معاوية.. والصحبة المزيفة

معاوية.. والصحبة المزيفة

في اليوم الثالث عشر من زيارة صاحبي الوهابي، ذهبت إلى المسجد الجامع لأداء صلاة الجمعة، معاهدا الله في طريقي إلى المسجد أن لا أنشغل عن الخطبة بأي شاغل، وأن أنفذ كل ما فيها حرفا حرفا وكلمة كلمة لأتحقق في ذلك بما وصف الله به المؤمنين حين قال: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الزمر:18)

لكني بعد أن طبقت المعاهدة الأولى، فاستمعت إلى حروف الخطبة وكلماتها، ولم يفتني منها حرف واحد ولا كلمة واحدة، احترت في المعاهدة الثانية إذ أن تنفيذها يحتاج مني إلى جهد كبير، وإلى معاصي كثيرة، وإلى نفس ممتلئة حقدا، وقلب ممتلئ ضغينة، ويد يسهل عليها أن تبطش بما تشاء وكيف تشاء، وبطن يأكل ما هب ودب غير مراع حلا ولا حرمة، ولم يكن من السهل علي أن أحصل كل هذه الوسائل.

لقد بدأ الخطيب خطبته حول صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفضلهم وضرورة الاقتداء بهم.. وكنت أصغي إلى ذلك متأثرا، وفي خيالي بلال وعمار وأبو ذر والمقداد وسلمان وغيرهم من الصادقين السابقين الذين تضمخت الدنيا بعطر جمال سيرهم، وحسن أخلاقهم، وعظيم تدينهم، وعظم صحبتهم.

لكن الخطيب صاحب اللحية الطويلة والقميص القصير راح يفسد ما بدأه، ويطبق مواصفات الجمال على الدمامة، ومواصفات التدين على النفاق، ومواصفات الصحبة الراقية على الصحبة المزيفة..

فبعد أن ملأ عقول الناس وقلوبهم بمحبة الصحابة، راح ينتقل من الجملة إلى التفصيل ليضرب المثال بمعاوية بن أبي سفيان.. واصفا له بأوصاف تنهد لها الجبال، ضامنا له الجنة، وضامنا لمن تكلم فيه العذاب، بل طالبا من ولي الأمر أن يسلط سيف قهره على من تكلم في خال المؤمنين وكاتب الوحي وأول ملك في الإسلام، وأول من ركب بحر الروم للغزو، وأول من اتخذ السيف لتأديب الناس بدلا عن العصى، وأول من جلس في خطبة منبرية لترهل جسمه وعجزه عن القيام طويلا، وأول من أقام على رأسه حرسا، وأول من قيدت بين يديه الجنائب، وأول من اتخذ الخصيان، وأول من قتل مسلما صبراً، وأول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة مرقاة، وأول  من أخذ البيعة لابنه، وكان يقول أنا أول الملوك([1]).

وهذا ما جعلني محتارا في كيفية تقليد معاوية لأني أحتاج إلى محاربة رجل في طهر علي وصفائه وسلامه وإيمانه.. وأحتاج أن يكون لي ابن كيزيد أعلمه كيف يرتاد الحانات ويلاعب القردة.. وأحتاج إلى أن أقوم بانقلاب على دولة العدل مستغلا أي قميص من القمصان.. وأحتاج أن يكون لي بطن كبطنه لآكل فلا أشبع، وأجمع فلا أمل..

كانت هذه الأشياء جميعا متطلبات أساسية لتقليد هذا الصحابي العظيم الذي نسي الناس بسببه بلالا وعمار وأبا ذر والمقداد أولئك الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحبهم.

ذهبت بذلك الهم إلى بيتي، لعلي أجد عند صاحبي الوهابي التائب ما ينفس عن كربي، لكني ما إن طرقت الباب وفتح لي حتى فوجئت بأن الفاتح رجل بطين تنطبق عليه جميع أوصاف معاوية التي ملت أسماعنا من سماعها.

سألته مستغربا: من أنت؟ وكيف دخلت بيتي؟

قهقه بصوت عال، وقال: منذ متى صار بيتك.. إن أي محل أكون فيه يصبح ملكا لي.. ألم تعلم أني ملك الإسلام الأول؟ 

قلت: ملك الإسلام الأول – كما ذكر لنا خطيب الجمعة- هو معاوية بن أبي سفيان.

غضب الرجل، وقال: أتقولها هكذا حافية.. ترض عنه وعلى أبيه وإلا جمعت عليك أهل حارتك.. ألا تعلم أنه صحابي جليل.. ألا تعلم أن الغبار الذي أصابه مع محمد أفضل من جميع الغبار الذي أصاب أي مجاهد في أي زمن؟

قلت: اعذرني فأنا لا أعتبر الترضي سنة ولا مشروعا.. فنحن لم نؤمر به في كتاب ولا سنة.. وكل ما ورد فيه اعتباره شعارا لدولة من الدول، وجماعة من الجماعات، وأنا لا تعنيني الشعارات ولا الجماعات..

غضب، وقال: أنت من أتباع أبي تراب إذن؟

قلت: ومن أبو تراب؟

قال: ذلك الرجل الذي لم يهنأ لي بال حتى ووري في الثرى.. لقد كان كابوسا ثقيلا جثم على حياتي فترة من الزمن إلى أن قيض الله بعض الأغبياء لينوب عني في قتله.

قلت: من أنت؟ وما علاقتك بعلي؟

قال: أنا عدو علي الأول.. أنا أول ملك في الإسلام.. أنا معاوية.

قلت: ما أكذبك من رجل.. إن معاوية أكله تراب الأرض منذ زمن طويل.

قال: وقد أحياني قومك.. إنهم يصرخون في كل حين بمناقبي.. وقد جعلوني رمزا للإسلام، وناطقا باسمه.. فأنا الآن هو الإسلام.. فمن تعرض لي تعرض للإسلام نفسه.

نعم إن محمدا أوحى الله إليه بالإسلام.. ولكني بعد أن تدبرت فيما أوحي إليه وجدت أن الحياة لا يمكن أن تستقيم معه.. فلذلك وضعت إسلاما جديدا.. إسلاما يستطيع أن يجمع بين العقل والقلب والنفس وكل الطاقات.. يستطيع أن يجعلك ثريا في منتهى الثراء تكتنز لحما وشحما، ولو مات غيرك جوعا وفقرا.. ألا تعلم ما حصل بيني وبين أبي ذر؟

قلت: أعلم ذلك.. وقد نفي أبو ذر بسببك إلى صحراء الربذة ليموت شهيدا فيها.

ابتسم، وقال: لا يهمني أن يكون قد مات شهيدا أو مات جيفة.. المهم عندي أن قومك نسوا أبا ذر وذكروني، ومقتوا أبا ذر ومجدوني.. هل رأيت أحدا من الناس يعرف أبا ذر؟

لم أجد ما أقول، فأبو ذر ذلك الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ماأقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء.. أصدق لهجة من أبي ذر)([2])، وقال: (إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم، قيل: يا رسول الله سمهم لنا قال: علي منهم (يقول ذلك ثلاثا) وأبو ذر والمقداد وسلمان أمرني بحبهم وأخبرني أنه يحبهم)([3]) لا يكاد يعرفه أحد..

قهقه معاوية في وجهي، وهو يقول: لا يعرفونه فقط، بل إنهم يسبونه أيضا.. ألا ترى أنهم يعتبرونه تلميذا غبيا لذلك الذي يسمونه ابن السوداء؟

قلت: بلى.. أراهم يذكرون أن ابن السوداء أو من يطلقون عليه (عبد الله بن سبأ) لقي أبا ذر في الشام وأوحى إليه بمذهب القناعة والزهد، ومواساة الفقراء، ووجوب إنفاق المال الزائد عن الحاجة، وجعله يعيب معاوية، فأخذه عبادة بن الصامت إلى معاوية، وقال له: هذا والله الذي بعث إليك أبا ذر فأخرج معاوية أبا ذر من الشام([4]).

بل حاول أحمد أمين أن يوجد شبها بين رأي أبي ذر ورأي مزدك الفارسي، وقال بأن وجه الشبه جاء من أن ابن سبأ كان في اليمن، وطَوَّف في العراق، وكان الفرس في اليمن والعراق قبل الإسلام، فمن المحتمل القريب أن يكون قد تلقى هذه الفكرة من مزدكية العراق، واعتنقها أبو ذر حسن النية في اعتقادها([5]).

قهقه بصوت عال، وقال: حتى أحمد أمين استطاع أبنائي الوهابية أن يجروه إلى صفوفهم.. ألا ترى مبلغ قوتي؟

قلت: بلى.. لقد استطعت أن تنسي الناس كبار السابقين لتحل بدلهم.

قال: ليس ذلك فقط.. لقد استطعت فوق ذلك أن أضع بدلهم قوما آخرين ممتلئين قسوة وغلظة وجفاء، لأقول للعالم عبر أبنائي البررة من الوهابية إن هؤلاء هم تلاميذ محمد وأصحابه.. هل تعرف بسر بن أرطأة؟

قلت: أسمع باسمه كثيرا على المنابر.. وهم يترضون عليه صباح مساء، ويلعنون أعداءه صباح مساء مع أن المحدثين والمؤرخين يذكرون عنه ما تنهد له الجبال، فقد قال فيه الشوكاني: (ولا يرتاب منصف أن الرجل ليس بأهل للرواية، وقد فعل في الاسلام أفاعيل لا تصدر عمن في قلبه مثقال حبة من إيمان، كما تضمنت ذلك كتب التاريخ المعتبرة)([6])

وقال فيه الطبراني: (فلما ملك معاوية بعث رجلا من قريش يقال له بسر بن أرطأة وقال له لقد ضممت إليك الناحية فأخرج بجيشك فإذا خلفت أفواه الشام فضع سيفك فاقتل من أبى بيعتي حتى تصير إلى المدينة ثم ادخل المدينة فاقتل من أبى بيعتي ثم اخرج إلى حضرموت فاقتل من أبى بيعتي)([7]).

وقال فيه القرطبي: (يسر هذا ولد في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت له أخبار سوء في جانب علي وأصحابه، وهو الذي ذبح طفلين لعبيد الله بن العباس ففقدت أمهما عقلها فهامت على وجهها، فدعا عليه علي رضي الله عنه أن يطيل الله عمره ويذهب عقله، فكان كذلك. قال يحيى ابن معين: كان بسر بن أرطأة رجل سوء)([8])

ابتسم، وقال: لا يهمني ما يقوله هؤلاء.. يهمني فقط ما يقوله الوهابية المعاصرون لكم.. إنهم يعتبرونه صحابيا جليلا.. وهذا يكفي لأن يهيلوا عليه من القداسة ما يجعله قدوة لكل إرهابي سفاح ظالم..

لقد كان بسر من تلاميذي الأوفياء.. وقد استنسخت منه في عصركم الكثير.. كل الذي تراهم يمتلئون حقدا وإرهابا هم نسخ من ذلك الصحابي الجليل الوفي بسر بن أرطأة.. لقد كان شخصية دموية لم ترحم شيخا ولا امرأة ولا طفلا.

قلت: للأسف أسمع الكثير يذكره بخير.. ويعتبره من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتلاميذه الأوفياء.

قال: وهكذا استطعت أن أحول محمد إلى أستاذ عريق للإرهاب.. فمن تخرج على يديه مثل بسر لا يمكن إلا أن يكون إرهابيا.

قلت: فقد كان قصدك إذن من كل هذا أن تشوه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: هذه هي غايتي الكبرى.. لقد أثمرت الأحقاد التي غرسها أبي وأمي في قلبي كل تلك المكايد التي حولت بها الإسلام من دين الله إلى دين البشر.. ومن دين السلام إلى دين الإرهاب.. ومن دين محمد إلى دين معاوية وابن تيمية وابن عبد الوهاب وابن باز والقرضاوي والعرعور..

قلت: وما أدراك بهؤلاء.. وقد ولدت في زمن غير زمنهم؟

قال: إنهم أبنائي البررة، وتلاميذي الأوفياء.. لقد استطعت بدهائي ومكري أن أتدخل في الفقه والتفسير والحديث وكل مصادر الإسلام لأوجهها بحسب ما أرى..

قلت: لم أفهم.. فأنا أراك ملكا، ولا أراك عالما.

قال: نعم أنا لست عالما.. ولكني حددت للعلماء المناهج التي يأخذون منها والرجال الذين يأخذون عنهم.. أنا الذي أذنت للتجسيم والتشبيه والإسرائيليات والخرافات والأساطير أن تقتحم السنة، ويفسر على أساسها القرآن..

أنا الذي أذنت لعقائد الجبر والتسلط والاستبداد أن تدخل في أذهان المسلمين لتصور لهم ربهم في صورة الجبار القهار الذي يتلذذ بتعذيب عباده.

أنا الذي صورت محمدا بتلك الصور المشوهة التي يتناقلها محدثوكم، وعنهم يأخذها المستشرقون والمستغربون والملحدون ليرسموا الرسوم الكاريكاتورية، ويخرجوا الأفلام المسيئة، ويكتبوا الآيات الشيطانية..

أنا خلف كل ذلك.. أنا معاوية.

لست أدري كيف امتلأت غضبا وحقدا وصحت: ويل لك.. ويل لك..

ثم مددت يدي بقوة لأبطش به.. فلم أجد شيئا، بل وجدتني في بيتي، وأمام صاحبي الوهابي التائب، وهو يبتسم، وهو يقول: هل أدركت السر الذي من أجله يحرص الوهابية على معاوية.. إنه أبوهم وأستاذهم.. ولا يمكن للأحقاد والضغائن والنفوس المريضة أن تجد راحتها إلا في صحبته.

قلت: لم غفلوا عن عمار وبلال وأبي أيوب وغيرهم.. ولم يظهر لهم إلا معاوية؟

قال: لأن أولئك الأصحاب الأتقياء الأنقياء الطاهرين تكلف صحبتهم الكثير.. بينما لا تكلف صحبة معاوية وبسر بن أرطأة والمغيرة بن شعبة شيئا، بل إنها تنسجم مع النفوس المريضة انسجاما تاما.

قلت: لم أفهم.

قال: ألا تعرف أن الطيور على أشكالها تقع؟

قلت: أجل..

قال: فقس ذلك على التاريخ والجغرافيا والواقع لتتضح لك الحقائق.. ففي كل عصر تعود صفين ويعود معها معاوية وأصحابه وعلي وأصحابه ليختار كل امرئ ما هو أميل إلى نفسه ليميز الله الخبيث من الطيب.


([1])    نرى الكثير من الخطباء البلهاء ينقلون هذه الأوليات ويعتبرونها من مناقبه غافلين عن المعاني التي تنطوي عليها.

([2])    رواه أحمد.

([3])    رواه الترمذي.

([4])    فجر الإسلام، ص216.

([5])    فجر الإسلام، ص110.

([6])    نيل الأوطار للشوكاني ج7 ص313.

([7])    المعجم الكبير للطبراني ج22 ص48.

([8])    تفسير القرطبي ج6 ص171.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *