أعضاء.. ووظائف

أعضاء.. ووظائف

يرى أصحاب الرؤية التنزيهية ـ سواء كانوا من أهل البرهان أو من أهل العرفان ـ أن من مقتضيات تقديس الله تعالى عن الحدود والمقادير وما يلزم عنهما، ويرتبط بهما، كونه تعالى مقدسا أيضا عن التركيب والأعضاء وما شاكلهما، لأن التركيب تعدد، والتعدد شرك.. والمركب فقير، والله غني..

فالجزء في التركيب مقدّم على الكل.. وكلّ جزء من المركّب مغاير لغيره.. وبذلك يكون المركّب مفتقراً إلى أجزائه.. وغنى الله تعالى المطلق يحيل عليه كل أنواع الافتقار.

ثم إنه لو افتقرت الذات الإلهية إلى التركيب، فإنّ الأجزاء التي ستركب منها لا تخلو من أن تكون أجزاء قديمة، فيلزم تعدّد القدماء، وهذا باطل.. أو أن تكون أجزاء حادثة، فيلزم تركيب الواجب من أجزاء غير واجبة، وهذا باطل.

وبالإضافة إلى ذلك كله، فإن المركّب بحاجة إلى من يركّبه، وهو منفي عن الذات الإلهية، لأنها بذلك لن تبقى ذاتا إلهية..

ثم إن الكل المركب من أجزاء لابد أن يكون كل جزء من أجزائه عالما خاص، ويكون مختلفا عن سائر الأجزاء اختلافا كليا.. وهو بذلك يكون منعدما عن الأجزاء الأخرى، ويكون بجوانبه الأخرى منعدما عن هذا الجانب.. فيلزم هذا الأمر النقص في جميع الجوانب، وبالتالي يستوجب هذا الأمر النقص والقصور في الذات الإلهية، وهذا باطل.

ثم إنه لو كان الله تعالى مركّباً من الأجزاء لكان علمه وقدرته ثابتة لكلّ واحدة من أجزائه المتغايرة، فيكون كلّ جزء من الله عالماً قادراً، فتتعدّد الآلهة، وهذا باطل([1]).

هذه بعض الوجوه العقلية البديهية التي يستند إليها أصحاب الرؤية التنزيهية في القول بالوحدة المطلقة لله: الوحدة المتصلة.. والوحدة المنفصلة.

ولهذا اعتبر جميع منزهة الأمة من أشاعرة وماتريدية ومعتزلة وإمامية وزيدية وإباضية وصوفية أن من مقتضيات التوحيد نفي التركيب عن الله تعالى، لأنه يدخل ضمن الأركان الكبرى للوحدة الإلهية، والتي تشمل نفي كل أنواع الكميات (الكم المتصل في الذات وهو تركبها من أجزاء.. والكم المنفصل فيها وهو تعددها بحيث يكون هناك إله ثان فأكثر)([2])

ويشير إلى هذا النوع من التوحيد كل النصوص التي تخبر عن تنزيه الله وغناه المطلق، كقوله تعالى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ } [محمد: 38]، وقوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15]

ويدل عليه قوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، وقد قال الفخر الرازي في وجه دلالتها على هذا النوع من التوحيد: (احتج علماء التوحيد قديما وحديثا بهذه الآية في نفي كونه تعالى جسما مركبا من الأعضاء والأجزاء وحاصلا في المكان والجهة، وقالوا لو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، فيلزم حصول الأمثال والأشباه له، وذلك باطل بصريح قوله تعالى: ليس كمثله شيء ويمكن إيراد هذه الحجة على وجه آخر، فيقال إما أن يكون المراد ليس كمثله شيء في ماهيات الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله في الصفات شيء، والثاني باطل، لأن العباد يوصفون بكونهم عالمين قادرين، كما أن الله تعالى يوصف بذلك، وكذلك يوصفون بكونهم معلومين مذكورين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك، فثبت أن المراد بالمماثلة المساواة في حقيقة الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، فلو كان الله تعالى جسما، لكان كونه جسما ذاتا لا صفة، فإذا كان سائر الأجسام مساوية له في الجسمية، أعني في كونها متحيزة طويلة عريضة عميقة، فحينئذ تكون سائر الأجسام مماثلة لذات الله تعالى في كونه ذاتا، والنص ينفي ذلك فوجب أن لا يكون جسما)([3])

ويدل عليه دلالة خاصة قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) } [الإخلاص: 1، 2]، فاسم الله الأحد يشير إلى الوحدانية المطلقة لله في جميع جوانبها.

بالإضافة إلى هذا، فإن الرؤية التنزيهية لله تنزه الله تعالى عن الحاجة إلى الجارحة أو أي آلة، فهو يسمع من غير حاجة إلى أذن، ويبصر من غير حاجة إلى عين، وهكذا يفعل كل شيء من غير حاجة لأي شيء، لأنه الغني بذاته عن كل شيء، فلا يحتاج إلى شيء.

وهذا أيضا من المقتضيات العقلية التي تنزه الله عن الأعضاء.. فما حاجة الله العظيم لأعضاء لا يستعملها؟

هذه هي الرؤية التنزيهية لله تعالى.. وهي ـ كما رأينا ـ متوافقة مع القرآن والبرهان والعرفان.. ويشهد لها كل شيء.. وهي لبساطتها يسهل تقبلها والتسليم لها.. وهي لا تثير من الشبهات ما يثيره اعتقاد التركيب..

أما الرؤية السلفية لهذه المسألة العقدية الخطيرة، فهي مختلفة تماما.. ولذلك تعتبر ـ من وجهة نظر الرؤية التنزيهية ـ رؤية شركية، لأنها لا تنفي الكم المتصل.. وبذلك تقول بتعدد القدماء..

ولهذا أطلق الفخر الرازي على كتاب التوحيد لابن خزيمة وصف (كتاب الشرك)، لأنه اعتمد على ذكر ما يمكن اعتباره أبعاضا لله.. يقول في ذلك: (اعلم أن محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سماه «بالتوحيد»، وهو في الحقيقة كتاب الشرك، واعترض عليها، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات، لأنه كان رجلا مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل، فقال: «نحن نثبت لله وجها ونقول: إن لوجه ربنا من النور والضياء والبهاء، ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، ووجه ربنا منفي عنه الهلاك والفناء، ونقول إن لبني آدم وجوها كتب الله عليها الهلاك والفناء..)([4])

وبعد أن حكى كلامه، والذي سنذكر أمثاله في هذا الفصل، رد عليه بقوله: (وأقول: هذا المسكين الجاهل إنما وقع في أمثال هذه الخرافات لأنه لم يعرف حقيقة المثلين وعلماء التوحيد حققوا الكلام في المثلين، ثم فرعوا عليه الاستدلال بهذه الآية [أي بقوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، فنقول المثلان هما اللذان يقوم كل واحد منهما مقام الآخر في حقيقته وماهيته، وتحقيق الكلام فيه مسبوق بمقدمة أخرى فنقول: المعتبر في كل شيء، إما تمام ماهيته وإما جزء من أجزاء ماهيته وإما أمر خارج عن ماهيته، ولكنه من لوازم تلك الماهية، وإما أمر خارج عن ماهيته ولكنه ليس من لوازم تلك الماهية وهذا التقسيم مبني على الفرق بين ذات الشيء وبين الصفات القائمة به وذلك معلوم بالبديهة، فإنا نرى الحبة من الحصرم كانت في غاية الخضرة والحموضة ثم صارت في غاية السواد والحلاوة، فالذات باقية والصفات مختلفة والذات الباقية مغايرة للصفات المختلفة، وأيضا نرى الشعر قد كان في غاية السواد ثم صار في غاية البياض، فالذات باقية والصفات متبدلة والباقي غير المتبدل، فظهر بما ذكرنا أن الذوات مغايرة للصفات. إذا عرفت هذا فنقول: اختلاف الصفات لا يوجب اختلاف الذوات البتة، لأنا نرى الجسم الواحد كان ساكنا ثم يصير متحركا، ثم يسكن بعد ذلك، فالذوات باقية في الأحوال كلها على نهج واحد ونسق واحد، والصفات متعاقبة متزايلة، فثبت بهذا أن اختلاف الصفات والأعراض لا يوجب اختلاف الذوات، إذا عرفت هذا فنقول: الأجسام منها تألف وجه الكلب والقرد مساوية للأجسام التي تألف منها وجه الإنسان والفرس وإنما حصل الاختلاف بسبب الأعراض القائمة وهي الألوان والأشكال والخشونة والملاسة وحصول الشعور فيه وعدم حصولها، فالاختلاف إنما وقع بسبب الاختلاف في الصفات والأعراض، فأما ذوات الأجسام فهي متماثلة إلا أن العوام لا يعرفون الفرق بين الذوات وبين الصفات، فلا جرم يقولون إن وجه الإنسان مخالف لوجه الحمار، ولقد صدقوا فإنه حصلت تلك بسبب الشكل واللون وسائر الصفات، فأما الأجسام من حيث إنها أجسام فهي متماثلة متساوية، فثبت أن الكلام الذي أورده إنما ذكره لأجل أنه كان من العوام وما كان يعرف أن المعتبر في التماثل والاختلاف حقائق الأشياء وماهياتها لا الأعراض والصفات القائمة بها) ([5])

إلى آخر رده المفصل، وهو يرينا مدى المعاناة التي يعانيها المنزهة في إثبات أغراضهم للمجسمة.. وخاصة مع بغضهم الشديد للتحليل العقلي.. فهم لا يريدون من محاورهم إلا أن يورد الآثار والحكايات التي يتيسر على عقولهم هضمها.

ولهذا نراهم يواجهون المتكلمين أمثال الفخر الرازي وغيره بما سمعوه من سلفهم من روايات تلقفوها كما يتلقفوا القرآن.. وألغوا بها عقولهم وفطرتهم وإنسانيتهم.

ومن تلك الروايات التي يكثرون من الاستدلال بها في هذا المقام خصوصا للدلالة على عدم انتفاء التركيب عن الله ما أوردوه في تفسير قوله تعالى: { قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً }[الأعراف: 143]

فقد رووا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قولـه تعالى: { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } قال: هكذا، يعني أنه أخرج طرف الخنصر، قال أحمد أرانا معاذ قال: فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد، قال: فضرب صدره ضربة شديدة، وقال من أنت يا حميد؟ وما أنت يا حميد؟ يحدثني به أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتقول أنت ما تريد إليه)([6])

وفي رواية أخرى عن أنس: أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ هذه الآية { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً} قال حماد هكذا وأمسك سليمان بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى، قال: فساخ الجبل وخَرَّ موسى صعقاً)([7])

ومن تلك الروايات ما يذكرونه عند وصف الله بما يطلقون عليهما صفتي [الْحُجْزَةُ وَالْحَقْوُ]، واللذان يعنيان في ظاهرهما [موضع عقد الإزار وشده]، ويذكرون أنهما (صفتان ذاتيان خبريَّتان ثابتتان بالسنة الصحيحة)، ويستدلون لهما بما رووه عن ابن عباس: (إنَّ الرحم شَجْنَةٌ آخذةٌ بحُجزة الرحمن ؛ يصل من وصلها، ويقطع من قطعها)([8])

وبما رووه عن أبي هريرة قال: (خلق الله الخلق، فلما فرغ منه ؛ قامت الرحم، فأخذت بحقو الرحمن، فقال: مه!قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة..)([9])

وهم يستدلون بهذا، ويأخذون بظاهره، معتبرين الحقو بعضا من الله، ولهذا تمسكت به الرحم، كما يتمسك أحدنا بآخر عند التوسل إليه، وقد قال الشيخ عبد الله الغنيمان في (شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري) ناقلاً من (نقض التأسيس) لشيخ الإسلام، ومن (إبطال التأويلات) لأبي يعلى الفراء، ومعلقاً: (قال شيخ الإسلام رحمه الله في رده على الرازي في زعمه أنَّ هذا الحديث: (يعني: حديث أبي هريرة المتقدم) يجب تأويله: قــال: فيـقال له: بل هذا من الأخبار التي يقرها من يقر نظيره، والنِّزاع فيه كالنِّزاع في نظيره ؛ فدعواك أنه لا بدَّ فيه من التأويل بلا حجة تخصه ؛ لا تصح. وقال: وهذا الحديث في الجملة من أحاديث الصفات، التي نص الأئمة على أنه يمر كما جاء، وردوا على من نفى موجبه، وما ذكره الخطابي وغيره أنَّ هذا الحديث مما يتأول بالاتفاق ؛ فهذا بحسب علمه، حيث لم يبلغه فيه عن أحد من العلماء أنه جعله من أحاديث الصفات التي تمر كما جاءت. قال ابن حامد: ومما يجب التصديق به: أنَّ لله حَقْواً. قال المروزي: قرأت على أبي عبد الله كتاباً، فَمَرَّ فيه ذكر حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّ الله خلق الرحم، حتى إذا فرغ منها ؛ أخذت بحقو الرحمن)، فرفع المحدث رأسه، وقال: أخاف أنَّ تكون كفرت. قال أبو عبد الله: هذا جهمي. وقال أبو طالب: سمعت أبا عبد الله يسأل عن حديث هشام بن عمار ؛ أنه قريء عليه حديث الرحم: (تجيء يوم القيامة فتعلق بالرحمن تعالى..)، فقال: أخاف أنَّ تكون قد كفرت.فقال: هذا شامي ؛ ما له ولهذا؟ قلت: فما تقول؟ قال: يمضي كل حديث على ماجاء. وقال القاضي أبو يعلى: اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، وأنَّ (الحقو) و(الحجزة) صفة ذات، لا على وجه الجارحة والبعض، وأنَّ الرحم آخذة بها، لا على وجه الاتصال والمماسة، بل نطلق ذلك تسمية كما أطلقها الشرع، وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله – رحمه الله – هذا الحديث في كتابه، وأخذ بظاهره، وهو ظاهر كلام أحمد. قلت: قولـه: (لا على وجه الجارحة والبعض)، وقولـه: (لا على وجه الاتصال والمماسة) ؛ قول غير سديد، وهو من أقوال أهل البدع التي أفسدت عقولَ كثير من الناس ؛ فمثل هذا الكلام المجمل لا يجوز نفيه مطلقاً، ولا إثباته مطلقاً ؛ لأنه يحتمل حقاً وباطلاً، فلا بدَّ من التفصيل في ذلك، والإعراض عنه أولى ؛ لأنَّ كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خال منه، وليس هو بحاجة إليه ؛ فهو واضح، وليس ظاهر هذا الحديث أنَّ لله إزاراً ورداءً من جنس الأزر والأردية التي يلبسها الناس، مما يصنع من الجلود والكتان والقطن وغيره، بل هذا الحديث نص في نفي هذا المعنى الفاسد ؛ فإنه لو قيل عن بعض العباد: إنَّ العظمة إزاره والكبرياء رداؤه؛ لكان إخباره بذلك عن العظمة والكبرياء اللذين ليسا من جنس ما يلبس من الثياب. فإذا كان هذا المعنى الفاسد لا يظهر من وصف المخلوق ؛ لأنَّ تركيب اللفظ يمنع ذلك، وبين المعنى المراد ؛ فكيف يدعى أنَّ هذا المعنى ظاهر اللفظ في حق الله تعالى، فإنَّ كل من يفهم الخطاب ويعرف اللغة ؛ يعلم أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يخبر عن ربه بلبس الأكسية والثياب)([10])

هذا نموذج من طروحاتهم المتعلقة بما يسمونه (صفات ذات)، وهي في الحقيقة ليست سوى أعضاء وتراكيب لله.. وإنما ذكرنا النص بطوله لنتبين المنطلقات الفكرية التي يصدرون منها في أمثال هذه العقائد الخطيرة.. فهم لا يصدرون من براهين عقلية ولا قرآنية.. وإنما من كلام أسلافهم الذين ملأوهم خوفا من التجهم.. فصاروا يفضلون التشبيه والتجسيم على أن يرموا بالتجهم والتعطيل.

ومن الروايات الصريحة التي يستندون إليها في القول بجواز التركيب على الله ما رووه عن عكرمة قال: (إن الله عز وجل إذا أراد أن يخوف عباده أبدى عن بعضه إلى الأرض فعند ذلك تزلزل، وإذا أراد أن تدمدم على قوم تجلى لها)([11])

وقد صرح ابن القيم بصحة هذه الرواية، بل اعتبر ما ورد فيها من العقائد التي أثبتها في نونيته المشهورة التي لا يزال السلفيون يحفظونها، ويحرصون عليها، فقد جاء فيها:

وزعمت أن الله أبدى بعضه  للطور حتى عاد كالكثبان

لما تجلى يوم تكليم الرضى  موسى الكليم مكلَّم الرحمن([12])

وقد استشهد ابن تيمية بهذه الرواية على صحة إطلاق القول بأن الصفة بعض الموصوف ـ وهو يريد في الحقيقة بأن العضو بعض الجسم ـ فيقول: (وأما إطلاق القول بأن الصفة بعض الموصوف وأنها ليست غيره، فقد قال ذلك طوائف من أئمة أهل الكلام وفرسانُهم. وإذا حُقق الأمر في كثير من هذه المنازعات لم يجد العاقل السليم العقل ما يخالف ضرورة العقل لغير غرض، بل كثير من المنازعات يكون لفظياً أو اعتبارياً، فمن قال إن الأعراض بعض الجسم أو أنها ليست غيره، ومن قال إنها غيره يعود النزاع بين محققيهم إلى لفظٍ واعتبار واختلافِ اصطلاحٍ في مسمى (بعض) و(غير) كما قد أوضحنا ذلك في بيان تلبيس الجهمية الذي وضعه أبو عبد الله الرازي في نفي الصفات الخبرية وبنى ذلك على أن ثبوتها يستلزم افتقار الرب تعالى إلى غيره وتركيبه من الأبعاض وبينا ما في ذلك من الألفاظ المشتركة المجملة.. فهذا إن كان أحد أطلق البعض على الذات وغيره من الصفات وقال إنه بعض الله وأنكر ذلك عليه لأن الصفة ليست غير الموصوف مطلقا. وإن كان الإنكار لأنه لا يقال في صفات الله لفظ البعض فهذا اللفظ قد نطق به أئمة الصحابة والتابعين وتابعيهم ذاكرين وآثرين)([13])

ثم نقل الرواية التي ذكرناها، ثم قال: (وقد جاء في الأحاديث المرفوعة في تجليه سبحانه للجبل والتي فيها أنه ما تجلى منه إلا مثل الخنصر، وفي قصة داود: قال: يدنيه حتى يمس بعضه. وهذا متواتر عن هؤلاء.. ولا ريب أن لفظ البعض والجزء والغير ألفاظ مجملة فيها إيهام وإبهام. فإنه قد يقال ذلك على ما يجوز أن يوجد منه شيء دون شيء بحيث يجوز أن يفارق بعضه بعضاً وينفصل بعضه عن بعض، أو يمكنُ ذلك فيه كما يقال حدُّ الغيرين ما جاز مفارقة أحدهما للآخر كصفات الأجسام المخلوقة من أجزائها وأعراضها فإنه يجوز أن تتفرق وتنفصل والله سبحانه منزه عن ذلك كله مقدس عن النقائص والآفات. وقد يراد بذلك ما يعلم منه شيء دون شيء فيكون المعلوم ليس هو غير المعلوم وإن كان لازما له لا يفارقه والتغاير بهذا المعنى ثابت لكل موجود فإن العبد قد يعلم وجود الحق ثم يعلم أنه قادر ثم أنه عالم..فمن نفى عنه وعن صفاته التغاير والتبعيص بهذا المعنى فهو معطل جاحد للرب فإن هذا التغاير لا ينتفي إلا عن المعدوم..فقول السلف والأئمة ما وصف به الله من الله وصفاته منه وعِلم الله من الله ونحو ذلك مما استعملوا فيه لفظ (من) وإن قال قائل معناها التبعيض فهو تبعيض بهذا الاعتبار كما يقال إنه تغاير بهذا الاعتبار) ([14])

ومن الروايات التي استدلوها بها كذلك ما أوردوه عند تفسير قوله تعالى: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ } [ص: 25]، فقد رووا عن مجاهد عن عبيد بن عمير قال: (حتى يضع بعضه عليه)([15])، وفي رواية: (ذكر الدنو منه حتى ذكر أنه يمس بعضه)([16])، وفي رواية:(ما يأمن داود عليه السلام يوم القيامة حتى يقال له اُدنه فيقول ذنبي ذنبي حتى بلغ فيقال اُدنه فيقول ذنبي ذنبي فيقال له اُدنه فيقول ذنبي ذنبي حتى بلغ مكاناً الله أعلم به قال سفيان كأنه يمسك شيئا)([17])، وفي رواية عن مجاهد: (حتى يأخذ بقدمه)([18])، وفي رواية عن مجاهد: (إذا كان يوم القيامة ذكر داود ذنبه فيقول الله عز وجل له كن أمامي فيقول رب ذنبي ذنبي فيقول الله له كن خلفي فيقول رب ذنبي ذنبي فيقول الله عز وجل خذ بقدمي)([19]) وفي رواية: (حتى يضع يده في يده)([20])

وغيرها من الروايات، والتي لا يستفاد منها غير تركيب الله تعالى من أجزاء وأبعاض وأعضاء.. ولهذا قال القاضي أبو يعلى تعليقا عليها:(اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره إذ ليس فيه ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه لأنا لا نثبت قدماً وفخذاً وجارحة ولا أبعاضاً بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الذات والوجه واليدي)([21])

وقال ابن القيم مشيرا إلى أمثال هذه الروايات معتبرا المنكر لها جهميا معطلا: (وقد قال غير واحد من السلف كان داود بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة، قالوا ولهذا قال سبحانه: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ } [ص: 25]، فزاده على المغفرة أمرين الزلفى وهي درجة القرب منه وقد قال فيها سلف الأمة وأئمتها ما لا تحتمله عقول الجهمية وفراخهم ومن أراد معرفتها فعليه بتفاسير السلف)([22])

بعد بيان قول السلفية بجواز التركيب على الله تعالى، نحاول في هذا الفصل أن نذكر بعض الأعضاء التي يحرص السلفية على التعريف بالله من خلالها، مع ذكر وظائف كل عضو منها، وسنكتفي بذكر الروايات التي اعتمدوها، واستنباطاتهم منها، فخير ما يبرهن على فساد أقوالهم فيها هو حكايتها.. وسنبدأ بالطريقة التي يرتبون بها أمثال هذه الصفات من الأعلى إلى الأسفل.. أو من الوجه إلى القدم.

وكنا نود لو قسمنا هذه الأعضاء كما نقسم جسم الإنسان إلى رأس وجذع وأطراف، ولكن منعنا من ذلك أنهم لا يقولون بهذه التسميات، بل يحرمون أن نسمي الله بما لم يسم به نفسه، مع أنهم في قرارة نفوسهم، بل في كتبهم يصرحون بمعاني هذه الأمور جميعا.

فهم يثبتون لله شعرا ووجها وفما وأضراسا وعينين.. وكل شيء يرتبط بالرأس.

وهم يثبتون الله صدرا وحقوا.. وهذا يرتبط بالجذع.

وهم يثبتون لله يدين وذراعين وأصابع وأنامل، ورجلين وقدمين.. وكل هذه ترتبط بالأطراف.

وبناء على هذا سنقتصر على الأعضاء الكبرى التي ذكروها، وندخل ضمنها التفاصيل المرتبطة بها، وهذه الأعضاء الكبرى هي: الوجه، والفم، والعين، واليد، والأصابع، والقدم والساق.. وضمنها سنذكر باقي الأعضاء كالفم والأضراس والذراع والأنامل وغيرها..

الوجه:

وهو من الصفات التي أعطاها السلفية مساحة كبيرة من اهتمامهم، وسنرى كلامهم عليها بتفصيل عند الحديث عن الصورة.. لأن كمال الوجه في صورته.. ولهذا يذكرون عند حديثهم عن جمال الله جمال وجهه، وأن المؤمنين في الجنة عند النظر إليه ينسون كل أنواع اللذات الأخرى.

وهم يعتبرون الوجه كغيره من الصفات الذاتية التي يجب الإيمان بها، ومن لم يؤمن بها على الهيئة التي يذكرونها يكون جهميا ومعطلا وكافرا..بل أكفر من اليهود والنصارى، لأن اليهود والنصارى يثبتون الوجه لله، والمنزه ينفيه.

يقول ابن خزيمة بعد إيراده للنصوص التي يرى أنها تثبت صفة الوَجْه لله تعالى: (فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر ؛ مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا ؛ من غير أن نشبه وَجْه خالقنا بوَجْه أحد من المخلوقين، عز ربنا أن يشبه المخلوقين، وجل ربنا عن مقالة المعطلين)([23])

ومن الأدلة التي يستدلون بها على ذلك قولـه تعالى: {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ} [البقرة: 272]، وقولـه: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} [الرعد: 22]، وهذا استدلال عجيب جدا.. فهل عمل المؤمن ابتغاء لله جميعا، أم ابتغاء لوجهه فقط؟

وهذا الإشكال يرد عليهم في خصوص قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ } [القصص: 88]، وقوله تعالى: { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 27]

والذي يدل دلالة واضحة على أن المراد بوجه الله ذاته، وليس عضوا منه، كما نص على ذلك المنزهة، قال الشريف الرضي: وقوله تعالى{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ } [القصص: 88] وهذه استعارة، والوجه هنا عبارة عن ذات الشيء ونفسه، وعلى هذا قوله تعالى في السورة التي يذكر فيها الرحمن سبحانه { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 27] أي: ويبقى ذات ربك، ومن الدليل على ذلك: الرفع في قوله: { ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن:27]، لأنه صفة للوجه الذي هو الذات، ولو كان الوجه هنا بمعنى العضو المخصوص على ما ظنه الجهال، لكان وجه الكلام أن يكون: ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام، فيكون (ذي) صفة للجملة لا صفة للوجه الذي هو التخطيط المخصوص كما يقول القائل: رأيت وجه الأمير ذي الطول والإنعام، ولا يقول: ذا ؛ لأن الطول والإنعام من صفات جملته لا من صفات وجهه، ويوضح ذلك قوله في هذه السورة: { تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [الرحمن: 78] لما كان الاسم غير المسمى وصف ـ سبحانه ـ المضاف إليه، ولما كان الوجه في الآية المتقدمة هو النفس والذات، قال تعالى: { ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}ولم يقل: ذي الجلال والإكرام)([24])

ويقول: (ولو كان الكلام محمولا على ظاهره لكان فاسدا مستحيلا على قولنا وقول المخالفين ؛ لأنه لا أحد يقول من المشبهة والمجسمة الذين يثبتون لله ـ سبحانه ـ أبعاضا مؤلفة وأعضاء مصرفة أن وجه الله ـ تعالى ـ يبقى وسائره يبطل ويفنى، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا)([25])

ومثله قال الفخر الرازي: (لو كان الوجه هو العضو المخصوص، لزم أن يفنى جميع الجسد والبدن، وأن تفنى العين التي على الوجه، وأن لا يبقى إلا مجرد الوجه)([26])

لكن المجسمة يعتبرون القول بهذا، وخاصة من علم كبير من أعلام اللغة مثل الشريف الرضي تجهما وتعطيلا، ولهذا، فإن أول ما يبادرون به من يعرضه عليهم مثل هذا اتهامه بالتجهم والتعطيل، وقد حدث يحيى بن شبل قال: كنت جالسا مع مقاتل بن سليمان وعباد بن كثير، إذ جاء شاب فقال: ما تقول في قوله عز وجل: {كل شَيْءٍ هَالِكٌ إِلًّا وَجْهَهُ}، فقال مقاتل: هذا جهمي ثم قال: (ويحك إن جهما والله ما حج البيت ولا جالس العلماء، وإنما كان رجلا أعطي لسانا)([27])

بالإضافة إلى ذلك، فقد حاولوا أن يتنصلوا منه بوجوه من الحيل تخلوا بها عن نفيهم المطلق للتأويل، ومن تلك الردود هذا الرد العجيب الذي ذكره ابن تيمية يحكي فيه مجلسا من مجالس المناظرة التي جمعته مع المنزهة، وفيها نرى ابن تيمية، وكيف يحتال على خصومه بأنواع الحيل، وبما أن النص طويل، فقد اقتصرت منه على القدر الذي نحتاج إليه، قال ابن تيمية: (لما كان إثبات هذه الصفة [صفة الوجه] مذهب أهل الحديث والمتكلمة الصفاتية.. وكان نفيها مذهب الجهمية: من المعتزلة وغيرهم.. صار بعض الناس من الطائفتين كلما قرأ آية فيها ذكر الوجه جعلها من موارد النزاع، فالمثبت يجعلها من الصفات التي لا تتأول بالصرف، والنافي يرى أنه إذا قام الدليل على أنها ليست صفة فكذلك غيرها.. ولهذا لما اجتمعنا في المجلس المعقود وكنت قد قلت: أمهلت كل من خالفني ثلاث سنين إن جاء بحرف واحد عن السلف يخالف شيئا مما ذكرته كانت له الحجة وفعلت وفعلت وجعل المعارضون يفتشون الكتب فظفروا بما ذكره البيهقي في كتاب (الأسماء والصفات) في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115،] فإنه ذكر عن مجاهد والشافعي أن المراد قبلة الله فقال أحد كبرائهم – في المجلس الثاني – قد أحضرت نقلا عن السلف بالتأويل فوقع في قلبي ما أعد فقلت: لعلك قد ذكرت ما روي في الآية.. قال: نعم. قلت: المراد بها قبلة الله فقال: قد تأولها مجاهد والشافعي وهما من السلف، ولم يكن هذا السؤال يرد علي ؛ فإنه لم يكن شيء مما ناظروني فيه صفة الوجه ولا أثبتها لكن طلبوها من حيث الجملة وكلامي كان مقيدا كما في الأجوبة فلم أر إحقاقهم في هذا المقام بل قلت هذه الآية ليست من آيات الصفات أصلا، ولا تندرج في عموم قول من يقول: (لا تؤول آيات الصفات)، قال: أليس فيها ذكر الوجه؟ فلما قلت: المراد بها قبلة الله. قال: أليست هذه من آيات الصفات؟ قلت: لا. ليست من موارد النزاع فإني إنما أسلم أن المراد بالوجه – هنا – القبلة فإن (الوجه) هو الجهة في لغة العرب يقال: قصدت هذا الوجه وسافرت إلى هذا (الوجه) أي: إلى هذه الجهة وهذا كثير مشهور فالوجه هو الجهة.. فالمعنى: أي موضع استقبلتموه فهنالك وجه الله فقد جعل وجه الله في المكان الذي يستقبله هذا.. فأخبر أن الجهات له فدل على أن الإضافة إضافة تخصيص وتشريف؛ كأنه قال جهة الله وقبلة الله)([28])

وهكذا يحتالون على النصوص بوجوه الحيل التي لا يمكن أن نسردها هنا..

ومثلما علقوا كل عضو من الأعضاء بأدوار يمارسها، فقد نصوا على بعض أدوار الوجه في الرواية التالية، والتي فهموها بمعناها الحرفي، وهي ما رووه عن ابن عمر قال: (إن الله عز وجل مقبل على عبده بوجهه ما أقبل إليه، فإذا التفت انصرف عنه)([29])

وفي رواية عن حذيفة: (لا تتفل بين يديك ولا عن يمينك، فإن عن يمينك كاتب الحسنات، فإن الرجل إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم قام فصلى، أقبل الله تعالى إليه بوجهه يناجيه، فلا يصرفه عنه حتى ينصرف أو يحدث حدث سوء)([30])

ومن أدوار الوجهة أو أوصافه ـ كما ذكروا ـ (الْبَشْبَشَةُ أو الْبَشَاشَةُ)، وقد استدلوا لها بالكثير من المرويات، منها ما رووه عن أبي هريرة أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر ؛ إلا تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم)([31])

وقد علق أبو يعلى على هذا الحديث وأمثاله بقوله: (.. وكذلك القول في البشبشة ؛ لأن معناه يقارب معنى الفرح، والعرب تقول: رأيت لفلان بشاشة وهشاشة وفرحاً، ويقولون: فلان هش بش فرح، إذا كان منطلقاً، فيجوز إطلاق ذلك كما جاز إطلاق الفرح)([32])

وقال الدارمي: (وبلغنا أنَّ بعض أصحاب المريسي قال له: كيف تصنع بهذه الأسانيد الجياد التي يحتجون بها علينا في رد مذاهبنا مما لا يمكن التكذيب بها ؛ مثل: سفيان عن منصور عن الزهري، والزهري عن سالم، وأيوب بن عوف عن ابن سيرين، وعمرو بن دينار عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.. وما أشبهها؟) قال: ((فقال المريسي: لا تردوه تفتضحوا، ولكن ؛ غالطوهم بالتأويل ؛ فتكونوا قد رددتموها بلطف ؛ إذ لم يمكنكم ردها بعنف ؛ كما فعل هذا المعارض سواء.. وسننقل بعض ما روي في هذه الأبواب من الحب والبغض والسخط والكراهية وما أشبهه.. [ثم ذكر أحاديث في صفة الحب ثم البغض ثم السخط ثم الكره ثم العجب ثم الفرح، ثم حديث أبي هريرة السابق في البشاشة، ثم قال] وفي هذه الأبواب روايات كثيرة أكثر مما ذكر، لم نأت بها مخافة التطويل)([33])

الفم:

وقد اعتبروه أيضا من صفات الله الذاتية، قال أبو يعلى: (اعلم أنه غير ممتنع إطلاق الفي عليه سبحانه، كما لم يمتنع إطلاق اليد والوجه والعين، وقد نص أحمد على ذلك في رسالة أبي العباس أحمد بن جعفر الفارسي: فقال: كلم الله موسى تكليما من فيه) ([34])

ومن الوظائف المرتبطة به الكلام والضحك: أما الكلام، فسنتحدث عنه بتفصيل في الفصل الأخير من هذا الكتاب، لأنهم يعنون به الحديث بالشفتين.. وقد رووا عن بعض سلفهم في ذلك أنه سئل: (كيف كلم الله عز وجل موسى عليه السلام؟ قال: مشافهة) ([35]ورووا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (كأن الخلق لم يسمعوا القرآن حين سمعوه من فيه يوم القيامة)([36])

وأما الضحك، وهو عندهم من الصفات المرتبطة بالفم، فقد أوردوا فيه نصوصا كثيرة، منها ما رووه عن أبي رزين،، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (وضحك ربنا عز وجل من قنوط عباده، وقرب غيره)، وقال: قلت: أو يضحك الرب عز وجل؟ قال: نعم، قلت: لن نعدم من رب يضحك خيرًا ([37]).

ورووا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ضحك الله عز وجل من رجلين قتل أحدهما صاحبه ثم دخلا الجنة)([38])، ورووا عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «يتجلى لنا ربنا ضاحكًا»([39])

ورووا عن طلحة بن البراء، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أخبر بموت طلحة رفع رأسه إلى السماء، ثم قال: (اللهم القه وهو يضحك وأنت تضحك إليه)([40])

بل ذكروا ـ فوق ذلك ـ أن لله تعالى في فمه أضراسا، وقد رووا في ذلك عن جابر أنه سئل عن الورود، وذكر الحديث، وقال فيه: (فيقول الله، عز وجل: أنا ربكم، فيقولون: حتى ننظر إليك فيتجلى لهم يضحك) قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (حتى تبدو لهاته وأضراسه)([41])

وقد علق أبو يعلى على هذه الأحاديث وغيرها بقوله: (اعلم أنه غير ممتنع حمل هذه الأحاديث على ظاهرها من غير تأويل، وقد نص أحمد على ذلك في رواية الجماعة، قال في رواية حنبل: يضحك الله، ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديقها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم القرآن، وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي فقال: صدوق، وقد كتبت عنه من الرقايق، ولكن حكي عنه أنه ذكر حديث الضحك فقال: مثل الزرع الضحك، وهذا كلام الجهمية، قلت: ما تقول في حديث ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر (فضحك حتى بدت)، قال: هذا يشنع به، قلت: فقد حدثت به، قال: ما أعلم أني حدثت به إلا محمد بن داود يعني المصيصي، وذلك أنه طلب إلي فيه، قلت: أفليس العلماء تلقته بالقبول؟ قال: بلى، قال أبو بكر الخلال: رأيت في كتاب لهرون المستملي أنه قال لأبي عبد الله: حديث جابر بن عبد الله (ضحك ربنا حتى بدت لهواته أو قال أضراسه) ممن سمعته؟ قال: حدثنا روح، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(يضحك حتى بدت لهواته أو قال أضراسه)، فقد نص على صحة هذه الأحاديث والأخذ بظاهرها والإنكار على من فسرها، وذلك أنه ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما نستحقه)([42])

العين:

 وقد اعتبروها أيضا من صفات الله الذاتية، بل اعتبروها آلة الإبصار لله.. بل ـ وللمزيد من التجسيم ـ أثبتوا لله عينين، وأولوا ما ورد في القرآن الكريم مما يدل على أكثر من ذلك، قال ابن تيمية ردا على من أود عليه هذا الاعتراض: (دعواه أن ظاهر القرآن أن لله أعيناً كثيرة وأيدياً كثيرة باطلٌ وذلك أنه وإن كان قد قال: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } [القمر 14] وقال: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا}[هود 37] وقال: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } [الطور 48] وقال: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } [يس 71] فقد قال في قصة موسى: { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ} [طه 39-40] فقد جاء هذا بلفظ المفرد في موضعين فلم يكن دعواه الظهور في معنى الكثرة لكونه جاء بلفظ الجمع بأولى من دعوى غيره الظهور في معنى الإفراد لكونه قد جاء بلفظ المفرد في موضعين)([43])

وقد عقد ابن خزيمة مقارنات عجيبة بين عين الله وعين البشر، وسنذكر النص مع طوله الشديد، لنبين من خلاله أن اعتبارهم للعين صفة دجل وخرافة، لأنهم في قرارة نفوسهم لا يريدون بها إلا العضو الذي لا يختلف عن عضو الإنسان إلا في كيفيته وشكله.

يقول ابن خزيمة في معرض دفاعه عن تنزيه المجسمة: (نحن نقول: لربنا الخالق عينان يبصر بهما ما تحت الثرى، وتحت الأرض السابعة السفلى، وما في السماوات العلى، وما بينهما من صغير وكبير، لا يخفى على خالقنا خافية في السماوات السبع والأرضين السبع، ولا مما بينهم ولا فوقهم، ولا أسفل منهن لا يغيب عن بصره من ذلك شيء، يرى ما في جوف البحار ولججها كما يرى عرشه الذي هو مستو عليه)([44])

هذا بالنسبة لعين الله، وهو كما نرى يذكر وظائفها وقدراتها، ويبين أن الله يرى بها، أي أنه يفتقر إليها لتحصل له الرؤية..

ثم يذكر وجوه الفرق بين عين الله وعين البشر، فيقول: (وبنو آدم وإن كانت لهم عيون يبصرون بها فإنهم إنما يرون ما قرب من أبصارهم، مما لا حجاب ولا ستر بين المرئي وبين أبصارهم، وما يبعد منهم، إن كان يقع اسم القرب عليه في بعض الأحوال، لأن العرب التي خوطبنا بلغتها قد تقول: قرية كذا منا قريبة، وبلدة كذا قريبة منا، ومن بلدنا، ومنزل فلان قريب منا، وإن كان بين البلدين وبين القريتين وبين المنزلين فراسخ، والبصير من بني آدم لا يدرك ببصره شخصا آخر، من بني آدم، وبينهما فرسخان فأكثر، وكذلك لا يرى أحد من الآدميين ما تحت الأرض إذا كان فوق المرئي من الأرض والتراب قدر أنملة، أو أقل منها بقدر ما يغطى ويوارى الشيء، وكذلك لا يدرك بصره إذا كان بينهما حجاب من حائط، أو ثوب صفيق، أو غيرهما مما يستر الشيء عن عين الناظر، فكيف يكون يا ذوي الحجا مشبها من يصف عين الله بما ذكرنا، وأعين بني آدم بما وصفنا) ([45])

 ثم يذكر فروقا أخرى، فيقول: (ونزيد شرحا وبيانا نقول: عين الله عز وجل قديمة، لم تزل باقية، ولا يزال محكوم لها بالبقاء، منفي عنها الهلاك، والفناء، وعيون بني آدم محدثة مخلوقة، كانت عدما غير مكونة، فكونها الله، وخلقها بكلامه الذي هو: صفة من صفات ذاته، وقد قضى الله وقدر أن عيون بنى آدم تصير إلى بلاء، عن قليل، والله نسأل خير ذلك المصير، وقد يعمي الله عيون كثير من الآدميين فيذهب بأبصارها قبل نزول المنايا بهم، ولعل كثيرا من أبصار الآدميين فيذهب بأبصارها قبل نزول المنايا بهم.. فما الذي يشبه – يا ذوي الحجا – عين الله التي هي موصوفة بما ذكرنا عيون بني آدم التي وصفناها بعد؟)

ثم ذكر أمرا خطيرا يدل على مبلغ التنزيه السلفي، فقال: (ولست أحسب: لو قيل لبصير لا آفة ببصره، ولا علة بعينه، ولا نقص، بل هو أعين، أكحل، أسود الحدق، شديد بياض العينين، أهدب الأشفار: عينك كعين فلان الذي هو صغير العين، أزرق، أحمر بياض العينين، قد تناثرت أشفاره، وسقطت، أو كان أخفش العين، أزرق، أحمر بياض العينين، قد تناثرت أشفاره، وسقطت، أو كان أخفش العين، أزرق، أحمر بياض شحمها، يرى الموصوف الأول: الشخص من بعيد، ولا يرى الثاني مثل ذلك الشخص من قدر عشر ما يرى الأول، لعلة في بصره، أو نقص في عينه، إلا غضب من هذا وأنف منه، فلعله يخرج إلى القائل له ذلك إلى المكروه من الشتم والأذى ولست أحسب عاقلا يسمع هذا المشبه عيني أحدهما بعيني الآخر، إلا هو يكذب هذا المشبه عين أحدهما بعين الآخر، ويرميه بالعته، والخبل والجنون، ويقول له: لو كنت عاقلا يجري عليك القلم: لم تشبه عيني أحدهما بعيني الآخر، وإن كانا جميعا يسميان بصيرين، إذ ليسا بأعميين، ويقال: لكل واحد منهما عينان يبصر بهما، فكيف لو قيل له: عينك كعين الخنزير، والقرد، والدب، والكلب، أو غيرها من السباع، أو هوام الأرض، والبهائم، فتدبروا يا ذوي الألباب أبين عيني خالقنا الأزلي الدائم الباقي، الذي لم يزل ولا يزال، وبين عيني الإنسان من الفرقان أكثر، أو مما بين أعين بني آدم وبين عيون ما ذكرنا؟)([46])

وانطلاقا من هذا يرد على من رماهم بالتشبيه بقوله: (تعلموا وتستيقنوا أن من سمى علماءنا مشبهة غير عالم بلغة العرب، ولا يفهم العلم، إذ لم يجز تشبيه أعين بني آدم بعيون المخلوقين، من السباع والبهائم، والهوام، وكلها لها عيون يبصرون بها، وعيون جميعهم محدثة مخلوقة، خلقها الله بعد أن كانت عدما، وكلها تصير إلى فناء وبلى، وغير جائز إسقاط اسم العيون والأبصار عن شيء منها، فكيف يحل لمسلم – لو كانت الجهمية من المسلمين – أن يرموا من يثبت لله عينا بالتشبيه، فلو كان كل ما وقع عليه الاسم كان مشبها لما يقع عليه ذلك الاسم، لم يجز قراءة كتاب الله، ووجب محو كل آية بين الدفتين فيها ذكر نفس الله، أو عينه، أو يده، ولوجب الكفر بكل ما في كتاب الله عز وجل من ذكر صفات الرب، كما يجب الكفر بتشبيه الخالق بالمخلوق، إلا أن القوم جهلة، لا يفهمون العلم، ولا يحسنون لغة العرب، فيضلون ويضلون)([47])

اليد:

يركز السلفية كثيرا على وصف الله تعالى باليد، باعتبارها من الصفات الذاتية الكبرى لله تعالى، وهم يضعون لها الكثير من الصفات التابعة لها، وهي في الحقيقة عبارة عن وظائفها، ولكنهم يعبرون عن الجميع تعبيرا واحدا، وهو (الصفة)، لكن يفرقون بينهما في نوع الصفة، فاليد والأصابع التي ترتبط بها يسمونها (صفة ذات)، والوظائف التي تقوم بها اليد يسمونها (صفة فعل)، وقد يقع الخلاف الشديد بينهم في التمييز بين صفات الذات وصفات الفعل.

وهم ينطلقون في إثباتهم لهذه الصفة من النصوص القرآنية أو الأحاديث النبوية التي ذكرت اليد كما يذكر العرب اليد في كلامهم، وقد يريدون ظاهره، وقد لا يريدونه.. ولكن السلفية لا يفهمون من اليد إلا اليد حتى لو أولوا كل ما في النص، لكن اليد تبقى دائما عندهم صفة ذاتية لله، ويعتبر جهميا ومعطلا من لم يعتبرها كذلك.

ومن النصوص التي يستدلون بها على ذلك قولـه تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}[المائدة: 64] مع أن الآية واضحة في أن المراد منها هو نفي البخل عن الله لا إثبات اليد له، وهي مثل قوله تعالى: {لَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا } [الإسراء: 29]، فلا أحد من الفقهاء ـ حتى السلفية أنفسهم ـ يحرم قبض اليد أو بسطها.

ومثلها قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}[ص: 75] مع أن الآية الكريمة واضحة كذلك في الدلالة عل القدرة والفعل الإلهي، وليس على قصد اليد، كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } [آل عمران: 182]، فالجرائم التي يعاقب عليها الكفار ليس ما يفعلونه بأيديهم فقط.

أما الأحاديث النبوية التي يستدلون بها فهي كثيرة جدا، ولا يمكن مناقشتها هنا، ولا حتى الاستدلال بها لأن الكثير منها روي بالمعنى، وقد يتصرف الراوي في ألفاظ الحديث، ومن الصعوبة حينذاك استنباط قضية عقدية خطيرة كهذه من أمثال تلك الروايات.

ولكن المنهج السلفي ـ كما ذكرنا ـ يقبل كل ما روي حتى لو كان من آحاد الناس ما دام موافقا لهم في التجسيم.. ولهذا كثرت عندهم الروايات والأخبار التي يستدلون بها على إثبات اليد لله.

يقول ابن القيم: (ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مئة موضع وروداً متنوعاً متصرفاً فيه مقروناً بما يدل على أنها يد حقيقة من الإمساك والطي والقبض والبسط والمصافحة والحثيات..)([48])

وقال أبو بكر الإسماعيلي: (وخلق آدم عليه السلام بيده، ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، بلا اعتقاد كيف يداه، إذ لم ينطق كتاب الله تعالى فيه بكيف)([49])

وقال ابن تيمية: (إنَّ لله تعالى يدين مختصتان به ذاتيتان له كما يليق بجلاله)([50])

وقال الشيخ عبد الله الغنيمان: (هذا ؛ وقد تنوعت النصوص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم على إثبات اليدين لله تعالى وإثبات الأصابع لهما، وإثبات القبض وتثنيتهما، وأنَّ إحداهما يَمِين، وفي نصوص كثيرة، والأخرى شمال ؛ كما في (صحيح مسلم)، وأنه تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وبالنهار ليتوب مسيء الليل، وأنه تعالى يتقبل الصدقة من الكسب الطيب بيَمِينه، فيربيها لصاحبها، وأنَّ المقسطين على منابر من نور عن يَمِين الرحمن، وكلتا يديه يَمِين، وغير ذلك مما هو ثابت عن الله ورسوله.. وقد أتانا صلى الله عليه وآله وسلم بذكر الأصابع، وبذكر الكف، وذكر اليَمِين، والشِّمال، واليدين مرة مثناة، ومرة منصوص على واحدة أنه يفعل بها كذا وكذا، وأنَّ الأخرى فيها كذا ؛ كما تقدمت النصوص بذلك)([51])

ومما يدل على أن مرادهم من اليد هو الجارحة، وليس الصفة كما يزعمون هو تأويلهم لما ورد في القرآن من ذكر الأيدي بصيغة الجمع، لأنهم يذكرون أن لله يدين فقط، وليس أكثر من ذلك، لأن صورته ـ كما سنرى ـ مثل صورة الإنسان.

يقول ابن تيمية في تأويل ما ورد من الأيدي بصيغة الجمع: (فالله – سبحانه وتعالى – يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد، مظهرا أو مضمرا، وتارة بصيغة الجمع، كقوله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} وأمثال ذلك. ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط، لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما تدل على معاني أسمائه، وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور، وهو مقدس عن ذلك، فلو قال: ما منعك أن تسجد لما خلقت يدي. كان كقوله: {مما عملت أيدينا}، وهو نظير قوله: {بيده الملك} و{بيدك الخير}، ولو قال:خلقت بيدي. بصيغة الإفراد، لكان مفارقا له، فكيف إذا قال: {خلقت بيدي} بصيغة التثنية)([52])

ويقول الدارمي في (النقض على المريسي): (وروى المعارض أيضا عن ابن عباس: «الركن يمين الله في الأرض، يصافح به خلقه»([53])، فروى عن هذا الثلجي من غير سماع منه أنه قال:يمين الله: نعمته وبركته وكرامته، لا يمين الأيدي. فيقال لهذا الثلجي -الذي يريد أن ينفي عن الله بهذه الضلالات يديه اللتين خلق بهما آدم ويلك أيها الثلجي! إن تفسيره على خلاف ما ذهبت إليه، وقد علمنا يقينا أن الحجر الأسود ليس بيد الله نفسه، وأن يمين الله معه على العرش غير بائن منه، ولكن تأويله عند أهل العلم: كأن الذي يصافح الحجر الأسود ويستلمه كأنما يصافح الله، كقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [الفتح: 10] فثبت له اليد التي هي اليد عند ذكر المبايعة، إذ سمى اليد مع اليد، واليد معه على العرش، وكقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الصدقة تقع في يد الرحمن قبل يد السائل». فثبت بهذا اليد التي هي اليد، وإن لم يضعها المتصدق في نفس يد الله)([54])

ولم يكتف السلفية بهذا، بل راحوا يختلفون في جواز إطلاق لفظ الشمال على يد الله الثانية.. مع اتفاقهم على أن إحدى يديه شمال، والأخرى يمين..

وقد قال بإثبات الشمال من أئمتهم الكبار المعتمدين: عثمان بن سعيد الدارمي، وأبو يعلى الفراء، ومحمد بن عبد الوهاب، وصديق حسن خان، ومحمد خليل الهرَّاس، وعبدالله الغنيمان، وغيرهم مستدلين لذلك بأحاديث كثيرة منها ما رووه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يطوي الله عَزَّ وجَلَّ السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك! أين الجبارون؟أين المتكبرون؟ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أين الجبارون؟أين المتكبرون؟)([55])

ومنها ما رووه عن أبي الدرداء مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (خلق الله آدم حين خلقه، فضرب كتفه اليَمِين فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحُمم، فقال للتي في يَمِينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للتي في يساره: إلى النار ولا أبالي)([56])

ومن أدلتهم العقلية على هذا أن وصف إحدى اليدين باليَمِين ؛ كما في الأحاديث السابقة، يقتضي أنَّ الأخرى ليست يَمِيناً، فتكون شمالاً، وفي بعض الأحاديث تذكر اليَمِين، ويذكر مقابلها: (بيده الأخرى))، وهذا يعني أنَّ الأخرى ليست اليَمِين، فتكون الشِّمال.

يقول أبو سعيد الدارمي: (وأعجب من هذا قول الثلجي الجاهل فيما ادعى تأويل حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يَمِين الرحمن وكلتا يديه يَمِين))، فادعى الثلجي أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم تأول كلتا يديه يَمِين ؛ أنه خرج من تأويل الغلوليين أنها يَمِين الأيدي، وخرج من معنى اليدين إلى النعم ؛ يعني بالغلوليين: أهل السنة ؛ يعني أنه لا يكون لأحد يَمِينان، فلا يوصف أحد بيَمِينين، ولكن يَمِين وشمال بزعمه.. ويلك أيها المعارض! إنما عنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما قد أطلق على التي في مقابلة اليَمِين الشِّمال، ولكن تأويله: (وكلتا يديه يَمِين)؛ أي: مُنَزَّه على النقص والضعف ؛ كما في أيدينا الشِّمال من النقص وعدم البطش، فقال: (كِلتا يدي الرحمن يَمِين) ؛ إجلالاً لله، وتعظيماً أن يوصف بالشِّمال، وقد وصفت يداه بالشِّمال واليسار، وكذلك لو لم يجز إطلاق الشِّمال واليسار ؛ لما أطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو لم يجز أن يُقال: كلتا يدي الرحمن يَمِين ؛ لم يقله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا قد جوزه الناس في الخلق ؛ فكيف لا يجوز ابن الثلجي في يدي الله أنهما جميعاً يَمِينان، وقد سُمِّي من الناس ذا الشِّمالين، فجاز نفي دعوى ابن الثلجي أيضاً، ويخرج ذو الشِّمالين من معنى أصحاب الأيدي)([57])

وقال صديق حسن خان: (ومن صفاته سبحانه: اليد، واليَمِين، والكف، والإصبع، والشِّمال..)([58])

وقد ذهب إلى خلاف هذا، وأنَّ كلتا يدي الله يَمِين لا شمال ولا يسار فيهما ابن خزيمة، والإمام أحمد، والبيهقي، والألباني، مستدلين على ذلك بما رووه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إنَّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يَمِين الرحمن عَزَّ وجَلَّ، وكلتا يديه يَمِين..)([59])

وبما رووه عن أبي هريرة مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لما خلق الله آدم، ونفخ فيه من روحه ؛ قال بيده وهما مقبوضتان: خذ أيها شئت يا آدم، فقال: اخترت يَمِين ربي، وكلتا يداه يَمِين مباركة، ثم بسطها..)([60])

وقد قال ابن خزيمة في هذا: (باب: ذكر سنة ثامنة تبين وتوضح أنَّ لخالقنا جلَّ وعلا يدين، كلتاهما يَمِينان، لا يسار لخالقنا عَزَّ وجَلَّ ؛ إذ اليسار من صفة المخلوقين، فَجَلَّ ربنا عن أن يكون له يسار)([61])

وقال: (.. بل الأرض جميعاً قبضةُ ربنا جَلَّ وعلا، بإحدى يديه يوم القيامة، والسماوات مطويات بيَمِينه، وهي اليد الأخرى، وكلتا يدي ربنا يَمِين، لا شمال فيهما، جل ربنا وعز عن أن يكون له يسار ؛ إذ كون إحدى اليدين يساراً إنما يكون من علامات المخلوقين، جل ربنا وعز عن شبه خلقه)([62])

وقال الإمام أحمد: (وكما صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ أنه قال: (وكلتا يديه يَمِين)، الإيمان بذلك، فمن لم يؤمن بذلك، ويعلم أنَّ ذلك حق كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فهو مُكَذِّبٌ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([63])

ومن الوظائف التي ذكرها السلفية لليدين (البَسْطُ والقَبْضُ)، وهما مصطلحان قرآنيان، ورد بهما اسمي الباسط والقابض، كما قال تعالى: {وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 245]، وقال: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ}[الإسراء: 30]، ومع أن دلالتهما في القرآن الكريم عميقة جدا إلا أن السلفية يربطونهما باليد..

ومن الأحاديث التي رووها للدلالة على هذا ما رووه في بعض صيغ حديث النزول وهي صيغة خطيرة جدا، لأنها تصور الله تعالى بصورة الشحاذ المستجدي، فقد رووا عن أبي هريرة قوله: (.. ثم يبسط يديه تبارك وتعالى ؛ يقول: من يقرض غير عَدُومٍ ولا ظَلُوم)([64])

قال ابن تيمية في تقرير هذه الوظيفة: (ووصف نفسه (يعني: الله) ببسط اليدين، فقال{..بَل يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}، ووصف بعض خلقه ببسط اليد في قولـه تعالى: {وَلا تَجْعَل يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُل البَسْطِ}، وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط..)([65])، أي أن كيفية بسط لله ليده تختلف عن الكيفية التي يبسط بها الخلق أيديهم.

ومن الوظائف التي ذكرها السلفية لليدين (الْحَثْوُ)، وقد رووا للدلالة على هذه الوظيفة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (وعدني ربي أنَّ يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفاً، وثلاث حثيات من حثيات ربي)([66])

وفي رواية: (إنَّ ربي وعدني أنَّ يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفاً بغير حساب، ثم يتبع كل ألف سبعين ألفاً، ثم يحثي بكفه ثلاث حثيات، فكبَّر عمر..)([67])

وخطورة هذا الحديث ـ بحسب الرؤية السلفية ـ هو أن القول به يعني إلغاء كل ما ورد في النصوص المقدسة من عقاب.. ذلك أن حثية([68]) واحدة من حثيات الله بحسب الجرم الذي يصفونه لله كافية في شمولها الخلق جميعا.. فهم في هذا بين أمرين: بين أن يجعلوا يد الله صغيرة لا تطيق حمل خلقه.. وإما أن ينفوا العذاب نفيا نهائيا.

ومن الوظائف التي ذكرها السلفية لليدين (الأَخْذُ بِالْيَدِ)، وقد سبق ذكر بعض الأحاديث التي استدلوا بها عليها، ومنها ما رفعوه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: (يأخذ الله عَزَّ وجَلَّ سماواته وأراضيه بيديه، فيقول: أنا الله (ويقبض أصابعه ويبسطها ؛ أي: النبي صلى الله عليه وآله وسلم)، أنا الملك)([69])

ومنها ما رووه عن أبي هريرة مرفوعاً: (وما تصدق أحد بصدقة من طيِّب، ولا يقبل الله إلا الطَّيِّب ؛ إلا أخذها الرحمن بيمينه)([70])

ومنها ما رووه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الدعاء المعروف: (اللهم أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها)([71])

وقد علق عليه الشيخ عبد العزيز السلمان بقوله: (مما يستفاد من الحديث: (صفة الأخذ)([72])

وقال الشيخ ابن عثيمين: (من صفات الله تعالى المجيء والإتيان والأخذ والإمساك والبطش إلى غير ذلك من الصفات.. فنصف الله تعالى بهذه الصفات على الوجه الوارد)([73])

الأصابع:

وهي من الأعضاء المرتبطة باليد، كما ينص السلفيون، ويستدلون لها بما رووه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن)([74])

وبالحديث الذي رووه عن عبد الله بن مسعود؛ قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الكتاب، فقال: (يا أبا القاسم!إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع.. إلى أن قال: فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قرأ {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ})([75])

وقد ذكر هذه الأحاديث وغيرها أبو بكر بن خزيمة في كتاب (التوحيد) تحت عنوان: (باب إثبات الأصابع لله عَزَّ وجَلَّ)([76])، وذكرها أبو بكر الآجري في (الشريعة) تحت عنوان: (باب الإيمان بأن قلوب الخلائق بين إصبعين من أصابع الرب عَزَّ وجَلَّ، بلا كيف)

وقال البغوي تعليقا على الحديث السابق: (والإصْبَع المذكورة في الحديث صفةٌ من صفات الله عَزَّ وجَلَّ، وكذلك كلُّ ما جاء به الكتاب أو السنَّة من هذا القبيل من صفات الله تعالى ؛ كالنَّفس، والوجه، والعين، واليد، والرِّجل، والإتيان، والمجيء، والنُّزُول إلى السـماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك، والفرح)([77])

ومن غرائب المجادلات مع المنزهة التي يوردها السلفية في هذا المجال ما ينقلونه عن ابن قتيبة في حل الإشكالات الكثيرة التي ينشئها الحديث السابق: (ونحن نقول: إنَّ هذا الحديث صحيح، وإن الذي ذهبوا إليه في تأويل الإصبع لا يشبه الحديث ؛ لأنه عليه السلام قال في دعائه: (يا مقلب القلوب!ثبت قلبي على دينك)، فقالت له إحدى أزواجه: أوَ تخاف يا رسول الله على نفسك؟ فقال: (إنَّ قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله عَزَّ وجَلَّ)، فإن كان القلب عندهم بين نعمتين من نعم الله تعالى ؛ فهو محفوظ بتينك النعمتين ؛ فلأي شيء دعا بالتثبيت؟ولِمَ احتج على المرأة التي قالت له: أتخاف على نفسك؟ بما يؤكد قولها؟ وكان ينبغي أن لا يخاف إذا كان القلب محروساً بنعمتين. فإن قال لنا: ما الإصبع عندك ها هنا؟ قلنا: هو مثل قولـه في الحديث الآخر: (يحمل الأرض على إصبع)، وكذا على إصبعين، ولا يجوز أن تكون الإصبع ها هنا نعمة، وكقولـه تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}، ولم يجز ذلك. ولا نقول: إصبعٌ كأصابعنا، ولا يدٌ كأيدينا، ولا قبضةٌ كقبضاتنا ؛ لأن كل شيء منه عَزَّ وجَلَّ لا يشبه شيئاً منا)([78])

ومن الصفات التي يربطونها بالأصابع [الأَنَامِلُ]، ويعتبرونها من الصفات الذاتية لله تعالى، ويستدلون لها بما رووه عن معاذ بن جبل قال: (.. فإذا أنا بربي عَزَّ وجَلَّ (يعني: في المنام، ورؤى الأنبياء حقٌ) في أحسن صورة، فقال: يا محمد!فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب! قال: يا محمد!فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب! قال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب! فرأيته وضع كفه بين كتفي، حتى وجدت برد أنامله في صدري..)([79])

وقد رد ابن تيمية على تأويل الفخر الرازي لهذا الحديث، فقال: (فقولـه (أي: الرازي): وجدت برد أنامله ؛ أي: معناه وجدت أثر تلك العناية. يقال له: أثر تلك العناية كان حاصلاً على ظهره وفي فؤاده وصدره ؛ فتخصيص أثر العناية لا يجوز ؛ إذ عنده لم يوضع بين الكتفين شيء قط، وإنما المعنى أنه صرف الرب عنايته إليه، فكان يجب أن يبين أنَّ أثر تلك العناية متعلق بما يعم، أو بأشرف الأعضاء، وما بين الثديين كذلك ؛ بخلاف ما إذا قرأ الحديث على وجهه؛ فإنه إذا وضعت الكف على ظهره ؛ ثقل بردها إلى الناحية الأخرى، وهو الصدر، ومثل هذا يعلمه الناس بالإحساس وأيضاً فقول القائل: وضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي نصٌ لا يحتمل التأويل والتعبير بمثل هذا اللفظ عن مجرد الاعتناء، [وهذا] أمر يعلم بطلانه بالضرورة من اللغة العربية، وهو من غث كلام القرامطة والسوفسطائية..)([80])

ثم بين الوجه الصحيح الذي يفهمه السلفية، فقال: (الوجه السادس: أنه صلى الله عليه وآله وسلم ذكر ثلاثة أشياء ؛ حيث قال: (فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها)، وفي رواية: (برد أنامله على صدري، فعلمت ما بين المشرق والمغرب)، فذكر وضع يده بين كتفيه، وذكر غاية ذلك أنه وجد برد أنامله بين ثدييه، وهذا معنى ثان، وهو وجود هذا البرد عن شيء مخصوص في محل مخصوص، وعقب ذلك بقولـه: الوضع الموجود [كذا]، وكل هذا يبين أنَّ أحد هذه المعاني ليس هو الآخر) ([81])

القدم:

وهي من الصفات التي يفرق بها السلفية بين السني والبدعي، ويسمونها صفة [الرجل] أيضا، ويقصدون بها ما نعرفه من القدم.. لكن الفرق بين قدمنا وقدم الله لا يمكن تصوره، لأن أقدامنا تحترق بالنار، بينما قدم الله لا تؤثر فيها النار..

وقد أوردوا في ذلك حديثا، يحرصون على الفهم الظاهري الحرفي له، بل يبدعون المخالف لذلك الفهم، وهو ما رووه عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (يلقى في النار وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رجله فيها، أو قدمه، فتقول: قط قط([82]))([83])

وقد أشار علم من أعلام السلفية المعاصرين، وهو الشيخ أبو أحمد محمد أمان جامي إلى الصراع الذي حصل بين التنزيهيين والمجسمة في تفسير الحديث، فقال: (هذه الصفة كالتي قبلها من الصفات الخبرية والفعلية محل صراع حادّ بين السلف والخلف، أما السلف – فهم كعادتهم- يرون أن المقام ليس مقام اجتهاد أو قياس أو استحسان، وإنما هو مقام تسليم لله ولرسولهصلى الله عليه وآله وسلم، وأنه لا قول لأحد مع قول الله وقول رسوله المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم، الذي أمره ربه أن يبلغ ما أنزل إليه. فمما بلغه الرسول عن الله لأمته بعضُ أوصاف الجنة والنار، وذلك من الأمور الغيبية التي أطلع الله عليها نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولا سبيل للإنسان العادي أن يقول فيها قولاً اجتهاداً أو استحساناً.. ففي مثل هذا المقام التوقيفي لا ينبغي للمرء الناصح لنفسه أن يحاول استخدام قوة عقله أو سلطان فلسفته أو ما ورثه من مشايخه ليقول في هذا النص النبوي قولاً يخالف قول المعصوم، فيفسر الحديث كما يريد ويستحسن.. وفي هذه الصفة (القَدَم) قد صح عنه الحديث السابق آنفاً الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، فما علينا إلا التسليم لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم)([84])

ثم قال: (وموقف السلف من معنى الحديث هو أن الحديث من أحاديث الصفات، وأن القدم صفة من الصفات الخبرية التي تمر كما جاءت دون تأويل أو تحريف في النص، ودون تشبيه أو تمثيل لصفات الله بصفات خلقه، فلا تقاس قدمه بأقدام خلقه، ولا رجله بأرجل مخلوقاته، بل يكتفى بالمعنى الوضعي للكلمة دون محاولة لإدراك حقيقة قدمه، وقد عجزنا عن إدراك حقيقة ذاته سبحانه فآمنا وسلمنا لله ولرسوله، هذا موقف لا يتغير ولا يتبدل بالنسبة لأتباع السلف، بل موقف ثابت وهو اتباع النصوص في جميع الصفات خبرية أو غيرها) ([85])

ثم ذكر موقف المنزهة من الحديث منتقدا له، فقال: (وأما الخلف فقد تكلفوا في تأويل هذا الحديث أكثر من تكلفهم في تأويل أي نص آخر من نصوص الصفات، فتكلفهم هنا يشبه تكلف القرامطة في نصوص المعاد، بل لجميع نصوص الشريعة، فزعم المتكلمون الخلف هنا أن الحديث -كغيره من نصوص الصفات – يؤول بما يليق بالله – يا سبحان الله – فمتى دلت النصوص بظاهرها على ما لا يليق بالله لو فهمت.. فقال بعضهم: المراد بالقدم هنا المتقدم ومعناه حتى يضع الله تعالى فيها ما قدمه لها من أهل العذاب.. وأنت تلاحظ أن هذا التأويل التقليدي لم يمكنهم من الانتباه للضمير (قدمه) أو (رجله) وأن الذي لا يختلف فيه أهل العلم أن الإضافة تخصص الصفة للموصوف، بمعنى إذا قلنا: علم الله وقدرة الله مثلاً، فلا يشترك علم المخلوق أو قدرته في علم الله المختص بالإضافة بأي نوع من أنواع المشاركة وكذلك قدرته، لأن الاشتراك لا يقع إلا في المطلق الكلي غير المختص لا بالمخلوق ولا بالخالق. وكذلك يقال هنا لأن القدم لم ترد إلا مضافة مختصة ولا يشترك معها شيء من أقدام خلقه، ولا مشابهة بينهما – وهذا التأويل الذي تورط فيه أتباع الفلاسفة لم يفطن لهذا المعنى، وعدم التفطن لهذا المعنى هو سر تخبطهم في جميع الصفات الخبرية والفعلية.. وأما الرواية التي فيها (حتى يضع الله فيها رجله)، فقد حاولوا فيها أولاً تضعيف الحديث ليريحوا أنفسهم من ذلك التأويل المستكره والمستنكر ولكنهم لم يفلحوا، لأن الحديث صحيح رواه مسلم في صحيحه، قال الإمام النووي: (فقد زعم ابن فورك أن هذه الرواية غير ثابتة عند أهل النقل، ولكن قد رواها مسلم وغيره في صحيحه، فلجأوا أخيراً إلى نوع غريب من التأويل حيث قالوا: يجوز أن يراد بالرّجل الجماعة من الناس، كما يقال: رجل من (جراد) أي قطعة منه، وهو تكلف غني عن الإعلان عنه، بل هو يعلن عن نفسه، والاستشهاد برجْل الجراد أشد غرابة كما ترى، وهو استشهاد يضحك (الحزين).. وقال بعضهم: المراد بالقدم قوم استحقوها وخُلِقُوا لها، وقالوا: لا بد من صرف لفظة (القَدَمِ) عن ظاهرها لقيام الدليل القطعي العقلي على استحالة الجارحة على الله تعالى، فمن ذا الذي قال: إن قَدَمَ الله جارحة من الجوارح حتى تضطروا إلى مثل هذه المناقشة واستعمال هذا الأسلوب، بل الذي عليه سلف هذه الأمة – وهم أعلم وأدق وأقدم- أن قَدَمَ الله ووجه الله ويده وعينه وأصابعه، وما في معناها من هذه الصفات الخبرية صفات لله على ما يليق به سبحانه، وليست بجوارح له، ولا نعلم عن كُنهها شيئاً، بل آمنا بها على مراد الله ومراد رسوله من حيث الحقيقة والكُنه. ومعنى الكلمة معلوم من الوضع والكيف مجهول والبحث عن الكيفية بدعة، أحدثها علماء الكلام، والإيمان بها على أنها صفات ذاتية لله واجب من واجبات الدين الإسلامي، ولا ينقضي عجبي عندما أقرأ هذه العبارة التقليدية المتوارثة: (إن الدليل العقلي القطعي يقتضي استحالة قيام الجوارح بالله) أو عبارة قريبة من هذه، فكيف يعتقد مسلم أن الآيات القرآنية التي أنزلها الله العليم الحكيم، والأحاديث النبوية التي أوحاها إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم تدل بظواهرها على ما لا يليق بالله أو على ما هو مستحيل على الله، ثم لا يبين الرسول الأمين صلى الله عليه وآله وسلم ما يليق بالله وما لا يليق من كلامه وكلام ربه سبحانه) ([86])

إلى آخر كلامه، وقد ذكرناه بطوله لنرى تلك الازدواجية في التعامل مع النصوص، حيث يتيحون لأنفسهم أن يؤولوا ما شاءوا، وأن يردوا من الحديث ما شاءوا، لكن إن انبرى علم من أعلام الإسلام لتنزيه الله تعالى عما لا يقبله العقل ولا يرتضيه النقل، تثور ثائرتهم.

والذي يدل على خلاف ما ذكره من أن المقصود بالقدم ليس الجارحة نسوق ما قاله من يطلقون عليه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتابه التوحيد، فقد وضع فصلا خاصا بالقدم، ملأه بالأحاديث الغريبة المجسمة، وقال في مقدمته: (باب ذكر إثبات الرجل لله عز وجل وإن رغمت أنوف المعطلة الجهمية، الذين يكفرون بصفات خالقنا عز وجل التي أثبتها لنفسه في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم قال الله عز وجل يذكر ما يدعو بعض الكفار من دون الله: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ} [الأعراف: 195]، فأعلمنا ربنا جل وعلا أن من لا رجل له، ولا يد، ولا عين، ولا سمع فهو كالأنعام بل هو أضل، فالمعطلة الجهمية: الذين هم شر من اليهود والنصارى والمجوس: كالأنعام بل أضل؛ فالمعطلة الجهمية عندهم كالأنعام بل هم أضل)([87])

ونحن ندعو كل عاقل ليعيد قراءة ما ذكره ابن خزيمة الذي يعتبره ابن تيمية وكل السلفية (إمام الأئمة)، وهل يفيد شيئا غير كون القدم والرجل هي نفسها الجارحة؟

الساق:

وهي من الصفات أو الجوارح التي يحرص عليها السلفية من أولهم إلى آخرهم، بل يعتبرون إنكارها، أو تأويلها تجهما وتعطيلا.

وهم يستخدمون القرآن الكريم لتسويق هذه الجارحة، والآية التي يستخدمونها لذلك هي قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42]

ومع كونها واضحة في الدلالة على شدة أهوال يوم القيامة.. كما قال الشاعر:

كَشَفَتْ لهـمْ عن سَــاقِها    وبـَدَا من الشَّـرِّ صُراحُ

ومع أن ابن عباس فسرها بذلك، فقال: (هو يوم كربٍ وشدةٍ)([88])

ومع أن أعلام العربية قالوا بذلك، كما قال الزمخشريّ: (يوم يكشف عن ساق في معنى يوم يشتدُ الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثَمَ ولا ساق، كما تقول للأقطع الشحيح يده مغلولة ولا يد ولا غل وإنما هو البخل، وأما من شّبه فلضيق عطنه وقلة نظره في علم البيان)([89])

فمع هذا وغيره إلا أن السلفية أولهم وآخرهم يحرصون على أن يفسروا الساق في الآية بالجارحة، ويعتبرونها من الصفات أو الأعضاء التي يتركب منها الله تعالى.

وقد عبر عن هذا الفهم السلفي التجسيمي ابن القيم، فقال: (.. ومن حمل الآية على ذلك ـ أي أنها صفة الرحمن ـ قال: قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: 42] مطابق لقوله صلى الله عليه وآله وسلم يكشف عن ساقه.. وتنكيره للتعظيم والتفخيم كأنه قال: (يكشف عن ساق عظيمة)، قالوا وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه، فإن لغة القوم أن يقال كشفت الشدة عن القوم، لا كشفت عنها، كقوله تعالى: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ} [الزخرف: 50] العذاب هو المكشوف، لا المكشوف عنه، وأيضا فهناك تحدث شدة لا تزول إلا بدخول الجنة، وهنا لا يدعون لسجود وإنما يدعون الله أشد ما كانت الشدة)([90])

وهكذا نرى ابن القيم يعلم ابن عباس والزمخشري اللغة العربية.. وهكذا أيضا يتنازل السلفية عن كل مقولاتهم في تعظيم الصحابة.. لأن الصحابة في تصورهم هم المجسمة، لا المنزهة.. فكل من سار خلاف منهجهم رفضوه، ورفضوا قوله حتى لو كان ذلك الذي يعتبرونه ترجمان القرآن.

وعلى خطى ابن القيم وغيره من السلف سار السلفية المعاصرة، وقد سئل الشيخ عبدالعزيز بن باز عن معنى الآية، فقال: (الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فسّرها بأن المراد يوم يجيء الرب يوم القيامة، ويكشف لعباده المؤمنين عن ساقه وهي العلامة التي بينه تعالى وبين عباده، فإذا كشف عن ساقه، عرفوه وتبعوه، وإن كانت الحرب يقال لها كشفت عن ساق إذا اشتدت وهذا معنى معروف لغوياً قاله أئمة اللغة، ولكن في الآية الكريمة يجب أن يفسر بما جاء في الحديث وهو كشف الرب عن ساقه سبحانه وتعالى)([91])

 ولست أدري ما هي العلامة الموجودة على الساق.. وهل هناك من السلفية من يخبرنا عنها.. أم أنهم يريدون إبقاءها لأنفسهم حتى تكون لهم وحدهم القدرة على السجود يوم القيامة؟

ويقول محمد الجامي ـ بعد إيراده لحديث الساق الذي سنذكره مفصلا عند الحديث عن الصورة ـ: (.. فانطلاقاً من هذا الحديث الصحيح الذي يثبت لله ساقاً نرى أن الآية من آيات الصفات المفسرة بالسنة، لأن الآية جاءت محتملة المعنى حيث جاء الساق مجرداً عن الإضافة المخصصة، فجاءت السنة مبينة بأن المراد بالساق هو ساق الرحمن، فَسلُكْ في إثبات الساق مسلك السلف الصالح وهو إثبات بلا تمثيل ولا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل، فالكلام في صفة الساق كالكلام في صفة اليد والوجه، وأما الخلاف والنزاع الذي جرى بـين الصحابة والتابعين فينبغي أن نعتبره منتهياً بعد ثبوت حديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ الذي نعده تفسيراً للآية المجملة ثم نعده فيصلاً في هذه القضية)([92])

وقال الدكتور عبد الله الغنيمان: (الضمير في قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: 42] يعود إلى الله تعالى ففي ذلك إثبات صفة الساق لله تعالى، ويكون هذا الحديث ونحوه تفسير لقوله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: 42] وهذا الحديث متفق على صحته وفيه التصريح في أن الله تعالى يكشف عن ساقه وعند ذلك يسجد له المؤمنون ومن تأوله التأويلات المستكرهة فقد استدرك على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومعلوم أن قوله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: 42] ليس نصاً في أن الساق صفة لله تعالى ؛ لأنه جاء منكرا غير معرّف فيكون قابلاً كونه صفة وكونه غير صفة وتعيينه لواحد من ذلك يتوقف على الدليل وقد دل الدليل الصحيح على ذلك فلا يجوز تأوله بعد ذلك، أما ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره أن ذلك الشدة والكرب يوم القيامة فهذا بالنظر إلى لفظ الآية لأنها كما قلنا لم تدل على الصفة بلفظها وإنما الدليل هو الحديث المذكور)([93])

وعلى منهجهم في الانتقائية في تصحيح الأحاديث وتضعيفها، فقد راحوا يجمعون الروايات الواردة عن ابن عباس، ويضعفونها.. وما أسهل أن تضعف الرواية وفق منهج المحدثين، لأنه لا يوجد راو في الدنيا إلا وهناك من جرحه..

وقد قام بهذا العمل الجليل الشيخ سليم الهلالي الذي استحيا أن يرد على ابن عباس، فاكتفى بتكذيب قوله، ليكون رده على الكذاب لا على ابن عباس، وقد وضع عمله هذا في رسالة سماها (المنهل الرقراق في تخريج ما روى عن الصحابة والتابعين في تفسير يوم يكشف عن ساق) ([94])

هذه ـ باختصار ـ الرؤية السلفية لله تعالى من هذه الزاوية.. وهي ـ كما رأينا ـ رؤية مستغرقة في التجسيم والتشبيه والوثنية.. ولو أوردنا كل رواياتهم في تفاصيل هذه الأعضاء ووظائفها لرأينا من ذلك العجب العجاب..


([1])     انظر في الردود على التركيب معظم كتب الكلام، ومنها: كشف المراد، العلاّمة الحلّي: ص 405، قواعد العقائدص 68، وغيرها من كتب العقائد.

([2])     انظر تفاصيل ذلك في شرح الجوهرة 152،153،وحاشية ابن الأمير 140،والاعتقاد والهداية للبيهقي 52.

([3])     مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (27/ 582)

([4])     مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (27/ 582)

([5])     مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (27/ 583)

([6])     أحمد في المسند: (3/125).

([7])     سنن الترمذي: (5/ 115)

([8])     رواه الإمام أحمد (2956-شاكر). وابن أبي عاصم في السنة (538) ؛ بإسناد حسن . وانظر: السلسلة الصحيحة (1602).

([9])     رواه البخاري (4830) وغيره.

([10])     شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/383).

([11])   السنة  2/470(1069) الفردوس بمأثور الخطاب للديلمي 1/248(961) وعزاه ابن تيمية في الفتاوى الكبرى 5/87  إلى الطبراني في كتاب السنة.

([12])   انظر شرح قصيدة ابن القيم لأحمد بن إبراهيم 1/230

([13])   الفتاوى الكبرى 5/85-92 وانظر كلام الفراء في إبطال التأويلات 2/340.

([14])   الفتاوى الكبرى 5/85-92 .

([15])   السنة 2/475(1086) و2/507 (1180) الخلال في السنة 1/262(319)

([16])   السنة 2/503(1165)

([17])   السنة 2/502 (1161)

([18])   السنة 2/507 (1182)

([19])   السنة 1/262(322) ابن أبي شيبة في المصنف6/342 (31888)

([20])   السنة 2/502(1163)

([21])   انظر حاشية المرجع السابق 1/207-210

([22])   طريق الهجرتين 1/357

([23])     كتاب التوحيد (1/25).

([24])    تلخيص البيان في مجازات القرآن للشريف الرضي ( ص204 ) .

([25])    تلخيص البيان في مجازات القرآن ( ص 275 ). وانظر: دفع شبه التشبيه ( ص113 ) .

([26])    أساس التقديس (ص155) .

([27])     الإبانة (2/ 13/90 – 91/ 319) والسنة للخلال (5/ 84 – 85).

([28])     الفتاوى 6/14-17.

([29])    أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (2/89) رقم (656)

([30])   أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (1/432 ـ 433). وابن خزيمة في التوحيد (1/35 ـ 36 ) رقم ( 9)

([31])     رواه ابن ماجه واللفظ له (صحيح سنن ابن ماجه/652). وأحمد في المسند (8332). والطيالسي (2334). والحاكم (1/213)

([32])     إبطال التأويلات (1/243).

([33])     في رده على بشر المريسي (ص 200).

([34])     إبطال التأويلات (ص: 387).

([35])   1/286 (547). وأخرجه الطبري في التفسير 6/29

([36])     إبطال التأويلات (ص: 387).

([37])   رواه الإمام أحمد في المسند 4/11 ورواه ابن ماجه في السنن 1/64 رقم (181)؛ ورواه ابن أبي عاصم في السنة 1/244.

([38])   رواه مسلم في صحيحه 3/1504، 1505.

([39])   رواه الدارمي في الرد على الجهمية ص288 .

([40])     إبطال التأويلات (ص: 216)

([41])     إبطال التأويلات (ص: 214)، وعزاه إلى الدارقطني في الصفات.

([42])     إبطال التأويلات (ص: 217)

([43])     بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (5/ 474).

([44])     التوحيد لابن خزيمة (1/ 116)

([45])     التوحيد لابن خزيمة (1/ 116)

([46])     التوحيد لابن خزيمة (1/ 117)

([47])     التوحيد لابن خزيمة (1/ 117)

([48])     مختصر الصواعق المرسلة (2/171).

([49])     في اعتقاد أئمة الحديث (ص 51) :.

([50])     مجموع الفتاوى (6/263).

([51])     انظر: شرحه لكتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/311).

([52])     التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع (ص: 75).

([53])     عبد الرزاق (8919)، والأزرقي في أخبار مكة (1/ 323، 324، 326)

([54])     النقض على المريسي (ص: 266).

([55])     مسلم في صحيحه (2788).

([56])     عبد الله ابن الإمام أحمد في السنة (1059). والبزار في مسنده (2144-كشف). وقال: إسناده حسن..

([57])     أبو سعيد الدارمي في رده على بشر المريسي، ص 155.

([58])     قطف الثمار (ص 66).

([59])     مسلم في (صحيحه (1827).

([60])     ابن أبي عاصم في السنة (206). وابن حبان (6167). والحاكم (1/64) وصحَّحَه. وعنه البيهقي في (الأسماء والصفات (2/56) . والحديث حسَّنه الألباني في تخريجه لـ (السنة)

([61])     كتاب التوحيد (1/159).

([62])     كتاب التوحيد (1/197).

([63])     طبقات الحنابلة لأبي يعلى: (1/313).

([64])     مسلم(758).

([65])     التدمرية (ص 29).

([66])     رواه أحمد (5/268). وابن أبي عاصم في السنة (589). و الترمذي (صحيح سنن الترمذي 1984). وابن ماجه (4286). وغيرهم.

([67])     رواه عثمان بن سعيد الدارمي في (رده على بشر المريسي (ص 37). وابن حبان في (صحيحه (7247). والفسوي في (المعرفة والتاريخ (2/341). والطبراني في (الكبير (17/126). و (الأوسط (404).

([68])     قال المباركفوري في (تحفة الأحوذي (7/129): ( (ثلاث حثيات) ؛ بفتح الحاء والمثلثة. جمع حثية. والحثية والحثوة يستعمل فيما يعطيه الإنسان بكفيه دفعة واحدة من غير وزن وتقدير)

([69])     رواه مسلم (2788-25 و 26).

([70])     رواه مسلم (1014).

([71])     رواه مسلم رقم (2713) والترمذي رقم (3397) وأبو داود رقم (5051)

([72])     الكواشف الجلية (ص 487).

([73])     القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (ص30).

([74])     رواه مسلم (2654).

([75])     رواه: البخاري (7415) ومسلم (2786).

([76])     التوحيد (1/187).

([77])     شرح السنة (1/168).

([78])     تأويل مختلف الحديث) (ص 245).

([79])     رواه الترمذي (3235)، وأحمد (5/ 243) (22162). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح؛ سألت محمد بن إسماعيل – البخاري – عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح..

([80])     نقض أساس التقديس (ق 524-526).

([81])     نقض أساس التقديس (ق 524-526).

([82])     (قط) فيها ثلاث لغات: سكون الطاء، وكسر الطاء بتنوين، وكسرها بلا تنوين، وقد ترد (قد) بالدال بدل الطاء ومعناها: حسبي حسبي، وكفاني وامتلأت. شرح مسلم 17/162..

([83])   أخرجه البخاري في التفسير رقم (4848) وفي التوحيد رقم (6661، 7384)؛ ومسلم في صفة الجنة والنار رقم (2848)

([84])     الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه (ص: 320).

([85])     الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه (ص: 320).

([86])     الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه (ص: 320).

([87])     التوحيد لابن خزيمة (1/ 202).

([88])     جامع البيان ( 29/ 38 )

([89])     الكشاف ( 4 / 147 ) ..

([90])     الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (1/ 253)

([91])     مجموع فتاوى و تنبيهات ـ ابن باز ـ مكتبة السنة ـ الأولى 1409هـ.

([92])     الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه (ص: 316)

([93])     شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ـ د. عبد الله الغنيمان ـ مكتبة لينةـ ( 2/ 121 ) ..

([94])     المنهل الرقراق في تخريج ما روى عن الصحابة و التابعين في تفسير يوم يكشف عن ساق. سليم بن عيد الهلالي، دار ابن الجوزي ـ الأولى 1412هـ.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *