النهاية

النهاية

فجأة، وبعد أن سمعت هذا، رأيت غمامة سوداء ترتفع من صدري، لتحل بدلها أنوار السكينة وصفاءها وطمأنينتها.. تطلعت ببصيرتي في وهجها، فرأيت كل من امتلأت بحبهم في رحلتي من أبطال ابتداء من السحرة وامرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، والحسين والثلة الطيبة معه، وسعيد بن جبير.. وغيرهم من الأبطال.

ثم رأيتني بعد ذلك أتقمص أشخاصهم جميعا، ويحل في نفسي من الشجاعة والقوة ما لم يكن في حسباني..

وفجأة رأيت نفسي بجانب ذلك الضخم الذي كنت أرتعد لمرآه، ويرتجف قلبي عندما يسمع اسمه.. لكني في تلك اللحظة رأيته بصورة مختلفة تماما.. لقد رأيته ضعيفا حقيرا ممتلئا قيودا.. حتى أني لم أتزحزح عن مكاني عندما أراد أن يمر من طريقي.. بل لم أنحن له.. ولم أسارع للتزلف إليه كما كنت أفعل، وكما كان يفعل المستضعفون من أمثالي.

والغرابة في أنه راح على خلاف عادته، يتزلف إلي، ويسألني عن حالي، وعن مطالبي، ويطلب مني أن أسجلها له، ليقوم بتنفيذها، مع أني ظللت مدة طويلة أطلبها، وأرسل في سبيلها الشفعاء، وأنفق في سبيل تحقيقها الأموال.. ولم يكن يلتفت لذلك، بل لم تكن تزيده ذلتي إلا كبرا، ولم يكن يزيده تزلفي إلا تضخما وتعاظما.

لم أفطن لسر ذلك إلا بعد أن انصرف عني، وجاء بدله بعض المستضعفين، وقد كان يرقب حركاتي في ذلك اليوم.. قال لي، وهو ممتلئ استغرابا: ما الذي حصل لك؟ أين كنت تخزن كل هذه القوة والشجاعة؟ لم أرك هكذا من قبل.. لقد واجهت هذا المستكبر الذي ترتجف له القلوب بكل شجاعة وقوة، وأسمعته ما لم يسمعه في حياته.. والعجب أنه استسلم لك، ولم يستطع أن يواجهك.. لقد انتصرت للمستضعفين.. فهنيئا لك، وهنيئا لنا بك.

سألته متعجبا: ما الذي تقصد؟

قال: صدقني .. لقد رأيتك وأنت تتحدث معه بتلك القوة، فتذكرت مؤمن آل فرعون حين استطاع أن يحطم جدار الخوف في نفسه، ويخاطب أولئك الملأ بما لم يتعودوا سماعه.. والعجب أنه حصل لك ما حصل له.. فلم يملك هذا الفرعون أن يفعل لك شيئا، كما لم يملك فرعون موسى أن يفعل للمؤمن شيئا.

قلت له: لكني لم أكن هنا.. أنا كنت في ..

أردت أن أكمل، فخشيت أن يتهمني بالجنون، وتتغير نظرته لي، فقلت: منذ متى وأنت تراني وترقبني.. ألم تكف عن تصرفاتك هذه؟

قال: منذ الصباح .. مذ خرجت من بيتك وأنا أراقبك.. هذه هي وظيفتي.. لست أدري لم.. لكنك اليوم ملأتني سرورا وشجاعة.. فهلم حدثني عن سر شجاعتك وقوتك لعلي أقف في يوم من الأيام مثل موقفك هذا الذي يساوي الدنيا وما فيها.

قلت: أجل .. هذا واجبي.. لكني كما تعرف عيي اللسان.. لذلك سأكتب لك ما لعله يجيبك إلى طلبتك، ويبين لك سر ما رأيته مني.

كان هذا الكتاب هو جوابي له.. وقد سر به كثيرا.. وسلمه لرفاقه وأصدقائه من المستضعفين.. وقد كان له أثره البالغ فيهم..

بل كان له أثره كذلك على ذلك الضخم الذي وصلته نسخة من الكتاب، فراح يقرؤها بشغف وحزن، ثم رأيته يجمع كل من كان يستضعفهم، ويتكبر عليهم، ليقبل أيديهم ورؤسهم، ويعتذر لهم، ويتحول إلى خادم أمين لمصالحهم التي وكلت إليه.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *