الكاتمون

الكاتمون

من أخطر من وقف بين أهل الكتاب والإيمان برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما جاء به من هدي صنف من الدعاة إلى جهنم يمكن تسميتهم بالكاتمين.. وهم الذين يسكتون وقت الحاجة لأن يتكلموا.. ويترددون في وقت الحاجة لأن يعزموا.. ويواجهون الحقيقة بصنوف التأويل في الوقت الذي ينبغي أن يكونوا أول من يناصرها ويدافع عنها، باعتبارهم أعرف الناس بها.

وقد ذكر القرآن الكريم هذا الصنف، ومصيرهم الذي يؤولون إليه، فقال: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159]، وقال: {  إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [البقرة: 174]

ومن تلك الدوافع التي ذكرها القرآن الكريم بصيغ متعددة الحسد، قال تعالى: {  أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا } [النساء: 54، 55]

فأولئك الكاتمون الجاحدون أرادوا من فضل الله وكتابه وحكمته أن يكون في المحل الذي يحبون، وفي القبيلة التي يرغبون جاهلين أن { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [الأنعام: 124]

وقد كان قدوتهم في ذلك إبليس الذي رفض السجود لآدم حسدا وكبرا.. لأنه كان في نفسه يشعر أنه الأفضل والأكبر والأكثر علما والأكثر إشراقا.. ونسي أن الله هو الذي يحدد كل ذلك، وأنه ليس على العبد إلا الانصياع التام لما يريد الله.

وقد بقي هذا الاختبار ساريا في كل الأزمنة منذ إبليس، ومنذ بني إسرائيل إلى أن طرق أبواب هذه الأمة، تبعا لسنة الله التي لا تتبدل ولا تتغير.

وسأحكي لكم قصة عن قريتنا الجميلة المتواضعة، وكيف استطاع الكاتمون الحاسدون أن ينحرفوا بها، ويمنعوها من السجود للحق الذي وصلت إليه، ويعطوها بدله حقا مزيفا مختلطا ملأ حياتنا وحياة كل من حولنا بالصراع والألم..

في ذلك الحين أشرقت أنوار الحقيقة الجميلة على فتية طاهرين من القرية راحوا يبحثون في بطون الكتب، وينقبون في أسفار التاريخ إلى أن وجدوا لب المشكلة، وجرثومة الفساد، ومنبع الخطيئة، فراحوا يذكرون بها، ويدعون لها، ويبينون للناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما خرج من الدنيا إلا بعد أن بلغ كل ما أوحي إليه، ودلنا على الصراط المستقيم، ووضح لنا معالمه وسماته وأسسه والقائمين عليه.. وأن الانحراف ما دب للأمة إلا بعد أن أعرضت عن ذلك كله، واختارت لنفسها من تريد بدل أن تسلم لله ما يريد..

في ذلك الحين هب الملأ من رقدتهم، وأحسوا بأن عروشهم ستسقط لو استمر الأمر على ذلك، فلذلك أسرعوا إلى رجل هو أشبه الناس بالكاتمين من بني إسرائيل.. جيء به إلى القرية، وطلب منه أن يجري مناظرة مع شاب من شباب القرية، كان الجميع يحترمه لما يراه منه من سلوك طيب، ودين عميق.. ولكن الملأ فوجئوا به، وهو يحدث الناس عن الحكمة وبابها، وعن نهج البلاغة والمعاني العميقة التي يتضمنها، وقد مروا على بيته فسمعوه مع رفاق له يسمعون خطبة المتقين من نهج البلاغة، وهي تصور الشخصية المسلمة في قمة كمالها وجمالها، فازداد حنقهم وغضبهم، لكنهم لم يملكوا أن يفعلوا شيئا، فالشاب والشباب الذين اتبعوه كانوا أبناء لأعيان القرية، ومن أهل الفضل فيهم، ولهم تاريخ مشهود لا يستطيعون تجاوزه..

لذلك لجأوا إلى الحيلة التي استفادوها من أصحاب السبت، ومن تبعهم من سلفهم الصالح.. فأحضروا هذا الداعية ليقضي على البينات التي كان من خلالها يبث الشباب المتنورون تقويمهم لما اعوج من الدين.

سأحكي لكم بعض ما جرى، واحكموا بما تروه:

الكاتم: أنا في العادة قبل أن أبدأ أي حديث لي مع أي جهة أقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فهو رسولنا، ولا ينبغي أن نتجاوزه، ولا أن نقدم حديثنا على حديثه..

ولعل أهم حديث أحتاج إلى إيراده لك يا بني أنت ومن معك لتعدلوا عن السبيل الذي سلكتموه هو ما أسميه حديث (الصراط المستقيم)، وهو صحيح رواه أحمد والنسائي والدارمي وغيرهم عن ابن مسعود قال:  خط لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما خطا فقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمين الخط ويساره وقال: هذه سُبل، على كل سبيل منه شيطان يدعوه، ثم تلا:  { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [الأنعام: 153] يعني الخطوط التي عن يمينه ويساره.. فهذا الحديث يبين لنا أن سبيل الحق واحد، وسبل الشيطان متعددة، وأن الحق قد يختلط بالباطل حتى يتوهم الناس أنه الحق.

الشاب: بورك فيك سيدنا.. ونحن معك في هذا، بل لم نبحث فيما بحثنا فيه إلا لحرصنا على هذا، فقد خشينا أن نكون من الذين سلكوا طرق الغواية، وهم يظنون أنهم سلكوا طرق الهداية..

الكاتم: لقد وضح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طريق الهداية بوضوح عندما قال في الحديث الذي رواه رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: (من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي)، وفي بعض الروايات: هي الجماعة.. وهذا يدل على أن الالتزام بمنهج الصحابة وأقوالهم والرجوع لأي واحد منهم كفيل بضمان السير على الصراط المستقيم.

الشاب: بورك فيك سيدنا، ولو أن هذا الحديث فيه إشكالات كبيرة من جهة سنده، وقد بحثنا في ذلك فوجدنا أن مداره على محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، ومن قرأ ترجمته في (تهذيب الكمال) للمزي وفي (تهذيب التهذيب) لابن حجر علم أن الرجل متكلم فيه من قبل حفظه، وأن أحدًا لم يوثقه بإطلاق، وكل ما ذكروه أنهم رجحوه على من هو أضعف منه.. وهذا يقتضي منا الحذر، والبحث من جديد لعلنا نجد وصايا أخرى نتعلق بها للتحقق بماهية الصراط المستقيم الذي حض عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي ينسجم مع المنطق والعقل والحكمة.

الكاتم:ما تعني؟

الشاب: نحن في العادة إذا غاب عمدة القرية ترك من يخلفه فيها.. ولا يقول لأهل القرية جميعا: كلكم خلفائي إلا إذا كان على سبيل المجاز.. أما الحقيقة فإنه لا يمكن أن ينتظم أمر دين الناس أو تنتظم وحدتهم، وهم يجدون من يدلهم على السبل المختلفة..

إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعونا إلى التزام صراط واحد.. وما ذكرته من الرجوع لأي صحابي لن ينشأ عنه إلا الخلاف والفرقة وتفتت الأمة.. هذا هو المنطق.. لأن كل شخص ولو رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرة واحدة، ولو لم يفقه من الدين شيئا يصبح له من الغرور ما يزعم لنفسه به أنه أعلم من الدين من السابقين الذين رباهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عينه.

الكاتم: لا يؤخذ الدين يا بني بالعقل.. بل يؤخذ من النصوص المعصومة..

الشاب: لدي بحمد الله منها الكثير.. وأنا ما دعوت إلى ما دعوت إليه إلا بعد البحث والنظر المعمق فيها سندا ومتنا، وغير ذلك.. فوجدتها كلها متعاونة في تحقيق ذلك.

الكاتم: فهلم بها.

الشاب: لقد وردت الوصايا الكثيرة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأهل بيته الذين حددهم بدقة متناهية، واعتبرهم متمسكين بحبل الله، وأنهم لن يتركوه أبدا، فقد ورد في الحديث المتواتر: (إنّي تركت فيكم ما إنْ تمسّكتم به لنْ تضلّوا بعدي : كتاب اللّه حبلٌ ممدودٌ مِن السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولنْ يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما)([1])

الكاتم: الحديث ليس مرويا هكذا.. إنما الحديث هو: (إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما أبداً كتاب الله وسنتي)

الشاب: أنتم تقدمون عادة الحديث الأصح على الحديث الصحيح.. فكيف بكم تقدمون الحديث الضعيف على الحديث المتواتر؟

الكاتم: ما تقول؟

الشاب: إن الحديث الذي ذكرته ضعيف، وقد رواه مالك بلا سند، ومثله لا يحتج به.

الكاتم: لا بأس.. ولكن الحديث الذي ذكرته، وإن كان متواترا، فهو لا يدل على ما تريده منه.. هو فقط يدعو إلى الاهتمام بهم ومحبتهم دون اعتبارهم أوصياء على الدين، أو حافظين للصراط المستقيم؟

الشاب: أنا لم أجد ذلك الحديث فقط.. بل وجدت أحاديث كثيرة كلها تؤكد تلك الوصية، وهي منقولة بالتواتر، لقد ورد في الحديث بعد عودته صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع، ووصوله إلى مكان يسمى غدير خم قرب الجحفة جنوب المدينة.. هناك أمر الحجاج الذين معه بالتوقف ، وعددهم حوالي عشرة آلاف من الصحابة، وفيهم صفوتهم من المهاجرين والأنصار.. ثم أمر بانتظار المتأخرين من الناس ورد من فات عن هذا الموضع.. حتى عاد الفائت ووصل المتأخر ثم خطب مودعاً، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال :(أما بعد.. أيها الناس إنما أنا بشر يوشك ان يأتيني رسول ربي عز وجل فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله عز و جل فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله تعالى واستمسكوا به..  فحث على كتاب الله ورغب فيه.. [ثم] قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي.. أذكركم الله في أهل بيتي.. أذكركم الله في أهل بيتي)، ثم قال: ( ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا بلى! قال من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه)([2]).. هل تتصور أن كل هذه التوجيهات والإعدادات من أجل أن يطلب من الناس محبتهم.. أم أن الأمر له علاقة بالدين والسلوك والحياة جميعا؟

الكاتم: أنت لا تعلم موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الحديث الذي ذكرته، فقد ضعف قسمه الأول (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه)، وحكم بالوضع والكذب على قسمه الثاني اللهمّ والِ مَن والاه وعادِ من عاداه)([3]).. وبذلك سقطت حجتكم.

الشاب: ليس بالسهولة تسقط الحجج يا شيخ.. فعلم الحديث واسع.. ولا تكفي فيه مقولة ابن تيمية.

الكاتم: ألم تسمع ما قال العلماء في شيخ الإسلام، وأن من علامات وضع الحديث عدم معرفته به.

الشاب: بلى سمعت بذلك.. ولكني سمعت أيضا من ابن حجر قوله: (طالعت الردّ المذكور [يعني: منهاج السنّة لابن تيمية] لكن وجدته كثير التحامل إلى الغاية في ردّ الأحاديث التي يوردها ابن المطهر، وإن كان معظم ذلك من الموضوعات والواهيات، لكنّه ردّ في ردّه كثيراً من الأحاديث الجياد التي لم يستحضر حالة التأليف مظانّها، لأنّه كان لاتّساعه في الحفظ يتّكل على ما في صدره، والإنسان عامد للنسيان، وكم من مبالغة لتوهين كلام الرافضي أدته أحياناً إلى تنقيص علي رضي الله عنه)([4])

الكاتم: ابن حجر أشعري فيه ميول صوفية.. لذلك لا يؤتمن على الحديث.

الشاب: فما تقول في الألباني؟

الكاتم: هو نعم الرجل.. هو تلميذ شيخ الإسلام النجيب.

الشاب: فقد صحّح الألباني الحديث بجزئيه، وقال بعدها: (قد كان الدافع لتحرير الكلام عن الحديث وبيان صحّته أنّني رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قد ضعّف الشطر الأوّل من الحديث، وأمّا الشطر الآخر فزعم أنّه كذب!! وهذا من مبالغته الناتجة في تقديري من تسرعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها ويدقّق النظر فيها، والله المستعان)([5])

الكاتم: حتى لو فرضنا صحته، فليس فيه أي مزية لعلي على غيره، حتى يتبع من دونهم، لقد قال

الشاب: لا بأس.. فقد ورد في حديث آخر ما يبين أن لعلي منزلة خاصة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توازي منزلة هارون من موسى، ففي الحديث الذي رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب؟ فقال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنّ له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلن أسبّه، لاَن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حُمر النعم، سمعت رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلميقول له ـ وقد خلفه في بعض مغازيه ـ فقال له علي: يا رسول الله خلَّفتَني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي؟

وسمعته يقول يوم خيبر: (لأُعطين الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله)، فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليّاً; فأُتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه.

ولمّا نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَكُمْ)دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللهم هؤلاء أهلي)

الكاتم: كل ذلك لا شيء.. هي مجرد تطييبات لخاطره لأن بعض الناس كانوا يؤذونه، فراح يدافع عنه.. لو قرأت كتب شيخ الإسلام لفهمت سر كل حديث من تلك الأحاديث.

الشاب: ولكن تلك الأحاديث واضحة جيلة، وهي كلان نبي لا ينطق عن الهوى.

الكاتم: لا بأس.. فلنسلم لك بتلك الأحاديث.. لكن فضائل علي كفضائل لغيره من الصحابة.. بل ورد في غيره من الفضائل ما لم يرد فيه.. فلم تعمي بصرك عنها؟

الشاب: ما تقول في الإمام أحمد بن حنبل هل هو رافضي، أو لديه ميول رافضية؟

الكاتم: ويلك يا رجل.. الإمام أحمد هو إمام أهل السنة، شتان ما بينه وبين الرفض.

الشاب: ولذلك سأدعه ليجيبك هو عن مسألتك.. لقد قال، وهو المحدث الجليل: (ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الفضائل ما جاء لعلي)([6])، وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي فقلت: ما تقول في علي ومعاوية؟ فأطرق ثم قال: (إيش أقول فيهما؟إنّ علياً كان كثير الأعداء، ففتش أعداؤه له عيباً فلم يجدوا، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطرَوه كياداً منهم له)([7])

وقد علق ابن حجر على هذا بقوله: (فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل ممّا لا أصل له، وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة لكن ليس فيها ما يصحّ من طريق الإسناد، وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما)([8])

لم يجد الكاتم ما يقول إلا أنه وجد ما يفعل.. لقد ذهب إلى المحل الذي يجتمع فيه أهل القرية، وراح يحكم بالتكفير والضلال والبدعة على الشاب، وكل من اتبعه، ويأمر الملأ بالحزم معهم، وألا تكف المنابر عن سبهم ولعنهم.. وقد استند في كل ذلك إلى فعل سلفه الصالح.

وقد أصاب الشاب وإخوانه من المتنورين المتحررين ما أصابهم من أنواع البلاء الذي جعله الله ضريبة على من يحب أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.


([1])     الحديث متواتر، وقد ورد بصيغ كثيرة رواه أحمد ومسلم والترمذي وغيرهم، وقد نص الألباني على صحته انظر حديث رقم : 2458 في صحيح الجامع.

([2])     الحديث ورد بصيغ كثيرة وهو متواتر ومروي في كثير من كتب السنة.

([3])    منهاج السنة: 7 / 319.

([4])    لسان الميزان:6/319ـ 320.

([5])    الأحاديث الصحيحة:4/330، الحديث 1750.

([6])    المستدرك على الصحيحين:3/107..

([7])    الموضوعات لابن الجوزي: 2/24..

([8])    فتح الباري:7/104.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *