المرجئة

المرجئة

من الأخطاء الكبرى التي وقع فيها العلماء الذين تخصصوا في تشريح الأمة وتقسيمها وتصنيفها بحسب آرائها وعقائدها، أو من يطلق عليهم (علماء الملل والنحل) هو اعتبارهم المرجئة طائفة من طوائف الأمة تتمثل في أشخاص محددين، وأتباع محددين، ولها تاريخ محدد.

ولذلك فإن كل من يقرأ عن هذه الفرقة، ولا يجد اسمه فيها يطمئن اطمئنانا كليا على أنه لن يحاسب يوم القيامة على إرجائه وأمانيه وغروره.. لأنه – بحسب ما يوحي إليه سدنة مذهبه وكهنته – من الفرقة الناجية، وشتان بين المرجئة، والفرقة الناجية.

وهذا خلاف للرؤية القرآنية التي تجعل الإرجاء نمطا في التفكير الإنساني يشمل الخلق جميعا، وليس له علاقة بدين دون دين، أو مذهب دون مذهب، أو جماعة دون جماعة.

فعندما يذكر الله تعالى عن بني إسرائيل قولهم في الإرجاء: { لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً } [البقرة: 80]، فإن هذا القول – وإن ذكر في بني إسرائيل إلا أنه لا يقتصر عليهم- فكل من قال قولهم سينال عقوبتهم، لأن ذلك هو مقتضى العدل الإلهي.

ولهذا قال الله تعالى ردا عليهم: { قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 80]

ثم أعطى قانون ذلك، وهو يشمل البشرية جميعا، فقال: {  بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 81]

وهي آية واضحة في كونها قانونا إلهيا يشمل الخلق جميعا، ولا يختص بأمة دون أمة..

بل إن هناك آية أخرى تحدد قانون العدالة الإلهية مع الخلق بدقة، وأنه ليس هناك محاباة لأمة على حساب أخرى، فالله رب الخلق جميعا، قال تعالى: {  لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123]

لكننا في التراث، وفي التاريخ، وفي الواقع الإسلامي نجد تلك النظرة القاصرة المحدودة التي تتصور أن الإرجاء ليس سوى فلان وفلان، وجماعة وجماعة..

مع أن الإرجاء يشمل كل من يحمل ذلك الغرور، وتلك الأماني كائنا من كان:

فالصوفي الذي يعتقد أنه بمجرد انتسابه إلى شيخ، وأخذه العهد والتزامه به، يكفيه ذلك للنجاة، بل لتسلم أرقى مراتب الفلاح مرجئ.

والشيعي الذي يتصور أنه بمجرد ولائه لعلي بن أبي طالب، أو بكائه على الحسين، أو انتظاره للمخلص، دون عمل وجهد وتطبيق للشريعة ظاهرا وباطنا مرجئ.

والعامي الذي يفخر على الناس بكونه مالكيا أو شافعيا أو حنفيا أو حنبليا، ويتعصب لذلك، ويتصور أنه كاف للنجاة مرجئ.

وهكذا فإن الإرجاء قد تغلغل في أعماق هذه الأمة كما تغلغل قبلها في أعماق بني إسرائيل..

ولكن مع ذلك، فإني مع كثرة المرجئة الذين أراهم، لم أر مرجئة أخطر من إرجاء من يطلقون على أنفسهم لقب السلفية والأثرية وأهل الحديث.. بل إن الإرجاء وصل بهم إلى تسمية أنفسهم (الفرقة الناجية)، وكأنهم تسلموا صكوك الغفران، أو مفاتيح الجنان، ولم يبق بينهم وبينها إلا أن تأتي ملائكة الله في ساعة الاحتضار لتزفهم إليها.

بالإضافة إلى أن سائر الأمة، وإن طمعت في فضل الله، وغلبت الرجاء على الخوف، وقد تخطئ في بعض مصاديق ذلك، إلا أنها لم تتجرأ على غيرها كما تجرأ التيار السلفي على غيره.. فهو لا يكتفي بأن يعتقد الجنان لنفسه، بل يجعل من عقائده التي لا فكاك له عن الاعتقاد بها أن يرمي بالعذاب على غيره.. فهو لا يقول كما يقول بعض الصوفية – مثلا – بأن رحمة الله تتسع للخلائق جميعا، وإنما يقولون: (النار تتسع للخلائق جميعا ما عدا من انتسب إلينا)

وقد وضعوا لذلك قواعد وقوانين تصوروا أن كل من قال بها، فهو ناج، ولا يهم إن كان قبله سليما أو غير سليم.. مع أن الله تعالى قال: { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الشعراء: 88، 89]

بل إنهم – بحسب تلك القواعد التي وضعوها- يشترطون أن يكون القلب مشحونا بكل ألوان الحقد والكراهية لكل المخالفين، ويعتبرون سلامة القلب وصفاءه بدعة وانحرافا عن الدين.. فالدين في تصورهم ليس مجاهدة للنفس في السير إلى الله، وليس مجاهدة للتخلق بأخلاق أهل الله، وإنما هو مجموعة من الأفكار الحاقدة تردد كل حين لتملأ حياة الناس وحشة وألما.

فالتكبر الذي مقته الله وحذر منه، وذكر أن جزاء المتكبرين أن { لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40] اعتبروه عزة إيمانية، وترفعا إيمانيا، وتميزا للناجي على غيره.. ولذلك تكون له السلطة على غيره، فلا يسلم عليه، ولا يعوده، ويضيق عليه الطريق، ويؤذيه قدر المستطاع.

والغيبة التي حرمها الله، واعتبر المغتاب كمن يأكل لحم أخيه ميتا، حولوها إلى غيبة في الله.. فلذلك لا تصلح مجالسهم إلا بها، ولا تشحن كتبهم وخطبهم إلا بأسماء مخالفيهم مع تغييرها التغيير المناسب ليشرعوا التنابز بالألقاب الذي حرمه الله، وكأنهم يحادون الله بذلك..

وهكذا نجدهم مع أوامر الشريعة، يخالفونها ويبررون مخالفتهم لها بكل صنوف المبررات..

وبناء على هذا سأحكي لكم مشهدا عن داعية كبير جاء لقريتنا الصغيرة المتواضعة لينشر فيها قيم الإرجاء، وأخلاق المرجئة..

وقد دعاه إلى ذلك بعض الملأ ممن ساءت سمعتهم بسبب الجرائم الكثيرة التي ارتكبها.. فأراد أن يعيد لسمعته اعتبارها، وخاصة بعد أن أطلق لحيته، وقصر قميصه، وتصور أنهما كافيان ليحولاه من صاحب جرائم كبيرة إلى تقي صالح.

وقبل أن أحكي لكم عن حديثه مع أهل القرية أحدثكم عن حديث جرى بينه وبين ذلك المجرم الذي تصور أن لحيته وقميصه كافيان لمحو جميع جرائمه..

قال المجرم للمرجئ: نسيت أن أذكر لك أني قبل توبتي كنت مدمنا على المخدرات.. بل تاجرا فيها.. أهربها من كل مكان، وأسقي بسمها الزعاف شباب هذه القرية وغيرها من القرى.. وأنا لذلك أتألم كلما أرى مدمنا لأني أشعر أني سبب ما يحصل له.

المرجئ: لا عليك.. ولا ينبغي أن تتألم.. فالتوبة تجب ما قبلها.. والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.. وأنت الآن بحمد الله صرت من الفرقة الناجية، وكل ما فيك يدل على ذلك، فأبشر.

المجرم: ولكن لا تتصور كم كنت بشعا وأنا أحول من الطيبين الطاهرين مدمنين متسكعين في الشوارع.

المرجئ: لا تذكر هذا.. فلعل الله أراد بهم خيرا.. فأنت ترى أن المتدينين في قريتكم كلهم بين قبورية وجهمية وصوفية ورافضة.. وهؤلاء شر من المدمنين.. وأنت تعلم قول سلفنا الصالح في ذلك.

المجرم: أجل.. وقد حفظت أقوالهم في ذلك عن ظهر قلب، فقد قال أحدهم: (لأن يكون ابني فاسقا من الفساق أحب الي من أن يكون صاحب هوى) ([1])، وقال آخر: (لأن يصحب ابني فاسقا شاطرا سنيا أحب إلي من أن يصحب عابدا مبتدعا) ([2]).. وقال آخر: (لأن أجاور يهوديا ونصرانيا وقردة وخنازير أحب إلي من أن يجاورني صاحب هوى يمرض قلبي )([3]).. وقال آخر: (لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشيء من الهوى)  ([4]).. وقال آخر، وهو الإمام أحمد بن حنبل.. وما أدراك ما الإمام أحمد..: ( قبور أهل السنة من أهل الكبائر روضة، وقبور أهل البدع من الزهاد حفرة، فساق أهل السنة أولياء الله، وزهاد أهل البدع أعداء الله)([5])

المرجئ: بوركت.. وبوركت ذاكراتك أرى أن لك مستقبلا علميا عظيما.. لعل ذلك من تأثيرة الحشيشة التي كنت تتناولها، فمع كون ذلك معصية إلا أننا لا ندري كيف أخرج الله منها كل تلك البركات.. فالكثير من أصحابنا، وخاصة ممن من الله عليهم بالجهاد في سبيل الله كانوا مدمنين عليها..

المجرم: الحمد لله.. كل ذلك من فضل الله ومنته..

المرجئ: هيا نذهب إلى أهل القرية.. فلعلهم ينتظروننا.

المجرم: اصبر قليلا سيدي.. فأنا أريد أن أذكر لك كل ما فعلته سابقا حتى لا تفاجأ، فأنا أعلم أن من أهل القرية من يريد أن يخبرك عن جميع ما فعلته من آثام لينقص بذلك من قدري، ويحول بيني وبين أن تعود لي مكانتي بين الناس.

المرجئ: لا تقلق.. فأنا مذ رأيتك، ورأيت سمة السجود على جبهتك أيقنت أنك من الفرقة الناجية.. فكل شيء فيك يدل على ذلك.

المجرم: لكن لابد أن أذكر لك جريمة لا تزال تؤرقني، وتقض مضجعي، وتملأ حياتي بالآلام..

المرجئ: فحدثني عنها لتستريح.

المجرم، وهو يبكي: لقد قتلت بيدي هذه تسعة وتسعين نفسا..

المرجئ: وهل كانوا من أصحابك من المدمنين على المخدرات؟

المجرم: لا.. ليتهم كانوا كذلك.. بل كانوا من أهل القرية المتدينين.. كان كل ما يأتيني أحدهم ينهرني عن المخدرات، أو يؤنبني لأنني تسببت في وقوع ولده في الإدمان أقتله بكل برودة.

المرجئ: هل تعرف مذاهبهم؟

المجرم: أجل.. بعد توبتي تمكنت من معرفتها.

المرجئ: فما كانوا؟

المجرم: لقد قتلت تسعة وثلاثين من القبورية الذين تعودوا أن يزوروا الأضرحة.

المرجئ: بورك لك.. وبوركت يدك.. أنت لم تفعل إثما.. بل فعلت الصواب.. أنت أحييت سنة مشايخنا من السلف الصالح، وخاصة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي قتل الآلاف المؤلفة من القبورية، ولم تأخذه في الله لومة لائم.. لقد بقي ستون.. فعلي أي مذهب كانوا؟

المجرم: لقد قتلت خمسة من الرافضة..

المرجئ: خمسة فقط.. ولم؟

المجرم: لأنهم لم يكن منهم في قريتنا إلا خمسة.. مررت على بيتهم مرة، فرأيتهم يبكون ويلطمون فأزعجني ذلك، فرحت وقتلتهم جميعا.

المرجئ: بوركت يدك.. لقد قمت بعمل عظيم.. لقد أحييت سنة من سنن سلفنا الصالح.. لقد قام شيخ الإسلام مثلك بقتال الرافضة بيده الشريفة، ولم يكفه ما كتبه فيهم من كتب.

المجرم: لكني أنزعج من ذلك لأنهم لم يفعلوا لي شيئا.

المرجئ: يكفي أنهم هم السبب في كل المصائب التي تقع في بلاد الإسلام.. لقد أنقذت قريتك من الطوفان الجارف الذي سيغمرها لو تركتهم على قيد الحياة.

المجرم: الحمد لله رب العالمين.. هذا كله من فضل الله.

المرجئ: لقد بقي خمسة وخمسون.. فمن كانوا؟

المجرم: كان عشرون منهم جيرانا لي.. وقد عدت مرة من بيتي، فسمعتهم يرفعون أصواتهم بالذكر.. فأزعجني ذلك، فرحت، وأحرقت عليهم بيتهم بعد أن أحكمت إغلاق بابه.

المرجئ، وهو يضحك: بورك لك.. وبوركت أناملك.. لقد أحييت سنة حرق المبتدعة.. لاشك أن هؤلاء كانوا من الصوفية.. وهم في العادة ملاحدة وأكفر من اليهود والنصارى.. فاحمد الله على ما أفاض عليك من نعمة الجهاد في سبيله.

المجرم: الحمد لله رب العالمين.. هذا كله من فضل الله.

المرجئ: لقد بقي خمسة وثلاثون.. فمن كانوا؟

المجرم: أما ثلاثون منهم.. فكانوا يزاحمونني على عقارات أردت شراءها.. فقضيت عليهم واحدا واحدا.

المرجئ: وهل كانت لهم علاقات مع الصوفية أو الرافضة أو الجهمية أو غيرهم؟

المجرم: أجل.. فقد كانوا من المتدينين.. وبعضهم كان يدفع أمواله لأصحاب الطرق الصوفية، وآخرون لغيرهم من الفرق التي ذكرت.. لكني لا أعلم بالضبط إن كانت لهم اهتمامات بهذه الجوانب.. فلم أرهم يمارسون ما يمارسه أصحاب الطرق وغيرهم.

المرجئ: لا حرج عليك.. مجرد دعمهم للمبتدعة كاف في ذلك.. فمن أعان الظلمة كان ظالما مثلهم، واستحق ما ينزل به.. تصور لو أنك لم تفعل ذلك.. وتركت لهم الفرصة ليحصلوا على العقارات والأموال.. هل كان يمكنني أن أكون أنا هنا؟

المجرم: لا.. لا يمكن ذلك، لأنهم سيأتون بدلك بمشايخ البدعة والضلالة.

المرجئ: فاحمد الله إذن على نعمته عليك بتخليصك لأهل قريتك من المبتدعة وداعميهم.

المجرم: أنا أتألم لأني عندما ذبحت أحدهم بيدي بكى وشهد الشهادتين، ثم قال: مرحبا بالدخول على الملوك.

المرجئ: أبشر.. فهذا القول منسوب للغزالي الصوفي الأشعري.. وهو يعني أنه متأثر به.

المجرم: أنا لم أتألم لقتله، ولكني تألمت لكوني ذبحته بيدي.. كان يمكنني أن أقتله بطرق أخرى.

المرجئ: بل ما فعلته هو الصواب.. وهو فعل سلفنا الصالح.. فقد فعله الحاكم الصالح العادل خالد بن عبد الله القسري الذي كان واليا علي العراق لهشام بن عبدالملك، والذي سن سنة حسنة بذبح المبتدعة، فقد ذبح الجعد بن درهم بعد أن خرج به إلي مصلي العيد بوثاقه، ثم خطب الناس وقال: (أيها الناس! ضحوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسي تكليما)([6])، ثم نزل وذبحه.

وقد أثنى على سلوكه هذا كل سلفنا الصالح ومن تبعهم بإحسان، فقد قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين معقبا على ثناء ابن تيمية على خالد القسري: (جزاه الله خيرا، فالناس يضحون بالغنم والشاة والمعز والبعير والبقر.. وهذا ضحي بشر منها، فإنه شر من الإبل والغنم والحمير والخنازير، لأن الله يقول: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 6]، ويقول: { إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44]، وإني أسأل الآن: البعير عن سبع، والبقر عن سبع، وهذا الرجل عن كم.. عن آلاف آلاف وقي الله شرا كبيرا، لكن بعض الناس _ والعياذ بالله_ يقولون إن هذا العمل من خالد بن عبد الله القسري ليس دينا، ولكنه سياسي، ونقول لهم هذا كذب، لأن الرجل صرح أمام الناس أنه قتله من أجل هذه البدعة)

وقد مدح ابن القيم هذا السلوك العظيم من خالد القسري في (النونية) التي عرض فيها عقيدة السلف، فقال:

ولأجل ذا ضحي بجعد خالد الق سري يوم ذبائح القريان

إذ قال إبراهيم ليس خليله كلا *ولا موسي الكليم الداني

شكرا الضحية كل صاحب سنة *لله درك من أخي قربان

المجرم: لكن بقي خمسة من الناس أظن أني قتلتهم ظلما.. وأنه لا مبرر لي في ذلك.. فلم يكونوا من الصوفية ولا من الرافضة ولا من الجهمية ولا من داعميهم.

المرجئ: لا بأس.. سنجد لها حلا.. أخبرني ما كان مذهبهم الفقهي؟

المجرم: لقد كانوا من الشافعية..

المرجئ: الله أكبر.. الحمد لله.. أنت لم تفعل إلا الواجب.

المجرم: كيف ذلك؟

المرجئ: هل رأيتهم، وهم يصلون؟

المجرم:أجل.. وقد قتلتهم وهم يصلون.

المرجئ: لا يهم متى قتلتهم.. أخبرني فقط.. هل سمعتهم، وهم يتلفظون بالنية في الصلاة.

 المجرم: أجل.. لقد سمعتهم يذكرون وهم قائمون أنهم سيصلون الظهر لله تعالى.. ومع ذلك قتلتهم.

المرجئ: حسنا فعلت.. أنت بفعلك هذا طبقت فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد قال في (مجموع الفتاوى): (الجهر بلفظ النية ليس مشروعا عند أحد من علماء المسلمين ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فعله أحد من خلفائه وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها ومن ادعى أن ذلك دين الله وأنه واجب فإنه يجب تعريفه الشريعة واستتابته من هذا القول فإن أصر على ذلك قتل)([7])

 المجرم: الحمد لله رب العالمين.. ها قد تخلصت منهم جميعا.. وأنا الآن أشعر براحة نفسية لم أشعر بها في حياتي.. لكن فقط بقي شيء يؤرقني.

المرجئ: وما هو؟

المجرم: لقد أخطأت مرة، فصفعت بعض إخواننا من الفرقة الناجية.. وذلك قبل توبتي.

المرجئ: نعم هو خطأ كبير.. ولكن يمكنك أن تكفر عنه بسهولة.. اذهب إليه واطلب منه أن يبرئ ذمتك.

المجرم: لقد ذهبت إليه لكنه رفض أن يفعل.

المرجئ: لا بد أن تفعل كل ما استطعت لإرضائه حتى لو كلفك ذلك الكثير من أموالك.. أنت تعلم أن هذه معصية متعدية، ولا تنفع فيها التوبة المجردة..

المجرم: لا بأس.. سأفعل ذلك.. وسيحضر اليوم مجلسنا.. ولعلك تشفع لي عنده، وأنا مستعد لأن أعطيه كل ما يرغب فيه.

بعد أن انتهى المجرم من بث كل اعترافاته للمرجئ ذهبوا إلى قاعة حفلات كبيرة في القرية، حيث كان الناس ينتظرون قدوم الداعية الكبير.. لكنهم فوجئوا بحضوره مع المجرم.. فأراد بعضهم أن ينفض من المجلس، فأخذ المرجئ مكبر الصوت، وطلب من الجميع البقاء، وأنه سيوضح لهم كل شيء.

تقدم بعضهم، وقال: إن الذي أمامك مجرم كبير خرب القرية، وقتل أهلها، وأفسد شبابها.

قال المرجئ: قلت لكم اصبروا.. فأنا أعلم ذلك كله.. وسأبين لكم النظرة الشرعية لمثل هذه المسائل.. فلا ينبغي أن نتعامل مع الدين بعقولنا وأهوائنا..

ثم أخذ يتحدث ويورد من أقوال السلف والخلف في حرمة أصحاب المعاصي ونجاتهم وكونهم أفضل من المبتدعة، ويربط كل ذلك بالدين وبالآخرة إلى أن اقتنع أكثر الناس من أن صاحبهم المجرم هو أولى بالقرية من غيره.. وأنه لا يصح أن يشتروا إلا من دكاكينه.. ولا أن ينتخبوا لرئاسة القرية سواه.. ولا أن يقوموا بأي أمور من أمورهم دنياهم ودينهم قبل استشارته.. وأن كل من عارضه لا ثقة فيه ولا في دينه، فلا يروى عنه الحديث، ولا يسمع منه القرآن، ولا تقام الصلاة خلفه.

وقد شكل هؤلاء حلفا عظيما أثار القلاقل والفتن في القرية مما اضطر حاكمها السابق إلى التنازل عن وظيفته حفظا للدماء، وقد اعتبر ذلك اليوم الذي تنازل فيه يوم الجماعة..

ولا زلنا نحتفل به.. ولا نسأل أنفسنا: كيف تنازل ذلك التقي النقي الحكيم للمجرم؟ وأي أمة سمحت بذلك؟

لأننا دائما نتلقى إجابة واحدة من كل الأبواق التي نصبها المجرم بعد توليه، وهي أنه: لولا صلاحية المجرم لتولي الحكم لما تنازل له الحكيم.


([1])   الشرح والابانة /89

([2])   ذكره محقق السنة للبربهاري / 124 / ،وعزاه الى البيهقي في الاعتقاد : 158

([3])    كتاب الابانة / 469.

([4])   انظر كتاب الحلية / 9 – 111

([5])    كتاب المنهج الأحمد 1-296.

([6])   البخاري في (خلق أفعال العباد) ص 69.

([7])    مجموع الفتاوى:  ج 22 ص236.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *