك إعلاء رتبة لهم على المسلمين وأهل الذمة ممنوعون من ذلك.. ولهذا يمنعون من صدور المجالس ويلجؤون إلى أضيق الطرق فإذا منعوا من صدور المجالس والجلوس فيها عارض فكيف يمكنون من السكنى اللازمة فوق رؤوس المسلمين) ([159])

وهكذا نرى ابن القيم وسلفه وخلفه يتدخلون في حرية لباس أهل الكتاب، كما تدخلوا في حرية لباس المسلمين، فقد نقل عن أبي القاسم قوله: (وجوب استعمال الغيار لأهل الملل الذين خالفوا شريعته صغارا وذلا وشهرة وعلما عليهم ليعرفوا من المسلمين في زيهم ولباسهم ولا يتشبهوا بهم)([160])

ومن مقتضيات هذا الغيار الذي هو نوع من التمييز العنصري منعهم من اللباس الطيب الجميل، فقال: (ولا يترك أهل الذمة يلبسون طيالسهم فوق عمائمهم، لأن هذا يفعله أشراف المسلمين وعلماؤهم للتمييز عمن دونهم في العلم والشرف وليس أهل الذمة أهلا لذلك فيمنعون منه)([161])

ومن مقتضياته أن (تكون نعالهم مخالفة لنعال المسلمين ليحصل كمال التمييز وعدم المشابهة في الزي الظاهر ليكون ذلك أبعد من المشابهة في الزي الباطن فإن المشابهة في أحدهما تدعو إلى المشابهة في الآخر بحسبها وهذا أمر معلوم بالمشاهدة)([162])

ومن مقتضياته ما نقله ابن القيم عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أمصار الشام: (لا يمشي نصراني إلا مفروق الناصية ولا يلبس قباء ولا يمشي إلا بزنار من جلد ولا يلبس طيلسانا ولا يلبس سراويل ذات خدمة، ولا يلبس نعلا ذات عذبة ولا يركب على سرج ولا يوجد في بيته سلاح إلا انتهب ولا يدخل الحمام يوم الجمعة يهودي ولا نصراني حتى تصلى الجمعة)([163])

أما المرأة، فينقل ابن القيم عن أبي القاسم الطبري هذا الاجتهاد الغريب، الذي عبر عنه بقوله: (وأما المرأة إذا خرجت فيكون أحد خفيها أحمر حتى يعرف بأنها ذمية)([164])

والعجب ليس في كون الخف أحمر، ولكن العجب في كون أحد الخفين أحمر، بينما الآخر بلون مختلف.

بل إن الأمر لم يقتصر على الشروط المرتبطة باللباس، بل تعداه إلى شؤون خاصة جدا كتسريحة الشعر، فقد عقد ابن القيم فصلا حول أحكام شعر أهل الذمة جاء فيه: (والمقصود أن أهل الذمة يؤخذون بتمييزهم عن المسلمين في شعورهم إما بجز مقادم رؤوسهم وإما بسدلها، ولو حلقوا رؤوسهم لم يعرض لهم)([165])

وهكذا نراهم ـ كما حرموا أبناء المسلمين من التعلم بسبب الاختلاط وغيره ـ يحرمون أبناء غير المسلمين في مجتمعهم من تعلم اللغة العربية، فمما ذكره ابن القيم مؤيدا له من اجتهادات في هذا الباب قوله تعليقا على ما ورد في المعاهدة العمرية: (ولا نتكلم بكلامهم): (هذا الشرط في أهل الكتاب الذي لغتهم غير لغة العرب كنصارى الشام والجزيرة إذ ذاك وغيرهما من البلاد دون نصارى العرب الذين لم تكن لغتهم غير العربية، فمنعهم عمر من التكلم بكلام العرب لئلا يتشبهوا بهم في كلامهم كما منعوا من التشبه بهم في زيهم ولباسهم ومراكبهم وهيئات شعورهم فألزمهم التكلم بلسانهم ليعرفوا حين التكلم أنهم كفار فيكون هذا من كمال التميز مع ما في ذلك من تعظيم كلام العرب ولغتهم حيث لم يسلط عليها الأنجاس والأخابث بذلونها ويتكلمون بها.. كيف وقد أنزل الله بها أشرف كتبه ومدحه بلسان عربي.. فصان أمير المؤمنين هذا اللسان عن أهل الجحيم وغار عليه أن يتكلموا به، وهذا من كمال تعظيمه للإسلام والقرآن والعرب الذين نزل القرآن بلغتهم وبعث الله ورسوله من أنفسهم مع ما في تمكينهم من التكلم بها من المفاسد التي منها جدلهم فيها واستطالتهم على المسلمين)([166])

ولسنا ندري كيف يفهم هؤلاء الذين طولبنا بدعوتهم بالقرآن الكريم، وهم لا يعرفون العربية، ثم نجد من يحرم الترجمة، مع أن القرآن الكريم في أكثر خطابه يخاطب الإنسان مجردا من أي دين أو مذهب.

بل إن الأمر تعداه إلى ما هو أخطر من ذلك، حيث أن من الفقهاء من ذهب إلى حرمة تعلمهم القرآن الكريم، قال الباجي: (ولو أن أحدا من الكفار رغب أن يرسل إليه بمصحف يتدبره لم يرسل إليه به، لأنه نجس جنب ولا يجوز له مس المصحف، ولا يجوز لأحد أن يسلمه إليه ذكره ابن الماجشون، وكذلك لا يجوز أن يعلم أحد من ذراريهم القرآن، لأن ذلك سبب لتمكنهم منه، ولا بأس أن يقرأ عليهم احتجاجا عليهم به، ولا بأس أن يكتب إليهم بالآية ونحوها على سبيل الوعظ)([167])

بل إن ابن القيم وسلفه يضعون من الشروط المجحفة المميزة بين الأكثرية والأقلية ما يسميه بشرط الضيافة، وهو شرط لم يدل عليه أي نص من النصوص القطعية، وقد عبر ابن القيم عن أدلته والأحكام المرتبطة به، فقال: (وهذا الضيافة قدر زائد على الجزية، ولا تلزمهم إلا بالشرط.. واحتج الفقهاء بالشروط العمرية وأوجبوا اتباعها. هذا هو الصحيح.. كما أن شرطه عليهم في الجزية مستمر وإن لم يجدده عليهم إمام الوقت، وكذلك عقد الذمة لمن بلغ من أولادهم وإن لم يعقد لهم الإمام الذمة) ([168])

ومن التفاصيل المرتبطة بهذا ما نقله عن الشافعي من أنه (وتقسم الضيافة على عدد أهل الذمة وعلى حسب الجزية التي شرطها فيقسم ذلك بينهم على السواء. وإن كان فيهم الموسر والمتوسط والمقل قسطت الضيافة على ذلك.. قال الشافعي: ويذكر ما يعلف به الدواب من التبن والشعير وغير ذلك.. قال: ويشترط عليهم أن ينزلوا في فضول منازلهم وكنائسهم ما يكنون فيه من الحر والبرد منها إذ الضيف محتاج إلى موضع يسكن فيه ويأوي إليه ما يحتاج إلى طعام يأكله) ([169])

ولو أن مثل هذه الشروط طبقت على المسلمين إذا نزل عليهم أهل الكتاب لكان في ذلك نوعا من العدالة، لكن المؤسف قصر ذلك على الذميين بحيث يتحملون رغم أنوفهم طول السنة وحدهم كل ضيف يمر عليهم، ليس وحده، بل حتى بهائمه.

بل إن الشروط أكثر من ذلك، قال ابن القيم: (ومن نزل بهم لم يخل من ثلاثة أحوال: الأول إما أن ينزل بهم وهو مريض، الثاني أو ينزل بهم وهو صحيح، الثالث أو ينزل بهم وهو صحيح فيمرض. فإن نزل بهم وهو مريض فبرىء فيما دون الثلاث فهذا يجري مجرى الضيف وكما يجب عليهم إطعام الضيف وخدمته يجب عليهم القيام على المريض ومصالحه فإنه أحوج إلى الخدمة والتعاهد من الصحيح. فإن زاد مرضه على ثلاثة أيام وله ما ينفق على نفسه لم يلزمهم القيام بنفقته، ولكن تلزمهم معونته وخدمته وشراء ما يحتاج إليه من ماله، وإن لم يكن له ما ينفق على نفسه لزمهم القيام عليه إلى أن يبرأ أو يموت. فإن أهملوه وضيعوه حتى مات ضمنوه)([170])

وهذا يجعل من الذميين مجرد عبيد مسخرين للمسلمين الذين يفدون عليهم شاءوا أم أبوا.

رابعا: أحكام الجوانب السياسية:

لا تختلف التناقضات الموجودة في المواقف الفقهية السلفية في الجوانب السياسية عن غيرها من الجوانب الأخرى، بل لعلها أخطر، لأن السياسة لا تتعلق بآحاد الأفراد، ولا بآحاد المجتمعات، بل تتعلق بالأمة جميعا، ولذلك فإن الخطأ فيها تتحمله الأمة جميعا.

وقد وضع السلفية ـ سلفهم وخلفهم ـ المسائل الفرعية المرتبطة بالسياسة في كتب الفقه والعقيدة، وهم فيها لا ينظرون لأي مشروع سياسي يمكن أن تطبقه الأمة، لتنفذ من خلاله القيم القرآنية السامية، ولتحقيق العدالة التي هي من أكبر غايات الرسل عليهم الصلاة والسلام.

وإنما كل ما وضعوه فيها هو إما تأييد مطلق للسلطة مهما كان نوعها وظلمها، حتى لو تمردت على كل قيم الأمة، وحاربت كل صالحيها وأوليائها.

وإما معارضة مطلقة.. لا بسبب مواقف تلك السلطة العملية، وعدم عدالتها، وعدم قيامها بمصالح الأمة، وإنما بسبب كون السلطان يميل إلى الجهمية أو المعتزلة.. أو كونه أساء لبعض أهل الحديث.. أو فعل شيئا لا يرضيهم.

ولذلك كان السلفية ـ سلفهم وخلفهم ـ مركبا سهلا للسلطان، يمكنه من خلالهم أن يمرر ما شاء من مشاريع، ويفعل ما يشاء من ظلم.. وليس عليه ليكونوا له سندا، بل ليعتبروه هاديا مهديا سوى أن يقرب رجلا مثل كعب الأحبار أو الإمام أحمد أو ابن باز أو العثيمين أو أبي بكر جابر، أو يؤسس هيئة لكبار العلماء، لتصدر له بعض الفتاوى التي تزكيه، وتحث الرعية على الطاعة المطلقة له، وتحرم من الجنة كل من انتقده أو عارضه.

وهو ـ إن أراد أن يكون أكثر جاذبية ـ لا يحتاج سوى تحقيق مشروعهم السياسي الكبير، وهو هدم كل أثر قديم، وقطع كل شجرة تاريخية، ليصبح رسولا من رسلا التوحيد، لا يكتفى بطاعته، بل يسبح بحمده بكرة وعشيا.

وحينذاك يمكنه أن يستعمل أولئك الذين ضمهم إلى بلاطه لضرب من شاء من خصومه من أهل البلاد الأخرى ليصدروا له فتاوى التكفير، وتعقبها فتاوى التحريض، وتعقبها فتاوى الدعوة للجهاد والنفير العام.

هذه هي قصة السلفية مع السياسة.. وسنذكر هنا باختصار بعض الأمثلة الدالة على ذلك من خلال التراث الفقهي والعقدي السلفي، وقد قسمناها إلى نوعين بحسب التناقض الموجود في مواقف السلفية السياسية: الولاء المطلق للسلطة، والمعارضة المطلقة لها.

1 ـ الولاء المطلق للسلطة:

ينطلق السلفية في هذا النوع من المواقف من الكثير من النصوص التي يروونها عن رسول الله k، والتي تدعو إلى الخضوع المطلق للسلطة مهما كان نوعها، ومهما ظلمت وعتت وطغت، وأكثر هذه النصوص يروونها عن أبي هريرة وغيره من الصحابة الذين كانوا تحت عين ورضى البلاط الأموي، وهي تتناقض تماما مع ما ورد في القرآن الكريم من عدم الركون للذين ظلموا، ومن الدعوة إلى القسط والعدالة، والتي يرويها السلفية أيضا، ولكنهم يستعملونها لضرب خصوم السلطة التي يخضعون لها.

فمن الأحاديث التي يروونها في هذا الجانب ما رووه عن أبي هريرة عن عن النبي k قال: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)([171])، ويروونه عنه أنه روى عن النبي k قوله: (عليك السّمعُ والطّاعةُ في عُسْرِك، ويُسرِك، ومَنشطك ومَكرهك، وأثرةٍ عليكَ)([172]).

ويروون عن نافع قال: لما خلع أهل المدينة ـ وقد كانوا من الصحابة وأبناء الصحابة ـ يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده، فقال: إني سمعت النبي k يقول: (ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة)، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه، ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه([173]).

وبناء على هذا نص السلفية على الطاعة المطلقة للسطان حتى لو كان عاصيا، وقد ذكر ابن تيمية الخلاف الواقع في الأمة حول طاعة ولي الأمر الفاسق والجاهل، وذكر أنهم اختلفوا على ثلاثة أقوال: (1) أنه يطاع وينفذ حكمه.. 2) أنه لا يطاع في شيء ولا ينفذ شيء من حكمه.. 3) التفريق بين الإِمام الأعظم ونوابه، فالإِمام يطاع لأنه لا يمكن عزله إِلا بقتال وفتنة، أما نوابه من حاكم وقاض… فلا يطاعون لأنه يمكن عزلهم بدون قتال ولا فتنة([174]).

ثم قال: (وأصحها عند أهل الحديث وأئمة الفقهاء هو القول الأول، وهو أن يطاع في طاعة اللَّه مطلقا.. وأضعفها عند أهل السنة هو رد جميع أمره وحكمه وقسمه)([175])

وما ذكره ابن تيمية هو ما ذكره الكثير من أئمة السلف في عقائدهم، وخصوصا فيما يتعلق بما يسمونه الجهاد معه، والذي لا يعني الجهاد الشرعي المعروف، لأن أكثر ما حصل من حروب في الأمة كان صراعا داخليا توسعيا، ففي عقيدة سفيان الثوري – كما رويت عنه–: (والجهاد ماض إلى يوم القيامة، والصبر تحت لواء السلطان جائر أو عدل) ([176])، وقال الإمام أحمد بن حنبل في اعتقاده: (والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك) ([177])، وقال محمد بن أبي زمنين: (ومن قول أهل السنة أن الحج والجهاد مع كل برٍّ أو فاجر من السنة والحق.. وأعلمنا بفضل الجهاد في غير موضع من كتابه، وقد علم أحوال الولاة الذين لا يقوم الحج والجهاد إلا بهم، فلم يشترط ولم يبين وما كان ربك نسياً) ([178])

وقال عبد الله بن حبيب (توفي 238هـ): (سمعت أهل العلم يقولون: لا بأس بالجهاد مع الولاة، وإن لم يضعوا الخُمس موضعه، وإن لم يُوفوا بعهد إن عاهدوا، ولو عملوا ما عملوا، ولو جاز للناس ترك الغزو معهم بسوء حالهم لاستذل الإسلام، وتخيفت أطرافه، واستبيح حريمه، ولعَلى الشرك وأهله) ([179])

وقال ابن تيمية: (وقد استفاض وتقرر في غير هذا الموضع ما قد أمر به k، من طاعة الأمراء في غير معصية الله، ومناصحتهم، والصبر عليهم في حكمهم، وقسمهم، والغزو معهم، والصلاة خلفهم، ونحو ذلك من متابعتهم في الحسنات التي لا يقوم بها إلاَّ هُم؛ فإنه من باب التعاون على البر والتقوى، وما نهى عنه من تصديقهم بكذبهم، وإعانتهم على ظلمهم، وطاعتهم في معصية الله ونحو ذلك، مما هو من باب التعاون على الإثم والعدوان)([180])

وهكذا نجد هذه العقيدة في جميع التراث السلفي العقدي، حيث نجدها عند علي بن المديني ([181])، والطحاوي ([182])، وابن بطة ([183])، والبربهاري ([184])، والصابوني ([185])، وابن قدامة في اللمعة ([186])، وابن تيمية ([187]) وغيرهم.

وقد وضح المرجع السلفي المعروف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي كيفية تطبيق هذه العقيدة في الواقع، فقال: (وأما النصيحة لأئمة المسلمين: وهم ولاتهم من السلطان الأعظم إلى الأمير إلى القاضي، فهؤلاء لمّا كانت مهماتهم وواجباتهم أعظمَ من غيرهم، وجب لهم من النصيحة بحسب مراتبهم ومقاماتهم، وذلك باعتقاد إمامتهم، والاعتراف بولايتهم، ووجوب طاعتهم بالمعروف، وعدم الخروج عليهم، وحث الرعية على طاعتهم، ولزوم أمرهم الذي لا يخالف أمر الله ورسوله k، وبذل ما يستطيع الإنسان من نصيحتهم، وتوضيح ما خفي عليهم مما يحتاجون إليه في رعايتهم، كل أحد بحسب حاله، والدعاء لهم بالصلاح والتوفيق؛ فإن صلاحهم صلاح لرعيتهم، واجتناب سبِّهم، والقدح فيهم، وإشاعة مثالبهم؛ فإن في ذلك شرّاً، وضرراً، وفساداً كبيراً، فمن نصيحتهم الحذر والتحذير من ذلك، وعلى من رأى منهم ما لا يحل أن ينبههم سرّاً لا علناً، بلطفٍ وعبارة تليق بالمقام، ويحصل بها المقصود؛ فإن هذا هو المطلوب في حق كل أحد، وبالأخص ولاة الأمور؛ فإن تنبيههم على هذا الوجه فيه خير كثير، وذلك علامة الصدق والإخلاص، واحذر أيها الناصح لهم – على هذا الوجه المحمود – أن تفسد نصيحتك بالتمدح عند الناس فتقول لهم: إني نصحتهم، وقلت وقلت؛ فإن هذا عنوان الرياء، وعلامة ضعف الإخلاص، وفيه أضرار أُخر معروفة)([188])

ومن أهم فروع هذه العقيدة عدم التعرض للسلطة الحاكمة بالنقد أو التجريح أو الإساءة أو حتى النصح العلني.. بل يذكرون فقط ومن باب سد العتب ما يسمونه [النصح السري]، ولست أدري من هذا الحاكم الذي يسمح لهم بأن يختلوا به لينصحوه سرا.

يقول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز: (ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الانقلاب، وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخروج الذي يضرّ ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير، وإنكار المنكر يكون من دون ذكر الفاعل، فينكر الزنى، وينكر الخمر، وينكر الربا، من دون ذكر من فعله، ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير ذكر أن فلاناً يفعلها: لا حاكم ولا غير حاكم..)([189])

ولكن هذه القوانين التي يضعونها ليست عامة تشمل جميع الحكام، بل هي خاصة بمن يرضون عنهم، أو يرضى عنهم مشايخهم.. وتزداد تلك الطاعة بقدر ما يكون الحاكم مساندا لهم في تكفير المخالفين وإذيتهم أو هدم الأضرحة ونحوها مما يعتبرونه شركا.

ولهذا نجد لسلف السلفية تعظيما كبيرا للخليفة المتوكل العباسي بالرغم من جرائمه الكثيرة التي ذكرها المؤرخون، ولكن بسبب مواجهته للمعتزلة والشيعة، وهدمه لضريح الإمام الحسين وغيره من الأضرحة، نال عندهم مكانة رفيعة، غير ملتفتين لاستبداده وظلمه.

قال الحـافظ خليفة بن خياط: (استخلف المتوكـل فأظهر السنة، وتكلـم بها في مجلسه، وكتب إلى الآفاق برفع المحنة، وبسط السنة، ونصر أهلها)([190])

وقال الذهبي: (وفي سنة 234 هـ أظهر المتوكـل السنة، وزجر عن القول بخلق القرآن، وكـتـب بذلـك إلى الأمصـار، واسـتقدم المحدثـين إلى سـامراء، وأجـزل صلاتهم، ورووا أحاديث الرؤية والصفات)([191])

وهكذا صار الحاكم الصالح عندهم هو الذي يستقدم المحدثين ليحدثوا الناس بأحاديث التشبيه والتجسيم، ولا يكفي ذلك بل يحتاج إلى أن يغضب على المخالفين أيضا، قـال الذهـبي: (وغضـب المـتوكـل عـلى أحمد بـن أبي دؤاد، وصادره وسجن أصحابه، وحمل ستة عشر ألف درهم، وافتقر هو وآله)([192])

وقال ابن كـثير: (وكان المتوكـل محببا إلى رعيته، قائما في نصرة أهل السـنة، وقـد شبهه بعضهم بالصديق في قتله أهل الردة لأنـه نصر الحق، ورده عليهم، حتى رجعوا إلى الدين، وبعمر بن عبد العزيز حين رد مظالم بني أمية، وقـد أظهر السـنة بعد البدعة، وأخمد أهل البدع وبدعتهم بعد انتشارها واشتهارها، فرحمه الله، وقد رآه بعضهم في المنام بعد موته وهو جالس في نـور، قال: فقلت: المتوكل؟! قال: المتوكل. قـلت: فـما فـعل بك ربك؟ قال: غفر لي. قلت: بماذا؟ قال: بقليل من السنة أحييتها)([193])

ولهذا نجد ملوك السعودية ـ الذين درسوا حياة المتوكل جيدا ـ يعرفون كيف يقتنصون علماء السلفية، فليس عليهم سوى أن يطلقوا أيديهم في المساجد ليحدثوا الناس عن اليد والساق، ويطلقوا أيديهم على كل الآثار، وخاصة الآثار النبوية ليهدموها، ويخفوا معالمها.

بالإضافة إلى ذلك يسمحون لهم باستعمال كل الوسائل لإلحاق الإذية بخصومهم، مثلما فعل سلف السلفية مع خصومهم في عهد المتوكل، فقد روي البيهقي في [مناقب أحمد] عن محمد بن أحمد بن منصور المروذي أنه استأذن على أحمد بن حنبل، فأذن له، فجاء أربعة رسل المتوكل يسألونه فقالوا: الجهمية يستعان بهم على أمور السلطان قليلها وكثيرها أولى أم اليهود والنصارى؟ ففقال أحمد: (أما الجهمية فلا يستعان بهم على أمور السلطان قليلها وكثيرها، وأما اليهود والنصارى فلا بأس أن يستعان بهم في بعض الأمور التي لا يسلطون فيها على المسلمين حتى لا يكونوا تحت أيديهم، قد استعان بهم السلف)، قال محمد بن أحمد المروذي: أيستعان باليهود والنصارى وهما مشركان، ولا يستعان بالجهمي؟ قال: (يا بني يغتر بهم المسلمون وأولئك لا يغتر بهم المسلمون) ([194])

ولأجل هذا نجد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأبناءه وتلاميذه ومدرسته جميعا يقفون في صف آل سعود على الرغم من كونهم خرجوا على الحاكم الذي كانوا يرون شرعيته، لأن آل سعود عرفوا من أين تؤكل كتفهم.

يقول الشيخ محمد بن عبداللطيف بن عبدالرحمن في رسالة كتبها مخاطبا الرعية الخاضعة قهرا في ذلك الوقت لآل سعود: (واشكروه أيضاً على ما منّ به في هذا الزمان من ولاية هذا الإمام الذي أسبغ الله عليكم على يديه من النعم العظيمة ودفع به عنكم من النقم الكثيرة وخولكم مما أعطاه الله وتابع عليكم إحسانه صغيركم وكبيركم، وقام بما أوجب الله عليه حسب الطاقة والإمكان، ونظره في مصالح المسلمين وما يعود نفعه عليهم، ودفع المضار عنهم وحسم مواد الشر أولى من نظركم، والكمال لم يحصل لمن هو أفضل منه، فالذي يطلب الأمور على الكمال وأن تكون على سيرة الخلفاء فهو طالب محالاً، فاسمعوا له وأطيعوا وراعوا حقه وولايته عليكم واحذروا غرور الشيطان وتسويله وخدعه ومكره، فإنه متكئ على شماله يدأب بين الأمة بإلقاء الشحناء والعداوة، وتفريق الكلمة بين المسلمين عادة له مذ كان ولا يسلم من مَكْرِه إلا من راقب الله في سره وعلانيته، ووقف عند أقواله وأعماله وحركاته وسكناته وتفكر في عاقبة ما يصير إليه في مآله، وراجع أهل البصائر والمعرفة من أهل العلم الذين لهم قدم راسخ في المعرفة والفهم، فإن كان أحد ممن يدعي العلم زين لكم ذلك وألقى عليكم التشكيكات والتشبيهات، وحسن لكم طريقة أهل البدع والضلالات فاعلموا أنه منفاخ سوء يبدي لكم ما يخفيه كيره ويلبس عليكم دينكم، فإن كان يدعي أن معه دليلاً من الكتاب والسنة في الطعن على الأئمة والولاة وعلمائهم، فليبرز إلينا بما لديه فنحن له مقابلون ومناظرون بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة من كتاب الله وسنة نبيه محمد k وسيرة الخلفاء المهديين التي تجلو عن القلب عماه وترد المعارض عن انتكاسه، فوالله ثم والله إنا لا نعلم على وجه الأرض شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً شخصاً أحق وأولى بالإمامة منه، ونعتقد صحة إمامته وثبوتها لأن إمامته إمامة إسلامية وولايته ولاية دينية، فلو نعلم أن عليه من المثالب والمطاعن شيئاً يوجب مخالفته ومنابذته لكنا أولى منكم بالنصح له وتحذيره ومراجعته، فإنه ولله الحمد يقبل الحق ممن جاء به ولا يستنكف من الناصح، ومقاماته ونصحه ومدافعته عن الإسلام وأهله وبذل إحسانه وعفوه وعدم انتقامه شهيرة بين الورى لا يجحدها إلا معاندٌ مماحلٌ)([195])

وكتب الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: (ومما انتحله بعض هؤلاء الجهلة المغرورين الاستخفاف بولاية المسلمين والتساهل بمخالفة إمام المسلمين، والخروج عن طاعته، والافتيات عليه بالغزو وغيره، وهذا من الجهل والسعي في الأرض بالفساد بمكان، يعرف ذلك كل ذي عقل وإيمان، وقد علم بالضرورة من دين الإسلام أنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة، وإن الخروج عن طاعة ولي أمر المسلمين من أعظم أسباب الفساد في البلاد والعباد والعدول عن سبيل الهدى والرشاد – ثم قال – ومن ذلك ما وقع من غلاة هؤلاء من اتهام أهل العلم والدين، ونسبتهم إلى التقصير وترك القيام بما وجب عليهم من أمر الله سبحانه وتعالى، وكتمان ما يعلمون من)([196])

وفي رسالة كتبها الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري: (وقد بلغنا أن الذي أشكل عليكم أن مجرد مخالطة الكفار ومعاملتهم بمصالحة ونحوها وقدومهم على ولي الأمر؛ لأجل ذلك أنها هي موالاة المشركين المنهي عنها في الآيات والأحاديث، وربما فهمتم ذلك من الدلائل التي صنف الشيخ سليمان بن عبدالله بن الشيخ، ومن سبيل النجاة للشيخ حمد بن عتيق.. أولاً: نبين لكم سبب تصنيف الدلائل فإن الشيخ سليمان صنفها لما هجمت العساكر التركية على نجد في وقته وأرادوا اجتثاث الدين من أصله، وساعدهم جماعة من أهل نجد من البادية والحاضرة وأحبوا ظهورهم، وكذلك سبب تصنيف الشيخ حمد بن عتيق سبيل النجاة هو لما هجمت العساكر التركية على بلاد المسلمين وساعدهم من ساعدهم حتى استولوا على كثير من بلاد نجد، فمعرفة سبب التصنيف مما يعين على فهم كلام العلماء، فإنه بحمد الله ظاهر المعنى فإن المراد به موافقة الكفار على كفرهم، وإظهار مودتهم ومعاونتهم على المسلمين، وتحسين أفعالهم وإظهار الطاعة والانقياد لهم على كفرهم، والإمام وفقه الله لم يقع في شيء مما ذكر فإنه إمام المسلمين، والناظر في مصالحهم، ولابد له من التحفظ على رعاياه وولايته من الدول الأجانب، والمشائخ – رحمهم الله – كالشيخ سليمان بن عبدالله والشيخ عبداللطيف والشيخ حمد بن عتيق إذا ذكروا موالاة المشركين فسروها بالموافقة والنصرة والمعونة والرضى بأفعالهم، فأنتم وفقكم الله راجعوا كلامهم تجدوا ذلك كما ذكرنا)([197])

وفي رسالة كتبها مجموعة من العلماء من سعد بن حمد بن عتيق وسليمان بن سحمان وصالح بن عبدالعزيز وعبدالعزيز بن عبد اللطيف وعمر بن عبداللطيف وعبدالرحمن بن عبداللطيف ومحمد بن إبراهيم: (.. فأشرفنا على كتابكم الذي أرسلتم إلى الإمام عبدالعزيز – سلمه الله تعالى – ذكرتم في آخره أنا لا نجتمع وإياك إن خالفت شيئاً مما ذكرنا إلا كما يجتمع الماء والنار، وهذه كلمة ذميمة وزلة وخيمة، تدل على أنكم أضمرتم شراً وعزمتم على الخروج على ولي أمر المسلمين، والتخلف عن سبيل أهل الهدى، وسلوك مسلك أهل الغي والردى، ونحن نبرأ إلى الله من ذلك وممن فعله أو تسبب فيه أو أعان عليه، لأنا ما رأينا من الإمام عبدالعزيز ما يوجب خروجكم عليه ونزع اليد من طاعته، وإذا صدر منه شيء من المحرمات التي لا تسوغها الشريعة فحسب طالب الحق الدعاء له بالهداية وبذل النصيحة على الوجه المشروع، وأما الخروج ونزع اليد من طاعته فهذا لا يجوز، وأنتم تزعمون أنكم على طريقة مشائخكم وأنكم ما تخالفونهم في شيء يرونه لكم، ولا ندري من هؤلاء المشائخ أهم مشائخ المسلمين أم غيرهم؟ ممن سلك غير سبيلهم، ويريد فتح باب الفتن على الإسلام والمسلمين، أين الخط الذي قد شرفتمونا عليه؟ أين السؤال الذي سألتمونا عنه وأفتيناكم فيه؟ أين الأمر الذي شاورتمونا عليه؟ حتى الخط الذي تدعون أنكم تنصحون الإمام عبدالعزيز عن أمور يفعلها أنتم مشائخ أنفسكم تحللون وتحرمون على أنفسكم، ولا ترفعون لنا خبراً في شيء، ودعواكم أنكم على طريقة المشائخ يكذبه ما صدر منكم، وقد علمتم حقيقة ما عندنا وما نعتقده من حين ما حدث منكم الخوض وكثرت منكم الخطوط والمراسلات للإمام، وعرفناكم بما عندنا، وما نعتقده وندين الله به، وهو وجوب السمع والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين، ومجانبة الوثوب عليه، ومحبة اجتماع المسلمين عليه، والبغض لمن رأى الخروج عليه ومعاداته.. والذي نرى لكم التوبة إلى الله سبحانه والاستغفار وعدم التمادي والاسترسال مع دواعي الجهل والغي والضلال، وأن تلتزموا ما أوجبه الله عليكم من القيام بالواجبات واجتناب المحرمات وملازمة طاعة من ولاه الله أمركم) ([198])

وبناء على هذا، فإن الحاكم الذي يعرف كيف يجر هؤلاء إلى صفه يستطيع من خلالهم أن يعقد أي صفقة مع أي كان، بل يستطيع أن يبيع بلده بأهلها ومالها، لأنه لا يسأل عما يفعل، ومن يتعرض له، سيفتي العلماء بكونه من الخوارج، أو يضيفوا إليه بعض العقائد ليكفروه على أساسها، وليضحوا به كما ضحى سلفهم بالجعد بن درهم.

ولهذا نرى الفتاوى السياسية لهيئة كبار علماء السعودية تتماشى تماما مع طموحات وأحلام المجرمين من آل سعود، الذين خربوا بلادهم وجميع بلاد العالم الإسلامي بما نشروه من فوضى.

ومن الأمثلة القريبة على ذلك فتاواهم الكثيرة بجواز الاستعانة بالأمريكان لضرب العراق، وقد قدموا لذلك بتكفير صدام حسين.. ثم أصدروا الفتاوى الكثيرة تستجدي أمريكا لضرب العراق.

يقول الشيخ ابن باز: (وأما ما اضطرت إليه الحكومة السعودية من الأخذ بالأسباب الواقية من الشر والاستعانة بقوات متعددة الأجناس من المسلمين وغيرهم للدفاع عن البلاد وحرمات المسلمين وصد ما قد يقع من العدوان من رئيس دولة العراق فهو إجراء مسدد وموفق وجائز شرعا، وقد صدر من مجلس هيئة كبار العلماء- وأنا واحد منهم- بيان بتأييد ما اتخذته الحكومة السعودية في ذلك، وأنها قد أصابت فيما فعلته، عملا بقوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ } [النساء: 71] وقوله سبحانه: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } [الأنفال: 60] ولا شك أن الاستعانة بغير المسلمين في الدفاع عن المسلمين وعن بلادهم وحمايتها من كيد الأعداء أمر جائز شرعا بل واجب متحتم عند الضرورة إلى ذلك لما في ذلك من إعانة للمسلمين وحمايتهم من كيد اعدائهم وصد العدوان المتوقع عنهم)([199])

وهكذا كان علماء السلفية يدا طيعة بيد أسيادهم من آل سعود، يصدرون لهم كل حين ما شاءوا من الفتاوى.. كما سنرى في العنوان التالي.

2 ـ المعارضة المطلقة للسلطة:

بناء على أن الفقه السياسي السلفي لا ينطلق من مشروع الدولة، وإنما ينطلق من شخص الحاكم، فلذلك من السهولة على من يريد أن يخرب بلدا أن ينشر بعض الوثائق الحقيقية أو المزورة التي تثبت أن حاكم ذلك البلد تلفظ لفظ كفر، أو قصر في صلاة، أو أهان رجلا من أهل الحديث، وبعدها مباشرة تصدر الفتاوى، ويصدر الأمر لأذناب السلفية المنتشرين في كل مكان ليشيعوا الفوضى، وينشروا الخراب.

ومن الأمثلة القريبة على ذلك موقف علماء السلفية من القذافي حاكم ليبيا في ذلك الحين، والذين كانت له خلافات كبيرة مع آل سعود الذين لجأوا إلى أدواتهم الطيعة من السلفية لتكفير القذافي، وتشريع الخروج عليه.

فقد صدر عن مجلس هيئة كبار العلماء بدورته التاسعة عشرة المنعقدة في الفترة ابتداء من يوم 11- 5- 1402هـ هذا البيان: (.. وفي طليعة هذه الطوائف المنحرفة والموجهة طاغية ليبيا معمر القذافي ذلك الرجل الذي نذر نفسه لخدمة الشر وإشاعة الفوضى وإثارة الشغب والتشكيك في الإسلام، لقد استعرض المجلس أطوار هذا الرجل وسرعة استجابته لعناصر الشر والكيد والحسد حيث صار يهذي في أجهزة إعلامه يما يستحي من ذكره من له ذوق سليم أو عقل مستقيم، يتضح ذلك في أقواله وأفعاله وتقلباته في جميع ميادين عمله داخل بلاده وخارجها وفي مقدمة ذلك تعرضه للعقيدة الإسلامية. فلقد أقبر هذا الرجل السنة النبوية وسخر من الحج إلى بيت الله الحرام ومن المسلمين الذين يقفون في عرفات وصدرت بتفنيذه فتاوى شرعية من هيئات ومجالس إسلامية عليا ومع ذلك لا يزال هذا المسكين يتخبط في متاهات من الزيف والضلال تعطي القناعة التامة إنه ضال ملحد. إن مجلس هيئة كبار العلماء وهو يستنكر تمادي هذا الدعي على الإسلام والمسلمين ليقرر ويؤكد أنه بإنكاره لسنة رسول الله k واستفتاءه بالحج واستهانته ببعض التعاليم الإسلامية واتجهاته الآثمة الباطلة يعتبر بذلك كافراً وضالاً مضلاً. فضلاً عن ظلمه وطغيانه واجرامه وتجريح عباد الله ورميه إياهم زوراً وبهاتاً بالصفات الذميمة)([200])

بل إن الألباني الذي يفتي بحرمة المظاهرات لأنها تشبّه بالكفار، والذي يُفتي بحرمة الخروج على الحاكم الجائر الذي لم يظهر منه الكفر البواح، أو (الكافر) إنْ لم تتوفّر القدرة على الخروج عليه؛ إلا أنه كفر القذافي، بل أفتى بوجوب الهجرة من ليبيا حتى إنه قال في بعض دروسه: (يجب الهجرة من هذه البلدة (ليبيا) حتى ولو إلى دولة كافرة كأي دولة من الدول الأخرى التي فيها شيء من الحرية الدينية، أو – كما يقولون اليوم في العصر الحاضر – الديمقراطية)([201])

وقد ذكر بعضهم أن شاباً ليبيّاً حضر إلى الشيخ ليُحاول إقناعه بالتراجع عن فتواه بوجوب الهجرة من ليبيا بسبب ظلم طاغيتها، فأخبره أن الصورة التي وصلت إليه عن الواقع الليبي مبالَغٌ فيها، وأن فتواه كانت متعجّلة، فطلب الشيخ منه أن يضعه في الصورة الحقيقية، وحين أخبره بها علّق الشيخ قائلاً: (ما تذكره عن ليبيا أسوأ من بريطانيا وأسوأ من ألمانيا، فهذا السوء يجعل الهجرة واجبة على من لم يتمكن من إقامة الشعائر الدينية والدعوة الإسلامية)([202])

وهكذا كان الأمر مع صدام حسين الذي أصدروا الفتاوى الكثيرة بتكفيره، بل اعتبره ابن باز أكفر من اليهود والنصارى وأضل منهم، فقد سئل: هل حاكم العراق كافر ويجوز لعنه؟ فأجاب: هو كافر وإن قال لاإله إلا الله، حتى ولو صلى وصام مادام لم يتبرأ من المبادىء البعثية الالحادية ويعلن أنه تاب إلى الله منها وماتدعو اإليه ([203]).

وهم عندما يذكرون هذه الفتاوى التحريضية لا يتركون للحاكم أي فرصة للإصلاح، لأنهم أصلا لا يؤمنون بالإصلاح، ولا بالانتخابات ولا بالديمقراطية ولا بالمؤسسات.. وإنما يؤمنون فقط بالحاكم الذي يقرب مشايخهم ويذبح الجهمية ويشرد الصوفية وينكل بالقبورية ويدمر كل أثر، ويهدم كل ضريح.


([1])   طبقات الحنفية (1/433)

([2])   الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (23/375)

([3])   سير  أعلام النبلاء (10/16-17)

([4])   الآداب الشرعية (1/186)

([5])   شرح النووي على صحيح مسلم (2/24)

([6])   التمهيد، ابن عبد البر (11/54)

([7])   السنن الكبرى للبيهقي (3/رقم4652)

([8])   جامع أحاديث الشيعة، حديث رقم 10996.

([9])   وسائل الشيعة، حديث رقم10717.

([10])   وسائل الشيعة، حديث رقم 10718.

([11])   وسائل الشيعة، حديث رقم 10721.

([12])   وسائل الشيعة، حديث رقم 10723.

([13])   وسائل الشيعة، حديث رقم 10724.

([14])   جامع أحاديث الشيعة، حديث رقم 10995.

([15])   وسائل الشيعة، حديث رقم 10725.

([16])   محمد بن مكي العاملي، الدروس الشرعية، ضمن سلسلة الينابيع الفقهية، الصلاة 10: 651.

([17])   أجوبة مسائل موسى جار الله 4: 73.

([18])   أبو نعيم في حلية الأولياء ح 4731.

([19])   مسلم 2/ 748 وأبي داود 5/ 125 وأحمد 1/ 91 و92 والنسائي في الكبرى 5/ 163.

([20])   صفة صلاة النبي k الألباني (ص: 40)

([21])   صفة صلاة النبي k (ص: 43)

([22])   صفة صلاة النبي  k(ص: 58)

([23])   صفة صلاة النبي k (ص: 58)

([24])   صفة صلاة النبي  k (ص: 58)

([25])   صفة صلاة النبي k (ص: 59)

([26])   الكامل في التاريخ (8/ 129)

([27])   نور على الدرب 364 ب د25.

([28])   نور على الدرب 285.

([29])   سلسلة لقاء الباب المفتوح 148.

([30])   فتاوى اللجنة الدائمة (7/ 365)

([31])   فتاوى اللجنة الدائمة: (2/ 369)

([32])   فتاوى اللجنة الدائمة (2/ 342)

([33])   مجموع فتاوى ابن باز (9/ 374)

([34])   من الأدلة على ذلك قول ابن باديس: (هذه هي حالتنا اليوم معشر مسلمي الجزائر وأحسب غيرنا مثلنا، تجد أكثر أو كثير من مساجدنا مبنية على القبور المنسوب أصحابها إلى الصلاح، ومنهم من كانوا معروفين بذلك ومنهم المجهولون) مجالس التذكير من حديث البشير النذير ص149-156 .

([35])   الدرر السنية: ج4 ص 265.

([36])    فتاوى اللجنة الدائمة (1/ 402)

([37])   فتاوى اللجنة الدائمة (1/ 409)

([38])   فتاوى اللجنة الدائمة (1/ 410)

([39])   السلسلة الصحيحة 5/300.

([40])   الروح ص258.

([41])   سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (5/ 118)

([42])   سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (5/ 301)

([43])  ففي الحديث عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم،  قال عمر: (نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون) يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله. صحيح البخاري (3/ 58)

([44])  الفتوى الحموية ص 444.

([45])  الحجة في بيان المحجة 2/409.

([46])  مجموع الفتاوى 23/120، 121.

([47])  صحيح البخاري (8/ 108)

([48])  ابن عليوة، القول المعروف في الرد على من أنكر التصوف، ص34.

([49])  سنن الترمذي (5/ 532)

([50])  مسند البزار (18/ 89)

([51])  ابن عليوة، القول المعروف: ص37.

([52])  ابن عليوة، القول المعروف: ص37.

([53])  مسند أحمد بن حنبل (3/ 68)

([54])  مسند أحمد بن حنبل (3/ 265)

([55])  صحيح البخاري (9/ 148)

([56])  صحيح مسلم (8/ 72)

([57])  مسند أحمد بن حنبل (3/ 142)

([58])   الآداب الشرعية (2 / 75)

([59])   الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد (ص 389)

([60])   فتاوى اللجنة الدائمة (8/ 311)

([61])  ابن عليوة، أعذب المناهل في الأجوبة والمسائل، نقلا عن: صفحات مطوية في التصوف الإسلامي، ص162.

([62])  سنن الترمذي (4/ 597)

([63])  ابن عليوة، القول المعروف في الرد على من أنكر التصوف، ص34.

([64])   فتاوى اللجنة الدائمة (11/ 358)

([65])   فقه العبادات ص 343.

([66])   دليل الأخطاء التي يقع فيها الحاج والمعتمر ص 43.

([67])   اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (1/ 449)

([68])   شرح زاد المستقنع – كتاب النكاح – الشريط الثاني الوجه الثاني، وهو في الكتاب المطبوع مع بعض التغيير، انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع (12/ 43)

([69])   فتاوى إسلامية  (3 / 102، 103)

([70])   فتاوى إسلامية  (3 / 103)

([71])   فتاوى فضيلة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي (2/ 44)

([72])   موقع ميراث الانبياء.

([73])   انظر: موقع الإسلام سؤال وجواب، الشيخ محمد صالح المنجد، تم النشر بتاريخ: 2014-09-27.

([74])   فتاوى اللجنة الدائمة  (5 / 137)

([75])   مجموع فتاوى ابن باز (10 / 96-97)

([76])   انظر: موقع الإسلام سؤال وجواب، الشيخ محمد صالح المنجد، تم النشر بتاريخ: 2014-09-27.

([77])   فتاوى نور على الدرب.

([78])   فتاوى نور على الدرب للعثيمين (22/ 2)

([79])   فتاوى اللجنة الدائمة (24/ 6)

([80])   فتاوى اللجنة الدائمة (24/ 8)

([81])   فتاوى اللجنة الدائمة  (2 / 43 ، 44)

([82])   الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين، ص74.

([83])   الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين، ص74.

([84])   نقلامن جامع مسائل النساء(5-6)

([85])   السلسلة الصحيحة) (6/401)

([86])   الطرق الحكمية  (ص 408)

([87])   موقع الإسلام سؤال وجواب.

([88])   فتاوى اللجنة الدائمة (17/ 53)

([89])   حراسة الفضيلة، ص 97..

([90])   فتاوى اللجنة الدائمة (12/ 157)

([91])   سلسلة الهدى والنور شريط (697)

([92])   غارة الأشرطة (1/102)

([93])   فتاوى اللجنة الدائمة (17/ 123)

([94])   فتاوى اللجنة الدائمة (5/ 201)

([95])   فتاوى اللجنة الدائمة (5/ 202)

([96])   فتاوى اللجنة الدائمة (5/ 203)

([97])   فتاوى اللجنة الدائمة (5/ 203)

([98])   فتاوى نور على الدرب (22/2)

([99])   فتاوى اللجنة الدائمة (17/ 201)

([100])   المنتقى من فتاوى الفوزان (60 / 10)

([101])   شرح سنن أبي داود (101/37)

([102])   مجموع فتاوى ورسائل العثيمين(22/180)

([103])   مجموع الفتاوى والرسائل (2/167)

([104])   العادات الجارية في الأعراس الجزائرية (48-49)

([105])   العادات الجارية في الأعراس الجزائرية (49)

([106])   العادات الجارية في الأعراس الجزائرية (50)

([107])   العادات الجارية في الأعراس الجزائرية (38-39)

([108])   الكنز الثمين في سؤالات ابن سنيد لابن عثيمين(146)

([109])   المنتقى من فتاوى الفوزان(5/334)

([110])   فتاوى نور على الدرب(22/2)

([111])   الإمام أحمد (25949)، والترمذي (143)، وابن ماجه (531)

([112])   انظر موقع الإسلام سؤال وجواب.

([113])   فتاوى اللجنة الدائمة (17/ 107)

([114])   تفسير ابن كثير (6/ 45)

([115])   شرح سنن أبي داود(361/31)

([116])   فتاوى المرأة المسلمة(1 / 396، 397)

([117])   فتاوى نور على الدرب للعثيمين(22/2)

([118])   لقاء الباب المفتوح(14/49)

([119])   اللقاء الشهري(65/26)

([120])   شرح سنن أبي داود(450/19)

([121])   شرح سنن أبي داود(450/20)

([122])   شرح سنن أبي داود(450/20)

([123])   كشف الوعثاء، ص3.

([124])    البربهاري، شرح السنة، (ص: 47)

([125]) من الكتب المؤلفة حولها، وحول كيفية التعامل مع المخالفين على أساسها: تحفة الإخوان للشيخ حمود التويجري، سبيل النجاة، للشيخ حمد بن عتيق، الولاء والبراء، للشيخ محمد سعيد القحطاني، الموالاة والمعاداة للشيخ محمد الجلعود، الولاء والبراء للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، وخمستها مطبوعة.

([126]) مجموع الفتاوى 28 /231 232.

([127])   هجر المبتدع، ص3.

([128])   هجر المبتدع، ص3.

([129])   هجر المبتدع، ص4.

([130])   هجر المبتدع، ص5.

([131])   هجر المبتدع، ص13.

([132]) عقيدة السلف أصحاب الحديث: 100، 112.

([133]) عقيدة السلف أصحاب الحديث: 100، 112.

([134]) الحلية لأبي نعيم 8/103.

([135])  شرح أصول اعتقاد أهل السنة برقم 261.

([136]) الآجري في الشريعة 1/64.

([137]) البربهاري في شرح السنة /60.

([138]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة برقم 231.

([139]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة 3/636.

([140]) ابن بطة في الإبانة 1/40.

([141]) ابن بطة في الإبانة 1/40.

([142]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة برقم 274.

([143])  شرح أصول اعتقاد أهل السنة برقم 291.

([144])   نهج البلاغة: 53.

([145])   انظر أقوال الشيخ ربيع بن هادي في جمال الدين القاسمي  في [بيان مافي نصيحة إبراهيم الرحيلي من الخلل والإخلال] ص (١٤-١٥)]

([146])   نقلا عن: كتاب جمال الدين القاسمي وعصره ص ٢٧٤.

([147]) الجرح والتعديل ـ ص4.

([148]) الجرح والتعديل ـ ص10.

([149]) الجرح والتعديل ـ ص37.

([150]) الجرح والتعديل ـ ص38.

([151]) العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ، المقبلي، صالح بن المهدي، ص7 ـ 8،

([152]) أحسن التقاسيم ص366.

([153]) أحكام أهل الذمة (3/ 237)

([154]) أحكام أهل الذمة (1/ 340)

([155]) أحكام أهل الذمة (3/ 225)

([156]) أحكام أهل الذمة (3/ 226)

([157]) سنن الدارقطني ، ج4، ص371.

([158]) أحكام أهل الذمة (3/ 226)

([159]) أحكام أهل الذمة (3/ 226)

([160]) أحكام أهل الذمة (3/ 249)

([161]) أحكام أهل الذمة (3/ 262)

([162]) أحكام أهل الذمة (3/ 257)

([163]) أحكام أهل الذمة (3/ 254)

([164]) أحكام أهل الذمة (3/ 269)

([165]) أحكام أهل الذمة (3/ 261)

([166]) أحكام أهل الذمة (3/ 270)

([167]) المنتقى، ج3، ص165.

([168]) أحكام أهل الذمة (3/ 285)

([169]) أحكام أهل الذمة (3/ 285)

([170]) أحكام أهل الذمة (3/ 286)

([171])  البخاري، برقم 7137، ومسلم، برقم 1835.

([172]) مسلم، برقم 1836.

([173])البخاري برقم 7111، برقم 1735/ 10.

([174])  منهاج السنة النبوية 2/ 86

([175])  منهاج السنة النبوية 2/ 86

([176]) أخرجه شرح أصول اعتقاد أهل السنة1/154.

([177]) أخرجه شرح أصول اعتقاد أهل السنة1/160.

([178]) أصول الدين لابن أبي زمنين ص 288.

([179]) أخرجه ابن أبي زمنين في أصول السنة ص 289.

([180]) فتاوى شيخ الإسلام، 35/20-21.

([181]) انظر: أصول السنة للالكائي 1/167.

([182]) انظر شرح الطحاوية 2/555.

([183]) انظر الإنابة الصغرى ص 278.

([184]) انظر: شرح السنة للبربهاري ص 51.

([185]) انظر عقيدة السلف للصابوني ص 294.

([186]) انظر لمعة الاعتقاد ص 37.

([187]) انظر: مجموع الفتاوى 28/260، 35/38.

([188]) الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة، ص38-49.

([189]) انظر: فتوى الشيخ مطبوعة في آخر رسالة (حقوق الراعي والرعية)، ص27-28، وانظر: فوائد الآداب مع السلطان لنصيحته: الآداب الشرعية للإمام محمد بن مفلح المقدسي، 1/196-208.

([190])  سير أعلام النبلاء  (12/ 32)

([191])  سير أعلام النبلاء  (21/ 34) .

([192])  سير أعلام النبلاء  (12/ 36)

([193])  البداية والنهاية (10/ 387)

([194])  نقلا عن الآداب الشرعية والمنح المرعية (1/ 256)

([195]) الدرر السنية (7/ 282)

([196])  الدرر السنية (7/302)

([197])  الدرر السنية (7/ 309)

([198])  الدرر السنية (7/ 321)

([199])  مجموع فتاوى ابن باز (6/ 134)

([200])  الرد الشافي على مفتريات القذافي: ص99.

([201])  شريط (521) من سلسلة الهدى والنور.

([202])  شريط رقم 726 من سلسلة الهدى والنور.

([203]) .مجموع فتاوي ومقالات متنوعة تأليف الشيخ ابن باز: 6/152.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *