عفاريت وسحرة

عفاريت وسحرة

بعد أن انتهت الاستراحة، وركب الركاب الحافلة، وقد نقص منهم نفر كما في المرات السابقة.. أخرج السائق شريطا جديدا، ثم قال: بعد أن نلتم حظكم من الراحة اسمحوا لنا أن نضع شريطا آخر.. يوضح لكم الجهل والخرافة والشعوذة التي يقع فيها كل من انحرف عن الصراط المستقيم صراط السلف الصالح.. الذين جعلهم الله لنا منارة نهتدي بها حتى لا نقع في سراديب الدجل والجهل التي وقع فيها المنحرفون عنا.. وما سترونه هو حلقة من حلقات برنامج (نحن والآخر) الذي يذاع في قناتنا المشهورة (البربهارية)، وغرضه تبيين فضائل السلفية والسلفيين، والانحرافات التي يقع فيها مخالفوهم، للشباب حتى لا تجذبهم الفرق الضالة.

قال ذلك، ثم أدخل الشريط.. ليبدو مشهد لشيخ يقف بين مجموعة من الشباب يحدثهم.

قال الشيخ: بعد هذا تعالوا بنا لنرى الصوفية وادعاءهم الاتصال بعالم الغيب.. ولعل أحسن عبارة نسوقها لتعبر عنهم في هذا هو ما قاله عالمهم الذي يرجعون إليه كل حين أبو حامد الغزالي في كتابه الذي سماه (المنقذ من الضلال) بينما التسمية الحقيقية له هي (المنقذ من الهدى) أو (الموقع في الضلال) ([1])

لقد أطلق الغزالي في كتابه هذه الدعوى الخطيرة.. لقد قال: (ومن أول الطريقة تبتدئ المكاشفات والمشاهدات، حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة، وأرواح الأنبياء ويسمعون أصواتاً ويقتبسون منهم فوائد. ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال، إلى درجات يضيق عنها النطق)([2])

إن هذه العبارة تختصر سبب ما وقع فيه الصوفية من خروج عن السنة وهدي السلف الصالح.. إنه تلك الخرافات والأباطيل التي يزعمون أنهم يتلقونها عن الملائكة والأنبياء.

ضحك بصوت عال، وقال: وهل يمكن لأحد من غير الأنبياء أن يرى الملائكة.. إن أمر هؤلاء عجيب.

والأعجب منه اعتقادهم بحياة الرسل والأولياء وقربهم، وأن الموت لم يصب منهم إلا أجسادهم، وأن أنوارهم ساطعة قريبة، يمكن لكل من تطهر أن يتصل بهم، ويستفيد منهم، ويتربى على أيديهم، ويستلهم من إرشاداتهم.. حتى أن بعضهم، وهو الشيخ (إبراهيم المتبولي) ذكر عنه الشعراني أنه (كان من أصحاب الدوائر الكبرى في الولاية، ولم يكن له شيخ إلاّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يرى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فيخبر أمّه فتقول: يا ولدي إنّما الرجل الذي يجتمع به في اليقظة، فصار يجتمع به في اليقظة ويشاوره على أموره، قالت له: الآن شرعت في مقام الرجولة)([3])

وروي عن الشيخ أبي العباس المرسي أنّه قال: (لو حجب عنّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين)، وفي لفظ آخـر: (لو حجبت عنّي جنّة الفردوس طرفة عين أو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفاتني الوقوف بعرفة سنة واحدة ما عددت نفسي من جملة الرجال)([4])

وروي عن الشيخ أبي السعود أبي العشائر، قال: (كنت أزور شيخنا أبا العباس البصير أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي الأندلسي رضي الله عنه، الّذي برع في علوم الشرع ببلده ثمّ سافر على قدم التجريد فدخل الصعيد، ثمّ أقام بالقاهرة يقرىء الناس وينفعهم، أجاز سبعة آلاف رجل بالقراءات السبع، وكان بارعا في الحديث حافظا لمتونه عارفا بعلله ورجاله حسن الاستنباط بذهن وقّاد، مات سنة ثلاث وعشرين وستمائة، فلمّا انقطعت واشتغلت وفتح عليّ لم يكن لي شيخ إلاّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر أنّه كان يصافحه عقب كل صلاة وذلك يقظة وحسبه بذلك شرفا)([5])

وروي عن الشيخ (خليفة بن موسى النهر ملكي) (أنّه كان كثير الرؤية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقظة ومناما، ورآه في ليلة واحدة سبع عشرة مرّة، قال في إحداهن: يا خليفة لا تضجر منّي، فكثير من الأولياء مات بحسرة رؤيتي)

ويذكر الشيخ (محمد بن أحمد النبهان الحلبي) عن نفسه أنّه تشرّف بهذه الرؤية، وممّا قاله في هذا الشأن (.. وكنت أجلس معه صلى الله عليه وآله وسلم لا أريد مفارقته ولا يريد مفارقتي، وكان يمشي معي في الطريق ويعلمني كلّ شيء، فإذا أردت أن أنفك عنه لا أقدر، وكنت أجتمع بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقظة وأكلّمه كما يكلّم الجليس جليسه، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم إمامنا وصديقنا وإذا صدقتم فهو يمشي معكم في الطريق)([6])

بل إن الأمر عند الصوفية تجاوز هذا فهم يرون الرجوع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل محل، وقد نقل النبهاني عن كتاب (العهود المحمدية) للشعراني قوله نصيحة لمن رغب في المجاورة في أحد الحرمين: (فإن كان من أهل الصفاء فليشاوره صلى الله عليه وآله وسلم في كل مسألة فيها رأي أو قياس ويفعل ما أشار به صلى الله عليه وآله وسلم بشرط أن يسمع لفظه صلى الله عليه وآله وسلم صريحا يقظة، كما كان عليه الشيخ محي الدين بن عربي رحمه الله قال: وقد صححت منه صلى الله عليه وآله وسلم عدة أحاديث قال بعض الحفاظ بضعفها فأخذت بقوله صلى الله عليه وآله وسلم فيها، ولم يبق عندي شك فيما قاله وصار ذلك عندي من شرعه الصحيح أعمل به وإن لم يطعني عليه العلماء بناء على قواعدهم)([7])

التفت إلى الجمع، وقال: هل رأيتم خرافات أكثر من هذه الخرافات؟ هل رأيتم ضلالة أكبر من هذه الضلالة؟

فمع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات، وقد قال الله تعالى عنه: { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30] إلا أن هؤلاء، ولغوايتهم لا يزالون يصرون على أنه حي.

ولذلك نجدهم يقعون في الشرك الأعظم حين يتوسلون به ويستغيثون..

تصوروا الطامة التي تقع فيها الأمة الإسلامية نتيجة انحرافها عن هدي سلفها الصالح.. لقد تحول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي جاء بنفس التوحيد الذي جاء به محمد بن عبد الوهاب إلى صنم يعبد من دون الله.

لقد صار الحجاج يخرجون من بيوتهم، ويقطعون المسافات الطويلة.. وكل قلوبهم وعقولهم نحو قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. كيف يمكن اعتبار هؤلاء حجاجا؟

قال له بعض الحاضرين: لكنا مع ذلك نرى الصوفية لا يذكرون في لقاءاتهم التي يزعمونها إلا خيرا.. فبعضهم يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجهه نحو عمل خيري، وبعضهم يذكر أنه وجهه إلى طاعة من الطاعات، أو عبادة من العبادات أو ذكر من الأذكار.. ألا ترى شيخنا الفاضل أنه حتى لو كانت الوسيلة خاطئة، فالنتيجة طيبة؟

قام الشيخ من مكانه، والغضب يملأ وجنته، وقال: هذا ما كنت أخافه عليكم أيها الشباب الأغرار.. إنهم يكذبون عليكم.. إنهم دجالون فلا تستمعوا لهم.. ليس في ديننا القاعدة التي وضعها الكفار (الغابة تبرر الوسيلة).. لابد أن تكون الغاية والوسيلة كلاهما مشروعان حتى يعتبر العمل شرعيا.. ولهذا فإن الاتصال بعالم الغيب دجل وخرافة.. وكل ما نتج عن ذلك خرافة.. وكل الأوراد التي يزعمون أنهم يفعلونها ليتصلوا بعالم الغيب ضلال وشرك وبدعة وخرافة.

لقد قال شيخنا العربي التبسي الجزائري عند رده على الأوراد التي تمارسها الطرق الصوفية: (من البين لجميع من عرف الطرائق التي غضت بها الجزائر؛ أنها اشتركت في أمور وامتازت كل واحدة بخواص تجعلها منفصلة عن البقية تستحق بها اسم: طريقة فلان، وقد وضعوا طرائقهم كالشرع الموضوع المتبع، وبنوا هذه الأذكار على أوضاع وهيآت وألحقوا بها أدعية أحدثها من أسس الطريقة.. ومن الشائع الذائع: أن هذه الأذكار يعطيها رؤساء الطرائق أو من يقيمونه، ويسمى بأخذ الورد أو رفع السبحة ويعينون أعدادها وصيغها وأوقاتها وما يرتئونه من آدابها، ونحن نعرض عملهم هذا ونقيسه بالهدي النبوي وعمل السلف فذلك الدين، وما لم يعرف في هذه الأيام بعموم أو خصوص فليس من الدين، وما دام ليس من الدين فإنكاره قربة والاعتراف به بدعة)([8])

وقد ذكر الشيخ بعد بحثه في تراث سلفنا الصالح أنه لم يجد شيئا من ذلك، فـ (السلف رضي الله عنهم لما لم ينقل عنهم تحديد ولا توقيت وهم أهل الدين صدقا وأصحاب الذكر حقا دل على أنهم فهموا من الشرع عدم التحديد والتوقيت، ولن يستطيع آخر الأمة أن يأتي بهداية لم يأت بها أولها)([9])

***

ما وصل الشيخ إلى هذا الحد من كلامه حتى صاح بعض الشباب صيحة عظيمة ارتجت لها القاعة، ثم سقط على الأرض، وهو يصيح: ماء.. ماء.

اجتمع الحضور عليه، وأراد بعضهم أن يحضر له ما طلب.. فنادى الشيخ بصوت عال: توقفوا.. توقفوا.. ابتعدوا عنه.. سأتولى أمره أنا.. أحضروا لي ماء وملحا وسوطا.. وسترون كيف يعود إلى وعيه.

ابتعد الحضور عنه، وذهب بعضهم ليحضر له ما طلب، وفي تلك الأثناء اقترب الشيخ منه، وراح يصيح فيه بصوت عال: أعرفك جيدا أيها الوقح.. لقد كلفك سحرة الصوفية بأن تفسد علي جلستي ككل مرة.. ولن أسكت عنهم ولا عنك، وسترى ما أفعل بك.

كان الشاب يرتجف بشدة، ويصيح طالبا الماء.. أراد بعض الحضور أن يقدمه له، فدفعه الشيخ، وهو يقول: ويلك أتريد أن تسقي الجن ماء عذبا.. نحن لا نسقيهم إلا ماء مالحا ليتعذبوا به.

قال الرجل: أنا لا أرى جنا.. أنا لا أرى أمامي إلا هذا الشاب المسكين.. وأريد أن أقدم له ما طلب.

قل الشيخ: هو الآن ليس الشاب الذي تعرفون.. إنه مسكون من عفريت من العفاريت.. أعرفه جيدا.. وأعرف البلاد التي جاء منها.. وكم من مرة هممت بحرقه لكنه كان يفر.. إنه يتبعني حيث سرت ليفسد علي توجيهاتي ومواعظي.. لكني اليوم لن أتركه.. إما أن يسلم وإما أن أحرقه.. أحضروا لي بسرعة ماء مالحا شديد الملوحة.. وأحضروا لي سوطا أو عصا أو أي شيء.

قدم له بعض الحاضرين ما طلب، فأخذ يصيح في الشاب: إما أن تخرج يا عدو الله.. وإما أن أسقيك ما يجعلك رمادا.

لم يجد الشاب ما يقول، فأخذ الشيخ العصا، وراح يضربه بها بقوة، وهو يقول: هذا هو جزاؤك يا عدو الله.. في كل مرة تفسد علي مجلسي.. أخبرني من أرسلك من الصوفية إلي..

كان الشاب يتألم، ولا يستطيع الحديث.. وكان الشيخ يضربه بقوة.. ثم يأخذ الماء المالح ويسقيه إياه فيتقيأ الشاب المسكين..

قرأ الشيخ بعض آيات القرآن، ثم قال: تكلم وإلا أحرقتك.. أنت تعلم أني صادق فيما أقول.. أخبرني من أرسلك إلي وإلا أوجعتك ضربا.

بدأ الشاب يستعيد وعيه.. وأخذ ينظر إلى الجموع مستغربا ما يحصل له.. لكن الشيخ لم ير ذلك، بل راح يصيح فيه بقوة: هيا أخبرني من أرسلك من الصوفية لتفسد علي جلستي.

قال الشاب: أنا لا أعرف شيئا.. ما الذي يحصل؟

قال الشيخ: أنت عفريت محتال.. تريد أن تحتال علي ككل مرة لتفر بجلدك.. لن أتركك هذه المرة حتى تخبرني.. انظر إلى هذه العصا ستقطعك إربا إربا إن لم تخبرني من أرسلك من الصوفية.

قال الشاب: أنا لا أعرف شيئا.. لقد أغمي علي فقط.. وهذا يحصل لي أحيانا ثم أفيق بعدها.

قال الشيخ: لقد عدت لكذبك.. ولن أرحمك هذه المرة.. أمسكوه.

أمسكه الشباب المحيطون به، فراح الشيخ ينهال عليه ضربا بالعصا، وهو يتألم ألما شديدا، ويقول: والله لا أعرف شيئا.. لقد جئت فقط إلى هنا للاستماع إلى محاضرتك.

قال الشيخ، وهو يضربه: كذاب.. لقد أرسلك بعض الصوفية لتشوش علي.. أعرف أنك من العفاريت الحمر.. لقد أخبرني بعض الوسطاء عن ذلك.. ولن أدعك اليوم حتى تجيبني أو أحرقك.

قال الشاب: والله لا أعرف شيئا.. وأنا إنسي، ولا علاقة لي بالعفاريت.

التفت الشيخ إلى الحضور، وقال: هكذا العفاريت دائما.. يلجؤون إلى الكذب عندما تضيق بهم السبل.. لكني سأستعمل رقية ابن جبرين.. وسترى كيف تحولك يبابا أو سرابا أو رمادا.

قرأ عليه بعض آيات القرآن، وبعض الأدعية، لكن الشاب بقي مستغربا يحاول التنصل، فلا يستطيع.

قال الشيخ: ما دامت رقية ابن جبرين لم تؤثر فيك، فسأقرك عليك رقية ابن القيم التي ذكرها في زاد المعاد.. نعم هي للعين، ولكنه يمكن – كما ذكر لي بعض المشايخ، وقد أجازني في ذلك – أن تطبق مع العفاريت والسحرة، وقد جربت ذلك.

ضرب الشاب سبع ضربات قوية، وكان يقول عند كل ضربة: بسم الله، حبس حابس، وحجر يابس، وشهاب قابس، ردت عين العائن عليه، وعلى أحب الناس إليه، {فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ } [الملك: 3، 4]

وبعد أن انتهى التفت إلى الحضور، وقال: لقد ذكر ابن القيم هذه الرقية في الكتاب الذي خصصه لهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال:(من الرقى التى ترد العين ما ذكر عن أبى عبد الله الساجى، أنه كان فى بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فارهة، وكان فى الرفقة رجل عائن، قلما نظر إلى شىء إلا أتلفه، قيل لأبى عبد الله: احفظ ناقتك من العائن، فقال: ليس له إلى ناقتى سبيل، فأخبر العائن بقوله، فتحين غيبة أبى عبد الله، فجاء إلى رحله، فنظر إلى الناقة، فاضطربت وسقطت، فجاء أبو عبد الله، فأخبر أن العائن قد عانها، وهى كما ترى، فقال: دلونى عليه. فدل، فوقف عليه، وقال: {فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ } [الملك: 3، 4]، فخرجتْ حَدَقَتا العائنِ، وقامت الناقةُ لا بأسَ بها)([10])

هل رأيتم كيف استطاعت هذه الرقية السلفية العجيبة أن تحيي الناقة؟

التفت إلى الشاب، فوجده لا يزال مصرا على عناده، فقال: ألا تريد أن تخبرني عن الصوفية الذين أرسلوك؟

قال الشاب: صدقني يا شيخ.. والله لا أعرف شيئا.. كل ما في الأمر أني حضرت لأسمع منك.

ضربه الشيخ بقوة، وهو يقول: كاذب أنت.. ككل العفاريت.. إن لم تجد فيك رقية ابن القيم.. فسأقرأ عليك رقية ابن تيمية.

قرأ عليه الرقية، وضربه أثناءها ضربا مبرحا.. ولكن الشاب لم يدل بأي اعتراف، فأمر الشيخ بأن يحضروا له بعض النار.. فخاف الشاب خوفا شديد، وصاح: سأعترف.. سأعترف بمن أرسلني.

التفت الشيخ إلى الحضور، وهو يقول: أرأيتم.. هكذا هم العفاريت دائما لا يستجيبون إلا بالتخويف.

ثم التفت للشاب، وقال: من أرسلك إلي؟

قال الشاب: أليس الشعراني والغزالي كما ذكرت لنا من الصوفية؟

قال الشيخ: بلى.. بل هما من كبار أصنام الصوفية.

قال الشاب: فهما اللذان أرسلاني إليك.

التفت الشيخ إلى الحضور، وقال: أرأيتم هذين المجرمين.. عندما فطنت لتحريفهما للدين وحذرت منهما صارا يرسلان إلي العفاريت..

ثم التفت إلى الشاب، وقال: وبماذا وعداك إن نفذت مهمتك؟

لم يجد الشاب ما يقول، فأخذ الشيخ في ضربه إلى أن غشي عليه.. وحاول الشيخ بكل جهده أن يوقظه لكن لم يستطع مع أنه قرأ عليه كثيرا من الرقى.. فتركه، وطلب من الحضور إخراجه، فأخرجوه، ثم عاد الشيخ إلى مجلسه، وقال: لا تقلقوا عليه.. لقد غادره العفريت.. لكنه يحتاج إلى بعض الوقت ليفيق.

تعجب الحضور من الشيخ، وقال بعض الشباب: لم نكن نعلم يا شيخ أنك تعرف مثل هذه الأمور.

قال الشيخ: هذا من بركات شيخ الإسلام ابن تيمية ومشايخ السلفية الذين وفقني الله للتلمذ على أيديهم.

قال آخر: ولكن يا شيخ ألا ترى أنك ضربته ضربا مبرحا شديدا.. وقد يؤثر ذلك في صحته؟

قال الشيخ: ويلك.. أنا لم أكن أضربه.. بل كنت أضرب العفريت الذي كان يسكنه.. وقد أجاز مشايخنا استعمال هذه الوسيلة.. حيث فعلها شيخ الاسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وذكره الشبلي وابن مفلح والعلامة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز وفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، وفضيلة الشيخ أبو بكر الجزائري وغيرهم كثير.

أما شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد ذكر ذلك في مواضع كثيرة من كتبه، منها قوله: (لكن ينصر بالعدل كما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ويجوز في ذلك ما يجوز مثله في حق الإنسي، مثل أن يحتاج إلى انتهار الجني وتهديده ولعنه وسبه)([11])

وقال: (ولهذا قد يحتاج في إبراء المصروع ودفع الجن عنه إلى الضرب، فيضرب ضربا كثيرا جدا، والضرب إنما يقع على الجني، ولا يحس به المصروع حتى يفيق المصروع، ويخبر أنه لم يحس بشيء من ذلك، ولا يؤثر في بدنه، ويكون قد ضرب بعصا قوية على رجليه نحو ثلاثمائة أو أربعمائة ضربة وأكثر وأقل، بحيث لو كان على الإنسي لقتله، وإنما هو على الجني والجني يصيح ويصرخ، ويحدث الحاضرين بأمور متعددة كما قد فعلنا نحن هذا وجربنا مرات كثيرة يطول وصفها بحضرة خلق كثيرين)([12])

وقال: (وإذا ضرب بدن الإنسي؛ فإن الجني يتألم بالضرب ويصيح ويصرخ ويخرج منه ألم الضرب، كما قد جرب الناس من ذلك ما لا يحصى، ونحن قد فعلنا من ذلك ما يطول وصفه)([13])

وقال: (فإنه يصرع الرجل ؛ فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضرباً عظيماً لو ضرب به جمل لأثَّر به أثراً عظيماً، والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب، ولا بالكلام الذي يقوله)([14])

وقد حكى ابن مفلح – وهو تلميذ لشيخ الإسلام– فقال: (كان شيخنا – يعني شيخ الإسلام ابن تيمية – إذا أتي بالمصروع وعظ من صرعه وأمره ونهاه، فإذا انتهى وفارق المصروع أخذ عليه العهد أن لا يعود، وإن لم يأتمر ولم ينته ولم يفارق ؛ ضربه حتى يفارقه)([15])

وقد كان هذا سنة سلفنا الصالح، فقد قال القاضي أبو الحسن بن أبي يعلى بن الفراء الحنبلي: سمعت أحمد بن عبيد الله قال: سمعت أبا الحسن علي بن علي بن أحمد بن علي العكبري قدم علينا من عكبرا في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة قال: حدثني أبي عن جدي قال: كنت في مسجد أبي عبدالله أحمد ابن حنبل، فأنفذ إليه المتوكل صاحبا له يعلمه أن له جارية بها صرع وسأله أن يدعو الله لها بالعافية، فأخرج له أحمد نعلي خشب بشراك من خوص للوضوء فدفعه إلى صاحب له وقال له: امض إلى دار أمير المؤمنين وتجلس عند رأس هذه الجارية وتقول له – يعني للجني – قال لك أحمد: أيما أحب إليك تخرج من هذه الجارية أو تصفع بهذه النعل سبعين، فمضى إليه وقال له مثل ما قال الإمام أحمد، فقال له المارد على لسان الجارية: السمع والطاعة لو أمرنا أحمد أن لا نقيم بالعراق ما أقمنا به.. وخرج من الجارية.. وهدأت ورزقت أولادا، فلما مات أحمد عاودها المارد فأنفذ المتوكل إلى صاحبه أبي بكر المروزي وعرفه الحال.. فأخذ المروزي النعل ومضى إلى الجارية فكلمه العفريت على لسانها: لا أخرج من هذه الجارية ولا أطيعك ولا أقبل منك، أحمد بن حنبل أطاع الله فأمرنا بطاعته)([16])

قال أحد الحاضرين: ولكن ألا ترى يا شيخ أن فتح هذا الباب سيؤدي إلى مفاسد عظيمة؟

قال الشيخ: أجل.. صدقت.. ولهذا حذر مشايخنا من لا يعرف الرقية معرفة جيدة، أو يجاز فيها من مشايخ معتبرين أن يمارسها حتى لا يهلك الخلق بها.. وقد سئل فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز عن جواز الضرب والخنق والتحدث مع الجن لمن يعالج المرضى بقراءة القرآن؟ فأجاب: (هذا قد وقع شيء منه من بعض العلماء السابقين مثل شيخ الإسلام ابن تيمية – يرحمه الله تعالى – فقد كان يخاطب الجني ويخنقه ويضربه حتى يخرج، وأما المبالغة في هذه الأمور مما نسمعه عن بعض القراء فلا وجه لها)([17])

وقال: (يجب الحذر كل الحذر من مسألة الضرب فهي مسألة خطيرة يترتب عليها آثار خطيرة خصوصا إذا لجأ إليها من لا يعرف استخدام الضرب.. فقد يضرب المصروع على أن به جن وما به جن فيقع الضرب على بدن الآدمي وينتج عن ذلك أمور خطيرة. وقد يضرب المريض في أماكن خطيرة، إلى غير ذلك من المحاذير، وقد بالغ بعض القراء في مسألة الضرب وبعضهم يستخدم الصعق الكهربائي وهذا خطأ.. والحاصل أن مسألة الضرب تحتاج إلى مقياس ومعرفة بحيث يعرف متى يضرب وأين يضرب ومقدار الضرب وهل هو محتاج إليه؟ إلى غير ذلك من القيود والضوابط)([18])

وقال الأستاذ وائل آل درويش: (والحاصل أنه يؤمر – يعني الجني الصارع – بالمعروف وينهى عن المنكر فتبدأ معه بالترغيب والترهيب والنصح والإرشاد والعلم والتعريف ثم الزجر ثم قد يصل الأمر إلى الضرب والعقاب ثم الحرق بآيات الكتاب، إلا أنه ينبغي أن يتفطن المعالِج فلا يستخدم الضرب إلا عن بصيرة وقلب حاضر ونظر ثاقب، إذ من الجن من يفر ويهرب، وقد يترك الجسم ويخرج عند نزول الضرب عليه، فيقع الضرب على المريض فيشعر به، وهذا واقع مشاهد)([19])

قال بعض الحضور: ولكني قرأت لبعض الأطباء من المسلمين أنه ينكر هذا.. وهو الدكتور محمد بن عبدالله الصغير، وهو استشاري في الطب النفسي، فقد ذكر أنه (لا أحد يستطيع أن يجزم جزماً قاطعاً أن الضرب لا يقع على جسد هذا المريض وإنما يقع على الجان، وليس في ذلك إلا غلبة الظن التي كثيراً ما تخطئ ويقع ضحيتها أناس مرضى مساكين) ([20])

وذكر أن (حادثة واحدة وقعت لشيخ الإسلام – رحمه الله – لا ينبغي أن تجعل شرعاً وسنة يؤدي على ضوئها عدد غفير من المرضى المساكين)

وذكر أنه (إذا لم يُجد مع المريض الرقية الشرعية وحدها، واحتاج الراقي أن يضم إليها شيئاً من أنواع العلاجات فالأولى والأحكم أن يطلب أن يضم إليها شيئاً من العلاجات الطبية الحديثة التي جُربت ونفعت بإذن الله.. فقد ثبت بالتجربة والمشاهدة أن كثيراً من المرضى الذين ليس فيهم جن إذا ضربوا ضرباً مبرحاً خاصة إذا كانوا مربوطين ولايستطيعون التخلص فإذا الواحد منهم سرعان ما يقول بلسان نفسه إنه جني ويعاهد على الخروج من أي مكان يريد القارئ، وهدفه أن يتخلص من الضرب الشديد الذي صار أشد عليه من أن يقال له مجنون)

وذكر أنه (هناك أمراض نفسية عصبية – أنواع من الهستيريا التحولية – يحصل فيها فقد تام أو شبه تام للإحساس بالألم والحرارة وسائرأنواع الإحساس، بحيث قد لا يحس المريض حتى بأشد أنواع الضرب)

غضب الشيخ غضبا شديد، وقال – والانفعال باد على وجهه، وهو يحاول إخفاءه -: إن الكلام الذي ذكرته يريد أن يلغي الأمر من أساسه..، واعتقادي الجازم بأن الدكتور قد حكم بهذا الحكم في استخدام هذا الأسلوب بناء على المآسي التي نراها ونسمعها على الساحة اليوم من أخطاء لبعض المعالجين بلغت حداً يفوق الوصف والتصور، بل قد أدى في بعض حالاته إلى الوفاة.. وقد يعذر الدكتور الفاضل من هذا الجانب، ولكنني أقول بأن هذا العلم له قواعد ومرتكزات رئيسة، ووقوع بعض الأخطاء من قبل بعض المعالجين الجهلة لا يعني مطلقاً أن نلغي وبشكل عام بعض الاستخدامات الحسية النافعة بعد أن تضبط ضبطاً محكماً من قبل المعالِج الحاذق المتمرس الذي يعلم أين وكيف ومتى يستخدم هذا الأسلوب دون إيقاع أي ضرر بالمريض، مع مراعاة المسؤولية الطبية في كافة مراحل العلاج.. وكافة النقاط التي أشار إليها الدكتور الفاضل يمكن الرد عليها وإعطاء وجهة نظر مغايرة لما ذكر.

فدعواه مثلا بعدم فائدة الضرب إن لم تنفع الرقية الشرعية فيه نظر حيث أن الجمع في الاستشفاء والعلاج بين الاستخدامات الشرعية والحسية أمر مطلوب وكل له تأثير ومفعول بإذن الله تعالى.

وأما قوله بأنه لا يستطيع المعالِج الجزم القاطع بأن الضرب لا يقع على جسد المريض وإنما يقع على الجان، فقد ذكرت لكم بأن الحديث خاص بالمعالجين السنيين السلفيين الحاذقين المتمرسين.. ولا نقصد الجهلة أو المبتدعة مطلقاً، هذا من جهة ومن جهة أخرى فقد أكدت أن استخدام هذا الأسلوب – أعني الضرب – لا بد أن يكون وفق قاعدة تحمل المسؤولية الطبية من قبل المعالِج بحيث لا يؤدي بأي حال من الأحوال لإيذاء المرضى والمصابين بصرع الأرواح الخبيثة.

أما قوله بأن حادثة واحدة وقعت لشيخ الإسلام لا ينبغي أن تجعل شرعاً وسنة يؤذى على ضوئها عدد غفير من المرضى المساكين، فهذا الكلام فيه نظر، فشيخ الإسلام عَلمٌ من أعلام الأمة ولن نكون حريصين بأي حال من الأحوال على هذا الدين وهذه العقيدة كما هو الحال معه – رحمه الله – وهو من أهل الاجتهاد والاستنباط والقياس والاستقراء، لا سيما أننا نتحدث في أمور حسية ليست لها علاقة بالأسباب الشرعية..

أما قوله أنه إذا لم يُجدِ مع المريض الرقية الشرعية وحدها واحتاج الراقي أن يضم إليها شيئاً من أنواع العلاجات فالأولى والأحكم أن يطلب أن يضم إليها شيئاً من العلاجات الطبية الحديثة، هذا الكلام لا يقدح في أن يضم المعالِج المتمرس الحاذق صاحب الصنعة والحرفة هذا الأسلوب – أعني الضرب – في العلاج والاستشفاء مع الأخذ بعين الاعتبار تحقيق المسؤولية الطبية وعدم إيذاء المريض بدنياً أو نفسياً..

أما قوله أنه ثبت بالتجربة والمشاهدة أن كثيراً من المرضى الذين ليس فيهم جن إذا ضربوا ضرباً مبرحاً سرعان ما يقول المريض بلسان نفسه إنه جني ويعاهد على الخروج، فالتجربة والمشاهدة التي يقصدها الدكتور الفاضل هي لحفنة من جهلة المعالجين الذين ليس لهم كبير جولة، ولا قوي صولة، بل لا يفرقون بين الأمراض العضوية والنفسية والأمراض الروحية، وهؤلاء لا أعنيهم مطلقاً، فالواجب أن يؤخذ هذا العلم بأساليبه وممارساته المنضبطة بالشرع والمحافِظَةُ على سلامة المرضى النفسية والبدنية من أصحاب هذه الصنعة الحاذقين المتمرسين فيها.

***

بعد أن وصل الحديث إلى هذا الحد وصلنا إلى محطة أخرى لنستريح، لكني لم أستطع أن أنزل، فقد خشيت أن أسمع ما يملؤني حزنا وأسى، فبقيت في مجلسي، وأنا لا أدري هل أتبع ما يمليه علي عقلي.. أم أتبع ما يمليه علي عقل ربيع.


([1])     يمارس السلفيون ابتداء من أوائلهم كثيرا هذا السلوك الذي يعتبر من التنابز بالألقاب، وقد كان ابن تيمية يسمي مؤمن الطاق، شيطان الطاق، والشواهد على ذلك كثيرة جدا.

([2])     المنقذ من الضلال (ص: 178)

([3])    الطبقات الكبرى (لوافح الأنوار في طبقات الأخيار) (2/75)

([4])    المرجع السابق (2/13)

([5])    عبد الوهاب الشَّعْراني، الطبقات الكبرى (لوافح الأنوار في طبقات الأخيار)، (1/137)

([6])    انظر: الموقع المخصص له في الإنترنت، موقع العارف  بالله محمد بن أحمد النبهان الحلبي على هذا الرابط: (http://alsayed-alnabhan.com/)

([7])    النبهاني، سعادة الدارين، ص  440.

([8])    العربي التبسي، بدعة الطرائق في الإسلام، ص10.

([9])    المرجع السابق، ص12.

([10])    زاد المعاد: 4/174.

([11])     مجموع الفتاوى – 19 / 50.

([12])     مجموع الفتاوى – 19 / 60.

([13])     مجموع الفتاوى – 10 / 349.

([14])     مجموع الفتاوى – 24 / 277.

([15])     الفروع – 1 / 607.

([16])     أحكام الجان – نقلا عن طبقات أصحاب الإمام أحمد – ص 152.

([17])     الدعوة – العدد 1456- فتاوى العلاج بالقرآن والسنة – ص 69.

([18])     فتح الحق المبين في علاج الصرع والسحر والعين – ص 133.

([19])     منة الرحمن في العلاج بالقرآن – ص 44، 45.

([20])     هذا النص وما بعده من كتاب (توعية المرضى بأمور التداوي والرقى) – باختصار – ص 44.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *