الفصل الرابع: الجزاء الإلهي.. وتجليات العدالة والرحمة

الفصل الرابع

الجزاء الإلهي.. وتجليات العدالة والرحمة

من أهم القوانين التي ينبني عليها الكون، ولا يمكن لأحد أن يجادل فيها، لأن الجميع عاشها في نفسه، وشاهدها في غيره، وربما تألم لها مدة طويلة من الزمن، وربما فرح لها كذلك، ما يمكن أن نطلق عليه [قانون الجزاء]

وهو قانون عام شامل يقر به كل العلماء، سواء اختصوا بعلوم المادة والكون أو بما يطلق عليه العلوم الإنسانية.

فعلماء الفيزياء كلهم يتفقون على القانون الثالث من قوانين الحركة لنيوتن، والذي ينص على العلاقة بين الفعل ورد الفعل، أو ما يمكن أن نطلق عليه ـ بحسب المصطلح الذي اخترناه ـ [الفعل والجزاء]

حيث ينص القانون على أنّ لكل قوة فعل قوة رد فعل مساوية لها في المقدار، ومعاكسة لها في الاتجاه، وبناء على ذلك فإنّ قوة ردّ الفعل الناتجة من دفع عربة للأمام مساوية لقوة الفعل الدافعة، ولكنها تكون باتجاه معاكس لتلك القوة.

وهكذا يذكر علماء النفس الآثار الناتجة عن المواقف والسلوكات المختلفة، وخاصة تلك التي يمر بها الإنسان في فترة طفولته، والتي قد تؤثر على جميع حياته.. وهي بذلك نوع من الجزاء على تلك المواقف والسلوكات.

وهكذا يذكر علماء الاجتماع الأعراف الاجتماعية، وآثارها على المواقف المختلفة لكل مجتمع.. وهم بذلك يعبرون عن الجزاء المتعلق بتلك الاختيارات التي اختارها المجتمع لنفسه.

وهكذا نجد الإعلاميين يذكرون عند حديثهم عن أركان العملية الاتصالية ما يعبرون عنه بـ [رجع الصدى]، ويقصدون به تقمص المستقبل لدور المرسل أو المصدر، نتيجة للآثار التي أحدثتها فيه رسالة المرسل.. والمرسل يستدل بذلك على أن الرسالة التي قام بإرسالها لتحقيق هدف معين، قد وصلت إلى الغاية المنشودة، ويعرف من خلاله مدى قبولها ورفضها.

وهكذا نجد الجزاء في كل عمل نقوم به، فإن وضع أحدنا يده على التيار الكهربائي، أحس بأثره عليه، وربما يصعق لذلك، بحسب قوة ذلك التيار، وربما يحدث فيه إعاقة طويلة أو دائمة، مع كون ذلك المس لم يستغرق منه سوى ثوان معدودة.

وبناء على هذا كله فإن العقل يقر بمعقولية الجزاء، وأنه شيء طبيعي، ولهذا يحكم بالغفلة والبله لا على تلك القوانين التي تسير بها الطبيعة والمجتمع، وإنما على الشخص الذي يريد أن ينال جزاء أعمال لم يقم بها، أو يتفادى عقوبات لأعمال قام بها.

ولهذا نسمع جميعا تلك العبارة التي تقول [القانون لا يحمي المغفلين]، وهو يعني بذلك أن قوانين العقوبات التي وضعها البشر لما رأوه فيها من المصلحة لا تحمي الجاهلين بها، ما دامت قد نشرت على الرأي العام، وسمعها الجميع؛ فإن تذرع أحد بالجهل بها، لم يعذر بجهله.

وبناء على هذا اتفقت الأديان جميعا على وجود [الجزاء الإلهي] الخاص بأعمال الدنيا، وخاصة تلك التي لم ينل أصحابها أي جزاء، تطبيقا لذلك القانون، وتعميما له.

بل إن كل من بحث في المعاد من الفلاسفة وغيرهم اعتبر قانون الجزاء من أكبر القوانين الدالة على المعاد، وخاصة لأولئك الذين يؤمنون بالله، وقد قال بديع الزمان النورسي في بعض إشاراته لذلك: (أمن الممكن لربّ هذا العالم ومالكه الذي أظهر بآثاره كرما بلا نهاية، ورحمة بلا نهاية، وعزة بلا نهاية، وغيرة بلا نهاية، أن لا يقدّر مثوبةً تليق بكرمه ورحمته للمحسنين، ولا يقرر عقوبةً تناسب عزته وغيرته للمسيئين)([1])

ويقول في إشارة أخرى: (أمن الممكن لخالق ذي جـلال أظهر ســـلطان ربــوبـيـتـه بتـدبيـر قـانــون الوجــود ابـتــداء من الذرات وانتهاء بالمجرات، بغاية الحكمة والنـظام وبمنتهى العدالـة والميزان.. أن لا يعامِل بالإحســان من احتـموا بتـلك الربوبيـة، وانقادوا لتلك الحكمة والعدالة، وأن لا يجازي أولئـك الذيــن عصَـوا بكفرهم وطغيانهم تلك الحكمةَ والعدالــة.. بينما الإنسان لا يَلقى ما يستحقه من الثواب أو العقاب في هذه الحياة الفانية على وجه يليق بتلك الحكمة وتلك العدالة إلاّ نادرا، بل يؤخَّر، إذ يرحل أغلبُ أهل الضلالة دون أن يلقوا عقابهم، ويذهب أكثرُ أهل الهداية دون أن ينالوا ثوابهم.. فلابد أن تُناط القضيةُ بمحكمة عادلة، وبلقاءٍ آيل إلى سعادة عظمى) ([2])

ولذلك فإن الفطرة السليمة التي ترى الجزاء أمامها في كل شيء.. بل لا ترى حياتها إلا ثمرة للتصرفات التي تقوم بها، لا تستبعد وجود دار خاصة للجزاء، لأن الذي أبدع الدنيا هو نفسه الذي أبدع الأخرى، والقوانين في الجميع ثابتة.

بل إن الفطرة السليمة يمكنها أن تكتشف أنواع الجزاء المعدة في الآخرة، وكونها متناسبة تماما مع أعمال الدنيا..ولذلك يمكنها أن تعرف أن هناك جنة أو دار جزاء للمحسنين، كما أن هناك نارا، أو دار جزاء للمسيئين.

ويمكنها أن تكتشف أن كلا الدارين مختلفتين في المراتب، وأنواع الجزاء، وذلك بحسب الأعمال التي قام بها من جوزي بتلك الأنواع من الأجزية.

وهذا كله ما تذكره المصادر المقدسة للأديان جميعا، والتي تتفق على أن عدالة الله ورحمته وتربيته لخلقه تقتضي وجود محل خاص للجزاء، أو زمن خاص به.

ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في الكتاب المقدس، سواء ذلك الذي يعتمده المسيحيون فقط، أو يعتمده معهم اليهود، فقد ورد في (جامعة 11: 9): (اِفْرَحْ أَيُّهَا ٱلشَّابُّ في حَدَاثَتِكَ، وَلْيَسُرَّكَ قَلْبُكَ فِي أَيَّامِ شَبَابِكَ وَٱسْلُكْ فِي طَرِيقِ قَلْبِكَ وَبِمَرْأَى عَيْنَيْكَ، وَٱعْلَمْ أَنَّهُ عَلَى هٰذِهِ ٱلأُمُورِ كُلِّهَا يَأْتِي بِكَ ٱللّٰهُ إِلَى ٱلدَّيْنُونَةِ)

وفي (جامعة 12: 14): (لأَنَّ ٱللّٰهَ يُحْضِرُ كُلَّ عَمَلٍ إِلَى ٱلدَّيْنُونَةِ، عَلَى كُلِّ خَفِيٍّ، إِنْ كَانَ خَيْراً أَوْ شَرّاً)

وفي (دانيال 12: 2): (وَكَثِيرُونَ مِنَ ٱلرَّاقِدِينَ فِي تُرَابِ ٱلأَرْضِ يَسْتَيْقِظُونَ، هَؤُلاَءِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ ٱلأَبَدِيَّةِ وَهَؤُلاَءِ إِلَى ٱلْعَارِ لِلٱِزْدِرَاءِ ٱلأَبَدِيِّ)

وفي (مرقس 9: 43): (خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ ٱلْحَيَاةَ أَقْطَعَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ يَدَانِ وَتَمْضِيَ إِلَى جَهَنَّمَ، إِلَى ٱلنَّارِ ٱلَّتِي لاَ تُطْفَأُ)

وفي (متّى 18: 8): (فَإِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ أَوْ رِجْلُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ ٱلْحَيَاةَ أَعْرَجَ أَوْ أَقْطَعَ مِنْ أَنْ تُلْقَى فِي ٱلنَّارِ ٱلأَبَدِيَّةِ وَلَكَ يَدَانِ أَوْ رِجْلاَنِ)

وفي (متّى 5: 22): (مَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ ٱلْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ)

وفي (متّى 7: 13): (اُدْخُلُوا مِنَ ٱلْبَابِ ٱلضَّيِّقِ، لأَنَّهُ وَاسِعٌ ٱلْبَابُ وَرَحْبٌ ٱلطَّرِيقُ ٱلَّذِي يُؤَدِّي إِلَى ٱلْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ ٱلَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ!)

وفي (متّى 12: 36 و37): (وَلٰكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا ٱلنَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَاباً يَوْمَ ٱلدِّينِ. لأَنَّكَ بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ)

وفي (رؤيا 20: 12 و13): (وَٱنْفَتَحَتْ أَسْفَارٌ. وَٱنْفَتَحَ سِفْرٌ آخَرُ هُوَ سِفْرُ ٱلْحَيَاةِ، وَدِينَ ٱلأَمْوَاتُ مِمَّا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي ٱلأَسْفَارِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ.. وَدِينُوا كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ)

وفي (عبرانيين 10: 26 و27): (فَإِنَّهُ إِنْ أَخْطَأْنَا بِٱخْتِيَارِنَا بَعْدَمَا أَخَذْنَا مَعْرِفَةَ ٱلْحَقِّ، لاَ تَبْقَى بَعْدُ ذَبِيحَةٌ عَنِ ٱلْخَطَايَا، بَلْ قُبُولُ دَيْنُونَةٍ مُخِيفٌ، وَغَيْرَةُ نَارٍ عَتِيدَةٍ أَنْ تَأْكُلَ ٱلْمُضَادِّينَ).

وفي (يهوذا 14 و15): (هُوَذَا قَدْ جَاءَ ٱلرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ لِيَصْنَعَ دَيْنُونَةً عَلَى ٱلْجَمِيعِ، وَيُعَاقِبَ جَمِيعَ فُجَّارِهِمْ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ فُجُورِهِمُ ٱلَّتِي فَجَرُوا بِهَا، وَعَلَى جَمِيعِ ٱلْكَلِمَاتِ ٱلصَّعْبَةِ ٱلَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا عَلَيْهِ خُطَاةٌ فُجَّارٌ)

وهكذا نجد نفس المعاني في القرآن الكريم، ولكن بلغة أكثر دقة وتفصيلا ووضوحا، ومن أمثلتها قوله تعالى في الجمع بين جزاء المحسنين والمسيئين، وبيان أسباب استحقاقهم له: { فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [المائدة: 85، 86]

أو قوله في بيان جزاء المسيئين وأسبابه:{ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [التوبة: 81، 82]، وقال تعالى: { سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [التوبة: 95]، وقال: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 27]، وقوله: { إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا } [النبأ: 21 – 28]، وقال: { فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت: 27، 28]

أو قوله في بيان جزاء المحسنين وأسبابه:{ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ } [الرحمن: 60]، وهو القانون الإلهي الذي يسري على كل شيء في الدنيا والآخرة، وهو يتضمن عكسه أيضا، فلا جزاء للإساءة إلا الإساءة، { جَزَاءً وِفَاقًا } [النبأ: 26]

وقال يصف بعض ذلك الجزاء، وتوافقه مع أنواع العمل الصالح:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأحقاف: 13، 14]، وقال: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا} [الفرقان: 15، 16]، وقال: { وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} [سبأ: 37]، وقال: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الزمر: 33 – 35]، وقال: { إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا} [الإنسان: 22]

وغيرها من الآيات الكريمة التي نرى فيها التفاصيل الكثيرة المرتبطة بأنواع الجزاء، وأنواع الأعمال المسببة لها، مما لا نجد مثله في أي مصدر من المصادر المقدسة.

وبناء على ما تصوره النصوص المقدسة لكل الأديان يمكن اعتبار مرحلة الجزاء هي المرحلة الأخيرة التي نعلمها([3]) من المراحل التي يمر بها الإنسان، أو يمكن اعتبارها نشأة جديدة، لأن جسد الإنسان وقدراته في تلك النشأة تختلف جذريا عن هذه النشأة، أو حتى على النشآت التي يمر بها في البرزخ والموقف وغيرها، والتي قد ينال فيها بعض ألوان الجزاء، ولكنها ليست مثل تلك التي ينالها يوم الجزاء، وفي دار الجزاء.

ولذلك سمى الله تعالى ذلك الجزاء بكونه الجزاء الأوفى، كما قال تعالى: { أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) } [النجم: 36 – 42]

وهذه الآيات الكريمة تشير إلى أن هذا القانون كان مبثوثا في جميع الكتب المقدسة، وكان الأنبياء جميعا يبشرون به، حتى تقوم الحجة بذلك على الخلق.

وقد أخبر الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال في خطابه لأبيه: { يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا } [مريم: 45]

وأخبر عن مقالة مؤمن آل فرعون لقومه في خطابه الذي وجهه لعقولهم، كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 38 – 40]

بل أخبر أن الابن الصالح قال لأخيه عندما هم بقتله: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 29]

وهكذا نجد الحديث عن الجزاء الإلهي ركنا أساسيا في دعوات الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولذلك سموا مبشرين ومنذرين.. ذلك أن التبشير بالجزاء الإلهي للمحسنين، والإنذار الإلهي للمسيئين، من الضرورات التي تقتضيها العدالة لإقامة الحجة، ورفع كل ذرائع الجهل بالقوانين الإلهية.

وقد سبق أن ذكرنا بأن أولئك الذين لم تتح لهم هذه الفرصة في هذه النشأة، إما لقصورهم ونقصهم ومرضهم، أو لعدم سماعهم بالمبلغين عن الله، أو لسماعهم ذلك التبليغ بطريقة غير صحيحة، ستتاح لهم فرصة أخرى للامتحان حتى ينالوا جزاءهم الخاص به.. ذلك أن الجزاء لا يكون إلا على الاختيارات التي تبرزها الأعمال.

بناء على هذا كله سنتحدث في هذا الفصل عما ورد في النصوص المقدسة من أنواع الجزاء، وعلاقتها بالرحمة والعدالة الإلهية، وغيرها من الصفات والأسماء.

وقد رأينا أنه يمكن تصنيفها إلى صنفين:

1 ـ الجزاء المعنوي أو الروحي، ونريد به ما ورد في النصوص المقدسة من ذكر الرضى والفرح والسعادة والتواصل مع الله، والتي تتاح لأهل الجنة، وما ورد فيها من عكس ذلك من العقوبات التي يعاقب بها أهل النار.

2 ـ الجزاء الحسي: ونريد به أصناف النعيم والعذاب المعد في الآخرة للمحسنين أو المسيئين بحسب مراتبهم.

وقبل أن نذكر ذلك نخاطب العقول التي تشكك في ذلك، أو تشكك خصوصا في العقاب الإلهي بأن تنظر إلى الواقع بعين واقعية لا مثالية لترى كلا الجزائين موجودين في هذه الدار، ولذلك لا يستغرب أن يوجد في تلك الدار ما يوجد في هذه الدار.

أما التفكير الرغبوي، والذي يملي فيه العبد على ربه ما يشاء من أهواء، أو يقترح عليه ما يشاء من جزاء، فإن هذا النوع من التفكير، وإن أعجب أهل الدنيا، وصفقوا لصاحبه، فإنه لا يبدل شيئا من الحقيقة، وهو في أحسن أحواله يشبه تلك الأماني التي يمني بها المجرمون أنفسهم من تخفيف العقوبة أو رفعها، حتى يستطيعوا أن يمارسوا جرائمهم براحة بال.

ولهذا يرد الله تعالى على أصحاب هذا النوع من التفكير بقوله: {أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ } [المعارج: 38، 39]

ويذكر لهم القانون المتعلق بذلك، والذي يسري على كل الأمم، فيقول: { لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا } [النساء: 123، 124]

ويذكر نموذجا لهم، فيقول: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا } [مريم: 77 – 80]

وقد ورد في الحديث ذكر هذا النموذج، والطريقة التي يفكر بها، وهي لا تختلف كثيرا عن أصحاب التفكير الرغبوي الذي أشرنا إليه، والذين ينتشرون في كل الأزمنة، ويلبسون لكل زمان لباسه الخاص به، فعن خباب بن الأرت قال: كنت رجلا قينا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه. فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى تموت ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد، فأعطيتك([4]).

أولا ـ الجزاء المعنوي.. وتجليات العدالة والرحمة:

 يتوهم الكثير ممن يسمع الخطباء والوعاظ وحديثهم عن أنواع الجزاء الإلهي المعد للمحسنين والمسيئين في دار الجزاء، أنه مجرد جزاء حسي قد ينسجم مع الرغبات الحسية لعوام الناس وبسطائهم، لكنه لا ينسجم مع الفلاسفة والمفكرين والعلماء والصوفية وغيرهم من أصحاب المشارب العقلية أو العلمية أو الروحية.

وهذا غير صحيح، ذلك أن الذي وفر هذه المعاني في الدنيا، ووفر معها الرغبات الداعية إليها، هو نفسه الذي خلق الآخرة، واعتبرها دار الجزاء الإلهي الذي ينسجم مع الفطر والطبائع المختلفة.

ولذلك نرى القرآن الكريم يذكر هذه الناحية من الجزاء، بل يقدمها في أحيان كثيرة على الجزاء الحسي، باعتبار أن السعادة أو الشقاء المرتبط بهما أعظم من السعادة أو الشقاء المرتبط بالجزاء الحسي.

ولهذا عندما ذكر الله المقربين العارفين بربهم الساجدين بكل كيانهم له، لم يذكر التفاصيل الكثيرة المرتبطة بالجزاء الخاص بهم، وإنما قال: { إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } [السجدة: 15، 16]، وهذا يدل على توجههم الروحي العظيم لله، ولهذا كان جزاؤهم متناسبا مع ذلك التوجه، كما قال تعالى: { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]

وهذا يعني أنه يتاح لهؤلاء في الجنة التجول في عوالم الملكوت المختلفة، والتعرف على أسرار خلق الله البديع، للمزيد من الإيمان والطمأنينة والمعرفة بالله، ذلك أن الذي أتاح هذا لأنبيائه في الدنيا، يمكنه أن يتيحها لهم في الدار الآخرة، بل هو من أعظم جزائهم.

وقد ذكر الله تعالى أنه أتاح هذا الجزاء لإبراهيم عليه السلام، فقال: { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75]، وذكر كيف أراه كيفية إحياء الموتى، فقال: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260]

وهكذا كانت رحلة الإسراء والمعراج لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا النوع، حيث كشف الله تعالى فيها لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم حقائق من عوالم الغيب، لم يكن ليعرفها لولا تلك الرحلة، قال تعالى: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 18]

ولهذا، فإن أولئك العلماء أو الفلاسفة الذين لم يحجبوا بنفوسهم في الدنيا، سيستمر بحثهم وعطاؤهم في الآخرة، بأفضل مما كان عليه، وسيتاح لهم من المخابر ومراكز الأبحاث ما لم يتمكنوا من الحصول عليه في الدينا.. بل يمكنهم أن يمتطوا ما شاءوا من المراكب الفضائية للرحلة لأي محل يريدونه، حتى لو كان إلى جهنم نفسها للتعرف على أحوال أهلها.

وسنذكر هنا مشهدا قرآنيا يصف المقربين من عباد الله، وما أتيح لهم من الجزاء، لنرى كيف يمزج القرآن الكريم بين النعيمين الحسي والمعنوي.

وقد بدأ هذا المشهد بذكر النعيم الحسي، الذي يوفر الفرصة للنعيم المعنوي؛ فالمفكر أو الباحث أو الفيلسوف كلما أتيحت له الإمكانات المادية كان عطاؤه أكبر، قال تعالى: { وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49)} [الصافات: 39 – 49]

وبعد أن رسم القرآن الكريم صورة لتلك البيئة التي يعيشها هؤلاء المخلصين، ذكر النعيم المعنوي الذي يهتمون له أكثر من اهتمامهم للنعيم الحسي، فقال: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ } [الصافات: 50]، وهذا يعني أو يشير إلى أن هناك مجالس علمية وبحثية كثيرة تعقد هناك، يسأل بعضهم بعضا فيها، ويستفيد بعضهم من بعض.

ثم ذكر كلمة ألقيت في بعض تلك المجالس أو المؤتمرات، ذكر فيها صاحبها شبهات المنكرين للمعاد، فقال: { قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) {يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} [الصافات: 51- 53]

ثم ذكر كيف أتيح لهم في ذلك المجلس القيام برحلة خاصة لرؤية ذلك القرين، والنتيجة التي وصل إليها، قال تعالى: { قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) } [الصافات: 54 – 58]

فظاهر الآيات الكريمة يشير إلى كل تلك المعاني، ولكن القرآن الكريم مراعاة للبيئات المختلفة ورد بصيغة بحيث يفهمها كل عصر، أو كل بيئة بحسب ما تعيشه.

وقد يكون ما ذكرناه الآن بدائيا أو بسيطا جدا أمام الحقيقة، وهو كذلك.. ذلك أن نعيم هؤلاء لا يمكن وصفه، كما ورد في الحديث القدسي قوله صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير قوله تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]: (قال اللّه تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ([5])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) ([6])

ولهذا؛ فإن كل تلك المراتب التي نراها في الدنيا من العلماء والحكماء والعامة وغيرهم، ستكون هناك في الآخرة، ولكن بصورة أكثر عدالة وجمالا، لأن المراتب هناك مراتب حقيقية، وليس مثل الدنيا، يدعيها من قد لا يكون أهلا لها، كما قال تعالى: { انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [الإسراء: 21]

وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة أهل الغرف، كما تراءون الكوكب الدري الغارب في الأفق الطالع، في تفاضل أهل الدرجات”. فقالوا: يا رسول الله، أولئك النبيون؟ فقال: (بلى، والذي نفسي بيده، وأقوام آمنوا بالله وصدقوا الرسل) ([7])

وبذلك؛ فإن كل ما نراه في الدنيا من مجالس العلم والبحث وغيرها، يمكنها أن تكون هناك في الآخرة، كجزاء خاص بالراغبين في ذلك؛ وربما يصير أكثر أهل الجنة من الراغبين في ذلك بعد أن تتاح لهم كل أصناف النعيم الحسي التي كان الشوق إليها يحول بينهم وبين الفكر والبحث.

وبهذا يتبين لنا مدى الزور الذي تحمله تلك الأفكار التي نشرها بعض من يدعون التنوير من أمثال [أحمد القبانجي]، ذلك الذي يرتدي كذبا وزورا عمامة علماء الشيعة، مع كونه لا ينتسب لا للشيعة، ولا للسنة، بل هو معول لحرب كليهما، بل حرب الإسلام نفسه.

فهو ـ نتيجة الجهل المركب بحقائق العالم الآخر الواردة في النصوص المقدسة ـ راح يعبر عن احتقاره للجنة بقوله: (أما الجنة، فليس فيها سوى إشباع للغرائز الحيوانية من أكل وشرب ونكاح، وليس فيها أي إشباع للغرائز الانسانية كالإبداع والإيثار والكرم والشجاعة ونصرة المظلوم وتعليم العلم وحب الرئاسة ووو..)([8])

ولست أدري كيف عرف ذلك، وهل زار الجنة حتى يحكم عليها، وهل أحاط بالنصوص المقدسة التي تتحدث عن الجنة، وكونها دار الضيافة الإلهية التي تتحقق فيها كل الرغبات المشروعة، ويتحقق معها كل أنواع السمو الروحي والأخلاقي، حيث يعيش أهل الجنة الحضارة الراقية والذوق الرفيع والأدب الجم، حيث لا لغو هناك ولا تأثيم.

لكنه ـ بسبب العشى الذي أحاط ببصيرته ـ لم يعرف الجنة إلا من خلال ذلك الوعظ البارد الذي يستعمله بعض عوام الوعاظ والدعاة بعيدا عن الحقائق التي وردت في النصوص المقدسة، ولذلك توهم أن الجنة مجرد دار للمتع الجسدية وحدها.

وهكذا بالنسبة للعقاب الذي يتعرض له المسيئون، فهو ـ مع كونه عقابا إلهيا عادلا ـ إلا أنه لا يخلو من أمثال تلك المجالس التي يراجع فيها أولئك الذين استحقوا العقاب ما فعلوه، ليكون ـ للمستعدين للصلاح منهم ـ دروسا مفيدة قد تخفف عنهم العذاب، أو قد تخرجهم منه.

فالنار ـ كما ورد في النصوص المقدسة ـ وكما سنرى لاحقا، هي دار لإعادة التربية والإصلاح، وليست للتشفي والانتقام، فالله تعالى برحمته الواسعة، وبكماله المطلق يتعالى عن التشفي والانتقام.

ولهذا كانت العقوبات المعنوية التي سنذكر بعض ما ورد منها نوعا من الدروس التي تحاول أن تخرج ما في قلوب أولئك الجهلة من ضلال وانحراف، ليبقى مصيرهم مرهونا بذلك.

بناء على هذه المقدمات، نحاول في هذا المبحث ذكر ما ورد في النصوص المقدسة من أنواع الجزاء المعنوي المرتبط بالمحسنين والمسيئين، وقد رأينا ـ من خلال الاستقراء ـ إمكانية تقسيمه إلى أربعة أنواع، سنشرحها في العناوين التالية.

1 ـ الفرح والحزن:

من أهم أنواع الجزاء المعنوي التي يجازي الله تعالى بها عباده المحسنين والمسيئين مشاعر الفرح والحزن، التي قد تكون بأسباب ظاهرة معروفة، وقد تكون من دون أسباب.. ذلك أن الله تعالى كما خلق النعم الحسية، خلق النعم المعنوية، وجعل لها استقلالا بذاتها.

ولهذا قد يحزن الشخص ويتألم مع كونه يعيش أرغد عيش، ولهذا نسمع عن حالات الاكتئاب الشديد، بل الانتحار المصاحب له، من ناس ممتلئين بالرفاه، وكل ألوان النعيم، في نفس الوقت الذي نرى فيه البسطاء يمرون بالأزمات الصعبة، ومع ذلك نراهم يتحملون، بل نجدهم أحيانا كثيرة يضحكون منشغلين عنها بما أودع الله في قلوبهم من الفرح الذي لا سبب له.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} [النجم: 43]، أي أن الله تعالى هو مسبب هذين الانفعالين وخالقهما، ومرسلهما لمن شاء من خلقه.

وأشار إليه كذلك قوله تعالى: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا } [طه: 124]، فضنك العيش لا يعني ضيقه الحسي، وإنما يعني الضيق المعنوي، والآلام النفسية المصاحبة له.

وبناء على هذا؛ فإن الله تعالى صاحب خزائن الفرح والحزن، ينزل في دار الجزاء على عباده من الفرح والحزن بما يتناسب مع أعمالهم ومواقفهم التي وقفوها في الدنيا..

أما الفرح؛ فينزله على أولئك الذين لم يستفزهم الفرح في الدنيا، ويرمي بهم إلى البطر والكبر والغرور؛ فلم يستعلوا به على عباد الله، ولم يقعوا فيما وقع فيه المسيئون من الفرح الباطل، كما وصفهم الله تعالى بقوله: { فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } [غافر: 83]، وقال: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44]، وقال: { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 76، 77]

وإنما كان فرحهم بالله وبفضل الله، ومصحوبا بالتواضع لعباد الله، والتألم لآلامهم، كما قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } [يونس: 58]

فهؤلاء المتواضعون الممتلئون بالأدب، والذين قاسوا ألوان الآلام في الدنيا، يجازيهم الله تعالى بأن يملأ قلوبهم بكل أنواع الفرح الذي لا ينغص ولا يكدر بأي كدر، والذي ينسيهم كل همومهم وآلامهم التي عانوها في الدنيا، كما قال تعالى حاكيا عنهم: { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} [فاطر: 34، 35]

ووصف النعيم الذي خصهم به، فقال: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا } [الإنسان: 11]

وقد ورد في الحديث الإشارة إلى هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيُصبغ في النار صبغة، ثم يُقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا، والله يا ربّ، ويُؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا، من أهل الجنة، فيُصبغ صبغة في الجنة، فيُقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا، والله يا ربّ، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدةً قط)([9])

وقد ذكر القرآن الكريم أن الفرح الذي يجازي الله به المؤمنين الصادقين يبدأ بعد الموت مباشرة، ويظل مصاحبا لهم في كل المواقف كما قال تعالى عن الشهداء: { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 – 171]

وهذا جزاء متوافق مع اسم الله تعالى [الشكور]، وهو يعني شكر الله للمحسنين من عباده، فالشهداء الذين ذاقت أجسادهم ألوان الآلام، وضحوا بأنفسهم في سبيل الله، يجازيهم الله تعالى بذلك الفرح ليعوض عن جميع أحزانهم وآلامهم.

وهكذا أخبر الله تعالى عن ذلك الرجل الصالح الذي وقف منتصرا لرسل الله، فقد قال الله تعالى عنه بعد أن نفذ فيه المجرمون أحكامهم: { قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ } [يس: 26، 27]

وهكذا أخبر عن ذلك المؤمن الذي ينال صحيفته بيمينه، فيصيح من فرحه الشديد في أهل الموقف: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ } [الحاقة: 19، 20]

أما المسيئون والمجرمون؛ فإنهم يذوقون في كل لحظة من الآلام النفسية والغصص والكدر والاكتئاب ما يتناسب مع ذلك العتو والبطر والكبرياء التي كانوا يعيشونها في الدنيا، كما قال تعالى عن ذلك الذي ينال صحيفته بشماله: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) } [الحاقة: 25 – 30]

وتكون مراتبهم في ذلك بحسب جرائمهم؛ أما أولئك الذين أذاقوا المستضعفين كل ألوان الآلام، فتسببوا في قتلهم وتشريدهم وإيذائهم، فإن كل تلك الغصص التي أصابوهم بها تتحول إليهم أضعافا مضاعفة.

وكما أن الفرح والحزن في الدنيا يتجدد بأسباب مختلفة، فقد ورد في النصوص ما يشير إلى ذلك التجدد في دار الجزاء، حيث يحدث الله تعالى في كلا الدارين ما يتسبب في الفرح أو الحزن، ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في الحديث من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟.. فيشرئبون، فينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت.. فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟.. فيشرئبون فينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت.. فيؤمر به، فيذبح، ويقال: يا أهل الجنة، خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [مريم: 39]، ثم أشار صلى الله عليه وآله وسلم بيده، وقال: (أهل الدنيا في غفلة الدنيا)([10])

وفي رواية أخرى وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرح أهل الجنة، وحزن أهل النار، فقال: (ثم ينادى: يا أهل الجنة، هو الخلود أبد الآبدين، ويا أهل النار، هو الخلود أبد الآبدين، فيفرح أهل الجنة فرحة لو كان أحد ميتا من فرح ماتوا، ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتا من شهقة ماتوا)([11])

وفي رواية: (إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادي مناد يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم)([12])

وهذه الرواية تدل على أن القصد من هذا المشهد هو توفير المزيد من السرور للمحسنين، والمزيد من الحزن للمتألمين، وهو ما حصل بالفعل.. ولذلك لا معنى لكل تلك المناقشات التي وقعت في كتب المتكلمين وغيرهم من الحديث عن الموت، وهل يمكن أن يصير كبشا ونحو ذلك؟

وقد قال الغزالي معبرا عن الغرض من هذا المشهد من مشاهد الآخرة رادا على المعترضين عليه، وخصوصا أولئك الذين يتهمون النبوة بسببه: (قد يرد في أمر الآخرة ضرب أمثلة يكذب بها الملحد، بجمود نظره على ظاهر المثال وتناقضه عنده كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح)، فيثور الملحد الأحمق ويكذب، ويستدل به على كذب الأنبياء ويقول: يا سبحان اللّه، الموت عرض، والكبش جسم، فكيف ينقلب العرض جسما وهل هذا إلا محال! ولكن اللّه تعالى عزل هؤلاء الحمقى عن معرفة أسراره.. ولا يدرى المسكين أن من قال: رأيت في منامي أنه جي ء بكبش، وقيل هذا هو الوباء الذي في البلد، وذبح، فقال المعبر: صدقت، والأمر كما رأيت، وهذا يدل على أن هذا الوباء ينقطع ولا يعود قط، لأن المذبوح وقع اليأس منه، فإذن المعبر صادق في تصديقه، وهو صادق في رؤيته. وترجع حقيقة ذلك إلى أن الموكل بالرؤيا، وهو الذي يطلع الأرواح عند النوم على ما في اللوح المحفوظ، عرفه بما في اللوح المحفوظ بمثال ضربه له لأن النائم إنما يحتمل المثال، فكان مثاله صادقا، وكان معناه صحيحا؛ فالرسل أيضا إنما يكلمون الناس في الدنيا، وهي بالإضافة إلى الآخرة نوم، فيوصلون المعاني إلى أفهامهم بالأمثلة، حكمة من اللّه، ولطفا بعباده، وتيسيرا لإدراك ما يعجزون عن إدراكه دون ضرب المثل، فقوله: (يؤتى بالموت في صورة كبش أملح)، مثال ضربه ليوصل إلى الأفهام حصول اليأس من الموت، وقد جبلت القلوب على التأثر بالأمثلة، وثبوت المعاني فيها بواسطتها)([13])

وما ذكره الغزالي صحيح، ولكنا لا نرى أنه مجرد مثل، بل نرى إمكانية وقوع هذا المشهد في الآخرة، ليكون تمثيلا رمزيا يملأ المحسنين سعادة، ويملأ المسيئين حزنا، مثلما نشاهد في الدنيا عند إقامة المناسبة المختلفة من إقامة بعض الطقوس التي تعبر عن المناسبات بصيغ مختلفة.

2 ـ الرضى والسخط:

من أنواع الجزاء المعنوي التي يجازي الله تعالى بها عباده في دار الجزاء، سواء كانوا من المحسنين أو المسيئين مشاعر الرضى وما يتبعها من الطمأنينه والسلام، ومشاعر السخط، وما يتبعها من الحسرة والأسف والاضطراب، وكل أنواع الصراع النفسي.

وهذا الجزاء متوافق تماما مع أنواع الأعمال والملكات التي ترسخت في نفوس كلا الصنفين، ولذلك كان جزاؤهما متوافقا تماما مع تلك الملكات والأعمال، وقد ورد في الحديث ما يشير إلى هذا، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)([14])

ولذلك فإن كل ما نراه من ألوان البلاء، مما يتوهم البعض أنه شر، هو في الحقيقة بلاء إلهي القصد منه تمحيص الصادقين من غيرهم، كما ضرب بعض المشايخ المثل على ذلك لمريديه، عندما زاروه في مرضه، وكان قد جمع بين يديه حجارة، فقال: من أنتم؟ فقالوا: محبوك، فأقبل عليهم يرميهم بالحجارة؛ فتهاربوا، فقال: (ما بالكم ادعيتم محبتي، إن صدقتم؛ فاصبروا على بلائي)

وهذا المعنى هو ما يدل عليه قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} (العنكبوت:2)، فقد أخبر تعالى أن من مقتضيات ادعاء الإيمان الابتلاء حتى يعلم الصادق من الكاذب، ومن يؤثر الله، ومن يؤثر هواه.

ولهذا يقترن الجزاء الإلهي بالرضى، باعتباره أكبر دليل على صدق الإيمان، قال تعالى: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 16]، وقال: { قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [المائدة: 119]

ويبين سر الفرق بين أهل الجنة وأهل النار، فيقول: {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [آل عمران: 162]

ولهذا ورد الثناء العظيم في القرآن الكريم على أهل الرضى، أولئك الذين تحملوا كل التكاليف الشرعية من غير أن يصرفهم ثقلها أو مشاقها عن ربهم أو عبوديتهم ومحبتهم له، قال تعالى: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } [آل عمران: 174]، وقال: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة: 100]، وقال: {لْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8]، وقال: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ } [البينة: 7، 8]

وفي مقابل هؤلاء ذكر الله تعالى الساخطين على الله الذين صرفوا حياتهم كلها يناوئونه، ويقترحون عليه ما تمليه عليهم أهواؤهم، قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ } [التوبة: 58، 59]

وعلل أنواع الجزاء التي تنزل بهم بكونها تجسيدا لذلك السخط الذي كانوا يبدونه لله، قال تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } [محمد: 28]

ولهذا، فإن الجزاء الوفاق لكلا الطرفين هو أن يعطى بحسب أعماله ومواقفه ونفسه التي شكلها في الدنيا.. فإن كان من الراضين، أعطى الرضى، وإن كان من الساخطين لم يلق إلا السخط، قال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [الحج: 58، 59]، وقال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً } [الغاشية: 8 – 11]

ولهذا قرن الله تعالى كل ما يرتبط بالمحسنين بالرضى، باعتباره نتيجة لذلك الرضى الذي مارسوه في حياتهم الدنيا مع الله، أو مع رسله، أو مع التعاليم التي طولبوا بتنفيذها.

بناء على هذا نذكر هنا بعض مظاهر الرضوان والسخط التي تتجلى في دار الجزاء، وذلك من خلال العنوانين التاليين:

أ ـ الرضوان ومظاهره:

يبدأ هذا النوع من الجزاء الإلهي في اللحظة التي تحصل فيها الوفاة، حيث يقول الملائكة مخاطبين المحسنين: { يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27 – 30]

ثم تتوالى عليهم البشائر بعد ذلك، تبشرهم بأنهم لن يجدوا في رحلتهم ما بعد الموت سوى الرضوان، قال تعالى:{يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (} [التوبة: 21، 22]

ولهذا نرى القرآن الكريم يصف تلك العيشة الجديدة التي يعيشها الراضون عن الله بكونها عيشة راضية، قال تعالى: { فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ } [القارعة: 6، 7]، وقال: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ } [الحاقة: 19 – 21]

وفوق تلك العيشة ينعم أولئك الراضون عن الله برضوان الله، وهو أعظم أنواع الجزاء، بل هو أعظم من الجنة نفسها، قال تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } [آل عمران: 15]

وأشار إلى ذلك أيضا، فقال: { وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة: 72]

وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن مشهد من مشاهد الآخرة يذكر الله تعالى فيه لعباده من أهل الجنة رضاه عنهم، فيقول: (إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا)([15])

وهذا الرضوان الإلهي لا يمكن تصوره، ولا تصور مقتضياته، ذلك أنه لا يتعلق فقط بالنعيم، وإنما يتعلق بالعلاقة بالله، ومن وثق صلته بالله، لم يحتج إلى شيء، فالله عنده كل شيء، أو كما ورد في الدعاء المعروف: (إلهي ماذا وجد من فقدك.. وماذا فقد من وجدك)

وبمناسبة الحديث عن الرضوان، يطرح بعض المشاغبين الذين ـ بدل أن ينشغلوا بالعمل الصالح الموصل للجنة ـ راحوا يشنعون على ما فيها من نعيم، ويذكرون أن الملل سيصيب أصحاب الجنة لا محالة، وهم يقولون ذلك بناء على ذلك التثاقل الشديد الذي يربطهم بالدنيا، حتى صاروا يرون أنها الجنة، ويرون أنه لا يمكن لله تعالى أن يخلق دارا أجمل، ولا أكمل منها.

وربما يكون مصدر هذه الشبهة هو ذلك التعلق والهيام بالانحراف أو المنحرفين، ولذلك يتوهمون أنهم في الجنة لن يجدوا الفرصة للقيام بكل تلك الانحرافات التي كانوا يعجبون بها في الدنيا..

أو ربما يكون مصدر هذه الشبهة ذلك الحب للصراع وما يرتبط به.. وقد ذكر الله تعالى أن الجنة ليس فيها شيء من الصراع، لأن كل من فيها طيبون ومتشاكلون ومتجانسون؛ فهم { لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا } [الواقعة: 25، 26]

ومهما كان مصدر هذه الشبهة، فهو مرتبط بهذه النشأة، وبتلك النفس التي أملت تلك الشبهة، أما في النشأة الأخرى، وبعد التطهيرات الكثيرة التي تمر بها النفس ابتداء من عالم البرزخ؛ فإنها ستؤهل لتلك الحياة الجديدة، التي لا تحب إلا السلام، وتكره كل أصناف اللغو.

ولذلك نرى في الدنيا الشاب في مرحلة المراهقة يحن لكل أصناف الصخب، لكن العمر إن امتد به، ومر بالتجارب الكثيرة، تجده أكثر ميلانا إلى الهدوء والسلام، وربما يختار بيتا ريفيا يقضي فيه باقي عمره حرصا على الحياة الهادئة.

بالإضافة إلى هذا، فإن أوهامنا عن الجنة ناشئة من تلك التصورات البسيطة التي نتصورها بها، وهي أن يكون لساكنها قصر أو مجموعة قصور، يعيش في وسطها، دون أن يتحرك أي حركة، أو تكون له أي علاقة، أو يسمع بأي أحداث، والأمر مختلف تماما.. فالجنة فيها كل ذلك.

ولهذا يصف الله تعالى الجنة بكونها دار الرضوان التي يعشقها أهلها، ولا يبغون عنها أي بديل، قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا } [الكهف: 107، 108]

ونحسب ـ والله أعلم ـ أن تلك الحركة التي كانت في الدنيا، والتي يترقى فيها الإنسان من مرتبة إلى مرتبة، ستظل هناك أيضا، لأنها من مقتضيات ربوبية الله لعباده، ولذلك قد يترقى أهل الجنة بحسب مواقفهم وسلوكاتهم والاختبارات التي يتعرضون لها، فينزلون مراتب أعلى من المراتب التي كانوا فيها، وكل ذلك مما ينفي السأم والملل.

وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بعض هذه المعاني في قوله: (إن في الجنة لسوقا ما فيها شراء ولا بيع إلا الصور من الرجال والنساء، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها)([16])

وفي رواية: (إن لأهل الجنة سوقا، يأتونها كل جمعة، فيها كثبان المسك، فإذا خرجوا إليها هبت الريح؛ فتملأ وجوههم وثيابهم وبيوتهم مسكا، فيزدادون حسنا وجمالا، قال: فيأتون أهليهم فيقولون: لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا، ويقولون لهن: وأنتم قد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا)([17])

ولذلك فإن نعيم الجنة متجدد، ولا نهاية لتجدده، ذلك أن قدرة الله المطلقة، وإبداعه العظيم لا نهاية له، ولذلك يعيش أهل الجنة في كل لحظة سعادة جديدة، وكيف لا يشعرون بذلك، وهم دائمو التواصل مع الله.

ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 25]

وقد ذكر مكارم الشيرازي مجموعة أقوال في تفسيرها، ومنها أنه (عندما يؤتى بالثمار إلى أهل الجنة ثانية يقولون: هذا الذي تناولناه من قبل، ولكنهم حين يأكلون هذه الثمار يجدون فيها طعما جديدا ولذة اخرى، فالعنب أو التفاح الذي نتناوله في هذه الحياة الدنيا مثلا له في كل مرة نأكله نفس طعم المرة السابقة، أما ثمار الجنة فلها في كل مرة طعم وإن تشابهت أشكالها، وهذه من إمتيازات ذلك العالم الذي يبدو أنه خال من كل تكرار)([18])

ومنها أن (المقصود من ذلك أنهم حين يرون ثمار الجنة يلقونها شبيهة بثمار هذه الدنيا، فيأنسون بها ولا تكون غريبة عليهم، ولكنهم حين يتناولونها يجدون فيها طعما جديدا لذيذا)

أما قوله تعالى: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25]، فلا يعني التشابه في الطعم أو الشكل، وإنما يعني (متشابها في الجودة والجمال؛ فهذه الثمار بأجمعها فاخرة بحيث لا يمكن ترجيح إحداها على الأخرى، خلافا لثمار هذا العالم المختلفة في درجة النضج والرائحة واللون والطعم)

ونحب أن نختم هذا النوع من أنواع النعيم بما ذكره بعضهم في الرد على شبهة الملل في الجنة، حيث أورد نصا لبعض الملاحدة يقول فيه: (قد أشعر بالملل في الجنة لان لكل رحلة نهاية ولكل قصة خاتمة ولكل تجربة منتهى)([19])

ثم فكك هذا السؤال، وأعاد صياغته، فقال: (محور السؤال هو موضوع الملل كشعور إنساني قد يشعر به الشخص بعد الإشباع من ملذات ورؤى جنة رب العالمين.. هل من الممكن أن يصيبني الملل؟ ماذا بعد الجنة؟.. ألن يصل الشخص لحالة الفراغ؟)

ثم أجاب على هذه التسؤلات بتحديد مفهوم الملل، والتفريق بين المفهوم العامي الساذج، والمفهوم العلمي.. أما المفهوم الساذج للملل؛ فهو الحالة الناتجة عن توقف المثيرات التي تشعر الشخص بالإثارة والسعادة.

بينما التعريف العلمي يذكر أن (الملل هو هرمون يفرزه الجسم لكي يتوقف عن الاستجابة للمثير بعد الاكتفاء بكمية معينة.. وبذلك فإنه ليس حالة توقف الاستثارة والمتعة، ولكنه هو هرمون يفرز في المخ ليوقف الإنسان عند حده ويقول له (كفى)

والدليل على ذلك أنه (عندما يكون أحد الأشخاص جائعا، ويتوق لأكل الأطعمة الحلوة مثل الكعك أو البسكويت أو غيره.. بعد ان يبدأ الشخص بوضع الطعام في فمه ويتذوق قطعة أولى يشعر باستثارة بالغة ومتعة فائقة، ومع توالي القطع الأخرى يشعر ببعض المتعة لكنها تقل تدريجيا)

والسبب في ذلك أن (جسم الانسان مخلوق ومصمم لكي يحافظ على توازنه؛ فعندما ترتفع الحرارة يتعرق الجسم للابقاء على درجة البرودة، وعندما يقوم الشخص بحمية غذائية لانقاص الوزن يقوم الجسم باستخدام الدهون الزائدة لتوليد الطاقة وابقاء الجسم على قيد الحياة، كذلك عندما يدخل فايروس يبدأ بتكوين خلايا مضادة وهكذا.. وما يحدث في حالة الأكل هو أنه بعد كمية معنية من أكل الطعام يقوم المخ بإفراز مادة مضادة للمادة التي تسبب الاستثارة لكي تعادل أو تحايد المادة المسببة لها؛ فيشعر الشخص بالاكتفاء والملل من الطعم ويتوقف عن ذلك، ويبدو هذا واضحا اذا قارنت الاطمعة الحلوة والمالحة؛ فتجد أن المنفعة الحدية فى الأطعمة الحلوة أسرع من المالحة لأن الاكثار منها يضر الجسم، ونفس المنطق ينطبق على الماء؛ فالشخص العطشان عندما يشرب الماء يشعر باستمتاع كبير في أول ميليجرامات من الماء، وتستمر الاستثارة بالانخفاض كلما استمر في الشرب إلى أن يصل لمرحلة لايقبل معها مزيدا من الماء بتاتا، بل يصبح طعم الماء كأنه سم افعى)

ونتيجة لهذا، فإنه (إذا كان الخالق قادرا على كل شيء، ويقدر أن يغير كيميائات المخ؛ فعندها لن يشعر أي شخص بالمملل من أصغر حالة امتاعية، وقد تستمر معه لساعات أو أيام أو سنين.. ولا ننسى أن المشاعر السلبية جميعها قد ربطها العلماء بهرمونات معينة تعكر صفو حياة الانسان، ولو اعتقدنا أن الخالق قادر على خلق مخ لايفرز المواد الكيميائية الضارة المسببة للمشاعر السلبية، ومن ضمنها الملل، فسيكون لديك شخص سعيد إلى الأبد)

ب ـ السخط ومظاهره:

يذكر القرآن الكريم الكثير من مظاهر السخط والألم النفسي التي يعانيها المسيئون في دار الجزاء نتيجة اختياراتهم التي اختاروها في الدنيا، ومن أهم تلك المظاهر تلك الحسرات التي لا تنتهي، والتي نجد القرآن الكريم يحذر منها أهل الدنيا كثيرا حتى لا يقعوا فيها، ومنها قوله تعالى: { وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) } [الزمر: 55 – 59]

ومن تلك الحسرات ذلك الألم الذي يعتريهم بسبب الخسارة العظيمة التي خسروها، والتي لا يمكن أن تعوض أبدا، قال تعالى: { قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } [الزمر: 15].

وهكذا يذكر القرآن الكريم مشاهد كثيرة عن تلك الحسرات ومشاعر الندم التي يعبر بها المسيئون عن سوء المصير الذي اختاروه لأنفسهم، وذلك عند تذكرهم لكل موقف من مواقف السوء، قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا } [الفرقان: 27 – 29]

وهكذا ورد في النصوص المقدسة ما يشير إلى تمكين الله تعالى المسيئين من رؤية النعيم الذي كان معدا لهم لو عملوا صالحا، فيكون ذلك أعظم حسرة لهم، حينها يوقنون أنهم هم الذين ظلموا أنفسهم.

وليس ذلك خاصا بدار الجزاء، بل إنه يبدأ من البرزخ، كما ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا أدخل المؤمن قبره، وتولى عنه أصحابه، جاء ملك شديد الانتهار، فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول المؤمن: أقول: إنه رسول الله وعبده، فيقول له الملك: انظر إلى مقعدك الذي كان في النار، قد أنجاك الله منه، وأبدلك بمقعدك الذي ترى من النار مقعدك الذي ترى من الجنة، فيراهما كلاهما، فيقول المؤمن: دعوني أبشر أهلي، فيقال له: اسكن، وأما المنافق، فيقعد إذا تولى عنه أهله، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، أقول ما يقول الناس، فيقال له: لا دريت، هذا مقعدك الذي كان لك من الجنة، قد أبدلت مكانه مقعدك من النار)([20])

وهكذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن هذا العرض يظل طيلة البرزخ، ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة)([21])

ويؤيده قوله تعالى: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } [غافر: 45، 46]

وسنرى الكثير من المشاهد المرتبطة بهذا عند حديثنا عن التكريم والإهانة التي يتعرض لها المسيئون، والتي تسبب لهم المزيد من الحسرات والآلام كل حين.

3 ـ التكريم والإهانة:

من أنواع الجزاء المعنوي التي ورد الاهتمام بها كثيرا في النصوص المقدسة، تكريم الله تعالى للمؤمنين، وإهانته لغيرهم، وفي جميع المحال، ابتداء من لحظات الموت، وانتهاء بدار الجزاء.

وهو جزاء وفاق مرتبط بالأعمال، والاختيارات التي اختارها المحسنون أو المسيئون لأنفسهم.. ذلك أن المحسنين تواضعوا لله، ولعباد الله، وفي أرض الله، ولم يتجبروا، أو يتكبروا، أو يتسببوا في أي إهانة أو أذى لغيرهم؛ فلذلك جازاهم الله على هذه المعاملات الطيبة بكل أنواع التكريم التي لم تخطر على بالهم.

وعلى عكسهم أولئك المنحرفون المتجبرون الذين استعلوا على الله، وتمردوا على أحكامه، والقيم التي أمر بمراعاتها، فلذلك لاقاهم كل شيء بعد موتهم بأنواع الإهانة.

ولذلك كان من أوصاف العذاب في القرآن الكريم كونه مهينا، كما قال تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } [آل عمران: 178]

وقد وصف القرآن الكريم المستحقين لهذا النوع من العذاب، وكلها متناسبة مع الإهانات التي يتعرضون لها، ومنها التمرد على الله ورسوله ومجاوزة الحدود، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 14]

ومنها البخل وكتمان فضل الله، كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 37]

ومنها الكفر بمختلف أنواعه ومظاهره، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [النساء: 150، 151]

ومنها التكذيب بآيات الله، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [الحج: 57]

ومنها استعمال الوسائل المختلفة للتضليل، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } [لقمان: 6]

ومنها إذية الله ورسوله، قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا } [الأحزاب: 57]

ومنها التزوير والكذب على الله مع الإصرار على ذلك، قال تعالى: { وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [الجاثية: 7 – 9]

ومنها محادة الله ورسوله، قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ } [المجادلة: 5]

ويذكر القرآن الكريم أن هذا النوع من الجزاء يبدأ من لحظات الاحتضار؛ حينها تخاطب الملائكة أولئك المتجبرين الطغاة المتمردين على أحكام الله، بذلك الضرب والتعنيف والإهانة، كما صور الله تعالى ذلك بقوله: { وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الأنفال: 50، 51]

وقال في مشهد آخر: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } [محمد: 26 – 28]

وقال في مشهد آخر: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ } [الأنعام: 93]

وهكذا يقرن الله تعالى مشاهد الإهانة بالأسباب الداعية لها، حتى يبين مدى العدل الإلهي الذي يتعامل مع كل جهة بما اختارته لنفسها.

وفي مقابل هؤلاء يصف الله تعالى أول لقاء يجري بين المحسنين والملائكة، حيث يبدؤونهم بالسلام، قال تعالى: { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [النحل: 32]

وهكذا يذكر القرآن الكريم أنواع التكريم والتبجيل التي يلقاها المؤمن في المواقف المختلفة من طرف الملائكة، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} [فصلت: 30 – 32]

ويذكر القرآن الكريم تلك التحيات الطيبات الطاهرات التي تستقبل بها الملائكة المحسنين، قال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73]

وليس ذلك خاصا باستقبالهم، بل تظل تلك التحيات دائمة بينهم، قال تعالى: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 22 – 24]

وفي مقابلهم ذكر الله تعالى تلك اللعنات التي يسمعها المسيئون من كل الجهات، ابتداء من دخولهم إلى جهنم، قال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ } [الزمر: 71، 72]

وهكذا تصب عليهم اللعنات كل حين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25]

وهكذا يذكر القرآن الكريم إهانة أهل جهنم لبعضهم بعضا، وذلك عندما تحصل المناوشات بينهم فيمن هو السبب فيما يحصل لهم من أنواع الآلام، قال تعالى يذكر بعض تلك المشاهد: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) } [البقرة: 165 – 168]

وفي قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 167] إشارة إلى أن تلك الحسرة وسببها من صنع أيديهم، كما عبر عن ذلك الإمام الصادق في تفسيره للآية الكريمة ببعض مصاديقها، فقال:(هو الرجل يدع المال لا ينفقه في طاعة الله بخلا، ثم يموت فيدعه لمن يعمل به في طاعة الله أو في معصيته.. فإن عمل به في طاعة الله رآه في ميزان فزاده حسرة، وقد كان المال له أو عمل به في معصية الله فهو قواه بذلك المال حتى عمل به في معاصي الله)([22])

وهكذا يذكر القرآن الكريم تلك الصيحات الكثيرة الممتلئة بالألم، عندما يكفر الظالمون بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا محتجين ومتبرئين، قال تعالى: {قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) } [الأعراف: 38 – 40]

وهذا كله يشير إلى أن كل من باع الله ودينه لإرضاء أي جهة من الجهات؛ سوف ترتد عليه تلك الجهة نفسها التي باع الله من أجلها، كما ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من التمس رضى الله بسخط الناس، رضي الله عنه، وأرضى الناس عنه، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس)([23])، وفي رواية: (من التمس رضاء الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضاء الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس)

4 ـ التواصل والقطيعة:

من أهم أنواع الجزاء المعنوي التي يجازي الله تعالى بها عباده المحسنين والمسيئين وأشرفها وأخطرها ما يمكن أن نطلق عليه [التواصل والقطيعة]، ذلك أن القرآن الكريم يعرض حياة المحسنين والمسيئين في دار الجزاء باعتبارها حياة اجتماعية ترتبط بجهات كثيرة ابتداء من أسرهم وأصدقائهم، والملائكة التي تحيط بهم من كل جانب، وغيرهم من المخلوقات، والتي تنتهي جميعا بالعلاقة والتواصل مع الله تعالى، كما قال تعالى: { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم: 42]

وهذا ما يعطي ذلك الجزاء بشقيه أبعادا تربوية كبيرة، ذلك أن المحسنين والمسيئين بسبب تلك العلاقات الكثيرة التي يجدونها، والمعاني الكثيرة التي يسمعونها يسيرون في سيرهم التكاملي، إما للترقي في درجات الجنة، أو الترقي في دركات جهنم إلى أن يخرجوا منها إن كانت لديهم قابلة ذلك الترقي، كما سنرى.

وربما يكون أحسن قانون للتعبير عن العلاقات التي تربط أهل دار الجزاء، وما قبلها في أرض المحشر تلك القاعدة المعروفة التي تقول: (ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل)؛ وكأنها تنبه وتربي أهل تلك الديار على ضرورة إقامة العلاقة مع الله، واعتبارها الأصل الذي تقوم عليه كل العلاقات.

وقد عبر القرآن الكريم عن هذا المعنى عند إخباره عن القوانين التي تحكم النشأة الأخرى، فقال: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67]، وقد علق عليه الزمخشري بقوله: (أى: تنقطع في ذلك اليوم كل خلة بين المتخالين في غير ذات الله، وتنقلب عداوة ومقتا، إلا خلة المتصادقين في الله، فإنها الخلة الباقية المزدادة قوّة إذا رأوا ثواب التحاب في الله تعالى والتباغض في الله)([24])

بناء على هذا نذكر هنا بعض مظاهر التواصل والقطيعة التي تتجلى في دار الجزاء، وذلك من خلال العنوانين التاليين:

أ ـ التواصل ومظاهره:

يذكر القرآن الكريم الكثير من المظاهر التي تبين مدى التواصل الذي يحدث بين المؤمنين في الجنة بعضهم ببعض، أو مع الملائكة أو مع الله تعالى، أو حتى مع المخلوقات الأخرى التي لا نعرف عنها الآن شيئا.

ومن الأمثلة على ذلك ما ورد تعقيبا على الآية السابقة، والتي تضمنت الإخبار عن قوانين الاتصال التي تحكم النشأة الأخرى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67]، فقد قال تعالى بعدها يبين بعض مقتضياتها: { يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ } [الزخرف: 68 – 70]

فهاتان الآيتان الكريمتان، تشيران إلى ثلاثة أنواع من التواصل:

أولها: التواصل مع الله تعالى حيث يكلمهم، ويكلمونه، ويسمعون منه أمثال هذه البشارة العظيمة، وغيرها كما قال تعالى: { سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 58]

ويدل على هذا التواصل ما ورد في الأحاديث من كثرة ذكر المؤمنين لله تعالى، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يُلهَمون التسبيح والتحميد كما يُلهَمون النَّفَس)([25])

وهذا يرد على تلك التصورات البدائية للجنة، وبكونها محلا للأهواء والغرائز فقط، بينما هي في الحقيقة مدرسة تربوية أخرى يترقى فيها المؤمنون في مراتب السلوك إلى الله تعالى بعد أن توفر لهم البيئة المناسبة لذلك.

ولذلك كان أعظم نعمة وسعادة للمؤمنين ذلك التواصل مع الله، والذي يتجلى في نفس تلك المظاهر التي كانت في الدنيا، ولكن بصورة أكثر وضوحا وجمالا.. فمعرفة الله أو الرؤية القلبية لله هي أكبر النعم التي يحن لها المؤمنون، وخاصة المقربين منهم.

ونحب أن نرد هنا باختصار على ما سبق أن أشرنا إليه بتفصيل في كتاب [السلفية والوثنية المقدسة] من آثار تلك الرؤية التجسيمية التي تسربت للمسلمين عن طريق اليهود وغيرهم، والذين صوروا التواصل مع الله تعالى بصورة لا تليق بجلاله وجماله.

وبناء على رؤيتهم التجسيمية لله، فقد صوروا التواصل معه بكونه لا يتم إلا من خلال رؤيته رؤية حسية كما يرى القمر وكما ترى الشمس، وكما ترى الأجسام، لتتمتع العين برؤيته كما تتمتع برؤية الأزهار الجميلة والحدائق الغناء وغيرها.

ولهذا نراهم يحشرون رؤية الله تعالى في الجنة في المواضع التي يتحدثون فيها عن جمال صور أهل الجنة، وجمال قصورهم، ونحو ذلك.

ومن أراد أن يرى تفاصيل ذلك يمكنه الرجوع إلى كتاب [حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح] لابن القيم، فقد عقد فيه فصلا بعنوان [ذكر زيارة أهل الجنة ربهم تبارك وتعالى]([26])، وذكر قبله بابا بعنوان: [في ذكر سوق الجنة وما أعد الله تعالى فيه لأهلها]([27]) وفي كليهما ذكر مشاهد للقاء الحسي الذي يجري بين المؤمنين وربهم في الجنة، كما يجري بين البشر والملوك والأمراء في الدنيا.

ومن تلك الروايات التي يستدلون بها في هذا المجال ما رواه عن سعيد بن المسيب، أنه لقي أبا هريرة، فقال أبو هريرة: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة. فقال سعيد: أو فيها سوق؟ قال: نعم. أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوها بفضل أعمالهم، فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون الله في روضة من رياض الجنة، فتوضع لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ياقوت، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم، وما فيهم دني، على كثبان المسك والكافور، وما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسا)، قال أبو هريرة: فقلت: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: (نعم، هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟) قلنا: لا. قال: فكذلك لا تمارون في رؤية ربكم تبارك وتعالى، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرة، حتى يقول: يا فلان بن فلان بن فلان أتذكر يوم فعلت كذا وكذا، فيذكره بعض غدراته في الدنيا، فيقول: بلى. فيقول: يا رب أفلم تغفر لي؟ فيقول: بلى، فبمغفرتي بلغت منزلتك هذه. قال: فبينما هم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم، فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط، ثم يقول ربنا تبارك وتعالى: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة، فخذوا ما اشتهيتم، قال: فيأتون سوقا قد حفت بها الملائكة، فيه ما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان، ولم تخطر على القلوب. قال: فيحمل لنا ما اشتهيناه، ليس يباع فيه شيء ولا يشترى، في ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا. قال: فيقبل ذو البزة المرتفعة، فيلقى من هو دونه، وما فيهم دني، فيروعه ما يرى عليه من اللباس والهيئة، فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه، وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها. قال: ثم ننصرف إلى منازلنا فيلقانا أزواجنا فيقلن: مرحبا وأهلا بحبنا، لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه، فيقول: (إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار تبارك وتعالى، ويحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا)([28])

ومن الروايات التي يوردونها في هذا ما يروونه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذْ سطع لهمْ نورٌ فرفعوا رؤوسهم،فإذا الربُّ قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة،قال: وذلك قول الله تعالى: { سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 58]،قال: فينظر إليهم وينظرون إليه،فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نورُه وبركته عليهم في ديارهم) ([29])

هذه بعض المشاهد التي يحرص المجسمة على ذكرها في كل محل، وهي لا تختلف كثيرا عن المشاهد التي نقرؤها في كتب التاريخ والأساطير عن مجالس الملوك والأمراء.. حيث يقربون ندمانهم، ثم يصلونهم بأنواع الصلات.. وهي علاقة مادية صرفة لا مجال فيها للمشاعر السامية، ولا للعواطف الجياشة التي رأيناها عند أهل العرفان.

ومن العجب الذي نراه في أمثال هذه الروايات هو إسكانهم لله سبحانه وتعالى خالق هذا الكون جميعا في دار من دور الجنة ليجاورهم، ويصلهم، وتزداد صورهم حسنا بذلك، وكأن الله تعالى لم يخلق سواهم، ولا له تدبير لغيرهم.

ومن العجب الأكبر هو أحاديثهم عن جمال الله تعالى.. وهي أحاديث عن الجمال الحسي، لا عن الجمال العظيم الذي لا يمكن الإحاطة به، ومن أمثلة ذلك ما قاله الهرَّاس، فقد قال: (أما جمال الذات ؛ فهو ما لا يمكن لمخلوق أنَّ يعبر عن شيء منه أو يبلغ بعض كنهه، وحسبك أنَّ أهل الجنة مع ما هم فيه من النعيم المقيم وأفانين اللذات والسرور التي لا يقدر قدرها، إذا رأوا ربهم، وتمتعوا بجماله ؛ نسوا كل ما هم فيه،واضمحل عندهم هذا النعيم، وودوا لو تدوم لهم هذه الحال، ولم يكن شيء أحب إليهم من الاستغراق في شهود هذا الجمال،واكتسبوا من جماله ونوره سبحانه جمالاً إلى جمالهم،وبقوا في شوق دائم إلى رؤيته،حتى إنهم يفرحون بيوم المزيد فرحاً تكاد تطير له القلوب)([30])

وهو في هذا الكلام الذي يشبه كلام العارفين في ألفاظه، إلا أنه لا يرقى إلى مقاصدهم.. فالجمال عنده هو جمال صورة الله الحسية التي لم يتصوروا أن يعرف الله من دونها.

ثانيا: التواصل مع الأسر، ويدل عليه بالإضافة لتلك الآية الكريمة قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا } [الانشقاق: 7 – 9]، وهذا يدل على أن لأهل الجنة أسرا مثلما كان لهم في الدنيا.

وقد أخبر القرآن الكريم أن الذرية الصالحة تتبع آباءها، قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: 21]

وأخبر أن كل العائلة الصالحة تجتمع، قال تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} [الرعد: 23]

ولهذا لم يكتف عباد الرحمن بالدعاء لأنفسهم بدخول الجنة، وإنما راحوا يطلبون أن يجتمعوا مع أسرهم جميعا فيها، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]، وأخبر عن دعاء الملائكة عليهم السلام لهم بهذا، فقال: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [غافر: 8]

ثالثها: التواصل مع الإخوان والأصدقاء، المتساوون في الدرجة والمتشاكلون في الطباع، وهو ما عبرت عنه آيات كثيرة، تذكر أن القرناء يكونون في درجة واحدة، بناء على اتفاق طباعهم ومواقفهم وأنواع جزائهم، كما قال تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} (التكوير:7)، وقال: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} (الصافات: 22)، وقال: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً} (الفرقان:13)

ولهذا يذكر القرآن الكريم أن العلاقات الاجتماعية التي تقام بين أهل الجنة أو أهل النار تقام على أساس التشاكل بينهم، ذلك أن كل مرتبة في الجنة أو النار تضم أصنافا معينين، بحسب أعمالهم ومراتبهم، كما قال تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا } [الإسراء: 21]

ولكن مع ذلك يمكن أن يرتقي الشخص إلى مرتبة أخرى، إن كان له علاقة بها، كما قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]

وورد في الحديث أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله متى قيام الساعة؟ فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الصلاة، فلما قضى صلاته قال: أين السائل عن قيام الساعة؟، فقال الرجل: أنا يا رسول الله قال: ما أعددت لها؟ قال: يا رسول الله ما أعددت لها كبير صلاة ولا صوم إلا أني أحب الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (المرء مع من أحب، وأنت مع من أحببت)([31])

وبناء على هذا كله يرغب الله تعالى عباده في الجنة بذكر تلك المجالس التي تجمع أهل الجنة بعضهم ببعض، كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر: 45 – 47]

وقد علق عليها الشيخ مكارم الشيرازي بقوله: (إن جلساتهم الإجتماعية خالية من القيود المتعبة التي يعاني منها عالمنا الدنيوي، فلا طبقية ولا ترجيح بدون مرجح، والكل إخوان، يجلسون متقابلين في صف واحد ومستوى واحد، وبطبيعة الحال، فهذا لا ينافي تفاوت مقاماتهم ودرجاتهم الحاصلة من درجة الإيمان والتقوى في الحياة الدنيا، ولكن ذلك التساوي إنما يرتبط بجلساتهم الاجتماعية)([32])

وفي مقابل هذه العلاقات الطيبة التي تجمع بين المؤمنين، وتوحد بين قلوبهم، يذكر الله تعالى تلك القطيعة التي يصادفها من اتخذوا من الإخوان والخلان من صرفهم عن الله، وأبعدهم عنه، كما قال تعالى:{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 27 – 29]

وقد ورد في حديث عن الإمام علي، يفسر بعض مصاديق هذا المعنى، حيث قال: (خليلان مؤمنان، وخليلان كافران، فتوفي أحد المؤمنين وبشر بالجنة فذكر خليله، فقال: اللهم، إن فلانا خليلي كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، وينبئني أني ملاقيك، اللهم فلا تضله بعدي حتى تريه مثل ما أريتني، وترضى عنه كما رضيت عني. فيقال له: اذهب فلو تعلم ما له عندي لضحكت كثيرا وبكيت قليلا. قال: ثم يموت الآخر، فتجتمع أرواحهما، فيقال: ليثن أحدكما على صاحبه، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: نعم الأخ، ونعم الصاحب، ونعم الخليل. وإذا مات أحد الكافرين، وبشر بالنار ذكر خليله فيقول: اللهم إن خليلي فلانا كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ملاقيك، اللهم فلا تهده بعدي حتى تريه مثل ما أريتني، وتسخط عليه كما سخطت علي. قال: فيموت الكافر الآخر، فيجمع بين أرواحهما فيقال: ليثن كل واحد منكما على صاحبه. فيقول كل واحد منهما لصاحبه: بئس الأخ، وبئس الصاحب، وبئس الخليل)([33])

وقد روي في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يبين قيمة المحبة في الله، وكونها تجمع بين المؤمنين مهما اختلفت ديارهم وأزمنتهم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو أن رجلين تحابا في الله، أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب، لجمع الله بينهما يوم القيامة، يقول: هذا الذي أحببته في)([34])

وهذا الحديث لا يفهم منه فقط ما نعرفه من البعد المكاني، بل يدخل فيه أيضا البعد الزماني، حيث يلتقي المؤمنون بكل من يحبونهم من أنبياء الله ورسله والأولياء والصالحين، وكل من هفت قلوبهم محبة لهم.

ولذلك فإن مجتمع أهل الجنة مملوء بأهل العلم والتقوى والحكمة، لا كما يشيع المنحرفون، من أن الجنة محل للشهوات الحسية، لا للمعاني العقلية والروحية، وكيف تكون كذلك، وفيها الأنبياء والأولياء والصالحين والعلماء.. وكلهم يبقى بنفس اهتماماته ورغباته التي رحل بها من الدنيا.

وفي نفس الوقت نرى أنه يمكن أن يكون في الجنة كل وسائل التواصل التي عرفناها في الدنيا، ولكن بصورة أكثر تطورا، ولذلك فإن المغرمين بشبكات التواصل الاجتماعي، لن يفقدوها في الجنة، بل سيجدون أجيالا أكثر تطورا، بشرط ألا تحجبهم هذه الشبكات في الدنيا عن ربهم، حتى لا تتحقق فيهم تلك القاعدة التي ذكرناها.

وهكذا يمكن أن تقام في الجنة الحفلات والمعارض والمؤتمرات، ويمكن أن يظهر فيها المبدعون والكتاب والشعراء، ويمكن أن تحصل فيها المسابقات المختلفة، والتي توطد العلاقات الاجتماعية لأهل الجنة بما يتناسب مع طباعهم وأمزجتهم.

ودليلنا على كل ذلك ما نص عليه قوله تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ } [الزخرف: 71]، وقوله: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ } [الزمر: 33، 34]، وقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [الشورى: 22]، فهذه الآيات الكريمة تنص على القواعد التي تحكم هذا المجال، ولذلك لا يصح أن نصور الجنة بتلك الصورة البدائية البسيطة، التي قد تجعل بعض النفوس تنفر منها.

ولهذا عندما جاء بعض الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان ممن يحبون الزرع، وصف له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجنة بما يتناسب مع طباعه وما يشتهي، فقد روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم (كان يومًا يحدث وعنده رجلٌ من أهل البادية، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن رجلًا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلى، لكني أحب أن أزرع، قال: فبذر، فبادر الطَرْفَ نباتُه واستواؤُه واستحصاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله: دونك يا بن آدم، فإنه لا يشبعك شيء)([35])

وهذا الحديث يدل على أن الله تعالى يوفر لكل نفس في الجنة البيئة التي تشتهيها، بل يضيف إليها من كرمه ما يزيد في جمالها ولذتها، كما قال تعالى: { لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 35]، وقال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } [يونس: 26]

وطبعا هذا لا يعني تلك النفوس المملوءة بالدنس، والتي قد تشتهي ما لا ترتضيه الفطرة السليمة؛ ذلك أن أصحاب تلك الشهوات، وبعد المرور على السراط يهذبون منها قبل دخولهم الجنة، فالجنة لا يدخلها إلا الطيبون أصحاب النفوس الطيبة، والرغبات الطيبة.

ب ـ القطيعة ومظاهرها:

في مقابل ذلك الجزاء المعنوي الممتلئ بالجمال، والذي يتواصل فيه المحسنون مع كل شيء، ابتداء من الله تعالى، وانتهاء بأي مخلوق يرغبون في التواصل معه، نرى أنواع القطيعة التي يعاني منها المسيئون الذين آثروا في الدنيا مقاطعة ربهم، ورسلهم، وهداتهم، وجميع القيم التي جاءوا بها؛ فلذلك كان جزاؤهم من جنس عملهم.

وقد عبر عن أخطر أنواع هذه القطيعة قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15]، وقد سبقت بقوله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [المطففين: 14]، لتبين أن السبب في ذلك الحجاب ليس من الله، وإنما من عند أنفسهم، بعد أن ملأوا قلوبهم بأنواع الشبه التي تحول بينهم وبين ربهم.

وقد سبق ذلك كله قوله تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } [المطففين: 10 – 13]، وهي تبين أن ذلك الحجاب كان قد صنع في الدنيا بسبب التكذيب والتلفيق والتزوير الذي مارسه المسيئون مع الحقائق والقيم التي جاءتهم بها الرسل عليهم السلام.

وهكذا يذكر القرآن الكريم مشهدا من مشاهد القطيعة يبدأ بدعاء المسيئين لله تعالى أن يخرجهم مما هم فيه، وهم يرددون بكل خشوع: { رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) } [المؤمنون: 106 – 108]

لكن الله تعالى يجيبهم بقوله: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} [المؤمنون: 108 – 111]

وهذا يدل على أن ذلك الجزاء الإلهي الذي حصل لهم لم يكن سوى تنفيذا لما تقتضيه العدالة الإلهية المطلقة، ذلك أن تلك الجرائم التي مارسوها في حق المستضعفين، وسخريتهم منهم، أصبحت حجابا عظيما يحول بينهم وبين التواصل مع الحق.

وهكذا يخبر الله تعالى عن خطاب الملائكة لهم، والمملوء بكل أنواع الشدة، جزاء لهم على شدتهم وقسوتهم، قال تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [غافر: 49، 50]

ويخبر القرآن الكريم عن تلك الآلام الشديدة التي يعاني منها المسيئون، والتي تجعلهم يطلبون من الملائكة أن يطلبوا من الله تعالى القضاء عليهم، قال تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76) وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ } [الزخرف: 74 – 78]

وهكذا يذكر القرآن الكريم تلك الحوارات الكثيرة التي تجري بين المسيئين، والتي يستعيدون فيها جرائمهم التي مارسوها في الدنيا، ويلقي بعضهم على بعض اللوم بسببها.

ومن تلك المشاهد ما عبر عنه قوله تعالى: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48)} [غافر: 47، 48]

ومنها ما عبر عنه قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [سبأ: 31 – 33]}

ومنها ما عبر عنه قوله تعالى:{وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ } [إبراهيم: 21]

وهكذا يخبر الله تعالى عن خطبة من خطب الشيطان يلقيها في أهل جهنم، يتبرأ فيها منهم، قال تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [إبراهيم: 22]

بل إن القرآن الكريم يذكر إمكانية تواصل المسيئين مع المحسنين، لكن لا لينعموا بذلك التواصل، وإنما ليتعذبوا ويتأدبوا به، قال تعالى يذكر مشهدا من تلك المشاهد: { وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأعراف: 50، 51]

ومثل ذلك ذكر الله تعالى المسيئين مع المحسنين، قال تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ } [الأعراف: 44]

هذه بعض مشاهد الألم التي يعاني منها أولئك الذين آثروا أن يقاطعوا ربهم، والهداة الذين أرسلهم، والهداية التي أرسلها معهم، ولذلك كان كل ما حصل لهم من قطيعة جزاء متوافقا تماما مع اختياراتهم ورغباتهم التي شكلوا منها نفوسهم.

وهي في نفس الوقت نوع من أنواع التربية لهم، ليدركوا قيمة الإيمان الذي فرطوا فيه، وباعوه بثمن بخس، ولهذا ورد في التعقيب على بعض تلك المشاهد التي ذكرناها قوله تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 112 – 115]، وهذا درس لهم، ليتخلصوا من كل ذلك الران الذي طبع قلوبهم في الدنيا عن الهداية، ولا تزال آثاره معهم في الجحيم، ولذلك احتاجوا إلى البقاء فيها حتى يزال عنهم ذلك الران، أو يبقوا فيها أبد الآبدين.

ثانيا ـ الجزاء الحسي.. وتجليات العدالة والرحمة:

من مظاهر العدالة والرحمة الإلهية في دار الجزاء ما أعد لعباده فيها من الجزاء الحسي المتوافق مع أعمالهم، ليروا بأعينهم الحسية حصاد ما زرعوه؛ فيكون ذلك سلما لمسيرتهم نحو الكمال المستعدين له بحسب طاقاتهم المختلفة.

وهذا الجزاء متوافق مع العدالة والرحمة الإلهية، كما أنه متوافق مع تربية الله تعالى لعباده، لإخراجهم من الظلمات إلى النور.

أما توافقه مع العدالة؛ فذلك لأن كل إنسان في دار الجزاء لا يرى إلا ثمرة أعماله، ولذلك تختلف مراتب المحسنين والمسيئين اختلافا شديدا، بناء على النتائج التي ظهرت في الموازين الدقيقة، وسلمت نتائجها في الموقف.

وأما توافقه مع الرحمة الإلهية؛ فذلك لأن الله تعالى ضاعف جزاءه للمحسنين، بحيث وفر لهم أضعاف أضعاف ما عملوه، بناء على اسمه الشكور، وفي نفس الوقت لم يجاز المسيئين إلا بما غرسوه من أعمال، مع إمكانية أن يرفع عنهم البلاء في حال تحسنهم، وارتفاع آثار الأوزار من نفوسهم.

وبما أن الإنسان عمل أعماله في الدنيا سواء كانت حسنة أو سيئة بجوارحه الحسية، وهو في نفس الوقت يتنعم تنعما حسيا، ويتألم ألما حسيا؛ فقد كان من مقتضيات العدالة والرحمة الإلهية أن يجازى في دار الجزاء بهذا النوع من الجزاء المتوافق مع أعماله.

ولذلك لا معنى لتلك المقولات التي يسخر بها البعض من الجزاء الحسي، ويتصور أن له من العقل والحكمة والروحانية ما يجعله يترفع عن الاهتمام بذلك النوع من الجزاء؛ فكل ذلك كذب على النفس.

ذلك أننا إن تأملنا في حياة أي فيلسوف أو مفكر أو عارف نجد له اهتماما بشؤونه الحياتية، بل يحب أن يوفر له في حياته الحد الأدنى الذي يغنيه عن التطلع لغيره.

بل إننا نجد الكثير من الذين يطرحون أمثال هذه الشبه شديدي الإعجاب بالتطور الحضاري المادي للشعوب المختلفة، ولست أدري كيف يعجبون بذلك التطور، وفي نفس الوقت يستغربون أو ينكرون ذلك التطور وتلك الحضارة التي يصف الله تعالى بها دار الجزاء المعدة لعباده الصالحين.

وهكذا الأمر بالنسبة لدار الجزاء المعدة للمسيئين؛ فإن هؤلاء إن قيل لهم: إنكم في دار الجزاء ستحجبون عن الله، ولن تتذوقوا تلك المعاني النبيلة السامية التي يستشعرها المؤمنون؛ فلا شك أنهم سيسخرون من ذلك، لأنهم أصلا لا يجدون في نفوسهم أي اهتمام أو رغبة في ذلك.

ولذلك كان هذا النوع من الجزاء الإلهي متوافقا مع كل النفوس، ومع جميع الأعمال، باعتبار أنه ليس سوى تجسد لتلك الأعمال التي قام بها صاحبها في الدنيا.

بالإضافة إلى هذا، فإن الحس دليل المعنى، وبالحس قد يترقى الإنسان ليفهم المعنى، ولذلك لن يكون ذلك النعيم الذي أعده الله لعباده الصالحين حجابا لهم، بل سيكون مرقاة لهم يتعرفون من خلالها على ربهم..

ذلك أن كل شيء صنعة لله، وحروف تكتبها يد القدرة، ليتعرف العبد من خلالها على الله، كما عبر عن ذلك قوله تعالى ـ وهو يأمرنا بقراء الرحمة الإلهية من خلال حياة الأرض بعد موتها ـ: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} (الروم: 50)

ويأمرنا بالاستبشار تفاؤلا بفضل الله، وفرحا بالله، وتنسما لرحمة الله عند هبوب الرياح التي يرسلها، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (لأعراف:57)

ويعلمنا أن نقرأ لطف الله وخبرته المحيطة بكل شي من خلال حروف الماء الساقطة على الأرض المخضرة، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} (الحج:63)

ويعلمنا أن نقرأ علم الله وقدرته من خلال السطور المبثوثة في تقلب الزمان بأعمارنا، قال: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} (النحل:70)

ويرينا قوة الله القاهرة، وقدرته الشاملة باستعراض تفاصيل دقيق المكونات وجليلها؛ فالسموات التي ننبهر لضخامتها لا تعدو أن تكون شيئا حقيرا جدا أمام عظمة الله، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الزمر:67)

وبذلك فإن الحس لن يكون حجابا عن المعنى، بل سيكون دليلا عليه، ولهذا كان كل شيء نراه في الكون مرقاة نرقى بها إلى الله، وحروفا نتعرف من خلالها عليه.

والأمر في دار الجزاء مثله في دار الفناء.. ففي الجنة يعاين المحسنون من مظاهر الكرم الإلهي ما يملؤهم حبا وتعظيما له.. وفي النار يعاين المسيئون من مظاهر قدرة الله ما يجعلهم يجلونه ويعظمونه، ذلك أنهم كانوا يحتقرونه ويحتقرون رسله والقيم التي دعا إليها، ولذلك كان ذلك العقاب إصلاحا لهم حتى يتجاوزوا نفوسهم الأمارة بالسوء.

وقبل أن نذكر بعض أصناف النعيم الحسي التي وردت بها النصوص المقدسة، نحب أن نذكر لبعض إخواننا من المسيحيين نصوصا من الكتاب المقدس تنص على هذا النوع من الجزاء، لأنا نراهم في أحيان كثيرة يوهمون عامة الناس عن ترفع المسيحية عن هذا النوع من الجزاء، ولست أدري مصدرهم في ذلك، وهل هناك أسفار مخفية من الكتاب المقدس ينهلون منها تلك الأحكام، أم أنها مجرد دعاوى؟

ذلك أننا نجد في الكتاب المقدس نفس ما نجده في القرآن الكريم من أنواع النعيم والجزاء، وإن كان بصورة مختصرة، ذلك لأن الكتاب المقدس لم يول أصلا مباحث المعاد، أهميته الكبرى، بخلاف القرآن الكريم.

ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في العهد الجديد من الحديث عن دار الجزاء، وخصوصا تلك التي يعاقب فيها المسيئون، فقد ورد في (متى 13: 40 – 42) (فكما يجمع الزوان ويحرق بالنار هكذا يكون في انقضاء هذا العالم: يرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم، ويطرحونهم في أتون النار، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان)

وفي (متى 22: 13): (حينئذ قال الملك للخدام: اربطوا رجليه ويديه، وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان)

وفي (متى 25: 46): (فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية)

وفي (متى 8: 11 و12): (وأقول لكم: إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب في ملكوت السماوات، وأما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان)

وفي (لوقا 16: 23 و24): (فرفع عينيه في الهاوية وهو في العذاب، ورأى إبراهيم من بعيد.. فنادى: يا أبي إبراهيم ارحمني، وأرسل لعازر ليبل طرف إصبعه بماء ويبرد لساني، لأني معذب في هذا اللهيب)

وفي (2 تسالونيكي 1: 8 و9): (معطيا نقمة للذين لا يعرفون الله والذين لا يطيعون إنجيل ربنا يسوع المسيح، الذين سيعاقبون بهلاك أبدي من وجه الرب ومن مجد قوته)

وفي (1 تسالونيكي 4: 3 – 7): (لأن هذه هي إرادة الله: قداستكم. أن تمتنعوا عن الزنا، أن يعرف كل واحد منكم أن يقتني إناءه بقداسة وكرامة، لا في هوى شهوة كالأمم الذين لا يعرفون الله. أن لا يتطاول أحد ويطمع على أخيه في هذا الأمر، لأن الرب منتقم لهذه كلها كما قلنا لكم قبلا وشهدنا. لأن الله لم يدعنا للنجاسة بل في القداسة)

وفي (متى 26: 24) قال المسيح: (إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه، ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان. كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد)

وفي (متى 23: 13): (.. ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون، لأنكم تغلقون ملكوت السماوات قدام الناس فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون!)

وفي (رؤيا 14: 9 – 11): (ثم تبعهما ملاك ثالث قائلا بصوت عظيم: إن كان أحد يسجد للوحش ولصورته، ويقبل سمته على جبهته أو على يده، فهو أيضا سيشرب من خمر غضب الله المصبوب صرفا في كأس غضبه، ويعذب بنار وكبريت أمام الملائكة القديسين وأمام الحمل. ويصعد دخان عذابهم إلى أبد الآبدين)

وفي (رؤيا 19: 20): (فقبض على الوحش والنبي الكذاب معه، الصانع قدامه الآيات التي بها أضل الذين قبلوا سمة الوحش والذين سجدوا لصورته. وطرح الاثنان حيين إلى بحيرة النار المتقدة بالكبريت)

وفي (رؤيا 20: 15): (وكل من لم يوجد مكتوبا في سفر الحياة طرح في بحيرة النار)

وهكذا نجد في العهد القديم، وهو الذي يشترك فيه المسيحيون مع اليهود، الكثير من النصوص الدالة على الجزاء الحسي، ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في (إشعياء 57: 21): (ليس سلام قال إلهي للأشرار)، وفي (دانيال 12: 2) (الأشرار يستيقظون من تراب الأرض.. إلى العار للازدراء الأبدي)

وهذا ما يقوله المحققون من المسيحيين، وقد رد أحدهم على إخوانه من رجال الدين الذين يوهمون الناس بأن الكتاب المقدس لا يحوي أي نوع من أنواع العقوبة الحسية، بقوله: (يقول بعض الناس: كيف يمكن أن إله الحب والرحمة يسر في أن يعذب إلى الأبد المخلوقات، حتى ولو كانت متمردة؟)([36])

ثم أجاب على هذا الإشكال، فقال: (لم يذكر الكتاب إطلاقا بأن الله يريد عذاب الأشرار، كما أن لا دخل له في إلقائهم في جهنم العذاب، لكن الأشرار هم الذين انفصلوا باختيارهم عن الله وعن نعمته المخلصة. لقد رفضوه وتبعا لذلك جلبوا الشقاء على أنفسهم، وعذابهم يتضمن في حرمانهم من السعادة والفرح بالغفران، وبالسلام الذي يستطيع الله وحده أن يهبه)

وهذا الكلام هو نفسه الذي يقوله المسلمون من أن ذلك العقاب الإلهي ليس سوى حصاد لما كسب المسيئون، أما اعتباره أن العقوبة قاصرة على الحرمان من السعادة والفرح بالغفران، فهي مغالطة تنفيها النصوص الواضحة في الكتاب المقدس، والذي لا يقصر العقوبة على ذلك الحرمان، وإنما يضيف إليه عقوبات حسية واضحة.

ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في قول إشعياء عن وقائد أبدية (إشعياء 33: 14)، وعن نار لا تطفأ (إشعياء 66: 24).. وقول دانيال عن العار في الازدراء الأبدي (دانيال 12: 2).. وقول يوحنا والمسيح عن النار التي لا تطفأ أبدا (متى 13: 12، مرقس 9: 43).. وقول المسيح: (يمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية) (متى 25: 46)، وفي سفر الرؤيا: (ويصعد دخان عذابهم إلى أبد الآبدين.. وسيعذبون نهارا وليلا إلى أبد الآبدين) (رؤيا 14: 11، 19: 3، 20: 10).. وغيرها من النصوص الكثيرة.

بناء على هذا سنحاول هنا أن نذكر ما ورد في النصوص المقدسة من أصناف الجزاء الحسي، وقد رأينا أنه يمكن اجتماعها في الأنواع الأربعة التالية:

1 ـ الأجسام والصور: ذلك أن النشأة الأخرى تتشكل فيها الأجسام والصور بحسب قوانينها، والأعمال المرتبطة بها، ولا يمكن فهم الجزاء الحسي في الآخرة دون فهم ذلك.

2 ـ المأوى والمسكن: ذلك أن الله تعالى وفر في دار الجزاء مساكن تتناسب تماما مع الطبائع المختلفة.

3 ـ الأكل والشرب: فقد وصفت النصوص المقدسة الكثير مما يرتبط بهذا الجانب.

4 ـ الأزواج والولدان: وقد ورد ذكر كليهما في النصوص المقدسة، وكانا من أكبر المسائل التي وقعت فيها بعض الإشكالات، والتي نحاول الإجابة عليها.

1 ـ الأجسام والصور:

من خلال تأمل النصوص المقدسة الواردة عن أهل الجنة وأهل النار، نستطيع اكتشاف الكثير من الحقائق المرتبطة بالأجسام والصور في ذلك العالم، بناء على القوانين التي تحكمه، والتي تخالف في الكثير منها ما نراه في هذا العالم.

وهذا لا يتنافى مع العقل أو العلم، ذلك أن العقل يقر بإمكانية وجود قوانين تحكم عوالم أخرى؛ فليس بالضرورة ما نراه في هذا العالم هو المعيار الذي يحكم العوالم جميعا.

وما يراه العقل بالتأمل هو ما أثبته العلم؛ وخاصة على ضوء تلك القوانين الكثيرة الغريبة التي اكتشفها عند تعامله مع الكائنات تحت الذرية.

بناء على هذا سنذكر أهم خصائص الأجسام والصور في ذلك العالم، على حسب ما نفهمه من النصوص المقدسة.

أ ـ تبعية الأجسام والصور للأعمال:

كما ذكرنا سابقا، فإن الأجسام والصور يوم القيامة ابتداء من البعث، تتشكل بحسب الأعمال؛ فلذلك قد لا نرى البشر بهيئة واحدة مثلما نراهم في الدنيا، بل منهم من يكون صغيرا حقيرا مثل النمل، كما ورد في الأحاديث التي تصف هيئة المستكبرين.. وقد يكون منهم من يكون بهيئة الوحوش نتيجة غلبية سبعيته، ومنهم من قد يكون بهيئة البهائم نتيجة غلبة شهوته.. وهكذا تكون الأجسام بحسب الهيئات النفسية التي أدمن عليها أصحابها، واختاروها لأنفسهم.

وقد أشار إلى هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً} [الكهف: 105])([37])

وهكذا الألوان؛ فقد أشار القرآن الكريم إلى أن ما نراه في الدنيا من ألوان، هي للامتحان والاختبار فقط، وهي بذلك مجرد أقنعة وطلاء، أما ألوان الآخرة، فهي الألوان الحقيقية الثابتة، قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } [القيامة: 22 – 25]، وقال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42) } [عبس: 38 – 40]

وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد كوكب دُرِّيّ في السماء إضاءة)([38])

وهكذا يعاين المسيئون ما فعلوه على أشكال وهيئات مختلفة، وقد ورد في بعض الآثار: (إن لجهنم لجبابا في كل جب ساحلا كساحل البحر فيه هوام وحيات كالبخاتي وعقارب كالبغال الذل؛ فإذا سأل أهل النار التخفيف، قيل: اخرجوا إلى الساحل فتأخذهم تلك الهوام بشفاههم وجنوبهم وما شاء الله من ذلك فتكشطها فيرجعون فيبادرون إلى معظم النيران ويسلط عليهم الجرب حتى إن أحدهم ليحك جلده حتى يبدو العظم، فيقال: يا فلان هل يؤذيك هذا؟ فيقول: نعم فيقال له: ذلك بما كنت تؤذي المؤمنين)([39])

وهذا يدل على أن كل تلك المشاهد والآلام التي يعاني منها هؤلاء ليست سوى تجسد لذلك الأذى الذي كانوا يمارسونه في الدنيا.

وهكذا يكون الألم في المحل الواحد بحسب العمل، لا بحسب البيئة التي يكون فيها الشخص، ففي الحديث في وصف عذاب جهنم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته)([40])

ب ـ انسجام الأجسام مع الجزاء:

ونريد به أن الأجسام في ذلك العالم تكون منسجمة جميعا مع الجزاء المرتبط بها، ولذلك فإن ما ندرسه في الدنيا من علم وظائف الأعضاء قاصر على هذه الأجساد، ولا علاقة له بأجساد الآخرة، ذلك أن القوانين هناك مختلفة تماما.

وكمثال على ذلك، فإن جميع الجهاز الهضمي الذي نراه في الدنيا، لا ضرورة له في الآخرة، لأن الغذاء هناك مختلف، ولا حاجة لهذا الجهاز لاختلاف الغذاء، مثلما نرى الجهاز الهضمي للبقرة مختلفا عن الجهاز الهضمي للإنسان بناء على اختلاف نوع الغذاء.

وقد أشار إلى هذا المعنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتغوّطون، ولا يمتخّطون، ولا يبولون، ولكن طعامهم ذاك جشاء كرشح المسك، يُلهَمون التسبيح والتحميد كما يُلهَمون النَّفَس)([41]) في رواية: (لا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يتفلون، ولا يمتخّطون)([42])

وهذا الحديث يشير إلى أن جهاز الإطراح مختلف تماما، وأنه مرتبط بجميع الجسم، وأن ما يخرج منه هو الرائحة الطيبة.. وهذا قد يشير إلى أن التلذذ بالطعام ليس خاصا باللسان، بل قد يكون في جميع الأجزاء التي يمر بها، أي الجسم جميعا.. وهو قد يشير أيضا إلى أن الهدف من الغذاء هناك هو التلذذ المجرد، أي أن الأجسام هناك ثابتة مكتفية لا تحتاج لشيء يضاف إليها، أو تبنى به.

والحديث يشير أيضا إلى أن الجهاز التنفسي في ذلك الحين مختلف تماما، لأن الشهيق والزفير فيه هو تلك التسبيحات التي يسبح بها الإنسان ربه.

وهكذا يمكننا تخيل الكثير من الأشياء المرتبطة بهذا الجانب، والتي تتنافى مع ما نراه في هذا العالم من تصرفات أجسادنا، والتي لها علاقة بنوع الحياة البسيطة التي نعيشها.

ولذلك ذكرنا عند مناقشتنا لبعض التنويريين في كتاب [التنويريون والصراع مع المقدسات] أن العلاقة الزوجية في الآخرة مع الزوجات أو مع الحور العين لا علاقة لها بما نراه في الدنيا، بل هي علاقة سامية، متناسبة مع ذلك العالم الممتلئ بالطهر والسمو والقداسة([43]).

وهكذا؛ فإن الكثير من الإشكالات تحل عند التعرف على هذه الخاصية من خصائص أجسام الآخرة.. ذلك أن الكثير من الإشكالات مبنية على القياس على أجسام الدنيا وهيئاتها.

وهكذا الأمر بالنسبة لأجسام المسيئين؛ فهي متناسبة مع نوع الجزاء المرتبط بهم، وقد ذكر الله تعالى بعض صفات الجلود في الآخرة، وفي جهنم خصوصا، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 56]

وأخبر عن الطاقات التي تحملها تلك الأجساد، ومدى تحملها للعذاب، فقال: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)} [الحج: 19 – 22]

وأخبر عن حديث الجسد في تلك النشأة، فقال: {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [فصلت: 20]

وهكذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بعض صفات أجسام من يدخلون جهنم، وبين أنها تتنافى مع ما نعرفه من صفات الأجساد وطاقاتها في الدنيا، فقال: (ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع) ([44])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ضرس الكافر، أو ناب الكافر، مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث) ([45])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعاً، وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة) ([46])

 وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، وعرض جلده سبعون ذراعاً، وعضده مثل البيضاء، وفخذه مثل ورقان، ومقعده من النار ما بيني وبين الربذة) ([47])

وكل هذه صور تقريبية، تحاول أن تصور الحقيقة التي لا يمكن معرفتها إلا بعد معاينتها، ولذلك كان الخوض فيها خوضا فيما لا يعني..

وبناء على هذا نرى أن ما يذكر في الكثير من الروايات عن طول الإنسان ونحوه هو من آثار الإسرائيليات التي دخلت للأحاديث النبوية، ذلك أن الأمر مختلف في الآخرة تماما عن الدنيا.

ومثل ذلك تلك الأحاديث التي تصف بعض ما يحصل في الجنة، وخاصة في العلاقة مع الزوجات والحور العين، فكلها أحاديث تقريبية، أو رواها الرواة بالمعنى، أو من المدسوسات، كما سنرى ذلك عند الحديث عن الأزواج والولدان.

ج ـ روحانية الأجسام:

قد يكون هذا العنوان غريبا، لكن ربما يكون حلا للخلاف الدائر بين القائلين بالمعاد الجسماني والمعاد الروحاني، ذلك أن الأجسام في الآخرة، وفي دار الجزاء خصوصا، وخاصة في الديار المعدة للمحسنين، يكون لها من الخصائص ما يجعلها أكثر شفافية وروحانية ومثالية من أجساد الدنيا، حيث تنتفي عندها الكثير من الحواجز التي نراها في الدنيا بسبب القوانين الفيزيائية التي تحكمها.

ولذلك يمكن لأهل الجنة التنقل حيث شاءوا، وفي طرقة عين، ومن غير حاجة لاستعمال أقدام، أو أي وسيلة نقل، وقد ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإخوان، فيجيء سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا، فيتحدثان، فيتكئ هذا ويتكئ هذا، فيتحدثان بما كان في الدنيا، فيقول أحدهما لصاحبه: يا فلان، تدري أي يوم غفر الله لنا؟ يوم كنا في موضع كذا وكذا، فدعونا الله عز وجل، فغفر لنا)([48])

وهكذا يمكنهم بمجرد الهمة أن يحصلوا على ما يريدون، ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنك لتنظر إلى الطير في الجنة، فتشتهيه، فيخر بين يديك مشوياً)([49])

وهكذا ورد في الحديث الإخبار عن بعض الذين يشتهون الولد، فيحصل عليه في لحظات معدودة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة كما يشتهي)([50])

وهكذا أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن قوة أجساد أهل الجنة، ومدى اختلافها عن أجساد أهل الدينا، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً، فذلك قوله عز وجل: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43])([51])

والأمر ـ كما ورد في الروايات ـ ليس قاصرا على البشر، بل حتى على الأشياء التي تكون في الجنة، ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الرجل إذا نزع ثمرة في الجنة، عادت مكانها أخرى)([52])

وبناء على هذا ذكر الكثير من المحققين ما ذكرناه من تروحن أجساد أهل الجنة، فقد قال العلامة المتكلم مقداد عبد الله الفاضل السيوري الحلي: (دلّ العقل على أنّ سعادة النفوس في معرفة الله تعالى ومحبته، وعلى أنّ سعادة الأبدان في إدراك المحسوسات، ودلّ الاستقراء على أنّ الجمع بين هاتين السعادتين في الحياة الدنيا غير ممكن، وذلك انّ الإنسان حال استغراقه في تجلّي أنوار عالم الغيب لا يمكنه الالتفات إلى اللّذات الحسية، وإن أمكن كان على ضعف جداً بحيث لا يعد التذاذاً، وبالعكس، لكن تعذر ذلك، سببه، ضعف النفوس البشرية هنا، فمع مفارقتها واستمدادها الفيض من عالم القدس تقوى وتشرق، فمع إعادتها إلى أبدانها غير بعيد أن تصير هناك قوية على الجمع بين السعادتين على الوجه التام وهو الغاية القصوى في مراتب السعادة. قالوا: وهذا لم يقم على امتناعه برهان، فلذلك أثبتوا المعادين)([53])

وقريب منه ما ذكره شهاب الدين القرافي، فقد قال: (النعيم الجسماني الذي يثبته المسلمون ليس مفسرًا على ما ذكرتموه من التشنيع، بل على وفق الكرامة الربانية والسعادة الأبدية، وتقريره: أننا نجد في هذه الدار الملاذ الجسمانية تترتب على أسباب عادية، فالملاذ إما علوم خاصة حسية كإدراك الحلاوة وأنواع الطعوم الملائمة، وإدراك الأرايج المناسبة لجواهر النفس البشرية، وإدراك الملامسة للأجسام الموافقة لجواهر الطباع، وإدراك المبصرات من الألوان والأضواء وتفاصيل أنواع الحس والجمال وغيرها من المبصرات السارة للنفس، وكذلك القول في بقية الحواس، وأما إدراك الأحوال النفسية كاستشعار النفس حصول الشراب والغذاء عند حاجتها للاغتذاء والإرواء، ونحو ذلك، فهذه هي الملاذ الجسمانية ولذلك حد الفضلاء اللذة بقولهم: [هي إدراك الملائم]، فجمعوا الجميع في هذا الحد الشامل، وأما أسبابها العادية فهي المباشرة لأنواع المآكل والمشارب والمناكح ونحو ذلك، ثم هذه المباشرة تقترن بها في العادات حاجات للمتناولات وقاذورات تقترن بالمباشرات، فالمسلمون يدعون من هذه الأقسام الثلاثة الأولين فقط دون الثالث، فيثبتون اللذات وأسبابها مجردة عن القاذورات وأنواع الحاجات، فيقولون: الأكل والشرب والنكاح في الجنة من غير ألم جوع ولا عطش ولا بصاق ولامخاط، ولا دمع ولابول ولا غائط، ولا ريح منتن ولا حيض ولا مني ولا رطوبات مستقذرة، ولا إبداء عورة منقضة، ولا زوال أبهة معتبرة، ولا شيء مما يعاب بنوع نقيصه، بل يجد المؤمن غاية ما يكون من لذة الأكل بمباشرة أنفس المآكل من غير بصاق ولا تلويث، ولا ألم جوع سابق ولا شيء لاحق، وكذلك يحصل أعظم ما يكون من لذة الشرب عند مباشرة أشرف المشروبات، من غير عطش ولا حاجة سابقة ولا تلويث لاحق ولا شيء يعاب.. وإذا كان هذا هو الذي يعتقده المسلمون من الجمع بين النعيم الروحاني المتعلق بالأرواح من إدراك معنى جلال الله تعالى وجماله وتفاصيل صفاته وآلائه المتجددة على ممر الأبد والنعيم الجسماني الذي تقدم تحقيقه ؛ كان هو اللائق بالكرم الإلهي والإحسان الرباني، فإن الاقتصار على النعيم الروحاني تقصير من قائله في سعة النعمة وتمام الكرامة، وأن ما يقوله المسلمون يجزم العقل الشريف بأن مثله لا تعرى عنه دار أريدت لغاية الإكرام، وأن يكون على غاية التمام، بل لو فرض عدم هذه الملاذ البديعة منها لقال العقل الوافر لو كان فيها هذه الملاذ لكانت أتم وأكمل.. فظهر إصابة المسلمين للصواب ببيان الحق واندفع السؤال)([54])

أما الذين ينكرون هذا القول، ويزعمون أن هذا الجسد الذي نعيش به في الدنيا هو نفسه الذي نعيش به في الآخرة؛ فهو مبني على تصورات بدائية للإنسان، تجعل منه مختصرا في هذا القالب الطيني، بينما حقيقة الإنسان أكبر من أن تحصر في أي قالب.

وقد أجاب الشيخ الفيلسوف صدر المتألهين على هذا الإشكال بذكره أن هذا البدن الذي نعيش به في الدنيا، له حقيقة في ذاته، وليس مرتبطا ارتباطا ضروريا بالنفس، ولذلك يعود بعد انتهاء استعمال النفس له إلى وضعه الطبيعي، ترابا مثل سائر التراب.

وقد قال عند حديثه عن ماهية بدن الإنسان في حال الطفولة، وفي حال الشباب، وفي حال الشيخوخة، وهل هي باقية بعينها، أم أنّها قد تغيرت وتبدلت: (الجواب: بلا، وبنعم، کلاهما صحيح ؛ إذ کلٌّ من السلب والإيجاب صادق بوجه دون وجه، فهو من حيث هو بدن زيد شخصي ذو نفس شخصية، صح أنه هو بعينه ذلک البدن بلا تبدل إلا في عوارض هذا المعنى، بما هو المعنى، ومن حيث إنّه جسم له طبيعة جسمية ـ مع قطع النظر عن ارتباطه بأمر آخر ـ فهو في کل سنة غير الذي کان في السنة الأخرى، بل في کل ساعة ولحظة هو غير الذي کان وسيکون ؛ لکونه دائماً في التحلل والذوبان.. فإذا أحکمت هذا، فاعلم أنه إذا فرض تبدل هذا البدن بالبدن الآخر مع بقاء النفس فيهما صح قولک، بأن أحدهما بعينه هو الآخر، وصح اعتقادک بأن ما يرى في المنام بعينه هو هذا البدن المتعين ولا عبرة بتبدل المواد والخصوصيات، فکل من يرى ببصره القلبي نفس الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم مع أي تمثل کان، فقد رأي صورة ذاته بعينه ؛ إن العبرة بتعين الشيء هو نفسه وصورته مع أي مادة کانت، والبدن بمنزلة الآلة المطلقة للنفس، فقد روى عن النبي الأکرم صلى الله عليه وآله وسلم: (من رآني في المنام، فقد رآني فان الشيطان لا يتمثل بي)([55]))([56])

ثم علل ذلك بقوله: (الآلة من حيث هي آلة إنما تتعين بذي الآلة، وکذا المادة في وجودها في غاية الإبهام، وإنما تتعين بالصورة وتستهلک فيها، ولهذا تکون شخصية زيد تعيّنه باقياً مستمراً من أول صباه إلى آخر شيخوخته، مع أن جسميته مما تبدلت وتجددت بحسب الاستحالات والأمراض، وکذا جسمية کل عضو من أعضائه، کما أن زيداً الشخصي ـ بمجموع ما يدخل في قوام هويته من النفس والبدن ـ بقى ومستمر، وکذا جسميته وبدنه أيضاً ـ من حيث کونه بدناً لزيد ومرتبطاً به ارتباطاً طبيعياً موجود شخصي واحد مستمر من أول العمر إلى آخره، وإن تبدلت ذاته بذاته من حيث جسميته لا من حيث بدنيته لما علمت من الفرق بين الاعتبارين) ([57])

والنتيجة التي خلص إليها هي أن (جوهرية العبد في الدنيا والآخرة وروحه باقية مع تبدل الصور عليه من غير تناسخ، وکل ما ينشأ من العمل الذي کان يعمله بالدنيا يعطي لقالبه جزاء ذلک في الآخرة) ([58])

ثم بين مدى توافق هذا مع ما تقتضيه الحكمة المتعالية من التوافق بين الشريعة والفلسفة والعرفان، فقال: (إنّ هذا هو الاعتقاد الصحيح المطابق للشريعة والملة الموافق للبرهان والحکمة، فمن آمن بهذا فقد آمن بيوم القيامة والجزاء، وقد أصبح مؤمناً حقاً، والنقصان عن هذا خذلان وقصور عن درجة العرفان، وقول بتعطيل أکثر القوى والطبائع عن البلوغ إلى غايتها والوصول إلى کمالاتها ونتائج أشواقها وحرکاتها، ويلزم أن يکون ما أودعه الله في غزائر الطبائع الکونية وجبلاّتها من طلب الکمال والتوجه إلى ما فوقها هباءً، وعبثاً، وباطلاً، وهدراً)([59])

2 ـ المناخ والتضاريس:

من الأمور المرتبطة بالجزاء، والتي ورد ذكرها كثيرا في المصادر المقدسة، والروايات التي تشرحها، ما يمكن أن نطلق عليه [المناخ والتضاريس] المرتبطة ببيئة دار الجزاء بأنواعها المختلفة.

وهي بيئة مرتبطة بالنشأة الثانية، وقد وقع الخلاف الشديد في محلها، وهل هي موجودة في عين هذا الكون الذي نعيش فيه، أما أنها في كون آخر مستقل تماما، أم أن الجنة في كون مستقل خاص بها، بينما النار تابعة لهذا الكون.. وهذا القول الأخير هو الذي اخترناه بناء على أدلة كثيرة نعرض لبعضها في المبحث الثالث من هذا الفصل.

بناء على هذا؛ فإن المناخ والتضاريس في دار الجزاء مرتبطان بالأعمال، وبمراتب العاملين، ذلك أن لكل فرد في ذلك العالم بيئته الخاصة به، على عكس ما نراه في الدنيا، والذي تفرض فيه البيئة على صاحبها فرضا، حيث نرى بعضهم يعيش في أجواء صحراوية جافة حارة مملوءة بالزوابع الرملية، وبعضهم يعيش عكس ذلك في أجواء باردة رطبة ممتلئة بالعواصف الثلجية، وبعضهم على عكس الطرفين يعيش في أجواء معتدلة إما في السهول، أو في الجبال، أو على الشواطئ.. وغير ذلك مما نراه في الدنيا، وعلى خلافه عالم الآخرة.

ومن أهم أهداف هذا التنوع الذي نعيشه في الدنيا، أن نرى قدرة الله تعالى، وأن نعرف أنها يمكن أن توفر لنا ما نشاء من الأجواء والبيئات.. وأنها لم تفرض علينا هذه البيئات التي نعيشها في الدنيا لعجز منها، وإنما فعلت ذلك لاختبارنا، ولتعريفنا بقدرة الله المطلقة.

بناء على هذا سنحاول هنا التعرف على ما ورد في النصوص حول هذا الجانب المهم من جوانب الجزاء الإلهي، وعلاقته بالعدالة والرحمة.

أ ـ مناخ وتضاريس الجنة:

القاعدة التي تحكم دار النعيم الإلهي في هذا الجانب هي ما نص عليه قوله تعالى:{وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ } [الزخرف: 71]، وقوله: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ } [الزمر: 33، 34]

وبناء عليها، فإنه إن اشتهى أحد من أهل الجنة سكنى الشواطئ، أو الجبال، أو غيرها من البيئات حتى البيئات الجليدية.. فكل ذلك يمكنه أن يتحقق له بكل سهولة، ولا يحتاج لذلك سوى أن يهم ويشتهي أن يعيش في مثل تلك البيئة؛ فإذا به يعيش فيها.

وقد ذكرنا هذا بناء على أن البعض راح يعترض على ما ورد في النصوص المقدسة من أوصاف الجنة، وكونها مملوءة بالشجر الكثير الملتف، وأن هذا ربما يناسب هوى سكان البيئات الصحراوية الجافة الذين يفتقدون إلى مثل هذه المناظر في الدنيا.. وأن النصوص المقدسة بذلك تراعي تلك البيئات، ومن يعيش فيها من الناس دون غيرهم.

وهذا وهم ناتج عن عدم فهم لغة القرآن الكريم أو الأحاديث الصحيحة المرتبطة بهذا الجانب، فهي لا تذكر الحقيقة بجميع صورها ومظاهرها، لاستحالة ذلك، وإنما تصور بعض مشاهدها، لتحريك النفوس للشوق إليها، والاستفادة من توجيه ذلك الشوق للعمل الصالح.

ولذلك إن شاء شخص ما أن يعيش في بيئة أخرى، فله ذلك، ولا يحتاج سوى لأن يوفر من العمل الصالح ما يعطيه القوة على توفير كل ما يشتهيه، لأن النعيم هناك مرتبط بما حصله صاحبه من قوى وملكات في الدنيا.

ولكن مع ذلك، ولو عدنا لأكثر نفوس البشر؛ فإنا نجد أن تلك الأوصاف الواردة في القرآن الكريم عن مناخ الجنة وتضاريسها مما يرغب فيه أكثر الخلق، ولا يبغون عنه أي بدل.

فالقرآن الكريم يذكر أن الجنة هي مجموعة من البساتين المتنوعة المملوءة بالأشجار، والتي تجري من تحتها الأنهار، كما قال تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } [البقرة: 25]، وقال: { أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 136]،

وهو وصف يرغب فيه البشر جميعا، خاصة إذا كانت تلك الأشجار مثمرة ومتنوعة أو تحمل أزهارا، أو لها أوراق وأغصان مميزة، وفوق ذلك يسيل الماء الصافي بجانبيها وأمامها.

وقد ذكر الشيخ مكارم الشيرازي بعض النواحي الجمالية المرتبطة بذلك، وهي([60]):

1. أن الماء والشجر يشكلان مع بعضهما البعض منظرا جميلا في منتهى الروعة والجمال، وكان كل واحد منها ناقصا، ويحتاج إلى إكمال من الآخر.

2. أن الأنهار تؤمن طراوة دائمية للأشجار، فالتي تجري من تحتها المياه تكون خضرا زاهية، اما الأشجار التي لا تتوفر لها مياه دائمة أو يؤتى به من الخارج، فإنها لا تتمتع بمثل هذه الطراوة والاخضرار، فالماء هو أساس حياة النباتات، ولا بد من توفر هذا العنصر الأساس للحياة بجانبها دائما، وقد ورد في بعض الروايات:(إن انهارالجنة ليست في أخاديد، إنما تجري على سطح الجنة منضبطة)

والأعجب من هذا أنه ليست الأشجار فقط تجري من تحتها الأنهار، بل إن الأنهار تجري من تحت مساكن أهل الجنة، كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [العنكبوت: 58]

ونحب أن ننبه إلى أن الأنهار في الجنة ليست فقط أنهار الماء، بل فيها أنهار أخرى مختلف ألوانها، كما في قوله تعالى: { مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} [محمد: 15]، والآية الكريمة لم تحصر الأنهار، وإنما ذكرت بعضها بناء على المعارف البسيطة للبشر.

والملاحظة التي يمكن اكتشافها بسهولة من الآية الكريمة هي أن أنهار الجنة يستحيل عليها التغير والتبدل، وهي السمة التي تحكم جميع نعيم أهل الجنة.

فالماء في الجنة [غير آسن]، أي أنه (الماء الذي لا يتغير طعمه ورائحته لطول بقائه، وهذا أول نهر من أنهار الجنة، وفيه ماء زلال جار طيب الطعم والرائحة)([61])

وهكذا أنهار اللبن الذي لم يتغير طعمه، وذلك (لأن الجنة مكان لا يعتريه الفساد، ولا تتغير أطعمة الجنة بمرور الزمن، وإنما تتغير الأطعمة في هذه الحياة الدنيا، لوجود أنواع الميكروبات التي تفسد المواد الغذائية بسرعة)

وهكذا أنهار الخمر، والتي وصفت في آيات أخرى بكونها {لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} [الصافات: 47]

وهكذا العسل الذي وصف بأنه عسل مصفى.

وهذا كله يدل على نقاوة جو الجنة وصفائه، وخلوه من كل المكدرات الموجودة في الدنيا، ذلك أن الدنيا مبنية على الاختلاط بين الطيب والخبيث بخلاف الجنة التي لا يوجد فيها إلا الطيبات، لأنه لا يسكنها إلا الطيبون.

وهكذا وصف جو الجنة بكونه جوا معتدلا، قال تعالى: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} [الإنسان: 13]، أي أنهم لا يرون شمسا يتأذون بحرها، ولا زمهريرا يتأذون ببرده.

وهكذا ذكرت ظلال الجنة، والتي لا تعني وجود حرارة في الجنة، وإنما تعني البعد الجمالي لها، قال تعالى: {وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا } [النساء: 57]، وقال: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد: 35]

وقد ورد في الأحاديث الشريفة وصف تقريبي لتربة الجنة ورائحتها، وقد ذكرنا كونه تقريبيا، لكون الجنة ذات بيئات مختلفة بحسب درجات أصحابها، ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جوابا لمن سأله عن الجنة وما بناؤها: (لبنة ذهب، ولبنة فضة، وملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها! ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت)([62])

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من يدخل الجنة يحيا ولا يموت، وينعم ولا يبأس، ولا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه)، قيل: يا رسول الله كيف بناؤها؟ قال: (لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها مسك أذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران)([63])

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وترابها الزعفران، وطينها المسك)([64])

ب ـ مناخ وتضاريس جهنم:

على عكس أوصاف البيئة المعدة للمحسنين، ورد في النصوص المقدسة والأحاديث المفسرة لها وصف البيئة الخاصة بالجزاء المعد للمسيئين، والمتناسب تماما مع سلوكاتهم وأعمالهم ونفوسهم.

وقد ذكر القرآن الكريم سر ذلك الجزاء عند حديثه عن الآلام التي كان يعانيها المحسنون في الحر الشديد للدفاع عن قيم الحق، في مقابل أولئك المسيئين الذين ركنوا إلى الراحة، قال تعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } [التوبة: 81]، ثم رد عليهم ببيان مدى تهافت الخيار الذي اختاروه، فقال: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [التوبة: 82]

وبذلك فإن هذه البيئة التي فروا منها في الدنيا، ستلاقيهم في الآخرة بصورة أشد، ولهذا نرى القرآن الكريم يفصل في ذكر تلك البيئة لتكون رادعا للنفوس عن السكون إلى الراحة، وترك ما كلفت به من تكاليف.

ومن الآيات الكريمة الدالة على ذلك ما ورد في قوله تعالى: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لاَّ بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ } [الواقعة:41 – 44]؛ فهذه الآية الكريمة تصف المناخ الذي يطغى على جهنم مبينة أنه لا مجال فيه لأي تلطيف أو تكييف، ذلك أن ملطفات الجو في الدنيا ثلاثة، الماء، والهواء، والظل.. وكلها في جهنم تلفح حرا.

فهواء جهنم السموم، وهو الريح الحارة الشديدة الحر، وهي مأخوذة عن كلمة (السم)، وتعني الهواء اللاسع من شدة حرارته، والذي يدخل المسام، وجميع دقائق وثغرات الجسم.

أما ماؤها، فهو الحميم الذي اشتد حره، كما قال تعالى: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد: 15]

وأما ظلها فاليحموم، وهو الحر الشديد، والذي وصفه الله تعالى في آيات أخرى، فقال: {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ } [المرسلات: 30 – 33]، أي:(توجهوا نحو ظل من دخان خانق له ثلاث شعب: شعبة من الاعلى، وشعبة من الجهة اليمنى، وشعبة من الجهة اليسرى، وعلى هذا الأساس فإن دخان النار المميت هذا يحيط بهم من كل جانب ويحاصرهم)([65])

وهذا الظل كما يصفه الله تعالى {لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} [المرسلات: 31]؛ فليس في هذا الظل راحة، ولا يمنع من الإحتراق بالنار لأنه نابع من النار، (وربما كان التعبير بـ (ظل) سببا لتصور وجود الظل الذي يخفف من حرارة النار، ولكن هذه الآية تنفي هذا التصور وتقول: ليس هذا الظل كما تتصورون، إنه ظل محرق وخانق، وناتج من دخان النار الغليظ الذي يعكس حرارة اللهب بصورة كاملة) ([66])

وقد ذكر المفسرون سر هذه الانقسامات التي ينقسم لها هذا الظل، فذكروا أن (هذه الشعب الثلاث هي انعكاس للتكذيبات الثلاثة لأساس الدين، وهي التوحيد والنبوة والمعاد، لأن تكذيب المعاد لا ينفصل عن التكذيب بالنبوة والتوحيد، وقيل، إنها إشارة إلى مبادىء الذنوب الثلاثة: القوة الغضبية والشهوية والوهمية، نعم، إن ذلك الدخان المظلم تجسيد لظلمات الشهوات) ([67])

ويصف الله تعالى تلك النار المحرقة بكونها {تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} [المرسلات: 32]، وقد كان العرب يطلقون كلمة القصر على كل بيت من حجر، وليس من الضروري أن يكون في ضخامة ما نعهد الآن من قصور، والمقصود منه أنه ليس كشرر نار هذه الدنيا التي لا تكون أحيانا إلا بمقدار ضئيل جدا.

وقد ذكر الله تعالى أسباب هذه البيئة الممتلئة بالقسوة، فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الواقعة: 45 – 50]

وبذلك؛ فإن ذلك الترف الذي جرهم إلى الكسل هو السبب في تلك المعاناة الشديدة التي عانوها في دار الجزاء، والترف لا يعني بالضرورة كثرة المال، فقد يكون الشخص فقيرا، ولكنه يملك نفس غني متكبر متعال، ولذلك يعامل معاملة المترف، وقد ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما، فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء)([68])

وهكذا أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الرجل قد يحاسب يوم القيامة حساب المستبدين الظلمة مع كونه لم يكن له إلا أهل بيته، أو لم تكن له إلا مسؤوليات بسيطة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الرجل ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم، وإنه ليكتب جبارا، وإنه ما يملك إلا أهل بيته)([69])

بالإضافة إلى ما ورد في القرآن الكريم من ذكر لبيئة جهنم، الممتلئة بكل ألوان الآلام، فقد ورد في الأحاديث بعض ما فيها مع التنبيه الذي أشرنا إليه كثيرا من أن بعض الأحاديث ربما تكون قد رويت بالمعنى، أو قصد منها التقريب.

ومن تلك الأحاديث ما ورد في بيان علاقة حر الدنيا بحر جهنم، فهي تعني تقريب ذلك، حتى يكون له دوره التربوي، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ناركم هذه ما يوقد ابن آدم جزء واحد من سبعين جزءاً من نار جهنم) قالوا: والله إن كانت لكافية قال: (إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها) ([70])

وفي حديث آخر أن جبريل عليه السلام قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (والذي بعثك بالحق لو أن قدر ثقب إبرة فتح من جهنم لمات من في الأرض كلهم جميعاً من حره) ([71])

وكما وصفت النار بالحر الشديد، فقد وصفت كذلك بالبرد الشديد، وهو الزمهرير، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: (يستغيث أهل النار من الحر؛ فيغاثون بريح باردة يصدع العظام بردها، فيسألون الحر) ([72])

وقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف ؛ فأشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير)([73])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا كان يوم حار، فقال الرجل: لا إله إلا الله، ما أشد حر هذا اليوم، اللهم أجرني من حر جهنم، قال الله عز وجل لجهنم: إن عبدا من عبادي استجار بي من حرك، فاشهدي أني أجرته، وإن كان يوم شديد البرد، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، ما أشد برد هذا اليوم، اللهم أجرني من زمهرير جهنم، قال الله عز وجل لجهنم: إن عبدا من عبادي قد استجارني من زمهريرك، وإني أشهدك أني قد أجرته قالوا: ما زمهرير جهنم؟، قال: (بيت يلقى فيه الكافر، فيتميز من شدة بردها بعضه من بعض)([74])

وقد ذكر ابن حجر وقوع الاستشكال من ورود النصوص الدالة على وجود البرد الشديد في جهنم، فقال: (المراد بالزمهرير شدة البرد، واستشكل وجوده في النار، ولا إشكال؛ لأن المراد بالنار: محلها، وفيها طبقة زمهريرية)([75])

ومثل ذلك رأى بعض المعاصرين عدم وجود البرد في جهنم بناء على اسمها، فقال: (ليس في القرآن أي ذكر صريح للعذاب بالبرد في جهنم، وقد حاولت أن أخرج آية واحدة فيها ما قال فلم أجد.. ولا يعني هذا أنا ننفي وجود عذاب بالبرد الشديد في جهنم، لكنا نقول أنه لم تأت آية واحدة صريحة في هذا الباب كما أعتقد، أما ما ذكره بعض المفسرون فهو من باب الترجيحات أو التخمينات، مثلما ورد في تفسيرهم لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ } [البروج: 10]، حيث ذكروا أن عذاب جهنم هو عذاب الزمهرير، وعذاب الحريق هو عذاب النار، ولكن هذا لا دليل عليه، فعذاب جهنم هو الحرارة الشديدة كما يقول الله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا } [النساء: 55]، ويكفيك أن التوصيف القرآني [نار جهنم] ورد تسع مرات في القرآن, لذا فنحن لا نقبل مثل هذه الأقوال)

وهكذا راح آخر يحاول أن يبرهن علميا على إمكانية اجتماع الحر والبرد في مكان واحد، فقال: (رغم غرابة اجتماع النار والزمهرير في مكان واحد إلا أن الظاهرة لا تعد مستحيلة من الناحية الفيزيائية.. فالشمس التي نراها مثلا ـ والتي تعد نموذجا لجهنم الدنيا ـ تعتمد على حرق الهيدروجين لإطلاق الحرارة والضوء في عملية تعرف باسم الاندماج النووي، وهذا الاندماج أمكن تحقيقه على الارض من خلال ما يعرف بالقنابل الهيدروجينية.. وحين أجريت التجارب على هذا النوع من القنابل لاحظ العلماء أن مركز الانفجار ذاته يصبح باردا الى حد كبير، فحين تنفجر القنبلة الهيدروجينية تنطلق العواصف النارية من الداخل الى الخارج محدثة تفريغا هوائيا في المركز يسبب برودة شديدة وغير متوقعة)

وهذه الاستشكالات كلها ناتجة من تحكيم قوانين النشأة الأولى على النشأة الأخرى، وقد ذكرنا سابقا أن لكل شخص في تلك النشأة عالمه الخاص به، فيمكن أن يكون الشخص في نار جهنم، وفي نفس الوقت يشعر بالبرد الشديد؛ فقدرة الله لا يحدها شيء، وقد ذكر الله تعالى كيف حول النار إلى برد وسلام لإبراهيم عليه السلام، قال تعالى: { قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69]

وهذا ما فسر به قوله تعالى: { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا } [مريم: 71]، فقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يبقى بر ولا فاجر إلا يدخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم، حتى أن للنار ضجيجا من بردها، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا)([76])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جز يامؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي)([77])

وبذلك، فإن المحل قد يكون واحدا، ومع ذلك يختلف حال أصحابه بناء على نفوسهم وأعمالهم، لتبعية الأبدان للنفوس في تلك النشأة، كما ذكرنا ذلك سابقا.

3 ـ المساكن والفرش:

من أنواع الجزاء التي ورد ذكرها في النصوص المقدسة مع بعض التفاصيل المرتبطة بها المساكن التي يسكنها المحسنون والمسيئون، وما وضع في تلك المساكن من أنواع الفرش.

ذلك أن لهذا النوع من الجزاء جذورا في الحياة الدنيا، كان لها آثارها في الشخصية؛ فمن الناس من يقعد به حبه لمسكنه وما وفر فيه من راحة عن بذل الجهد لتحقيق القيم الصالحة في نفسه أو دعوة الناس إليها، ومنهم من يضحي بكل شيء في سبيل امتلاك تلك القيم النبيلة أو السعي لتحقيقها في الأرض.

ولهذا كان الجزاء الوفاق لكلا الطرفين أن يكون له من المساكن والفرش في الآخرة ما يتناسب مع ما ارتضاه لنفسه في الدنيا.

ولهذا نرى في القرآن الكريم التحذيرات الشديدة من الركون إلى الراحة في تلك المساكن الدنيوية، من دون بذل الجهد للعمل الصالح الذي لأجله خلق الإنسان، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24]

وهكذا يعاتب الله تعالى الراكنين للحياة الدنيا، فيقول:{ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ} [إبراهيم: 45]

ويذكر لهم الهلاك الذي حصل لغيرهم ممن باعوا أنفسهم مقابل تلك المساكن التي سكنوها، قال تعالى: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} [طه: 128]، وقال: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ } [القصص: 58]

ويذكر لهم البيوت التي عوضوا بها في الآخرة، نتيجة إهمالهم لأنفسهم، وللقيم الصالحة التي أمروا بمراعاتها، قال تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [النور: 57]، وقال: {فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ } [النحل: 29]، وقال: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ } [ص: 55، 56]

وهكذا ذكر نفورهم منها، وهربهم من السكن فيها، مع أنها هي نفسها التي بنوها في الدنيا، لكنهم انشغلوا بظاهرها عن باطنها، قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } [السجدة: 20]

وفي مقابل هؤلاء يذكر الله تعالى ما أعده للمؤمنين من مساكن طيبة تعوض عليهم كل ما خسروه في الدنيا، لأن همتهم لم تكن في بناء البيوت، وإنما في بناء القيم التي تشكلت منها نفوسهم، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة: 72]

وقد ورد في القرآن الكريم بعض الأوصاف لتلك البيوت المعدة للمحسنين، والتي ترغبهم في الاستعداد للسفر لها، وعدم تضييع أوقاتهم في الانشغال بالترف المرتبط بمساكن الدنيا، قال تعالى: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ } [الزمر: 20]

وهذه الآية الكريمة تحمل أجمل الأوصاف لأجمل البيوت، فهي بيوت بعضها فوق بعض مثل القصور العالية.. وفوق ذلك تجري من تحتها الأنهار، وتلتف من حولها الأشجار، يقول مكارم الشيرازي تعليقا على الآية الكريمة: (فإن كان أهل جهنم مستقرين في ظلل من النار، كما ورد في قوله تعالى: { لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } [الزمر: 16] فإن لأهل الجنة غرفا من فوقها غرف أخرى، وقصور فوقها قصور أخرى، لأن منظر الورود والماء والأنهار والبساتين من فوق الغرف يبعث على اللذة والبهجة بشكل أكثر)([78])

وقد ورد في السنة المطهرة وصف تقريبي لبعض ما بنيت به تلك البيوت الجميلة، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بناء الجنة؟ فقال: (لَبِنةٌ من فضة، ولَبِنةٌ من ذهب، ومِلاطها المسك الأذفرُ، وحصباؤها اللؤلؤُ والياقوتُ، وتُربَتُها الزعفران، من يدخلها: ينعم ولا يبأس، ويخلدُ ولا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم)([79])

وفي حديث آخر مزج صلى الله عليه وآله وسلم بين الوصف الجميل للبيوت، والثمن الذي تبنى به، فقال: (خلق الله تبارك وتعالى الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك، وقال لها: تكلمي فقالت: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } [المؤمنون: 1]،فقالت الملائكة: طوبى لك منزل الملوك)([80])

ووصف صلى الله عليه وآله وسلم هيئة بناء تلك البيوت، فقال: (أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك) ([81])، والجنابذ: القباب.

وقد ورد في الحديث ما يشير إلى أن تلك الغرفة ليست بهيئة واحدة، وإنما لها أشكال كثيرة، مثلما نرى في الدنيا من تنوع أنواع وأشكال الهندسة المعمارية التي بني بها الكون، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن في الجنة لغرفا يرى بطونها من ظهورها، وظهورها من بطونها)، فقيل: لمن هي يا رسول الله؟ قال: (لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وصلى لله بالليل والناس نيام)([82])

وفي رواية: (إن في الجنة لغرفة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى والناس نيام) ([83])

وهكذا أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن الغرف المرفوعة في السماء، فقال: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن أهل الجنة ليتراءون (أهل الغرف) من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغائر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين) ([84])

وهكذا يذكر القرآن الكريم الفرش المعدة للمحسنين في دار النعيم، ومن الآيات التي وردت في ذلك قوله تعالى: { مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ} [الطور: 20]، وقال تعالى:{ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)} [الغاشية: 12 – 16]

وهي تشير إلى بعض الفرش التي وضعت في تلك البيوت، أو الخيام، ومنها [النمارق المصفوفة]، وهي الوسائد الصغيرة التي يتكأ عليها، وقد وصفت بكونها [مصفوفة] إشارة إلى إعدادها بطريقة خاصة، لتكون محلا لجلسات الأنس الجماعية التي يقيمها المؤمنون بعضهم لبعض.

وهكذا وصفت الأرض التي يسيرون عليها بكونها ملأى بالزرابي المبثوثة في كل مكان، مما يدل على الترف العظيم الذي يعيشه أهل الجنة، والذي كان جزاء على زهدهم وورعهم في الدنيا.

وقد جمع الشيخ مكارم الشيرازي بعض الأوصاف الواردة لبيوت أهل الجنة من خلال الآيات الكريمة، ثم ذكر النتائج التي وصل إليها، فقال: (الخلاصة هي أن منزل الجنة لا مثيل له من كل الجهات، فهو الخالي من أي ألم أو عذاب أو حرب أو جدال.. وتجد فيه كل ألوان الثمار والأنعام والعيون الجارية والأشربة الطاهرة والولدان المخلدين والحور العين والأسرة المرصعة والفرش الفاخرة والأقداح الجميلة، وكلها في متناول اليد، ومعها جلساء أصفياء، إلى غير ذلك مما لا يمكن عده بلسان أو وصفه بقلم ولا حتى تخيله إذا ما سرحت المخيلة في عالمها الرحب.. وكل ما ذكر وغيره سيكون في انتظار من آمن وعمل صالحا، بعد حصوله على إذن الدخول إلى تلك الدار العالية.. وفوق هذا وذاك فثمة لقاء الله، الذي ليس من فوز يوازيه)([85])

وكما أن المواد التي بنيت بها بيوت الجنة هي أغلى المواد، ولا يختلف ظاهرها عن باطنها؛ فكذلك الفرش التي هيئت في الجنة ظاهرها كباطنها مملتئ بالجمال، قال تعالى: { مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ } [الرحمن: 54]

وقد علق عليها مكارم الشيرازي بقوله: (البطائن هي القماش الداخلي للفرش، والإستبرق هو الحرير السميك.. والشيء الظريف هنا أن أثمن قماش يتصور في هذه الدنيا يكون بطانة لتلك الفرش، إشارة إلى أن القسم الظاهر لا يمكننا وصفه من حيث الجمال والجاذبية. حيث أن البطانة غالبا ما تستعمل من القماش الرديء قياسا للوجه الظاهري، وعلى هذا فإننا نلاحظ أن أردأ نوع من القماش في ذلك العالم يعتبر من أثمن وأرقى أنواع القماش في الدنيا، فكيف الحال بالثمين من متاع الجنة؟)([86])

4 ـ الطعام والشراب:

من أنواع الجزاء التي ورد ذكرها في النصوص المقدسة مع بعض التفاصيل المرتبطة بها أنواع الطعام والشراب التي هيئت للمحسنين والمسيئين، والمتجانسة مع أعمالهم، أو تلك التي شكلت منها أعمالهم.

ذلك أن التكاليف الشرعية مرتبطة بهذا الشأن من الشؤون التي توهم البعض أنها شخصية، فراح يسرف فيها كما يشاء من غير حدود ولا قيود، وربما جره ذلك الإسراف إلى إهلاك نفسه، وإتلاف جسده في الدنيا قبل الآخرة.. وربما جعل بعضهم كل همته في الدنيا أن يستزيد من الشهوات من غير اهتمام بجوع الجائعين، وظمأ الظامئين.. وربما راح بعضهم يملأ معدته، ومعدة أهله بطعام المحرومين الذي استولى عليه ليستزيد من شبعه وتخمته.

ولذلك كان جزاء كل هؤلاء وغيرهم يوم القيامة أن يذوقوا ألوان العذاب المرتبطة بذلك الطعام والشراب الذي ضيعوا حياتهم ودينهم في سبيله.

وفي مقابلهم ينعم أولئك الجائعون المحرومون الطيبون بكل ما منعوا منه في الدنيا، لا بسبب شح الأرض بخيراتها، ولكن بسبب جشع المستبدين الظلمة وكبريائهم.

وسنحاول هنا أن نذكر بعض الأنواع والأوصاف التي ورد ذكرها في النصوص المقدسة، والروايات المفسرة لها، لكلا الصنفين من الجزاء.

أ ـ الطعام وأنواعه:

نظرا لأهمية الطعام في الحياة، ودور الترغيب أو الترهيب المرتبط به في إثارة النفس، ودعوتها إلى القيم الرفيعة، نرى القرآن الكريم يوليه أهمية كبرى عند ذكر أنواع الجزاء الإلهي المعد للمحسنين والمسيئين، وهو يقرن ذلك دائما بالأعمال، وكونها السبب في حصول ذلك الجزاء بشقيه المناسب للنفس، أو غير المناسب لها.

وقد ذكر القرآن الكريم بالنسبة لجزاء المسيئين ثلاثة أنواع من الأطعمة، كنماذج لأنواع الطعام الذي يتناوله أهل النار، وقد اكتفى بها بناء على معرفة أسمائها ومعانيها لدى المخاطبين، ولكونها أيضا وافية بتحقيق الغرض من الترهيب، ولذلك لا معنى لذكر غيرها.

 أما أولها، فهو الضريع، كما قال تعالى في وصفه: { لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ } [الغاشية: 6، 7]، وقد قيل في تفسيره([87]): إنه شجر من نار، وقيل: هو الزقوم. وقيل: إنها الحجارة، وقيل إنه شجرة ذات شوك لاطئة بالأرض، وكل هذه الأوصاف يمكن أن تقرب من حقيقته، لأن الغرض منه كما ذكرنا ليس وصفه بدقة، فذلك مستحيل، وإنما تقريبه لتحقيق التنفير.

وقد وصف الله تعالى هذا الطعام الشديد القاسي، بكونه {لا يسمن ولا يغني من جوع}، أي أنه تعذيب مجرد لا يحصل به مقصود، ولا يندفع به محذور.

أما الطعام الثاني؛ فهو الغسلين، وقد ورد ذكره في قوله تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ } [الحاقة: 30 – 37]

وهذه الآيات الكريمة تبين سر هذه العقوبات المتشددة، وسر الطعام المعد لأهلها، ومنها عدم الحض على إطعام المسكين، أي تركه محروما جائعا، دون المسارعة لإغاثته، ولو بدعوة الناس لذلك، فكيف بمن يتسبب في ذلك الجوع، أو يكون غنيا، ثم يمنع الفقراء من طعامه؟

وهو دليل على مدى التجانس بين العقوبة والذنب، ذلك أن العقوبة ليست سوى تجسيد للذنب حتى ينفر منه صاحبه، ويعرف مدى قبح الجريمة التي وقع فيها.

ويظهر من اسم هذا الطعام أنه مشتق من (الغسل)، ولذلك كان من الأقوال الواردة في تفسيره أنه الغسالة الناتجة من غسل أبدان أهل جهنم، ويذكر آخرون أنه دم يشبه الماء يخرج من أبدان أصحاب النار.. وغيرها من الأقوال التي تشير إلى مدى بشاعة ذلك الطعام الذي لا يقصد منه إلا العقوبة، ذلك أنه لا يسمن ولا يغني من جوع.

وأما الطعام الثالث؛ فهو الزقوم، وقد ورد في مواضع من القرآن الكريم، ووصف بأوصاف كثيرة تنفر منه، منها ما ورد في قوله تعالى: { أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ } [الصافات: 62 – 68]، ثم بين سر العقوبة المرتبطة بهذا الطعام، فقال: { إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ } [الصافات: 69، 70]

وهكذا وصف في آيات أخرى، قال تعالى: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان: 43 – 49]

وقد ورد في تفسيره الكثير من الأقوال، ومنها: إنه اسم نبات مر وذي طعم ورائحة كريهة، أو إنه اسم نبات يحمل أوراقا صغيرة مرة وكريهة الرائحة وهو موجود في أرض تهامة، وكان يعرفه المشركون، أو أنه كل غذاء يثير اشمئزاز أهل جهنم.

وقد كان هذا الطعام خصوصا محل سخرية من المشركين، ذلك أنهم تعجبوا كيف تنبت شجرته في جهنم، وهي عبارة عن نيران حارقة، وهذا يدل على مدى التعنت الذي وصلت إليه عقولهم؛ فبدل أن يحقق هذا الترهيب أثره في نفوسهم، راحوا يسخرون منه، ويستهزئون به، وقد قال تعالى في الرد عليهم: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا } [الإسراء: 60]

وقد قال مكارم الشيرازي تعليقا عليها: (شجرة الزقوم ـ بدون شك ـ لا تشبه أشجار الدنيا أبدا، ولهذا السبب فإنها تنمو في النار، وطبيعي أننا لا ندرك هذه الأمور المتعلقة بالعالم الآخر إلا على شكل أشباح وتصورات ذهنية.. وقد استهزأ المشركون بهذه التعابير والأوصاف القرآنية بسبب جهلهم وعدم معرفتهم وعنادهم، فأبوجهل ـ مثلا ـ كان يقول: إن محمدا يهددكم بنار تحرق الأحجار، ثم يقول بعد ذلك بأن في النار أشجارا تنمو، وينقل عن أبي جهل ـ أيضا ـ أنه كان يهيىء التمر والسمن ويأكل منه ثم يقول لأصحابه: كلوا من هذا فإنه الزقوم.. لهذا السبب فإن القرآن يعتبر الشجرة الملعونة في الآيات التي نبحثها، وسيلة لإختبار الناس، إذ كان المشركون يستهزئون بها، بينما استيقنها المؤمنون الحقيقيون الذين كانوا يؤمنون بها)([88])

وهذا يدل على أن من الاختبارات الإلهية لعباده في هذه الدار طرح مثل هذه المسائل، والتي تختلف العقول في التعامل معها، أما الصادقون، فينظرون إلى قدرة الله تعالى المطلقة، فيسلمون لها، ويؤمنون بها، وتحدث آثارها في نفوسهم، بينما تكون في نفوس غيرهم حجابا يحول بينهم وبين التعرف على الحق، بسبب عنتهم وكبريائهم.

هذا بعض ما ورد في النصوص المقدسة حول طعام المسيئين في جهنم، أما طعام المحسنين، فقد ورد ذكره في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ويرد عادة مقرونا بطعام المسيئين حتى يدعو العقول للاختيار بين كلا الطعامين، والعمل المرتبط بهما.

ولعل أهم الأطعمة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، وبشيء من التفاصيل [الفواكه]، ولهذا وصفت أشجار الجنة بكون ثمارها متدلية لمن شاء أن يأكل منها، كما قال تعالى: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ } [الرحمن: 54]، وقد ورد في الحديث أنها تستبدل مباشرة حال نزعها، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الرجل إذا نزع ثمرة في الجنة، عادت مكانها أخرى)([89])

ولذلك فإن الفاكهة موفرة في الجنة كل حين، وليس مثل الدنيا، تختلف الفواكه باختلاف الفصول، قال تعالى:{وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ } [الواقعة: 32، 33]

وقد أشار القرآن الكريم إلى كثرة الفواكه في الجنة، فقال: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ} [ص: 51]، وقال: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ } [الزخرف: 72، 73]

وأشار إلى تنوعها، لتتناسب مع جميع الأمزجة، فقال: { يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ} [الدخان: 55]، وقال: {فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} [الرحمن: 52]، وقال: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ } [المرسلات: 41، 42]

وضرب الأمثلة على بعض ما في الجنة من الفواكه مما قد يكون له بعض الشبه في الدنيا، وكأنه يشير إلى أن البديع الذي أبدع هذه الفواكه في الدنيا لن يعجز أن يبدع مثلها أو ما هو خير منها في الدار الآخرة، قال تعالى: { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68]

وقد ذكر الفخر الرازي سر ذكر هاتين الفاكهتين، فقال: (وذكر منها نوعين وهما الرمان والرطب لأنهما متقابلان؛ فأحدهما حلو والآخر غير حلو، وكذلك أحدهما حار والآخر بارد وأحدهما فاكهة وغذاء، والآخر فاكهة، وأحدهما من فواكه البلاد الحارة والآخر من فواكه البلاد الباردة، وأحدهما أشجاره في غاية الطول والآخر أشجاره بالضد وأحدهما ما يؤكل منه بارز ومالا يؤكل كامن، والآخر بالعكس فهما كالضدين والإشارة إلى الطرفين تتناول الإشارة إلى ما بينهما، كما قال: { رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} [الرحمن: 17])([90])

ونحب أن ننبه هنا إلى أن هذه الفاكهة التي ورد النظير لها في الدنيا، لم توصف في طعام المقربين والسابقين، وإنما وصفت في طعام الناجين، أصحاب المراتب الدنيا في الجنة، كما قال تعالى قبلها: { وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} [الرحمن: 62]، وهو يشير إلى ما سنذكره من أن المراتب الدنيا في الجنة سيرون فيها أشياء شبيهة بالدنيا، وإن كانت أجمل وأفضل منها بكثير، كما قال تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 25]

وقد علل الفخر الرازي سبب الاهتمام بذكر الفاكهة، بدل سائر الأطعمة، فقال: (الحال في الجنة يشبه حال الشبعان في الدنيا؛ فيميل إلى الفاكهة أكثر فقدمها، وهذا الوجه أصح لأن من الفواكه ما لا يؤكل إلا بعد الطعام)([91])

ومن الفواكه التي ورد ذكرها في الجنة مما له نظير في الدنيا ما عبر عنه قوله تعالى في وصف نعيم أصحاب اليمين: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} [الواقعة: 27 – 29]

وهذا يدل على أن هذا النعيم متناسب مع ما كانوا يشتهونه في الدنيا، ولهذا طلبوا أن يوفر لهم في الآخرة، واستجاب الله طلبهم، حتى لو كان ذلك أدنى من النعيم المعد للمقربين، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى عن بني إسرائيل الذين رزقهم الله تعالى طعاما كبيرا، لكنهم رغبوا فيما هو دونه، قال تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ } [البقرة: 61]

وهذا يشير إلى فرق من الفروق المهمة بين أصحاب اليمين والمقربين، فالمقربون أصحاب التسليم المطلق لله، ولذلك يعطون بحسب ما يرضى الله لهم، وأما من دونهم، فيعطون بحسب رغباتهم واختياراتهم، ولذلك كانت جنتهم دون جنة المقربين بكثير.

وقد وصف السدر بكونه مخضودا، تمييزا له عن سدر الدنيا، ذلك أن (السلبية الموجودة في هذا الشجر أنه ذو شوك إلا أن وصفه بـ (مخضود) من مادة (خضد) ـ على وزن (مجد) ـ بمعنى (إزالة الشوك) تنهي آثار هذه السلبية في شجر سدر الجنة)([92])

وقد ورد في الحديث أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يارسول الله لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية وما كنت أرى أن في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «وما هي» قال: السدر، فإن لها شوكا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أليس يقول الله: في سدر مخضود، يخضده الله من شوكه فيجعل مكان كل شوكة ثمرة، إنها تنبت ثمرا يفتق الثمر منها عن إثنين وسبعين لونا من الطعام ما فيها لون يشبه الآخر)([93])

وهذا يشير إلى أن أطعمة الجنة خالية من الزوائد والأذى والقشور وغيرها من الذي يوجد مثله في الدنيا.. ولذلك لا محل هناك للقمامة.. ذلك أن كل الطعام يؤكل، وليس هناك شيء يرمى.. وكل شيء هناك محضر جاهز لا يحتاج لأي طبخ، بالإضافة إلى أن ذلك الطعام يخرج على هيئة مسك، ومن كل الجسم، ولذلك لا حاجة لدورات المياه التي نراها في الدنيا، ذلك أن الدنيا دار للاختبار، لذلك كان النعيم فيها ممزوجا، بخلاف نعيم الآخرة الخالص.

ويشير إلى هذا كله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (كلوا التين فلو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة بلا عجم لقلت هي التين)([94])

ومن أطعمة الجنة المذكورة في النصوص المقدسة اللحم، وخصوصا لحم الطير، كما قال تعالى: {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ } [الواقعة: 21]، وهو يشير طبعا إلى غيره من أنواع الأطعمة، لأن العبرة فيها بما يشتهيه أهل الجنة.

وكما ذكرنا في الفاكهة، فكذلك الأمر في اللحم، فاشتهاء ذلك الطير كاف لجعله أمام صاحبه ليأكل منه، من دون أن يرمي شيئا.. وفي نفس الوقت يعود ذلك الطير إلى طيرانه مثلما تعود الفاكهة إلى محلها.

وقد ورد في بعض الآثار: (إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويًا)([95])

وقد ورد في بعض الأحاديث التي لسنا ندري مدى صحتها، لعلاقتها باليهود، أن أول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد الحوت، فقد روي أن يهوديا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أول طعام يأكله أهل الجنة، فقال: (زيادةُ كَبِد النون)، قال: فما غِذاؤهم على إثرِها؟ قال: (يُنحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها)([96])

ب ـ الشراب وأنواعه:

كما أن الشراب بأنواعه المختلفة يشكل جزءا مهما من النعيم الحسي الذي نراه في الدنيا، فهو كذلك جزء من الجزاء الحسي الذي يراه المحسنون والمسيئون في الآخرة.

وقد ذكر القرآن الكريم نماذج عن كلا الجزائين ليرغب في التقوى التي توفر لأصحابها كل ألوان الشراب اللذيذ الذي رأوا مثله في الدنيا، أو الذي لم يروا مثله أبدا.. وفي نفس الوقت تنفر من كل ألوان الشراب القبيح والمؤلم، والذي أعد لمن تجاوز حدوده، وحدود القيم التي أمر الله بمراعاتها.

ومن أنواع الشراب المعدة للمسيئين جراء أعمالهم ما ذكره الله تعالى في قوله: { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29]

وقد ذكر المفسرون أن هذا المهل هو المقدار المترسب من الدهن، والذي يكون عادة ملوثا بأشياء وسخة ورديئة الطعم، أو أنه المعادن المذابة، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {يَشْوِي الْوُجُوهَ} [الكهف: 29]

وهو ما يشير إليه قوله تعالى أيضا في الآية التي تقارن بين شراب المحسنين والمسيئين: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ } [محمد: 15]، وهذا يدل على أن الشراب لا تتوقف آلامه عند حدود شربه، بل يستمر أثره بعد ذلك في سائر الجسم، وهو جزاء متوافق تماما مع تلك المشروبات التي كان المسيئون يشربونها في الدنيا، وتدمر عليهم صحتهم، من غير مبالاة منهم لتحريمها.

وهكذا وصف شراب المسيئين في آيات أخرى منها قوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28)} [النبأ: 24 – 28]، وهذه الآيات الكريمة تذكر أن هذا النوع من العذاب متوافق مع أعمالهم، ولو أنهم كانوا يراعون مصيرهم، والمرتبط بتصديق الرسل عليهم السلام ما وقعوا فيما وقعوا فيه.

ويذكر القرآن الكريم اضطرار المسيئين لذلك الشراب مع كونه بتلك الصفة، لما ركبه الله فيهم من العطش، قال تعالى: {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } [إبراهيم: 15 – 17]

وقد ورد في الحديث ذكر بعض أصناف الشراب وأهلها، ومنها طينة الخبال، وقد فسرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنها (صديد أهل النار)، أو (عصارة أهل النار)([97])

ومن أهلها الذين يشربونها في دار الجزاء من عبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (كل مُسْكِر حرام، وإن على الله عهداً لمنْ يشربُ المُسْكِرَ: أن يَسقِيَه من طِينَة الخَبَال)([98])

وورد في الحديث وصف كيفية شرب المسيئين لذلك الشراب المؤذي، وذلك في تفسير قوله تعالى: {وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ} [إبراهيم: 16، 17]، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يقرب إليه فيتكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج)([99])

وفي مقابل هذا الجزاء المتناسب مع أعمال المسيئين ونفوسهم، يذكر الله تعالى أصناف شراب المحسنين، والتي تختلف باختلاف أعمالهم، والتي لا تقتصر آثارها على تلك اللذة التي يجدونها في شربها، وإنما فيما تحدثهم به نفوسهم من أنواع اللذة والنشوة.

ومن الآيات التي تصور تلك المجالس التي يجتمع فيها المؤمنون الذين تورعوا عن الشرب الحرام في الدنيا، ما نص عليه قوله تعالى:{ وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18)} [الإنسان: 15 – 18]

وقد ذكر القرآن الكريم باهتمام شديد منابع ذلك الشراب، مبينا قيمته، فقد قال عند ذكره لجزاء أصحاب المراتب العالية: {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ } [الرحمن: 50]، وقال عند ذكره لأصحاب المراتب الدنيا: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} [الرحمن: 66]

وورد في آيات أخرى تسمية تلك العيون، ومنها قوله تعالى: {عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا } [الإنسان: 18]، وقوله: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 27، 28]، وقوله: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا [5] عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [6]} [الإنسان: 5- 6].

وهذا كله يدل على أهمية تلك العيون، وأنواع الشراب الذي يخرج منها، وإن كان القرآن الكريم ذكر بعض ما يعرف من ذلك الشراب لتقريب الصورة إلى الأذهان، وإلا فإن الأمر أعظم بكثير، كما قال مكارم الشيرازي: (يتحدث القرآن عن الشراب الطهور الممزوج بالزنجبيل، ومن البديهي أن الفرق بين هذا الشراب وذلك الشراب كالفرق بين السماء والأرض وبالأحرى بين الدنيا والآخرة، والجدير بالذكر أن العرب كانوا يستخدمون نوعين من الشراب: أحدهما يبعث على النشاط والحركة، والآخر مفتر ومهدىء والأول يمزج مع الزنجبيل، أما الثاني فمع الكافور، وبما أن حقائق عالم الآخرة لا يمكن أن يعبر عنها في إطار ألفاظ هذا العالم، فلا سبيل إلا استخدام هذه الألفاظ للدلالة على معان أوسع وأعلى تحكي عن تلك الحقائق العظيمة. ولفظ «الزنجبيل» غالبا ما يطلق على الجذر المعطر للتوابل الخاصة للأغذية والأشربة، وإن كانت الأقوال مختلفة في معناه)([100])

ويذكر القرآن الكريم أن من الرفاه الموجود في الجنة تنوع الأنهار، والتي لا تكون مملوءة بالمياه مثل أنهار الدنيا، وإنما تملأ بكل أصناف الشراب اللذيذ، ومنها ما عبر عنه قوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [15]} [محمد: 15]

ويذكر القرآن الكريم أصالة ذلك الشراب، وعدم وجود أي غش أو أذى فيه، مثلما هو الحال في شراب الدنيا، يقول تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ [22] عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ [23] تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [24] يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ [25] خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [26] وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ [27] عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [28]} [المطفِّفين: 22- 28]

وقد قال مكارم الشيرازي في بيان معناها ناقلا أقوال المفسرين في ذلك: (الرحيق ـ كما اعتبره المفسرين ـ هو الشراب الخالص الذي لا يشوبه أي غش أو تلوث، ومختوم: إشارة إلى أنه أصلي ويحمل كل صفاته المميزة عن غيره من الأشربة ولا يجاريه شراب قط، وهذا بحد ذاته تأكيد آخر على خلوص الشراب وطهارته.. والختم بالصورة المذكورة يظهر مدى الإحترام الخاص لأهل الجنة، حيث أن ذلك الإحكام وتلك الأختام مختصة لهم، ولا يفتحها أحد سواهم.. وختامه ليس كختوم أهل الدنيا التي تلوث الأيدي، وأقل ما فيها أنها في حال فتحها ترمى في سلة الأوساخ، بل هو شراب طاهر مختوم، وإذا ما فتح ختمه فتفوح رائحة المسك منه، وقيل: «ختامه» يعني (نهايته)، فعندما ينتهي من شرب الرحيق، ستفوح من فمه رائحة المسك، على خلاف أشربة أهل الدنيا، التي لا تترك في الفم إلا المرارة والرائحة الكريهة)([101])

وهكذا الأمر مع الخمر التي تباح في دار الجزاء بعد أن يزال عنها كل أصناف الأذى التي كانت مرتبطة بها في الدنيا، وهذا يدل على أن الله تعالى ما حرمها في الدنيا إلا لأجل ذلك الأذى رحمة بعباده، قال تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [45] بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [46] لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [47]} [الصافات: 45- 47]، وقال: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ [17] بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [18] لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ [19]} [الواقعة: 17- 19].

فمن الأوصاف التي وردت بشأنها، والتي تخالف خمر الدنيا أنها بيضاء نقية لذة للشاربين، بخلاف خمر الدنيا، فإنها كريهة عند الشرب.. (لا فيها غول) وهو ما يصيب شاربها في الدنيا، من صداع، أو ألم في بطنه، أو ذهاب للعقل، (وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ) بخلاف خمر الدنيا التي تذهب عقولهم.

ولذلك فإن كل الطعام والشراب الموجود في دار المحسنين ليس فيه إلا المتعة المحضة، ولا تعقبه أي آثار مثل تلك التي تحدث في أطعمة الدنيا وشرابها، قال تعالى: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 17 – 19]، وقال: { فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ } [الحاقة: 21 – 24]

بل إن هناك إشارات قرآنية إلى الآثار الروحية التي يحدثها ذلك الطعام والشراب في نفوس أصحابه، كما عبر عن ذلك العلامة الطباطبائي في تفسيره لقوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا } [الإنسان: 21]، فقال: (أي بالغا في التطهير، لا تدع قذارة إلا أزالها، ومن القذارة قذارة الغفلة عن الله سبحانه والاحتجاب عن التوجه إليه، فهم غير محجوبين عن ربهم، ولذا كان لهم أن يحمدوا ربهم كما قال: { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10] والحمد وصف لا يصلح له إلا المخلصون من عباد الله تعالى.. وقد أسقط تعالى في قوله: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ } [الإنسان: 21]الوسائط كلها، ونسب سقيهم إلى نفسه، وهذا أفضل ما ذكره الله تعالى من النعيم الموهوب لهم في الجنة، ولعله من المزيد المذكور في قوله: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } [ق: 35])([102])

وقد روي عن الامام الصادق أنه ذكر ما يشير إلى هذا، فقال: (اذا شرب المؤمن الشراب الطهور نسي ما سوى اللّه وانقطع اليه بالكامل)([103])

ولهذا قرن الشراب بالقرب في قوله تعالى: { وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 27، 28]، وذلك لاستحقاقهم لهذا النوع من الجزاء، ولقابليتهم له، ذلك أن الحقائق العظمى تستدعي قابلية خاصة.

ولهذا ورد في الروايات أن أفضل شراب أهل الجنة، هو التسنيم، ولذلك يشربونه خالصا، بينما يشربه غيرهم ممزوجا، واسم هذا الشراب مشتق من مادة (سنم)، بمعنى (العلو والارتفاع) ومنه (سنام البعير)، لذا كان لعين التسنيم أثرها في السير التكاملي.

يقول مكارم الشيرازي عند ذكره لأقوال المفسرين في تفسير التسنيم: (وقيل: تسنيم: عين تقع في الطبقات العليا في الجنة ينصب شرابها عليهم من علو انصبابا، وقيل هو نهر يجري في الهواء، فيصب في أواني أهل الجنة، وهوخالص للمقربين، ويمزج بمقدار من الرحيق المختوم للأبرار، وهو نوع آخر من شراب الجنة، ويظهر من خلال الجمع بين هذه المعاني أن هذه العين لها مكانة عالية رفيعة من ناحية المكان، وكذلك من حيث التأثير المعنوي؛ فهي توصل الروح، وتجذبها إلى مقام القرب الإلهي)([104])

وبهذا، فإن النعيم الحسي في الجنة ليس غليظا كما يتوهم المنكرون له، بل هو مليء بالروحانية والمعاني السامية، ولذلك فإن كل تلذذ لأهل الجنة مرتبط بحمد الله والتواصل معه، ولذلك لا معنى لتكاليف العبادات هناك، ذلك أن الحياة هناك كلها عبادة، والجنة كلها مسجد.

5 ـ الحلي والحلل:

من أنواع الجزاء التي ورد ذكرها في النصوص المقدسة أنواع الحلي والحلل التي هيئت للمحسنين والمسيئين، والمتجانسة مع أعمالهم، أو تلك التي شكلت منها أعمالهم.

ذلك أن من أهم التكاليف الشرعية، والتي اتفقت عليها جميع الملل والنحل، بل وردت مع أول بشر على الأرض، تلك التكاليف المرتبطة باللباس، كما قال تعالى بعد ذكره لقصة آدم عليه السلام: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} (الأعراف:26)

فقد ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة ثلاث منافع للباس، وهي الستر، والجمال والزينة التي عبر عنها بالريش، والوقاية التي عبر عنها بلباس التقوى، والتي جاء ذكرها في قوله تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} (النحل:81)

ولهذا؛ فإن من خرج باللباس عن هذه المقاصد الشرعية، يكون قد تجاوز حدود الله، ولذلك يستحق من العقاب المناسب لذلك ما يؤدبه ويهذبه.

وقد أشار إلى بعض مظاهر ذلك التجاوز قوله تعالى عند الحديث عن الوسائل التي يستعملها الشيطان في إخراج البشر عن إنسانيتهم: {يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27]

وأشار إليها ذلك الاستكبار بالحلي والحلل، والذي انحرف به قارون عن الزينة الشرعية إلى الزينة الشيطانية، قال تعالى:{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} (القصص:80)

ولهذا بين الله تعالى جزاء كلا الفريقين في الآخرة، أولئك الذين آثروا الحياة الدنيا، وانشغلوا بها وبزينتها، وأولئك الذين سلموا أمورهم لله، ولم يتجاوزوا حدوده، فقال: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) } [الحج: 19 – 23]

فهذه الآيات الكريمة تذكر الحلي والحلل التي يرتديها المحسنون والمسيئون في دار الجزاء، والتي تتوافق تماما مع اختياراتهم التي اختاروها في الدنيا.

أما المسيئون؛ فتذكر الآية الكريمة أن ثيابهم نسجت من النار، أي أنها قطع حقيقية من النار، قد فصلت لهم وخيطت على هيئة ثياب.. وهذا ليس بمستغرب على قدرة الله، فالبشر وكل ما على الأرض من حياة من طين، ومع ذلك يشكل بأشكال مختلفة.

وكذلك الشيطان، أخبر الله تعالى أنه خلق من نار، قال تعالى: {قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12]، ومع ذلك يتاح له الكثير من الإمكانات والقدرات التي تتناسب مع طبيعته.

وفي مقابل ذلك أخبر الله تعالى عن لباس المؤمنين، وكونه من الحرير، وهو لا يعني ما نراه من حرير، وإنما هو من باب التقريب، كما ذكرنا، أو ربما يقصد به النعيم الخاص بأصحاب اليمين، والذي يكون له بعض الشبه بنعيم الدنيا، أما المقربون، فلهم نعيمهم الخاص الذي لا يشبهه شيء.

وهكذا أخبر الله تعالى في الآيات الكريمة عن أن المؤمنين يباح لهم في دار الجزاء التحلي بحلية الذهب واللؤلؤ، لأن تحريم التحلي في الدنيا بأمثال تلك الزينة، كان اختبارا إلهيا، لرعاية حقوق المستضعفين، وحتى لا يكون الترف سببا في الكسل عن مجاهدة النفس، والسير بها إلى الله.

وهكذا يذكر الله تعالى في مشهد آخر تلك الحلل التي يرتديها المسيئيون، فيقول: { وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ } [إبراهيم: 49، 50]، والسرابيل هي القمصان، أو غيرها من الثياب، أو تلك التي تغطي القسم الأعلى من البدن، وبخلافها (السروال) الذي يغطي الجزء الأسفل منه.

وقد أخبر الله تعالى أنها منسوجة من (القطران)، وهي المادة السوداء المعروفة، والقابلة للاحتراق، والتي تبعث عند احتراقها رائحة كريهة.

وفي مقابل هذا يذكر الله تعالى الكثير من مشاهد الحلي والحلل لأهل الجنة، مذكرا بالأعمال التي تتطلبها، ومنها ما ورد في قوله تعالى: { وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا } [الإنسان: 12]، حيث ربط ذلك الجزاء العظيم بالصبر.

ومثله قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 30، 31]، فقد ربط الله تعالى هذا الجزاء بالعمل الحسن، وقد سيق بعد هذه الآية قصة صاحب الجنتين، وكيف كان يفخر على المؤمن المتواضع.

ومثله قوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 33، 34]، والتي يشير دعاء المؤمنين فيها إلى المعاناة التي عانوها في الدنيا.

وهذا كله يدعونا إلى الاهتمام بمنهج القرآن الكريم في عرض قضايا اليوم الآخر، وعدم الاقتصار على ذكر الجزاء دون ذكر الأثمان التي يتطلبها، لأن البعض للأسف يذكر الجنة، ويفصل كل ما فيها من النعيم، ثم يذكر بعدها أنه يمكن بالشفاعة وحدها، أو بأعمال قليلة أن تنال كل تلك الجنان الواسعة.

وقد ورد في الحديث ما يفصل بعض ما ورد في القرآن الكريم من أنواع الحلي والحلل، مع التنبيه الذي أشرنا إليه، وهو أن الكثير من الأحاديث رويت بالمعنى، وتدخل الرواة في ألفاظها.

ومن تلك الأحاديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم، بعد أن أتي بثوب من حرير، فجعلوا يعجبون من حسنه ولينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أفضل من هذا) ([105])

وهذا الحديث يشير إلى بعد تربوي مهم، وهو اعتبار نعيم الدنيا قنطرة وجسرا ومعبرا لتذكر نعيم الآخرة، حتى يصبح داعية للعمل الصالح، وكأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول من خلال هذا الحديث: إن أعجبتكم مناديل سعد، فيمكنكم الحصول على ما هو خير منها في سوق اسمها الجنة، وليس عليكم سوى العمل الصالح لتحصيل هذه السلعة الغالية.

وهكذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن توفر الذهب والحجارة الكريمة في كل محل في الجنة، حتى الطوب الذي تبنى به البيوت، ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صفة الذين يدخلون الجنة: (آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، ووقود مجامرهم الألوّة ـ عود الطيب ـ ورشحهم المسك)([106])

وأخبر أنهم يتوجون بالتيجان التي يتوج بها الملوك، قال صلى الله عليه وآله وسلم عند ذكر الخصال التي يُعطاها الشهيد: (ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها)([107])

بل إن القرآن الكريم يخبر عن ذلك، فيذكر أن الأواني في الجنة مصنوعة من الذهب والفضة، كما قال تعالى: { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف: 71]، وقال: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا } [الإنسان: 15، 16]

ويبدو أن هذا النعيم المرتبط بالذهب والفضة خاص بالدرجات الدنيا كما ذكرنا، لأنه نعيم يجمع بين نعيم الدنيا والآخرة، وقد ورد في الحديث ما يشير إلى هذا، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أدنى أهل الجنة منزلة وأسفلهم درجة لرجل لا يدخل الجنة بعده أحد، يفسح له في بصره مسيرة مائة عام في قصور من ذهب، وخيام من لؤلؤ، ليس فيها موضع شبر إلا معمور يغدى عليه ويراح بسبعين ألف صحفة من ذهب، ليس فيها صحفة إلا فيها لون ليس في الأخرى، مثله شهوته في آخرها كشهوته في أولها، لو نزل به جميع أهل الأرض لوسع عليهم مما أعطي، لا ينقص ذلك مما أوتي شيئا)([108])

6 ـ الأزواج والولدان:

من أنواع الجزاء التي ورد ذكرها في النصوص المقدسة، والتي خص بها المحسنون دون المسيئين ذلك الجزاء المرتبط بتشكيل أسر في الجنة تضاهي الأسر التي شكلوها في الدنيا، ولكن بصورة أجمل وأكمل، ذلك أن كل المنغصات التي كانت تتعلق بهذا الجانب في الدنيا تزال عن هذا الجزاء، ليصبح نعيما محضا، خاليا من أي تكليف أو اختبار.

وللأسف، فمع أهمية هذا النوع من الجزاء، وآثاره النفسية في الترغيب في العمل الصالح، إلا أن الكثير راح يسيء إليه، وذلك بتحويله إلى ما تشتهيه النفوس الممتلئة بالإثم والدنس وكل أنواع الشذوذ، لتحول من الجنة مرتعا لكل الأهواء المنحرفة، مع أنها دار سمو وقداسة، وفيها يترقى الإنسان إلى مراتب الكمال المتاحة له.

وقد ساعد على هذا الكثير من الروايات الدخيلة التي لم تعبر عن معاني النصوص المقدسة، وإنما تعبر عن الأهواء والغرائز، التي لا تختلف كثيرا عن تلك الغرائز التي صاغت كتب الأدب المكشوف وغيرها.

ولهذا كان هذا الجانب مثار شبهات كثيرة، نحاول الرد عليها هنا، لا من خلال ذكرها وتشويه الحقائق بها، وإنما من خلال ما دلت عليه النصوص المقدسة نفسها، فعرض ما ورد فيها كاف وحده للدلالة على بطلان كل تلك الشبهات، لأن مصدرها ليس النصوص المقدسة، وإنما تلك الروايات الدخيلة، أو تلك الأهواء المفسرة للنصوص.

وقبل أن نذكر ذلك ننبه إلى أن ما ورد في القرآن الكريم من أصناف النعيم ليس المقصود منه الحصر، وإنما المقصود منه إعطاء النماذج والأمثلة، وخاصة تلك التي يكون لها دورها التربوي والسلوكي.

ولهذا نرى القرآن الكريم يراعي الأعراف الاجتماعية الموجودة في كل المجتمعات المحافظة، والتي تستحيي من ذكر بعض الجوانب المرتبطة بالنساء في هذا الجانب، ولهذا لا معنى لذلك الإشكال الذي ذكره بعضهم من أن القرآن الكريم يفرق بين الرجال والنساء في الجنة، وأنه لذلك وفر للرجل من النعيم ما لم يوفره للمرأة، وضرب المثل على ذلك بـ [الحور العين]، متسائلا عن سر وجود حور عين للرجال، وعدم وجود حور عين للنساء، ورأى أن ذلك تفريقا بين الذكر والأنثى، وأن النعيم في الجنة خاص بالذكور لا بالإناث.

وقد راح بعضهم يعالج هذا الإشكال بالاحتيال على النصوص الشرعية وتحويلها عن معانيها، رغبة في رد الشبهة، ولو بالاحتيال، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره بعضهم من أن الحور العين ليسوا نساء، وإنما هن فاكهة، ثم راح يستعرض كل الآيات القرآنية المرتبطة بهن، وبنعيم الجنة، ليحول منهن فاكهة رغم كل شيء([109]).

وقد ذكر في مقدمة مقاله المواضع التي وردت فيها لفظة الحور بمشتقاتها، ثم راح يتصرف فيها، ويتلاعب بها بطرق مختلفة من ذلك قوله: (يجب أن نتأمل آية مهمة من القرآن تعطينا معنى جيد وحقيقي وهي قوله تعالى: {إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ} [الانشقاق: 14]، فالمعنى هنا يقول إن المجرم الذي استلم كتابه خلف ظهره ظن أن العذاب لن يعود عليه ويرجع، اذاً فتطبيق هذا المعنى على حور عين يدلنا على أن هذه النعم من فاكهة ستعود دوما، من حور يعود بشكل عين لاتنضب، ويتفق هذا المعنى بالتالي بالآية التالية، وهى أن أهل الجنة كلما قطفوا من فاكهة الجنة أعيدت لهم على الفور إنشاءها بشكل متماثل رزقا لاينقطع، {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } [البقرة: 25]، فهذه الثمرات كما في معنى ستحور، وتعود وترجع كلما أخذها أهل الجنة، واذا تابعنا بهذا المعنى نرى اتصال باقي الآيات بهذا السياق من كونها أي النعم من فاكهة ونعم وخيرات مختلفة، الخيرات الحسان وهذه لهم لاتنقطع عندما يدخل المتقون الجنة من الجنسين (الذكر والانثى) يزوجون بــها بمعنى الاقتران والتلازم، لذلك فهي للذكور والاناث معا بلا تفرقة)

وبمثل هذه الطريقة راح يستعرض ما ورد في شأنهن في سورة الرحمن، ثم يعقب على ذلك بقوله: (فاذا نظرنا الى كلمة فِيهِنَّ في آية {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} نجد أن هذا جمع مؤنث في حرف النون يدل ضمن شيء من أشياء التأنيث، جنتان، عينان، مدهامتان، فيهما.. وهذا بالتالي لايعود على التأنيث، بل يعود على فاكهة الجنة من رمان وخلافه، أي أن في كلتا الجنتين على حدة كثير من الفاكهة القاصرات الطرف التي يسهل الوصول اليها.. وفي السياق نفسه بالاتصال مع آية اخرى، فهذه الحور مقصورة داخل خيمتها التي تحفظها كما تحفظ كل فاكهة قشرتها وتبدو أيضا هذه الثمار (حسب آية اخرى) من أكمامها كاللؤلؤ المكنون)

وهكذا راح يحول من كل أوصاف الحور العين في القرآن الكريم إلى أوصاف للفاكهة، ويستعمل في ذلك كل ألوان الحيل والخدع التي مارسها أهل الكتاب من قبلنا ليحرفوا الكلم عن مواضعه.

وهكذا راح آخر يستعمل حيلا أخرى، ليحول من الحور العين إلى ما عبر عنه بقوله: (وحار تعنى رجع أو عاد إلى ربه فى الآخرة.. وعلى ذلك فالحور هن المؤمنات العائدات.. وهؤلاء المؤمنات قد تحوَّرت أشكالهن أيضا، فعدن فى شكل شابات جميلات كواعب ذوات عيون ساحرة فقد أعاد الله إنشائهن إنشاءً.. وعِينٌ تعني: نُجْلُ العُيُونِ حِسَانُهَا، والمفرد للرجل: أعْيَنُ، وللمرأة: عَيْنَاءُ.. فسوف يتزوج المؤمنون فى الجنة بهؤلاء المؤمنات الراجعات أو العائدات إلى الله، وبالطبع سيعود الرجال إلى شبابهم مثل النساء، لأن لهم ما اشتهت أنفسهم، وهل لن يشتهي أحد أن يعود إلى شبابه وعُنفوانه؟.. وهذا هو نصيب النساء فسيتمتعن بأزواجهن كما سيتمتع بهن أزواجهن)([110])

وهكذا نجد كل يوم من يجتهد، ليبحث عن معنى جديد للحور العين مما لم يفطن له أحد من المفسرين ولا اللغويين القدامى والمحدثين.

وبناء على هذا نذكر بعض ما فهمناه من النصوص المقدسة بعيدا عن كلا المتطرفين، أولئك الذين زعموا لأنفسهم التنوير، أو أولئك الذين استلهموا الكثير من التصورات من التفسيرات المتأثرة بالأهواء والغرائز أكثر من استلهامهم لها من خلال النصوص المقدسة.

أ ـ المرأة في الجنة وإلزامها بزوجها:

من المسائل المرتبطة بهذا الجانب، والتي نرى أن العقل راح يتدخل فيها بما هو خارج مجاله، المسألة المعروفة بزواج المرأة المؤمنة في الجنة، والتي راح البعض يفتي فيها، وكأن هناك محاكم للأحوال الشخصية في الجنة مثلما هي في الدنيا، مع أن القاعدة فيها هي ما عبر عنه قوله تعالى: { وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} [الزخرف: 71]، وهي قاعدة تحكم كلا الجنسين.

ولهذا فإن كل الأحاديث الواردة في هذا المجال، إما مردودة بما ورد في القرآن الكريم، أو أنها تعبر عن حالات معينة، وليس كل الأحوال، ذلك أن المرأة قد تكون في مرتبة أعلى بكثير من زوجها، أو لا تكون لها أي رغبة فيه، أو تكون لها رغبة في غيره، إما من الذين عاصروا زمانها، أو من الذين لم يعاصروا زمانها، وقد لا تكون راغبة في الزواج أصلا.. ولهذا من الحرج تكليفها في تلك الدار بما لا تطيق أو لا ترغب.

 ومن تلك الأحاديث التي نرى مناقضتها للقرآن الكريم وللحقائق المرتبطة بالمعاد ما يروى أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أيما امرأة تُوفي عنها زوجها، فتزوجت بعده، فهي لآخر أزواجها)([111])

ويؤكدون هذه الرواية بما يروونه عن معاوية أنه خطب أم الدرداء بعد وفاة أبي الدرداء فقالت: سمعت أبا الدرداء يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أيما امرأة توفي عنها زوجها فتزوجت بعده فهي لآخر أزواجها وما كنت لأختارك على أبي الدرداء)([112])

ومثلها ما يروونه عن حذيفة أنه قال لامرأته: (إن شئت أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تزوجي بعدي فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا فلذلك حرم الله على أزواج النَّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أن ينكحن بعده لأنهن أزواجه في الجنة)([113])

وكل هذه الأحاديث تتناقض مع الموازين التي وردت بها النصوص المقدسة حول تعلق النعيم بالأعمال، والدرجات، والرغبات.. ذلك أن المرأة قد تتعلق بزوجها الأول، وقد لا تتعلق بجميع أزواجها، فلماذا يفرض عليها في الآخرة ما فرض عليها في الدنيا؟

ومن النكت التي تروى في هذا الباب أن امرأة ارتدت في مرض موتها، وعندما سئلت عن سبب ذلك، أخبرت أن ذلك ليس عن قناعة بارتدادها، وإنما لأنها لا تريد أن تعيش مع زوجها الذي آذاها في الدنيا، لاعتقادها أنه سيفرض عليها العيش معه في الآخرة، كما ذكر ذلك الفقهاء.

ولهذا، فإن النصوص المقدسة تذكر أن للمرأة في الجنة استقلالية تامة بالنعيم، مثلها مثل الرجل تماما، ذلك أن النعيم في الآخرة مرتبط بالأعمال، بل هو تجسد للأعمال..

ولذلك إن آثرت أن تعيش مع زوجها، وأسرتها القديمة، فلها ذلك، وخاصة إن كان زوجها صالحا، وربما يشير إلى هذا ما ورد في الحديث أن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت: يا رسول الله، المرأة يكون لها الزوجان في الدنيا، ثم يموتون ويجتمعون في الجنة، لأيهما تكون؟ للأول أو للآخر؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لأحسنهما خلقا كان معها يا أم حبيبة، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة)([114])

وهذا مرتبط برغبتها كما ذكرنا، ذلك أنه لا يفرض شيء من النعيم في الجنة، بل كل شيء مبني على الرغبة والمحبة، ولذلك فإن قوانين الزوجية في الآخرة مختلفة تماما عن قوانين الزوجية في الدنيا، ومثل ذلك تلك العلاقة بين الأزواج، لأنها لم تكن في الدنيا سوى لغرض الإنجاب، وهو قد زال في الآخرة.

وهكذا الأمر بالنسبة للباس المرأة وحجابها في الآخرة، فالأمر فيه مختلف تماما عما هو في الدنيا، ذلك أن ما نراه من شهوات في الدنيا ليس الغرض منها سوى الاختبار والابتلاء.

ب ـ العلاقة الزوجية في الجنة وسموها:

مثلما عرفنا سابقا من أن كل نعيم الجنة متسم بالطهارة والسمو والقداسة، وكونه جميعا مرتبطا بالعبودية ومعرفة الله تعالى، فكذلك النعيم المرتبط بهذا الجانب له علاقة بتلك العبودية والمعرفة لله تعالى، ولذا فقد وصف الله تعالى الأزواج في الجنة بالطهارة، كما قال تعالى:{وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ } [البقرة: 25]

وذلك لا يعني فقط ما ذكره المفسرون من تلك المفاهيم البسيطة الخاصة بالطهارة، بل هو يشمل كل شيء، حتى العلاقة الزوجية نفسها، والتي تتسم بالسمو، ولا تكون مشابهة لتلك العلاقات في الدنيا، والتي استدعاها الابتلاء الإلهي، وضرورة بقاء النوع.

بل إن الكثير من الإشارات في النصوص المقدسة يدل على أن الذكورة والأنوثة حادثة، ومرتبطة بالتكليف الشرعي في الدنيا، ولغرض التناسل، أما الحقيقة الإنسانية، والروح التي تمثلها؛ فإنها في ذاتها مثل الملائكة لا علاقة لها بذلك كله.

ولهذا يخبر الله تعالى في القرآن الكريم أن آدم وحواء عليهما السلام، لم يكونا يميزان الذكورة والأنوثة، إلا بعد أن أكلا من الشجرة، كما قال تعالى: {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ } [الأعراف: 22]

أما الزوجية المشار إليها في قصة آدم، كما في قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35]، أو المشار إليها في أنواع النعيم المعد للمحسنين، كما في قوله تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } [آل عمران: 15]، أو قوله: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ } [يس: 55، 56]، فهي لا تعني ما نفهمه من الزوجية في الدنيا، بل تعني القرناء والأشكال الذين وصفهم الله تعالى بقوله: { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [التكوير: 7]

ويدل لذلك أن الله تعالى خاطب المسيئين بقوله: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 22، 23]، مع أنه من المعلوم أن المسيئين لن يكون لهم تمتع بالزوجات في الآخرة، ولكن المراد هم القرناء، كما ذكرنا ذلك سابقا.

ولهذا عندما ذكر الله تعالى تنعم الأزواج في الجنة لم يذكر أي شيء له علاقة بذلك، مع أنه عند ذكره للطعام، ذكر الأكل، وعند ذكره للأشربة ذكر الشرب، بينما عندما ذكر الأزواج اكتفى بذكر جلوسهم على الأرائك، وأصناف النعيم التي يعاينونها، كما قال تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 55 – 58]

ولذلك؛ فإن ما تذكره بعض الروايات في هذا الجانب من التصوير الحسي لتلك العلاقات، وتشبيهها بعلاقات الدنيا، ونحو ذلك تسيء إلى ما ورد في النصوص المقدسة من ذلك الجانب.

وبناء على هذا يفسر قوله تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 56]، ولا يفسر بتلك الصور التي يذكرها من جعلوا الشغل الشاغل لأهل الجنة الاهتمام بهذه الجوانب.

أما كيفية التمتع؛ فذلك غيب، ومن السهل تصور الكثير من الاحتمالات المرتبطة به، والتي لا علاقة لها بما يحدث في الدنيا.. ذلك أنه يكفي أن يخلق الله تعالى في أهل الجنة كل أنواع اللذة الطاهرة عند نظرهم لزوجاتهم أو للحور العين..

ولهذا نرى القرآن الكريم يذكر الأوصاف الكثيرة لهن، ويشبههن بما يراه الناس في الدنيا من أنواع الجمال، ومن الأمثلة على ذلك تشبيههن باللؤلؤ المكنون، كما في قوله تعالى: {وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ } [الواقعة: 22، 23]، أي كأنهن اللؤلؤ الأبيض الرطب الصافي البهي، المستور عن الأعين والريح والشمس، الذي يكون لونه من أحسن الألوان، والذي لا عيب فيه بوجه من الوجوه؛ فكذلك الحور العين، لا عيب فيهن بوجه، بل هن كاملات الأوصاف، جميلات النعوت، فكل ما تأملته منها لم تجد فيه إلا ما يسر الخاطر ويروق الناظر.

ويشبههن بالياقوت والمرجان، كما قال تعالى: { كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ } [الرحمن: 58]، أي (كأنهن الياقوت في الصفاء، والمرجان في البياض، الصفاء صفاء الياقوتة، والبياض بياض اللؤلؤ)([115])

وهكذا وصفن بأنهن قاصرات الطرف عن غير أزواجهن، كما قال تعالى: {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ } [الصافات: 48، 49]، أي أنهن (ممنوعات من التبرج والتبذل لغير أزواجهن، بل قد قُصِرْن على أزواجهن، لا يخرجن من منازلهم، وقَصَرْنَ عليهم فلا يردن سواهم، ووصفهن سبحانه بأنهن (قاصرات الطرف) وهذه الصفة أكمل من الأولى، فالمرأة منهن قد قصرت طرفها على زوجها من محبتها له ورضاها به فلا يتجاوز طرفها عنه إلى غيره)([116])

وغيرها من الأوصاف، وقد ورد في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما , ولملأت ما بينهما ريحا , ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها)([117])

ج ـ الولدان المخلدون بمثابة الأبناء:

من خلال ما سبق ذكره من أنواع النعيم الحسي والمعنوي في الجنة، لاحظنا أن ذلك النعيم يغطي كل حاجات الإنسان ورغباته المشروعة، والتي لها نظير في الدنيا.

وبناء على هذا نرى أن ما ذكر في القرآن الكريم حول الولدان المخلدين لا يعني ما ذكره أكثر العلماء من كونهم خدم أهل الجنة؛ فأهل الجنة لا يحتاجون إلى خدم، ذلك أنه يكفي أن يهم أحدهم بالشيء، حتى يحضر أمامه من غير حاجة لتكلف إحضار أو طبخ مثلما هو حاصل في الدنيا.

ولذلك فإن النعيم المرتبط بهم هو ذلك الشعور الذي يبثه الله تعالى في قلوب أهل الجنة، والذي يماثل ذلك الشعور الذي كان في الدنيا حول الأبناء، وخاصة عندما يكونون في حال الصبا، حيث يشعرون نحوهم بعاطفة خاصة، لا يمكن أن تعوضها أي عاطفة أخرى.

أما ما ورد في القرآن الكريم من طوافهم عليهم بالأكواب والأباريق، كما قال تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} [الواقعة: 17، 18]؛ فهو لا يعني أنهم خدم، وإنما ذكر من باب مماثلة ذلك لما يحصل في الدنيا عندما يحضر الأبناء لآبائهم، وخاصة عند حضور الضيوف ما يلزم من خدمة.

ولهذا ذكر هؤلاء الولدان المخلدون في مواضع أخرى من غير ذكر الخدمة، كما قال تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا} [الإنسان: 19]، ويقول: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ} [الطور: 24]

وقد وصف هؤلاء الولدان بهذه الأوصاف الدالة على جمالهم، بناء على أن كل شيء في الجنة جميل، ظاهرا وباطنا، ولهذا كان في جمالهم مزيد متعة لأهل الجنة.

بالإضافة إلى ذلك كله؛ فإن النصوص المقدسة تراعي المتعارف عليه من النعيم، ولا نعرف أن أحدا من الناس يفخر أن لديه خادم جميل، بل إن وجود مثل هذا الخادم في بيته قد يكون فيه ما فيه من التهم المرتبطة بعرضه وغيرته ونحو ذلك.

بإضافة إلى ذلك؛ فإن هذا المصطلح [الولدان] في القرآن الكريم يتناسب مع ما ذكرنا، فلم يذكر الولدان إلا بناء على هذا المعنى، كما قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75]، وقال: { إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا } [النساء: 98]، وغيرها من المواضع.

أما أصل هؤلاء الولدان، وهل هم خلقوا في الجنة، ولأهل الجنة، أم أنه كان لهم وجود في الدنيا، وأنهم ماتوا صغارا؛ فهذا مما لا دليل عليه، ولذلك يحسن عنده التوقف، إلا أنا كما ذكرنا سابقا أن كل إنسان لم يتح له التكليف في الدنيا، سيتاح له التكليف في الآخرة، وبناء عليه يكون مصيره.

ولهذا نستبعد أن يكون أولئك الولدان هم الأولاد الذين ماتوا صغارا في الدنيا، أما ما عدا ذلك؛ فيبقى الأمر غيبا، فقد يكونون خلقوا في الجنة أصلا، وقد يكونون من ثمار بعض الأعمال الصالحة الخاصة التي قام بها الإنسان في الدنيا.

وهذا ما نميل إليه، فقد يكون أولئك الولدان الطيبين الطاهرين تجسدا لتلك الجهود التي قام بها أولئك الآباء الذين ضحوا بكل شيء في سبيل تربية أولادهم، وقد يكون تعويضا لأولئك الذين لم يتح أن يكون لهم أولاد في الدنيا، أو قد يكون تعويضا لمن لم يتزوج أصلا في الدنيا.. وهكذا.

وهذا لا يعني انقطاع صلة الآباء بأبنائهم الذين كانوا في الدنيا، ولكن لكل منهما نعيمه الخاص، فلا يمكن للولد الكبير، أن يعوض نعمة الولد الصغير.

ثالثا ـ مراتب الجزاء.. وتجليات العدالة والرحمة:

لا يمكننا فهم حقيقة أي موقف أو سلوك نراه من دون فهم الدوافع التي دفعت إليه، والغايات التي أنشئت من أجله.. ذلك أننا عندما نفهم تلك الدوافع تزاح عنا كل الشبه، وتدفع كل الإشكالات، ويزال كل غموض، ونضع جميع الأمور في محلها اللائق بها.

وبناء على هذا، فإن تلك الإشكالات التي توهمها البعض حول استغراب اجتماع الرحمة الإلهية الواسعة مع وجود جهنم وأنواع العقاب الموجودة فيها، وغيرها من الإشكالات يزول بسهولة، عندما يفهم سر وجود جهنم، وسر وجود الجنة، وسر المراتب المختلفة الموجودة في كليهما.. لأنه حينذاك يدرك أنها تسير جميعا نحو تحقيق هدف واحد، ولكن بطرق متعددة.

ولعل أهم سورة قرآنية تجلي المعاني المرتبطة بهذا، وتوضحها أيسر توضيح وأوجزه، هي سورة الفاتحة، فهي ابتداء من بسملتها توضح الحقائق الكبرى المرتبطة بالمعاد، والدوافع التي دفعت لأن يكون الأمر بهذا الشكل.

و تبدأ هذه السورة ببيان أن كل هذا الكون بما فيه من مخلوقات بدئ باسم من أسماء الله الحسنى، وهو اسم [الرحمن]، وهو يعني أن كل ما في الكون من البداية إلى النهاية منطلق ومنطبق مع هذا الاسم.

ويدل لهذا قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (طـه:5)، ففيه إشارة واضحة إلى أن مملكة هذا الكون الواسعة مبنية على أساس الرحمة الإلهية، ومنتهية إليها، ولذلك اختار الله تعالى ذلك الاسم الجليل الذي يجمع بين الدلالة على منتهى الرحمة وكمالها، والعلمية على الذات، ليدل على هذا المعنى، فإنه إذا قيل:(حكم الملك الشجاع) دل ذلك على ان أكبر منجزات هذا الملك مؤسسة على شجاعته، وإن قيل:(حكم الملك العادل) دل ذلك على أن أبرز ما يظهر في مملكته هو عدله، وهكذا.

وهذا ما نفهمه من الآية الكريمة، فهي لم تقرر معنى الاستواء بقدر ما قررت معنى الرحمة التي على أساسها يحكم الكون، ولكن التحريف اهتم بالاستواء وأوغل فيه مع دقة مسلكه، وكاد يعرض عن معنى الرحمة التي هي المقصود الأول من البيان في هذه الآية.

وبناء على هذا نرى القرآن الكريم يقرن المعاد باسمه الرحمن، كما في قوله تعالى:{ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً} (الفرقان:26)، وهذا يعني أن الحاكم في كل قوانين ذلك اليوم هو الرحمة الإلهية المندرجة ضمن اسم [الرحمن]، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى:{ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } (الأعراف:من: 156)، وقال تعالى:{ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} (الأنعام:147)

ولكن الإشكال الذي يثار هنا هو عن كيفية الجمع بين الألم والعقوبة وما نراه، والرحمة الإلهية، وهذا ما يفسره اسم [الرحيم] والذي تتشكل منه البسملة التي تفسر كل شيء في الكون.

فالرحيم هو أول تجل من تجليات الرحمن، أو هو التنفيذ العملي لما تقتضيه الرحمة الإلهية، والذي قد يظهر بمظاهر مختلفة، قد يكون من بينها القسوة التي تستدعيها الضرورة.

وكمثال تقريبي لذلك أن يأتي مفتش لمدرسة من المدارس؛ فيرى تلاميذها منشغلين عن دراستهم، منحرفين عنها، لا يبالون بها.. وعندها تتداركه الرحمة لإنقاذ مستقبلهم المهدد، فيقرر إرسال معلمين ممتلئين بالحزم والشدة ليعيدوهم إلى جادة الصواب، وباستعمال كل الطرق الممكنة.

وقد يذهب إلى مدرسة أخرى، فيجدها ممتلئة نظاما وأدبا، ويجد تلاميذها مستوعبين لدروسهم أحسن استيعاب، حينها يكتفي بالثناء على التلاميذ وعلى الأساتذة، وقد يقرر أن يكافئهم بما يستحقونه من الدرجات والجوائز.

فهذا المفتش، لم يفعل ذلك إلا بناء على صفة راسخة فيه هي الرحمة بهم، والتي اختلف تنفيذها في الواقع بحسب المحل الذي تعامل معه.. فالمحسنون أحسن إليهم، والمسيئون أرسل إليهم من يقوم بتهذيبهم وإعادتهم إلى جادة الصواب.

لكن الذي لا يفهم دوافع ذلك المفتش قد يتهمه بالجور والقسوة؛ فيزعم أنه اشتد على المدرسة الأولى بناء على قسوته وظلمه وجبروته، وأنه أحسن للمدرسة الثانية بناء على فقدانه للعدل، ولو أنه كان عادلا لتعامل مع الجميع بصفة واحدة.

وهكذا يردد مثيرو الشبه، والذين يحاول البعض الرد عليهم، لا بتوضيح حقيقة الرحمة، وتعدد مظاهرها، وإنما بمحاولة الانقلاب على القيم الواردة في النصوص المقدسة، لتنسجم مع ما يطلبه أصحاب الأهواء من الرحمة.

وهكذا بعد أن توضح السورة الكريمة الدوافع التي دفعت لنشأة الكون، توضح الغاية التي يسير إليها، والتي تقوم الرحمة الإلهية بتسيير الخلق نحوها، وهي ما عبر عنه قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الفاتحة: 2]

وهذه الآية الكريمة توضح أصلا مهما جدا، لا يمكن فهم حقائق المبدأ والمعاد من دونه، فأول الآية يدل على الغاية، وآخر الآية يدل على المنهج..

أما أول الآية، فهو [الحمد لله]، وهو غاية الكون.. أي التعريف بكمال الله تعالى الذي لا نهاية له.. وقد اختار الله من أسمائه للدلالة على هذا اسمه [الله]، وهو الجامع لجميع الأسماء الحسنى.. وبذلك فإن الغرض من الكون هو التعريف بأسماء الله الحسنى التي لا نهاية لها، والتواصل مع الله عبرها.

وأما الطريق إلى ذلك، أو المنهج المؤدي إليه، فقد تكفل به اسم [رب العالمين]، وهو اسم من أسماء الله الحسنى الدالة على الأفعال، وهو تجل لاسم الرحمن الدال على الذات.. وهذا الاسم مشتق من التربية، وهي تعني ترقية الشيء من حال دنيا إلى حال عليا، كما ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من تصدق بعَدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب؛ فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل)([118])

وهو ما يشير إليه قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [البقرة: 257]

والظلمات تشمل كل شيء ابتداء من الجهل وانتهاء بكل السلوكات المنحرفة التي لا تنسجم مع الموازين والنظام الذي يسير به الكون.

ولذلك فإن اسم [رب العالمين]، هو الاسم المتكفل بهداية العباد، ورفعهم من حالتهم البسيطة إلى حالة أرقى، وذلك ما يستدعي وضع برنامج خاص يمر به الإنسان على مجموعة كبيرة من الاختبارات، وعلى أساسها يكون الترقي.

وكمثال تقريبي لهذا ما تقوم به وزارات التربية، والتي تستلم الأولاد الصغار في مرحلة مبكرة من عمرهم، ثم تبدأ في تنفيذ برامجها، وتعقيدها كل حين، حتى يتخرج منها أكبر قدر من الناجحين، وهي عندما تعاقب بعضهم بالطرد لا تفعل ذلك إلا بناء على عدم اهتمامهم، أو تمردهم على النظام الذي تسير عليه تلك المؤسسات، أو خشية على المؤسسات التربوية من أن تصبح مؤسسات للمشاغبين بدل أن تكون مؤسسات لطلبة العلم.

ولهذا ذكر الله تعالى في الآية السابقة أن المؤمنين المسلمين والمستسلمين لله وقوانينه، سوف يخرجون من الظلمات إلى النور، بينما غيرهم، وهم الذين سلموا أنفسهم للمشاغبين والطواغيت، فإنهم سيسيرون سيرا عكسيا، بحيث لا يكتفون بالخروج عن فطرتهم النقية، وإنما قد يقعون في الانتكاسة العظمى التي تخرجهم من إنسانيتهم، وتوقعهم في المهالك.

ولكن الله تعالى برحمته التي وسعت كل شيء يعطي الفرص الكثيرة التي لا تنتهي لأولئك الذين آثروا الظلمات على النور.. لعلهم يخرجون منها؛ فإن آثروا البقاء فيها كان ذلك بسببهم، وليس قصورا من الرحمة الإلهية.. ولذلك؛ فإن المشكلة ليست في سعة الرحمة الإلهية، وإنما في توفر القابلية لها..

وكمثال تقريبي على ذلك، أننا لا نرمي شخصا بالبخل إلا إذا شحت يده عما يتطلبه الكرم من الإحسان، لكنه إن فعل ذلك، ووفر الكثير من الخدمات للمحتاجين بكل سهولة ويسر.. لكن بعض المحتاجين لم يتقدم للاستفادة من تلك الخدمات.. فإن المشكلة هنا لا تكمن في المعطي، وإنما في مدلى قابلية المتلقي.

وهكذا الرحمة الإلهية.. بل كل المعاني النبيلة في الأسماء الحسنى، كالهداية واللطف والرزق وغيرها.. فالله تعالى وفرها، وبكثرة.. لكن المشكلة أن البعض لا يتعرض لها، ولذلك يحق له أن يتهم نفسه في عدم توفير القابلية، ولا يحق له أن يتهم الله تعالى.. أو بعبارة أخرى: يحق له أن يتهم أو يلوم أو يحاسب نفسه في عدم سعيه إليها، ولا يحق له أن يتهم الله تعالى في حرمانه منها.

بناء على هذا وضع الله تعالى المراتب المختلفة في دار الجزاء، ليتنقل أصحابها من طور إلى طور بحسب استعدادهم وقابلياتهم واختياراتهم.

وقد وضحت سورة الفاتحة المراتب الكبرى للخلق في هذا المجال، حيث ذكرت أربعة أصناف:

الصنف الأول: المنعم عليهم، الممثلون للسراط المستقيم، والذين طولب الخلق بالاهتداء بهم واعتبارهم النموذج المثالي للإنسان، كما يريده الله، كما قال تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 6، 7]

وهم يمثلون بحسب المثال السابق، النخبة من التلاميذ الناجحين، والذي يتاح لهم في الدول العادلة كل المناصب الرفيعة، بما فيها الحكم نفسه.

الصنف الثاني: السائرون على منهاج المنعم عليهم مع التقصير في الوصول إلى مراتبهم، ويمثلهم في سورة الفاتحة الداعون أنفسهم، والذين يطلبون من الله تعالى أن يرقيهم إلى المراتب التي وصل إليها الفائزون.. وبذلك هم يطلبون من الله تعالى المزيد من التربية والإصلاح والهداية.. أو المزيد من الترقي في مراتب الكمال.

الصنف الثالث: المغضوب عليهم، وهم أولئك المشاغبون المجرمون الذين لم يكتفوا بالانحراف، وإنما راحوا يدعون الخلق إليه، بكل كبرياء وطغيان، وهم الذين يعبر عنهم القرآن الكريم بأنهم أئمة الكفر.

الصنف الرابع: وهم الذين ضلوا، فتركوا الاهتداء بالمنعم عليهم، وراحوا يتبعون المغضوب عليهم..

بناء على هذا التصنيف انقسمت الأحكام في دار الجزاء الإلهي إلى أربعة مراتب هي:

مرتبة الفائزين: وهم الذين ورد في النصوص المقدسة اعتبارهم النخبة، والهدف من الخلق، وأنهم يسكنون الدرجات العليا في الجنة، وقد يصيرون أساتذة على من دونهم من أهل الجنة، ليقوموا بترقيتهم وتربيتهم وهدايتهم.. لتحقيق ذلك الدعاء الذي يدعو فيه المؤمنون بأن يهتدوا بهدي المنعم عليهم.

مرتبة المهتدين: وهم الذين حصلوا الحد الأدنى من الهداية، والذي يمكنهم من الدخول إلى الجنة، ولكن في مراتبها الدنيا، ويمكنهم أن يترقوا في درجاتهم فيها بحسب قابلياتهم المختلفة.

مرتبة الضالين: وهم الذين تركوا الهداية الإلهية في الدنيا، أو قصروا في التعامل معها؛ فهؤلاء يطهرون في كل المحال ابتداء من البرزخ، وانتهاء بدار الجزاء.. ومن تطهر منهم تطهرا تاما، تمكن من دخول الجنة، لتستمر تربيته فيها.

مرتبة المغضوب عليهم: وهم الذين لم يمتنعوا من قبول الهداية بسبب الشبه التي وقعوا فيها، وإنما بسبب الكبرياء الذي طغا على قلوبهم، ولذلك راحوا يؤدون دورا معارضا للهداية الإلهية، وربما يكونون قد جروا معهم الكثير من الأتباع والضالين.. ولهذا فإن عقوبة هؤلاء أشد، وقد تؤول ـ مثلما يحكم على كبار المجرمين في الدنيا ـ إلى الحكم المؤبد..

وهذه الأقسام جميعا تتعامل معها الربوبية بحسب ما تستحقه.. فالعقاب الإلهي في الآخرة ليس القصد منه التشفي، وإنما القصد منه التربية والترقية وتنقية القلوب من الدنس.. ولذلك من الخلق من يستجيب بسهولة.. ومنهم من قد لا يستجيب أبدا.. ولذلك كان البقاء في جهنم بحسب تلك القابلية.

بناء على هذا، نحاول في هذا المبحث إثبات هذه المعاني من خلال النصوص المقدسة، وما دل عليها من الروايات والعقل، وقد قسمنا مراتب الجزاء ـ بحسب ما ذكرنا سابقا ـ إلى ثلاث مراتب.. يمكن لأي شخص فيها أن يترقى من المرتبة التي هو فيها إلى ما بعدها، بشرط أن تتوفر فيه ما تتطلبه المرتبة الجديدة من الشروط، وهذه المراتب هي: مراتب المنحرفين، ومراتب المهتدين، ومراتب الفائزين.

1 ـ مراتب المنحرفين:

بحسب ما تنص عليه سورة الفاتحة؛ فإن المنحرفين المستحقين للتأديب الإلهي، يمكن تصنيفهم إلى صنفين:

أولهما: الضالون، وهم الذين يقعون في التيه الذي يحجبهم عن ربهم، أو الهداة إليه.. وبذلك ينحجبون عن كل حقائق الوجود، والموازين التي تحكمه، ويضعون بدائل جديدة من عند أنفسهم، مبنية على الهوى، تتشكل منه نفوسهم وسلوكاتهم، وبذلك ينحرفون عن الصبغة الأصلية التي صبغ الله بها الإنسان، وذلك ما يجعلهم يتألمون ألما شديدا عند معاينتهم للحقائق التي كانوا تائهين أو غافلين عنها.

ثانيهما: المغضوب عليهم، وهم الذين أضافوا لذلك التيه كل أنواع الإجرام والكبر؛ حيث أنهم استحلوا الضلالة، بل راحوا يمارسون دورا عكسيا للهداية الإلهية، وذلك بتحويل أنفسهم إلى طواغيت وجبابرة يخرجون الناس من النور إلى الظلمات.

وبذلك؛ فإن جريمة المغضوب عليهم أكبر بكثير من جريمة الضالين.. ذلك أنهم لا يكتفون بتحمل أوزارهم، وإنما يضيفون إليها جميع أوزار الذين أضلوهم، كما قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } [النحل: 24، 25]

وبذلك؛ فإن عقوبتهم لا تتوقف فقط على تلك الملكات التي تشكلت منها نفوسهم، وإنما يضاف إليها تحقيق العدالة المرتبطة بكل الذين أضلوهم، ولذلك لا يمكن أن يخرج من العقاب القائم بالدعوة للضلال في نفس الوقت الذي يبقى فيه من كان ضحية لتضليله.

وسر الخلاف الذي وقع فيه الكثير في تحديد المغضوب عليهم والضالين، هو توهمهم أن لكلا الصنفين خصائصه المميزة له، مع أن المغضوب عليهم في الحقيقة لا يكونون كذلك إلا بعد أن يتحققوا بالضلال، ثم يضيفون إليه الكثير من الانحرافات التي توجب الغضب الإلهي، وبذلك يكون كل المغضوب عليهم ضالين، وليس كل الضالين مغضوبا عليهم.

بالإضافة إلى أن الضلال والغضب قد يراد منه الضلال والغضب المحدود والمؤقت.. ذلك أن كل منحرف عن الدين الأقوم ضال في ذلك الجزء الذي انحرف فيه، وبذلك يكون قد نال حظا من الغضب بسبب ذلك الضلال، كما يشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة، يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)([119])، وقوله: (إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان، كان عليه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان)([120])

فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الإيمان يرفع مؤقتا عن هؤلاء المنحرفين، ثم قد يعود، وقد لا يعود، وذلك بحسب القدرة على التراجع، وتصحيح الأخطاء، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: {إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 17، 18]

وبذلك فإن كل ضال معرض للغضب، والذي قد يكون مؤقتا، وقد يتحول إلى دائم، ولهذا يقال (المعاصي بريد الكفر)، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (المطففين:14)، أي أن كسب الإنسان وعمله وحركة قلمه هي التي ملأت فطرته بقعا منحرفة حالت بينها وبين التعرف على الحق أو سلوكه.

ويشير إليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربدا كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه)([121])

وبذلك فإن المغضوب عليه هو ذلك الذي طبع على قلبه؛ فصار لا يفرق بين المعروف والمنكر، أو صير المعروف منكرا، والمنكر معروفا، ولم يكتف بذلك، بل راح ينشر تلك الانتكاسة التي وقع فيها على غيره، ويقوم بالدور المعاكس لدور الهداة إلى الله، كما قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 25، 26]

فهاتان الآيتان الكريمتان تذكران ذلك التدرج الذي ينتقل فيه الضال من مرحلة الضلال إلى مرحلة الغضب الإلهي، ويبدأ الضلال بالإعراض عن السماع للرسل، ثم يتدرج إلى أن يصل إلى محاربتهم.

بناء على هذا، نذكر هنا الجزاء المرتبط بالمغضوب عليهم والضالين، وعلاقته بالأعمال والملكات التي تشكلت منها نفوسهم في دار الاختبار والابتلاء.

أ ـ مرتبة المغضوب عليهم:

وهي المرتبة التي يمثلها أولئك الذين أتيحت لهم كل وسائل الهداية، ومع ذلك أعرضوا عنها، وربما لم يكتفوا بذلك، وإنما أضافوا إليه ذلك التمرد على الهداة إلى الله، وتشويه الهداية التي جاءوا بها، وبذلك وضعوا الحجب بين الخلق وبين الأنوار الإلهية، ولذلك كانت العقوبة المتناسبة مع جريمتهم هي تحمل جميع أوزار الذين أضلوهم بغير علم.

ويمكننا اكتشاف هذا بسهولة عند البحث في المغضوب عليهم في القرآن الكريم؛ فمنهم وأولهم أولئك الذين عبدوا العجل في عهد موسى عليه السلام، وبحضور أخيه نبي الله هارون عليه السلام، ومع ذلك تمردوا عليه، وعلى الهداية التي جاء بها، على الرغم من معاينتهم للمعجزات، ومع ذلك لم تؤثر فيهم، بل راحوا يحطمون كل الحقائق الوجودية، ويختصرون الله في عجل يعبدونه، كما قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف: 152]

ومنهم أولئك الذين كانوا يعلمون علم اليقين بأن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله، وقد دلت عليه كتبهم التي يوقنون بها، لكنه عندما ظهر لم يكتفوا بعدم اتباعه، وإنما راحوا يضللون الناس عنه، بغيا وحسدا وكبرا، قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [البقرة: 89 – 91]

ومنهم أولئك الذين استراحوا للضلالة، وأعجبوا بها، ولم يبغوا بديلا عنها، ولذلك عندما تعرض لهم الهداة لدعوتهم ومحاجتهم أعرضوا عنهم، لما أشربت قلوبهم من حب الضلالة، كما قال تعالى: { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النحل: 106]

وهذه الآية الكريمة تفرق بين الكفر، وانشراح الصدر له.. فالكفر قد يكون ناتجا عن ضلال، بسبب عدم التعرض للهداية، أو عدم توفر الحجج الكافية للاقتناع، لكن انشراح الصدر للضلال، يعني الإعراض التام عن الهداية مع قيام كل الدلائل التي تدل عليها.

ومنهم أولئك الذين راحوا يجادلون الهداة بغير علم، وإنما بمجرد الهوى، وللكبر الذي امتلأت به نفوسهم، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: 16]

وهؤلاء جميعا تدل النصوص المقدسة على أنهم يتعرضون لأشد أنواع العقوبات، وهي الخلود في جهنم.. وهي المسألة التي أثيرت حولها الكثير من الشبهات، وفسرت بالكثير من التفاسير، وقد عرضنا للأقوال الواردة فيها بتفصيل في كتاب [أسرار الأقدار]([122])

ونرى ـ احتراما للنصوص المقدسة ـ أنه لا يمكن أن نحرف الكلم عن مواضعه؛ فالوعيد الإلهي بالخلود، أو بعدم الخروج من النار واضح في حق هؤلاء.. كما سنرى فيما سنعرضه من الآيات الدالة على ذلك.. لكن كيف ينسجم ذلك مع الرحمة والعدالة وتربية الله لعباده؟

والجواب على هذا أيضا بسيط، ومن خلال النصوص المقدسة نفسها.. فهي تشير إلى أن الجرائم المتعدية لهؤلاء تقتضي تحملهم كل أوزار الذين أضلوهم.. وبذلك سيعاقبون مدة طويلة على ذلك..

ويضاف إليها ذلك الكبر الذي أشرب في قلوبهم، والذي قد لا يستطيعون الانفكاك عنه أبدا، وبذلك يستحيل عليهم الخروج من العذاب ما دام ذلك الكبر في قلوبهم، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ } [الأعراف: 40]

وبهذا؛ فإن للخلود سببين: السبب الأول هو تحمل الأوزار المتعدية للذين أضلوهم، أو أجرموا في حقهم.. والثاني هو تلك الملكات التي عجنت بها نفوسهم، والتي قد لا يطيقون الانفكاك عنها مع طول العذاب.. كما قال تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } [الأنعام: 28]،)، فالآية الكريمة تدل على غاية عتوهم وإصرارهم وعدم قبول الخير فيهم، فلا تصلح نفوسهم الشريرة الخبيثة إلا للعذاب، ولو صلحت لصلحت على طول العذاب، فحيث لم يؤثر عذابهم تلك الأحقاب الطويلة في نفوسهم ولم يطيبها علم أنه لا قابلية فيهم للخير أصلا.

وبذلك فإن الرحمة والعدالة الإلهية متناسبة مع جرائمهم، لأنه لا يمكن أن يخرج الجاني مع بقاء المجني عليه في العذاب.. وكذلك لا يمكن أن يخرج وفي نفسه تلك الملكات الظالمة التي لم يستطع الانفكاك عنها.. ذلك إن الخلود مرتبط بالأعمال والملكات..

ولو أنا فرضنا أن شخصا ما من الذين كتب عليهم الخلود، تخلص من كل تبعات أعماله، وتخلص معها من كل تلك الملكات التي كانت سببا في عقابه؛ فإنه لا يستمر عليه الحكم المؤبد..

وهذا ما قد يجمع الأقوال في المسألة؛ لتؤول بعدها إلى أصحاب الأعمال أنفسهم، ومدى نجاعة التأديب الإلهي في حقهم.

ويشير إلى هذا تلك الأحاديث الكثيرة التي تذكر عدم دخول نفر كثيرين إلى الجنة، مع اتفاق العلماء على أن ذلك الدخول ليس أبديا، وإنما هو مؤقت، وقد ذكرنا أن توقيته متوقف على التطهر من تلك الرذائل التي دخلوا بها إلى جهنم.

ومن الأمثلة على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدا: الديوث، والرجلة من النساء، ومدمن الخمر قالوا: يا رسول الله ! أما مدمن الخمر فقد عرفناه، فما الديوث؟ فقال: الذي لا يبالي من دخل على أهله قلنا: فما الرجلة من النساء. قال: التي تشبه بالرجال)([123])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يدخل الجنة قتات)، وفي رواية: (لا يدخل الجنة نمام)([124])

وهكذا في تأويلهم لقوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [النساء: 93]، واعتباره غير مطلق، ذلك أنهم يذكرون خروج الموحدين من النار، وبذلك يضمنون له الخروج مع أن الله تعالى لم يخبر عن خلوده في جهنم فقط، وإنما أخبر عن غضبه عليه.

بل إنهم يجعلون التوحيد وحده كاف لرفع العقوبة عن كل الجرائم حتى لو ظلت ملكاتها موجودة في النفس، مثلما أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها، فلم يترك منها شيئا، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا أتاها، فهل له من توبة؟ قال: فهل أسلمت؟ قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأنك رسول الله، قال: نعم،، تفعل الخيرات، وتترك السيئات، فيجعلهن الله لك خيرات كلهن، قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: نعم قال: الله أكبر، فما زال يكبر حتى توارى([125]).

وبناء على هذا؛ فإنا نرى أن كل النصوص الدالة على الخلود في جهنم باقية على معناها في حق الموحدين أو غيرهم، ولكن على المعنى الذي ذكرناه، وهو ارتباط الخلود بالتطهر التام من عواقب الأعمال، والآثار المشكلة لها في الهيئة النفسانية.

ذلك أن الجنة لا يدخلها إلا الطاهرون الطيبون.. ولذلك إن أدخل إليها من بقي في نفسه آثار النميمة، فسيسعى بالنميمة بين أهل الجنة.. وإن أدخل إليها من أشرب حب الدياثة، فستكون شهوته هناك بناء المواخير ونشر الرذيلة.. وإن أدخل إليها من أدمن القتل والعدوان، فسيجعل الجنة دار حرب.

ولذلك قد يكون للإسلام دور في نجاته من الشرك، وتعرفه على حقائق الوجود، ولكنه قد لا يكون كافيا في تطهيره من الآثار التي كسبتها نفسه من جرائمه، ولذلك يحتاج إلى التطهر منها في الدنيا، فإن لم تكفه الدنيا، ولا البرزخ بقيت تبعاتها عليه إلى أن يتخلص منها، بغض النظر عن المدة المرتبطة بذلك.

وبذلك تنسجم الرحمة مع العدالة مع تربية الله لعباده، ذلك أننا في الدنيا لا يمكن أن نحكم بنجاح طالب من الطلبة ما لم يستوف الحد الأدنى من النقاط التي توجب نجاحه، حتى لو بقي يكرر السنة طول عمره.

وقد أشار إلى هذا المعنى العلامة الطباطبائي في تفسيره([126])، وذلك عند عرضه لبعض الإشكالات المترتبة على القول بالخلود في العذاب، والمطروحة من قبل القائلين بعدم الخلود، وخصوصا صدرالدين الشيرازي وابن عربي والقيصري وغيرهم، وهي نفسها التي ذكرها ابن تيمية وابن القيم وغيرهما.

ومن تلك الإجابات رده على الإشكال المتعلق بكيفية الجمع بين كون رحمة الله واسعة غير متناهية، وبين أن يخلق من مصيره إلى عذاب خالد لايقوم له شيء؟

فقد أجاب على هذا الإشكال بأن معنى الرحمة الإلهية هو الإفاضة لما يناسب الاستعداد التام الحاصل في القابل، والرحمة رحمتان: رحمة عامة، وهي إعطاء ما يستعد له الشيء ويشتاقه في صراط الوجود والكينونة، ورحمة خاصة، هي إعطاء ما يستعد الشيء في صراط الهداية إلى التوحيد وسعادة القرب.. وإعطاء صورة الشقاء اللازم، الذي أثره العذاب الدائم للانسان المستعد له باستعداده الشديد، لا ينافي الرحمة العامة بل هو منها، وأما الرحمة الخاصة فلا معنى لشمولها لمن هو خارج عن صراطها، فلا منافاة بين العذاب الدائم والرحمة سواء العامة منها أو الخاصة كما تبين، على أن الإشكال لو تم لجرى في العذاب المنقطع أيضاً حتى أنواع العذاب الدنيوي.

ومن الإشكالات التي أجاب عنها، ما ذكره المخالفون من (أن العذاب إنما يكون عذاباً إذا لم يلائم الطبع فيكون قسراً، ولا معنى للقسر الدائم، فكيف يصح وجود عذاب دائم؟)([127])

فقد أجاب عن ذلك بقوله: (يجب أن يعين معنى عدم ملائمة الطبع، فانه تارة بمعنى عدم السنخية بين الموضوع والأثر الموجود عنده، وهو الفعل القسري الذي يصدر عن قسر القاسر، ويقابله الأثر الملائم الذي يصدر عن طبع الشيء إذا اقترن به آفات سم رسخت فيه، فصارت صورة في الشيء، وعاد الشيء يطلبه بهذا الوجود، وهو في عين الحال لا يحبه، كما مثّلنا فيه من مثال الماليخوليائي، فهذه الآثار ملائمة لذاته من حيث صدورها عن طبعه الشقي الخبيث، والآثار الصادرة عن الطباع ملائمة، وهي بعينها عذاب لصدق حد العذاب عليها، لكون الشيء لا يرتضيها، فهي غير مرضية من حيث الذوق والوجدان في كونها مرضية من حيث الصدور)([128])

ومن الإشكالات (أن العبد لم يذنب إلّا ذنباً منقطع الآخر، فكيف يجازى بعذاب دائم؟)([129])

وقد أجاب عنه بأن العذاب ترتب أثر غير مرضي على موضوعه الثابت حقيقة، وهو صورة الشقاء، فهذا الأثر معلول الصورة الحاصلة بعد تحقق علل معدة، وهي المخالفات المحدودة، وليس معلولاً لتلك العلل المعدة المحدودة حتى يلزم تأثير المتناهي أثراً غير متناه، وهو محال، نظير تصور المادة بالصورة الانسانية بتوسط علل معدة، ولا معنى أن يسأل ويقال: إن الآثار الإنسانية الصادرة عن الانسان بعد الموت صدور دائمي سرمدي لحصول معدات مقطوعة الأمر للمادة، فكيف صار مجموع منقطع الآخر من العلل سبباً لصدور الآثار المذكورة وبقائها مع الانسان دائماً، لأن علتها الفاعلة ـ وهي الصورة الانسانية ـ موجودة معها دائماً على الفرض، فكما لا معنى لهذا السؤال لا معنى لذلك أيضاً.

ومن الإشكالات (أن أهل الشقاء لا يقصر خدمتهم لنظام التكوين عن خدمات أهل السعادة، ولولاهم لم تتحقق سعادة لسعيد، فما هو الموجب لوقوعهم في عذاب مخلد؟)([130])

وقد أجاب عنه بقوله: (إن الخدمة والعبودية أيضاً مثل الرحمة على قسمين: عبودية عامة، وهو الخضوع والانفعال الوجودي عن مبدأ الوجود، وعبودية خاصة وهو الخضوع والانقياد في صراط الهداية إلى التوحيد، ولكل من القسمين جزاء يناسبه وأثر يترتب عليه ويخصه من الرحمة، فالعبودية العامة في نظام التكوين جزاؤه الرحمة العامة، والنعمة الدائمة والعذاب الدائم كلاهما من الرحمة العامة، والعبودية الخاصة جزاؤه الرحمة الخاصة، وهي النعمة والجنة، على أن هذا الإشكال لو تم لورد في مورد عذاب المنقطع، بل الدنيوي أيضاً.

ومن الإشكالات (أن العذاب للعاصي انتقام، ولا يجوز الانتقام على الله تعالى، لأنه لا يكون إلّا لجبر النقص، والله تعالى هو الغني المطلق، فكيف يجوز منه العذاب المخلد؟)([131])

وقد أجاب عنه بقوله: (إن العذاب الدائم مستند إلى صورة الشقاء الذي في الانسان، وإلى الله سبحانه بالمعنى الذي يقال في كل موجود إنه مستند اليه تعالى لا بمعنى الانتقام وتشفي الصدر المستحيل عليه تعالى، نعم الانتقام بمعنى الجزاء الشاق والأثر السيء الذي يجزي به المولى عبده لتمرده عليه مما يصدق فيه تعالى، ولكن لا يستلزم كون العذاب انتقاماً بهذا المعنى إشكالاً البتة. على أن هذا الإشكال لو تم لورد في مورد العذاب المؤقت المنقطع في الآخرة، بل في الدنيا أيضاً) ([132])

هذه أهم الإجابات التي أجاب بها العلامة الطباطبائي، والتي نرى أنه يمكن اختصارها جميعا فيما يدل عليه قوله تعالى:{ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} (الأنعام: 28)

وقريب منه ما أجاب به بديع الزمان النورسي في تعليل سر كون الكفر علة للخلود في العذاب، وهو نفسه ما ينطبق على غيره من العلل التي وردت بها النصوص المقدسة، وقد قال النورسي في ذلك:(أيها الإنسان! إن فيك جهتين: الأولى: جهةُ الإيجاد والوجودِ والخير والإيجابية والفعل.. والأخرى: جهةُ التخريب والعدم والشر والسلبية والانفعال.. فعلى اعتبار الجهة الأولى (جهة الإيجاد) فإنك أقلُّ شأنا من النحلةِ والعصفور وأضعفُ من الذبابة والعنكبوت. أما على اعتبار الجهة الثانية (جهة التخريب) فباستطاعتك أن تتجاوز الأرضَ والجبالَ والسماوات، وبوسعِكَ أن تحمل على عاتقك ما أشفقنَ منه فتكسبَ دائرةً أوسعَ ومجالا أفسحَ؛ لأنك عندما تقوم بالخير والإيجاد فإنك تعمل على سعةِ طاقتك وبقدْر جهدك وبمدى قوتك، أما إذا قمتَ بالإساءةِ والتخريب، فإن إساءتكَ تتجاوز وتستشري، وإن تخريبَك يعمّ وينتشر)([133])

ويضرب المثل على ذلك من الواقع بأن الانسان يستطيع هدمَ بيتٍ في يوم واحد الاّ أنه لا يستطيع أن يشيّده في مائة يوم، ومثل ذلك الكفر، فهو سيئة واحدة، ولكنها (تُفضي إلى تحقير جميع الكائنات وازدرائها واستهجانها، وتتضمن أيضا تزييف جميع الأسماء الإلهية الحسنى وإنكارها. وتتمخّض كذلك عن إهانة الإنسانية وترذيلها؛ ذلك لأن لهذه الموجودات مقاما عاليا رفيعا، ووظيفةً ذات مغزى، حيث إنها مكاتيب ربانية، ومرايا سبحانية، وموظفات مأمورات إلهية. فالكفرُ فضـلا عن إسقاطهِ تلك الموجودات من مرتبة التوظيف ومنـزلة التسخير ومهمة العبودية، فإنه كذلك يُرديها إلى درك العَبَث والمصادفة ولا يرى لها قيمةً ووزنا بما يعتريها من زوالٍ وفراق يبدّلان ويفسّخان بتخريبهما وأضرارهما الموجودات إلى مواد فانية تافهة عقيمة لا أهمية لها ولا جدوى منها)([134])

ولذلك كان هذا التخريب العظيم لكل حقائق الكون مقتضيا للخلود في العذاب، يقول النورسي:(فالذين لا يعرفون هذا الرحمن الرحيم ولا يَسْعون بالعبودية لحبِّه، بل يَضلون إلى الإنكار فيُضمرون نوعا من العداء تجاهه.. هؤلاء ليسوا إلّا شياطين في صور أناسي، وفي حكم نماردة صغار وفراعنة صُغر. ولاشك أنهم يستحقون عذابا خالدا لا نهاية له)([135])

بناء على هذا سنستعرض هنا ما ورد في النصوص المقدسة من الأصناف التي يحكم عليها بالمؤبد، أو بالخلود في النار، لنرى الصفات الجامعة بينها، ذلك أن القراءة الصحيحة لهذه النصوص هو التأمل في أسرارها، حتى نفطن للعلل التي يمكننا من خلالها أن نتجاوز بالمثال قفص حروفه إلى فضاء معانيه، كما قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43]

ومن تلك النصوص قوله تعالى:{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (التغابن:10)، وقوله:{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة:39)، فهذه الآيات الكريمة تربط الخلود بالكفر والتكذيب بآيات الله، وبحقائق الوجود على الرغم من قيام الحجج التي تدل عليها..

وهذا يمثل في القوانين الخيانة العظمى، ذلك أن عدم الاعتراف بالله، أو اعتقاد الشركاء له، يخالف أصل الغاية من الوجود، وهي التعرف على الله، والسير إليه، لأنه لا كمال للإنسان من دونه.

ومثل ذلك في المثال الذي أشرنا إليه سابقا، أولئك الطلبة المشاغبين الذين لم يكتفوا بكسلهم، ولا بشغبهم، وإنما راحوا يتمردون على الإدارة والقوانين التي تحكمهم؛ فهم بذلك لا يمكنهم أن يستفيدوا أبدا من مدرسة لا يقرون بها، ولا ببرامجها، ولا بإدارتها.

ومن المعلوم أن كل القوانين وفي كل العصور، لا تكتفي بالحكم على هؤلاء المجرمين بالسجن المؤبد، وإنما بالإعدام، خصوصا إن أدى هؤلاء دورهم في إثارة الفتنة والشغب.

وبناء على هذا، فإن القائلين بقصر الخلود على أمثال هؤلاء قد يكون المقصود منه عدم قابليتهم للإصلاح، بخلاف غيرهم من المؤمنين، ذلك أن الاعتراف لله بالألوهية، وللهداة بالهداية، له تأثير كبير في تسريع الإصلاح، وبالتالي الخروج من استحقاق العذاب.

ومن تلك النصوص التي تذكر أصناف الخالدين في العذاب، قوله تعالى: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة: 257)، وهي تشير إلى عدم التبعية للهداة، واستبدالهم بالطواغيت، ولذلك بدل أن يسيروا سيرا تصاعديا نحو الكمال، يسيرون سيرا نزوليا نحو الانتكاسة، وهو ما يؤهلهم لاستحقاق الخلود في العذاب.

ومثلها ما ورد في قوله تعالى: { تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} (المائدة:80)، ونلاحظ هنا، وفي كثير من الآيات الكريمة ربط الغضب والسخط الإلهي بالخلود في النار، وهذه الآية تذكر من الأسباب ذلك التولي للكفرة والطواغيت، وهو يعني بالضرورة الإعراض عن الهداة.

ومن تلك النصوص التي تذكر أصناف الخالدين في العذاب، قوله تعالى:{ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (لأعراف:36)، وهي تذكر صفة الكبر، والمرتبط بتكذيب آيات الله، ذلك أن الكبر يتنافى تماما مع العبودية، ويستحيل على المستكبر أن يتحقق له السير التصاعدي المعرفي والسلوكي، ذلك أن كليهما يتطلب نفسا لينة هينة سهلة يمكن ترويضها وإصلاحها، كما قال الشاعر:

العلم حرب للفتى المتعالي   كالسيل حرب للمكان العالي

وقبله قال الله تعالى: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } [ق: 37]، فمن لم يستطع إلقاء السمع بتواضع، لن يتعلم أبدا.

ولهذا يصف الله تعالى المتقبلين لآياته بكل صفات الخضوع والخشوع والتواضع، كما قال تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15]، وقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا } [مريم: 58]

ولهذا يخبر الله تعالى عن استحالة فتح أبواب سماء الحقائق للمتكبرين، قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف: 40]

ومن تلك النصوص التي تذكر أصناف الخالدين في العذاب، قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [البقرة: 80، 81]، وقوله: { وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (يونس:27)

وهي تشير إلى تجوهر المكثرين من الذنوب والمدمنين عليها بجوهرها، حيث تستحيل صورهم النفسية إلى تلك الجرائم.. ذلك أن الإنسان يعجن بسلوكه في الدنيا الصبغة التي يرتضيها لنفسه، ولهذا عبر الله تعالى عن ذلك الإدمان بكونه محيطا بالإنسان، ومستغرقا فيه، بحيث لا يستطيع الانفكاك عنه.

وهذا أخطر ما في الجرائم والذنوب، ذلك أن عقوبتها لا تحصر فقط في تلك السيئات التي ينالها من ارتكبها، وإنما في تأثيرها في النفس، وغلبتها عليها، حتى ينتكس صاحبها انتكاسة خطيرة، يتحول بعدها إلى صورة ممثلة لتلك الذنوب.

ويشير إلى هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا)([136])

فقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث كيفية تجوهر الإنسان بما يعمل من الأعمال الصالحة أو السيئة، حتى تصبح صورته ممثلة لها، ولهذا كان الهداة إلى الله ممثلين للقيم النبيلة لتجوهرهم فيها، بسبب تمثلهم لها، كما روي في الحديث: (كان خلقه القرآن)([137]) أي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صار ممثلا للحقائق والقيم القرآنية لتجوهرها في ذاته.

وهذا ما تحقق أيضا لورثته، وهو معنى الوراثة، فهي لا تعني مجرد الحفظ الذهني، وإنما تعني التجوهر بالحقائق والقيم، قال تعالى: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: 32]

ومن تلك النصوص التي تذكر أصناف الخالدين في العذاب، قوله تعالى: { إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} (الزخرف:74)، وقوله: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [النساء: 93]، وقد ورد في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا)([138])

بل قد ورد في الحديث ما يدل على الخلود المرتبط بهذه الجريمة، حتى لو فعلها الشخص بنفسه؛ ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يتوجّأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شرب سمّاً فقتل نفسه، فهو في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)([139])، وفي رواية: (الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار)([140])

وهذه النصوص المقدسة مطلقة تشمل المؤمنين وغيرهم، ولذلك؛ فإن إخراج المؤمنين من هذه العقوبة بسبب إيمانهم نوع من التعدي والتأويل للنص، وهذا ما جعل الكثير يتساهل في القتل، ويعتبره من الذنوب الهينة.

ومن الأدلة العقلية على هذا، أن ذلك المجرم الذي قتل إنسانا، هو لم يقم بقتله فقط، وإنما حال بينه وبين سيره التصاعدي للكمال، فقد يكون ذلك المقتول كافرا، وكان في إمكانه أن يؤمن، وبذلك يكون قتله حائلا دون تحقيق ذلك، ولهذا يلقى العقوبة الشديدة على ذلك، لا على قتل جسده فقط، وإنما على تلك الحيلولة، وبذلك يتحمل وزر موته كافرا..

وقد رددنا في كتاب [أسرار الأقدار] بتفصيل على تلك الشبهة التي يوردها بعض المبررين لتلك الجرائم، وبدل أن يلصقوها بالمجرمين، يلصقونها بالقدر الإلهي، مع أن القدر الإلهي يتعامل مع الجميع وفق العدالة والرحمة الإلهية.

هذه نماذج عن أهم النصوص التي ورد فيها ذكر الخلود في العذاب، وهي ترتبط في أكثر الأحيان بالغضب الإلهي، وسنرى عند حديثنا عن الضالين، المزيد من النصوص التي تفرق بين المغضوب عليهم والضالين، أو بين الذين كتب على أعمالهم وجرائمهم الخلود في العذاب، وبين الذين قد يخفف عنهم العذاب في مدته أو في نوعه.

وبناء على ما ورد في النصوص المقدسة، فإن هؤلاء الذين قدر عليهم الخلود في العذاب بسبب جرائمهم، ينزلون في الدركات بحسب ضخامة الجرم، ثم قد يترقون، إن كانت لديهم القابلية لذلك.

وقد ذكر القرآن الكريم أن النفاق هو الجريمة الكبرى التي يستحق أصحابها الدرك الأسفل، كما قال تعالى:{ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا} (النساء:145)، وسر ذلك يرجع إلى أن نفوسهم المطاطة المرنة المتحولة يصعب عليها أن تنتقل من حالة الانحراف إلى حالة الاستقامة إلا بعد تطهير طويل عميق، وقد لا تستطيع فعل ذلك أبدا.

ب ـ مرتبة الضالين:

وهي دون مرتبة المغضوب عليهم بكثير، وإن كان كلاهما يشتركان في أصل الضلال، لكن المغضوب عليه، يضيف إلى ضلاله الكبر والظلم والجريمة ومواجهة الهداة، ولذلك تكون جرائمه أعظم، بخلاف الضال الذي قد يهتدي إلى الحق، ويذعن له بسهولة، إذا ما أقيمت عليه الحجة، أو توضح له البرهان.

ولهذا نرى في القرآن الكريم نوعا من التساهل مع الضالين بخلاف المغضوب عليهم، فإبراهيم عليه السلام في استغفاره لقريبه تذرع لذلك بكونه من الضالين، كما قال الله تعالى على لسانه: {وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء: 86]

وهكذا تذرع موسى عليه السلام بقتله للقبطي بقوله: { فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء: 20]

وهكذا أخبر الله تعالى عن سرعة توبة أصحاب الجنة، وتبريرهم لخطئهم بكونهم كانوا من الضالين، قال تعالى: {وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) } [القلم: 25 – 28]

ولهذا ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم في بيان بعض مصاديق المغضوب عليهم والضالين: (المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى)([141])

وهو حديث توجه له البعض بالتشكيك متوهما خلافه للقرآن الكريم، وذلك ليس صحيحا، فهو يوافق قوله تعالى: { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} [المائدة: 82]، ثم علل سر كون النصارى أقرب مودة للذين آمنوا بقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 82، 83]

وهذا يشير إلى أن التواضع وسرعة الاهتداء يكون رديفا للضلال، بخلاف المغضوب عليه، والذي قد تقام عليه كل أنواع الحجج، ومع ذلك يظل مصرا على عناده.

ولهذا لم يكن الضلال في حد ذاته جريمة، بل الجريمة المرتبطة به هي الإصرار بعد بيان الحق، والذي قد يصل إلى حد الغضب الإلهي، ولهذا ذكرنا أن كل المغضوب عليهم ضالين، ولكن ليس كل الضالين مغضوبا عليهم.

ذلك أن المغضوب عليهم، يضمون إلى الضلال المرتبط بهم تضليل غيرهم، وهي جريمة لا يمكن تصور مدى فداعتها، ذلك أن صاحبها لا يتحمل وزره فقط، وإنما يتحمل جميع أوزار من أضلهم.

ويظهر هذا المعنى بجلاء في قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 167]، ثم قال بعدها: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 168، 169]؛ فقد قرن الله تعالى الخلود في جهنم بـ [الضلال البعيد]، وهو المرتبط بالصد عن سبيل الله، وقرنه بالظلم، وهو يدل على أن الضلال وحده ليس موجبا للخلود في جهنم إلا إذا اقترن به الظلم والصد عن سبيل الله.

وبهذا؛ فإن المغضوب عليهم في العادة يكونون من أئمة الكفر بخلاف الضالين الذين قد يكونون من الأتباع البسطاء، الذين اشتبهت عليهم الأمور، ولهذا يسهل عليهم الرجوع للحق حال تبينه، كما ذكر الله تعالى ذلك عن عوام بني إسرائيل الذين وقعوا في عبادة العجل، فقد ذكر سرعة توبتهم على خلاف السامري، قال تعالى: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [الأعراف: 149]

بخلاف السامري الذي عوقب، ولم يذكر شيئا عن توبته، قال تعالى: { قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا} [طه: 95 – 97]

وهكذا أخبر الله تعالى عن الضلال المرتبط بالمشركين في قتل أولادهم، حيث قال عنهم:{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } [الأنعام: 140]

وبناء على هذا كله؛ فإن الضالين يختلف جزاؤهم اختلافا شديدا عن المغضوب عليهم، أو الضالين ضلالا بعيدا.. ومراتبهم في العقاب تختلف باختلاف قربهم من الحق أو بعدهم عنه.

وقد ورد في الحديث ما يشير إلى هذا، حيث أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن بعض دركات جهنم، وأن العذاب فيها قاصر في كيفيته بكون المعذب في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه([142]).

وهذا يدل على أن فترة عذابه قد لا تطول، لأنه في رحلته التربوية قطع شوطا كبيرا، ولم يبق بينه وبين السعادة إلا بعض التبعات، أو بعض الملكات النفسية التي يحتاج إلى قطعها، ليدخل بعدها مدرسة الجنة الابتدائية.

وقد ورد في الحديث ما يشير إلى أن أهل النار في حركة دائمة بحسب استعداداتهم للتخلص من العقوبة، والدخول بعدها إلى الجنة، مثلما يتاح لبعض المساجين في الدنيا الكثير من الفرص للخروج من سجونهم، بشرط إثبات صلاحهم.

ومن تلك الأحاديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم في آخر من يدخل الجنة:(آخر رجل يدخل الجنة رجل يتقلب على الصراط ظهرا لبطن كالغلام يضربه أبوه وهو يفر منه، يعجز عنه عمله أن يسعى فيقول: يا رب بلغ بي الجنة ونجني من النار! فيوحي الله إليه: عبدي أنجيتك من النار وأدخلتك الجنة تعترف لي بذنوبك وخطاياك؟ فيقول: العبد: نعم يا رب وعزتك وجلالك لئن نجيتني من النار لأعترفن لك بذنوبي وخطاياي! فيجوز الجسر ويقول فيما بينه وبين نفسه: لئن اعترفت له بذنوبي وخطاياي ليردني إلى النار! فيوحي الله إليه: عبدي اعترف لي بذنوبك وخطاياك أغفرها لك وأدخلك الجنة فيقول العبد: وعزتك وجلالك ما أذنبت ذنبا قط ولا أخطأت خطيئة قط! فيوحي الله إليه: عبدي إن لي عليك بينة فيلتفت العبد يمينا وشمالا فلا يرى أحدا ممن كان يشهده في الدنيا فيقول: يا رب أرني بينتك! فيستنطق الله تعالى جلده بالمحقرات فإذا رأى ذلك العبد يقول: يا رب عندي – وعزتك – العظائم المضمرات! فيوحي الله إليه: عبدي! أنا أعرف بها منك، اعترف لي بها أغفرها لك وأدخلك الجنة، فيعترف العبد بذنوبه فيدخل الجنة، هذا أدنى أهل الجنة منزلة فكيف بالذي فوقه)([143])

وهذا يدل على ما ذكرناه سابقا من أن المغضوب عليهم، والذين كتب عليهم الخلود في النار، لم يفعل ذلك بهم إلا لكونهم لا يستطيعون أن يسلموا لله، ولا أن يسلكوا القيم التي أرادها؛ فهم بمجرد أن تتاح لهم فرصة التمرد، يتمردون من جديد، ولذلك كانوا هم السبب فيما يحصل لهم.

ولهذا نرى أنه قد تقام لأهل النار كل حين أصناف الاختبارات، فمن نجح منهم فيها، خفف عليه العذاب، أو رفع عنه بحسب درجة نجاحه، ويشير إلى ذلك الحديث الذي ذكرناه سابقا.

ولهذا، فإن العذاب الإلهي نابع من الرحمة الإلهية، ذلك أن القصد منه هو التطهير والتربية والترقي، وليس العذاب المجرد الذي لا يقصد منه إلا التشفي، فالله أعظم من أن يتشفى بأحد من خلقه.

وبذلك فإن ما ورد في الشرع من اصطلاح (العقوبات) ليس إلا نوعا من المجاز([144])، فكما أنه لا يقال للجراح الذي يحاول جهده أن يخلص المريض من الأذى الخطير الذي لحق بدنه معاقبا، فكذلك لا يقال للعمليات التي تترتب على هذا النوع من الخطايا بأنها عقوبات إلا بنوع من المجاز، فالرحيم اللطيف يستحيل عليه أن يعاقب لغير علة أو لغير ما تقتضيه الحكمة.

بناء على هذا؛ فإن الضلال نوعان:

النوع الأول: ضلال مرتبط بالحقائق العقدية: وهو أخطر أنواع الضلال، ذلك أن العقائد تشكل الأساس الفكري الذي تبنى عليه حياة الإنسان، وبقدر التوهمات، والانحرافات في هذا الجانب، بقدر ما يكون الانحراف في القيم السلوكية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن من مقاصد الخلق التعريف بالله، ولذلك كان الوقوع في هذا النوع من الضلال مصادمة للغاية الكبرى من الخلق.

وبناء على هذا يختلف العقاب المرتبط بهذا النوع باختلاف درجة الضلال ونوعه، ودرجة الإصرار عليه.

النوع الثاني: ضلال مرتبط بالقيم السلوكية: وهو الضلال الناتج من غلبة النفس والهوى على الإنسان، وهو أيضا تختلف درجته بحسب آثاره على النفس؛ فإن طغا عليها، وتجوهرت بجوهره، كان الضلال بعيدا، وربما يؤدي إلى الاستمرار فترة طويلة في العذاب، بل قد لا يطيق من حصل له ذلك الخروج من النار مطلقا، بسبب ترسخ تلك الصفات في نفسه، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: { بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81]

أما إن كان دون ذلك؛ فسيكون عقابه دون ذلك، وقد يقتصر على فترة البرزخ، أو الموقف، أو غيرها من الدور التي هيأها الله تعالى لتربية عباده.

وبناء على ذلك؛ فإن من لم يتم تطهيره في الدنيا، إما بالتوبة النصوح، أو بالمكفرات المختلفة التي تستأصل ما في نفسه من الهوى، سيتعرض لا محالة للتطهير بمختلف درجاته وأساليبه في الدار الأخرى، ذلك أنه يستحيل أن يدخل الجنة من لم تكتمل طهارته؛ فحكمة الله تعالى اقتضت تطهير من يسكن الجنة تطهيرا متناسبا مع الجرائم التي عملها.

2 ـ مراتب المهتدين:

ونقصد بهم أولئك الذين وضعوا أقدامهم في الطريق الصحيح للهداية، ولم يبق لهم سوى السير عليه لاستكمال تربيتهم وتكميلهم بحسب ما يملكون من الاستعدادات النفسية والعقلية.

وهؤلاء هم الذين يطلق عليهم القرآن الكريم أهل اليمين، وهم عموم المؤمنين، ذلك أن المقربين ليسوا سوى نخبة قليلة جدا من البشر، كما قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]

وهكذا، فإن عدد المهتدين ابتداء، والذين لم يمروا على كير العقوبات الإلهية قليل جدا مقارنة بالذين مروا على ذلك الكير، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى في عدة أصحاب اليمين: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ } [الواقعة: 39، 40]

ويشير إلى ذلك تلك الآيات الكريمة التي تدل على قلة المهتدين مقارنة بالذين يغويهم الشيطان بسبب إعراضهم عن الهداة، واتباعهم لأهوائهم، قال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } [يوسف: 103]، وقال: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ } [سبأ: 20]، وقال مخاطبا إبليس: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 85]

وقد ورد في الحديث ما يبين مدى قلة المهتدين مقارنة بالمنحرفين، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (عرضت عليّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد)([145])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يقول الله: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، ثم يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذاك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد) ([146]

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ } [الحج: 1، 2]: (ذاك يوم يُنادى آدم عليه السلام، فيناديه ربه عز وجل، فيقول: يا آدم ابعث بعثاً إلى النار. فيقول: يا رب، وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد في الجنة) ([147])

أما انسجام قلة المهتدين مع العدالة والرحمة الإلهية، فواضح، ذلك أن الله تعالى وفر لعباده كل وسائل الهداية، وترك لهم كل الحرية في الاختيار، لكنهم بمشيئتهم اختاروا السبل المختلفة، وما كان الله ليرغمهم على الهداية، لأنها اختيار شخصي، لا محل فيه للإكراه، قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } [البقرة: 256]

بالإضافة إلى ذلك، فإن الواقع يدل على هذا، حيث نرى أتباع المطربين والممثلين والمهرجين والمصفقين لكل الطغاة، أكبر بكثير من عدد أتباع الأنبياء والصالحين والهداة.

وذلك لا يعود فقط لوساوس الشيطان الذي توعد أن يغوي البشر، وإنما لما في النفوس من ميل إلى الهوى والكسل، والذي يقعد بها عن المجاهدة في ذات الله، مع أن الهداية لا يمكن أن تتحقق من دون المجاهدة، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]

ويشير إلى هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره)([148])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لما خلق الله النار، قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها ثم جاء، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات، فقال: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فلما رجع، قال: وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها)([149])

والواقع يدل على أن الطلبة النجباء المهتمين بدروسهم أقل بكثير من غيرهم، وخاصة إن لم يكن في المدارس أي حزم يدفع للدراسة، ويتشدد مع المتكاسلين.

ولكن هذا لا يعني بقاء الأمر دائما بهذه الصفة، وإنما تبقى الجنة محلا لاستقبال التلاميذ الجدد كل حين، وخاصة من أولئك الذين لم تكن لهم سيئات كثيرة، أو كانوا من البسطاء العوام البله الذين لم يكن فيهم من الكبر ما يحول بينهم وبين الاهتداء للحق إذا عرفوه، فهم بمجرد أن تنتهي فترة تطهيرهم يدخلون الجنة، كتلاميذ جدد، يستفيدون من الذين سبقوهم إليها.

ويشير إلى هذا تلك الأحاديث التي تذكر أوصاف أكثر أهل الجنة، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يدخل الجنةَ أقوام أفئدتهم مثلُ أفئدة الطير)([150])، وفي تتمة الحديث في رواية أخرى: (وأكثر أهل الجنة البُلْهُ)([151])

وهؤلاء هم البسطاء الذين لم يرتكبوا من الذنوب المتعدية، ما يقعد بهم مددا طويلة في العذاب، بالإضافة إلى أن تواضعهم وخمولهم وبساطتهم تيسر عليهم الدخول للجنة، وفي درجاتها الدنيا، للترقي بعدها في سلم الكمال بحسب استعداداتهم.

وقد فسر الإمام الصادق البله، فقال: (العاقل في الخير، المتغافل عن الشر الذي يصوم في كلّ شهرٍ ثلاثة أيام)([152])

وهو يعني بذلك أن هؤلاء يقتصرون على الحد الأدنى من الدين، كما يشير إلى ذلك ما ورد في الحديث أن (رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من أهل نجد، ثائر الرأس، حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «خمس صلوات في اليوم والليلة». فقال: هل علي غيرهن؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «وصيام رمضان». فقال: هل علي غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الزكاة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». قال: فأدبر الرجل، وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق»([153])

ويدخل أيضا في هؤلاء أولئك الذين أصابهم أنواع البلاء في الدنيا، والتي ساهمت في تطهير نفوسهم من الكبر والظلم وغيرها، كما يشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض)([154])

ويدخل أيضا في هؤلاء أولئك المستضعفين المظلومين، الذين يتحمل ظالموهم أكثر أوزارهم، وربما يتحملوها جميعا، فيدخلون الجنة من غير معاناة عذاب، أو قد يمرون على بعض العذاب الذي يطهر نفوسهم من الملكات التي لا تتناسب مع الجنة.

ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فمالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ فقال الله عز وجل للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي) ([155])

ويدخل أيضا في هؤلاء النساء، باعتبارهم من المستضعفين المظلومين في أكثر فترات التاريخ، وقد روي عن الإمام الصادق أنه قال: (أكثر أهل الجنّة من المستضعفين النساء، علم الله ضعفهن فرحمهن)([156])

وهكذا روي عن الإمام الباقر، فقد حدث زرارة قال: قلت لأبي جعفر: إنّي أخشى أن لا يحلّ لي أن أتزوج من لم تكن على أمري، فقال: «ما يمنعك من البله من النساء؟» قلت وما البله؟ قال: «هنّ المستضعفات من اللّواتي لا ينصبن ولا يعرفن ما أنتم عليه)([157])

وبناء على هذا لا نرى صحة تلك الأحاديث المشتهرة، والتي تذكر أن النساء أكثر أهل النار، ذلك أن الذي دسها في الإسلام هم أولئك الذين أرادوا أن يعيدوا الموقف الجاهلي من المرأة، ويدخلوه إلى الإسلام ليشوهوا القيم التي جاء بها.

ومن تلك الأحاديث ما يروون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)([158])

ثم يروون حديثا آخر يعللون به ذلك، وهو تعليل متناسب مع تلك القيم الجاهلية التي تريد من المرأة أن تكون عبدا لزوجها، لا شريكا له، فقد نسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (أريت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء) قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: (بكفرهن) قيل: يكفرن بالله، قال: (يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط) ([159])

بناء على هذا كله، فإن أسس الهداية التي ذكرها القرآن الكريم في سورة الفاتحة، والتي تتيح لهؤلاء الدخول إلى الجنة، تتضمن معنيين، نص عليهما قوله تعالى: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 5 – 7]

ففي قوله تعالى: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] بيان لاستعداد هذا الصنف للسير وفق ما تتطلبه الغاية الكبرى للخلق، وهي التعرف على الله والتواصل معه، والاستعانة به لتحقيق ذلك.

وفي قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 6، 7] بيان لاستعداد هذا الصنف للتلقي والطاعة والأدب مع من جعلهم الله تعالى هداة إليه.

ذلك أن الاختبار الإلهي ليس خاصا بالعبودية لله فقط، وإنما قد يتضمن التعامل مع من يدعونا إلى طاعتهم وتعظيمهم، ولهذا فشل إبليس في الاختبار الثاني، بعد أن أمره الله تعالى بالسجود لآدم عليه السلام.

ولتبسيط هذا المعنى بلغتنا المعاصرة، فإنه يشترط في أي طالب يريد الالتحاق بأي مؤسسة تربوية أن يعترف بنظامها ومقرراتها، وفي نفس الوقت يعترف بأساتذتها، ويتعهد بالتزام تعليماتهم وتوجيهاتهم.

وهكذا الأمر مع التربية الإلهية لعباده، فلا يمكن أن تتم بمعزل عن طاعة الرسل واتباعهم، كما قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 31، 32]

ولذلك نرى استمرارية الرسل عليهم السلام في أداء وظائفهم في الجنة، مثلما مارسوها في الدنيا.. فصلتهم بأممهم وأتباعهم وأهل الجنة عموما تبقى متواصلة، لأن الجنة ليست دار نعيم فقط، وإنما هي أيضا دار هداية وترق وسلوك إلى الله لتحقيق الغاية الكبرى من الخلق، وهي المعرفة بالله.

3 ـ مراتب المقربين:

المقربون هم الخلاصة النورانية لكل الواقعين في دائرة التكليف الإلهي، ولذلك هم المحققون لغايات الكون والحياة، وهم لذلك أيضا الفائزون الذين كان لنفوسهم من الصفاء والطهارة ما جعلهم يتشربون الهداية الإلهية بكل كيانهم، ولذلك انصبغت حقائقهم بالصبغة الإلهية، ولم تتمكن لمة الشيطان من التأثير فيهم، وكانوا من المخلَصين.

ويذكر القرآن الكريم أن الشيطان كان يعلم بوجود هذا الصنف، ويعلم أن صراعه الأكبر سيكون معهم، حيث يتولى هو زعامة فريق الضلالة، بينما يتزعم هؤلاء المقربون قيادة فريق الهداية، كما قال تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ } [الحجر: 39 – 42]

وهذه الهبة الإلهية التي تحققت لهذا الصنف، لم تكن هبة مجردة، وإلا لخالف ذلك العدالة الإلهية، وإنما كانت لما فيهم من الاستعدادات والقابليات المبنية على المجاهدات، ولهذا فهم مثل غيرهم من البشر يتعرضون للفتن، لكن الفرق بينهم وبين غيرهم هو في مراقبتهم لله، ومجاهدتهم لأنفسهم كما قال تعالى عن يوسف عليه السلام: { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } [يوسف: 24]

فيوسف عليه السلام ـ كما تنص الآية الكريمة ـ كان مثل سائر البشر يملك نفس الهمة الدافعة إلى الشر، ولكن الفرق بينه وبينهم هو في مجاهدته لنفسه، بسبب برهان ربه الذي يملأ قلبه، ويجعله لا يتحرك أي حركة إلا وفق القيم التي أمر الله بمراعاتها.

وهذا هو معنى العصمة، والخلاص، والذي في إمكان أي شخص أن يحصل عليه إذا أدمن الرياضات والمجاهدات الروحية، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]

ولهذا، فإن المقربين هم الذين انشغلوا في الدنيا بتحقيق الغاية من خلقهم، وهي البحث عن سبل الهداية، والسير على ضوئها، والتحول بعد ذلك إلى منارة من مناراتها، كما قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ } [الأنبياء: 51]، وقال: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } [الأنعام: 75]

وقد أشار إليهم القرآن الكريم في سورة الفاتحة، ودعا إلى الالتزام بسراطهم المستقيم، قال تعالى: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 6، 7]

وقد عرف هؤلاء، والمجامع الكبرى لهم، فقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } [النساء: 69]، وقد وردت بعد قوله تعالى:{وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء: 68]

وهذا يدل على أن السراط المستقيم ـ كما ذكرنا سابقا ـ ليس مجرد قيم نظرية جامدة، وإنما هو قيم واقعية حية يمثلها هؤلاء المقربون الذين جعلهم الله تعالى حججا على عباده، ومنارات يهتدون بها.

ولذلك كانوا بمثابة الأساتذة في هذه المدرسة الدنيوية، ومن عرف كيف يصل إليهم، ويهتدي بهديهم، ويلتزم بتعاليمهم؛ فإنه لا محالة من الناجين والناجحين.

ولهذا أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن دخول الجنة متوقف على طاعته، ففي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى)، فقالوا: يا رسول الله من يأبى؟ قال: (من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)([160])

لكن الشيطان بعد يأسه من الرسل عليهم السلام، لم يكن ييأس من أتباعهم، ولذلك كان يستعمل كل الوسائل لاستبدال الممثلين الحقيقيين للسراط المستقيم بغيرهم ممن يخدمون مشروعه.

وكانت هذه هي طريقته في التعامل مع الأديان جميعا، مستغلا الحسد الذي في النفوس التي تأبى الخضوع للغير، مثلما فعل هو عندما أبى السجود لآدم عليه السلام، قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [البقرة: 213]

ثم عقب الله تعالى على هذه الآية الكريمة بأن سنته في هذه الأمة هي نفس سنته في سائر الأمم، وأن الشيطان الذي أضل سائر الأمم بإبعادها عن سراطها المستقيم، وممثليه الشرعيين، سيفعل ذلك مع هذه الأمة أيضا، قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]

بناء على هذا؛ فإن الدور الأكبر للمقربين في الدنيا والآخرة هو كونهم ميزانا للحقائق والقيم، وكونهم كذلك أساتذة لها.. ولهذا فإن مراتب الجنة تتحدد بحسب العلاقة بهم وبالقيم التي جاءوا بها، ودركات جهنم تتحدد بحسب العداوة المبطنة لهم، أو للقيم التي جاءوا بها.. ولذلك كانوا قسماء للجنة والنار.. فالجنة لمن والاهم، والنار لمن عاداهم.

ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إن من أحبكم إلي، وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي، وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة: الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون»([161])

وهذا الجوار لا يعني ما نفهمه من البركة أو النعيم المرتبطة بتلك الدرجة التي نزلوا فيها فقط، وإنما يعني أن هؤلاء الذين توفرت فيهم هذه الصفات، سيكونون تلاميذ مباشرين للرسل عليهم السلام في الآخرة، مثلما كانوا تلاميذ لهم في الدنيا.

هذا عن حقيقة هؤلاء المقربين، والدور المناط بهم في الآخرة، أما صفاتهم؛ فقد ذكر القرآن الكريم الكثير منها، لتكون معيارا للقيم التي أراد الله تعالى من عباده التحقق بها.

ومن تلك الآيات ما ورد في وصف أولي الألباب، أي أصحاب العقول النقية الطاهرة، المستعدة لتقبل الهداية الإلهية، قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [آل عمران: 190، 191]

وقال في آية أخرى تصفهم: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 19 – 22]

وقد أخبر القرآن الكريم أن كل أنواع الهداية لا يمكن أن يفهمها، ولا أن يستوعبها إلا هذا الصنف، كما قال تعالى: { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [البقرة: 269]، وقال: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، وغيرها من الآيات الكريمة.

ومن تلك الآيات ما ورد في وصف المتقين، كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } [الذاريات: 15 – 19]

ومن تلك الآيات ما ورد في وصف المخبتين، كما قال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } [الحج: 34، 35]

ومن تلك الآيات ما ورد في وصف عباد الرحمن، كما قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)} [الفرقان: 63 – 67]

ومن تلك الآيات ما ورد في وصف عباد الله الذين جمعوا كل مقامات الخير، كما قال تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112]

وغيرها من الآيات الكريمة التي تصف الصالحين، إما بذكر أعمالهم، أو مواقفهم، أو بذكر بعض الأحداث المرتبطة بهم، كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]

ولهذا نرى في القرآن الكريم اهتماما كبيرا بتصنيف الناس وفق القيم التي يؤمنون بها، ذلك أن منازل الآخرة مرتبطة بتلك التصنيفات.

أما الجزاء المرتبط بهؤلاء، فلا يمكن تصوره، وقد ورد في سورة الواقعة الإشارة إلى بعض مجامعه، والتفريق بينه وبين نعيم أصحاب اليمين، قال تعالى: { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)} [الواقعة: 10 – 26]

وهكذا ورد في سورة الرحمن، قال تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 46 – 61]، ويدل على هذا أن الله تعالى قال بعد ذكره لهذا النعيم: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} [الرحمن: 62]، أي تحتهما في الفضل، وهذا يدل على أن الجنة الأولى هي جنة المقربين.

وغيرها من الآيات الكريمة التي نجد عند التدبر فيها الكثير من الفروق بين أنواع النعيم الحسي المرتبطة بأصحاب اليمين، وهؤلاء المقربين.. وهي فروق لا ترتبط فقط باللذات الحسية، وإنما بما تختزن من لذات معنوية أشرف وأعظم.. وقد ذكرنا سابقا امتزاج النعيم الحسي في الجنة بالنعيم المعنوي.. فكلاهما يهدفان إلى التعريف بالله، والتواصل معه.

وهكذا الأمر في الدنيا عند هؤلاء المقربين؛ فهم في تناولهم للذات الحسية، لا يغفلون عن الله، بل يجعلون من تلك اللذات معارج روحية توصلهم بالله، ولا تحجبهم عنه، كما قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]

وما أشار إليه القرآن الكريم من أنواع النعيم الحسي المرتبط بهم مجرد نماذج، لأن النعيم الحقيقي المهيأ لهم لا يمكن وصفه، وقد ورد في الحديث أن موسى عليه السلام سأل ربه عن أدنى أهل الجنة منزلة أجابه، لكن عندما سأله عن أعلاهم منزلة قال:(أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر)([162])

وفي الحديث القدسي الجليل قال صلى الله عليه وآله وسلم:(قال اللّه تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ([163])

ولهذا عندما ذكر الله هؤلاء المقربين العارفين بربهم الساجدين بكل كيانهم له، فقال {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 15، 16] ذكر بعدها ما أعد لهم من النعيم، فقال: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]


([1]) الكلمات ، ص 67..

([2]) المرجع السابق، ص 70..

([3]) فحسب قوله تعالى: { ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم: 41، 42]، يوجد نشآت أخرى تلي نشأة الجزاء.. لأن السير التكاملي التصاعدي للتعرف على الله والتواصل معه لا نهاية لها.

([4]) رواه البخاري رقم (2091) ، (4734، 4735) ورواه مسلم برقم (2795)

([5]) رواه البخاري رقم (4780).

([6]) رواه مسلم رقم (2836)

([7]) رواه أحمد (2/339)، والترمذي برقم (2556).

([8]) انظر: الجنة والنار، أحمد القبانجي، الحوار المتمدن-العدد: 4363 – 2014/ 2 / 12 – 12:19..

([9]) رواه مسلم (8/135)

([10]) رواه البخاري ( 4453 ) ومسلم ( 2849 ).

([11]) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، تفسير ابن كثير (5/ 234)

([12]) رواه البخاري ( 6182 ) ومسلم ( 2850 ).

([13]) إحياء علوم الدين (4/ 23)

([14]) رواه الترمذي رقم 3998 وقال حديث حسن غريب.

([15]) رواه البخاري 11 / 363 و 364 ، ومسلم رقم (2829).

([16]) الترمذي رقم (2553)

([17]) رواه مسلم 8/145 (7248).

([18]) تفسير الأمثل، (1/ 130)

([19]) انظر مقالا بعنوان: قد أشعر بالملل في الحياة الاخرة، محمد أحمد السلامي، منتدى التوحيد.

([20]) رواه أحمد 3/346 (14779)

([21]) رواه البخاري 3 / 193 في الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، وفي بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة، وفي الرقاق، باب سكرات الموت، ومسلم رقم (2866).

([22]) بحار الأنوار، ج73، ص142.

([23]) رواه الترمذي (2414)

([24]) تفسير الزمخشري، (4/ 263)

([25]) رواه مسلم، رقم 2835.

([26])     حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: 267).

([27])     المرجع السابق، (ص: 264).

([28])     السنة لابن أبي عاصم (1/ 258).

([29])     رواه ابن ماجه برقم ( 184 )

([30])     شرح النونية: 2/64.

([31]) البخاري (3688) ، ومسلم (2639).

([32]) تفسير الأمثل – (8/ 81)

([33]) تفسير عبد الرزاق (2/164).

([34]) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (27/79).

([35]) رواه البخاري ، 2/ 826 (2221)

([36]) انظر مقالا بعنوان: جهنّم في كتب المسيحية والإسلام، اسكندر جديد، موقع الكلمة المسيحي.

([37]) البخاري 8 / 324.

([38]) رواه البخاري، برقم 3246، 3254، 3327، ومسلم، واللفظ له، برقم 2834.

([39]) رواه ابن أبي الدنيا، الترغيب والترهيب للمنذري (4/ 258).

([40]) رواه مسلم رقم (2845).

([41]) رواه مسلم، برقم 2835 .

([42]) رواه البخاري، 3245، 3246، 3254، 3327، ومسلم، برقم 2834.

([43]) ومما ذكرناه في الكتاب: (وكان في إمكان التنويريين أن يسلموا لله فيما ذكر، فهو أدرى بعباده، وبرغباتهم، ولذلك خاطبهم بما يتناسب معهم.. لكنهم لقسوة قلوبهم، ولتمردهم على الله، وتقديمهم لأهوائهم عليه لم يفعلوا.. بل راحوا يصورون ذلك باعتباره هوسا جنسيا، والعياذ بالله، مع أن القرآن الكريم لم يذكر أي شيء يرتبط بذلك، بل اكتفى باعتباره من نعيم الجنة مثله مثل الولدان المخلدون والقصور التي تجري تحتها الأنهار..)[التنويريون والصراع مع المقدسات، ص55]

([44]) رواه البخاري (6551)، ومسلم (2852)

([45]) رواه مسلم (2851)

([46]) رواه الترمذي (2577). وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب

([47]) رواه أحمد (2/ 328) (8327)، والحاكم (4/ 637)

([48]) مسند البزار برقم (3553) وقال الهيثمي في المجمع (10/421) : رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن دينار والربيع بن صبيح وهما ضعيفان وقد وثقا.

([49]) رواه البيهقي في (البعث والنشور) (307)، وابن أبي الدنيا في (صفة الجنة) (100).

([50]) رواه الترمذي 2487.

([51]) رواه مسلم (2837).

([52]) رواه الطبراني في المعجم الكبير (2/102).

([53]) اللوامع الإلهية: 378.

([54]) الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة، ص103..

([55]) رواه البخاري ، 9/42..

([56]) تفسير القرآن الکريم ، صدرالمتألهين، ج 5 ، ص 347.

([57]) المرجع السابق، ج 5 ، ص 347.

([58]) المرجع السابق، ج 5 ، ص 348.

([59]) المرجع السابق، ج 5 ، ص 348.

([60]) نفحات القرآن، مكارم الشيرازي، ج6 ، ص160..

([61]) تفسير الأمثل، (16/ 357)

([62]) رواه أحمد 2/304 (8030).

([63]) رواه ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والطبراني وابن مردويه، تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (6/ 2759)

([64]) رواه البزار، والطبراني في الأوسط، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (10/ 397)

([65]) تفسير الأمثل، (19/ 301)

([66]) المرجع السابق، (19/ 301)

([67]) المرجع السابق، (19/ 301)

([68]) رواه الترمذي (2325) ، وأحمد (18031)

([69]) رواه أبو نعيم في الحلية ( 8 / 289 )

([70]) رواه البخاري (3265)، ومسلم (2843)

([71]) رواه الطبراني في (المعجم الأوسط) (3/ 89) (2583)

([72]) رواه ابن أبي الدنيا في (صفة النار) (152)

([73]) رواه البخاري (3260)، ومسلم (617).

([74]) رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة (306).

([75]) فتح الباري، (2/ 19).

([76]) نور الثقلين، الجزء 3، ص 353..

([77]) المرجع السابق.

([78]) تفسير الأمثل،  (15/ 51)

([79]) أحمد، 2/305، الترمذي، برقم 2526.

([80]) رواه البزار كما في (مجمع الزوائد) للهيثمي (10/ 732)

([81]) رواه البخاري (3342)، ومسلم (163)

([82]) سنن الترمذي برقم (1984)

([83]) وصحيح البخاري برقم (6555) وصحيح مسلم برقم (2830)

([84]) رواه مسلم (2831).

([85]) تفسير الأمثل،  (20/ 155)

([86]) تفسير الأمثل،  (17/ 422)

([87]) تفسير ابن كثير (8/ 385)

([88]) تفسير الأمثل،  (9/ 42)

([89]) رواه الطبراني في المعجم الكبير (2/102).

([90]) تفسير الرازي، (29/ 380)

([91]) المرجع السابق، (29/ 396)

([92]) تفسير الأمثل،  (17/ 460).

([93]) رواه الحاكم وصححه والبهيقي، انظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور (8/ 12)

([94]) رواه ابن السنى وأبو نعيم، المداوي لعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي (5/ 85).

([95]) البزار في البحر الزخار: 5/401، رقم: 2032

([96]) مسلم (1/173).

([97]) أحمد في المسند (5/171).

([98]) رواه مسلم رقم (2002)

([99]) المسند (5/265)، رواه الترمذي في السنن برقم (2583).

([100]) تفسير الأمثل،  (19/ 267).

([101]) تفسير الأمثل،  (20/ 36)

([102]) تفسير الميزان – (20/ 72).

([103]) منهج الصادقين، ج 10، ص 110.

([104]) نفحات القرآن (مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر) ، الجزء : 6 ، ص 175.

([105]) رواه البخاري، فتح الباري: (6/319)

([106]) رواه البخاري برقم (3327) ، ومسلم برقم (2834).

([107]) رواه الترمذي برقم (1663) وابن ماجه برقم (2799).

([108]) تفسير عبد الرزاق (2/165).

([109])  انظر مقالا بعنوان: الحور العين، محمد البارودى، موقع أهل القرآن، 30 اكتوبر 2009.

([110])  الحور العين، عز الدين نجيب، موقع أهل القرآن، 11 نوفمبر 2011.

([111]) ذكره الهيثمى وقال: رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط وفيه أبو بكر بن أبى مريم وقد اختلط. مجمع الزوائد: 4/270.

([112]) المعجم الأوسط ( 3 / 275 )

([113]) رواه البيهقي في السنن ( 7 / 69 ).

([114]) رواه البزّار (2/ 49)، والعقيلي في الضعفاء (2/ 171)

([115]) تفسير الطبري، ( 27 / 152 ).

([116]) روضة المحبين، ( ص 244 )

([117]) رواه البخاري ( 2643 ).

([118]) رواه البخاري رقم: 1410.

([119]) رواه البخاري (2475) ، ومسلم (57).

([120]) رواه أبو داود (4690).

([121]) رواه مسلم (1/89)

([122]) انظر: أسرار الأقدار، ص 518، فما بعدها.

([123]) رواه الطبراني، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (4/ 327)

([124]) رواه البخاري (6056) ، ومسلم (105).

([125]) رواه الطبراني في المعجم الكبير (7/314).

([126])  تفسير الميزان، ج 1، ص 413 ـ 416..

([127]) تفسير الميزان (1/ 239)

([128]) المرجع السابق، (1/ 239)

([129]) المرجع السابق، (1/ 239)

([130]) المرجع السابق، (1/ 239)

([131]) المرجع السابق، (1/ 239)

([132]) المرجع السابق، (1/ 239)

([133]) الكلمات، ص361.

([134]) المرجع السابق، ص362.

([135]) المرجع السابق، ص606.

([136]) رواه مسلم 4721.

([137]) رواه مسلم (746)

([138]) رواه النسائي (7/84) وأبو نعيم في الحلية (4/147) والطبراني في المعجم الكبير (10/119).

([139]) رواه البخاري (5778)، ومسلم (109)

([140]) رواه البخاري (1365)

([141]) رواه أحمد (4/378)، والترمذي برقم (2953، 2954)

([142]) ونحن نقبل هذا الحديث، ولكنا نرفض تطبيقه على أبي طالب، ذلك أنه من المقربين السابقين بما قدمه للإسلام من خدمات، كما ذكرنا ذلك بتفصيل في كتاب [رسائل إلى القرابة المظلومة]

([143]) رواه الطبراني في الكبير، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (10/ 402)

([144]) كما ورد في الحديث:( تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه)، رواه البخارى (3/1413، رقم 3679)

([145]) رواه مسلم (220)

([146]) رواه البخاري (6530)، ومسلم (222)

([147]) رواه الترمذي (3169)، والنسائي في (السنن الكبرى) (6/ 410)، وأحمد (4/ 435) (19915). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح

([148]) رواه البخاري (6487)، ومسلم (2822)

([149]) رواه أبو داود (4744)، والترمذي (2560)، والنسائي (7/ 3)، وأحمد (2/ 332) (8379)، والحاكم (1/ 79)

([150]) رواه أحمد (2/331) .ومسلم (9/149).

([151]) رواه البزار، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (8/ 79)

([152]) معاني الأخبار، ص 204..

([153]) رواه البخاري (1/18، 3/235) ، ومسلم (1/31)

([154]) الترمذي كتاب الزهد رقم (2403).

([155]) رواه البخاري (4850)، ومسلم (2846)

([156]) من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 468..

([157]) الكافي، ج 5، ص 349..

([158]) رواه البخاري 3241 ومسلم 2737

([159]) رواه البخاري 1052

([160]) رواه البخاري،  13 / 214.

([161]) رواه الترمذي (2018)

([162]) رواه مسلم (1/120و 121)

([163]) رواه البخاري، 1/32، ومسلم، 3/1.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *