المقدمة

المقدمة

من المغالطات الكبرى التي نوهم بها أنفسنا تصورنا أننا نعبد الله حينما نجادل بكل ما أوتينا من قوة عن أولئك الدعاة والعلماء الذين لا دور لهم إلا تخريب حياة الناس في الدنيا، وجرهم بسلاسل الكذب والبهتان إلى جهنم في الآخرة..

وسبب هذه المغالطة هو إعراضنا عن القرآن الكريم، وتدبره، وتفعيله في الحياة..

ذلك أننا عندما نقرأ ما ورد من أوصاف عن علماء بني إسرائيل، وأنهم السبب الأكبر في كل ما حصل لهم من انحرافات، نتصور أن ذلك خاص ببني إسرئيل، وأننا أفضل الأمم، وأن علماءنا ليسوا كعلمائهم، وأن دعاتنا ليسوا كدعاتهم، وكأن سنة الله تسير مع جميع الأمم سيرا مطردا، ولا تتخلف إلا في هذه الأمة، مع أن سنة الله لا تتبدل ولا تتغير: { سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 62]

ولهذا فإنا في هذه المقالات القصصية نحاول أن نرسم من خلال الواقع والتاريخ مشاهد لعلماء لا يختلفون عن علماء السوء الذين كانوا في الأمم السابقة.

ونرى أن التشهير بهم واجب شرعا، فلا يمكن للناس أن يتدينوا بالدين الأقوم الذي أرادهم الله أن يتدينوا به، وهم يرون كل حين من يحرضهم على الدين الأعوج، ويدعوهم إليه بكل الوسائل.

ولسنا مبتدعين في هذا السلوك، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حذرنا من علماء السوء، وأخبر أنهم سبب الفتن، فقال: (إنَّ أخوف ما أخاف على أمَّتي كلّ مُنافق عليم اللِّسان)([1])، وقال: (إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الأئمَّة المضلُّون)([2])، وقال:( يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليست قراءتكم الى قراءتهم شيئا، ولا صلاتكم الى صلاتهم شيئا، ولا صيامكم الى صيامهم شيئا، يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية)([3])

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا ألا نقف مكتوفي الأيدي أمامهم، بل دعانا إلى استعمال كل الوسائل للتحذير منهم، ففي الحديث: 🙁 يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية، سيماهم التحليق، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، هم شر الخلق والخليفة)([4]

وتفعيل هذه الأحاديث في الحياة يدعونا إلى البحث والتحقيق عنهم بدقة، وعزل كل ما كتبوه أو دعوا إليه، حتى لا يتشوه دين الله الجميل بأهوائهم وفتنهم.. لأن ذلك لا يقل عن البحث عن الرواة السوء الذين كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن لم يكونوا أخطر منهم، قال تعالى: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 21]

ولهذا، فإنا في هذه المقالات حاولنا أن نربط بين ما ورد في القرآن الكريم من حديث عن علماء السوء، وأدوارهم التخريبية في الأمم السابقة، وكيف ورث علماء السوء من هذه الأمة تلك الخلال، وراحوا ينفذونها بدقة.

وأول ما قاموا بتنفيذه لتصلح خططهم التخريبية أنهم وضعوا لأنفسهم حصانة تحميهم من النقد والرد والتحذير.. وأن لحومهم مسمومة، فكل من أكل منها مات، وكل من اقترب من ساحتهم سيعذب لا محالة، وستصيبه أنواع الآفات في الدنيا والآخرة..

وقد آتت تلك التحذيرات دورها للأسف، فالكثير يتجرأ على القرآن الكريم، فيعطله، ويشوهه، ويغير معانيه، ويتجرأ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيحوله إلى ما شاء له هواه.. لكنه إن جاء إلى أولئك العلماء تجده جاثيا بين أيديهم، ساجدا لهم، لا يتجرأ على أن ينبس ببنت كلمة في حقهم.. وهذا هو الشرك بعينه، والذي قال الله تعالى فيه: {  وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } [البقرة: 165]، وقال: { وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ} [إبراهيم: 30]

انطلاقا من هذا، فإن المرحلة الأولى في التدين الصحيح تبدأ من التخلص من كل علاقة تربط المتدين بهذا الصنف من العلماء والدعاة، لأنهم الحجاب الأكبر الحائل بين الخلق والحق..

والمرحلة الثانية تنطلق من تحطيم هذه الأنداد التي صارت تعبد من دون الله، فلا يكفي أن يتدين المرء في نفسه، وهو يرى المخربين يشوهون دين الله، ويقضون عليه، وهو يتفرج، وكأن الأمر لا يعنيه.

والكثير للأسف من هؤلاء الساكتين ينطلقون من رعاية مصالحهم الشخصية، لأنهم يخافون أن يصطدموا مع المجتمع الخاضع لسيطرة علماء السوء، أو يخافوا أن يجرحوا أو يصنفوا أو يحجر عليهم..

وكل هذه المخاوف لا قيمة لها، لأن من ضريبة التواصي بالحق التواصي بالصبر، ومن ضريبة النهي عن المنكر تحمل أذى أصحاب المنكر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصف ذلك: (سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين ، وينطق فيها الرويبضة، قيل: يا رسول الله وما الرويبضة؟ قال: (الرجل التافه ينطق في أمر العامة)([5])


([1])    رواه الطبراني في الكبير والبزار ورواته محتج بهم في الصحيح.

([2])    رواه أحمد وغيره.

([3])    رواه مسلم وابو داود وابو عوانة.

([4])    رواه ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي والطبراني في الكبير والحاكم.

([5])    رواه أحمد وابن ماجة.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *