القحطاني.. وسنة الحقد

القحطاني.. وسنة الحقد

في اليوم السابع عشر من زياته لي جاءتني دعوة للحضور إلى أمسية شعرية تقام في بعض مراكزنا الثقافية، وقد كانت المؤسسة الداعية إليها والراعية لها عجيبة في نظري، فقد كانت مؤسسة وهابية ممتلئة غلظة، فتعجبت كيف لانوا للشعر، أو كيف لان لهم الشعر.

قلت في نفسي: لعل الله الذي ألان الحديد لداود ألان من نفوسهم ما كان صعبا، ومن قلوبهم ما كان قاسيا.

ثم قلت لنفسي: فلأصحب معي صاحبي الوهابي، فعساه يخفف من حدته وشدته وغلظته عليهم.

ذهبنا جميعا إلى الأمسية الشعرية التي لم نكن نتصور أبدا أنها تتحول إلى أمسية حقدية.. وقد انتهت بما تنتهي به مجالس الوهابية عادة من السباب المضاف إليه بعض السهام التي أصابتني، وأصابت معي صاحبي الوهابي، والتي نقلنا بسببها إلى المستشفى، وتوقفنا بسببها مدة عن مجالس الاعتراف التي يدلي بها إلي.

كان اسم الشاعر – كما ذكر في تعريفه – غريبا جدا، وكأنه جاء من القرون الخوالي، كان اسمه (أبو عبد الله محمد بن صالح القحطاني المعافري الأندلسي)([1])

وكان مظهره أغرب منه، فقد كان أقرب إلى السفاحين وقطاع الطرق منه إلى الشعراء.. بل إنه أضاف إلى القسوة البادية على ملامحه سيفا كان يختصره، وبجانبه خنجر، وقد علق على كاهله قوسا ومعها كنانة ملئت سهاما..

كان مظهره مضحكا جدا، ومخيفا جدا.. ولذلك فقد كتب في الإعلان عن الأمسية أن لا يحضر النساء ولا الصبيان ولا المجانين.. ولست أدري لم استثني المجانين.

المهم أن الجلسة بدأت، وأخذ الشاعر السفاح يلقي بقنابل شعره بصوت مدو كصوت المدافع، وكان يطلب من الحاضرين كل حين أن يستحسنوا ما يقوله بطريقة هي أشبه بالتهديد منها بالرجاء.

كان من جملة ما شدني إلى شعره ذلك الحقد الشديد على المخالف، فقد كان معنا نفر من المعتزلة دعوا كما دعينا، وقد تعجبت كيف دعوا.. ولكني عندما رأيته يتوجه إليهم بهذه الكلمات أو هذه القنابل عرفت سر دعوتهم لهم، لقد قال وهو ينظر إليهم بحقد وقسوة، وكأنه يغري بهم السفهاء من الوهابية:

مَنْ قَالَ: إِنَّ اللهَ خَالِقُ قَوْلِهِ
 
فَقَدِ اسْتَحَلَّ عِبَادَةَ الأوْثَانِ
  
مَنْ قَالَ: فِيهِ عِبَارَةٌ وَحِكَايَةٌ
 
فَغَداً يُجَرَّعُ مِنْ حَمِيمٍ آنِ
  
مَنْ قَالَ: إِنَّ حُرُوفَهُ مَخْلُوقَةٌ
 
فَالْعَنْهُ، ثُمَّ اهْجُرْهُ كُلَّ أَوَانِ
  
لاَ تَلْقَ مُبْتَدِعاً وَلاَ مُتَزَنْدِقاً
 
إِلاَّ بَعَبْسَةِ مَالكِ الْغَضْبَانِ
  
وَالْوَقْفُ فِي الْقُرْآنِ خُبْثٌ بَاطِلٌ
 
وَخِدَاعُ كُلِّ مُذَبْذَبٍ حَيْرَانِ
  
قُلْ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَلاَمُ إِلَهِنَا
 
وَاعْجَلْ، وَلاَ تَكُ فِي الإِجَابَةِ وَانِ
  
أَهْلُ الشَّرِيعَة أَيْقَنُوْا بِنُزُولِهِ
 
وَالْقَائِلُونَ بِخَلْقِهِ شَكْلاَنِ
  
وَتَجَنَّبِ اللَّفْظَيْنِ، إِنَّ كِلَيْهِمَا
 
وَمَقالُ جَهْمٍ عِنْدَنَا سَيَّانِ
  

ثم نظر إلى قوم من الحاضرين اشتهروا بين الناس بنصرة العقائد، والذب عنها، واستعمال المناهج العقلية في ذلك، فقال:

لاَ تَلتَمِسْ عِلْمَ الْكَلاَمَ، فَإِنَّهُ
 
يَدْعُو إِلَى التَّعْطِيلِ وَالْهَيَمَانِ
  
لاَ يَصْحِبِ الْبِدْعيُّ إِلاَّ مِثْلَهُ
 
تَحْتَ الدُّخَانِ تَأَجُّجُ النِّيرَانِ
  
عِلْمُ الْكَلاَمِ وَعِلْمُ شَرْعِ مُحَمَّدٍ
 
يَتَغَايَرَانِ، وَلَيْسَ يَشْتَبِهَانِ
  
أَخذُوا الْكَلاَمَ عَنِ الْفَلاَسِفَةِ الأُولَى
 
جَحَدُوا الشَّرَائِعَ غَرَّةً وَأَمَانِ
  
حَمَلُوا الأَمُورَ عَلَى قِياسِ عُقُولِهِمْ
 
فَتَبَلَّدُوا كَتَبَلُّدِ الْحَيْرَانِ
  

ثم نظر إلى نفر من طلبة المعاهد الدينية ممن كانوا يلقبون بالأشاعرة، وراح يرمي إليهم بهذه القنابل:

وَالآنَ أَهْجُو الأَشْعَرِيَّ وحِزْبَهُ
 
وَأَذِيعُ مَا كَتَمُوا مِنَ الْبُهْتَانِ
  
يَا أَشْعَرِيَّةُ هَلْ شَعَرْتُمْ أَنَّنِي
 
رَمَدُ الْعُيونِ، وَحِكَّةُ الأَجْفَانِ
  
أَنَا فِي كُبُودِ الأَشْعَرَيَّةِ قَرْحَةٌ
 
أَرْبُو فَأَقتُلُ كُلَّ مَنْ يَشْنَانِي
  
وَلَقَدْ بَرَزْتُ إِلَى كِبَارِ شُيُوخِكُمْ
 
فَصَرَفتُ مِنهُمْ كُلَّ مَنْ نَاوَانِي
  
أَشَعَرْتُمُ يَا أَشْعَرَيَّةُ أَنّنِي
 
طُوفَانُ بَحْرٍ أَيُّمَا طُوفَانِ؟
  
أَنَا هَمُّكُمْ، أَنَا غَمُّكُمْ، أَنَا سُقْمُكُمْ
 
أَنَا سُمُّكُمْ فِي السِّرِّ وَالإِعْلاَنِ
  
فَوَحَقِّ جَبَّارٍ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى
 
مِنْ غَيْرِ تَمْثِيلٍ كَقَوْلِ الْجَانِي
  
وَوَحَقِّ مَنْ خَتَمَ الرِّسَالَةَ وَالْهُدَى
 
بِمُحَمَّدٍ، فَزَهَا بِهِ الْحَرَمَانِ
  
لأَقْطِّعَنَّ بِمِعْوَلِي أَعْرَاضَكُمْ
 
مَا دَامَ يَصْحَبُ مُهْجَتِي جُثْمَانِي
  
وَلأَهْجُوَنَّكُمُ وَأَثْلِبُ حِزْبَكُمْ
 
حَتَّى تُغَيِّبَ جُثَّتِي أَكْفَانِي
  
وَلأَهْتِكَنَّ بِمَنْطِقِي أَسْتَارَكُمْ
 
حَتَّى أُبَلِّغَ قَاصِياً أَوْ دَانِي
  
وَلأَهْجُوَنَّ صَغِيرَكُمْ وَكَبِيْركُمْ
 
غَيْظاً، لِمَنْ قَدْ سَبَّنِي وَهَجَانِي
  
وَلأَنْزِلَنَّ بِكُمْ أَلِيمَ صَوَاعِقِي
 
وَلَتُحْرِقَنَّ كُبُودَكُمْ نِيرَانِي
  
وَلأَقْطَعَنَّ بِسَيفِ حَقِّي زُورَكُمْ
 
وَلَيُخْمِدَنَّ شُوَاظَكُمْ طُوفَانِي
  
وَلأَقْصِدَنَّ اللهَ فِي خِذْلاَنِكُمْ
 
وَلَيَمْنَعَنَّ جَمِيعَكُمْ خِذْلاَنِي
  
وَلأَحْمِلَنَّ عَلَى عُتَاةِ طُغَاتِكُمْ
 
حَمْلَ الأُسُودِ عَلَى قَطِيعِ الضَّانِ
  
وَلأَكْبُتَنَّ إِلَى الْبِلاَدِ بِسَبِّكُمْ
 
فَيَسِيرُ سَيْرَ الْبُزْلِ بِالرُّكْبَانِ
  
وَلأَضْرِبَنَّكُمُ بِصَارِمِ مِقْوَلِي
 
ضَرباً يُزَعْزِعُ أَنْفُسَ الشُّجْعَانِ
  

ثم نظر إلى جماعة من الفقهاء، فقال:

الْفِقْهُ مُفْتَقرٌ لِخَمْسِ دَعَائِمٍ
 
لَمْ يَجتَمِعْ مِنْهَا لَكُمْ ثِنْتَانِ :
  
حِلْمٌ، وَإِتْبَاعٌ لِسُنَّةِ أَحْمَدٍ
 
وَتُقىً، وَكَفُّ أَذىً، وَفَهْمُ مَعَانِ
  
آثَرْتُمُ الدُّنْيَا عَلَى أَدْيَانِكُمْ
 
لاَ خَيْرَ فِي دُنْيَا بِلاَ أَدْيَانِ
  
وَفَتَحْتُمُ أَفْوَاهَكُمْ وَبُطُونَكُمْ
 
فَبَلَعْتُمُ الدُّنْيَا بِغَيْرِ تَوَانِ
  
كَذَّبْتُمُ أَقْوَالَكُمْ بِفِعَالِكُمْ
 
وَحَمَلتُمُ الدُّنْيا عَلَى الأَدْيَانِ
  

ثم نظر إلى جماعة من قراء القرآن الكريم وحفاظه، وقال:

قُرَّاؤُكُمْ قَدْ أَشْبَهُوا فُقَهَاءَكُمْ
 
فِئَتَانِ لِلرَّحْمَنِ عَاصِيَتَانِ
  
يَتكَالَبَانِ عَلَى الْحَرَامِ وَأَهْلِهِ
 
فِعْلَ الْكِلاَبِ بِجِيفَةِ اللُّحْمَانِ
  
أَزَعَمْتُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ عِبَارَةٌ
 
فَهُمَا كَمَا تَحْكُونَ قُرْآنَانِ؟
  

ثم نظر إلى جماعة من المحبين لآل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال:

لاَ تَعْتَقِدْ دِينَ الرَّوَافِضِ إِنَّهُمْ
 
أَهْلُ الْمَحَالِ وَشِيعَةُ الشَّيْطَانِ
  
إِنَّ الرَّوَافِضَ شَرُّ مَنْ وَطِئَ الْحَصَى
 
مِنْ كُلِّ إِنْسٍ نَاطِقٍ أَوْ جَانِ
  
وَالْعَنْ زَنادِقَةَ الرَّوَافِضِ إِنَّهُمْ
 
أَعْنَاقُهُمْ غُلَّتْ إِلَى الأَذْقَانِ
  
جَحَدُوا الشَّرائِعَ وَالنُّبُوَّةَ وَاقْتَدَواْ
 
بِفَسَادِ مِلَّةِ صَاحِبِ الإِيوَانِ
  
لاَ تَرْكَنَنَّ إِلَى الرَّوافِضِ إِنَّهُمْ
 
شَتَمُوا الصَّحَابَةَ دُونَ مَا بُرْهَانِ
  

ثم نظر إلى جماعة من علماء الفلك والجغرافيا دعوا إلى ذلك المجلس، وقال:

وَكَذَا الطَّبِيعَةُ لِلشَّرِيعَةِ ضدُّهَا
 
وَلَقَلَّ مَا يَتَجَمَّعُ الضِّدَّانِ
  
وَإِذَا طَلَبْتَ طَبَائِعاً مُستْسِلماً
 
فَاطْلُبْ شُوَاظَ النَّارِ فِي الْغُدْرَانِ
  
عَلْمُ الْفَلاَسِفَةِ الْغَوَاةِ طَبِيعَةٌ
 
وَمَعَادُ أَرْوَاحٍ بِلاَ أَبْدَانِ
  
لَوْلاَ الطَّبِيعَةُ عِندَهُمْ وَفِعَالُهَا
 
لَمْ يَمْشِ فَوْقَ الأَرْضِ مِنْ حَيَوَانِ
  
وَالْبَحْرُ: عُنْصُرُ كُلِّ مَاءٍ عِنْدَهُمْ
 
وَالشَّمْسُ أَوَّلُ عُنْصُرِ النِّيرَانِ
  
وَالْغَيْثُ: أَبْخِرَةٌ تَصَاعَدَ كُلَّمَا
 
دَامَتْ بِهَطْلِ الْوَابِلِ الْهَتَّانِ
  
وَالرَّعْدُ عِنْدَ الْفَيْلَسُوفِ بِزَعْمِهِ :
 
صَوْتُ اصْطِكَاكِالسُّحْبِ فِي الأَعْنَانِ
  
وَالْبَرْقُ عِنْدَهُمُ: شُوَاظٌ خَارِجٌ
 
بَيْنَ السَّحَابِ يُضِيءُ فِي الأَحْيَانِ
  
كَذِّبْ أَرِسْطَالِيسَهُمْ فِي قَوْلِهِ
 
هَذَا، وَأَسْرَفَ أَيَّمَا هَذَيَانِ
  
الْغَيْثُ يُفَرَغُ فِي السَّحابِ مِنْ السَّما
 
وَيَكِيلُهُ مِيكَالُ بالْمِيزَانِ
  
لاَ قَطْرَةٌ إِلاَّ وَيَنْزِلُ نَحْوَهَا
 
مَلَكٌ إِلَى الآكَامِ وَالفَيْضَانِ
  
وَالرَّعْدُ: صَيْحَةُ مَالكٍ وَهُوَ اسْمُهُ
 
يُزْجِي السَّحَابَ كَسَائِقِ الأَظْعَانِ
  
وَالْبَرْقُ: شُوظُ النَّارِ يَزْجُرُهَا بِهِ
 
زَجْرَ الْحُدَاةِ الْعِيسِ بِالقُضْبَانِ
  
أَفَكَانَ يَعْلَمُ ذَا أرِسْطَالْيسُهُمْ
 
تَدْبِيرَ مَا انْفَرَدَتْ بِهِ الْجِهَتَانِ؟
  
أَمْ غَابَ تَحْتَ الأَرْضِ، أَمْ صَعِدَ السَّمَا
 
فَرَأَى بِهَا الْمَلَكُوتَ رَأَيَ عِيَانِ؟
  
أَمْ كَانَ دَبَّرَ لَيِلَهَا وَنَهَارَهَا؟
 
أَمْ كَاَن يَعْلَمُ كَيْفَ يَخَتَلِفَانِ؟
  
أَمْ سَارَ بَطْلَيْمُوسُ بَيْنَ نُجُومِهَا؟
 
حَتَّى رَأَى السَّيَّارَ وَالْمُتَوَانِي؟
  
أَمْ كَانَ أَطْلَعَ شَمْسَهَا وَهِلاَلَهَا؟
 
أَمْ هَلْ تَبَصَّرَ كَيْفَ يَعْتَقِبَانِ؟
  
أَمْ كَانَ أَرْسَلَ رِيحَهَا وَسَحَابَهَا
 
بِالْغَيْثِ يَهْمِلُ أَيَّمَا هَمَلاَنِ؟
  
بَلْ كَانَ ذَلِكَ حِكْمَةَ اللهِ الَّذِي
 
بِقَضَائِهِ مُتَصَرَّفُ الأَزْمَانِ
  

وهكذا ظل يتردد من قوم إلى قوم يهجوهم، ويسبهم، ولا يترك شيئا يمكنه أن يسيء إليهم إلا نطق به إلى أن طفح الكيل، فوقف صاحبي الوهابي، وقد اعترته الحمية، وراح يهجوه بمثل ما يهجو به غيره، فصوب سهما من كنانته إليه، فقمت أحميه، فصوب سهما آخر، ولم نفطن بعدها إلا ونحن في المستشفى.. ولا زلنا فيه.


([1])    قال أحمد بن المقري التلمساني في (نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب) في ترجمته: هو أبو عبد الله محمد بن صالح القحطاني، المعافري الأندلسي المالكي رحل إلى المشرق فسمع بالشام خيثمة بن سليمان، وبمكّة أبا سعيد ابن الأعرابي، وببغداد إسماعيل بن محمد الصفّار، وسمع بالمغرب بكر ابن حماد التّاهرتي ومحمد بن وضاح وقاسم بن أصبغ، وبمصر جماعة من أصحاب يونس و المزني. روى عنه أبو عبد الله الحاكم وقال: اجتمعنا به بهمذان، مات ببخارى سنة 383، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع وسبعين.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *