سنن الأكل

سنن الأكل

بعد أن نزل جميع المسافرين من الحافلة، ولم يبق إلا نحن الثلاثة: أنا وربيع والسائق، قال لنا السائق: مكافأة لكم على صدقكم، وأدبكم مع العلماء، سأمر بكم بعد نصف ساعة على مطعم من مطاعم إخواننا من السلفيين الأثريين مشهور بحفظ السنة وقمع البدعة.. وهو مختص بسنة من سنن الأكل قد فرط فيها أهل هذا الزمان، لكني بحمد الله لا أتوقف عن إحيائها كل حين، بل في كل يوم غير عابئ بما يذكره العصرانيون والعقلانيون والقرآنيون من شبههم المقيتة حول الكوليسترول وغيره.. فالسنة لا يعرفها إلا المحدثون، ولا شأن للعصرانيين ولا العقلانيين ولا القرآنيين بها.

قال ربيع: بورك فيك وفي إخلاصك وصدقك.. فما هي عسانا نوفق لما وفقت له من إحيائها؟

قال السائق: لن أتحدث عنها أنا.. سأدع فحلا من فحول السنة يحدثكم عنها.. لقد قمت بتسجيل حديثه فيها أثناء تطبيقنا لها.

 وضع شريطا على التلفزيون ظهر فيه علم من أعلام السلفية الكبار، ضخم الجثة، يضع يديه على شاة مسلوقة، ويختار ذراعها، ويحمله بيده، ثم يقربه من فمه، وينشب فيه أنيابه وأضراسه، ثم يقول، والدهون تتقاطر على لحيته: انظروا إلى هذه الذراع.. إن أكلها سنة من أعظم السنن.. لقد ورد في الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحبها، فقد حدثنا خلفنا عن سلفنا عن أبي هريرة قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعوة فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه..الحديث([1]).

ثم أخذ كتف الشاة، وقال: وأكل هذه أيضا من السنة، فعن عمرو بن أمية الضمري، قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحتز من كتف شاة، فأكل منها([2]).

وبعد أن التهم ما التهم.. نادى بأن تقدم له كبد مشوية، وهو يصيح: هيا.. أسرعوا بالسنة الثالثة، فقد ورد في الحديث عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.. فاشترى شاة فصنعت وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسواد البطن أن يشوى([3]) وسواد البطن كبد الشاة.

بعد أن التهمها جميعا، طلب أن يقدم له جنب شاة مشوية.. فالتهمها، وهو يقول: إن هذا أيضا من السنة، فقد حدثت أم سلمة أنها قربت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جنبا مشويا فأكل منه ثم قام إلى الصلاة وما توضأ([4]).

وبعد أن التهمها جميعا نادى أن يقدم له بعض الدجاج، وهو يقول: أسرعوا لنا بالدجاج، فأكله أيضا من السنة، فقد ورد في الحديث عن أبي موسى الأشعري، قال رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأكل دجاجا([5]).

لكن الرجل المكلف بإطعامه، اعتذر له بأن الدجاج غير موجود، فعبس في وجهه، وهو يقول: ما كان هذا عهدي بكم، في المرات الماضية كانت كل السنن متوفرة.. ما بالكم اليوم؟

قال الرجل: ظروف تمر بنا.. فاعذرنا.. وسنعوضها إن شاء الله في المرة القادمة.

لكن شابا من الحاضرين قال للشيخ: هلا سمحت لي سيدي بسؤال.

قال الشيخ: سل ما بدا لك.. فقد زكاني بحمد الله كل العلماء المعاصرين.. ولدي منهم إجازات.. بل إن بعضهم وصفني، فقال: (هو السنة تمشي).. وبعضهم ذكر بأن لحمي صار من اللحوم المسمومة التي يحرم نهشها، أو الاقتراب منها.

قال الشاب: لقد قرأت في بعض المراجع بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعصب الحجر على بطنه من الجوع.. فهل ذلك صحيح؟

قال الشيخ: أجل، لقد ثبت ذلك في عدة أحاديث منها ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن جابر قال: لما حفر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الخندق أصابهم جهد شديد حتى ربط النبي صلى الله عليه وآله وسلم على بطنه حجراً من الجوع.

ومنها ما رواه ا مسلم عن أنس قال: جئت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً فوجدته جالساً مع أصحابه يحدثهم وقد عصب بطنه بعصابة، قال أسامة (أحد رواة الحديث): وأنا أشك على حجر، فقلت: لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطنه؟ فقالوا: من الجوع.

وكذلك ما رواه الطبراني في معجمه الكبير والأوسط عن أنس قال: أتى أبو طلحة أم سليم، وهي أم أنس، وأبو طلحة رابُّه، فقال: عندك يا أم سليم شيء فإني مررت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء وقد ربط على بطنه حجراً من الجوع… إلى آخر الحديث بطوله.

قال الشاب: وقد سمعت أيضا بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لا توقد النار في بيته المدد الطويلة..

قال الشيخ: أجل ذلك صحيح.. لقد ذكرت أم المؤمنين عائشة حياتها مع النبي r، فقالت: كان يأتي علينا الشهر، وما نوقد فيه نارا، إنما هو التمر والماء، إلا أن نؤتى باللحم)([6])، وقالت:(والذي بعث محمدا بالحق نبيا ما رأى منخلا، ولا أكل خبزا منخولا، منذ بعثه الله إلى أن قبض، قيل، كيف كنتم تصنعون؟ قالت: كنا نقول أف أف([7]).. وقالت: ما شبع رسول الله r ثلاثة أيام تباعا حتى مضى لسبيله([8]).. وقالت: ما اجتمع في بطن رسول الله r طعامان قط، إن أكل لحما لم يزد عليه، وإن أكل تمرا لم يزد عليه، وإن أكل خبزا لم يزد عليه([9]).

قال الشاب: فقد ثبت بقولك هذا سيدي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يأكل من أمثال هذه المآكل إلا على سبيل الندرة.. وأنه في أكثر حياته كان زاهدا أقرب إلى الفقر منه إلى الغنى.. بل إني على حسب ما طالعت من سيرته كان أفقر من أفقر الفقراء عندنا.

قال الشيخ: اسكت ويلك.. ما تقول.. نعم هو لم يكن يتنعم في الدنيا بمثل ما نتنعم به.. ولكن ذلك كان خاصا به.. فالله تعالى خصه بهذا الأمر حتى لا تشغله الدنيا عن رسالته.. اسمع كيف يخاطبه الله تعالى:{ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} (الحجر:88)، وقال تعالى:{ وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (طـه:131)

بل إن نساء النبي r اشتكين من شدة العيش التي كن يعشنها، فنزل القرآن الكريم يخيرهن بين تلك الحياة التي فرضت على رسول الله r بحكم وظيفته الخطيرة، وبين السراح للتمتع بما شئن من الحياة الدنيا، قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29) } (الأحزاب:28-29)

ويدل لهذا من السنة ما وراه أحمد، والبيهقي في الشعب، وابن أبي حاتم والديلمي عن عائشة قالت: ظل رسول الله r صائما، ثم طوى، ثم ظل صائما، قال: (يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد، ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله تعالى لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروها، والصبر على محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم، فقال:{ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ } (الاحقاف: 35).. والله لأصبرن جهدي، ولا قوة إلا بالله)

وروى أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، عن أم عبد الله بنت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله r بقدح لبن عند فطره، وهو صائم فرد إليها رسولها، أنى لك هذا اللبن؟ قالت: من شاة لي، فرد إليها رسولها، أنى لك الشاة؟ فقالت: اشتريتها من مالي، فشرب منه، فلما كان من الغد أتته أم عبد الله، فقالت: يا رسول الله بعثت إليك بلبن، فرددت إلي الرسول فيه، فقال لها: (بذلك أمرت الرسل لا تأكل إلا طيبا، ولا تعمل إلا صالحا)، ولهذا خرج صلى الله عليه وآله وسلم من الدنيا ولم يشبع..

أما نحن فقد ورد الأمر الألهي إلينا صريحا بأن نعب من الدنيا من أبوابها الحلال جميعا، ألم تقرأ قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } [الأعراف: 32]

قال ذلك، ثم نظر إلى الشاب بجفاء، وقال: أرى أن بك لوثة من الصوفية.. فهم الذين يركزون على أمثال تلك الأحاديث ليضيقوا علينا ما وسعه الله من ديننا.. وقد نسوا أن الله جعل لنا – معشر السلفيين الأثريين أصحاب الفرقة الناجية – الدنيا والآخرة نتنعم فيهما جميعا.


([1])    رواه البخاري ومسلم.

([2])    رواه البخاري ومسلم.

([3])    رواه البخاري ومسلم.

([4])    “رواه الترمذي وقال (1829) حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ..

([5])    رواه البخاري (5517) ومسلم (1649)..

([6])     رواه البخاري ومسلم وغيرهما.. والأقوال التي تلي قولها هذا روايات في الحديث، وقد اخترنا اعتبارها أحاديث قائمة بذاتها.

([7])     رواه أحمد.

([8])     رواه البخاري ومسلم والبيهقي.

([9])     رواه ابن سعد.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *