التراث السلفي.. والعلوم العقلية

التراث السلفي.. والعلوم العقلية

نريد بالعلوم العقلية هنا العلوم التي تستخدم العقل إما استخداما مجردا لفهم القضايا وتحليلها واتخاذ المواقف منها، أو تستخدم العقل لتفهم به النقل، أو لتوفق بينه ويبن العقل، أو لتجمع به بين ما اختلف فيه من النقل، وخاصة في التمييز بين المحكم والمتشابه.

وعندما نطبق هذا المفهوم على التراث الإسلامي نجد أن كل طوائف الأمة استعملته، حيث نجد عقلا كثيرا عند فلاسفة المسلمين ومناطقتهم ومتكلميهم، بل حتى فقهائهم وصوفيتهم.. فكل هؤلاء استعملوا العقل في خطاباتهم وتحليلاتهم ومواقفهم.

وكمثال على ذلك نجد أبا حامد الغزالي، وهو رجل جمع بين الفقه والكلام والتصوف وغيرها، يستعمل العقل في كل شيء: إما استعمالا مجردا، كما استعمله في مباحثه الفلسفية، أو استعمالا ممزوجا بالنقل، كما استعمله في مباحثه الكلامية والأصوليه، أو ممزوجا بالتجربة كما استعمله في التصوف والأخلاق، فقد راح في كتبه الصوفية يحلل الأخلاق تحليلا علميا عقليا استفاد بعضه من الفلاسفة السابقين، وأضاف بعضه من خلال تجربته ونظره المتدبر في النصوص.

وهكذا الأمر عند فرق المسلمين جميعا حيث نجد عقلا كثيرا عند الشيعة والإباضية والزيدية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية وغيرهم، فكتبهم العقدية والفقهية وغيرها تستعمل العقل وتعتبره مصدرا أساسيا للمعرفة لا يمكن أن يستغنى عنه.

وهكذا نجد الجميع يشيدون بالعقل ويحترمونه، ويحاولون قدر ما استطاعوا مراعاته، باعتباره أداة أساسية لفهم الشرع، كما قال الغزالي في كتابه [معارج القدس في مدارج معرفه النفس] تحت فصل مهم عنونه بـ (تظاهر العقل والشرع وافتقار أحدهما الى الآخر)، قال فيه: (اعلم أن العقل لن يهتدي إلا بالشرع، والشرع لم يتبين إلا بالعقل، فالعقل كالأس، والشرع كالبناء، ولن يغني أس ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أس.. وأيضا فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع، ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر.. وأيضا فالعقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمده فما لم يكن زيت لم يحصل السراج وما لم يكن سراج لم يضىء الزيت، وعلى هذا نبه الله سبحانه بقوله: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ} [النور: 35]، فالشرع عقل من خارج والعقل شرع من داخل وهما متعاضدان بل متحدان ولكون الشرع عقلا من خارج سلب الله تعالى اسم العقل من الكافر في غير موضع القرآن نحو قوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] ولكون العقل شرعا من داخل قال تعالى في صفة العقل: { فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } [الروم: 30]، فسمى العقل دينا ولكونهما متحدين قال: { نُورٌ عَلَى نُورٍ } [النور: 35] } أي نور العقل ونور الشرع، ثم قال: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ } [النور: 35] فجعلها نورا واحدا، فالشرع إذا فقد العقل لم يظهر به شيء وصار ضائعا ضياع الشعاع عند فقد نور البصر، والعقل إذا فقد الشرع عجز عن أكثر الأمور عجز العين عند فقد النور)([1])

هذه مقتطفات من كلام الغزالي، وهي كما رأينا كلمات مضمخة بعطر القرآن الكريم الممتلئ بالدعوة لإعمال العقل والفكر وكل ما أتيح للإنسان من وسائل التعرف على الحقائق، لأنه لا يمكن أن يعرف الله ولا الوجود، ولا أي شيء، من لم يستعمل ما أتيح له من تلك الأدوات المقدسة.

لكن السلفية وحدهم ـ من بين الأمة جميعا ـ من وقف موقفا سلبيا من العقل، ومن البحث العقلي، وذلك لأنهم رأوا من خلال التجربة، ومن خلال احتكاكهم بطوائف الأمة المختلفة أنهم لو جادلوا بالعقل لهزموا وبهتوا.. ولذلك كان الأسلم لهم هو ترك العقل والاكتفاء بالنقل.. فإن صعب هضم النقل ـ بالمفهوم السلفي ـ على العقل، قيل له: أمروه كما جاء.. أو ابلعوه كما هو بلحمه وعظمه.

وبهذا الاعتبار يمكن تقسيم الأمة الإسلامية إلى طائفة كبيرتين: طائفة عقلانية تقبل تدخل العقل في فهم النص، وتستعمله في تحليل القضايا ونحوها، وطائفة أخرى لا ترى استعمال العقل، لا استعمالا مجردا، ولا استعمالا ممزوجا.

وكمثال يبرهن على هذه القسمة لطوائف الأمة بهذا الاعتبار أننا نجد في تراث الأمة جميعا بمدارسها المختلفة منطقا، وتحليلات منطقية، بل نجد المنطق نفسه مقررا في مدارسها، وقد وضعت له المصنفات المختلفة التي تيسر على الطلبة تعلمه واستعماله إلا عند المدرسة السلفية، فهي وحدها التي شذت، فنظرت إلى المنطق نظرة سلبية ساخرة، كما نظرت إلى غيره من العلوم والأدوات التي تحتاج إلى العقل.

بناء على هذا كان التراث السلفي في العلوم العقلية معدوما، أو في حكم المعدوم، وما كتبه بعضهم حول هذه العلوم العقلية لا يعدو أن يكون محاولة لنقضها، أو إثبات عدم الحاجة إليها.

ولم يكتف السلفية بهذا.. بل ذهبوا إلى اتخاذ مواقف سلبية من كل العلوم المرتبطة بالعقل، حتى لو كانت علوما آلية مجردة.

بناء على هذا سنحاول في هذا الفصل أن نذكر مواقف السلفية سلفهم وخلفهم من أربع طوائف في الأمة، استعملت العقل إما استعمالا مجردا أو استعمالا ممزوجا، وهم المناطقة والفلاسفة والمتكلمون والعقلانيون، والتسمية الأخيرة استحدثها السلفية، ويقصدون بها المعاصرون من الذين ينتقدون التراث الإسلامي بسبب معارضته للعقل.

أولا ـ التراث السلفي والمنطق:

كما ذكرنا سابقا فإن الأمة جميعا بمختلف مدارسها وقراءاتها للإسلام اتفقت على اعتبار المنطق معيارا صالحا للتحاكم إليه في المسائل العقلية، ولذلك أدخلته في أكثر المعارف والعلوم، واستعملته كوسيلة لتيسير التواصل بين العقلاء، كما كان النحو وغيره من العلوم الآلية وسيلة لفهم الكلام.

ولهذا نرى أبا حامد الغزالي يضع في مقدمة كتابه في أصوال الفقه [المستصفى] مقدمة منطقية بعنوان [بيان حصر مدارك العلوم النظرية في الحد والبرهان]، ثم يذكر سبب وضعها في هذا الكتاب الأصولي، فيقول: (وليست هذه المقدمة من جملة علم الأصول ولا من مقدماته الخاصة به، بل هي مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلا، فمن شاء أن لا يكتب هذه المقدمة فليبدأ بالكتاب من القطب الأول فإن ذلك هو أول أصول الفقه وحاجة جميع العلوم النظرية إلى هذه المقدمة لحاجة أصول الفقه)([2])

وهكذا نرى اهتمام علماء الأمة جميعا بمختلف تخصصاتهم بوضع كتب أو مقدمات لهذا العلم حتى تعصم العقل من الوقوع في الزلل، وحتى يتدرب طلبة العلم على استخدام عقولهم أثناء البحث والمناقشة والتحليل والنقد.

ففي مدرسة الأشاعرة: نجد الغزالي (ت 505هـ) الذي ألف (معيار العلم في فن المنطق)، و(محك النظر)، و(القسطاس المستقيم)، وبعض فصول من مقدمة مقاصد الفلاسفة، ومقدمة المستصفى من علم الأصول، ومقدمة الاقتصاد في الإعتقاد، ومثله الرازي (ت 606هـ) الذي ألف في المنطق كتابه (المنطق الكبير)، و(الملخص في الحكمة والمنطق)، و(المباحث المشرقية)، ومن كتبه الكلامية التي خلط فيها علم الكلام بالمنطق وغيره من العلوم العقلية (محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين)، و(المطالب العالية في العلم الإلهي).. ومثلهما الآمدى (ت 631هـ) صاحب كتاب (دقائق الحقائق في المنطق)، والخونجي (ت646هـ) صاحب كتاب (مختصر صغير في المنطق)، وهو مشهور له انتشار واسع، وعليه شروح كثيرة، و(الموجز) وهو مختصر آخر، و(كشف الأسرار في المنطق)، و(ملخص المطالب العالية)، وغيرهم كثير..

وهكذا نجد أعلام المدرسة الماتريدية الذين تركوا الآثار الكثيرة في المنطق، ومن أبرزهم التفتازاني (ت 792هـ) صاحب (تهذيب المنطق والكلام)، و(شرح الرسالة الشمسية) كلاهما في المنطق، وخلط علم الكلام بالمنطق والفلسفة في (مقاصد علم الكلام)، و(شرح المقاصد).. ومنهم الشريف الجرجاني (ت816هـ) صاحب كتاب (تعريف العلم في المنطق).. ومجد الدين الرازي الملقب (مصنفك) (ت875 هـ) صاحب حاشية على حاشية الجرجاني على(المطالع)، وغيرهم كثير.

وهكذا نجد أعلام المدرسة الصوفية كالغزالي الذي سبق ذكره، والسهروردي المقتول (سنة 587هـ)، فقد ذكر المنطق في كتابه (حكمة الإشراق) و(اللمحات) و(التلويحات)، وابن سبعين (ت669هـ) في كتابه (بد العارف وعقيدة المحقق المقرب الكاشف، وطريق السالك المتبتل العاكف)

وهكذا نجد أعلام مدرسة الشيعة الإمامية، فمنهم نصير الدين الطوسي (ت672هـ) صاحب كتاب (تجريد الاعتقاد) وهو مثل كتاب (المواقف) و(المقاصد)، الثلاثة الأولى في الفلسفة والمنطق، والثلاثة الأخيرة في النبوة والإمامة والمعاد.. ونجد ابن المطهر الحلي (ت726هـ) صاحب (كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد)، و(الجوهر النضيد في شرح التجريد في المنطق)، و(القواعد الجلية في شرح الرسالة الشمسية)، وغيرها كثير.

هذه مجرد أمثلة بسيطة عن اهتمام طوائف الأمة بالمنطق، وتأليفهم فيه، ودراستهم له.. لكني لم أجد عند السلفية مع كثرة مؤلفاتها وكتبها كتابا في المنطق، أو أي اهتمام به اللهم إلا الكتب التي تشنع عليه وتحاول أن تنقضه أو تبين أنه لا قيمة له، والتي يفتخر بها السلفية كثيرا، ويتصورون أن إمامهم الأكبر ابن تيمية استطاع بذكائه الحاد أن يقضي على المنطق، ويبين عدم الحاجة إليه، وأنه لا ثمرة فيه، ولهذا نراهم يرددون دائما مقولته المعروفة في مقدمة رده على المناطقة: (فإني كنت دائما أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد ولكن كنت أحسب أن قضاياه صادقة لما رأيت من صدق كثير منها، ثم تبين لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه وكتبت في ذلك شيئا ثم لما كنت بالإسكندرية اجتمع بي من رأيته يعظم المتفلسفة بالتهويل والتقليد فذكرت له بعض ما يستحقه من التجهيل والتضليل. واقتضى ذلك أني كتبت في قعدة بين الظهر من الكلام على المنطق ما علقته تلك الساعة. ثم تعقبته بعد ذلك في مجالس إلى أن تم ولم يكن ذلك من همتي فإن همتي إنما كانت فيما كتبته عليهم في الإلهيات. وتبين لي أن كثيرا مما ذكروه في أصولهم في الإلهيات وفي المنطق هو من أصول فساد قولهم في الإلهيات، مثل ما ذكروه من تركيب الماهيات من الصفات التي سموها ذاتيات وما ذكروه من حصر طرق العلم في ما ذكروه من الحدود والأقيسة البرهانية بل وفيما ذكروه من الحدود التي يعرف التصورات بل ما ذكروه من صور القياس ومواده اليقينيات. فأراد بعض الناس أن يكتب ما علقته إذ ذاك من الكلام عليهم في المنطق فأذنت في ذلك لأنه يفتح باب معرفة الحق، وإن كان ما فتح من باب الرد عليهم يحتمل أضعاف ما علقته تلك الساعة)([3])

وقد اكتفى السلفية بهذه الجلسة التي راح ابن تيمية فيها يرد ما شاء، ويقبل ما شاء من غير تثبت ولا تحقيق، ومن غير إدراك منه لغايات المنطق.. ومثله في ذلك مثل رجل مر على قوم يتعلمون النحو.. فراح يسخر منهم، ويرى عدم أهمية ما يتعلمونه، غير مدرك للثمار العملية من ذلك.

وقد سئل ابن تيمية ـ كما في مجموع الفتاوى ـ عن (كتب المنطق)، فأجاب: (أما (كتب المنطق) فتلك لا تشتمل على علم يؤمر به شرعا وإن كان قد أدى اجتهاد بعض الناس إلى أنه فرض على الكفاية وقال بعض الناس: إن العلوم لا تقوم إلا به كما ذكر ذلك أبو حامد فهذا غلط عظيم عقلا وشرعا. أما (عقلا) فإن جميع عقلاء بني آدم من جميع أصناف المتكلمين في العلم حرروا علومهم بدون المنطق اليوناني. وأما (شرعا) فإنه من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الله لم يوجب تعلم هذا المنطق اليوناني على أهل العلم والإيمان. وأما هو في نفسه فبعضه حق وبعضه باطل والحق الذي فيه كثير منه أو أكثره لا يحتاج إليه والقدر الذي يحتاج إليه منه فأكثر الفطر السليمة تستقل به والبليد لا ينتفع به والذكي لا يحتاج إليه ومضرته على من لم يكن خبيرا بعلوم الأنبياء أكثر من نفعه؛ فإن فيه من القواعد السلبية الفاسدة ما راجت على كثير من الفضلاء وكانت سبب نفاقهم وفساد علومهم)([4])

وهكذا نجد ابن قيم الجوزية يسير على خطى شيخه في ذم المنطق في كثير من كتبه كـ (مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة) و(إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان) و(الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة)، وغيرها، وخلاصة فكرته في هذا ـ والتي يتبناها السلفية جميعا، ويرددونها كل حين ليمنعوا أتباعهم من النظر العقلي أو التفكير المنطقي ـ هي أن من كيد الشيطان على المتكلمين المنزهة (وتحيله على إخراجهم من العلم والدين: أن ألقى على ألسنتهم أن كلام الله ورسوله ظواهر لفظية لا تفيد اليقين، وأوحى إليهم أن القواطع العقلية والبراهين اليقينية فى المناهج الفلسفية، والطرق الكلامية، فحال بينهم وبين اقتباس الهدى واليقين من مشْكاة القرآن، وأحالهم على منطق يونان، وعلى ما عندهم من الدعاوى الكاذبة العريَّة عن البرهان، وقال لهم: تلك علوم قديمة صقلتها العقول والأذهان، ومرت عليها القرون والأزمان، فانظر كيف تلطف بكيده ومكره حتى أخرجهم من الإيمان والدين، كإخراج الشعرة من العجين)([5])

وهو يردد بفخر وجزم ما يردده السلفية من قدرة شيخهم على نقض المنطق، فيقول: (وزعم أرسطو وأتباعه أن المنطق ميزان المعانى، كما أن العروض ميزان الشعر، وقد بين نظار الإسلام فساد هذا الميزان وعوجه، وتعويجه للعقول، وتخبيطه للأذهان. وصنفوا فى رده وتهافته كثيرا. وآخر من صنف فى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، ألف فى رده وإبطاله كتابين، كبيرا، وصغيرا، بين فيه تناقضه وتهافته وفساد كثير من أوضاعه)([6])

وقد عبر عن موقفه هذا في قصيدته التي يحفظها السلفية، ويعتنون بها كثيرا([7]):

وعجبا لمنطق اليونان

   كم فيه من إفك ومن بهتان

مخبّط لجيد الأذهان

   ومفسد لفطرة الإنسان

مضطرب الأصول والمباني

   على شفا هار بناه الباني

أحوج ما كان إليه العاني

   يخونه في السر والإعلان

يمشي به اللسان في الميدان

   مشي مقيّد على صفوان

متصل العثار والتواني

   كأنه السراب بالقيعان

بدا لعين الظمى الحيراني

   فأمه بالظن والحسبان

يرجو شفاء علة الظمآن

   فلم يجد ثمّ سوى الحرمان

فعاد بالخيبة والخسران

   يقرع سن نادم حيران

قد ضاع منه العمر في الأمان

   وعاين الخفة في الميزان

وبناء على هذا أفتوا بحرمة تعلمه، وقد حكى ابن تيمية ذلك ـ كعادته ـ عن علماء الأمة وأئمتها، وكأن الغزالي وابن حزم وغيرهما كثير لم يكونا من علماء الأمة، يقول في ذلك: (ما زال علماء المسلمين وأئمة الدين يذمونه ويذمون أهله، وينهون عنه وعن أهله، حتى رأيت للمتأخرين فتيا فيها خطوط جماعة من أعيان زمانهم من أئمة الشافعية والحنفية وغيرهم، فيها كلام عظيم في تحريمه وعقوبة أهله، حتى إن من الحكايات المشهورة التي بلغتنا أن الشيخ أبا عمرو بن الصلاح أمر بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي، وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا. مع أن الآمدي لم يكن أحد في وقته أكثر تبحرا في العلوم الكلامية والفلسفية منه، وكان من أحسنهم إسلاما، وأمثلهم اعتقادا)([8])

وابن تيمية هنا يشيد بتشدد ابن الصلاح وبفتواه الخطيرة التي حرم فيها المنطق، والتي يرويها السلفية كثيرا، وكأنها نص قرآني معصوم، أو كأنها حديث من أحاديث أبي هريرة التي رواها البخاري.

وسأنقل هنا الفتوى كما وردت في فتاواه، فقد سئل عمن (يشتغل بالمنطق والفلسفة تعليما وتعلما وهل المنطق جملة وتفصيلا مما أباح الشارع تعليمه وتعلمه والصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون والسلف الصالحون ذكروا ذلك أو أباحوا الاشتغال به أو سوغوا الاشتغال به أم لا، وهل يجوز أن يستعمل في إثبات الأحكام الشريعة الاصطلاحات المنطقية أم لا وهل الأحكام الشرعية مفتقرة إلى ذلك في إثباتها أم لا وما الواجب على من تلبس بتعليمه وتعلمه متظاهرا به ما الذي يجب على سلطان الوقت في أمره وإذا وجد في بعض البلاد شخص من أهل الفلسفة معروفا بتعليمها وإقرائها والتصنيف فيها وهو مدرس في مدرسة من مدارس العلم فهل يجب على سلطان تلك البلاد عزله وكفاية الناس شره)([9])

فأجاب بقوله: (الفلسفة رأس السفه والانحلال ومادة الحيرة والضلال ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالحجج الظاهرة والبراهين الباهرة، ومن تلبس بها تعليما وتعلما قارنه الخذلان والحرمان واستحوذ عليه الشيطان، وأي فن أخزى من فن يعمي صاحبه أظلم قلبه عن نبوة نبينا k كلما ذكره ذاكر وكلما غفل عن ذكره غافل مع انتشار آياته المستبينة ومعجزاته المستنيرة حتى لقد انتدب بعض العلماء لاستقصائها، فجمع منها ألف معجزة وعددناه مقصرا إذا فوق ذلك بأضعاف لا تحصى فإنها ليست محصورة على ما وجد منها في عصره k، بل لم تزل تتجدد بعده k.. وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين وسائر من يقتدي به من أعلام الأئمة وسادتها وأركان الأمة وقادتها قد برأ الله الجميع من مغرة ذلك وأدناسه وطهرهم من أوضاره.. وأما استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية فمن المنكرات المستبشعة والرقاعات المستحدثة، وليس بالأحكام الشرعية والحمد الله افتقار إلى المنطق أصلا، وما يزعمه المنطقي للمنطق من أمر الحد والبرهان فقعاقع قد أغنى الله عنها بالطريق الأقوم والسبيل الأسلم الأطهر كل صحيح الذهن لا سيما من خدم نظريات العلوم الشرعية، ولقد تمت الشريعة وعلومها وخاض في بحار الحقائق والدقائق علماؤها حيث لا منطق ولا فلسفة ولا فلاسفة، ومن زعم أنه يشتغل مع نفسه بالمنطق والفلسفة لفائدة يزعمها فقد خدعه الشيطان ومكر به) ([10])

ولم يكتف ابن الصلاح بهذه الحملة الشديدة على المنطق، بل راح يحرض السلطان على المناطقة كما حرضه سلفه على الجهمية والمعتزلة، يقول في ذلك: (فالواجب على السلطان أعزه الله وأعز به الإسلام وأهله أن يدفع عن المسملين شر هؤلاء المشائيم ويخرجهم من المدارس ويبعدهم ويعاقب على الاشتغال بفنهم ويعرض من ظهر منه اعتقاد عقائد الفلاسفة على السيف أو الاسلام لتخمد نارهم وتنمحي آثارها وآثارهم يسر الله ذلك وعجله، ومن أوجب هذا الواجب عزل من كان مدرس مدرسة من أهل الفلسفة والتصنيف فيها والإقراء لها ثم سجنه وإلزامه منزله ومن زعم أنه غير معتقد لعقائدهم فإن حاله يكذبه والطريق في قلع الشر قلع أصوله وانتصاب مثله مدرسا من العظائم جملة والله تبارك وتعالى ولي التوفيق والعصمة وهو أعلم) ([11])

هذه هي فتوى ابن الصلاح، وقد طبقها ـ كما ذكر ابن تيمية ـ مع العلامة الكبير أبي الحسن الآمدي (المتوفى 631هـ) بسبب طرحه المسائل العقدية بطريقة عقلانية، لأن العقيدة لا ينبغي أن تطرح في الرؤية السلفية إلا عبر الرواية عن كعب اليمني، لا الرواية عن أرسطو اليوناني.

ثانيا ـ التراث السلفي والفلسفة:

نريد بالفلسفة هنا كل عمل عقلي تحليلي للقضايا بعيدا عن استخدام النقل، وهو منهج في التفكير، ولا حرج فيه ولا ضرر منه، لأن للعقل مجاله وللنقل مجاله.. ولكن السلفية يضعون ألف مشكلة ومشكلة في هذا ابتداء من سلفهم الأول.

حتى أنهم وضعوا من القواعد التي يجرح على أساسها الرواة استخدامهم التفلسف ـ كما يسمونه ـ ولهذا جرح الحافظ يحيى بن معين (ت ق: 3ه) أحمد بن صالح المصري المعروف بابن الطبري، بقوله: كذاب يتفلسف ([12]).. ومثله قال الحافظ ابن ناصر السلامي البغدادي(ق: 6ه) في الفقيه محمد بن زبيبة البغدادي (ت511ه): كان على عقيدة الفلاسفة لا تجوز الرواية عنه ([13]).

وقال شمس الدين الذهبي عن ابن سينا (ت 428ه): (ما أعلم أنه روى شيئا من الحديث، ولو روى ما حلت الرواية عنه، لأنه فلسفي النحلة، ضال لا رضي الله عنه) ([14])

وهكذا سار الخلف على درب السلف، وبناء على هذا لم يكن في تراث السلفية جميعا أي كتب فلسفية اللهم إلا الكتب التي حاول ابن تيمية أن ينظر بها للعقائد التجسيمية، وعلى أساسها استخرج حكمته المعروفة بالمكان العدمي، ونحو ذلك، وقد ذمه بسببها الذهبي ذما شديدا، فقال في رسالته [بيان زغل العلم والطلب]: (فإن برعت في الأصول وتوابعها من المنطق والحكمة والفلسفة وآراء الأوائل ومحارات العقول، واعتصمت مع ذلك بالكتاب والسُّنّة وأصول السلف، ولفقت بين العقل والنقل، فما أظنك في ذلك تبلغ رتبة ابن تيمية ولا والله تقاربها، وقد رأيتَ ما آل أمره إليه من الحطّ عليه والهجر والتضليل والتكفير والتكذيب بحقّ وبباطل، فقد كان قبل أن يدخل في هذه الصناعة منوَّرًا مضيئًا على مُحَيَّاه سِيْمَا السلف، ثم صار مظلما مكسوفا عليه قتمة عند خلائق من الناس، ودجّالاً أفّاكًا كافرًا عند أعدائه، ومبتدعًا فاضلاً محقّقًا بارعًا عند طوائف من عقلاء الفضلاء) ([15])

بناء على هذا نرى ذلك الانغلاق الشديد من السلفية عن كل فلسفة وفكر شأنهم شأن أسلافهم الأوائل، فهم لا يقفون موقفا سلبيا من الفلك والعلوم الحديثة فقط، بل يقفون موقفا سلبيا من كل نشاط فكري بشري، لعدم ثقتهم في عقائدهم التي يمكن أن تزعزعها أي فكرة أو فلسلفة.

وسأنقل هنا نصوصا مهمة لباحث درس الواقع السعودي وموقفه من الفلسلفة، وقد اختار هذا الواقع باعتباره امتدادا لفكر ابن تيمية، وقد سمى بحثه هذا [الحكمة المصلوبة]، ومما جاء في مقدمته قوله: (تتجاوز أهمية هذا البحث مجرد كونه عرضاً لموقف ابن تيمية من الفلسفة إلى توضيح آثار هذا الموقف على الواقع العلمي والثقافي في السعودية، فبسبب هذا الموقف توجد في السعودية قرابة عشر جامعات وعشرات الكليات لا تحوي بين جنباتها قسماً واحداً لدراسة الفلسفة، واعتماداً على نظرة ابن تيمية إلى الفلسفة التي تراها كفراً وضلالاً لم تتجرأ أي جامعة سعودية على فتح قسم للفلسفة في أيٍ من كلياتها، ولا على تدريس مواد فلسفية، وإن مرَّ ذكر الفلسفة عَرَضاً فينبغي وصفها بالكفر والضلال، والتأكيد على أن تحكيم العقل هو طريق الهلاك)([16])

وهو يذكر أن هذا الموقف لا يقتصر على المواقف الدينية البسيطة، بل تجاوزتها إلى الدراسات المتلبسة بقشرة أكاديمية، وقد عرض للتمثيل لذلك ثلاث دراسات يجمع بينها أنها مكتوبة من قبل ثلاثة من الأكاديميين ينتمون إلى جامعة واحدة من جامعات السعودية، بل إلى كلية واحدة وقسم واحد، وهي: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كلية أصول الدين، قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة.

أما الدراسة الأولى، فعنوانها [موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من آراء الفلاسفة ومنهجه في عرضها]، وقد ذكر مؤلفها أن من أسباب اختياره للموضوع (أن من يسمون بفلاسفة الإسلام قد أدخلوا على الأمة شراً عظيماً، بما انتحلوه من أفكار فلسفية ضالة، عملوا جهدهم في تقريبها من دين الإسلام؛ لكي تُقبل في أوساط المسلمين، وقد ابتلينا في هذا الزمان بمن يبرر هذه الأفكار الفلسفية من بعض المنتسبين إلى الإسلام والمستشرقين وغيرهم، على أنها تمثل فكر الإسلام الحقيقي ومنهجه الواقعي)([17])

وقد ذكر النتائج التي وصل إليها بحثه فكان منها: (كان لشيخ الإسلام اطلاع واسع على كتب الفلسفة، ومعرفة دقيقة بآراء الفلاسفة متقدميهم والمتأخرين، حتى إن خصومه منهم، ومن غيرهم، قد اعترفوا له بذلك، فصاروا يرجعون إليه في بيان دقائق مذاهبهم، وكشف خفايا أقوال أئمتهم)([18])، ويقول: (أرسطو لم يسلك مسالك الأساطين من الفلاسفة المتقدمين: كتاليس، وفيثاغورس، وسقراط، وأفلاطون، فإن هؤلاء كانوا يقولون بحدوث العالم، ويثبتون معاد الأبدان، وكانوا يثبتون الصفات والأمور الاختيارية للباري عز وجل. أما أرسطو فكان مشركاً، يعبد الأوثان، وهو أول من قال من الفلاسفة بقدم العالم، وسبب هذا الفرق بينه وبينهم هو أن أولئك المتقدمين كانوا يهاجرون إلى أرض الأنبياء بالشام، ويتلقون عن لقمان الحكيم، ومن بعده من أصحاب داود وسليمان، وأن أرسطو لم يسافر إلى أرض الأنبياء، ولم يكن عنده من العلم بآثار الأنبياء ما عند سلفه، والفلاسفة المنتسبون إلى الإسلام إنما نقلوا فلسفة أرسطو، وبآرائه تأثروا، فإنه كان معلمهم الأول)([19]). هذا بعض ما جاء في هذه الرسالة التي نال بها صاحبها درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى([20]).

أما الدراسة الثانية، فعنوانها [الآثار العقدية للوثنية اليونانية] وقد ذكر الباحث من نتائج بحثه هذا، أن من آثار الوثنية اليونانية في بلاد المسلمين (ما جلبه علينا المغرضون من بذر الخلاف بين المسلمين، وإحداث البدع والضلالة فيهم حتى وجد بين أهل الإسلام بدعٌ كفرية، تمثلت في كثير من الفرق والمقالات والمناهج كالفلسفة، والباطنية، والجهمية، والرافضة، وغلاة التصوف، وفروع كل منها.. ومنها ما نراه ونسمع به من آثار القوم مما يسمى بالدورة الأولمبية دورة الألعاب الأولمبية، والتي هي امتداد لأعياد الوثنيين ومناسباتهم الدينية، وأيضاً الثعبان الملتوي على كأس والذي أضحى علماً على الصيدليات، وربما المستشفيات الصغيرة والكبيرة.. يجب التنبيه والتحذير من السفر إلى تلك البلاد، لأنه ما زالت باقية معالم تلك الأمة الوثنية، في معابدها وملاعبها وتماثيل آلهتها ومساكنها ومواطن أعيادها، كما أن المتأخرين منهم قد اعتنوا بذلك وعدوه تراثاً وآثاراً مهمة لهم فحفظوها في متاحفهم وأماكن خاصة، ليرتادها الناس لا سيما السياح منهم –حيث بلاد اليونان من أكبر مراكز الاستقطاب السياحي في العالم) ([21])

وأما الدراسة الثالثة: فهي [حقيقة الحضارة الإسلامية]، وقد كتب المؤلف بحثه هذا وهو معيد في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، في كلية أصول الدين، وقد كفَّر واتهم بالزيغ والضلال كل فلاسفة الإسلام والمشتغلين منهم بعلوم الكيمياء والفلك ونحوها، وذكر أن هذا البحث إنما هو (جواب عمن جعل حضارة الإسلام هي النبوغ في علوم الفلاسفة والملاحدة وجعلها هي تشييد المباني وزخرفة المساجد، وجعل علماء الإسلام هم الملاحدة كابن سينا والفارابي ونحوهم، ويقول عن الفلسفة أنها: (منبع الضلالة، ومنجم الباطل، وقد عشَّش به الشيطان وضرب فيه قبابه، حرَّمه جميع المحققين من العلماء، ومن أدمن النظر فيه لم يسلم من الإلحاد، ودين أهل هذا العلم هو الكفر بالله) ([22])

ثالثا ـ التراث السلفي وعلم الكلام:

قد يعذر السلفية في موقفهم من الفلسفة، باعتبارها بحثا عقليا مجردا عن النقل، ولكنهم لا يعذرون أبدا في موقفهم من علم الكلام، لأنه علم يحترم النقل، ويرجع إليه، بل هو يحاول أن يطبق تلك الآيات الكريمة الكثيرة التي تدعو إلى النظر والفكر وإعمال العقل للوصول إلى الحقائق، والبرهنة عليها.

وقد وضح أبو محمد البربهاري البغدادي الحنبلي (ت 329هـ) في قانونه الذي وضعه للسلفية في كتابه [شرح السنة] سبب تشددهم في علم الكلام، فقال: (إذا أردت الاستقامة على الحق وطريق أهل السنة قبلك فاحذر الكلام، وأصحاب الكلام، والجدال والمراء، والقياس، والمناظرة في الدين، فإن استماعك منهم – وإن لم تقبل منهم – يقدح الشك في القلب، وكفى به قبولا فتهلك، وما كانت زندقة قط، ولا بدعة، ولا هوى، ولا ضلالة، إلا من الكلام، والجدال، والمراء، والقياس، وهي أبواب البدعة، والشكوك والزندقة.. فالله الله في نفسك، وعليك بالأثر، وأصحاب الأثر، والتقليد؛ فإن الدين إنما هو بالتقليد، ومن قبلنا لم يدعونا في لبس، فقلدهم واسترح، ولا تجاوز الأثر، وأهل الأثر، وقف عند المتشابه، ولا تقس شيئا، ولا تطلب من عندك حيلة ترد بها على أهل البدع، فإنك أمرت بالسكوت عنهم، ولا تمكنهم من نفسك)([23])

ثم نقل بعض مواقف سلفه في الصمت عن المناظرة والكلام فقال: (أما علمت أن محمد بن سيرين في فضله لم يجب رجلا من أهل البدع في مسألة واحدة، ولا سمع منه آية من كتاب الله، فقيل له، فقال: أخاف أن يحرفها فيقع في قلبي شيء) ([24])

وهذا يدل على ما ذكرناه سابقا من أن السلفية يدركون البنيان الهش الذي تقوم عليه عقائدهم التجسيمية، فلذلك يصمون آذانهم عن أي تساؤل أو إشكال يطرح عليهم، يقول البربهاري: (وإذا سألك أحد عن مسألة في هذا الكتاب، وهو مسترشد فكلمه، وأرشده، وإذا جاءك يناظرك، فاحذره، فإن في المناظرة المراء، والجدال، والمغالبة، والخصومة، والغضب، وقد نهيت عن هذا جدا، بخرجان جميعا من طريق الحق، ولم يبلغنا عن أحد من فقهائنا، وعلمائنا أنه ناظر أو جادل أو خاصم) ([25])

وليؤكد هذا المعنى لم يرجع ـ كعادته ـ إلى القرآن الكريم الممتلئ بأصناف المناظرات، وإنما رجع لسلفه، فقال: (قال الحسن: الحكيم لا يماري ولا يداري، حكمته ينشرها، إن قبلت حمد الله، وإن ردت حمد الله.. وجاء رجل إلى الحسن فقال له: أناظرك في الدين؟ فقال: الحسن: أنا عرفت ديني، فإن ضل دينك فاذهب فاطلبه) ([26])

وهكذا نجد الحافظ أبو الحسن اللاكائي (ت418هـ) يعتبر من البدع الحادثة الخطيرة ظهور المتكلمين، فقال في كتابه [شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة]: (فمضت على هذه القرون ماضون، الأولون والآخرون، حتى ضرب الدهر ضرباته، وأبدى من نفسه حدثاته، وظهر قوم أجلاف زعموا أنهم لمن قبلهم أخلاف، وادعوا أنهم أكبر منهم في المحصول، وفي حقائق المعقول، وأهدى إلى التحقيق، وأحسن نظرا منهم في التدقيق، وأن المتقدمين تفادوا من النظر لعجزهم، ورغبوا عن مكالمتهم لقلة فهمهم، وأن نصرة مذهبهم في الجدال معهم، حتى أبدلوا من الطيب خبيثا، ومن القديم حديثا، وعدلوا عما كان عليه رسول الله – k – وبعثه الله عليه، وأوجب عليه دعوة الخلق إليه، وامتن على عباده إتمام نعمته عليهم بالهداية إلى سبيله، فقال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} [البقرة: 231] فوعظ الله – عز وجل – عباده بكتابه، وحثهم على اتباع سنة رسوله، وقال في آية أخرى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125] لا بالجدال والخصومة، فرغبوا عنهما وعولوا على غيرهما، وسلكوا بأنفسهم مسلك المضلين وخاضوا مع الخايضين، ودخلوا في ميدان المتحيرين، وابتدعوا من الأدلة ما هو خلاف الكتاب والسنة؛ رغبة للغلبة وقهر المخالفين للمقالة، ثم اتخذوها دينا واعتقادا بعد ما كانت دلايل الخصومات والمعارضات، وضللوا من لا يعتقد ذلك من المسلمين، وتسموا بالسنة والجماعة، ومن خالفهم وسموه بالجهل والغباوة، فأجابهم إلى ذلك من لم يكن له قدم في معرفة السنة، ولم يسع في طلبها؛ لما يلحقه فيها من المشقة، وطلب لنفسه الدعة والراحة، واقتصر على اسمه دون رسمه لاستعجال الرياسة، ومحبة اشتهار الذكر عند العامة، والتلقب بإمامة أهل السنة، وجعل دأبه الاستخفاف بنقلة الأخبار، وتزهيد الناس أن يتدينوا بالآثار؛ لجهله بطرقها، وصعوبة المرام بمعرفة معانيها، وقصور فهمه عن مواقع الشريعة منها، ورسوم التدين بها، حتى عفت رسوم الشرائع الشريفة، ومعاني الإسلام القديمة، وفتحت دواوين الأمثال والشبه، وطويت دلايل الكتاب والسنة، وانقرض من كان يتدين بحججها؛ للأخذ بالثقة، ويتمسك بهما للضنة، ويصون سمعه عن هذه البدع المحدثة، وصار كل من أراد صاحب مقالة وجد على ذلك الأصحاب والأتباع، وتوهم أنه ذاق حلاوة السنة والجماعة بنفاق بدعته، وكلا أنه كما ظنه أو خطر بباله، إذ أهل السنة لا يرغبون عن طرايقهم من الاتباع وإن نشروا بالمناشير، ولا يستوحشون لمخالفة أحد بزخرف قول من غرور، أو بضرب أمثال زور)([27])

ثم ذكر النتائج الخطيرة التي أدت إليها مناظرة [المبتدعة]، فقال: (فما جني على المسلمين جناية أعظم من مناظرة المبتدعة، ولم يكن لهم قهر ولا ذل أعظم مما تركهم السلف على تلك الجملة يموتون من الغيظ كمدا ودردا، ولا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلا، حتى جاء المغرورون ففتحوا لهم إليها طريقا، وصاروا لهم إلى هلاك الإسلام دليلا، حتى كثرت بينهم المشاجرة، وظهرت دعوتهم بالمناظرة، وطرقت أسماع من لم يكن عرفها من الخاصة والعامة، حتى تقابلت الشبه في الحجج، وبلغوا من التدقيق في اللجج، فصاروا أقرانا وأخدانا، وعلى المداهنة خلانا وإخوانا، بعد أن كانوا في الله أعداء وأضدادا، وفي الهجرة في الله أعوانا، يكفرونهم في وجوههم عيانا، ويلعنونهم جهارا، وشتان ما بين المنزلتين، وهيهات ما بين المقامين)([28])

وهم يستدلون لهذا التشدد بمواقف ينسبونها لأئمة الفقه وغيرهم لسنا ندري مدى صحتها، فمن الروايات التي يرددونها كل حين([29]): أن أبا حنيفة سئل عما أحدث الناس من الكلام في الأعراض، والأجسام فقال: مقالات الفلاسفة عليك بالأثر وطريقة السلف وإياك، وكل محدثة فإنها بدعة.. وقال: لعن الله عمرو بن عبيد إنه فتح للناس الطريق إلي علم الكلام.. وقال محمد بن الحسن: كان أبو حنيفة يحثنا على الفقه، وينهانا عن الكلام.. وقال أبو يوسف: العلم بالكلام، والخصومة جهل، والجهل بالكلام علم.. وقال: من طلب الدين بالكلام تزندق.. وقال عبد الرحمن بن مهدي: من طلب الكلام فآخر أمره إلي الزندقة.. ودخل رجل على مالك بن أنس، فسأله عن القرآن. فقال لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد، لعن الله عمراً، فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام، ولو كان الكلام علماً لتكلم فيه الصحابة، والتابعون كما تكلموا في الأحكام، والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل.. وقال: إياكم وأهل البدع فقيل: يا أبا عبد الله، وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله، وصفاته، وكلامه، وعلمه، وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان.. وقال الشافعي: لقد اطلعت من أهل الكلام على شيءٍ والله ما توهمته قط، ولأن يبلى المرء بما نهى الله عنه خلا الشرك بالله خير من أن يبتلى بالكلام.. وقال: حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر، والقبائل، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب، والسنة، وأخذ الكلام.

وغيرها من الروايات الكثيرة التي يتصور السلفية أنهم بمجرد روايتهم لها يكونون قد قضوا على علم الكلام قضاء نهائيا لا حياة له من بعده.

ولم يكتف السلفية بتلك التحذيرات التي يوردونها كل حين في ذم المتكلمين الذين يستعملون عقولهم في فهم عقائد الدين.. وإنما راحوا يستعملون أسلحتهم المختلفة في مواجهتهم، وأولها سلاحهم الذي استعملوه من أيام معاوية، وهو الاستعانة بالظلمة والمستبدين.

وسأنقل هنا نصوصا تاريخية لبعض الصراع الذي حصل بين المتكلمين المنزهين، والسلفية المجسمين، وحتى لا أتهم بالتحيز، فإني سأنقل الأحداث كما ذكرها باحث أكاديمي من النمط الذي يحاول أن يجمع جهده بين السلفية والأكاديمية.. فيزين تلك الأباطيل السلفية ببعض الزخارف الأكاديمية ([30]).

أما النص الأول، فقد صور فيه كيف انتصرت الطائفة المجسمة المنصورة على الطائفة المنزهة المخذولة، وكيف استطاع أبو يعلى الفراء الحنبلي البغدادي(ت 458هـ) وكتابه التجسيمي الخطير [إبطال التأويلات] أن ينتصر على ما كتبه المتكلم المنزه أبو بكر بن فورك الأصبهاني الأشعري (ت406هـ) الذي صنف كتابا في تأويل النصوص المتشابهة، سيرا على نهج المتكلمين.

وقد اتهمه الأشاعرة كما هو واضح في كتابه بتجسيم الله تعالى وتشبيهه بمخلوقات، وكان ذلك سنة 429هـ ([31]).

ثم تجدد النزاع في سنة 432هـ، وجرت بينهما مناقشات حول ما جاء في كتاب أبي يعلى، وكثر حوله الكلام، فتدخل الخليفة القائم بأمر الله (422-467هـ)، وطلب الكتاب ليطّلع عليه، فقرأه ورده لمؤلفه، وأمر بعقد اجتماع للنظر فيما حدث بين المتنازعين من خصام، فاجتمع الفقهاء ودرسوا المسألة وناقشوها، وانتهوا إلى تأييد القاضي أبي يعلى الفراء، وكتبوا في ذلك محضرا نصروه فيه، كان في مقدمتهم الزاهد أبو الحسن القزويني (ت 442هـ)، كتب فيه: (هذا قول أهل السنة، وهو اعتقادي، وعليه اعتمادي)، ثم أخرج الخليفة الاعتقاد القادري الذي كتبه والده القادر بالله، تأييدا وموافقة لمذهب أبي يعلى الفراء([32])، وهو اعتقاد يعجب به السلفية كثيرا لأنه يرضي نزواتهم التجسيمية.

ويعلق الأكاديمي السلفي على هذا الانتصار العظيم الذي نصرهم الله به، بقوله: (ويُعد هذا الاحتجاج أول محاولة جماعية علنية معروفة، قام بها الأشاعرة، انتصارا لمعتقدهم، ووقوفا في وجه الحنابلة وأهل الحديث، الذين وجدوا الدعم المطلق من الخليفة العباسي القائم بأمر الله.. لكن هذه التسوية لم يرض بها الأشاعرة-رغم تظاهرهم بها-، فأظهروا احتجاجهم مرة أخرى على نفس الكتاب سنة 445هـ، فتدخل الخليفة القائم مرة أخرى وعقد اجتماعا للمتنازعين بدار الخلافة، حضره القضاة والأعيان، وتم الصلح بين الطرفين المتنازعين، وأُعلن إن القرآن كلام الله تعالى، وإن الصفات تُمر كما جاءت، وخرج القاضي أبو يعلى مرة أخرى منتصرا([33]).. وإعلانهم هذا هو رد على الأشعرية وإن لم يُسمها، فقولهم إن القرآن الكريم كلام الله، يعني إنه ليس هو حكاية ولا عبارة عنه، على حد قول الأشعرية، وقولهم (إن أخبار الصفات تُمر كما جاءت)، يعني إنها لا تُؤوّل على طريقة الأشاعرة، وإنما تُثبت على ظاهرها بلا تشبيه. وواضح أيضا إن هذا الصلح هو أيضا لم يرض به الأشاعرة، لكنهم أُجبروا على قبوله والتظاهر به، لأن الاجتماع لم يكن في صالحهم ورد عليهم. وهو أيضا- أي الصلح- لم يضع حدا للأزمة العقيدية القائمة بين أهل الحديث والأشاعرة، مما يعني مزيدا من المصادمات والفتن)([34])

أما النص الثاني، فينقل الباحث الأكاديمي السلفي فيه حادثة أخرى، يمجد فيها سلفه الذين وقفوا بشدة في وجه المتكلمين، وكيف استثمروا العوام في ذلك كما استثمروا السلطات الحاكمة، فيقول: (الحادثة الثالثة: خصام بين الحنابلة والأشاعرة داخل جامع المنصور ببغداد (سنة: 461ه) انفرد المؤرخ أبو علي ابن البناء الحنبلي، بذكر هذه الحادثة عن غيره من المؤرخين –الذين طالعت مصنفاتهم-، ومفادها إن مدرسا أشعريا جلس ذات يوم بجامع المنصور ببغداد، سنة 461هـ، فشرع في التعريض بأهل السنة من الحنابلة وأهل الحديث، وأشار إلى فضل أبي الحسن الأشعري ومن وافقه، وأوهم الحاضرين بأن أصحاب الأثر –أي أهل الحديث- يُشبّهون صفات الله تعالى بصفات البشر، فقام إليه بعض أهل الحديث، وأنزله من على الكرسي، لكنه عاد إليه، فقاموا إليه ثانية، وكسروا كرسيه، وعوّضوه برجل منهم([35]).. ولم يذكر ابن البناء تفاصيل هذه الحادثة، واكتفى بالعرض الإجمالي لها، وهي تعبير عن الأزمة التي كانت قائمة بين مذهبي السلف والخلف، وهي أيضا محاولة تدخل ضمن مساعي الأشاعرة الرامية إلى الجهر بمقالتهم، وإثبات ذاتيتهم ولتحدي الحنابلة وأصحاب الحديث الذين فرضوا الاعتقاد القادري على طوائف بغداد بقوة السلطة، دون أن يجرؤوا على الاعتراض عليه علانية، لكنهم كانوا يتحينون الفرص المناسبة لنصرة مذهبهم بطرقهم الخاصة التي تناسبهم، وقد جاءتهم الفرصة الذهبية التي كانوا ينتظرونها، فعندما تُوفي الخليفة القادر بالله سنة 467ه، كان الوزير السلجوقي نظام الملك (ت 485ه)، قد تولى الوزارة في الدولة السلجوقية، وكان هو أشعري المذهب، تغيّر حالهم –بدعمه لهم- وتمكّنوا من التعبير عن مذهبهم علانية، في فتنة ابن القشيري التي أدخلت الأزمة العقدية- التي عصفت بالمذهب السني- طورا جديدا، أكثر حدة وعمقا واتساعا)([36])

أما النص الثالث، فيذكر فيه الباحث الأكاديمي السلفي حادثة عنونها بهذا العنوان الذي يصور المتكلمين الدعاة إلى تنزيه الله بكونهم أصحاب فتنة [فتنة الواعظ أبي الفتوح الإسفراييني ببغداد]

وعبر عن العمل الدعوي الذي قام به هذا المتكلم انتصارا للتنزيه في وجه التشبيه والتجسيم الذي كان ينشره السلفية بين العوام، فقال: (دخل المتكلم الواعظ أبو الفتوح محمد الإسفراييني الأشعري (ت 538هـ) بغداد سنة 515، ومكث بها مدة طويلة، فحدثت بسببه فتن كثيرة كبيرة، بينه وبين الحنابلة، لأنه جعل شعاره إظهار مذهب الأشعري وذم الحنابلة والتهجم عليهم، وفي أحد الأيام مرّ بأحد شوارع بغداد مع جم غفير من أصحابه، وفيهم من يصيح ويقول: (لا بحرف ولا بصوت، بل عبارة)، فرجمه العوام، ثم تراجموا فيما بينهم وحدثت مصادمات عنيفة أدت إلى حدوث فتنة كبيرة لم تصلنا تفاصيلها)([37])

ثم علق على هذه الحادثة بقوله: (وهذا الواعظ كان متكلما، لذا وجدنا في أصحابه من يردد مقولة أشعرية كلامية، وهي: (لا بحرف ولا بصوت، بل عبارة)، ومعناها –عند الأشعرية- إن القرآن الكريم ليس كلام الله على الحقيقة، وليس بحرف ولا بصوت، بل هو عبارة وحكاية عن كلام الله النفسي القديم الذي لا يتعدد ولا يتبعّض، ولا ينفصل عن الذات الإلهية على ما تقوله الأشعرية، وهذه المسألة هي من أسباب الأزمة العقيدية التي عصفت بالمذهب السني، وهي مرتبطة بقضية الصفات، فأصبح العوام يخوضون فيها، ويرددونها كشعار للأشاعرة، وإغاضة للحنابلة وأهل الحديث، الذين يُعارضونهم في ذلك)([38])

وهكذا ذكر الأحداث الكثيرة، والتي لعب فيها العوام دورا كبيرا بسبب تلك التحريضات التي كان السلفية يقومون بها ضد المتكلمين..

ومن الأمثلة التي ذكرها على منهجه في رد اللوم على المتكلمين، واعتبارهم سبب الفتنة: (أن أحمد بن محمد سبط بن فورك (توفي قرن: 5هـ)، وعظ بالمدرسة النظامية، وكان أشعريا داعية لمذهبه، فتسبب في حدوث فتن بين الحنابلة والأشاعرة)([39])

ومنها أن (المتكلم عيسى بن عبد الله الغزنوي الشافعي، دخل بغداد سنة 495هـ وعظ بها وأظهر الأشعرية، فمن ذلك إنه وعظ ذات يوم بجامع المنصور وأظهر مذهب الأشعري، فمال إليه بعض الحاضرين، واعترض عليه الحنابلة، فنشب عراك بين الجماعتين داخل المسجد)([40])

ومنها أن (هذا الرجل-أي الغزنوي- مرّ ذات يوم برباط شيخ الشيوخ أبي سعد الصوفي ببغداد ليذهب إلى بيته، فرجمه بعض الحنابلة من مسجد لهم هناك، فهب أصحابه لنجدته والتفوا حوله)([41])

 ومنها أن (الفقيه أبا الحسن برهان الدين علي بن الحسن البلخي الحنفي (ت 548ه)، شيخ الحنفية ببلده، قدم دمشق سنة 510ه، وعقد بها مجلس وعظ وتذكير، وأظهر فيه خلافه للحنابلة وتكلم فيهم، فتصدوا له وتعصبوا عليه، فترك دمشق وتوجه إلى مكة المكرمة)([42])

ومنها أن (الواعظ الحسن بن أبي بكر النيسابوري الحنفي، دخل بغداد مع السلطان السلجوقي مسعود (ما بين سنتي: 515-530هـ)، فجلس للوعظ بجامع القصر ولعن أبا الحسن الأشعري علانية، وكان يقول: (كن شافعيا ولا تكن أشعريا، وكن حنفيا ولا تكن معتزليا، وكن حنبليا ولا تكن مشبها)([43])

ومنها أن (الواعظ المتكلم أبا الفتوح حمد بن الفضل الاسفراييني الأشعري (ت 538هـ)، دخل بغداد سنة 515هـ، وتفرّغ للوعظ واتخذه وسيلة لإظهار مذهب الأشعري والدعوة إليه، ومهاجمة خُصومه، وقد مارس ذلك علانية وبالغ في التعصب للأشعرية والحط على الحنابلة، فكثُرت بينه وبينهم اللعنات والفتن، وفي سنة 5ـ21ه رجمه العوام أكثر من مرة في الأسواق، ورموا عليه الميتات، ولعنوه وسبوه، لمبالغته في إظهار الأشعرية والدعوة إليها، فلما سمع بذلك الخليفة العباسي المسترشد بالله، منعه من الوعظ، وأمر بإخراجه من بغداد.. لكنه لما تُوفي الخليفة رجع إلى بغداد واستوطنها، وعاد إلى عادته القديمة، فأظهر الأشعرية وذم الحنبلية، وعادت الفتن واللعنات كما كانت عليه من قبل، فأُخرج ثانية من بغداد، وأُلزم بالمكوث ببلده)([44])

رابعا ـ التراث السلفي والعقلانية:

مثلما وقف سلف السلفية ذلك الموقف المتشدد من المتكلمين، فقد وقف خلفهم والمعاصرون منهم ممن يسمونهم من باب التنابز بالألقاب [عقلانيين]، وقد يسمون بعضهم [قرآنيين] نتيجة دعوتتهم إلى التحاكم إلى القرآن الكريم عند الخلاف، أو [تقريبيين] نتيجة دعوتهم إلى الوحدة والتقارب بين المذاهب الإسلامية.

ومن هؤلاء المشايخ الكبار الذين تمتلئ المكتبة الإسلامية بتراثهم في الدعوة إلى الرجوع إلى الإسلام الإلهي بدل الإسلام البشري، والذين لقوا حملة شديدة من لدن السلفية: جمال الدين الأفغاني (1254 – 1315هـ)، ومحمد عبده (1266هـ – 1323هـ)، ومحمد رشيد رضا (1282-1354هـ) وعبد الرحمن الكواكبي (1270-1320هـ) وعبد القادر المغربي (1284-1376هـ) وعبد الوهاب النجار (1278-1360هـ) ومحمد مصطفى المراغي (1298 – 1364هـ) وعبد المجيد سليم (1299-1374هـ) وشكيب أرسلان (1286 – 1366هـ) ومحمد أبو زهرة (1316-1394هـ) وعلى الخفيف (1308-1398هـ) ومحمد فريد وجدي (1295/1373هـ) وعباس العقاد (1306-1383هـ) ومحمد الغزالي (1335-1416هـ) ومحمد إقبال (1289-1307هـ) وغيرهم من علماء مدرسة الإحياء والتجديد.

ومن الأمثلة على هذه المواقف موقف المحدث السلفي الكبير الشيخ أبي عبدالرحمن مقبل بن هادي الوادعي، فقد وجه له بعضهم هذا السؤال: (نسمع كثيراً من الشيوخ يتكلمون عن محمد عبده وجمال الدين الأفغاني بأنهما قدما للإسلام خدمات جليلة، بينما البعض الآخر يقدح فيهما بأنهما ضد الإسلام وأنهما عار وشنار عليه وأنهما أصحاب المدرسة العقلية، نرجو منكم أن تعطونا صورة عنهم وعن المدرسة العقلية وحتى يكون الشباب على بينة من أمرهم؟)

فأجاب الشيخ المحدث السلفي الجليل، وكأنه يستعيد مواقف سلفه الأبطال كابن بطة والبربهاري وابن تيمية وغيرهم: (.. فجمال الدين الأفغاني قيل: إن أصله من إيران، وأنه متأفغن وليس أفغانياً بل أراد أن يلبس على الناس حتى لا يُعلم أنه إيراني، لعلمه بأن المجتمع الإسلامي يَكره الرافضة، وهو يعتبر دسيسة على الإسلام، فله مواقف سيئة، وربما بقي في روسيا وفي غيرها من البلاد الكفرية أعواماً، وهو الذي أنشأ مدرسة الهوى، لا أقول المدرسة العقلية، وإن كنت لعلي قد كتبت في (ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر) المدرسة العقلية، ولكني تفكرت فيما بعد، فإذا العقل الصحيح لا يخالف النقل الصحيح، فهي مدرسة الهوى، و(جمال الدين الأفغاني) و(محمد عبده المصري)، وتبعهما على ذلك (محمد رشيد رضا) نقضوا عرى الإسلام عروة عروة.. وكان (جمال الدين الأفغاني) و(محمد عبده) عملاء لأعداء الإسلام في الإطاحة بالدولة العثمانية – على ما فيها من البلاء – فهي دولة إسلامية.. وهناك كتاب بعنوان (المدرسة العقلية وأثرها في التفسير)، وكتاب (جمال الدين الأفغاني في ميزان الإسلام)، وقد ذكرت نبذة طيبة في كتاب (ردود أهل العلم في الطاعنين في حديث السحر، وبيان بُعد محمد رشيد رضا عن السلفية)، وقد حذف هذه الجملة الأخيرة صاحب المطبعة لغرض دنيوي.. والحمد لله قد عرف هذا الشباب المصري، وعرفنا أنهم لأن يلقبوا بمجددي الضلال أولى من أن يلقبوا بمجددي الإسلام، وبعض الناس يقولون: إن (جمال الدين الأفغاني) و(محمد عبده المصري) دخلا في الماسونية من أجل أن يعرفا ما فيها، وبعض الناس يقولون: إنهما دخلا في الماسونية ثم تابا، فأين الأدلة على هذا وذاك، إنهزاميان، أقل أحوالهما أنهما انهزاميان، ولا أقول أنهما انهزاميان، بل ضالان مضلان، وآله لأعداء الإسلام في هدم الإسلام)([45])

ويقول في موضع آخر مبينا موقفه المتشدد من الشيخ محمد رشيد رضا على الرغم من كونه يشاركه في تعظيم السلف، وفي الاهتمام بالحديث، وفي الموقف السلبي من الوحدة الإسلامية والتعايش بين المذاهب الإسلامية: (هذا ومما ينبغي أن يعلم أنه ليس بيني وبين محمد رشيد عداوة دنيوية، فهو شاميّ وأنا يمنيّ، وكلانا يجمعنا الإسلام، ولكني رأيت له ولجمال الدين الأفغاني ولمحمد عبده ومن سلك مسلكهم أخطاءً اشمأز منها قلبي، ورأيت أنه لا يجوز السكوت عليها، وأنا بحمد الله أعلم أنه ردّ على كثير من المبتدعة، منهم الرافضة فقد رأيت الرافضي الأثيم محسن أمين العاملي في كتابه (كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب) ذلك الكتاب الذي يدعو إلى الوثنيّة، رأيته فيه يرد على محمد رشيد رضا، ويتوجع من ردود محمد رشيد رضا عليهم، لكني أريد أن أبيّن أن الرجل ليس ملتزمًا بمذهب السلف الذي هو قبول ما جاء عن الله وعن رسوله k، من غير تأويل ولا تحريف ولا تعطيل ولا تضعيف لأحاديث صحيحة، ولا تصحيح لأحاديث ضعيفة، وقد تقدمت بعض الآيات وتحريفها عما يخرجها عن تفسير السلف.. فإن قلت: أيهم أضر على الإسلام محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، أم محمد رشيد رضا؟ قلت: محمد رشيد رضا، لأنه عالم بعلم الحديث، فهو يستطيع أن يلبّس على الجهال بعلم السنة ولذا فقد أكثر النقل عنه أبوريّة في ظلماته، ولما سئل عن ذلك قال ما معناه: إن محمد رشيد رضا عالم كبير ومشهور بالسلفية فأحب أن يكون كلامي مقبولاً)([46])

ويذكر من أسباب تهجمه عليه: (قدحه في كعب الأحبار ووهب بن منبه ([47]) وهو لم يسبق إلى هذا، اللهم إلا قول معاوية رضي الله عنه في كعب الأحبار: إنه يكذب، ولكنه مؤول على أنه بمعنى الخطأ، كما في الفتح([48]).. ووهب وثقه أبوزرعة والنسائي، وقال عمرو بن علي: كان ضعيفًا كما في تهذيب التهذيب، ووهب من رجال الشيخين، وكعب الأحبار روى له البخاري تعليقًا، ومسلم موصولاً، كما ذكره الحافظ في تهذيب التهذيب) ([49])

وهكذا لا ينجو من معاول الهدم السلفية أي أحد حتى لو شاركهم في كل شيء، وخالفهم في شيء واحد، وخاصة إن كان ممن يستعمل عقله، فإنه لا محالة سيصطدم معهم طال الزمن أو قصر.

ثم يذكر الشيخ الوادعي آثار الحملة السلفية على دعاة الإحياء والتجديد، فيقول: (وفي هذا الزمن شاع وذاع أن جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده المصري، ومحمد رشيد رضا، من المجددين وأنّهم علماء الفكر الحر، فقام غير واحد من المعاصرين ببيان ضلالهم وأنّهم مجدّدون للضلال وترهات الإعتزال فعلمت حقيقتهم، وصدق الله إذ يقول: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 17]، فصارت معرفة ضلالهم كلمة إجماع بين أهل السنة، لكن محمد رشيد رضا لم يوفّ حقه واغترّ بعض الناس ببعض كلماته في الردود على بعض أهل البدع، وما يدري أن عنده من البدع والضلال ما يقاربهم، ولقد صدق مروان بن محمد الطاطري إذ يقول كما في ترجمته من (ترتيب المدارك) للقاضي عياض: ثلاثة لا يؤتمنون: الصوفي والقصاص والمبتدع يرد على المبتدعة)([50])

ثم يذكر بعض النماذج التي أخرج الشيخ رشيد رضا بسببها من السلفية والسنية، فقال: (وكون محمد رشيد خالف أستاذه بعد وفاة أستاذه كما ذكره في المنار([51]).. فهل أقصر عن رد الأحاديث التي لا توافق هواه؟ الجواب: لا، فقد انتهى شيخه محمد عبده عند تفسير: { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [النساء: 126] ثم مشى على تضعيف ما لم يوافق هواه، وهل تراجع عن الأحاديث التي وافق شيخه على تضعيفها، وكان الواجب عليه أن ينبّه في أثناء التفسير وعند مناسبات المواضيع من الأحاديث)([52])

وهو يذكر جهاده كجهاد إخوانه من السلفية في الرد على العقلانيين فيقول: (كنت أحذر من أئمة الضلال وذكرت منهم جمال الدين الإيراني المتأفغن، ومحمد عبده المصري، ومحمد رشيد رضا، وكان ذلك بمسجد (النزيلي) بصنعاء، وبعد أيام التقيت بأخ محب للخير فنصحني أن لا أذكرهم فإنّهم قدموا خدمات جليلة للإسلام، ولم يكن الوقت متسعًا لتفهيم الأخ ببعض ضلالهم.. وفى أخرى كتب إليّ من مصر بعض الإخوة يقول: إنه قيل له: لم ذكرت محمد رشيد في الصحيح المسند من دلائل النبوة؟ وشاركته مع أولئك في الضلال، وهو معروف بالسلفية، فكتبت للأخ: إقرأ كتابه المنار الذي هو بالظلام أشبه، وكذا مجلة المنار، وستقول إن شاء الله: أف لهذه السلفية، ستجده بعيدًا عن السلفية، والسلفية بعيدة عنه، فأنا أحيل طلبة العلم الذين قد عرفوا الحق من الباطل أن يرجعوا إلى كتبه، وأنا متأكد أنّهم سيعلمون أنه بريء من السلفية، والسلفية بريئة منه)([53])

هذه بعض مواقف شيخ واحد من مشايخ السلفية.. ولتأكيد هذا سأنقل مواقف شيخ آخر لا يزال حيا يرزق، ولا يزال أتباعه الكثيرون يجثون على بابه في كل بلاد العالم الإسلامي، يشيدون به وبمآثره في إحياء التجريح السلفي، الذي حاول البعض إماتته بمعايير الموازنات وتحمل الأخطاء.

وهذا العلم الكبير هو الشيخ ربيع بن هادي عمير المدخلي (ولد عام 1351 هـ)، وقد لقي من السلفية بسبب ردوده الكثيرة على الكثير من الأعلام حتى من المدرسة السلفية نفسها إقبالا شديدا، فقد كتب في الرد على سيد قطب وحده بسبب فكره العقلاني الكثير من الكتب منها (أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره)، و(مطاعن سيد قطب في أصحاب رسول الله k)، و(العواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم)

وكتب في الرد المتشدد على غيره حتى لو كانوا سلفية (الحد الفاصل بين الحق والباطل حوار مع بكر أبو زيد)، و(مجازفات الحداد)، و(المحجة البيضاء في حماية السنة الغراء)، و(جماعة واحدة لا جماعات وصراط واحد لا عشرات: حوار مع عبد الرحمن عبد الخالق)، و(النصر العزيز على الرد الوجيز)، و(التعصب الذميم وآثاره. عني به سالم العجمي)، و(بيان فساد المعيار، حوار مع حزبي متستر)، و(التنكيل بما في توضيح المليباري من الأباطيل)، و(دحض أباطيل موسى الدويش)، و(إزهاق أباطيل عبداللطيف باشميل)، و(انقضاض الشهب السلفية على أوكار عدنان الخلفية) وغيرها من الكتب.

ومن بين هذه الكتب التي تناول فيها من يسميهم العقلانيين بسبب موقفهم من أحاديث الآحاد كتابه [حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام]، والذي قدح فيه بشدة على كل من يستعمل القرآن الكريم أو يستعمل عقله في تضعيف الأحاديث التي تسيء إلى الإسلام، أو يحاول أن يفهم القرآن الكريم بما هداه إليه تدبره فيه.. أو يستعمل عقله لأي غرض من الأغراض.

وحتى نعرف جيدا منهج النقد والنقض التي يقوم به السلفية للتفكير العقلاني، سأسوق هنا ردود الشيخ ربيع على بعض ما قاله الشيخ جمال الدين الأفغاني، لنقارن بين عقل الراد والمردود عليه، ونرى تهافت السلفي حين يضرب عملاقا كالأفغاني بقزم كربيع.

فمن النصوص التي ساقها الشيخ ربيع عن الأفغاني، واعتبرها من ضلالاته قوله: قرأت في القرآن أمراً تغلغل في فهمه روحي وتنبهت إليه بكليتي وهو {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } [البقرة: 30]، فاندهشت الملائكة لهذا النبأ ولهذه المشيئة الربانية إذ علمت أن ذلك الخليفة سيكون الإنسان، وأن ذلك الإنسان – الخليفة- سيصدر منه موبقات وسيئات، أعظمها وأهمها أنه { يَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30]، فقالت بملء الحرية المتناسبة مع الملأ الأعلى وعالم الأنوار والأرواح الذي لا يصح أن يكون هناك شيء من رياء ونفاق: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30]، ووقفت الملائكة عند هذا الحد من الطعن في الإنسان ولم تذكر باقي السيئات من أعماله إذ رأتها لغواً بالنسبة لهذين الوصمين الفساد وسفك الدماء)([54])

ومع أن هذا الكلام لا شيء فيه، وهو يبين حرمة الدماء، وخطر سفكها، وقيمة الإنسان، ومع ذلك لم يرق هذا للشيخ ربيع، واعتبره من ضلالته.

وهكذا علق على قوله: (وبأبسط المعاني إن الله تعالى أفهم الملائكة أنكم علمتم ما في خليفتي في الأرض وهو الإنسان من الاستعداد لعمل الفساد وسفك الدماء، وجهلتم ما أعددته لصونه وصرفه عن الإتيان بالنقيصتين المذكورتين ألا وهو العلم فقال: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 31]) بقوله: (وهذا تفسير ديمقراطي، كأن الملائكة حزب معارض) ([55])

وهكذا اعتبر من مآخذه الكبيرة قوله في تدبر ما ورد في القرآن الكريم عن سليمان عليه السلام في سورة النمل: (غضب سليمان -عليه السلام- على الهدهد إذ تفقده ولم يجده فلما حضر قال: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ} (النمل: 22)، غير ملفق ولا مشوب بالكذب كما تفعل أكثر الجواسيس مع الملوك والحكام {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} (النمل: 23).. فلما جاء الكتاب إلى ملكة سبأ جمعت فوراً مجلس الأمة { قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ} (النمل: 32)، وبعد أن تداول مجلس الأمة – الوزراء اليوم مثلاً- واستخرجوا إحصاءً من سجلاتهم بما عندهم من المعدات الحربية أعلنوا للملكة وأنبؤوها أنه في إمكانهم محاربة سليمان بما توفر لديهم من القوة إذا هي وافقت على إعلان الحرب {قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} (النمل: 33).. فرد سليمان الهدية وتحفز لإخراج الملكة وقومها أذلة بالحرب وأراد أن يريها ما لديه من القوى وما تسخر له من الريح يمتطيها وتجري بأمره -طيارات مثلاً- وسرعة نقل الأخبار والأشياء -التلغراف اللاسلكي مثلاً)([56])

فهذه القراءة التي حاول فيها الشيخ جمال الدين الأفغاني أن ينزل المعاني القرآنية إلى الواقع، اعتبرها الشيخ ربيع من الشطحات والضلالات، لأنه رغب عن تفسير السلف المملوء بالأساطير إلى هذا التفسير العقلاني.

ومن مآخذه على الشيخ جمال الدين الأفغاني قوله في تفسير قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3] بأنه (قيد من خاف أن لا يعدل بالمرأة الواحدة وترك لمن يخشى أن لا يعدل -حتى مع المرأة الواحدة- عدم الزواج وهذا ما يستنتجه العقل مادام يحمله العاقل ويقول به الحق والعدل)([57])

وهذا طبعا لا يعجب الشيخ ربيع، ولا جميع مشايخ السلفية، لأنهم يتصورون حريتهم المطلقة في عالم النساء، اقتداء بما يصورونه عن الأنبياء عليهم السلام، وبناء على أن سلفهم استطاع أن يحتال لهم على العدالة التي شرطها القرآن الكريم بفنون من الحيل جعلتها لا قيمة لها، بل جعلتها لا تختلف عن الجور نفسه.

ومن مآخذه على الشيخ جمال الدين الأفغاني قوله في تفسير قوله تعالى: {وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا} [الكهف: 47]: (أي خارجة عن محورها غير راضخة للنظام الشمسي، وإذا ما حصل ذلك فلا شك يختلف ما عرف من الجهات اليوم فيصير الغرب شرقاً والجنوب شمالاً، وبذلك الخروج عن النظام الشمسي وما يحدث من الزلزال العظيم، لا شك تتبعثر الأرض لبعدها عن المركز، وتنسف الجبال نسفاً، وتتحول براكين هائلة، وبالنتيجة تخرب الكرة الأرضية ويعمها الفناء بما فيها من الحيوان وتقوم القيامة والله أعلم)([58])

ومع كون هذا مجرد اجتهاد من الشيخ، وهو أفضل بكثير من تلك الخرافات التي يسوقها سلف السلفية وخلفهم، إلا أن الشيخ ربيع رد على هذا بشدة، وقال: (.. ولماذا يتحدث على الطريقة الغربية لا على الطريقة الإسلامية المستمدة من القرآن -الذي يرى أنه وحده كتاب الهداية- فلماذا لا يهتدي به؟!. وهل يرى أزلية أو أبدية الكون فلا يلحقه التغير الذي تحدث عنه القرآن وآمن به المؤمنون؟!)([59])

ومن مآخذه عليه ـ وهي نفس مآخذ السلفية على كل دعاة التحرر ـ قوله، وهو يخاطب المصريين داعيا لهم إلى التحرر من نير الاستعباد: (إنكم معاشر المصريين قد نشأتم في الاستعباد وربيتم بحجر الاستبداد وتوالت عليكم قرون منذ زمن الملوك الرعاة حتى اليوم وأنتم تحملون عبء نير الفاتحين وتعنون لوطأة الغزاة الظالمين تسومكم حكوماتكم الحيف والجور، وتنزل بكم الخسف والذل، وأنتم صابرون بل راضون، وتنتزف قوام حياتكم ومواد غذائكم المجموعة بما يتحلب من عروق جباهكم بالمقرعة والسوط.. تناوبتكم أيدي الرعاة ثم اليونان والرومان والفرس ثم العرب والأكراد، والمماليك، ثم الفرنسيين والمماليك والعلويين كلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه ويهيض عظامكم بأداة عسفه وأنتم كالصخرة الملقاة في الفلاة لا حس لكم ولا صوت، انظروا أهرام مصر وهياكل منفيس وآثار ثيبة ومشاهد سيون وحصون دمياط شاهدة بمنعة أجدادكم. وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إنّ التشبه بالرشيد فلاح)([60])

ومع كون هذا حقيقة لا يمكن تفنيدها، لكن بسبب تقديس السلفية للتاريخ الإسلامي وللمستبدين خصوصا، اعتبروا أي نقد له، ولأولئك المستبدين الذين جلدوا ظهور الناس وملأوا حياتهم بأنواع الغصص نقدا للإسلام نفسه.

فلذلك يعلق عليه بقوله: (انظر كيف اعتبر الفتح الإسلامي دخول مستعمرين مستبدين لا يفرق بينه وبين الاستعباد والاستبداد اليوناني والروماني إلخ. وانظر كيف يشيد بحضارة الفراعنة ويحض المصريين على الاعتزاز بها، ورؤية الفلاح والرشد في التشبه بهم. إنّه لا يستغرب مثل هذا المكر والموقف من الإسلام من رجل فيلسوف رافضي ماسوني، وإنما المستغرب أن يكون له أتباع في بلاد الإسلام من مفكرين ومفسرين يعظمونه ويسيرون على منواله إن لم يكن في كل شيء ففي أصول ومناهج أثخنت في الإسلام والمسلمين) ([61])

ومن مآخذه التي أخذها عليه ـ كما يعبر ـ اعتباره (سبب الهداية هو القرآن وحده وهو وحده العمدة)، وذلك عند قوله: (القرآن وحده سبب الهداية، أما ما تراكم عليه وتجمع حوله من آراء الرجال واستنباطهم ونظرياتهم، فينبغي ألا نعول عليه كوحي وإنما نستأنس به كرأي، ولا نحمله على أكفنا مع القرآن في الدعوة إليه وإرشاد الأمم إلى تعاليمه، لصعوبة ذلك وتعسره وإضاعة الوقت في عرضه، ألسنا مكلفين بالدعوة إلى الإسلام وحمل الأمم على قبوله؟ وهل تمكن الدعوة من دون ترجمة تعاليم الإسلام إلى لغة الأقوام الذين ندعوهم؟ هل في طاقة سكان البرازيل -مثلاً- إذا أردنا دعوتهم إلى الإسلام أن يفهموا كنه الإسلام من ترجمة علماء الإسلام وآرائهم المتشعبة في تفسير القرآن والحديث؟ ألق نظرك على فهرست أحد الكتب الدينية الكبرى، وتأمل فيها ما الذي يمكن عرضه والدعوة إليه من أحكامه وتعاليمه وما لا يمكن تجد أن ما لا يمكن العمل به ولا الدعوة إليه ولا تطبيق مفاصلة أصبح عبئاً يجب الاستغناء عنه بما يمكن والممكن هو ما في القرآن وحده) ([62])

وهذا الكلام المنطقي الجميل العظيم لا يعجب السلفية، لأنهم لا يريدون من القرآن الكريم سوى تلك الحسنات التي ينالونها منه عند تلاوته، أو تلك الأموال التي ينالونها عند استخدامه في الرقية والصراع مع الجن.. أما التحاكم إليه شؤون الحياة وفي كل شيء، فهو مشروط عندهم بفهم السلف.. أو بعباره أخرى أدق، كلام السلف يغني عن القرآن الكريم.. والقرآن الكريم لا يغني عن السلف.

ولهذا علق على تلك الجواهر التي نطق بها الأفغاني في وقت كان فيه العالم الإسلامي مملوءا بكل أنواع التخلف والخرافة، بقوله: (وهذا فيه صرف الناس عن السنة النبوية التي لا يفهم كثير من نصوص القرآن ولا يمكن تطبيقها إلا بالسنة المبينة لمجملاته والمخصصة لعموماته والمقيدة لمطلقاته والمتحدثة عن كثير مما سكت عنه القرآن، كما هو إلغاءٌ لتفسير أئمة الإسلام، ومن سار على نهجهم من أعلام الأمة في فهم القرآن ومعرفة معانيه ومقاصده ومراميه… إن الرجل يريد أن يفك ارتباط المسلمين بسنة نبيهم k وتراث سلفهم الصالح ثم ربطهم بضلالاته وخرافاته بما فيها من إلحاد وهدم للإسلام تلك الطوام التي أسلفنا الإشارة إليها قريباً. هذا هو مغزى هذا الرجل ومن وراءه من الاستعماريين والماسونيين، وبهذا القول أخذ منكرو السنة النبوية) ([63])

هذه نماذج عن المسائل الكبرى التي اعتبرها الشيخ ربيع شطحات لجمال الدين الأفغاني، وبسببها اعتبره مهرطقا وزنديقا..

وهو يكيل نفس التهم للشيخ محمد عبده الذي لم يسلم هو الآخر من تجريحه مع كونه مصريا، وليس إيرانيا، وسنيا وليس شيعيا.. لأن السلفية يغيرون سيوفهم التي يطعنون بها العقلاء والعلماء بحسب الأحوال، فهذا هو حظهم الوحيد من العقل.

يقول الشيخ ربيع في التقديم للشطحات التي تصور أن محمد عبده وقع فيها: (وحامل لواء هذه المدرسة ومرسخ جذورها هو محمد عبده المصري الذي ضخمه النافخون في كير هذه الفتنة الكبيرة فسموه بالأستاذ الإمام فإنّ له مقالات تدل على فساد عقيدته وقبح منهجه)([64])

ثم أخذ يسرد هذه المقولات، وأولها قوله: (كنت فيمن دعا الأمة المصرية إلى معرفة حقها على حاكمها وهي هذه الأمة لم يخطر لها هذا الخاطر على بال من مدة تزيد على عشرين قرناً، دعوناهم إلى الاعتقاد بأن الحاكم وإن وجبت طاعته هو من البشر الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم، وأنه لا يرده عن خطئه ولا يوقف طغيان شهوته إلا نصح الأمّة له بالقول والفعل، جهرنا بهذا القول والاستبداد في عنفوانه، والظلم قابض على صولجانه، ويد الظالم من حديد، والنّاس كلّهم له عبيد أي عبيد)([65])

ثم عقب عليه بقوله: (أقول: سبحان الله!! دخلت مصر في الإسلام في مطالع القرن الأول الهجري ونعمت به طوال أربعة عشر قرناً، فلم تعرف طوال هذه الفترة ولم يخطر ببال علمائها ومفكريها وطلاب العلم حتى العوام حقها على الحاكم حتى جاء محمد عبده وعرفها هذا الحق!!، لعل هذا الحق الذي عرفه محمد عبده من غير الإسلام أليس الإسلام قد عرف الأمة حقها على الحاكم وحق الحاكم عليها وحقوق المسلمين بعضهم على بعض وحقوق سائر البشر بل حقوق البهائم والطيور؟)([66])

وهكذا اعتبر من (كوارثه المزلزلة للإسلام وأهله: دعوته إلى التقريب بين الأديان السماوية، فبعد عودته من فرنسا إلى بيروت أنشأ جمعية سياسية دينية سرية هدفها التقريب بين الأديان الثلاثة السماوية (الإسلام واليهودية والنصرانية) وإزالة الشقاق من بين أهلها، والتعاون على إزالة ضغط أوربا عن الشرقيين، ولا سيما المسلمين منهم وتعريف الإفرنج بحقيقة الإسلام وحقيته من أقرب الطرق.. وكان الشيخ محمد عبده صاحب الرأي الأول في موضوعها ونظامها.. ودعا أعضاؤها إلى فكرتهم في صحفهم ورسائلهم) ([67])

وعلق على هذا الموقف النبيل، والذي يتماشى مع ما يدعو إليه القرآن الكريم من تلاحم بين الإنسانية وتوحد بينها على القيم الرفيعة، بقوله: (ولا ندري إلى أي إسلام يدعى الإفرنج؟ أهو الإسلام الذي جاء به محمد k الذي أدان اليهود والنصارى وعقائدهم بالكفر والشرك؟ أم المزيج المركب من الرفض والماسونية وغيرها من الضلالات التي تحملها هذه الجمعية) ([68])

هذه مجرد نماذج عن الردود التي يدندن حولها السلفية عند نقدهم لكل مفكر حر يريد أن يحرر الأمة من نير التخلف الذي أوقعه فيه سلفها، ويريد أن يظهر الإسلام بصورته الجميلة الناصعة المتسامحة، والتي يقف السلفية حجر عثرة دون تحققها، لأن تحققها يعني انهيار المشروع الشيطاني في هذه الأمة، ولا يمكن للسلفية أن يعيشوا مع انهياره، لأنهم أبرز أعمدته.


([1])  معارج القدس في مدارج معرفه النفس (ص: 57)

([2])  المستصفى (ص: 10)

([3])  الرد على المنطقيين (ص: 3)

([4])   الفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/ 87)

([5])  (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 119)

([6])  إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (2/ 260)

([7]) ابن قيم الجوزية: مفتاح دار السعادة، ج1 ص: 158 .

([8])  مجموع الفتاوى (9/8)

([9])  فتاوى ابن الصلاح (1/ 209)

([10])  فتاوى ابن الصلاح (1/ 209)

([11])  فتاوى ابن الصلاح (1/ 210)

([12]) الذهبي: السير، ج12 ص 165.

([13]) الذيل على طبقات الحنابلة، ص 323 .

([14]) ميزان الاعتدال، ج2 ص 294.

([15]) انظر نص الرسالة كاملا في (السيف الصقيل رد ابن زفيل) السبكي – هامش ص 211- 219  – مكتبة زهران – ومعه تكملة الرد على نونية ابن القيم بقلم: محمد زاهد بن الحسن الكوثري – تقديم: لجنة من علماء الأزهر.

([16])  الحكمة المصلوبة: ص6.

([17])موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من آراء الفلاسفة ومنهجه في عرضها ص، د، من المقدمة.

([18])موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من آراء الفلاسفة ومنهجه في عرضها ، ص 590.

([19]) المرجع نفسه.

([20])  الحكمة المصلوبة، ص7.

([21]) الآثار العقدية للوثنية اليونانية ص 83.

([22])  الحكمة المصلوبة، ص8.

([23])  شرح السنة للبربهاري (ص: 124)

([24])  شرح السنة للبربهاري (ص: 124)

([25])  شرح السنة للبربهاري (ص: 124)

([26])  شرح السنة للبربهاري (ص: 125)

([27])  شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 17)

([28])  شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 19)

(1) الآثار التي ننقلها هنا كلها رواها العجلي في ذم الكلام وأهله ج1ص85، فما بعدها.

([30])  وذلك من كتاب [الأزمة العقيدية بين الأشاعرة وأهل الحديث – خلال القرنين:5-6 الهجريين-   مظاهرها، آثارها، أسبابها، والحلول المقترحة لها] للباحث الدكتور  خالد كبير علال – حاصل على دكتوراه دولة في التاريخ الإسلامي من جامعة الجزائر -.

([31]) الكامل في التاريخ، وابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 6 ص: 54.

([32]) أبو الحسين بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 197، 198 .

([33]) طبقات الحنابلة،، ج 2 ص: 198.

([34])  الأزمة العقيدية بين الأشاعرة وأهل الحديث، ص18.

([35]) ابن البناء: يوميات ابن البنا،، نشرها جورج مقدسي، في مجلة مدرسة الدراسات الشرقية والافريقية، بجامعة لندن  مج19 ص 15.

([36])  الأزمة العقيدية بين الأشاعرة وأهل الحديث، ص20.

([37]) العبر في خبر من خبر ج 4 ص: 105.

([38])  الأزمة العقيدية بين الأشاعرة وأهل الحديث، ص25.

([39]) ابن حجر: لسان الميزان، ج 1 ص: 304.

([40]) ابن الجوزي: المنتظم، ج 9 ص: 131.

([41]) ابن الجوزي: المنتظم، ج 9 ص: 131.

([42]) ابن عساكر: تاريخ دمشق، ج 41 ص: 339.

([43]) ابن الجوزي: المنتظم،، ج 10 ص: 110.

([44]) ابن الجوزي: المنتظم، ج10 ص: 110 .

([45])  تحفة المجيب ص 211.

([46])  قمع المعاند 2 / 332.

([47])  المنار (ج9 ص480)

([48])  الفتح (ج13 ص346)

([49])  قمع المعاند 2 / 332.

([50])  قمع المعاند 2 / 333.

([51])  المنار ص(16)

([52])  قمع المعاند 2 / 332.

([53])  قمع المعاند 2 / 332.

([54])  حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام (ص34)

([55])  حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام (ص34)

([56])  حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام (ص36)

([57])  حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام (ص36)

([58])  حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام (ص36)

([59])  حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام (ص38)

([60])  حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام (ص39)

([61])  حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام (ص39)

([62])  حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام (ص39)

([63])  حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام (ص39)

([64])  حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام (ص40)

([65])  تاريخ الأستاذ الإمام لمحمد رشيد رضا (1/12)

([66])  حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام (ص40)

([67])  حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام (ص40)

([68])  حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام (ص42)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *