أساطير.. وخرافات

أساطير.. وخرافات

مع كون كل ما ذكرناه سابقا مسيئا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومشوها لمكانتهم الرفيعة، ومدنسا لمقاماتهم العالية، وحجابا عظيما بينهم وبين كونهم منارات هداية لهذه الأمة ولغيرها من الأمم.. إلا أن الأخطر من ذلك كله هو تحويل قصصهم من قصص قرآني مملوء بالمعاني السامية إلى قصص يهودي مملوء بالأساطير والخرافات.

وهذا للأسف ما حصل في تاريخنا الطويل بفعل تلك الروايات الشنيعة التي قبل السلفية رواتها، واعتبروهم أئمة للدين، بل وضعوا ذلك الهراء الذي قالوه في كتب التفسير والحديث والعقائد، ليرغم على قراءتها عوام الناس وخواصهم، فتنقدح معانيها المسمومة فيهم شعروا أو لم يشعروا.

ولا يفيد بعد كل ما ذكروه أن يقولوا عن تلك الأحاديث بعد روايتها بتفاصيلها وطرقها: موقوف على كعب الأحبار.. ولعله من الإسرائيليات.. فما تفيد هذه العبارة التي قد لا يلتفت لها القارئ أصلا بعد أن يشحن خياله تماما بأحداث القصة، وبعد أن تمحى كل تلك الصورة الجميلة التي صوروا بها الأنبياء عليهم السلام.

وخطر الدور الذي قام به السلفية في هذا هو تشجيعهم على مطالعة كتب أعلامهم الأوائل كالطبري والبغوي والسمعاني والثعلبي وغيرها.. في نفس الوقت الذي كانوا ولا زالوا يحذرون من كتب القائلين بالعصمة المطلقة، ككتاب الشريف المرتضى في تنزيه الأنبياء كما ذكرنا سابقا.

ولهذا، فإن السلفية، استطاعت أن تمارس الدور اليهودي في هذه الأمة، لا بتحريف ألفاظ القرآن الكريم، وإنما بتحويل معانيه.. وكلاهما خطير.. بل الأخطر هو تحريف المعاني، لأن المعاني هي المقصودة بالذات، وما الألفاظ إلا كسوتها.

وقد استعملت ـ كما ذكرنا مرات متعددة ـ ذلك الحديث الذي جعلوه مفتاحا لإدخال اليهودية في الإسلام بتجسيمها وأساطيرها وخرافاتها وكل أنواع ضلالها.

ومن الروايات العجيبة لذلك الحديث ما رووه عن أبى سعيد، قال: كنا قعودا نكتب ما نسمع من النبى صلى الله عليه وآله وسلم فخرج علينا، فقال: ما هذا تكتبون؟ فقلنا: ما نسمع منك، فقال: أكتاب مع كتاب الله؟ أمحضوا كتاب الله وأخلصوه، قال: فجمعنا ما كتبنا فى صعيد واحد، ثم أحرقناه بالنار، قلنا: أى رسول الله أنتحدث عنك؟ قال: نعم تحدثوا عنى، ولا حرج، ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. قال: فقلنا: يا رسول الله، أنتحدث عن بنى إسرائيل؟ قال: نعم، تحدثوا عن بنى إسرائيل، ولا حرج، فإنكم لا تحدثوا عنهم بشىء إلا وقد كان فيهم أعجب منه([1]).

فهم بهذا الحديث وأمثاله مهدوا للنسخة اليهودية من الإسلام.. فهو ينهى عن الكتابة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى لا يختلط حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن الكريم، وفي نفس الوقت يأذن بالحديث عن بني إسرائيل، وكأن أحاديث بني إسرائيل لن تختلط بكتاب الله.

بل في الحديث ما هو أخطر من ذلك.. وهو الإقرار بأن كل ما يذكرونه عنهم صحيح، فقد ورد فيه (فإنكم لا تحدثوا عنهم بشىء إلا وقد كان فيهم أعجب منه)

ولو أن الذين نشروا أمثال هذه الأحاديث وراحوا يستدلون بها، بل راحوا يفعلونها في حياتهم بالبحث عن أهل الكتاب والرواية عنهم قرأوا القرآن الكريم بصدق وإخلاص لكان فيهم من الورع ما يحول بينهم وبين ذلك.

فالقرآن الكريم عندما يورد أي قصة من القصص يخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن هذه القصة من الله، وأن الغيب لله، وقد كان في إمكانه أن يقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن شئت المزيد من التفاصيل فاقصد أحبار اليهود، أو اقصد الذين أسلموا منهم ليعطوك تلك التفاصيل.. لكنه لم يفعل، بل ورد النهي عن ذلك.

ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } [القصص: 44 – 46]

فهذه الآيات الكريمة تبين المنهج العلمي الذي يحتاجه كل من يريد الحديث عن الوقائع التاريخية السابقة، وهي إما خبر المعصوم كما أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، أو هي الحضور المباشر للمكان والزمان الذي وقعت فيه الحادثة.. أما خبر الذين اختلط صدقهم بكذبهم فلن يزيد الباحث إلا ضلالة.

ومثل تلك الآية آيات كثيرة ترسخ هذا المنهج القرآني، ومنها قوله تعالى بعد ذكره لقصة نوح عليه السلام: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } [هود: 49]

ومثلها قوله بعد ذكره لقصة مريم عليها السلام: { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44]

ومثلها قوله بعد ذكره لقصة يوسف عليه السلام: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: 102]

ومثلها قوله بعد ذكره لمجموعة من قصص الأنبياء عليهم السلام: { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} [هود: 100]

بل إن القرآن الكريم لا يقصر هذا المنهج على القصص، بل يعممه في كل شيء، فلا يصح أن نتعلم أي علم من غير مصادره الصحيحة الموثوقة، كما قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } [الإسراء: 36]

لأن كل علم لا يستند إلى مصدر صحيح موثوق هو دجل وكذب وضلالة، قال تعالى: { وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28]، وقال: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا } [الكهف: 5]

لكن السلفية غفلوا عن كل هذه الآيات الكريمة، وتصورا أن الأمر سهل، فليس في تلك الروايات سوى المزيد من التفاصيل التي تتوق لها نفوس الناس، ونسوا أن الأمر مرتبط بالقرآن الكريم الذي هو رسالة الله إلى عباده ليتدبروه، ويعيشوا معانيه.. فإذا ما اختلطت تلك المعاني بالتحريفات الإسرائيلية، فسيصبح القرآن الكريم حينها متنا، وتصبح تلك التحريفات شرحا له.. والناس لا يفهمون المتن إلا بشرحه، وقد يقتصرون على الشرح، ويغفلون عن المتن.

والخطر الأكبر الذي جره السلفية وسلفهم إلى القصص القرآني هو تلك التفاصيل الكثيرة التي لا مبرر للبحث فيها، بل قد نهينا عن البحث عنها.

فقد نهانا الله تعالى عن البحث عن التفاصيل التي لا نحتاج إليها، حتى لو وردتنا من مصادر موثوقة، لأن المهم هو العبرة، وليس تفاصيل الأحداث، كما قال تعالى عند ذكره لفتية أهل الكهف، والاختلاف في عددهم: { سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} [الكهف: 22]

ومع أن الله تعالى نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية الكريمة أن يسأل أي أحد عن حقيقة عدد أهل الكهف، أو التفاصيل المرتبطة بهم.. لكن السلفية شحنوا كتبهم بأمثال هذه المسائل، بل إن الأمر وصل بهم إلى التعرف على اسم كلب أهل الكهف نفسه.

قال الطبري ـ شيخ مفسريهم ومصدرهم الأول ـ في تفسير قوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [الكهف: 18]: (اختلف أهل التأويل في الذي عنى الله بقوله: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ }، فقال بعضهم: هو كلب من كلابهم كان معهم، وقد ذكرنا كثيرا ممن قال ذلك فيما مضى، وقال بعضهم: كان إنسانا من الناس طباخا لهم تبعهم)([2])

وهكذا تحول [الكلب] المعروف لغة واصطلاحا من العامة والخاصة إلى قضية مثيرة للجدل بين أهل التأويل.. والأكثر غرابة أن يتحول الكلب إنسانا، ثم يعتبر قائل هذا الغثاء من أهل التأويل.

وهكذا نرى ابن أبي حاتم الذي يعتبر مصدرا من مصادر السلفية في قبول الرواة ورفضهم، يفسر تلك الآيات الكريمة بأمثال هذه الروايات: (.. عن مجاهد قال: اسم كلبهم قطمور.. وعن الحسن قال: اسم كلب أصحاب الكهف، قطمير.. وعن ابن جريج قال: قلت لرجل من أهل العلم: زعموا إن كلبهم كان أسدا، قال: لعمر الله ما كان أسدا، ولكنه كان كلبا أحمر خرجوا به من بيوتهم يقال له، قطمور.. ومن طريق سفيان قال: قال رجل بالكوفة يقال له: عبيد وكان لا يتهم بكذب قال: رأيت كلب أصحاب الكهف أحمر كأنه كساء انبجاني)([3])

ثم لم يتعقب ابن أبي حاتم الذي تكلم في كل الرواة هذه الروايات بأدنى نقد.. بل تركها كما هي، غافلا عما ورد في القرآن الكريم من النهي عن البحث عن أمثال هذه التفاصيل.

انطلاقا من هذا سنورد هنا بعض النماذج التي تحولت بها قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى أساطير وخرافات لا تتناقض فقط مع القرآن الكريم، بل تتناقض قبل ذلك وبعده مع العقل السليم الفطري الذي يطالبه السلفية دائما بأن يعتقد ولا ينتقد.

نوح عليه السلام:

مع أن القرآن الكريم اعتبر نوحا عليه السلام مثالا للداعية الصابر المحتسب الذي استعمل كل الوسائل لهداية قومه، لكنه لم يلق منهم إلا الرد الشديد، وهذا وحده كاف ليملأ القلوب محبة له، ولمنهجه، ثم يطبع السلوك بعد ذلك بالقيم الرفيعة التي يحملها، بل يمثلها أحسن تمثيل.

لكن سلف السلفية استطاعوا أن يحجبوا هذه الصورة الجميلة بإغراق قصته بالخرافات والأساطير.. فأصبح نوح عليه السلام بسبب روايات سلفهم مادة للخرافة والأسطورة، لا مادة للصبر والتضحية.

فمن الروايات التي يوردونها في تفاسيرهم السلفية التي ملأوا العالم ثناء عليها ما رووه عن ابن عباس، قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها! قال: فانطلق بهم حتى انتهى بهم إلى كثيب من تراب، فأخذ كفا من ذلك التراب بكفه، قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا كعب حام بن نوح. قال: فضرب الكثيب بعصاه، قال: قم بإذن الله! فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب، قال له عيسى: هكذا هلكت؟ قال: لا ولكن مت وأنا شاب، ولكني ظننت أنها الساعة، فمن ثم شبت. قال: حدثنا عن سفينة نوح. قال: كان طولها ألف ذرع ومائتي ذراع، وعرضها ست مائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، فطبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير. فلما كثر أرواث الدواب، أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل، فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث. فلما وقع الفأر بجرز السفينة يقرضه، أوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد، فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبلا على الفأر، فقال له عيسى: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيفة فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت قال: ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت قال: فطوقها الخضرة التي في عنقها، ودعا لها أن تكون في أنس وأمان، فمن ثم تألف البيوت. قال: فقلنا يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلينا، فيجلس معنا، ويحدثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ قال: فقال له: عد بإذن الله، قال: فعاد ترابا([4]).

وهكذا استطاع العقل السلفي ـ بفضل هذه الرواية ـ أن يتعلم الكثير من العلوم المرتبطة بأصل الأنواع التي احتار فيها علماء البيولوجيا.. بالإضافة لمعرفته بطول السفينة وعرضها وارتفاعها.

ومن الروايات التي يوردونها في تفسير الآيات التي ذكرت السفينة ما رووه عن ابن عباس، قال: كان أول ما حمل نوح في الفلك من الدواب الذرة، وآخر ما حمل الحمار، فلما أدخل الحمار وأدخل صدره، تعلق إبليس بذنبه، فلم تستقل رجلاه، فجعل نوح يقول: ويحك ادخل! فينهض فلا يستطيع. حتى قال نوح: ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك! قال: كلمة زلت عن لسانه، فلما قالها نوح خلي الشيطان سبيله، فدخل ودخل الشيطان معه، فقال له نوح: ما أدخلك علي يا عدو الله؟ فقال: ألم تقل: ادخل وإن كان الشيطان معك؟ قال: اخرج عني يا عدو الله! فقال: ما لك بد من أن تحملني! فكان، فيما يزعمون، في ظهر الفلك([5]).

وهكذا يصورون الشيطان، وهو يحتال على نوح عليه السلام كما احتال على أبيه من قبل، ومن العجب أن يصوروا الشيطان خائفا من الطوفان، أو محتاجا لأن يركب الفلك، مع أنهم يروون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:( إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة، أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت)([6])

وفي رواية: (عرش إبليس على البحر، يبعث سراياه، فأعظمهم عنده منزلة، أعظمهم فتنة)([7])

بل إنهم يروون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن (سفينة نوح طافت بالبيت وصلّت خلف المقام ركعتين)([8])

هذه بعض الروايات التي رويت في كتب التفسير والتاريخ لتحجب تلك الصورة الجميلة التي صور بها القرآن الكريم نوحا عليه السلام، وتضع بدلها هذه الخرافات والأساطير.

موسى عليه السلام:

مثلما شوه السلفية قصة نوح عليه السلام بما أوردوه من خرافات وأساطير، فكذلك فعلوا بموسى عليه السلام، حيث تحولت قصته من قصة داعية ومخلص إلى قصة خرافية أسطورية تسلي أصحاب العقول السلفية البسيطة.

والخطورة في هذه الأساطير أنها تتخذ القرآن الكريم مطية لها، فهي تزعم تفسيرها للقرآن، والخطر الأكبر أن ترفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لتجعل منه حكواتيا لا نبيا.

ومن الروايات التي يوردونها في هذا، ويتشددون مع منكرها أو منتقدها قصة فرار الحجر بثوب موسى عليه السلام، ذلك أن مخرجها هما المعصومان اللذان يستحيل عليهما الخطأ: البخاري ومسلم.. وراويها هو أبو هريرة الذي جمع بين المدرستين: الإسلامية واليهودية، كما جمع بين الأستاذين: رسول الله وكعب الأحبار.. وكفاه بذلك شرفا.

ونصها هو (كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، وينظر بعضهم إلى سواة بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، قال: فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، قال: فجمع موسى عليه السلام بإثره يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى فقالوا: والله ما بموسى من بأس، فقام الحجر حتى نظر إليه، قال: فأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربا) قال أبو هريرة: والله إن بالحجر ستة أو سبعة، ضرب موسى بالحجر([9]).

ومع أن الرواية تخلو من أي حكم تربوي أو توجيهي، بل هي لم تزد سوى أن تسيء لنبي الله موسى عليه السلام بتصويره عريانا يراه بنو إسرائيل أجمعون، وكل ذلك لتنفي عنه تلك الآفة الخلقية التي اتهموه بها، والتي فسر السلفية على أساسها قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا } [الأحزاب: 69]، وكأن بني إسرائيل لم يؤذوا موسى عليه السلام إلا بتلك التهمة التي لا قيمة لها.

إلا أن السلفية انشغلوا بالدفاع عن هذه الرواية دفاع المستميت، بل وانشغلوا بتبديع كل منكر لها، وسأنقل هنا ـ باختصار ـ نموذجا عن ذلك الدفاع من رجل من عقلاء السلفية المعاصرين، لنعلم أنه يستحيل أن يجمع الإنسان بين العقل والسلفية.. لأنهما خطان متوازيان لا يلتقيان أبدا.. فأول شرط لدخول المرء في عصبة السلفية أن يلقي بعقله في البحر.

والعاقل السلفي المعاصر هو د. الشريف حاتم بن عارف العوني، عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى، فقد أجاب على سؤال أثاره بعض العقلانيين الممقوتين من السلفية، ونصه: (دعيت من أحد الأصدقاء لأنضم إلى جماعة إيمانية، كلامهم مبهر وجميل، لكن ما أثار شكوكي أنهم يشككون بحديث شريف، وهو الحديث الذي يتحدث عن موسى عليه السلام عندما نزل ليغتسل في النهر، ووضع ثيابه على حجر ففر الحجر ليبرأ موسى من تهم بني إسرائيل، فأنا أريد أن أعرف درجة هذا الحديث هل هو صحيح أم لا؟)([10])

فأجاب الشيخ السلفي العاقل بقوله: (الحديث الذي سأل عنه السائل حديث صحيح وارد في صحيحي البخاري ومسلم، اللذين هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى.. والحديث مع كونه مما قد صححه البخاري ومسلم، وكفى بتصحيحهما ثقة؛ لشدة احتياطهما، وقوة شرطهما في التصحيح؛ ولأن الأمة قد أجمعت على صحة كتابيهما، إلا أحاديث يسيرة خالف في صحتها بعض أئمة الحديث؛ لكن لم يكن هذا الحديث أحد تلك الأحاديث المختلف فيها، فإسناده من أصح الأسانيد، فهو من نسخة التابعي الثقة الجليل همام بن منبّه([11]) التي كتبها عن أبي هريرة مباشرة، حتى لقّب العلماء هذه الصحيفة بـ (الصحيفة الصحيحة).. وبذلك يتبيّن أنه لا مجال للتشكيك في صحة هذا الحديث عن رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أدري لماذا تجرّأ هؤلاء الفضلاء على هذا الحديث؟! فثبوت اللفظ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا شك فيه) ([12])

وبعد أن أثبت صحة الحديث سندا، راح يتكلف لإثباته معنى، فقال: (وأما المعنى فلا أدري ما المشكل فيه عند هؤلاء الفضلاء؟! ولكني سأحاول تفهُّمَ الإشكالات المحتملة في الحديث، وأجيب عنها. والذي بدا لي منها إشكالان فقط، هما: الأول: أن في الحديث إخبارا عن أمر غير معقول، وهو جري الحجر. وجوابه: أن هذا لا يستشكله إلا من لا يؤمن بمعجزات الأنبياء، وبخوارق العادات التي يجريها الله تعالى على أيديهم، والتي ثبتت في القرآن الكريم والسنة المطهرة المتواطئة عليها. فليس جري الحجر بأعجب من شق البحر، ولا إحياء الموتى، ولا جعل النار بردا وسلاما، وغيرها من معجزات الأنبياء الثابتة في القرآن قبل السنة!!.. الثاني: أن كشف العورة أمرٌ سيّءٌ، ولا يتمناه أحدٌ لنفسه، فكيف يقدّره الله تعالى على موسى عليه السلام؟! وجوابه: أن الحديث بيّنَ أن سبب ذلك هو اتهام بني إسرائيل لموسى عليه السلام بأنه إنما كان يستر عورته لمرضه، وعلم الله تعالى أن مفسدة هذه التهمة على موسى عليه السلام وعلى رسالته مفسدةٌ أشدُّ وأعظم من مفسدة ظهور عورة موسى عليه السلام، وأن الأذى الذي سيصيب موسى عليه السلام جراء انكشاف عورته أخفّ من الأذى الذي اتّهمه به قومُه. وقد حكى الله تعالى علينا في القرآن الكريم من سوء خلق بني إسرائيل ومن شدة عنادهم وتلكّؤهم عن الطاعة وسرعة انقلابهم ما لا نستغرب معه أن يكونوا قد بلغوا بأذى موسى عليه السلام على هذا الأمر ما يستوجب دَفْعَه عنه، ولو بكشف العورة. ويبقى أن هذا ابتلاء من جملة ابتلاءات موسى عليه السلام، والتي بها وبغيرها من مراقي تشريف الله تعالى له ومن الطاعة والتعظيم لله تعالى كان موسى عليه السلام عند الله تعالى وجيها) ([13])

ثم قدم النصيحة السلفية لمن يتجرأ على رد هذا، فقال: (وعلى السائل أن ينصح هؤلاء الإخوة الفضلاء (إن شاء الله) في هذا الأمر: بأن لا يتجرؤوا على ما لا علم لهم به، من تصحيح الأحاديث وتضعيفها، وأنهم إن استشكلوا حديثا أو غمض عليهم لفظُه أو معناه فعليهم أن يسألوا عنه من أهل العلم الذي كان معروفا فيهم بالعناية بالسنة وعلومها، وكان متخصصا في هذا العلم الشريف من علوم الشريعة. فالكلام في السنة تصحيحا وتضعيفا وتوجيها علمٌ تخصصي في علوم الشريعة، فليس كل عالم شرعي قادرا على إجادة الكلام فيه، فضلا عن غيره ممن لم يكن عالما شرعيا في أحد تخصصات الشريعة العديدة الأخرى. فإن وجد الأخ السائل أن هذه الجماعة لا تنتصح له، وأنهم يكررون السخرية من السنة الصحيحة، فليحذرهم على إيمانه وعقله: فإما أن يستبدلهم بجماعة خير منهم، أو أن يصاحبهم إذا كان محتاجا لصحبتهم، بشرط أن يكون قادرا على التحصّن من خطئهم هذا، فيأخذ منهم ما صفا وطاب، ويتجنب منهم ما كدر وخبث، مع دوام نصحه لهم، ومع عدم يأسه من قبولهم للنصيحة وتوبتهم، مهما طال ذلك منهم. والمهم الذي أؤكد عليه: أن لا يسمح لشبههم بالتسلل إليه، وأن تكون نجاتُه من بدعة تُفْسِدُ عليه قلبَه مقدّمةً لديه على كل شيء؛ فلا يعدل النجاةَ شيء! هذا كله إن تكرر منهم مثل هذا الخطأ ونحوه، أما إن كان ذلك منهم نادرا، فليكتف بنصحهم، ولا يتجنبهم، ما دام يستفيد منهم في زيادة إيمانه)([14])

ومن الإسرائيليات والخرافات المتعلقة بموسى عليه السلام، بالإضافة إلى هذا، ما نجده في كتب التفسير والتاريخ السلفية عند تفسير قوله تعالى: {قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} [المائدة: 22]، فهم يوردون عند تفسيرها قصة عوج بن عوق، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع، وأنه كان يمسك الحوت، فيشويه في عين الشمس، وأن طوفان نوح لم يصل إلى ركبتيه، وأنه امتنع عن ركوب السفينة مع نوح، وأن موسى كان طوله عشرة أذرع وعصاه عشرة أذرع، ووثب في الهواء عشرة أذرع، فأصاب كعب عوج فقتله، فكان جسرا لأهل النيل سنة.

وقد قدم الطبري لتلك الروايات بقوله: (وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن جواب قوم موسى عليه السلام، إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة: أنهم أبوا عليه إجابته إلى ما أمرهم به من ذلك، واعتلوا عليه في ذلك بأن قالوا، إن في الأرض المقدسة التي تأمرنا بدخولها، قوما جبارين لا طاقة لنا بحربهم، ولا قوة لنا بهم. وسموهم جبارين، لأنهم كانوا لشدة بطشهم وعظيم خلقهم، فيما ذكر لنا، قد قهروا سائر الأمم غيرهم)([15])

ولا بأس أن نتبرك هنا ببعض ما رواه حول هؤلاء الجبارين وعظم خلقهم، فقد روى عن السدي في قصة ذكرها من أمر موسى وبني إسرائيل، قال: (ثم أمرهم بالسير إلى أريحا، وهي أرض بيت المقدس، فساروا، حتى إذا كانوا قريبا منهم، بعث موسى اثنى عشر نقيبا من جميع أسباط بني إسرائيل، فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبارين، فلقيهم رجل من الجبارين، يقال له عوج، فأخذ الاثنى عشر فجعلهم في حجزته، وعلى رأسه حملة حطب، وانطلق بهم إلى امرأته فقال، انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا!! فطرحهم بين يديها، فقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: لا بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا! ففعل ذلك) ([16])

وروى عن مجاهد في قول الله: {وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} [المائدة: 12]: (من كل سبط من بني إسرائيل رجل، أرسلهم موسى إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان منهم، يلقونهم إلقاء، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس بينهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس، أو أربعة)([17])

هذه نماذج عن بعض الخرافات التي شوهت بها قصة موسى عليه السلام لتتحول إلى أسطورة وخرافة، بدل أن تكون نورا وهداية.

إسماعيل عليه السلام:

وهو من الأنبياء الكرام الذين ذكروا في القرآن الكريم، ووصفوا بصفات عظيمة لتكون محل هداية وقدوة، منها قوله تعال: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم: 54، 55]

ومنها ما ورد في قصة الذبح، والتي تدل على حلمه العظيم، وتسليمه المطلق لله تعالى، قال تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه السلام بعد معاناته الشديدة مع قومه: { وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } [الصافات: 99 – 102]

ومع أن هذه الآيات واضحة في الدلالة على أن المقصود منها هو إسماعيل عليه السلام إلا أن جمهور سلف السلفية انتصروا للقول بأن المراد هو إسحاق، كما تنص كتب أهل الكتاب، وهذا يدل على المصدر اليهودي للعقيدة السلفية.

وقد مهد الطبري ـ شيخ المفسرين السلفيين ـ للروايات التي استند لها في هذا القول بقوله: (..وكان فيما ذكر أن إبراهيم نذر حين بشرته الملائكة بإسحاق ولدا أن يجعله إذا ولدته سارة لله ذبيحا، فلما بلغ إسحاق مع أبيه السعي أري إبراهيم في المنام، فقيل له: أوف لله بنذرك، ورؤيا الأنبياء يقين، فلذلك مضى لما رأى في المنام، وقال له ابنه إسحاق ما قال)([18])

ثم ذكر من الروايات التي تدل على هذا رواية عن السدي، يقول فيها: (قال جبرائيل لسارة: أبشري بولد اسمه إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فضربت جبهتها عجبا.. قالت سارة لجبريل: ما آية ذلك؟ فأخذ بيده عودا يابسا، فلواه بين أصابعه، فاهتز أخضر، فقال إبراهيم: هو لله إذن ذبيح، فلما كبر إسحاق أتي إبراهيم في النوم، فقيل له: أوف بنذرك الذي نذرت، إن الله رزقك غلاما من سارة أن تذبحه، فقال لإسحاق: انطلق نقرب قربانا إلى الله، وأخذ سكينا وحبلا ثم انطلق معه حتى إذا ذهب به بين الجبال قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ {قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) } [الصافات: 102] فقال له إسحاق: يا أبت أشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء، فتراه سارة فتحزن، وأسرع مر السكين على حلقي؛ ليكون أهون للموت علي، فإذا أتيت سارة فاقرأ عليها مني السلام، فأقبل عليه إبراهيم يقبله وقد ربطه وهو يبكي وإسحاق يبكي، حتى استنقع الدموع تحت خد إسحاق، ثم إنه جر السكين على حلقه، فلم تحك السكين، وضرب الله صفيحة من النحاس على حلق إسحاق، فلما رأى ذلك ضرب به على جبينه، وحز من قفاه، فذلك قوله (فلما أسلما) يقول: سلما لله الأمر (وتله للجبين) فنودي يا إبراهيم (قد صدقت الرؤيا) بالحق فالتفت فإذا بكبش، فأخذه وخلى عن ابنه، فأكب على ابنه يقبله، وهو يقول: اليوم يا بني وهبت لي; فلذلك يقول الله: (وفديناه بذبح عظيم) فرجع إلى سارة فأخبرها الخبر، فجزعت سارة وقالت: يا إبراهيم أردت أن تذبح ابني ولا تعلمني!)([19])

وروى عن عبد الله بن عمير قال: (قال موسى: يا رب يقولون يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم قالوا ذلك؟ قال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني عليه، وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظن)([20])

وروى عن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن حارثة الثقفي، أخبره أن كعبا قال لأبي هريرة: ألا أخبرك عن إسحاق بن إبراهيم النبي؟ قال أبو هريرة: بلى، قال كعب: لما رأى إبراهيم ذبح إسحاق، قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن أحدا منهم أبدا، فتمثل الشيطان لهم رجلا يعرفونه، فأقبل حتى إذا خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه دخل على سارة امرأة إبراهيم، فقال لها: أين أصبح إبراهيم غاديا بإسحاق؟ قالت سارة: غدا لبعض حاجته، قال الشيطان: لا والله ما لذلك غدا به، قالت سارة: فلم غدا به؟ قال: غدا به ليذبحه! قالت سارة: ليس من ذلك شيء، لم يكن ليذبح ابنه! قال الشيطان: بلى والله! قالت سارة: فلم يذبحه؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك; قالت سارة: فهذا أحسن بأن يطيع ربه إن كان أمره بذلك. فخرج الشيطان من عند سارة حتى أدرك إسحاق وهو يمشي على إثر أبيه، فقال: أين أصبح أبوك غاديا بك؟ قال: غدا بي لبعض حاجته، قال الشيطان: لا والله ما غدا بك لبعض حاجته، ولكن غدا بك ليذبحك، قال إسحاق: ما كان أبي ليذبحني! قال: بلى; قال: لم؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك; قال إسحاق: فوالله لئن أمره بذلك ليطيعنه، قال: فتركه الشيطان وأسرع إلى إبراهيم، فقال: أين أصبحت غاديا بابنك؟ قال: غدوت به لبعض حاجتي، قال: أما والله ما غدوت به إلا لتذبحه، قال: لم أذبحه؟ قال: زعمت أن ربك أمرك بذلك; قال: الله فوالله لئن كان أمرني بذلك ربي لأفعلن; قال: فلما أخذ إبراهيم إسحاق ليذبحه وسلم إسحاق، أعفاه الله وفداه بذبح عظيم، قال إبراهيم لإسحاق: قم أي بني، فإن الله قد أعفاك; وأوحى الله إلى إسحاق: إني قد أعطيتك دعوة أستجيب لك فيها; قال، قال إسحاق: اللهم إني أدعوك أن تستجيب لي، أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئا، فأدخله الجنة ([21]).

وروى عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار أن الذي أمر إبراهيم بذبحه من ابنيه إسحاق، وأن الله لما فرج له ولابنه من البلاء العظيم الذي كان فيه، قال الله لإسحاق: إني قد أعطيتك بصبرك لأمري دعوة أعطيك فيها ما سألت، فسلني، قال: رب أسألك أن لا تعذب عبدا من عبادك لقيك وهو يؤمن بك، فكانت تلك مسألته التي سأل([22]).

وقد حكى الطبري وغيره هذا القول عن أعلام السلف كابن عباس وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة، بالإضافة لأكثر من عشرة من سادات التابعين([23]).

وبعد أن حكى الأقوال المختلفة في هذا عقب عليها مرجحا بقوله: (وأولى القولين بالصواب في المفدي من ابني إبراهيم خليل الرحمن على ظاهر التنزيل قول من قال: هو إسحاق، لأن الله قال: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107] فذكر أنه فدى الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم حين سأله أن يهب له ولدا صالحا من الصالحين، فقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ } [الصافات: 100] فإذ كان المفدي بالذبح من ابنيه هو المبشر به، وكان الله تبارك اسمه قد بين في كتابه أن الذي بشر به هو إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فقال جل ثناؤه: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ } [هود: 71] وكان في كل موضع من القرآن ذكر تبشيره إياه بولد، فإنما هو معني به إسحاق، كان بينا أن تبشيره إياه بقوله: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} [الصافات: 101] في هذا الموضع نحو سائر أخباره في غيره من آيات القرآن. وبعد: فإن الله أخبر جل ثناؤه في هذه الآية عن خليله أنه بشره بالغلام الحليم عن مسألته إياه أن يهب له من الصالحين، ومعلوم أنه لم يسأله ذلك إلا في حال لم يكن له فيه ولد من الصالحين، لأنه لم يكن له من ابنيه إلا إمام الصالحين، وغير موهم منه أن يكون سأل ربه في هبة ما قد كان أعطاه ووهبه له. فإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أن الذي ذكر تعالى ذكره في هذا الموضع هو الذي ذكر في سائر القرآن أنه بشره به وذلك لا شك أنه إسحاق، إذ كان المفدي هو المبشر به)([24])

ومع قوة الأدلة التي استدل بها القائلون بأن المفدى هو إسماعيل عليه السلام، لدلالة القرآن الكريم عليها إلا أن الطبري، ولشدة شغفة ووثوقه بسلفه من اليهود، راح يفندها مع وضوحها الشديد، فقال: (وأما الذي اعتل به من اعتل في أنه إسماعيل، أن الله قد كان وعد إبراهيم أن يكون له من إسحاق ابن ابن، فلم يكن جائزا أن يأمره بذبحه مع الوعد الذي قد تقدم، فإن الله إنما أمره بذبحه بعد أن بلغ معه السعي، وتلك حال غير ممكن أن يكون قد ولد لإسحاق فيها أولاد، فكيف الواحد؟ وأما اعتلال من اعتل بأن الله أتبع قصة المفدي من ولد إبراهيم بقوله {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 112] ولو كان المفدي هو إسحاق لم يبشر به بعد، وقد ولد، وبلغ معه السعي، فإن البشارة بنبوه إسحاق من الله فيما جاءت به الأخبار جاءت إبراهيم وإسحاق بعد أن فدي تكرمة من الله له على صبره لأمر ربه فيما امتحنه به من الذبح، وقد تقدمت الرواية قبل عمن قال ذلك. وأما اعتلال من اعتل بأن قرن الكبش كان معلقا في الكعبة فغير مستحيل أن يكون حمل من الشام إلى الكعبة. وقد روي عن جماعة من أهل العلم أن إبراهيم إنما أمر بذبح ابنه إسحاق بالشام، وبها أراد ذبحه)([25])

وهكذا تصبح الأخبار والروايات والقصص والأساطير هي الموجه للطبري في تحديد موقفه.. لا نص الآية الكريم الواضح تماما.

ولهذا فإن الروايات السلفية هي الحجاب الأعظم الحائل بين العقول والوصول إلى الحقائق القرآنية، لأن ضباب الخرافات والأساطير يحول بين العقل والتفكير المنهجي السليم.

داود عليه السلام:

من المواقف التي ذكرها القرآن الكريم لداود عليه السلام ـ بالإضافة إلى ما سبق ذكره في الفصول السابقة ـ دوره الجهادي في مواجهة الطغيان الذي كان يمارسه جالوت على بني إسرائيل، والذي قص علينا الكريم قصته من البداية عندما طلب بنو إسرائيل أن يجعل الله لهم حاكم يحكمهم، ليوحد صفهم، ويجمع كلمتهم، ليواجهوا الطغيان الذين يمارس عليهم، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) } [البقرة: 246، 247]

وقد اختار الله لهم ذلك الملك الحكيم القوي الذي يمكنه أن يؤدي هذا الدور بأحسن وجه، قال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} [البقرة: 247]

لكن بني إسرائيل لم يعجبهم اختيار الله، فاعترضوا عليه، قال تعالى: {قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} [البقرة: 247]

وقد رد الله عليهم بأن الله هو الذي اصطفاه، وفوق ذلك آتاه من مقومات الحاكم ما يستطيع أن يؤدي دوره بأحسن الوجوه، قال تعالى: {قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 247]

لكن بني إسرائيل ـ بطبعهم الجدلي ـ زاد اعتراضهم، وطلبوا آية من الله تدل على صدق نبيهم، فأعطاهم الله ما طلبوا، قال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) } [البقرة: 248]

ثم ذكر الله تعالى ما مارسه طالوت مع جنوده من أنواع الاختبار حتى يميزهم، فلا يسير معه إلى المؤمن القوي، قال تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} [البقرة: 249]

وفي ذلك إشارة إلى العقل الكبير الذي كان يملكه طالوت، والذي عرف أنه لا ينتصر على جالوت إلا المؤمنين أصحاب العزائم القوية.

وكان من أصحاب تلك العزائم ـ كما يذكر القرآن الكريم ـ داود، الذي استطاع أن يقتل جالوت، ويتسبب في هزيمة طالوت وجنوده، قال تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251]

وتنتهي القصة القرآنية بهذا.. لكن السلفية ـ وبالروايات التي تبنوها ـ أعطوا الحق للإسرائيليين في رفضهم لطالوت ـ شعروا أو لم يشعروا ـ لأنهم جعلوا منه ظالما مستبدا، بل ساعيا لقتل داود عليه السلام.. وبذلك فإن من يقرأ القصة القرآنية، ويفسرها بالقصة الإسرائيلية لاشك أنه سيميل إلى موقف اليهود في بغضهم لطالوت.. وكيف لا يبغضونه، وهم يرون أنه يريد أن يقتل نبيا من الأنبياء الكرام.

وسنسوق القصة كما أوردوها، ونترك الحكم بعدها للقارئ ليكتشف ذلك الصراع بين السلفية والقرآن.. وكيف استطاعت الرواية أن تحطم كل المعاني القرآنية الجميلة.

فقد ذكر مفسرو السلف ـ بألفاظ متشابهة ومعان متّفقة([26]) ـ أنه (عبر النهر فيمن عبر مع طالوت أبو داود في ثلاثة عشر ابنا وكان داود أصغرهم، فأتاهم ذات يوم فقال: يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئا إلّا صرعته فقال: أبشر فإنّ الله جعل رزقك في قذافتك، ثم أتاه مرّة أخرى فقال: يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا فركبته وأخذت بأذنيه ولم يهمّني، فقال: أبشر يا بني فإنّ هذا خير أعطاكه الله. ثم أتاه يوما آخر فقال: يا أبتاه إنّي لأمشي بين الجبال فاسبّح فما يبقى جبل إلّا يسبّح معي، فقال: أبشر يا بني فإنّ هذا خير أعطاكه الله. قالوا: فأرسل جالوت إلى طالوت أن ابرز اليّ من يقاتلني فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم، فشقّ ذلك على طالوت فنادى في عسكره من يقتل جالوت زوّجته ابنتي وناصفته ملكي، فخاف الناس جالوت فلم يجبه أحد. فسأل طالوت نبيّهم اشمويل ان يدعوا الله، فدعا الله عزّ وجلّ في ذلك، فأتى بقرن فيه دهن، وتنور من حديد، فقيل: إنّ صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي يوضع هذا القرن على رأسه فيغلي الدهن حتّى يدهن رأسه منه ولا يسيل على وجهه يكون على رأسه كهيئة إلّا كليل، ويدخل في هذا التنور فيملؤه لا يتقلقل فيه، فدعا طالوت بني إسرائيل فجرّبهم فلم يوافقه منهم أحد.فأوصى الله تعالى إلى نبيهم إنّ في ولد أيشا من يقتل الله به جالوت، فدعا طالوت أيشا وقال: أعرض عليّ نبيك، فأخرج له اثني عشر رجلا أمثال السواري، فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئا فيقول لرجل منهم: بادع عليهم جسم ارجع فيردد عليه فأوحى الله تعالى إليه إنا لا نأخذ الرجال على صورهم ولكنّا نأخذ على صلاح قلوبهم، فقال لأيشا: هل بقي لك ولد غيرهم؟ قال: لا. فقال النبي عليه السلام: يا ربّ إنّه زعم أنّ لا ولد له غيرهم، فقال: كذب. فقال النبيّ: إنّ ربّي كذّبك، فقال: صدق الله يا نبي الله إنّ لي ابنا صغيرا يقال له: داود، استحييت أن يراه الناس لقصر قامته وحقارته، فخلّفته في الغنم يرعاها وهو في شعب كذا، وكان داود عليه السلام رجلا قصيرا مسقاطا مصفارا أزرق أمعد. فدعاه طالوت، ويقال: بل خرج طالوت إليه فوجد الوادي قد سال بينه وبين الزرب التي يريح إليها، فوجده يحمل شاتين شاتين يجيزهما السيل ولا يخوض بهما الماء، فلما رآه النبيّ عليه السلام قال: هذا هو لا شك فيه هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم، فدعاه ووضع القرن على رأسه ففاض، فقال له طالوت: هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ابنتي وأجري خاتمك في ملكي؟ قال: نعم.قال: وهل أنست من نفسك شيئا تقوى به على قتله؟ قال: نعم، أنا أرعى فيجيء الأسد والنمر والذئب فيأخذ شاة وأقوم له وأفتح لحييه عنها وأخرقهما إلى قفاه. فردّه إلى عسكره، فمرّ داود بحجر فناده: يا داود احملني فإنّي حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا، فحمله في مخلاته. ثم مرّ بحجر آخر فناده: يا داود احملني فإنّي حجر موسى الذي قتل بي ملك كذا، فحمله في مخلاته. فمرّ بحجر آخر فقال: احملني فإنّي حجرك الذي تقتل بي جالوت، وقد خبأني الله لك، فوضعها في مخلاته. فلما تصافوا القتال وبرز جالوت وسأل المبارزة، انتدب له داود فأعطاه طالوت فرسا ودرعا وسلاحا، فلبس السلاح وركب الفرس، فسار قريبا ثم انصرف فرجع إلى الملك، فقال من حوله: جبن الغلام فجاء فوقف على الملك، فقال: ما شأنك؟ فقال: إنّ الله إن لم ينصرني لا يغني عني السلاح شيئا فدعني أقاتل كما أريد.قال: نعم، فأخذ داود مخلاته فتقلّدها وأخذ المقلاع ومضى نحو جالوت، وكان جالوت من أشدّ الناس وأقواهم وكان يهزم الجيوش وحده وكان له بيضة فيها ثلاث مائة من حديد، فلما نظر إلى داود ألقى في قلبه فقال له: أنت تبرز لي؟ قال: نعم. وكان جالوت على فرس أبلق عليه السلاح التام. قال: فأتيتني بالمقلاع والحجر كما تؤتى الكلاب؟ قال: نعم، لأنت شرّ من الكلب. قال: لا جرم لأقسّمنّ لحمك بين سباع الأرض وطير السماء. قال داود: أو يقسم الله لحمك. ثم قال داود: باسم إله إبراهيم وأخرج حجرا، ثم أخرج الآخر وقال: باسم إله إسحاق ووضعه في مقلاعه، ثم أخرج الثالث وقال: باسم إله يعقوب ووضعه في مقلاعه فصار كلّها حجرا واحدا، ودوّر المقلاع ورماه به فسخّر الله الريح حتّى أصاب الحجر أنف البيضة فخالط دماغه فخرج من قفاه وقتل من وراءه ثلاثين رجلا، وهزم الله سبحانه الجيش وخرّ جالوت قتيلا فأخذه فجرّه حتّى ألقاه بين يدي طالوت)

هذا هو الشطر الأول من القصة، وهو بالإضافة إلى الغرائب والعجائب التي قد نغض الطرف عنها، يجعل هدف داود عليه السلام من جهاده في سبل الله هو الحصول على تلك الهدية التي وعده بها طالوت، كما ذكر في الرواية: (هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ابنتي وأجري خاتمك في ملكي)

وبهذا وحده ينهار كل ذلك البنيان الذي بناه القرآن الكريم من تلك القصة العظيمة التي تهدف إلى بيان شروط نصر الله لعباده من الإخلاص والتجرد والصدق.

لكن الرواية لا تكتفي بذلك الهدم للمعنى القرآني، بل تضيف إليه هدم طالوت نفسه الذي يمثل اصطفاء الله.. وكأن الله خدع بني إسرائيل حين اصطفى لهم شخصا لا يصلح لحكمهم، وكأن بني إسرائيل كانوا أعلم من الله حين رفضوا ذلك الاختيار الإلهي.

فقد جاء في الرواية: (.. ففرح المسلمون فرحا شديدا وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين والناس يذكرون داود فجاء داود طالوت، وقال: أنجز لي ما وعدتني وأعطني امرأتي، فقال له: أتريد ابنة الملك بغير صداق. قال داود: ما شرطت عليّ صداقا وليس لي شيء. قال: لا أكلّفك إلّا ما تطيق، أنت رجل حربي وفي جبالنا أعداء لنا غلف، فإذا قتلت منهم مائتي رجل وجئتني بغلفهم زوّجتك ابنتي، فأتاهم فجعل كلّما قتل منهم رجلا نظم غلفته في خيطه حتّى نظم غلفهم فجاء بها إلى طالوت فألقى إليه وقال: ادفع إلى امرأتي، فزوّجه ابنته وأجرى خاتمه في ملكه)

وهكذا تحول داود عليه السلام من مجاهد في سبيل الله ـ في الرؤية السلفية ـ إلى مجاهد في سبيل ابنة طالوت.

ولا تكتفي الرواية بهذا، بل تضيف إلى ذلك شناعات أخرى، لا تقل عن السابقة، فتقول: (فمال الناس إلى داود وأحبّوه وأكثروا ذكره، فوجد طالوت من ذلك وحسده فأراد قتله، فأخبر بذلك بنت طالوت رجل يقال له ذو المغنيين، فقالت لداود: إنّك لمقتول الليلة. قال: ومن يقتلني؟ قالت: أبي. قال: وهل جزمت جزما؟ قالت: حدّثني من لا يكذب ولا عليك لن تفوت الليلة حتّى تنظر مصداق ذلك. فقال: لئن كان أراد ذلك ما أستطيع خروجا ولكن ائتيني بزق من خمر، فأتته، فوضعه في مضجعه على السرير. وسجّاه ودخل تحت السرير فدخل طالوت نصف الليل وأراد أن يقتل داود فقال لها: أين بعلك؟ فقالت: هو نائم على السرير، فضربه ضربة بالسيف فسال الخمر، فلما وجد ريح الشراب قال: يرحم الله داود ما أكثر شربه الخمر وخرج، فلما أصبح علم أنّه لم يفعل شيئا فقال: إن رجلا طلبت منه ما طلبت لخليق أن لا يدعني حتّى يدرك منّي ثأره، فشدّد حجّابه وحرّاسه وأغلق دونه أبوابه. ثم إن داود أتاه ليلة وقد هدأت العيون وأعمى الله تعالى الحجبة وفتح له الأبواب فدخل عليه وهو نائم على فراشه فوضع سهما عند رأسه وسهما عند رجليه وسهما عن يمينه وسهما عن شماله ثم خرج. فلما استيقظ طالوت أبصر بالسهام فعرفها فقال: يرحم الله داود فهو خير منّي، ظفرت به فقصدت قتله وظفر بي فكفّ عنّي، ولو شاء لوضع هذا السهم في حلقي. وما أنا بالذي آمنه. فلما كانت المقابلة أتاه ثانيا فأعمى الله الحجّاب فدخل عليه وهو نائم وأخذ إبريق طالوت الذي كان يتوضأ منه وكوزه الذي كان يشرب منه وقطع شعرات من لحيته وشيئا من هدب ثيابه ثم خرج وهرب وتوارى. فلما أصبح طالوت ورأى ذلك، سلّط على داود العيون وطلبه أشدّ الطلب فلم يقدر عليه، ثم إن طالوت ركب يوما فوجد داود يمشي في البريّة، فقال طالوت: اليوم أقتل داود أنا راكب وهو ماش، وكان داود إذا فزع لم يدرك فركض طالوت على أثره، فاشتدّ داود فدخل غارا فأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فنسجت عليه بيتا. فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت، قال: لو كان دخل هاهنا لخرق بناء العنكبوت فتركه ومضى، وانطلق داود وأتى الجبل مع المتعبّدين فتعبّد فيه. وطعن العلماء والعبّاد في طالوت في شأن داود، فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن قتل داود إلّا قتله وأغرى بقتل العلماء، فلم يكن يقدر على عالم في بني إسرائيل فيطيق قتله إلّا قتله ولم يكن يحارب جيشا إلّا هزم)([27])

إلى آخر القصة الطويلة، والتي استطاع اليهود من خلالها أن يدركوا ثأرهم من طالوت، وأن يبينوا صواب موقفهم مقارنة بما اختاره لهم الله تعالى.. وللأسف فإن العقول السلفية تقبل هذا الغثاء جميعا، ولم تفكر لحظة واحدة في أن تعرضه على القرآن الكريم.. لأن عقول السلف عندهم أهم من عقولهم.. وكلام السلف عندهم أهم من كلام ربهم.


([1]) رواه ابن حجر في غاية المقصد فى زوائد المسند (1/ 101)، وقال: هو فى الصحيح باختصار وبغير هذا السياق أيضا..

([2]) تفسير الطبري (17/ 624).

([3]) تفسير ابن أبي حاتم (7/ 2352).

([4]) تفسير الطبري، (15/ 312)

([5]) تفسير الطبري (15/ 314).

([6]) أحمد 3/314 (14430) ومسلم 8/138 (7207).

([7]) أحمد 3/332 (14608) ومسلم 8/138 (7209).

([8]) تفسير البغوي – طيبة (4/ 179)

([9]) البخاري (1/107)، مسلم (1/267، 4/1841)، أحمد (2/315)

([10]) حديث فرار الحجر بثوب موسى u، د. الشريف حاتم بن عارف العوني، رقم السؤال 174330، موقع الألوكة، المجلس العلمي.

([11]) مع العلم أن هذا الرجل يهودي، وهو أخو وهب بن منبه، ومعقل بن منبه، وغيلان بن منبه، الذين تروى عنهم الروايات الإسرائيلية.

([12]) حديث فرار الحجر بثوب موسى u.

([13]) حديث فرار الحجر بثوب موسى u.

([14]) حديث فرار الحجر بثوب موسى u.

([15]) تفسير الطبري (10/ 171).

([16]) تفسير الطبري (10/ 172)، وهو في تاريخ الطبري 1: 221، 222.

([17]) تفسير الطبري (10/ 174).

([18]) تفسير الطبري (21/ 74).

([19]) تفسير الطبري (21/ 75).

([20]) تفسير الطبري (21/ 80).

([21]) تفسير الطبري (21/ 81).

([22]) تفسير الطبري (21/ 82).

([23]) انظر: تفسير الطبري (21/ 79)

([24]) تفسير الطبري (21/ 86).

([25]) تفسير الطبري (21/ 86).

([26]) انظر القصة بطولها في: تفسير الطبري: 2/ 851، وتاريخ الطبري: 1/ 337.. تفسير البغوي (1/ 337) السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير (1/ 164)، وغيرها.

([27]) جامع البيان: 2/ 851، وتاريخ الطبري: 1/ 337.. تفسير البغوي – إحياء التراث (1/ 337) السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير (1/ 164)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *