الفصل الثاني: البرزخ.. وتجليات الحقائق

الفصل الثاني

البرزخ.. وتجليات الحقائق

بعد أن عرفنا اتفاق العقلاء والعلماء والأديان والفطر السليمة التي لم تدنس بالفلسفات المادية على أن سر الإنسان وحقيقته لن تفنى بموته، يتوقف العقل والعلم والفطر عن معرفة ما سيحصل بالضبط لذلك العقل أو تلك الروح التي لم يحصل لها ما حصل لجسدها الذي كانت تمتطيه.

وذلك لأن الإنسان في تلك المرحلة لم يعد محكوما بالقوانين التي تحكم هذا العالم، وإنما انتقل إلى عالم آخر له قوانينه الخاصة به، والتي لا يمكن للعقل أو العلم المجرد أن يكتشفها بأي سبيل من السبل.

ولهذا كان الملجأ الوحيد للتعرف على ذلك العالم هو الدين باعتباره النافذة التي يطل منها الإنسان على عالم الغيب، أو باعتباره المصدر الذي يبين حقائق الوجود التي لا يمكن للعقل المجرد أن يكتشفها.

ولهذا يطلق علماء العقائد على المباحث المرتبطة بهذا الجانب [السمعيات]، أي أن المصدر فيها هو النص الذي نسمعه من النبي، والذي ينقله عن ربه.

وليس في كونها [سمعيات] أي غضاضة، أو منافاة للعقل كما يدعي أصحاب الفلسفات المادية.. ذلك أننا لا نسلم بما نسمعه من النبي إلا بعد أن تثبت نبوته بالدلائل الكثيرة، والتي يسلم لها العقل، ويقر بها، ولا يجد مفرا منها.. وأكبر دليل على ذلك هو تسليم أصحاب العقول الكبيرة من آلاف الفلاسفة والعلماء للنبي.. وهم لم يسلموا له إلا بعد أن ثبتت لهم نبوته.

وهكذا بالنسبة للأصل الأول في العقائد، والذي يطلق عليه [الإلهيات]، فهي أيضا لم يسلم لها إلا بعد ثبوتها بالدليل العقلي، والدليل على ذلك أن كبار الفلاسفة ممن لم يؤمنوا بالأديان، أو لم يعرفوا الأديان يسلمون بوجود الله، وبالكثير من صفاته.

وكمثال يقرب ذلك، ويبين مدى معقوليته، أنه لو ثبت علميا أن هناك حياة في كوكب ما؛ فإن العلم لا يستطيع أن يتنبأ بنوع تلك الحياة، ولا تفاصيل أسرارها، ولا القوانين التي تحكمها.

لكنه إن تمكن من أن يرسل بعض رواد الفضاء، ليذهب لذلك الكوكب، ويكتشف أسراره، فإنه سيقبل كل ما جاء به، مع أنه لم يصل إلى تلك المعارف إلا عن طريق السمع المجرد.. ذلك أنه لا يمكن لكل الناس أن يرحلوا لذلك الكوكب.

وما لنا نذهب بعيدا.. فأكثر معارفنا مبنية على السماع، والثقة في الذين نسمع منهم، حتى لو لم يثبت لنا صدق ما ذكروه، أو لم نستطع تحليله في المخابر.

وأكبر دليل على ذلك أن كل علم التاريخ مبني على هذا، فلو لم نثق في المؤرخين الذين سجلوا الأحداث، لزال علم التاريخ.

وهكذا لو لم نثق في وكالات الفضاء، لما سلمنا بتلك المجرات والكواكب التي تذكرها، لأنه يمكن لأي شخص، وببرامج بسيطة أن ينشئ أي صورة شاء، أو أي فلم أراد.

وهكذا الأمر بالنسبة للمؤمنين الذين تواترت لديهم الأدلة على صدق الرسل عليهم السلام، ولذلك يسلمون لهم، ولكل ما جاءوا به، وخاصة مع عدم تنافره مع العقل، بل توافقه التام معه، ومع جميع القيم النبيلة، ذلك أن لتلك الحقائق المرتبطة بالبرزخ آثارها الكبيرة في السلوك والأخلاق والراحة النفسية، ولذلك كان البحث فيها مجديا ونافعا من كل الجوانب، على عكس ما يذكره أولئك الماديون الذين يتوهمون البحث فيما بعد الموت صارفا عن شؤون الحياة.

بناء على هذا نحاول في هذا الفصل التعرف على أسرار عالم البرزخ، وهو العالم الذي يبدأ من وفاة الإنسان، أو قبل وفاته بلحظات معدودة، وينتهي بالبعث، وبميلاد النشأة الآخرة.

وقد ذكر القرآن الكريم هذا المصطلح [البرزخ]، وبين بدايته ونهايته، فقال ذاكرا بدايته: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } [المؤمنون: 99، 100]، فهاتان الآيتان الكريمتان تذكران أن الإنسان عندما يأتيه الموت، أي في اللحظة التي تنزع فيها روحه، يشعر بالمصير الذي سيصير إليه.. ولذلك يطلب الرجوع.

ثم ذكر بعدها النهاية التي ينتهي إليها، فقال: { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101]، وهي النفخ في الصور، الذي يكون بمثابة دق جرس نهاية الدنيا بملكها وملكوتها.

وهكذا ذكر في سورة الواقعة بعض المشاهد التي يراها الإنسان في ساعة احتضاره، وقبل موته: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)} [الواقعة: 83 ـ 96]

وقد رأينا من خلال النصوص المقدسة الكثيرة الواردة في هذا العالم أن أحسن وصف له هو ما نص عليه قوله تعالى: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19]، فهذه الآية الكريمة تبين أن الإنسان بعد موته، أو حين موته تنكشف له الحقائق، ويتجلى له ما كان غافلا عنه، ذلك أنه لم يكن يرى سوى عالم الملك، وغافلا عن عالم الملكوت.. وبعد الموت يظهر له ما كان خافيا عنه من هذا العالم.

وهذان العالمان لا يمكن للعقل أن ينكرهما، أما عالم الملك، فهو عالم الشهادة الذي نعيشه، ونرى قوانينه، أما عالم الملكوت، فهو ذلك العالم الخفي الذي لا نتمكن من السفر إليه أو رؤيته.. ولكنا مع ذلك لا نستطيع أن ننكره.

وكيف ننكره، ونحن نرى الكثير من المظاهر التي تدل عليه، وأولها النوم، والذي قد نرى فيه الكثير من العجائب، بل قد نرى فيه المستقبل، أو ما خفي من الأمور.

ولهذا اعتبر القرآن الكريم النوم نوعا من الموت، فقال: { الله يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [الزمر: 42]

وهكذا يقر أكثر الفلاسفة والحكماء والأديان على أن هناك من يستطيع أن يدخل في نوع من الموت الاختياري، والذي يستطيع من خلاله أن يرى من الأشياء ما لا يراه غيره، وهو ما يعبر عنه بالكشف والمشاهدة.

أو كما أشار إليه قوله تعالى: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22]

فالآية الكريمة تشير إلى أن الحجاب بين عالم الملك والملكوت ليس الجسد، وإنما الغفلة، ولذلك يمكن لمن رفع الغفلة عن قلبه أن يرى الحقائق في الدنيا قبل الآخرة، كما أشار إلى ذلك ما ورد في الحديث عن الحارث بن مالك الانصاري، قال: مررت بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (كيف أصبحت يا حارث؟) قال: أصبحت مؤمنا حقا. فقال: (انظر ما تقول؟ فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟) فقال: قد عزفت نفسي عن الدنيا، وأسهرت لذلك ليلي، واطمأن نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. فقال: (يا حارث عرفت فالزم) ([1])

ولكن مع ذلك يظل الجسد ومتطلباته هو الحجاب الأكبر الذي يحول بين الإنسان وبين رؤية العالم الآخر، ولهذا كان الموت بمثابة رفع الغطاء والحجاب الذي تنكشف به الحقائق، كما عبر الشاعر عن ذلك بقوله:

سوف ترى إذا انجلى الغبار   أفرس تحتك أم حمار

بناء على هذا سنحاول في هذا الفصل بيان تجليات الحقائق في عالم البرزخ، وقد رأينا أنه يمكن تصنيفها إلى أربع تجليات كبرى، كلها دلت عليها النصوص المقدسة، وهي:

1 ـ تجلي حقيقة المصير: فيعرف الميت محله من السعادة والشقاء، مثلما يعرف التلميذ بعد انتهاء الامتحان نجاحه أو رسوبه.

2 ـ تجلي حقيقة الإيمان: وذلك بعد الاختبار الذي يتعرض له، والذي يكشف عن حقيقة إيمانه، ومدى رسوخه فيه.

3 ـ تجلي حقيقة العمل: حيث يرى الميت عمله في صورة حسنة أو قبيحة، ويظل ملازما له، يتنعم به، أو يتعذب.

4 ـ تجلى حقيقة الدنيا: ذلك أن الميت في عالم البرزخ يمكنه ـ بقوانين سنراها ـ أن يتواصل مع عالم الدنيا، فيستفيد منهم، ويفيدهم.

هذه هي التجليات الكبرى التي دلتنا عليها النصوص المقدسة، والتي سنحاول شرحها، وبيان أدلتها، وفهم بعض أسرارها من خلال المباحث التالية:

أولا ـ البرزخ وتجليات حقيقة المصير:

تذكر النصوص المقدسة أن أول التجليات وأخطرها تجلي المصير الذي ظل الميت طول عمره يؤسس له، ويبني بنيانه..

ولعل أقرب مثال يقرب صورة ذلك ما يفعله بعضهم في حياتنا الدنيوية عندما يؤتى به معصب العينين ليرى بنيانه الذي ظل سنين طويلة يبذل جهده في إكماله، وليكتشف المفاجأة السارة بنفسه.

وهكذا الأمر مع رفع تلك الحجب التي كانت تحول بين الإنسان وبين إدراك حقيقة البناء الذي كان يبنيه، وهل كان بناء سعادة، أم بناء شقاء.

حيث تذكر النصوص المقدسة أن ذلك التجلي لا يتم بعد الموت، وإنما قبله في لحظة الغرغرة، وهي اللحظة التي تكون مقدمة للموت، حينها يكتشف الإنسان الحقيقة، قبل أن يغادر عالم الدنيا، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الواقعة: 83 – 87]

فالآيات الكريمة تشير إلى تلك اللحظة المفصلية التي يكتشف فيها الإنسان الحقائق التي كان غافلا عنها، وهو ما يدل على أن عالم الآخر مختلط بعالم الدنيا، وأنه ليس من فرق بينهما سوى في أدوات الإدراك التي يقتضيها التكليف.

وهو ما يشير إليه قوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 6، 7]، فالآية الكريمة تشير إلى أن الغفلة هي الحجاب الذي حال بين الإنسان وبين رؤية عالم الآخرة، وهي التي جعلته يكتفي بظاهر الحياة الدنيا، دون البحث عن باطنها، والذي تتشكل منه الآخرة.

وقد قال محمّد الحسين‌الحسيني الطهراني مبينا دلالة الآية الكريمة على هذا المعنى: (يمكن الاستنتاج من جعل ظاهر الحياة الدنيا في الآية الاولى في مقابل الآخرة انّ الآخرة هي باطن الدنيا وحقيقتها، وأنّ الحياة الدنيا لها ظاهر وباطن، وذلك بقرينة تقابلهما وكون أحدهما قسيماً للآخر)([2])

وهكذا استنتج هذا المعنى من قوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } [الحديد: 20]، ذلك أنه (من الممكن أن تكون عبارة [وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله وَرِضْوَانٌ] الواردة في الآية معطوفة على لفظ لعب؛ أي أنّ الحياة الدنيا هي في الأخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان؛ فالحياة الدنيا ظاهرها تلكم المراتب الخمس: لهو، ولعب، وزينة، وتفاخر بينكم، وتكاثر في الأموال والأولاد، وباطنها ـ أي الآخرة ـ عذاب شديد وغفران الربّ‏ الودود ورضوانه)([3])

ومثله قال بهاء الدين العاملي مستدلا بقوله تعالى: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 54]: (إنّ الحيّات والعقارب، بل والنيران التي تظهر في القبر والقيامة، هي بعينها الأعمال القبيحة والأخلاق الذميمة والعقائد الباطلة التي ظهرت في هذه النشأة بهذه الصورة وتجلببت بهذه الجلابيب، كما أنّ الروح والريحان والحور والثمار هي الأخلاق الزكية والأعمال الصالحة والاعتقادات الحقّة التي برزت في هذا العالم بهذا الزي وتسمَّت بهذا الاسم، إذ الحقيقة الواحدة تختلف صورها باختلاف الأماكن، فتحلّى في كلّ موطن بحلية، وتزيّى في كلّ نشأة بزيّ، وقالوا: إنّ اسم الفاعل في قوله تعالى: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 54] ليس بمعنى الاستقبال بأن يكون المراد أنّها ستحيط بهم في النشأة الأُخرى)([4])

وهذا المعنى لم يذكره الطهراني ولا العاملي فقط، وإنما ذكره الكثير من المتكلمين والعرفاء، والذي يذكرون أن الكشف الذي يفتحه الله على بصائر الأولياء يريهم حقائق ذلك العالم الذي لا تراه أبصارهم الحسية، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله)([5])

وقد ذكر الغزالي الكثيرة من الروايات الدالة على هذا، ثم علق عليها بقوله: (وما حكي من تفرس المشايخ وإخبارهم عن اعتقادات الناس وضمائرهم يخرج عن الحصر.. والحكاية لا تنفع الجاحد ما لم يشاهد ذلك من نفسه، ومن أنكر الأصل أنكر التفصيل والدليل القاطع الذي لا يقدر أحد على جحده أمران: أحدهما عجائب الرؤيا الصادقة، فإنه ينكشف بها الغيب، وإذا جاز ذلك في النوم فلا يستحيل أيضا في اليقظة، فلم يفارق النوم اليقظة إلا في ركود الحواس، وعدم اشتغالها بالمحسوسات؛ فكم من مستيقظ غائص لا يسمع ولا يبصر لاشتغاله بنفسه، والثاني إخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الغيب وأمور في المستقبل كما اشتمل عليه القرآن وإذا جاز ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم جاز لغيره إذ النبي عبارة عن شخص كوشف بحقائق الأمور وشغل بإصلاح الخلق، فلا يستحيل أن يكون في الوجود شخص مكاشف بالحقائق ولا يشتغل بإصلاح الخلق وهذا لا يسمى نبيا بل يسمى وليا)([6])

وبناء على هذا ذكر الغزالي إمكانية الاطلاع على كلا العالمين الظاهر والباطن، فقال: (فمن آمن بالأنبياء وصدق بالرؤيا الصحيحة لزمه لا محالة أن يقر بأن القلب له بابان: باب إلى خارج وهو الحواس، وباب إلى الملكوت من داخل القلب وهو باب الإلهام والنفث في الروع والوحي، فإذا أقربهما جميعا لم يمكنه أن يحصر العلوم في التعلم ومباشرة الأسباب المألوفة، بل يجوز أن تكون المجاهدة سبيل إليه فهذا ما ينبه على حقيقة ما ذكرناه من عجيب تردد القلب بين عالم الشهادة وعالم الملكوت) ([7])

ولعل ما ذكره كل هؤلاء يفسر بدقة ما ورد في الحديث عن جابر بن عبد الله قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فارتفعت ريح منتنة، فقال: (أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين)([8])

بناء على هذا نحاول في هذا المبحث التعرف على تجليات مصير الموتى، بحسب ما دلت عليه النصوص المقدسة، والتي ذكرت أن تلك التجليات تختلف بحسب اختلاف درجات العاملين، وهي درجات لا نهاية لها، لكن القرآن الكريم قسمها إلى ثلاثة أقسام كبرى: المقربين، وأهل اليمين، وأهل الشمال.

وسنوضح بعض ما ورد عنها في العناوين التالية:

1 ـ البرزخ.. وتجليات مصير المقربين:

يذكر القرآن الكريم أن أفضل التجليات وأعظمها وأسعدها التجلي المرتبط بمصير المقربين، ذلك لأنهم كانوا أكثر الخلق رغبة في الله وفيما عنده، ولهذا بمجرد أن تزاح عن أعينهم غمامة الحجاب تبرز لهم الجنان العظيمة التي كانت مخفية عنهم، حيث يشمون روائحها العطرة، وهم ممتلئون بالبشارة.

وقد ذكر الله تعالى ذلك، فقال: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ } [الواقعة: 88، 89]، أي أنهم في تلك اللحظة التي تفصلهم عن الحياة الدنيا، يشمون الروح والريحان، ويرون الجنان..

فلذلك لا عجب أن يخرجوا من الدنيا بكل نشاط.. وكيف لا يكون ذلك كذلك، وأنفسهم قد صارت مليئة بالطمأنينة والراحة والسعادة، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى في خطاب هذا النوع من النفوس الممتلئة بسكينة الإيمان: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)} [الفجر: 27 – 30]

وفي وصفه تعالى للنفس بكونها مطمئنة إشارة إلى صفة أخرى من صفات المقربين، وربما تكون السبب في جعل الموت يسيرا عليهم، وهو الإطمئنان الحاصل من الإيمان، كما قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله أَلَا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } [الرعد: 28]

يقول ناصر مكارم الشيرازي مبينا مدى أسباب هذه الصفة وأهميتها: (ويعود اطمئنان النفس، لإطمئنانها بالوعود الإلهية من جهة، ولإطمئنانها لما اختارت من طريق.. وهي مطمئنة في الدنيا سواء أقبلت عليها أم أدبرت، ومطمئنة عند أهوال حوادث يوم القيامة الرهيبة أيضاً)([9])

وأشار إلى النزع اليسير المرتبط بهم مقارنة بالنزع المرتبط بأهل الشمال، فقال: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4)} [النازعات: 1 – 4]

فمن الأقوال الواردة في تفسير الآيات الكريمة ما روي عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما أن المراد من [النازعات غرقا]: (الملائكة، حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعنف فتغرق في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حلته من نشاط)([10])

وروي عن الإمام علي قوله في تفسيرها: ([وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً] هي الملائكة تنزع أرواح الكفّار،و[النَّاشِطَاتِ نَشْطاً] هي الملائكة تنشط أرواح الكفّار، ما بين الأظفار والجلد حتّى تخرجها،و[السَّابِحَاتِ سَبْحاً]الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين السماء والأرض، [فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً] هي الملائكة تسبق بعضها بعضاً بأرواح المؤمنين إلى الله تعالى)([11])

وهكذا ورد في القرآن الكريم وصف معاملة الملائكة لهم، وهم في تلك الحالة بين الحياة والموت، قال تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32]

وقد وصف هؤلاء المقربون في الآية الكريمة بكونهم طيبين، أي أنه لا يوجد فيهم شيء من الخبث الذي قد يكون موجودا في أهل اليمين، وقد ذكر الفخر الرازي سر ذلك السلام الذي حظي به هؤلاء الطيبون من الملائكة في ذلك الموقف الحرج، فقال: (وقوله: طيبين كلمة مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة، وذلك لأنه يدخل فيه إتيانهم بكل ما أمروا به، واجتنابهم عن كل ما نهوا عنه ويدخل فيه كونهم موصوفين بالأخلاق الفاضلة مبرئين عن الأخلاق المذمومة، ويدخل فيه كونهم مبرئين عن العلائق الجسمانية متوجهين إلى حضرة القدس والطهارة، ويدخل فيه أنه طاب لهم قبض الأرواح وأنها لم تقبض إلا مع البشارة بالجنة حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها ومن هذا حاله لا يتألم بالموت)([12])

ويشير إلى هذا أيضا قوله تعالى في سبب أهلية أهل الجنة للجنة: { وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ } [الزمر: 73]

وهذا يعني الصفاء التام لهؤلاء المقربين إما بعدم ارتكابهم المعاصي مطلقا، أو بتوبتهم منها توبة نصوحا بحيث أهلتهم لذلك المقام الرفيع.

ولعل قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ الله وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] يشير إلى هذا الصنف، والذي اعتبر سراطه هو السراط المستقيم، كما قال تعالى: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6، 7]

وقد ذكر القرآن الكريم العلاقة الطيبة بين هذا الصنف والملائكة، قال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ الله لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [يونس: 62 – 64]

فقد روي أن الذي يقوم بالتبشير والتثبيت الملائكة عليهم السلام، وربط هذه البشارات بهم يدل على تلك الصحبة الطيبة التي كانت بين المؤمنين وبينهم، فقد كانوا نعم الرفاق والأصدقاء، ولذلك كانوا أولياءهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، بل في كل المحال.

وقد روي عن بعض الصالحين أنه كان إذا أصبح قال: (مرحبا بملائكة الله، اكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)، وكان آخر يأخذ إفطاره، ثم يغمسه في الماء في جر كان له في بيت مظلم، ثم يقول:(يا ملائكتي طالت صحبتي لكما فإن كان لكما عندالله شفاعة فاشفعا لي)

ولهذا تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار: (نحن كنا أولياءكم؛ أي: قرناءكم في الحياة الدنيا، نسددكم ونوفقكم ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة، نؤنس منكم الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصور، ونؤمنكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم)

وكل هذه النصوص المقدسة تبين أن الموت ـ بالنسبة لهذا الصنف ـ ليس سوى لحظة من لحظات السعادة، بل من أجمل لحظاتها، ذلك أنهم في تلك اللحظة تزاح عنهم كل الهموم والآلام والأحزان، ولذلك لا يشعرون أبدا بأي ألم لمفارقتهم للحياة الدنيا، وكيف يشعر بالألم من وصل إلى مبتغاه الذي ظل طول عمره يسعى إليه؟

وقد روي في هذا عن الإمام الصادق أنه سئل: (صف لنا الموت؟) فقال: (هو للمؤمنين كأطيب ريح يشمه فينعس لطيبه، فينقطع التعب والألم كله عنه. وللكافر كلسع الأفاعي، وكلدغ العقارب وأشد)، فقيل له: (فإن قوماً يقولون هو أشد من نشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض، ورضخ بالحجارة، وتدوير قطب الأرحية في الأحداق؟)، فقال: (كذلك هو على بعض الكافرين والفاجرين، ألا ترون منهم من يعاين تلك الشدائد، فذلك الذي هو أشد من هذا، إلا عذاب الآخرة، فإنه أشد من عذاب الدنيا)، قيل: (فما لنا نرى كافراً يسهل عليه النزع فينطفئ وهو يتحدث ويضحك ويتكلم، وفي المؤمنين من يكون أيضاً كذلك. وفي المؤمنين والكافرين من يقاسي عند سكرات الموت هذه الشدائد؟)، فقال: (ما كان من راحة هناك للمؤمنين فهو عاجل ثوابه. وما كان من شدة فهو تمحيصه من ذنوبه، ليرد إلى الآخرة نقياً نظيفاً مستحقاً لثواب الله، ليس له مانع دونه. وما كان من سهولة هناك على الكافر، فليوفى أجر حسناته في الدنيا، ليرد الآخرة وليس له إلا ما يوجب عليه العذاب، وما كان من شدة على الكافر هناك، فهو ابتداء عقاب الله عند نفاد حسناته. ذلكم بأن الله عَدْلٌ لا يجور)([13])

وقال الإمام الحسين لأصحابه يوم عاشوراء بعدما عاين مدى صدقهم وتضحياتهم: (صبراً بني الكرام، فما الموت إلاّ قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسع والنعيم الدائمة، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر؟ وما هو لأعدائكم إلاّ كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب، انّ أبي حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر، والموت جسر هؤلاء إلى جنانهم، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم، ما كذبت ولا كُذبت)([14])

ولهذا لا نرى صحة تلك النصوص التي وردت في بعض كتب الحديث والمواعظ، والتي تصور معاناة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشديدة مع الموت([15]) في نفس الوقت الذي تصور فيه تيسير موت الصالحين، وفرحهم به.

وقد علق الفيض الكاشاني على ما ورد من ذلك في [إحياء علوم الدين] فقال متعجبا في الباب الخاص بـ [كلام المحتضرين من الصالحين]: (وقد ذكر أبو حامد في هذا الباب أقاويل الصحابة والتابعين وطائفة من الصوفية عند موتهم وبكاء بعضهم حينئذ وضحك بعضهم ونسب إلى بعضهم الطرب‏ والاستبشار والسرور عند موته مع أنه ذكر في باب وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه اشتد في النزع كربه، وظهر أنينه، وترادف قلقه، وارتفع حنينه، وتغير لونه، وعرق جبينه، واضطربت في الانقباض والانبساط شماله ويمينه، حتى بكى لمصرعه من حضره، وانتحب لشدة حاله من شاهد منظره، ولم يمهله ملك الموت ساعة، وذكر في الحكايات السابقة أن ملك الموت أمهل رجلا حتى توضأ وصلى ركعتين، وذكر في شأن الخليل والكليم في باب سكرات الموت ما سمعت، وهذا من أعجب العجائب، ولنطو ما ذكره في هذا الباب طيا فإن بعضه كلمات لا طائل تحتها وبعضه رعونات ودعاوي، ينادي أكثرها بالإعجاب)([16])

ويدل لهذا ما ورد في تيسير موت الشهداء، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما يجد الشهيد من مس القتل، إلا كما يجد أحدكم مس القرصة)([17])

وقد علق عليه المناوي بقوله: (يعني أنه تعالى يهون عليه الموت ويكفيه سكراته وكربه، بل رب شهيد يتلذذ ببذل نفسه في سبيل الله طيبة بها نفسه ؛ كقول خبيب الأنصاري حين قتل: ولست أبالي حين أقتل مسلما.. علي أي شق كان لله مصرعي)([18])

فإذا كان هذا كرامة من الله تعالى للشهداء، فإن أولى الناس بها سيدهم ومولاهم ومن بذل حياته كلها في سبيل الله، وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

لذلك نرى أن كل ما يروى في وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، ما عدا مرضه وألمه لمرضه، من آثار الفئة الباغية التي حاولت أن تسيء إليه صلى الله عليه وآله وسلم في كل شيء، حتى في كيفية وفاته.

وإلا فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي عاش حياته كلها مشتاقا إلى الله، كان أسعد الناس بتلك اللحظات التي تقربه لذلك اللقاء..

وقد أشار ابن كثير إلى ذلك الكم من الروايات الموضوعة حول وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (وقد ذكر الواقدي وغيره في الوفاة أخبارًا كثيرةً فيها نكارات وغرابة شديدة، أضربنا عن أكثرها صفحا لضعف أسانيدها، ونكارة متونها، ولا سِيَّما ما يورده كثير من القُصَّاص المتأخرين وغيرهم، فكثير منه موضوع لا محالة)([19])

إلى جانب تلك النصوص القرآنية ورد في الروايات الكثير من الأحاديث التي تفصل بعض تلك المجملات، والتي لا يمكن قبولها بكل ما فيها، لأن بعضها قد يكون من تصرف الرواة، وبعضها من الدخيل الموضوع.

ومن تلك الأحاديث ما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحاً، قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، وربّ غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقول: فلان، فيقال: مرحباً بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله تبارك وتعالى فإذا كان الرجل السُّوءُ: قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسّاق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحباً بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لَكِ أبواب السماء، فيرسل بها من السماء، ثم تصير إلى القبر)([20])

حيث نلاحظ في هذه الأحاديث تلك اللغة التجسيمية التي نجدها عند كعب الأحبار وتلاميذه من الصحابة، وهي قوله: (حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله تبارك وتعالى)، مع أنهم تناقض قولهم في كون الله فوق السموات، وأنه فوق العرش، وأن السموات والأرض بالنسبة للعرش كحلقة في فلاة.

وهذا لا يعني طرح الحديث جميعا، فقد يكون صحيحا، ويكون الموضوع فيه هو ذلك النص فقط، ذلك أن الكثير من رواة الحديث، لم يكونوا يكتفون برواية الحديث، وإنما كانوا يضيفون إليه شروحهم وتفسيراتهم بالإضافة إلى روايتهم له بالمعنى.

ومن الأمثلة على هذا ما روي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول. تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني، إلى من تدعني)([21])

وقد روي أن أباهريرة سئل بعد روايته للحديث، فقيل له: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: (لا، هذا من كيس أبي هريرة) ([22])

وبناء على هذا، فلو أن أولئك الذين سمعوا ذلك الحديث لم يسألوه، لما تبين لنا الفرق بين ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما كان من فهمه وتفسيره الخاص به، وهو وإن احترمناه إلا أنه لا يمكن اعتباره أبدا نصا مقدسا.

وبناء على هذا يمكن التعامل مع كل الأحاديث الواردة في هذا الباب، والتي اختلط فيها التفسير البشري، أو الرؤية البشرية مع الحقائق المقدسة.

ولعل من أكثرها وضوحا ما رواه البراء بن عازب قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقعد وقعدنا حوله، كأن على رؤوسنا الطير، وهو يلحد له، فقال: (أعوذ بالله من عذاب القبر، ثلاث مرات، ثم قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا، نزلت إليه الملائكة، كأن على وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، فجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: يا أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها، فلا يمرون بها، يعني على ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: ما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: يا رب، أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي)([23])

ومثل ذلك ما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا حُضِر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضياً عنك، إلى روح الله وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضاً، حتى يأتوا به باب السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض!، فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشدُّ فرحاً به من أحدكم بغائبه يقدم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذُهب به إلى أمه الهاوية، وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطاً عليك إلى عذاب الله ـ عز وجل ـ؛ فتخرج كأنتن ريح جيفة، حتى يأتون به باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح! حتى يأتون به أرواح الكفار)([24])

فهذان الحديثان يذكران تكفين نفس الإنسان أو روحه عند قبضها، وهو يعني أنها تموت هي الأخرى، وهو يتنافى مع النصوص التي تبين أن الموت لا علاقة له بالنفس ولا بالروح، وإنما علاقته لا تتعدى الجسد، أو انفصال ارتباط الروح بالجسد.

وربما يكون المقصود بذلك هو توفير الجسد الجديد الذي تنزل فيه نفس الإنسان بعد وفاته.. والذي يتناسب مع طبيعتها، كما سنذكر ذلك في المبحث الثاني.

ويشير إليه قوله تعالى في وصف مصير الشهداء، وكونهم أحياء حياة حقيقية: { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران: 169، 170]

ويشير إليه من الحديث ما ورد في الرواية عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس وأسماء بنت عميس قريبة منه إذ رد السلام، ثم قال: (يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب مع جبريل وميكائيل وإسرافيل سلموا علينا فردي عليهم السلام، وقد أخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا قبل ممره على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثلاث أو أربع، فقال: لقيت المشركين فأصبت في جسدي من مقاديمي ثلاثا وسبعين بين رمية وطعنة وضربة، ثم أخذت اللواء بيدي اليمنى فقطعت، ثم أخذت بيدي اليسرى فقطعت، فعوضني الله من يدي جناحين أطير بهما مع جبريل وميكائيل أنزل من الجنة حيث شئت، وآكل من ثمارها ما شئت)، فقالت أسماء: (هينئاً لجعفر ما رزقه الله من الخير، ولكن أخاف أن لا يصدق الناس فاصعد المنبر أخبر به)، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (يا أيها الناس إن جعفرا مع جبريل وميكائيل، له جناحان عوضه الله من يديه سلم علي، ثم أخبرهم كيف كان أمره حيث لقي المشركين)، فاستبان للناس بعد اليوم الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن جعفر لقيهم، فلذلك سمي الطيار في الجنة)([25])

فهذا الحديث يشير إلى أن جعفر بن أبي طالب عوض مباشرة جسدا جديدا متناسبا مع نفسه المطمئنة الممتلئة بالإيمان، وأنه في تلك اللحظات مباشرة، صار يطير مع الملائكة، ويتعامل مع كلا العالمين: عالم الدنيا، وعالم الآخرة، أو عالم الملك وعالم الملكوت.

وهذا الحديث أيضا يتنافى مع تلك الأحاديث التي تصور أرواح الشهداء، وكونها توضع في حواصل طير خضر تسرح متنقلة في رياض الجنة، وتأوي إلى قناديل معلقة في العرض، بخلاف أرواح غيرهم من المؤمنين، والتي توضع في أجواف طير يعلق بثمر الجنة ولا ينتقل في أرجائها([26]).

فهذه الأحاديث لا تختلف عن تلك الأحاديث التي تصور الملائكة بصورة الحيوانات، مثلما يروون عن العباس بن عبد المطلب قال: كنا بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمرت سحابة، فقال: تدرون ما هذه، قالوا: سحاب، قال: والمزن، قالوا: والمزن، قال: والعنان، ثم قال: تدرون كم بعد ما بين السماء والأراضين، قالوا: لا، قال: إما واحدة أو اثنتين أو ثلاث وسبعين سنة، ثم السماء فوق ذلك، حتى عد سبع سموات، ثم فوق السابعة بحر بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك كله ثمانية أملاك أوعال، ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، والله تعالى فوق ذلك)([27])

فكل هذه الأحاديث من الأوهام التي وضعتها الفئة الباغية لتصرف عن المعاني القرآنية، وتملأ القلوب نفرة منها.. ولذلك كان فيما ورد في القرآن الكريم، غنى عن أكثر تلك التفاصيل التي يوردونها.

فالقرآن الكريم يكتفي بذكر النعيم العظيم الذي يجده هؤلاء المقربون بمختلف أصنافهم، ويذكر فرحهم الشديد به، ويذكر حياتهم الحقيقية، ويكتفي بذلك، لأن التفاصيل المرتبطة بذلك العالم لا يمكن لمن في هذا العالم أن يدركها.

وقد أشار الإمام الصادق إلى هذا المعنى عندما سئل عن أرواح المؤمنين، فقال: (في حجرات في الجنة يأكلون من طعامها، ويشربون من شرابها، ويقولون ربّنا أقم لنا الساعة، وانجز لنا ما وعدتنا)، وسئل عن أرواح المشركين، فقال: (في النار يعذبون، ويقولون ربّنا لا تقم لنا الساعة ولا تنجز لنا ما وعدتنا)([28])، وهذا يدل على أن لهم أجسادهم الخاصة بهم، ولم يوضعوا في حواصل الطيور وغيرها.

بل قد روي ما يدل على إنكاره لتلك الروايات، فقد قيل له: (جعلت فداك يروون أنّ أرواح المؤمنين في حواصل طيور خضر حول العرش)، فقال: (لا، المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير، لكن في أبدان كأبدانهم)([29])، وفي رواية: (فإذا قبضه الله عزّوجلّ صيّر تلك الروح في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون، فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا)([30])

2 ـ البرزخ.. وتجليات مصير أصحاب اليمين:

وقد ذكر القرآن الكريم التجليات المرتبطة بمصير هؤلاء، فقال: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91)} [الواقعة: 90، 91]

وهي تشير إلى الرتبة التالية لرتبة الفائزين، والتي يعبر عنها بعض العلماء برتبة الناجين، ولهذا وصف القرآن الكريم جزاءها بكونه سلاما، بخلاف جزاء المقربين الذي وصفه بكونه روحا وريحانا وجنة نعيم.

وقد وصفهم الإمام الصادق، وفرق بينهم وبين الصادقين، فقال: (المؤمن مؤمنان، فمؤمن صدَّق بعهد الله ووفى بشرطه، وذلك قول الله عز وجل: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ، فذلك الذي لاتصيبه أهوال الدنيا ولا أهوال الآخرة، وذلك ممن يَشفع ولا يُشفع له.ومؤمنٌ كخامة الزرع،تعوجُّ أحياناً وتقوم أحياناً، فذلك ممن تصيبه أهوال الدنيا وأهوال الآخرة وذلك ممن يُشفع له ولا يَشفع)([31])

وفي رواية: (ومؤمن زلت به قدم، فذلك كخامة الزرع كيفما كفأته الريح انكفأ، وذلك ممن تصيبه أهوال الدنيا والآخرة، ويشفع له وهو على خير)

ويدخل في هؤلاء من يسميهم القرآن الكريم [المقتصدين]، والذين وضعهم الله تعالى ضمن أصناف المؤمنين المتبعين لورثة الكتاب: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [فاطر: 32]

ويدخل فيهم أولئك الذين وصفهم الله تعالى بقوله: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى الله أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ } [التوبة: 102]

وما ورد في النصوص المقدسة يشير إلى أن نعيم البرزخ بصورته الكاملة الجميلة لا يناله إلا المقربون، أما أصحاب اليمين، فنعيمهم أقل بكثير، بل قد يختلط نعيمهم ببعض العذاب الناتج عن تقصيرهم في الطاعات أو قيامهم ببعض المعاصي، كما سنرى ذلك في المبحث الثاني.

ولهذا، فإن هؤلاء، وإن نعموا بالسلام في هذا المحل، إلا أنهم لم ينعموا بالفوز الحقيقي الذي جعله الله للمقربين الطيبين، ولهذا يتحول البرزخ لهم إلى مدرسة تستمر فيها تربيتهم وإصلاحهم حتى يتخلصوا من تلك الرعونات التي كانت تختلط مع أعمالهم الصالحة.

وتبدأ تلك الدروس التربوية والتصحيحية من لحظات الموت نفسها، فشعور هؤلاء بالموت يختلف عن شعور السابقين المقربين الذين رأينا شوقهم له، ومسارعتهم إليه، وهوانه عليهم، وسبب ذلك هو عدم طمأنينتهم الكاملة، بسبب المعاصي والتقصير الذي وقعوا فيه.

وقد روي عن الإمام علي أنّه قال: (ما من المؤمنين عبدٌ يقارف أمراً نهيناه عنه فيموت حتَّى يُبتلى ببليّة تُمحَّصُ بها ذنوبه، إمّا في مالٍ، وإمّا في ولدٍ، وإمّا في نفسه، حتَّى يلقى الله عزّ وجلّ وما له ذنبٌ، وإنّه ليبقى عليه الشيء من ذنوبه فيُشدَّدُ به عليه عند موته)([32])

وروي أن الإمام الكاظم دخل على رجل قد غرق في سكرات الموت وهو لا يجيب داعيا، فقالوا له: يا ابن رسول الله وددنا لو عرفنا كيف الموت وكيف حال صاحبنا؟ فقال: (الموت هو المصفاة تصفي المؤمنين من ذنوبهم، فيكون آخر ألم يصيبهم كفارة آخر وزر بقي عليهم، ويصفي الكافرين من حسناتهم فيكون آخر لذة أو راحة تلحقهم هو آخر ثواب حسنة تكون لهم، وأما صاحبكم هذا فقد نخل من الذنوب نخلا وصفي من الآثام تصفية وخلص حتى نقي كما ينقى الثوب من الوسخ وصلح لمعاشرتنا أهل البيت في دارنا دار الأبد)([33])

ومن الروايات الواردة في شدة تلك السكرات ما حدث به شداد بن أوس قال: (الموت أفظع هول في الدنيا والآخرة على المؤمنين، والموت أشد من نشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض، وغلي في القدور، ولو أن الميت نُشر فأخبر أهل الدنيا بألم الموت، ما انتفعوا بعيش، ولا لذوا بنوم)([34])

وروي عن عوانة بن الحكم قال: (كان عمرو بن العاص يقول: عجباً لمن نزل به الموت وعقله معه كيف لا يصفه، فلما نزل به قال له ابنه عبد الله: يا أبتِ إنك كنت تقول: عجباً لمن نزل به الموت وعقله معه كيف لا يصفه؟ فصف لنا الموت قال: (يا بنيّ الموت أجل من أن يوصف، ولكن سأصف لك منه شيئاً، أجدني كأن على عنقي جبال رضوى، وأجدني كأن في جوفي الشوك، وأجدني كأن نفسي تخرج من ثقب إبرة)([35])

وقد حاول الغزالي أن يقرب صورة ذلك الاحتضار المؤلم، فقال: (واعلم أن شدة الألم في سكرات الموت لا يعرفها بالحقيقة إلا من ذاقها، ومن لم يذقها فإنما يعرفها إما بالقياس إلى الآلام التي أدركها، وإما بالاستدلال بأحوال الناس في النَزع على شدة ما هم فيه.. فأما القياس: الذي يشهد له فهو أن كل عضو لا روح فيه فلا يحس بالألم، فإذا كان فيه الروح فالمدرك للألم هو الروح، فمهما أصاب العضو، جرح أو حريق سرى الأثر إلى الروح، فبقدر ما يسري إلى الروح يتألم، يتفرق على اللحم والدم وسائر الأجزاء، فلا يصيب الروح إلا بعض الألم؛ فإن كان من الآلام ما يباشر نفس الروح ولا يلاقي غيره فما أعظم ذلك الألم وما أشده، والنَزع عبارة عن مؤلم نزل بنفس الروح فاستغرق جميع أجزائه، حتى لم يبق جزء من أجزاء الروح المنتشر في أعماق البدن إلا وقد حل به الألم.. فألم النَزع يهجم على نفس الروح ويستغرق جميع أجزائه؛ فإنه المنْزوع المجذوب من كل عرق من العروق، وعصب من الأعصاب، وجزء من الأجزاء، ومفصل من المفاصل، ومن أصل كل شعرة وبشرة من العرق إلى القدم.. فلا تسل عن بدن يجذب منه كل عرق من عروقه، ولو كان المجذوب عرقاً واحداً لكان ألمه عظيماً، فكيف والمجذوب نفس الروح المتألم، لا من عرق واحد، بل من جميع العروق، ثم يموت كل عضو من أعضائه تدريجياً، فتبرد أولاً قدماه، ثم ساقاه، ثم فخذاه، ولكل عضو سكرة بعد سكرة، وكربة بعد كربة، حتى يبلغ بها إلى الحلقوم، فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها)([36])

ولهذا قد يشعر هؤلاء بسكرات الموت الشديدة، ويتألمون لها، وربما يتذكرون حينها ما اقترفوا من المعاصي، ويندمون عليها، وبذلك يتخلصون من الكثير منها.

فإن لم يكف ذلك عاينوا من أنواع الآلام في فترة البرزخ ما يساهم في تطييبهم وتطهيرهم.. فإن لم يكف ذلك، أو كانت معاصيهم من الذنوب المتعدية، مروا على مواقف الحساب، وهناك يتعرضون للمزيد من عمليات التطهير والإصلاح التي تؤهلهم لدخول الجنة المناسبة لمرتبتهم.

وقد ورد في الروايات ما يدل على أن مصير بعض هؤلاء يبقى مجهولا لغرض التهذيب، ومنها ما روي عن الإمام الصادق أنه سئل: (صف لنا الموت)، فقال: (على الخبير سقطتم، هو أحد أمور ثلاثة يرد عليه: إما بشارة بنعيم الأبد، وإما بشارة بعذاب الأبد، وإما تخويف وتهويل وأمر مبهم لا يدري من أي الفرق هو؟ فأما ولينا والمطيع لأمرنا فهو المبشربنعيم الأبد، وأما عدونا والمخالف لأمرنا فهو المبشر بعذاب الأبد، وأما المبهم أمره الذي لا يدري ما حاله فهو المؤمن المسرف على نفسه، لايدري ما يؤول إليه حاله، يأتيه الخبرمبهماً مخوفاً ثم لن يسويه الله تعالى بأعدائنا، ولكن يخرجه من النار بشفاعتنا، فاعملوا وأطيعوا ولا تتكلوا ولاتستصغروا عقوبة الله، فإن من المسرفين من لا تلحقه شفاعتنا إلا بعد عذاب الله بثلاث مائة ألف سنة)([37])

ولهذا، فإن النصوص المقدسة تبين أن العدل الإلهي يأبى أن يسوي بين جميع المؤمنين، فهم وإن اتفقوا في الإيمان إلا أنهم يختلفون في درجته، وفي مسلتزماتها من العمل الصالح، وقد قال الله تعالى مفرقا بين المؤمنين في ذلك: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ الله الْحُسْنَى وَفَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95]

وهذا الاختلاف في الدرجات يستدعي اختلاف التعامل مع كل درجة، بحيث يكون لكل إنسان جزاؤه الخاص به، والذي يختلف فيه عن غيره، وإن كان يصنف ضمن صنف معين، فليس كل المقربين بدرجة واحدة، وليس كل أهل اليمين بدرجة واحدة.

3 ـ البرزخ.. وتجليات مصير أصحاب الشمال:

اهتم القرآن الكريم بعرض مشاهد كثيرة لأصحاب الشمال، وهم الذين حادوا الله، إما بعدم الإيمان مطلقا، أو بعدم الخضوع لما يتطلبه الإيمان من تكاليف، مع الإصرار على ذلك.

وهي كلها تدخل ضمن دائرة العدل الإلهي، ذلك أن إقامة الحجة على العباد، وبيان المصير الذين ينتظرهم عندما يخالفون الأوامر من الضروريات التي تقتضيها العدالة، ولذلك نرى كل القوانين لا تكتفي بذكر الجرائم، وإنما تضع بجانبها العقوبات المرتبطة بها.

وهذا يدخل أيضا ضمن دائرة الإنذار التي هي من وظائف الرسل الكبرى، فكلهم كانوا مبشرين ومنذرين، ولهذا عندما يعترض المجرمون يوم القيامة على العقوبات التي تسلط عليهم تجيبهم الملائكة الموكلة بهم: { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 71، 72]

بل إن الله نفسه يتولى سؤال عباده عن ذلك، ويقول لهم: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ } [الأنعام: 130]

ولهذا، فإن الذين يزهدون في الحديث عن أمثال هذه المسائل، أو يعتبرونها تشويها لمفهوم الألوهية في الإسلام، أو يملأون الناس بالرجاء الكاذب، يخالفون المقاصد التي وردت النصوص الكثيرة بها، لا نصوص السنة وحدها، بل نصوص القرآن الكريم أيضا.

حيث نجد فيه المشاهد الكثيرة التي تصور أنواع الآلام التي يمر بها المجرمون في المراحل المختلفة التي تمر بها حياتهم ابتداء من البرزخ، وانتهاء بدار القرار، ومن تلك المشاهد ما ورد من نصوص حول بيان مصيرهم عند الموت، ومنها ما ورد في آخر سورة الواقعة بعد ذكر المقربين وأصحاب اليمين، قال تعالى: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} [الواقعة: 92 – 94]

وهي تدل ـ كما ذكرنا سابقا ـ على أن هذا الصنف كان يعيش في هذه الأجواء بروحه ونفسه، وباطن دنياه، ولذلك بمجرد أن يرفع عنه الحجاب في تلك اللحظات الخطيرة، يكتشف الحقيقة، ويعرف أنه لم يكن سوى مثل ذلك المخدر الذي يعيش كل ألوان العذاب، وإن كان يتوهم أنه يعيش بسلام وطمأنينة.

وبناء على هذا، فإن هذا الصنف يعاين العذاب ابتداء من تلك اللحظات، وهو جزاء موافق لعمله، لأنه لا يبدو له حينها إلا الصور الحقيقية لأعماله التي قدمها.

وقد ورد في النصوص المقدسة ما يدل على أن هذا الصنف، وفي تلك اللحظات العصيبة، يطلب العودة للحياة لتصحيح ما أخطأ فيه، كما قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99، 100]، وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ الله نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَالله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11) } [المنافقون: 9 – 11]

وقد ذكر القرآن الكريم أن هذه الحسرة تظل في قلوبهم يرددونها كل حين، مع علمهم أنها لن تجديهم شيئا، قال تعالى: {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ} [إبراهيم: 44، 45]

ومن المشاهد القرآنية التي صورت تلك المعاناة الشديدة التي يلاقيها هذا الصنف عند الموت، ما ورد في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51)} [الأنفال: 50، 51]

وعلل ذلك، وبين سببه في موضع آخر، فقال:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ الله سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَالله يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ الله وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 26 – 28]

ولتقريب هذا، نذكر أن الملائكة عليهم السلام يمثلون الولاء المطلق لله تعالى، ولذلك فإن كل تصرفاتهم مبنية على ذلك الولاء، فهم رحمة ولطف وأدب مع المؤمنين الصادقين.. وهم في نفس الوقت شدة وعذاب وقسوة على الظالمين الجاحدين.

وهذا الوصف هو الذي دعا الله المؤمنين إلى تمثله، حتى يكونوا سلما لمن سالم، وحربا لمن حارب، كما قال تعالى في وصف الفائزين بمعية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]

وهكذا، فإن النزع المرتبط بهؤلاء شديد جدا، وهو يشير إلى مدى تشبثهم بالدنيا، وحرصهم الشديد عليها، كما يشير إلى أنهم بعد معاينتهم لما ينتظرهم من أهوال يزداد خوفهم وحرصهم، ولهذا يحصل لهم ما وصفه الله تعالى في قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) } [الأنعام: 93، 94]

ولهذا يرد الله تعالى على أولئك العتاة المجرمين المطالبين بأدلة حسية على وجود الملائكة أو غيرهم من العالم الغيبي بقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22) } [الفرقان: 21 – 23]

ومنذ ذلك الحين تبدأ مشاهد العذاب الكثيرة تعرض على هؤلاء، وتمارس معهم إلى أن تقوم القيامة، كما قال تعالى عن آل فرعون: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 45، 46]

وليس في الآيات الكريمة ـ كما يزعم المنكرون لهذا النوع من العذاب ـ أي دلالة على كون ذلك العذاب خاصا بهم، وكيف يستقيم ذلك مع العدالة الإلهية، والتي تضع القوانين والسنن، وتطبقها على الجميع بحسب أعمالهم، لا بحسب أشخاصهم.

وقد ورد في الأحاديث والروايات عرض الكثير من المشاهد المرتبطة بهذا الصنف، وهي ـ كما ذكرنا سابقا ـ منها ما حافظ الرواة على ألفاظه ومعانيه، ويمكن قبوله قبولا مطلقا لموافقته لما ورد في القرآن الكريم، ومنها ما تصرفوا فيه، بالرواية بالمعنى، أو إضافة بعض الشروحات والإيضاحات، ولهذا لا نستطيع الجزم بقبوله، وقد نجزم برفضه.

ومن تلك الأحاديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ } [الأعراف: 40]، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحاً، ثم قرأ: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31]، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم، فيقول: هاه هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب، فأفرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت، فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول رب لا تقم الساعة)([38])

وهذا الحديث يصور مشهدا من المشاهد المرتبطة بهؤلاء، وهو لا يعني أن الجميع يكون هذا حالهم، بدليل أن هناك من لا يدفن في المقابر، وهناك من يحترق، فلا يبقى منه شيء، وهناك من تأكله السباع.. ولهذا، فإن العبرة فيه بالمعنى العام، أو بكونه يصور مشهدا من المشاهد، وليس كل المشاهد.

وقد ذكرنا هذا، لأن البعض يتشبث ببعض الألفاظ الواردة في الحديث، ثم يلغيه جميعا بسبب تلك اللفظة، وهذا غير صحيح.

ثانيا ـ البرزخ وتجليات حقيقة العمل:

بما أن البرزخ مدرسة من أهم المدارس التربوية التي يربي الله فيها عباده، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويخلصهم من رعونات نفوسهم وأهوائهم التي تسلطت عليهم، ولم يستطيعوا في الدنيا الفكاك منها، فإن تجليات حقيقة العمل، من أهم الدروس التي تقدم في هذه المرحلة.

ذلك أن المعاصي والشهوات والشبهات وكل أنواع الضلال تبرز بصورتها الحقيقية التي كان يخفيها ذلك التزيين الذي زُينت به، سواء من الشيطان، أو من النفس الأمارة بالسوء.

ولذلك عندما يكتشف الإنسان الحقيقة، ويتألم لها ألما شديدا، يساهم ذلك مساهمة كبيرة في تخليصه منها، إن كان مستعدا لذلك التخليص، وإلا فإنه يحتاج إلى دور تربوية أخرى، قد تكون جهنم من بينها.

فالإنسان بذلك بين أمرين: بين أن يسوى أموره في الدنيا، بإصلاح نفسه، والاتباع الصادق للرسل، وعدم محادة الله ورسوله.. وبين أن يترك ذلك للآخرة، والتي يرى فيها من الأهوال ما لا يمكن تصوره، لتكون هي التي تربيه، مثلما يُفعل مع الكسول الذي يحتاج إلى التأنيب، أو المجرم الذي يحتاج إلى العقاب.

وقد أشار الغزالي إلى هذا المعنى عند حديثه عن ضرورة التوبة، فقال: (ازدوج في طينة الإنسان شائبتان، واصطحب فيه سجيتان، وكل عبد مصحح نسبه إما إلى الملك أو إلى آدم أو إلى الشيطان؛ فالتائب قد أقام البرهان على صحة نسبه إلى آدم بملازمة حد الإنسان، والمصر على الطغيان مسجل على نفسه بنسب الشيطان؛ فإما تصحيح النسب إلى الملائكة بالتجرد لمحض الخير فخارج عن حيز الإمكان، فإن الشر معجون مع الخير في طينة آدم عجنا محكما لا يخلصه إلا إحدى النارين: نار الندم، أو نار جهنم؛ فالإحراق بالنار ضرورى في تخليص جوهر الإنسان من خبائث الشيطان، وإليك الآن اختيار أهون النارين، والمبادرة إلى أخف الشرين، قبل أن يطوى بساط الاختيار، ويساق إلى دار الاضطرار، إما إلى الجنة، وإما إلى النار)([39])

وما ذكرناه وذكره الغزالي، وإن كان مرتبطا بكل المعاصي، إلا أن هناك معاصي لا يكفي فيها الندم، ولا التوبة، ولا غيرهما، ولا تكفي فيها مرحلة البرزخ.. وهي المعاصي المتعدية، والتي نصبت لها موازين خاصة، ولها مواقف يوم القيامة، عندما يجتمع الخلائق في صعيد واحد، وهناك تعاد الخصومات من جديد لترد الحقوق إلى أصحابها، وفق قوانين العدالة الإلهية المطلقة.

وبما أن مرحلة البرزخ مرحلة تربوية محضة، يذوق فيها الإنسان آلام ذنوبه، ليمتلئ نفورا منها، فقد ورد في الروايات خلوها من الشفاعة، إلا أنها تعوض بدل ذلك بوصول جزاء تلك الأعمال المتعدية التي قام بها صاحبها، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا مات الإنسان، انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)([40])

ومن الروايات الواردة في هذا ما روي عن الإمام الصادق أنه قال: (أما في القيامة فكلكم ـ يقصد المؤمنين الصالحين ـ في الجنة بشفاعة النبي المطاع، أو وصي النبي، ولكني والله أتخوف عليكم في البرزخ)، قلت: وما البرزخ؟ قال: (القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة)([41])

ومع هذا، فإن هذا الأمر قد لا يكون عاما، ذلك لأن لكل إنسان في ذلك العالم حكمه الخاص، وذلك بحسب درجته ومرتبته ونوع معاصيه.. ولهذا ورد في النصوص ما قد يشير إلى إمكانية الشفاعة هناك كما في سائر المحال.

بناء على هذا نحاول في هذا المبحث التعرف على مراتب الموتى في البرزخ، وأنواع نعيمهم وعذابهم، ومدى ارتباط ذلك بالعمل، مع التنبيه إلى أننا ذكرنا بتفصيل الرد على ما يطرحه من يدعون التنوير من إنكار ما يرتبط بهذا العالم من نعيم أو عذاب في كتاب [التنويريون والصراع مع المقدسات]

1 ـ مراتب النعيم والعذاب في البرزخ:

بناء على كون العدالة الإلهية، وتربية الله لعباده، من أهم تجليات النشأة الأخرى، والمرتبطة بجميع المراحل التي يمر بها الإنسان، ابتداء من الموت، وانتهاء بدار القرار؛ فإن للموتى في البرزخ، سواء قبروا، أو لم يقبروا، مراتب كثيرة، ربما تساوي في عددها عدد البشر أنفسهم، ذلك أنه من المستبعد أن يتساوى اثنان من البشر في جميع ما فعلوه.

ولذلك فإن أول المراحل التي يكتشف فيها الإنسان مرتبته مرحلة البرزخ، وابتداء من الموت، كما ذكرنا ذلك سابقا.

وأول ما يكتشفه إيمانه، وهل كان إيمانا حقيقيا راسخا، أم كان مجرد ألفاظ يرددها، ولذلك ورد في النصوص القطعية الكثيرة ما يدل على ذلك الاختبار الإلهي الذي يكشف عن حقيقة الإيمان، بل إن القرآن الكريم أشار إليه في قوله تعالى: {يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ } [إبراهيم: 27]

وقد ورد في تفسيرها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (المسلم إذا سئل في القبر، شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فذلك قوله: { يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ})([42])

وفي حديث آخر توضيح أكثر تفصيلا، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره)([43])

وطبعا هذا الحديث ليس عاما لكل المؤمنين، ذلك أن منهم من يعذب، وإن كان مؤمنا بسبب معاصيه، كما سنرى ذلك.

أما الذي لم يكن صادقا في إيمانه، أو كان إيمانه مجرد ألفاظ يرددها دون أن يكون لها أي معنى في نفسه، فإنه يعجز عن الإجابة، أو يجيب إجابات خاطئة، كما وضع ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار. فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه) ([44])

وهذا لا يعني اقتصار الامتحان على هذه الأسئلة، ذلك أن البرزخ مدرسة تربوية، والقائمون فيه من الملائكة يقومون بالدورين جميعا، دور الامتحان لتبلى السرائر، وتكشف الحقائق، ودور التربية والتوجيه من خلال ما يحصل فيه من أنواع النعيم أو العذاب، والذي لا يعدو أن يكون صورا مجسمة وحية للأعمال التي قام بها صاحبها..

ومن النصوص التي تدل على أن هناك أسئلة أخرى غير تلك الأسئلة، ما نص عليه قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى الله أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ الله عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 97 – 99]

ومن الروايات التي تدل على أن هناك أسئلة أخرى غير تلك الأسئلة، ما رواه عبد الله بن سلام قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أوّل ملك يدخل في القبر على الميّت قبل منكر ونكير، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ملك يتلألأ وجهه كالشمس اسمه: رومان يدخل على الميّت، ثمّ يقول له: اكتب ما عملت من حسنة وسيّئة، فيقول: بأيّ شي‏ء أكتب؟ أين قلمي ودواتي ومدادي؟ فيقول: ريقك مدادك وقلمك إصبعك، فيقول: على أيّ شي‏ء أكتب وليس معي صحيفة؟ قال: صحيفتك كفنك فاكتب، فيكتب ما عمله في الدنيا خيرا، وإذا بلغ سيّئاته يستحي منه، فيقول له الملك: يا خاطئ ما تستحي من خالقك حين عملته في الدنيا فتستحي الآن، فيرفع الملك العمود ليضربه، فيقول: ارفع عنّي حتّى أكتبها، فيكتب فيها جميع حسناته، وسيئاته ثمّ يأمره أن يطوي ويختم، فيقول: بأيّ شي‏ء أختم؟ وليس معي خاتم، فيقول: اختمها بظفرك وعلّقها في عنقك إلى يوم القيامة كما قال الله تعالى: { وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا } [الإسراء: 13])([45])

وهذا الحديث يصور ما يحصل بصورة تقريبية، لأنه لا يمكن لمن في هذا العالم أن يعرف حقيقة ما يجري في ذلك العالم بكل دقة، والغرض الذي سقناه من أجله هو في قول الملك للإنسان: (يا خاطئ ما تستحي من خالقك حين عملته في الدنيا فتستحي الآن)

وهذه الكتابة تشبه ما يطالب به المحققون في المباحث المجرمين من كتابة جرائمهم، وتوضيحها بكل دقة، ليكون الاعتراف مقدمة للجزاء والعقوبة.

وللأسف، فإن البعض من النقاد لا ينظرون للمعاني التي تحويها أمثال هذه الأحاديث، وإنما يتعجبون من الكتابة على الكفن، ونحو ذلك، بل إن بعضهم يشكل على الحديث بأنه لو حصلت تلك الكتابة، لرأيناها في الكفن.. وهذا من عدم فهم ما يجري في ذلك العالم، وكيفيته، كما سنرى ذلك إن شاء الله في المطلب التالي لهذا.

ومن الأحاديث الواردة في الاختبارات المرتبطة بعالم البرزخ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا أدخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه، جاء مَلَكٌ شديد الإنتهار فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل)([46])

ولهذا نرى الأحاديث المرتبطة بهذه الاختبارات تذكر ملائكة آخرين غير منكر ونكير.. وهو يدل على أن لكل مرحلة الملائكة المكلفين بها، مثلما يحصل في الدنيا، من توكيل كل علم إلى أساتذته المختصين فيه.

وقد قال الكتاني يذكر بعض ما ورد في هذا: (فَتَّانُو القبر أربعة منكر ونكير وناكور، وسيدهم رومان..وإن الحافظ ابن حجر سئل: هل يأتي الميت ملك إسمه رومان؟ فأجاب بأنه ورد بسند فيه لين، وذكره الرافعي في تاريخ قزوين عن الطوالات لأبي الحسن القطان، بسنده برجال موثقين إلى ضمرة بن حبيب قال: فتان القبر أربعة: منكر ونكير وناكور وسيدهم رومان، وهذا الوقف له حكم الرفع، إذ لا يقال مثله من قبل الرأي فهو مرسل)([47])

وقد ورد في الروايات ـ عند الفريقين ـ ما يدل على أن أمثال هذه الأسئلة لا تطرح لكل الموتى، ولا لكل الأمم، وإنما لمن قامت عليهم الحجة، وأرسل إليهم الرسل، ووردتهم البينات الدالة على صدقه؛ ففي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلو لا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه)([48])

وقد قال ابن عبد البر معلقا على أمثال تلك الروايات: (الآثار الثابتة في هذا الباب إنما تدل على أن الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمن أو منافق، ممن كان في الدنيا منسوباً إلى أهل القبلة ودين الإسلام، ممن حقن دمه بظاهر الشهادة. وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يسأل عن ربه ودينه ونبيه، وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام)([49])

وقال الصنعاني مبينا السر في ذلك: (واعلم أنه قد وردت أحاديث على اختصاص هذه الأمة بالسؤال في القبر دون الأمم السالفة.قال العلماء: والسر فيه أن الأمم كانت تأتيهم الرسل، فإن أطاعوهم فالمراد، وإن عصوهم اعتزلوهم وعولجوا بالعذاب. فلما أرسل الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين أمسك عنهم العذاب وقَبِل الإسلام ممن أظهره سواء أخلص أم لا، وقيض الله لهم من يسألهم في القبور ليخرج الله سرهم بالسؤال، وليميز الله الخبيث من الطيب)([50])

ولسنا ندري مدى دقة هذا التعليل أو صحته، لأن عالم البرزخ ليس مرتبطا بالأمم بقدر ارتباطه بالأفراد، ذلك أن لكل فرد في ذلك العالم حكمه الخاص به، والمرتبط بعمله.

ولذلك فإن التعليل الأحسن من هذا ربطه بالإيمان والكفر، لا بهذه الأمة وغيرها، وقد ورد في ذلك عن الإمام الصادق أنه سئل: (أصلحك الله مَن المسؤولون في قبورهم؟)، قال: (من مُحِضَ الإيمان ومن محض الكفر)، فقيل له: (فبقية هذا الخلق؟)، قال: (يلهى والله عنهم، ما يُعبأ بهم)([51])

وبناء على كل هذا، فإن الأسئلة والاختبارات التي يتعرض لها الإنسان في عالم البرزخ لا يمكن حصرها، ولكن ورد في الروايات ما يدل على بعضها، ومنها السؤال عن موالاة المؤمنين الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بموالاتهم، ومعاداة الأعداء الذين أمرت هذه الأمة بعداوتهم، ذلك أن بنيان الدين لا يستقيم إلا بموالاة الصالحين، واتباعهم، ومعادة الفجرة، ومواجهتهم.

ومن تلك الروايات ما روي عن الإمام الصادق أنه قال: (إن المؤمن إذا أخرج من بيته شيعته الملائكة إلى قبره يزدحمون عليه،حتى إذا انتهي به إلى قبره قالت له الأرض: مرحبا بك وأهلا، أما والله لقد كنت أحب أن يمشـي علي مثلك، لترين ما أصنع بك. فتوسع له مد بصره، ويدخل عليه في قبره ملكا القبر وهما قعيدا القبر منكر ونكير، فيلقيان فيه الروح إلى حقويه، فيقعدانه ويسألانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: الله، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: الإسلام، فيقولان: ومن نبيك؟ فيقول: محمد. فيقولان: ومن إمامك؟ فيقول: فلان. قال: فينادي مناد من السماء:صدق عبدي، أفرشوا له في قبره من الجنة، وافتحوا له في قبره باباً إلى الجنة، وألبسوه من ثياب الجنة حتى يأتينا، وما عندنا خير له. ثم يقال له: نم نومة عروس، نم نومة لا حلم فيها.. وإن كان كافراً خرجت الملائكة تشيعه إلى قبره يلعنونه، حتى إذا انتهى به إلى قبره قالت له الأرض: لا مرحباً بك ولا أهلاً، أما والله لقد كنت أبغض أن يمشي عليَّ مثلك، لاجرم لترين ما أصنع بك اليوم، فتضيق عليه حتى تلتقي جوانحه ! قال: ثم يدخل عليه ملكا القبر وهما قعيدا القبر منكر ونكير، ويلقيان فيه الروح إلى حقويه فيقولان له:من ربك؟فيتلجلج ويقول: قد سمعت الناس يقولون. فيقولان له: لا دريت ! ويقولان له: ما دينك؟ فيتلجلج، فيقولان له: لا دريت ! ويقولان له: من نبيك؟ فيقول: قد سمعت الناس يقولون، فيقولان له: لا دريت ! ويسأل عن إمام زمانه. قال: فينادي مناد من السماء: كذب عبدي، أفرشوا له في قبره من النار وألبسوه من ثياب النار، وافتحوا له باباً إلى النار حتى يأتينا، وما عندنا شر له، فيضربانه بمرزبة ثلاث ضربات ليس منها ضربة إلا يتطاير قبره ناراً، لو ضرب بتلك المرزبة جبال تهامة لكانت رميماً)([52])

ومنها ما روي عن الإمام السجاد، فقد روي أنه وعظ الناس قائلا: (أيّها الناس اتّقوا الله، واعلموا أنّكم إليه ترجعون، فتجد كلّ نفس ما عملت في هذه الدنيا من خير محضراً، وما عملت من سوء تود لو أنّ بينها وبينه أمداً بعيداً، ويحذركم الله نفسه، ويحك ابن آدم، الغافل، وليس بمغفول عنه. ابن آدم انّ أجلك أسرع شيء إليك، قد أقبل نحوك حثيثاً يطلبك ويوشك ان يدركك، وكأن قد أُوفيتَ أجلك وقبض الملك روحك، وصرتَ إلى منزل وحيداً فرد إليك فيه روحك، واقتحم عليك فيه ملكاك: منكراً ونكيراً، لمساءلتك وشديد امتحانك، ألا وإنّ أوّل ما يسألانك عن ربّك الذي كنت تعبده، وعن نبيِّك الذي أُرسل إليك، وعن دينك الذي كنت تدين به، وعن كتابك الذي كنت تتلوه، وعن إمامك الذي كنت تتولاّه، ثمّ عن عمرك فيما أفنيته؟ ومالك من أين اكتسبته وفيما أتلفته؟ فخذ حذرك وانظر لنفسك)([53])

بناء على هذه الأسئلة وغيرها يميز بين الموتى، فمنهم من يكون في مرتبة الفائزين، ومنهم من يكون في مرتبة الهالكين، ومنهم من يكون في مرتبة الناجين، وهكذا.. مثلما يحصل في الامتحانات البشرية التمييز بين الممتحنين.

وقد ضرب الغزالي لذلك مثلا مقربا، وذلك عند حديثه عن [كيفية توزع الدرجات والدركات في الآخرة على الحسنات والسيئات في الدنيا]، قال في مقدمته: (اعلم أن الدنيا من عالم الملك والشهادة، والآخرة من عالم الغيب والملكوت. وأعنى بالدنيا حالتك قبل الموت، وبالآخرة حالتك بعد الموت. فدنياك وآخرتك صفاتك وأحوالك يسمى القريب الداني منها دنيا، والمتأخر آخرة. ونحن الآن نتكلم من الدنيا في الآخرة فإنا الآن نتكلم في الدنيا وهو عالم الملك، وغرضنا شرح الآخرة وهي عالم الملكوت)([54])

ثم بين أنه لا (يتصور شرح عالم الملكوت في عالم الملك إلا بضرب الأمثال.. وهذا لأن عالم الملك نوم بالإضافة إلى عالم الملكوت.. وما سيكون في اليقظة لا يتبين لك في النوم، إلا الأمثال المحجوبة إلى التعبير، فكذلك ما سيكون في يقظة الآخرة لا يتبين في نوم الدنيا إلا في كثرة الأمثال. وأعنى بكثرة الأمثال ما تعرفه من علم التعبير) ([55])

وبناء على هذا ذكر أنه لا يمكن (تعريف توزع الدرجات والدركات على الحسنات والسيئات، إلا بضرب المثال)

والمثال الذي ذكره هو أنه في حال استيلاء ملك من الملوك على إقليم من الأقاليم؛ فإنه سيتعامل مع أهله بحسب تعاملهم معه، (فيقتل بعضهم فهم الهالكون، ويعذب بعضهم مدة ولا يقتلهم فهم المعذبون، ويخلى بعضهم فهم الناجون، ويخلع على بعضهم فهم الفائزون) ([56])

وبناء على ذلك، فإن المراتب الكبرى لأهل البرزخ، بحسب رؤية الغزالي، أربعة: الهالكون، والمعذبون، والناجون، والفائزون.

ولكل مرتبة الأعمال التي تتعلق بها، (فإن كان الملك عادلا، لم يقسمهم كذلك إلا باستحقاق، فلا يقتل إلا جاحدا لاستحقاق الملك، معاندا له في أصل الدولة.. ولا يعذب إلا من قصر في خدمته مع الاعتراف بملكه وعلو درجته.. ولا يخلى إلا معترفا له برتبة الملك، لكنه لم يقصر ليعذب ولم يخدم ليخلع عليه.. ولا يخلع إلا على من أبلى عمره في الخدمة والنصرة، ثم ينبغي أن تكون خلع الفائزين متفاوتة الدرجات بحسب درجاتهم في الخدمة، وإهلاك الهالكين إما تحقيقا بحز الرقبة، أو تنكيلا بالمثلة، بحسب درجاتهم في المعاندة، وتعذيب المعذبين في الخفة، والشدة، وطول المدة وقصرها، واتحاد أنواعها واختلافها، بحسب درجات تقصيرهم فتنقسم كل رتبة من هذه الرتب إلى درجات لا تحصى ولا تنحصر)([57])

وبناء على هذا، فإن (الناس في الآخرة هكذا يتفاوتون. فمن هالك، ومن معذب مدة، ومن ناج يحل في دار السلامة، ومن فائز.. والفائزون ينقسمون إلى من يحلون في جنات عدن، أو جنات المأوى أو جنات الفردوس.. والمعذبون ينقسمون إلى من يعذب قليلا، وإلى من يعذب ألف سنة إلى سبعة آلاف سنة.. وكذلك الهالكون الآيسون من رحمة الله تتفاوت دركاتهم. وهذه الدرجات بحسب اختلاف الطاعات والمعاصي)([58])

ثم ذكر الأعمال المرتبطة بكل مرتبة، فذكر أن المرتبة الأولى مرتبة الهالكين لا تكون إلا (للجاحدين والمعرضين، والمتجردين للدنيا، المكذبين بالله ورسله وكتبه، فإن السعادة الأخروية في القرب من الله والنظر إلى وجهه، وذلك لا ينال أصلا إلا بالمعرفة التي يعبر عنها بالإيمان والتصديق. والجاحدون هم المنكرون، والمكذبون هم الآيسون من رحمة الله تعالى أبد الآباد، وهم الذين يكذبون برب العالمين، وبأنبيائه المرسلين، إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون لا محالة، وكل محجوب عن محبوبه فمحول بينه وبين ما يشتهيه لا محالة، فهو لا محالة يكون مخترقا نار جهنم بنار الفراق) ([59])

وأما المرتبة الثانية، فمرتبة المعذبين، وهي مرتبة (من تحلى بأصل الإيمان، ولكن قصر في الوفاء بمقتضاه فإن رأس الإيمان هو التوحيد، وهو أن لا يعبد إلا الله. ومن اتبع هواه فقد اتخذ إلهه هواه، فهو موحد بلسانه لا بالحقيقة) ([60])

ثم بين وجوه التقصير وعلاقتها بالعذاب، فقال: (ولما كان الصراط المستقيم الذي لا يكمل التوحيد إلا بالاستقامة عليه أدق من الشعر، وأحد من السيف، مثل الصراط الموصوف في الآخرة، فلا ينفك بشر عن ميل عن الاستقامة ولو في أمر يسير، إذ لا يخلو عن اتباع الهوى ولو في فعل قليل، وذلك قادح في كمال التوحيد، بقدر ميله عن الصراط المستقيم.. فذلك يقتضي لا محالة نقصانا في درجات القرب. ومع كل نقصان ناران: نار الفراق لذلك الكمال الفائت بالنقصان، ونار جهنم كما وصفها القرآن، فيكون كل مائل عن الصراط المستقيم معذبا مرتين من وجهين، ولكن شدة ذلك العذاب وخفته، وتفاوته بحسب طول المدة، إنما يكون بسبب أمرين: أحدهما قوة الإيمان وضعفه، والثاني كثرة اتباع الهوى وقلته) ([61])

وأما المرتبة الثالثة، فمرتبة الناجين، وهم ـ كما يذكر الغزالي ـ (قوم لم يخدموا فيخلع عليهم، ولم يقصروا فيعذبوا. ويشبه أن يكون هذا حال المجانين والصبيان من الكفار، والمعتوهين، والذين لم تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد، وعاشوا على البله وعدم المعرفة، فلم يكن لهم معرفة، ولا جحود، ولا طاعة، ولا معصية، فلا وسيلة تقربهم، ولا جناية تبعدهم، فما هم من أهل الجنة ولا من أهل النار) ([62])

وسنذكر المصير المرتبط بهؤلاء في الفصل الثالث، عند الحديث عن العدالة الإلهية، وسنرى الروايات التي تدل على أنهم يتعرضون لاختبارات خاصة تكشف عن جواهرهم وسرائرهم؛ فمن نجح فيها نال ثوابه، ومن لم ينجح نال عقابه.. وبذلك يتساوى البشر جميعا في الاختبار، وهو من مقتضيات العدالة.

وأما المرتبة الرابعة، فمرتبة الفائزين، وهم ـ كما يذكر الغزالي ـ (العارفون دون المقلدين. وهم المقربون السابقون. فإن‏ المقلد وإن كان له فوز على الجملة بمقام في الجنة، فهو من أصحاب اليمين. وهؤلاء هم المقربون. وما يلقى هؤلاء يجاوز حد البيان) ([63])

2 ـ كيفية النعيم والعذاب في البرزخ:

من الإشكالات الكبرى التي يطرحها المنكرون لما يجري في عالم البرزخ ما يرتبط بالتصورات المتعلقة بكيفية حصول ذلك، وهو من الأمور العجيبة، ذلك أن الله تعالى أعظم من أن يقترح عليه، ولذلك يكفي المؤمن أن يعتقد بما ورد في النصوص المقدسة، دون أن يكلف خياله، ولا عقله معرفة كيفية ذلك، فقدرة الله لا حدود لها.

وهؤلاء المنكرون، أو الذين يثيرون الشغب في مثل هذه المسائل، بدعوى العلمية، لا حظ لهم منها، ذلك أنه إذا رأينا عالما كبيرا اخترع آلاف الاختراعات الدقيقة، لا نتعجب إن استطاع أن يضيف إليها اختراعا جديدا توهم البشر جميعا صعوبته أو استحالته.

فإن جاز ذلك لهذا العقل البسيط، الذي لم يكن له من دور سوى تقليد بعض مخلوقات الله باختراعاته؛ فكيف بالصانع البديع، الذي لا يمكن إحصاء مصنوعاته ومخترعاته وإبداعاته؟

ولهذا رد الله تعالى على المنكرين للبعث بقوله: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83) } [يس: 78 – 83]

وربما يكون من الأسباب التي دعتهم إلى ذلك أيضا تصورهم أن ما ورد في الأحاديث والروايات يدل على الواقع بحسب ما تتوهمه أخيلتهم، وهذا غير صحيح؛ فالنصوص المقدسة تتحدث عن هذه الأمور من باب [خاطبوا الناس على قدر عقولهم]، وليس من باب الحقيقة المطلقة، تلك التي لا يمكن اكتشافها إلا لمن عاشها.

ولهذا قال ابن عباس عن نعيم الجنة، وعلاقته بنعيم الدنيا: (ليس في الجنة شيءٌ يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء)([64])

بالإضافة إلى أن هناك من الروايات ما يدل على أن عالم البرزخ يشبه كثيرا عالم الأحلام، ولذلك تُرى فيه الأشياء الرمزية بصيغتها المجسمة، كما ورد في الرواية التي تقول: (السخاء شجرة في الجنة وأغصانها في الدنيا، فمن تعلق بغصن منها أدته إلى الجنة والبخل شجرة في النار وأغصانها في الدنيا فمن تعلق بغصن منها أدته إلى النار)([65])

وذلك كله من مقتضيات التربية ووسائلها، والتي تستعملها الملائكة مع أهل البرزخ لإخراجهم من الظلمات إلى النور، عبر تعريفهم بحقائق الوجود التي لم يستطيعوا هضمها في حياتهم الدنيا.

ومن هذا الباب أيضا توهمهم أن المراد من عذاب القبر ونعيمه، ارتباطه بالقبر الحقيقي المعروف، وهذا غير صحيح، فهذه التسمية جاءت من باب الغالب، لا من باب الحقيقة المطلقة، والتسمية الصحيحة لذلك، بحسب ما يذكر القرآن الكريم هي [البرزخ]، وهي المرحلة الفاصلة بين الحياتين الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } [المؤمنون: 100]

ولهذا نرى العلماء ينبهون كل حين إلى أن المراد بالقبر هي حياة البرزخ، لا القبر في حد ذاته، كما قال النووي: (لا يمنع من سؤال الملكين وعذاب القبر كون الميت قد تفرقت أجزاؤه، كما نشاهد في العادة، أو أكلته السباع أو حيتان البحر أو نحو ذلك، فكما أن الله تعالى يعيده للحشر، وهو سبحانه وتعالى قادر على ذلك، فكذا يعيد الحياة إلى جزءٍ منه أو أجزاءٍ وإن أكلته السباع والحيتان، فإن قيل: فنحن نشاهد الميت على حاله في قبره، فكيف يسأل ويقعد ويضرب بمطارق من حديد ولا يظهر له أثر؟! فالجواب أن ذلك غير ممتنعٍ، بل له نظير في العادة، وهو النائم، فإنه يجد لذةً وآلامًا لا نحس نحن شيئًا منها، وكذا يجد اليقظان لذةً وآلمًا لما يسمعه أو يفكر فيه ولا يشاهد ذلك جليسه منه، وكذا كان جبرائيل يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيخبره بالوحي الكريم ولا يدركه الحاضرون، وكل هذا ظاهر جلي، وأما ضربه بالمطارق فلا يمتنع أن يوسع له في قبره فيقعد ويضرب)([66])

وقد حاول العلماء لرد تلك التخيلات والأوهام والشبهات أن يبسطوا هذا المعنى، ويقربوه خاصة لأولئك الذين يذكرون أنهم يرون الموتى بصورة عادية، ولا يرون أي آثار للعذاب عليهم.

ومنهم الغزالي الذي عقب على تلك النصوص المقدسة التي تذكر الحيات والعقارب وأنواع العذاب، بذكر درجات الإيمان بهذا؛ فقال: (فأمثال هذه الأخبار لها ظواهر صحيحة، وأسرار خفيّة، ولكنها عند أرباب البصائر واضحة، فمن لم تنكشف له حقائقها فلا ينبغي أن ينكر ظواهرها. بل أقل درجات الإيمان التصديق والتسليم، فإن قلت: فنحن نشاهد الكافر في قبره مدة ونراقبه، ولا نشاهد شيئا من ذلك، فما وجه التصديق على خلاف المشاهدة؟)([67])

ثم راح يجيب على هذا السؤال، بأن للمؤمن ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا، سنذكرها مع بعض التفاصيل المرتبطة بها من خلال العناوين التالية:

أ ـ الوجود الحسي للنعيم والعذاب في البرزخ:

وهو أكملها وأظهرها وأصحها وأسلمها وأكثرها أدبا مع الله، وهو يعني التصديق بأنها ـ أي الحيات والعقارب ـ موجودة فعلا، كما ورد في النصوص المقدسة، وهي تلدغ الميت، ولكنا لانشاهدها، لأن (هذه العين لا تصلح لمشاهدة الأمور الملكوتية، وكل ما يتعلق بالآخرة فهو من عالم الملكوت. أما ترى الصحابة رضي الله عنهم كيف كانوا يؤمنون بنزول جبريل، وما كانوا يشاهدونه، ويؤمنون بأنه عليه السلام يشاهده؟)([68])

 ثم خاطب الغزالي من يشكك في هذا، بقوله: (فإن كنت لا تؤمن بهذا فتصحيح أصل الإيمان بالملائكة والوحي أهم عليك. وإن كنت آمنت به، وجوّزت أن يشاهد النبي ما لا تشاهده الأمة، فكيف لا تجوّز هذا في الميت؟ وكما أن الملك لا يشبه الآدميين والحيوانات، فالحيات والعقارب التي تلدغ في القبر ليست من جنس حيات عالمنا، بل هي جنس آخر، وتدرك بحاسة أخرى) ([69])

ونحب أن نذكر هنا رأيا نراه، ونستغفر الله من الخطأ فيه، وهو أن في جسد الإنسان قسمان: قسم يبلى، ويتحول إلى تراب، وهو كل خلاياه، وأجهزته، التي قد تتحول إلى أعضاء في كائنات أخرى، من بينها إخوانه في الإنسانية نفسها.

وأما الثاني، فهو ذلك الجزء البسيط غير المرئي الذي يختصر فيه الإنسان؛ والذي يمكن من خلاله التعرف على كل أجهزته وخصائصه، باعتبره الشيفرة التي تمثله، فهناك شيفرة تمثل الكبد، وأخرى القلب، وأخرى الرئة.. وهكذا حتى خصائص الإنسان الجسمية نجدها في تلك الشيفرات الصغيرة جدا، والتي يقر العلم بوجودها.

ولذلك نرى أن كل ما ورد من النصوص المقدسة فيما يتعلق بعلاقة الروح بالجسد مرتبط بذلك الجزء البسيط، الذي قد لا يرى حتى بالمجاهر.

وقد دلنا على هذا المعنى ما ورد في الحديث من قوله صلى الله عليه وآله وسلم في وصف ما يحصل عند البعث: (ثم يُنزل اللهُ من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظماً واحداً، وهو عجْب الذنَب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة)([70])

 وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (كل ابن آدم يأكله الترابُ إلا عَجْب الذَّنَب، منه خُلِق وفيه يُركَّب)، وفي رواية: (وليس من الإنسان شيء إلا يَبلى إلا عظمًا واحدًا وهو عَجْب الذَّنَب، ومنه يُركَّب الخلق يوم القيامة)([71])

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يأكل الترابُ كلَّ شيء من الإنسان إلا عَجْب ذَنَبه)، قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: (مثلُ حَبة خَرْدلٍ منه يَنشأ)([72])

فهذا الحديث يشير إلى أن هذا المحل من الإنسان هو الذي نشأ منه، وانتقل إليه من آبائه وأجداده، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172]، فالآية الكريمة تشير إلى أن كل البشر كانوا في ذلك الجزء البسيط من جسد آدم عليه السلام، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى ذريته..

وهكذا ورد في الرواية عن أئمة أهل البيت، فعن الإمام الصادق أنه قال: (البدن يبلى إلا طينته التي خلق منها فإنها لا تبلى، تبقي في القبر مستديرة، حتى يخلق منها كما خلق أول مرة)([73])

ولا أحب أن أذكر هنا ما يورده المهتمون بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم، من الربط بين هذه النصوص، وما يذكره العلم الحديث، لأني أرى أن اكتشاف هذا الأمر بدقة، لم يحن بعد، والبحوث العلمية التي يذكرونها لا يمكن الاستشهاد بها في هذا المحل.

ولو أني أقر بأن العلم الحديث قرب الكثير من الأشياء التي كانت مستبعدة في هذا الجانب، ومن بينها ذلك الاستغراب الذي يحصل في فهم الآية السابقة، والتي تذكر أن البشر جميعا خاطبهم الله تعالى من خلال خطابه لبذورهم التي كانت موجودة في جسد آدم عليه السلام.

ب ـ الوجود المتخيل للنعيم والعذاب في البرزخ:

وقد ذكره الغزالي لتقريب المسألة، والرد على المستبعدين المنكرين،وليس للحقيقة المطلقة، وقد عبر عنه بقوله: (أن تتذكر أمر النائم، وأنه قد يرى في نومه حية تلدغه، وهو يتألم بذلك، حتى تراه يصبح في نومه، ويعرق جبينه، وقد ينزعج من مكانه. كل ذلك يدركه من نفسه، ويتأذى به كما يتأذى اليقظان، وهو يشاهده، وأنت ترى ظاهره ساكنا، ولا ترى حواليه حية، والحية موجودة في حقه، والعذاب حاصل، ولكنه في حقك غير مشاهد. وإذا كان العذاب في ألم اللدغ، فلا فرق بين حية تتخيل أو تشاهد) ([74])

وطبعا؛ فإن مراد الغزالي من هذا هو التقريب، لا الحقيقة المطلقة، لأنها غيب، والذي خلق النوم، وأودع فيه تلك القدرات، يمكن أن يخلق غيره، ولا عجب في ذلك عند صاحب القدرة المطلقة.

ولهذا عرف الإمام الباقر الموت عندما سئل عن حقيقته بقوله: (هو النوم الذي يأتيكم في كل ليلة إلا أنه طويل مدته، لا يُنْتَبَهُ منه إلا يوم القيامة، فمنهم من رأى في منامه من أصناف الفرح ما لا يُقَادَرُ قَدْرُه، ومنهم من رأى في نومه من أصناف الأهوال ما لايقادر قدره، فكيف حال من فرح في الموت ووجل فيه! هذا هو الموت فاستعدوا له)([75])

وسئل الإمام الصادق عن صفة الموت، فقال: (هو للمؤمنين كأطيب ريح يشمه فينعس لطيبه، فينقطع التعب والألم كله عنه. وللكافر كلسع الأفاعي، وكلدغ العقارب وأشد)

وربما يشير إلى هذا من القرآن الكريم قوله تعالى: {قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } [يس: 52]

وهذا لا يعني عدم التنعم والعذاب، ذلك أننا عند النوم نشعر بكل المشاعر التي يشعر بها المستيقظون، حيث نمتلئ سعادة، أو حزنا، من دون أن يقلل النوم من ذلك شيئا.

وإن شئنا الحقيقة، فإن النصوص المقدسة تدل على أن كل حياة متدنية تعتبر موتا ونوما بالنسبة لما قبلها، كما وردت الإشارة إلى ذلك في الأثر: (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا)([76])

ج ـ الوجود التشبيهي للنعيم والعذاب في البرزخ:

وهو أدنى المراتب، وقد عبر عنه الغزالي بقوله: (.. أنك تعلم أن الحية بنفسها لا تؤلم، بل الذي يلقاك منها وهو السم، ثم السم ليس هو الألم، بل عذابك في الأثر الذي يحصل فيك من السم؛ فلو حصل مثل ذلك الأثر من غير سم لكان العذاب قد توفر، وكان لا يمكن تعريف ذلك النوع من العذاب إلا بأن يضاف إلى السبب الذي يفضي إليه في العادة.. وتكون ثمرة السبب حاصلة وإن لم تحصل صورة السبب: والسبب يراد لثمرته لا لذاته)([77])

ثم ختم هذه المراتب ـ كعادته ـ بنصيحة غالية قال فيها: (والذي أوصيك به أن لا تكثر نظرك في تفصيل ذلك، ولا تشتغل بمعرفته، بل اشتغل بالتدبير في دفع العذاب كيفما كان، فإن أهملت العمل والعبادة واشتغلت بالبحث عن ذلك، كنت كمن أخذه سلطان وحبسه ليقطع يده ويجدع أنفه، فأخذ طول الليل يتفكر في أنه هل يقطعه بسكين، أو بسيف، أو بموسى، وأهمل طريق الحيلة في دفع أصل العذاب عن نفسه، وهذا غاية الجهل، فقد علم على القطع أن العبد لا يخلو بعد الموت من عذاب عظيم، أو نعيم مقيم، فينبغي أن يكون الاستعداد له. فأما البحث عن تفصيل العقاب والثواب ففضول وتضييع زمان‏)([78])

وقد ذكر ابن أبي العز الحنفي ما أشار إليه الغزالي من التسليم لأمور الغيب من دون بحث فيها، ولا في كيفيتها، لتجاوزها حدود العقول؛ فقال: (قد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا يتكلم في كيفيته؛ إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول، فإن عَوْدَ الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا، وسؤال الملكين في القبر يكون للروح والبدن جميعًا، وكذلك عذاب القبر يكون للروح والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم الروح وتعذب مفردة عن البدن ومتصلة به)([79])

3 ـ صور النعيم والعذاب في البرزخ:

من أهم المسائل المرتبطة بقوانين النشأة الأخرى، ما عبر عنه قوله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ وَالله رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 30]، وقوله: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]، وقوله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} [التكوير: 14]

وغيرها من الآيات الكريمة التي تبين أن الأعمال التي يقوم بها الإنسان في حياته الدنيا هي نفسها التي تتجسم له بعد ذلك في صور من النعيم والعذاب.

وهو ما أشار إليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)([80])

ومثله ما ورد من أحاديث تتعلق بعالم البرزخ وتجلي العمل فيه في صورة حسنة للمؤمن، وقبيحة لغير المؤمن، ففي الحديث الذي يصف فيه صلى الله عليه وآله وسلم مصير المؤمن، وبعد أن ينجح في الإجابة على الأسئلة التي تطرح عليه، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مدّ بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، أبشر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: وأنت فبشرك الله بخير، من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فوالله ما علمتك إلا كنت سريعاً في طاعة الله، بطيئاً في معصية الله، فجزاك الله خيراً، ثم يفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا، فإذا رأى ما في الجنة، قال: ربِّ عجل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي ومالي، فيقال له: اسكن) ([81])

وفي المقابل ذكر صلى الله عليه وآله وسلم أن العبد الكافر أو الفاجر بعد أن يسيء الإجابة (ينادي منادٍ في السماء أن كذب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه في قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: وأنت فبشرك الله بالشر، من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فوالله ما علمتك إلا كنت بطيئاً عن طاعة الله، سريعاً إلى معصية الله، فجزاك الله شرا)([82])

وورد في حديث آخر قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (فإذا أُخرجوا من قبورهم خرج مع كلّ إنسان عمله الذي كان عمله في دار الدنيا، لأنّ عمل كلّ إنسان يصحبه في قبره)([83])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته لقيس بن عاصم: (يا قيس، إن مع العز ذلاً، وإن مع الحياة موتاً، وإن مع الدنيا آخرة، وان لكلّ شيء حسيباً، وعلى كل شيء رقيباً، وإن لكل حسنة ثواباً، ولكلّ سيئة عقابا، وإن لكل أجل كتاباً، وإنه – يا قيس – لابد لك من قرين، يدفن معك وهو حيُّ وتدفن معه وأنت ميت، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، ثم لا يحشر إلا معك، ولا تحشر إلا معه، ولا تسأل إلا عنه، ولا تبعث إلا معه، فلا تجعله إلا صالحاً، فإنه إن كان صالحاً لم تأنس إلا به، وإن كان فاحشاً لم تستوحش إلا منه وهو عملك)([84])

وهكذا ورد في الرواية ما يدل على الصحبة الدائمة للعمل الصالح للإنسان، وفي مراحله المختلفة، فعن الإمام الصادق أنه قال: (إذا بعث الله المؤمن من قبره خرج معه مثال يقدمه أمامه، كلّما رأى المؤمن هولاً من أهوال يوم القيامة، قال له المثال: لا تفزع ولا تحزن وأبشر بالسرور والكرامة من الله عزّوجلّ حتى يقف بين يدي الله عزّوجلّ فيحاسبه حساباً يسيراً، ويأمر به إلى الجنة والمثال أمامه، فيقول له المؤمن: يرحمك الله نعم الخارج، خرجت معي من قبري، وما زلت تبشرني بالسرور والكرامة من الله حتى رأيت ذلك، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا السرور الذي كنت أدخلته على أخيك المؤمن في الدنيا، خلقني الله عزّوجلّ منه لأُبشّرك)([85])

وقال مبينا تجسم الأعمال المختلفة في الصور المناسبة لها: (إذا مات العبد المؤمن دخل معه في قبره ستُ صور، فيهن صورة هي أحسنهنّ وجهاً، وأبهاهنّ هيئة، وأطيبهنّ ريحاً، وأنطقهنّ صورة، قال: فيقف صورة عن يمينه، وأُخرى عن يساره، وأُخرى بين يديه، وأُخرى خلفه، وأُخرى عند رجليه، ويقف التي هي أحسنهنّ فوق رأسه، فإن أتى عن يمينه، منعته التي عن يمينه، ثمّ كذلك إلى أن يؤتى من الجهات الست، قال: فتقول أحسنهنّ صورة من أنتم جزاكم الله عني خيراً؟ فتقول التي عن يمين العبد: أنا الصلاة، وتقول التي عن يساره: أنا الزكاة، وتقول التي بين يديه، أنا الصيام، وتقول التي خلفه، أنا الحج والعمرة، وتقول التي عند رجليه: أنا بر من وصلت من إخوانك، ثمّ يقلن: من أنت؟ فأنت أحسننا وجهاً، وأطيبنا ريحاً، وأبهانا هيئة، فتقول: أنا الولاية لآل محمّد)([86])

وبما أن هذه المسألة من المسائل المشكلة التي وقع الاعتراض عليها، خاصة من طرف أولئك الذين ينكرون أو يؤولون ما ورد من النصوص حول هذا العالم، لذلك سنذكر هنا ما أورده المتكلمون من أدلة على ذلك، مصنفين لها، بحسب نوعها إلى نقلية وعقلية.

أ ـ الأدلة النقلية على تجسم الأعمال:

أورد المتكلمون المؤيدون لتجسم الأعمال الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على ذلك، وسنقتصر هنا على ما ذكره العلامة جعفر السبحاني في تفسيره الموضوعي [مفاهيم القرآن]، مع بيان وجوه الاستدلال التي ذكرها، والتي قد نضيف إليها ما نراه مناسبا([87]):

1 ـ قوله تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ الله وَغَرَّكُمْ بِالله الْغَرُورُ } [الحديد: 12 – 14]

فهذه الآيات الكريمة تبين أن نور المؤمنين يسعى أمامهم وبين أيديهم، ليضيء لهم الظلمات التي تملأ ذلك الموقف، كما تبين أن مبدأ اكتساب ذلك النور كان في الدنيا، وبالعمل الصالح.ولهذا يطلبون من المنافقين العودة للدنيا لاكتساب ذلك النور.. وهو يدل على أن نفس ذلك العمل تحول إلى ذلك النور.

2. قوله تعالى: { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ } [التوبة: 34، 35]، والآية صريحة في أن الذهب والفضة يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباه المكنزين وجلودهم وظهورهم، كما أنها صريحة في أن النار نفس ما اكتنزوه في النشأة الأولى، فكأن للكنز ظهورين: ظهورا بصورة الفلز وآخر بصورة النار المكوية، وهذا يدل على أن لكل عمل من خير وشر ظهورين ووجودين حسب اختلاف النشآت.

3 ـ قوله تعالى: { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران: 180]، فهذه الآية الكريمة تبين أن ما كان يبخل به الإنسان من الذهب والفضة وغيرهما يظهر في النشأة الأُخرى بهيئة سلسلة من نار تُطوِّق العنق وتلتف حوله، وتقحمه النار.

4 ـ قوله تعالى: { يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا الله إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ } [لقمان: 16]، فالآية الكريمة تدل على أن نفس العمل يؤتى به يوم القيامة، فيؤتى بالصلاة والزكاة بثوبهما المناسب للنشأة الأُخروية، وهكذا الحال في الأعمال غير الصالحة.

5 ـ قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} [الزلزلة: 7، 8]، فالضمير في قوله: (يَرَهُ) يرجع إلى العمل المستفاد من قوله: (يَعْمَلْ) أو إلى الخير والشر، وعلى كلا التقديرين فالإنسان يرى عمله من صالح وطالح، فيرى السرقة والنميمة بوجودهما المناسب لتلك النشأة كما يرى الإحسان والعمل والخير بظهورها المناسب لتلك النشأة.

ويؤيد هذا ما روي عن الإمام السجاد، أنه قال في بعض مواعظه: (واعلم يا ابن آدم! أنّ من وراء هذا أعظم وأفظع وأوجع للقلوب يوم القيامة.. يوم لا تقال فيه عثرة، ولا يؤخذ من أحد فدية، ولا تقبل من أحد معذرة، ولا لأحد فيه مستقبل توبة ليس إلّا الجزاء بالإحسان والجزاء بالسيّئات، فمن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرّة من خير وجده، ومن‏ كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرّة من شرّ وجده)([88])

وقال الإمام الباقر في تفسير تلك الآيات الكريمة: (إن كان من أهل النار وقد كان عمل في الدنيا مثقال ذرّة خيرا يره يوم القيامة حسرة إن كان عمله لغير الله، ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره. يقول: إن كان من أهل الجنّة رأى ذلك الشرّ يوم القيامة ثمّ غفر له)([89])

وهذه الرواية تدل على الغرض التربوي من ذلك الشر الذي يراه المؤمن مجسما بعينيه، وهو ما يجعله يندم على فعله، ويستغفر، وبذلك يستحق المغفرة بفضل الله، لكفاية ذلك في إصلاحه.

6 ـ قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } [البقرة: 24]، وقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6]، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ الله شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ} [آل عمران: 10]، وقوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98]

فهذه الآيات الكريمة تعتبر العصاة والأصنام والأوثان (الحجارة) وقوداً لنار جهنم، والوقود ما تشعل به النار، فيصير وجود الإنسان والأصنام المعبودة بؤرة نار تؤجج به نار الجحيم.

7 ـ قوله تعالى: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [النمل: 90]، وقوله: { فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [يس: 54]، وقوله: { إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الصافات: 38، 39]، فالآيات الكريمة واضحة في أن الجزاء هو نفس العمل وليس شيئاً وراء العمل؛ فبظهوره حسب النشأة الأُخرى يجزى به الإنسان من صالح وطالح.

8 ـ قوله تعالى: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } [ق: 22]، فالآية الكريمة تدل على أنّ الإنسان كان في غفلة من يوم الوعيد، وانّ لكلّ نفس سائقاً وشهيداً، وأن هذه الحقيقة كانت مستورة عن الإنسان في هذه النشأة ويرتفع الغطاء عن بصره وبصيرته فيرى ما خفي عليه ويتذكره.

ب ـ الأدلة العقلية على تجسم الأعمال:

وقف المتكلمون من الأدلة النصية السابقة موقفين: موقف يرى أنها على ظاهرها، احتراما لظاهرها، ولعدم امتناع ذلك عقلا، وموقف يرى تأويلها، بناء على تصوره لاستحالة ذلك عقلا.

ولذلك فإن مناقشة هذه المسألة من الناحية العقلية، يحتاج أولا إلى التعرف على أدلة المنكرين لها، لنرى مدى وجاهتها.

وقد لخص هذه الأدلة المجلسي في قوله: (القول باستحالة انقلاب الجوهر عرضاً، والعرض جوهراً في تلك النشأة مع القول بإمكانها في النشأة الآخرة قريب من السفسطة، إذ النشأة الآخرة ليست إلاّ مثل تلك النشأة، وتخلّل الموت والإحياء بينهما لا يصلح أن يصير منشأ لأمثال ذلك، والقياس على حال النوم واليقظة أشد سفسطة إذ ما يظهر في النوم إنّما يظهر في الوجود العلمي، وما يظهر في الخارج فإنّما يظهر بالوجود العيني، ولا استبعاد كثيراً في اختلاف الحقائق بحسب الوجودين، وأمّا النشأتان فهما من الوجود العيني ولا اختلاف بينهما إلاّ بما ذكرنا، وقد عرفت أنّه لا يصلح لاختلاف الحكم العقلي في ذلك)

ثم ذكر كيفية التعامل مع النصوص التي تشير إلى ذلك، بقوله: (وأمّا الآيات والأخبار فهي غير صريحة في ذلك، إذ يمكن حملها على أنّ الله تعالى يخلق هذه بازاء تلك أو هي جزاؤها، ومثل هذا المجاز شائع، وبهذا الوجه وقع التصريح في كثير من الأخبار والآيات)([90])

وقد رد على هذا القائلون بتجسم الأعمال بأدلة كثيرة خصت بالتأليف منها رسالة كتبها محمد إسماعيل الخواجوئي بعنوان [رسالة تجسم الأعمال‏]، قال في مقدمتها: (هذه رسالة وجيزة في ترجيح القول بتجوهر الأعراض، وتجسّد الأعمال، مبنيّة على مقدّمة وفصول أربعة، نذكر فيها ما كان حاضرا للبال، وما سيحضره في تضاعيف البحث، بفيض من يفيض العلوم والإفضال)([91])

وقد أورد فيها بالإضافة إلى النصوص المقدسة، وما يؤديها من الروايات والأخبار، الكثير من الأدلة العقلية، إما منفصلة أو كإجابة على الإشكالات المطروحة.

ومن ردوده فيها ما نقله عن ابن سينا من قوله: (كلّ ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يردك عنه قائم البرهان)، وقد علق عليه بقوله: (وتجسيم الأعراض وإن كان من الغرائب إلّا أنّه لم يرد عنه قائم البرهان، فهو في بقعة الإمكان، فقد تقرّر أنّ قدرة الله القادر صالحة لإيجاد كلّ ممكن، وأنّ نسبة الكائنات بأسرها إلى قدرته سبحانه نسبة واحدة، ففي الحقيقة لا غرابة فيه فضلا عن الامتناع، فلمّا كان ممكنا وأخبر به الصادق ـ على ما في كثير من الآيات والروايات الواردة ـ وجب الإيمان به، والتصديق بصدقه، وترك تأويل ما دلّ ظاهرا على جوازه بل وقوعه، فان تأويل الظاهر إنّما يجوز إذا دلّ على خلافه القاطع، وهنا ليس كذلك) ([92])

وهكذا نقل عمن أطلق عليهم محققي الحكماء، بعض النصوص في ذلك، باعتبار أنه لو كان غير مقبول عقلا ما قبله الكثير من الحكماء، ومن تلك النصوص ما نقله عن فيثاغورس من قوله: (اعلم أنّك ستعارض بأفكارك وأقوالك وأفعالك، وسيظهر من كلّ حركة فكريّة أو قوليّة أو فعليّة صور روحانيّة وجسمانيّة، فإن كانت الحركة غضبيّة شهويّة صارت مادّة شيطان يؤذيك في حياتك، ويحجبك عن ملاقاة النور بعد وفاتك. وإن كانت الحركة عقليّة صارت ملكا تلتذّ بمنادمته في دنياك، وتهتدي بنوره في أخراك إلى جوار الله وكرامته. وأمثال هذا ممّا يدلّ على تجسّد الأعمال في كلامه كثيرة)([93])

ومن الردود على تلك الشبه ما أورده صدر المتألّهين في كتابه [المبدأ والمعاد]، والذي حاول أن يقرب المسألة للعقول بطرق مختلفة، اعتمد فيها منهجه في الحكمة المتعالية، منها قوله: (كما أنّ كلّ صفة تغلب على باطن الإنسان في الدنيا وتستولي على نفسه بحيث تصير ملكة لها، يوجب صدور أفعال منه مناسبة لها بسهولة يصعب عليه صدور أفعال أضدادها غاية الصعوبة، وربما بلغ ضرب من القسم الأوّل حدّ اللزوم، وضرب من القسم الثاني حدّ الامتناع، لأجل رسوخ تلك الصفة. لكن لما كان هذا العالم دار الاكتساب والتحصيل قلما تصل الأفعال المنسوبة إلى الإنسان الموسومة بكونها بالاختيار في شيء من طرفيها حدّ اللزوم والامتناع بالقياس إلى قدرة الإنسان وإرادته دون الدواعي والصوارف الخارجية لكون النفس متعلّقة بمادة بدنية قابلة للانفعالات والانقلابات من حالة إلى حالة، فالشقي ربما يصير بالاكتساب سعيداً وبالعكس، بخلاف الآخرة فانّها ليست دار الاكتساب والتحصيل، كما أشير إليه بقوله تعالى: {لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا } [الأنعام: 158]، وكلّ صفة بقيت في النفس ورسخت فيها وانتقلت معها إلى الدار الآخرة صارت كأنّها لزمتها ولزمت لها الآثار والأفعال الناشئة منها بصورة تناسبها في عالم الآخرة والأفعال والآثار التي كانت تلك الصفات مصادر لها في الدنيا، وربما تخلفت عنها لأجل العوائق والصوارف الجسمانية الاتفاقية، لأنّ الدنيا دار تعارض الأضداد وتزاحم المتمانعات بخلاف الآخرة لكونها دار الجمع والاتفاق لا تزاحم ولا تضاد فيها، والأسباب هناك أسباب وعلل ذاتية كالفواعل والغايات الذاتية دون العرضية فكلّما يصلح أثر الصفة النفسانية لم يتخلّف عنها هناك كما يتخلف عنها هاهنا لمصادفة مانع له ومعاوقة صارف عنه، إذ لا سلطنة هناك للعلل العرضية والأسباب الاتفاقية ومبادئ الشرور بل الملك لله الواحد القهار)([94])

ولتقريب ذلك ضرب مثالاً من طبيعة الإنسان، عبر عنه بقوله: (إنّ شدة الغضب في رجل توجب ثوران دمه، واحمرار وجهه، وحرارة جسده، واحتراق موادّه، على أنّ الغضب صفة نفسانية موجودة في عالم الروح الإنساني وملكوته والحركة والحمرة والحرارة والاحتراق من صفات الأجسام وقد صارت هذه الجهات والعوارض الجسمانية نتائج لتلك الصفة النفسانية في هذا العالم، فلا عجب من أن يكون سورة هذه الصفة المذمومة مما يلزمها في النشأة الأُخرى نار جهنم التي تطّلع على الأفئدة فاحترقت صاحبها كما يلزم هاهنا عند شدة ظهورها وقوة تأثيرها إذا لم يكن صارف عقلي أو زاجر عرفي يلزمها من ضربان العروق واضطراب الأعضاء وقبح المنظر ربما يؤدي إلى الضرب الشديد والقتل لغيره بل لنفسه، وربما يموت غيظاً فإذا تأمل أحد في استتباع هذه الصفة المذمومة لتلك الآثار فيمكن أن يقيس عليها أكثر الصفات المؤذيات والاعتقادات المهلكات وكيفية انبعاث نتائجها ولوازمها يوم الآخرة من النيران وغيرها، وكذا حال أضدادها من حسنات الأخلاق والاعتقادات وكيفية استنباط النتائج والثمرات من الجنات والرضوان والوجوه الحسان)([95])

وضرب مثالا آخر من الطبيعة، فقال: (إنّ الجسم الرطب متى فعل ما في طبعه من الرطوبة في جسم الآخر قَبِلَ الجسم المنفعل الرطوبةَ فصار رطباً مثله، ومتى فعل فعله الرطوبة في قابل غير جسم كالقوة الدراكة الحسية والخيالية إذا انفعلت عن رطوبة ذلك الجسم الرطب، لم يقبل الأثر الذي قبله الجسم الثاني ولم يصر بسببه رطباً بل يقبل شيئاً آخر من ماهية الرطوبة لها طور خاص في ذلك كما يقبل القوة الناطقة متى نالت الرطوبة أو حضرتها في ذاتها شيئاً آخر من ماهية الرطوبة وطبيعتها من حيث هي، ولها ظهور آخر عقلي فيه بنحو وجود عقلي مع هوية عقلية، فانظر حكم تفاوت النشآت في ماهية واحدة لصفة واحدة، كيف فعلت وأثرت في موضع الجسم شيء وفي قوة أُخرى شيئاً آخر، وفي جوهر شيئاً آخر وكلّ من هذه الثلاثة حكاية للآخرين، لأنّ الماهية واحدة والوجودات متخالفة، وهذا القدر يكفي المستبصر لأن يؤمن بجميع ما وعد الله ورسوله أو توعد عليه في لسان الشرع من الصور الأُخروية المرتبة على الاعتقادات الحقّة أو الباطلة أو الأخلاق الحسنة والقبيحة المستتبعة للذات والآلام إن لم يكن من أهل المكاشفة والمشاهدة) ([96])

وما ذكره صدر المتألهين وغيره في هذا المجال أصبح أكثر وضوحا في عصرنا هذا بسبب القوانين العلمية المرتبطة بالمادة، وتحولها إلى طاقة، أو العكس.. بالإضافة إلى تحول الطاقة إلى أشكال مختلفة، وقد ورد في الموسوعة البريطانية: (المادة والطاقة مظهران لحقيقة واحدة، المادة عبارة عن الطاقات المتراكمة، وربما تتبدّل المادة في ظروف خاصة إلى الطاقة، فتكون الطاقة وجوداً منبسطاً للمادة، كتبدّل مادة الغذاء الذي يتناوله الإنسان إلى حركة، وكتبدّل وقود الحافلات إلى طاقة حركية.. ويعتبر مفهوم حفظ الطاقة أحد المفاهيم الأساسية الذي يكون حاكماً على كافة الظواهر الطبيعية، بمعنى أنّ كافة التفاعلات والتحولات التي تحدث في عالم الطبيعة لا تخرج عن هذا الإطار العام وهو أنّ عموم الطاقة لا يتغير فيها أبداً. فالطاقة يمكن أن تتبدّل إلى أنواع مختلفة، وهذه الأنواع تشمل الطاقة الحركية، الحرارية، الكهربائية، الكيميائية، والنووية)([97])

‏وقد حاول السبحاني أن يربط بين تجسم الأعمال، وما ذكره العلم حول المادة والطاقة، فقال: (كلّ عمل يقوم به الإنسان ـ سواء كان طاعة أو معصية ـ يعدّ جزءاً من عالم المادة وليس له حقيقة إلاّ تبدل جزء ضئيل من المادة إلى طاقة حركية، فتعود حقيقة العمل في الإنسان إلى تبدل المادة إلى طاقة)([98])

ثم فسر ذلك بأن تجسّم الأعمال يبتني على قواعد أربع:

1. حقيقة العمل، وهو تبديل المادة إلى طاقة.

2. الطاقة الموجودة في العالم ثابتة لا تتغير.

3. المادة والطاقة حقيقتها واحدة.

4. كما أنّ المادة تتبدّل إلى الطاقة فهكذا تتبدّل الطاقة في ظروف خاصة إلى المادة.

وبناء على هذه المقدمات نستنتج أن (تجسم الأعمال الذي ترجع حقيقته إلى تبدّل الطاقة إلى المادة أمر ممكن وإن لم يكن واقعاً في عالم الطبيعة، ولعلّ العلم سيحقق هذه الأمنية) ([99])

بالإضافة إلى ما ذكره السبحاني وغيره، يمكن تقريب المسألة بما نراه الآن في عصرنا من تحويل الصوت أو الصورة إلى هيئة رقمية، يمكن تحويلها إلى مجسمات إذا ما وضعت القوانين الخاصة بذلك..

وبذلك تزول كل تلك الإشكالات التي يذكرها النافون لتجسم الأعمال، أما ما عداها من الإشكالات، وهي تعارض التجسم مع نصوص أخرى، فقد ذكرها السبحاني، وأجاب عليها، وأهمها هذان الاعتراضان:

الأول: ما ورد من النصوص التي تدل على أنّ الجزاء يوم القيامة أمر جعلي أشبه بمجازات المجرمين أو بإثابة المطيعين، وعلى ذلك يكون الجزاء أمراً خارجاً عن نطاق عمل الإنسان بل مفروضاً عليه من الخارج.

وقد أجاب عليه بأن الجمع بين النصوص المقدسة يقتضي ذلك، بالإضافة إلى أنه (لا مانع من أن يكون هناك نعمة ونقمة من خلال تجسّم الأعمال وتمثّلها، وجنة ونار خارجين عن إطار عمل الإنسان وفعله، فالجزاء الأوّل أمر تكويني يلازم وجود الإنسان، والثاني أمر جعلي مفروض عليه حسب ما اكتسب من الحسنات والسيّئات) ([100])

 الثاني: ما ورد من الشفاعة، ذلك أنه إذا كانت الصور المثالية أمراً تكوينياً من لوازم وجود الإنسان بحيث لا ينفك عن وجوده مهما نزل أو سكن، فما معنى الشفاعة التي تمحو المجازات الجعلية المفروضة عليه من خارج وجوده؟

وقد أجاب عليه السبحاني، بـ (أنّ الملكات المكتسبة وإن كانت خلاّقة للصور المثالية جميلة كانت أو قبيحة شاء أم أبى، لكن ثمة مرتبة من الشفاعة تؤثر في صميم الإنسان وذاته بنحو تؤثر على ملكاته السيئة وليس تأثير الشفيع في ملكات المشفوع له بأصعب من تأثير دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند الاعجاز في عالم الكون حيث يعود ـ بفضل دعائه ـ الميت حياً والأعمى بصيراً والسقيم صحيحاً، فكما انّ دعاء النبي وإرادته تؤثر في التكوين، فهكذا الحال في شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الآخرة تؤثر في الملكات السيئة وتقلبها رأساً على عقب، ونظير ذلك دعاء المذنب في هذه الدنيا واستغفاره قبل الموت حيث إنّه يؤثر فيما اكتسب من الملكات ويقلبها إلى غيرها.. وبذلك فإن تأثير الملكات في الصور المثالية يتم على نحو المقتضي لا العلة التامة، فهي تؤثر مادام العامل الخارجي وإلاّ فلا، وبذلك يمكن الجمع بين القول بالشفاعة وتجسّم الأعمال) ([101])

4 ـ نماذج من صور النعيم والعذاب في البرزخ وأسبابها:

بناء على ما سبق من الاختلاف الشديد في مراتب المنعمين والمعذبين، وهيئات الأعمال التي تظهر لهم، فيتنعمون بها أو يعذبون، وبناء على عدم إمكانية حصر ذلك، لأن لكل شخص عالمه الخاص به، والذي شكله بنفسه طيلة حياته، فإنا نكتفي هنا بذكر بعض النماذج عن صور النعيم والعذاب الواردة في النصوص المقدسة، والتي لم يقصد منها الحصر، وإنما قصد منها التنبيه، والعاقل هو الذي لا يكتفي بالمذكور، وإنما يعبر منه لغير المذكور، لأن ما لم يذكر قد لا يكون أقل خطرا مما ذكر.

فمن الأمثلة والنماذج على ذلك ما ورد تلك الموعظة التي قدمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للأمة من خلال وصفه لبعض ما يحصل في ذلك العالم، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي، فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس، ورجل قائم بيده كلُّوب من حديدٍ (الحديدة التي يؤخذ بها اللحم ويعلق)، يدخل ذلك الكلوب في شدقه (جانب فمه) حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم (يشفى) شدقه هذا، فيعود فيصنع مثله، قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على رجلٍ مضطجعٍ على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهرٍ (بحجر ملء الكف) ـ أو صخرةٍ ـ فيشدخ (يكسر) به رأسه، فإذا ضربه تدهده (تدحرج) الحجر، فانطلق إليه ليأخذه، فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه، فضربه، قلت: من هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا إلى ثقبٍ مثل التنوُّر، أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته نارًا، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كاد أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة، فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على نهرٍ من دمٍ فيه رجل قائم على وسط النهر، وعلى شط النهر رجُلٌ بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجرٍ في فيه، فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجرٍ، فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضةٍ خضراء، فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان، وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعدا بي في الشجرة، وأدخلاني دارًا لم أرَ قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب، ونساء، وصبيان، ثم أخرجاني منها، فصعدا بي الشجرة، فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل، فيها شيوخ وشباب)([102])

وبعد أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه المشاهد التي رآها، وملأ القلوب شوقا لمعرفة أسرارها، راح يوضح ذلك، ويبينه، ليربي أمته من خلاله، فقد قال مخبرا عن تفسير الملائكة لما رآه: (أما الذي رأيته يشق شدقه، فكذاب يحدث بالكذبة، فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به إلى يوم القيامة، والذي رأيته يشدخ رأسه، فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل، ولم يعمل فيه بالنهار، يفعل به إلى يوم القيامة، والذي رأيته في الثقب فهم الزناة، والذي رأيته في النهر آكلو الربا، والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم عليه السلام، والصبيان حوله فأولاد الناس، والذي يوقد النار مالك خازن النار، والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فدار الشهداء) ([103])

ومن الأمثلة على ذلك ما أخبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم من ضغطة القبر، والتي وقع الخلاف في شمولها أو عدم شمولها، لاختلاف الروايات الواردة في ذلك.

فمن الروايات الواردة في شمولها للناس جميعا، قوله صلى الله عليه وآله وسلم عند وفاة سعد بن معاذ: (هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة، لقد ضم ضمة، ثم فرج عنه) ([104])

وروي عنه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال حينها: (إن للقبر ضغطة لو كان أحد ناجياً منها نجا سعد بن معاذ) ([105])، وفي رواية: (لو نجا أحد من ضمة القبر، لنجا سعد بن معاذ، ولقد ضمَّ ضمة، ثم رخي عنه) ([106])

بل روي أنه لا ينجو منها حتى الصبية، ففي الحديث أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لو أفلت أحد من ضمة القبر لنجا هذا الصبي) ([107])

وبناء على هذا نص أكثر العلماء على هذا الشمول، فقد قال أبو بكر الدمياطي الشافعي: (صرحت الروايات والآثار بأن ضمة القبر عامة للصالح وغيره، وقد قال الشهاب ابن حجر: قد جاءت الأحاديث الكثيرة بضمة القبر، وأنه لاينجو منها صالح ولا غيره)([108])

بل إن بعضهم راح يروي ما يخفف تلك الضغطة، ويبين علتها، فقد روى صاحب [السيرة الحلبية] أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعائشة: (ياعائشة إن ضغطة القبر على المؤمن كضمة الأم الشفيقة يديها على رأس ابنها، يشكو إليها الصداع ! وضرب منكر ونكير عليه كالكحل في العين! ولكن يا عائشة ويل للشاكين الكافرين أولئك الذين يضغطون في قبورهم ضغطاً يقبض على الصخر)([109])

وروى السيوطي عن محمد التيمي قوله: (كان يقال أن ضمة القبر إنما أصلها أنها أمهم، ومنها خلقوا، فغابوا عنها الغيبة الطويلة، فلما رُدَّ إليها أولادها ضمتهم ضمة الوالدة غاب عنها وَلَدُها ثم قدم عليها)([110])

لكن ذلك لا يستقيم مع تلك الروايات التي يروونها، والتي تنص على أنه (يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال يعذب حتى يبعث)([111])، أو (يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ويسُلّط عليه في قبره تسعة وتسعون تِنِّيناً، لكل تنين سبعة رؤوس تنهشه وتخدش لحمه حتى يُبعث.ولو أن تنيناً منها ينفخ في الأرض لم تنبت زرعاً)([112])

وكل هذه الروايات كان يمكن قبولها، لو أنها ربطت الأمر بالأعمال، وموازين العدالة المرتبطة بها، أما تعميمها، لتشمل الجميع حتى الصبية الصغار، فإنا نرى اختلافها مع القرآن الكريم، بل مع الأحاديث النبوية التي تصور المؤمن ممتلئا بالسعادة منذ اللحظة الأولى التي يرى فيها ملائكة الموت، وهي تطوف به، وتبشره؛ فلا يستقيم التبشير مع ذلك العذاب الذي ينتظره، إلا إذا كان له من الأعمال ما يستوجب ذلك.

وهذا ما ذهب إليه أئمة أهل البيت، فقد علل الإمام الصادق الضغطة بالتقصير في شكر النعم، فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (ضغطة القبر للمؤمن، كفارة لما كان منه من تضييع النعم)([113]).

وروي أنه سئل عنها، فقيل له: أيفلت من ضغطة القبر أحد؟ فقال: (نعوذ بالله منها، ما أقل من يفلت من ضغطة القبر)([114])، وهذا يدل على أن هناك من يفلت منها، وأن الأمر مرتبط بالعمل.

وروي عنه التصريح بنجاة المؤمنين الصادقين منها، لعدم استحقاقهم لها، فعنه قال ـ يصف موت المؤمن ـ: (فإذا أدرج في أكفانه ووضع على سريره، خرجت روحه تمشي بين أيدي القوم قدماً. وتَلَقَّاه أرواح المؤمنين يسلمون عليه ويبشرونه بما أعد الله له جل ثناؤه من النعيم. فإذا وضع في قبره رُدَّ إليه الروح إلى وركيه، ثم يسأل عما يعلم، فإذا جاء بما يعلم فتح له ذلك الباب الذي أراه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيدخل عليه من نورها وضوئها وبردها وطيب ريحها)، فقيل له: جعلت فداك فأين ضغطة القبر؟ فقال: (هيهات ما على المؤمنين منها شئ، والله إن هذه الأرض لتفتخر على هذه فتقول: وطأ على ظهري مؤمن ولم يطأ على ظهرك مؤمن، وتقول له الأرض:والله لقد كنت أحبك وأنت تمشي على ظهري، فأما إذا وليتك فستعلم ماذا أصنع بك، فيفسح له مد بصره)([115])

وبناء على هذا، فإن كل ما ورد في النصوص المقدسة يدل على ارتباط كل جزاء أو عقوبة بالأعمال التي تناسبها، بل ورد فيها ما يدل على إمكانية ممارسة أعمال معينة في الدنيا، لتجنب أنواع معينة من العذاب، وهذا ما يدل على البعد التربوي للعقائد الإسلامية، وأثرها في تقويم السلوك.

ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في الروايات التي تذكر إمكانية تجنب ضغطة القبر، والأعمال المرتبطة بذلك، وهو ما يجعل من القول بعدم شمولها أكثر جدوى، بالإضافة لكونها أقرب لعدالة الله ورحمته بعباده.

بناء على هذا سنذكر هنا بعض النماذج الواردة في الأحاديث والروايات، عن أنواع النعيم والعذاب الموجودة بالبرزخ مع ذكر أسبابها.

أ ـ نماذج من صور النعيم وأسبابها:

بناء على أنه لا يمكن حصر الأعمال الصالحة التي يراها المؤمن في البرزخ على هيئة نعيم ولذات وسعادة، فإن الأحاديث ذكرت بعض ذلك، لا من باب الحصر ـ كما ذكرنا ـ وإنما من باب التنبيه إلى أهمية كل عمل صالح، ودوره في إسعاد المؤمن، وإبعاد كل أسباب الشقاء عنه.

ومن تلك الأحاديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم في وصف حال الميت المؤمن، وكيف تدافع عنه أعماله الصالحة، وهو ما يدل على تجسمها في صور حسية يراها: (إن الميت يسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين، فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصوم عن يمينه، وكانت الزكاة عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلاة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، ويؤتى من عن يمينه، فيقول الصوم ما قبلي مدخل، ويؤتى من عن يساره فتقول الزكاة ما قبلي مدخل، ويؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات ما قبلي مدخل، فيقال له: اقعد فيقعد، وتمثل له الشمس قد دنت للغروب فيقال له ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم، وما تشهد به؟ فيقول: دعوني أصلي، فيقولون: إنك ستفعل ولكن أخبرنا عما نسألك عنه قال: وعم تسألوني عنه؟ فيقولون: أخبرنا عما نسألك عنه، فيقول: دعوني أصلي. فيقولون: إنك ستفعل ولكن أخبرنا عما نسألك عنه، قال: وعم تسألوني؟ فيقولون: أخبرنا ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم وما تشهد به عليه؟ فيقول: محمدا، أشهد أنه عبد الله، وأنه جاء بالحق من عند الله، فيقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله، ثم يفتح له باب من قبل النار فيقال له: انظر إلى منزلك وإلى ما أعد الله لك، لو عصيت فيزداد غبطة وسرورا، ثم يفتح له باب من قبل الجنة فيقال له: انظر إلى منزلك، وإلى ما أعد الله لك فيزداد غبطة وسرورا)([116])

وورد في بعض الروايات ما تقوله تلك الأعمال الصالحة في الدفاع عن المؤمن الذي قام بها، ومنها هذه الرواية التي تذكر أنه (إذا مات العبد الصالح فوضع في قبره أتي بفراش من الجنة، وقيل له: نم هنيئاً لك قرة العين، فرضي الله عنك، قال ويفسح له في قبره مد بصره ويفتح له باب إلى الجنة، فينظر إلى حسنها ويجد ريحها وتحتوشه أعماله الصالحة: الصيام، والصلاة، والبر، فتقول له: أنصبناك واظمأناك وأسهرناك فنحن اليوم بحيث تحب، نحن أنساؤك حتى تصير إلى منزلك من الجنة) ([117])

وفي رواية أخرى: (إذا وضع العبد الصالح في قبره احتوشته أعماله الصالحة الصلاة والصيام والحج والجهاد والصدقة، قال: وتجيء ملائكة العذاب من قبل رجليه فتقول الصلاة: إليكم عنه فقد أطال القيام لله عليهما، قال: فيأتون من قبل رأسه فيقول الصيام: لا سبيل لكم عليه فقد أطال ظمأه لله تعالى في الدنيا، قال فيأتون من قبل جسده فيقول الجهاد والحج: إليكم عنه فقد أنصب نفسه، وأتعب بدنه، وحج وجاهد لله عز وجل لا سبيل لكم عليه، قال: فيأتون من قبل يديه فتقول الصدقة: كفوا عن صاحبي فكم من صدقة خرجت من هاتين اليدين حتى وقعت في يد الله عز وجل ابتغاء وجهه فلا سبيل لكم عليه، فيقال: هنيئاً طيباً حياً وميتاً، قال: ويأتيه ملائكة الرحمة فتفرشه فراشاً من الجنة ودثاراً من الجنة ويفسح له في قبره مد البصر، ويؤتى بقنديل من الجنة فيستضيء بنوره إلى يوم يبعثه الله من قبره) ([118])

وهكذا ورد في الأحاديث والروايات أن لسور بعينها تأثير خاص في الوقاية من عذاب القبر، وهذا يدل على أن لكل سورة قرآنية آثارها الخاصة التي يجدها المؤمن يوم القيامة، فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي سورة تبارك الذي بيده الملك)([119])

وقد فسر ذلك عبد الله بن مسعود بقوله: (من قرأ تبارك الذي بيده الملك كل ليلة منعه الله بها من عذاب القبر، وكنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسميها المانعة، وإنها في كتاب الله سورة من قرأ بها في كل ليلة فقد أكثر وأطاب)([120])

ومثل ذلك ما ورد في فضل قراءة سورتي البقرة وآل عمران، ودورهما في الدفاع عن المهتم بهما، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة، وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة)([121])

وهكذا نرى الأحاديث الكثيرة التي تصور النعيم العظيم الذي يناله المؤمنون بسبب أعمالهم الصالحة، ومن الروايات الواردة في ذلك، والتي تصور بعض النعيم الذي يعيشونه طيلة فترة البرزخ، ما حدث به الإمام علي قال: (يُفتح لولي الله من منزله من الجنة إلى قبره تسعة وتسعون باباً، يدخل عليها روحها وريحانها وطيبها ولذتها ونورها إلى يوم القيامة، فليس شئ أحب إليه من لقاء الله، فيقول: يا رب عجل عليَّ قيام الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي، فإذا كانت صيحة القيامة خرج من قبره مستورةً عورته، مسكنةً روعته، قد أعطي الأمن والأمان، وبشر بالرضوان والروْح والريحان والخيرات الحسان، فيستقبله الملكان اللذان كانا معه في الحياة الدنيا، فينفضان التراب عن وجهه وعن رأسه ولا يفارقانه، ويبشرانه ويمنيانه)([122])

وعن الإمام الصادق قال:(المؤمن إذا قبضه الله تعالى صيَّرَ روحه في قالب كقالبه في الدنيا، فيأكلون ويشربون. فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا..لو رأيته لقلت فلان)([123])

ب ـ نماذج من صور العذاب وأسبابها:

بما أن البرزخ مدرسة من المدارس التربوية التي يربي الله فيها عباده، لإخراجهم من الظلمات إلى النور، وتهذيب نفوسهم لتصلح للدخول للجنة التي لا يدخل إليها إلا الطيبون، فقد اهتمت النصوص المقدسة بأنواع الدروس التي تقدم في هذه المرحلة أكثر من اهتمامها بالنعيم الذي يلقاه المقيمون فيها.

ولذلك اشتهرت مسائل البرزخ، باصطلاح [عذاب القبر]، ذلك لورود النصوص الكثيرة التي تبين الأسباب التي يتعذب بها المقيمون في هذه المرحلة.

وهي تدخل ضمن الإنذار النبوي، وهو لا يقل أهمية عن التبشير النبوي، إن لم يكن يفوقه، فالتبشير قد يكفي فيه الحديث والحديثان، لكن الإنذار يحتاج إلى المزيد من التفاصيل.

ولهذا عندما نذهب إلى الطبيب لأي علة من العلل، لا نجده يصف لنا ما يجوز أكله، وإنما يصف لنا ما يضرنا أكله، ويحذرنا منه، ويبين العواقب التي تنجر وراء ذلك.. وهكذا فعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عندما يربط الأعمال السيئة بما تستوجبه من العقوبات.

والإنذار نفسه يتضمن تبشيرا، ذلك أن التحذير من تلك الجرائم والذنوب، يبين أن الابتعاد عنها، يقي صاحبها من المهالك التي تعترضه، وفي ذلك أعظم بشارة، ولذلك قيل: (لأن تلقى قوما يخوفونك حتى تجد الأمان، خير من أن تجد من يؤمنك إلى أن تجد المخافة)

وقد حاول ابن القيم في كتاب الروح أن يجمع الكثير من الأحاديث من المصادر السنية، والتي ذكر فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأسباب الموجبة للعذاب في البرزخ، فقال: (إن عذاب القبر أثر غضب الله تعالى وسخطه على عبده، فمن أغضب الله وأسخَطه في هذه الدار ثم لم يتُبْ، ومات على ذلك كان له من عذاب القبر بقدر غضب الله وسخطه عليه، وعذاب القبر هو نتيجة لمعاصي القلب، والعين، والأذن، والفم، واللسان، والبطن، والفرج، واليد، والرِّجل، والبدن كله؛ فالنمام، والكذاب، والمغتاب، وشاهد الزور، وقاذف المحصن، والداعي إلى البدعة، والقائل على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ما لا علم له به، وآكل الربا، وآكل أموال اليتامى، وآكل السحت من الرشوة، وآكل مال أخيه المسلم بغير حق أو مال المعاهد، وشارب الخمر، والزاني، واللوطي، والسارق، والخائن، والغادر، والمخادع، والماكر، وآخذ الربا، ومعطيه، وكاتبه، وشاهداه، والمحتال على إسقاط فرائض الله تعالى، وارتكاب محارمه، ومؤذي المسلمين، ومتتبع عوراتهم، والحاكم بغير ما أنزل الله، والمفتي بغير ما شرعه الله، والمعين على الإثم والعدوان، وقاتل النفس التي حرم الله، والمُعطل لحقائق أسماء الله وصفاته الملحد فيها، والمقدم رأيه على سنة رسول صلى الله عليه وآله وسلم، والنائحة، والمستمع إليها، والمغنون الغناء الذي حرمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، والمستمع إليهم، والمطففون في الكيل والميزان، والجبارون، والمتكبرون، والمراؤون، والهمازون، واللمازون، والطاعنون على السلف الصالح، والذين يأتون الكهنة والمنجمين والعرَّافين فيسألونهم ويصدقونهم، وأعوان الظلمة الذين قد باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، والذي إذا خوفته بالله تعالى وذكَّرته به لم ينزجر، فإذا خوفته بمخلوق مثله خاف وكفَّ عما هو فيه، والذي يجاهر بالمعصية ويفتخر بها بين الناس، والذي لا تأمنه على مالك وحرمتك، والفاحش اللسان البذيء الذي تركه الناس اتقاء شره، والذي يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها وينقرها، ولا يذكر الله فيها إلا قليلًا، ولا يؤدي زكاة ماله طيبة بها نفسه، ولا يحج مع قدرته على الحج، ولا يؤدي ما عليه من الحقوق مع قدرته عليها، والذي لا يبالي بما حصل من المال، من حلال أو حرام، ولا يصل رحمه، ولا يرحم المسكين، ولا الأرملة، ولا اليتيم، ولا الحيوان البهيم، بل يزجر اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين، ويرائي الناس بعمله؛ ليكسب مدحهم له، ويمنع الماعون، ويشتغل بعيوب الناس عن عيبه، وبذنوبهم عن ذنبه – فكل هؤلاء وأمثالهم يعذبون في قبورهم بهذه الجرائم، بحسب كثرتها وقلتها، وصغيرها وكبيرها)([124])

وسنكتفي هنا بذكر بعض ما ورد في النصوص المقدسة من ذلك، لنرى من خلالها دور الإيمان بالبرزخ في التربية والإصلاح.

1. الظلم والطغيان والاستبداد: ولعله من أكبر أسباب العذاب في البرزخ، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)([125])، ويوم القيامة، لا يشمل الموقف فقط، بل يبدأ من الموت نفسه، كما ورد في الحديث: (إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته)([126])

ومن النصوص الدالة على هذا قوله تعالى عن آل فرعون: { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46]، فهذه الآية الكريمة أخبرت أنهم وفي الوقت الحالي يعرضون على النار غدوا وعشيا، ولم يملك صبحي منصور ـ وهو من المنكرين لعذاب البرزخ ـ بعد إيراده لها إلا أن يسلم بها، لكنه راح يحتال عليها بكون عذاب البرزخ مرتبطا فقط بآل فرعون، ولسنا ندري ما وجه التخصيص، مع أن القرآن الكريم يعتمد الأمثال والنماذج ليقرر الحقائق، والعاقل هو الذي يفهم الحقائق بإطلاقها، لا ذلك الذي يقصرها على شواهدها.

ومنها قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } [الطور:45 – 47]، وهذا يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا، وأن يراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر، لأن كثيراً منهم مات ولم يعذب في الدنيا، أو المراد أعم من ذلك.

ومنها قوله تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93]

وغيرها من الآيات الكريمة التي تتوعد الظلمة بالعذاب الشديد، وهي تنطبق على جميع المراحل التي يمر بها الإنسان في حياته، ابتداء من حياته الدنيا.. والتي جعل الله فيها الكثير من أنواع العذاب للظلمة، والتي قد لا يشعر بها غيرهم، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]

2. الكفر والنفاق: ويشير إليه قوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ } [التوبة: 101]، فقوله: (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ) يشير إلى أن أحدهما في الدنيا، والآخر في البرزخ، كما ذكر ذلك المفسرون.

وقد رأينا سابقا ما ورد من العذاب الذي يلقاه هذان الصنفان، وقد ورد التصريح باسم المنافق، أو المرتاب في كثير من الروايات، كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (.. وأما الكافر والمنافق فيُقال له..)([127])

وقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم أنه رأى عمرو بن عامر الخزاعي (يجر قصبه في النار ـ أمعاءه ـ؛ كان أول من سيب السوائب)([128])، وكان أيضا أول من غير دين إبراهيم بالشرك وتحريم ما لم يحرمه الله.

3 ـ الذنوب المرتبطة باللسان: كالغيبة والنميمة وغيرها، والتي ورد فيها قوله صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ بن جبل: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟)، قال: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه، وقال: (كف عليك هذا)، قال: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: (ثكلتك أمك وهل يكب الناس على وجوههم -أو قال على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟!)([129])

وقد ورد في الأحاديث والروايات ما يدل على ذلك، ومنها ما روي عن ابن عباس قال: (ليلة أسري بنبي الله صلى الله عليه وآله وسلم نظر في النار فإذا قوم يأكلون الجيف قال من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ورأى رجلا أحمر أزرق جدا قال من هذا يا جبريل؟ قال هذا عاقر الناقة)([130])

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم)([131])

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ثم مررت على نساء ورجال معلقين بثديهن فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال هؤلاء الهمازون واللمازون وذلك قوله – عز وجل -: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة: 1])([132])

وفي حديث آخر عن ابن عباس قال: مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)([133])

وفي حديث آخر، يصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يحصل في البرزخ للكذابين، فعنه قال: (فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى. قال: قلت: سبحان الله ! ما هذان؟).. ثم قال عن هذا المعذب في آخر الحديث: (إنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق)([134])

4 ـ الذنوب المرتبطة بالطهارة: وقد أشار إليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن عامة عذاب القبر من البول؛ فتنزهوا منه)([135])

5ـ الذنوب المرتبطة بالأموال: وقد أشار إليها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (فانطلقنا فأتينا على نهر أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجرا فينطلق يسبح ثم يرجع إليه كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجرا) إلى أن قال: (وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجر فإنه آكل الربا) ([136])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الرجل الذي غل الثوب([137]) في بعض مغازيه: (والذي نفسي بيده إن الشملة [ثوب] التي أخذها يوم خيبر من المغانم، لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارا)([138])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الإخبار عن عقوبة اللصوص: (لقد جيء بالنار، وذلكم حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها، وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر قصبه في النار ؛ كان يسرق الحاج بمحجنه ([139])، فإن فطن له قال: إنما تعلق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به)([140])

ومنها ما ورد في المتهاونين في أداء ما عليهم من ديون، فعن سعد بن الأطول قال: مات أخي وترك ثلاث مائة دينار، وترك ولدا صغارا، فأردت أن أنفق عليهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أخاك محبوس بدينه، فاذهب فاقض عنه). قال: فذهبت فقضيت عنه، ثم جئت فقلت: يا رسول الله، قد قضيت عنه ولم يبق إلا امرأة تدعي دينارين، وليست لها بينة. قال: (أعطها، فإنها صادقة)([141])

 6ـ الذنوب المرتبطة بالأعراض: ويشير إليها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث السابق: (فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، فإذا فيه لغط وأصوات، قال: فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا [أي: صاحوا] قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟) وفي آخره: (وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني).

7 ـ الذنوب المرتبطة بالتهاون بالعبادات: وقد أشار إليها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في المتهاونين في قراءة القرآن الكريم: (أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه، فيتدهده الحجر ها هنا فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى. قال: قلت لهما: سبحان الله ! ما هذان؟)، وفيه: (والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل، ولم يعمل به بالنهار)

وفي رواية أخرى تذكرهم، وتذكر المتهاونين في الصلاة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أما الرجل الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة)

وفي حديث آخر يذكر المتهاونين في صيام رمضان، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان، فأخذا بضبعي، وأتيا بي جبلا فقالا لي: اصعد. فقلت: إني لا أطيقه. فقالا: إنا سنسهله لك. قال: فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل، إذا أنا بأصوات شديدة، فقلت: ما هذه الأصوات؟ قال: هذا عواء أهل النار. ثم انطلق بي، فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دما، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: هم الذين يفطرون قبل تحلة صومهم)([142])

7 ـ الذنوب المرتبطة بالمسيئين للدين: وهم الذين يمثلونه تمثيلا خاطئا، فيقفون حجابا بين الخلق والدين الصحيح، وإليهم الإشارة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: الخطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون؟!)([143])

وفي رواية: (أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت وفت، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرءون كتاب الله ولا يعملون به)([144])

ثالثا ـ البرزخ والصلة بالحياة الدنيا:

بما أن البرزخ محل من محال الجزاء الإلهي، والذي يرتبط بأسماء الله الحسنى، فإن من تجلياته التعامل مع أهله بحسب أعمالهم، ومواقفهم، وما في قلوبهم، وذلك ما تقتضيه عدالة الله التي تأبى التسوية بين المختلفين، وتأباه كذلك ربانية الله، والتي تقتضي أن يتعامل مع كل خطيئة بما يناسبها من أساليب التربية.

وبما أن أهم المواقف التي طولب المؤمنون بها، الموقف من الحياة الدنيا، وعدم الاستغراق فيها، وعدم تبديلها بالدار الآخرة، بل طولبوا بأن يعتبروها دار ممر، لا دار مقر، ودار فناء، لا دار خلود، ودارا لزراعة العمل الصالح، لا للانشغال عنه بما وضع فيها من متاع وزينة.

بناء على هذا كله، فإن تلك المواقف تبرز في الآخرة بأنواع التواصل والانقطاع مع هذه الحياة، فالنصوص المقدسة تشير، بل تؤكد على أن الزاهدين في الدنيا، الراغبين في الله، لن تنقطع صلتهم بالحياة الدنيا، ولا بأهلها، ولا بالتأثير فيها، بأي وجه من وجوه التأثير.

بخلاف أولئك الذين استغرقوا في الحياة الدنيا، واطمأنوا لها، وتصوروا أنهم مخلدون فيها، وأنه ليس هناك حياة غيرها؛ فإن هؤلاء يعاقبون بالانقطاع التام عن هذه الحياة، وإن أتيح لهم ذلك، فهو من باب تربيتهم، حتى يعرفوا قيمة ذلك الاستغراق والحب الذي صرفهم عن الله.

وأما غيرهم من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، فإن صلتهم بالحياة الدنيا، تكون بحسب أعمالهم، وزهدهم، وورعهم، ورغبتهم فيما عند الله، وقد ذكرنا أنه لا يمكن عد درجات ذلك، لأن لكل إنسان عالمه الخاص به، والمرتبط بما قدمه من أعمال.

بناء على هذا، سنذكر في هذا المبحث ما ورد في النصوص عن صلة الموتى بالحياة الدنيا، اتصالا وانقطاعا.

وقبل ذلك ننبه إلى ما نبهنا إليه سابقا من أن قوانين النشأة الأخرى تختلف عن قوانين هذه النشأة، ولذلك فقد يكون الشخص في الجنة أو في غيرها، وفي نفس الوقت تكون له علاقة بقبره، أو زواره، أو غيرهم.

وننبه كذلك إلى أن الجنة والنار المرتبطة بأهل البرزخ ـ كما ورد في الروايات ـ ليست هي نفس الجنة والنار التي لا يدخلها أهلها إلا بعد الحساب ونصب الموازين، لتكون دار قرارهم.

وقد ورد في ذلك عن الإمام الصادق أنه سئل عن قوله تعالى في حق آل فرعون: { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46]، فقال: (ما تقول الناس فيها؟)، فقيل له: يقولون إنها في نار الخلد، وهم لا يعذبون فيما بين ذلك، فقال: (فهم من السعداء؟) فقيل: فكيف هذا؟ فقال: (إنما هذا في الدنيا، وأما في نار الخلد فهو قوله: { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } [غافر: 46]

وهكذا يشير إلى هذا قوله تعالى عن الجنة: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46]، ويشير إليه ما ورد من أن جنة آدم عليه السلام غير جنة الخلد، وقد روي عن الإمام الصادق أنه سئل عن جنة آدم، فقال: (جنة من جنات الدنيا تطلع عليه فيها الشمس والقمر، ولو كانت من جنات الخلد ما خرج منها أبداً)([145])

1 ـ البرزخ.. والتواصل مع الحياة الدنيا:

ورد في النصوص الكثيرة ما يدل على دوام الصلة بين المؤمنين في البرزخ، وإخوانهم من المؤمنين في الدنيا، كما يدل على ذلك قوله تعالى عن الشهداء: P وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَO [آل عمران: 169، 170]

وورد في الحديث عن أنس، قال: بعث قوم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن: ابعث إلينا من يعلمنا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القراء وفيهم خالي حرام، يقرءون القرآن ويتدارسون بالليل، ويتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة، وللفقراء، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان، فقالوا: اللهم بلغ عنا أنا قد لقيناك فرضيت عنا، ورضينا عنك، قال: فأتى رجل خالي حراما من خلفه فطعنه بالرمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزت ورب الكعبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن إخوانكم قد قتلوا، وقالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك ورضينا عنك ورضيت عنا)([146])

ومثله ما روي عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس وأسماء بنت عميس قريبة منه إذ رد السلام، ثم قال: (يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب مع جبريل وميكائيل وإسرافيل سلموا علينا فردي عليهم السلام، وقد أخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا قبل ممره على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثلاث أو أربع، فقال: لقيت المشركين فأصبت في جسدي من مقاديمي ثلاثا وسبعين بين رمية وطعنة وضربة، ثم أخذت اللواء بيدي اليمنى فقطعت، ثم أخذت بيدي اليسرى فقطعت، فعوضني الله من يدي جناحين أطير بهما مع جبريل وميكائيل أنزل من الجنة حيث شئت، وآكل من ثمارها ما شئت)، فقالت أسماء: (هينئاً لجعفر ما رزقه الله من الخير، ولكن أخاف أن لا يصدق الناس فاصعد المنبر أخبر به)، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (يا أيها الناس إن جعفرا مع جبريل وميكائيل، له جناحان عوضه الله من يديه سلم علي، ثم أخبرهم كيف كان أمره حيث لقي المشركين)، فاستبان للناس بعد اليوم الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن جعفر لقيهم، فلذلك سمي الطيار في الجنة)([147])

بل إن ابن القيم نفسه ـ وهو تلميذ ابن تيمية، الذي ينفي صلة الأحياء بالموتى وتأثيرهم ـ عقد في كتابه [الروح] فصلا خاصا بعنوان [هل يعرف الأموات زيارة الأحياء وسلامهم أم لا]، ومما جاء فيه قوله: (قال ابن عبد البر ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (ما من مسلم يمر على قبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام)، فهذا نص في أنه بعينه، ويرد عليه السلام، وفي الصحيحين عنه من وجوه متعددة أنه أمر بقتلى بدر، فألقوا في قليب ثم جاء حتى وقف عليهم وناداهم بأسمائهم: يا فلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؛ فإني وجدت ما وعدني ربى حقا؟ فقال له عمر: يا رسول الله ما تخاطب من أقوام قد جيفوا، فقال: (والذي بعثنى بالحق ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون جوابا)، وثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه، وقد شرع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه، فيقول: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين)، وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد)([148])

ولكن هذه الصلة ووثاقتها وتأثيرها يعتمد على الدرجة التي بلغها المؤمن بإيمانه، ذلك أن من المؤمنين من يكتفي بذلك النعيم الذي أعد له، بسبب عمله الصالح، أو ربما يحصل له ما يشبه النوم الممتلئ بالراحة في انتظار البعث، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا قبر الميت أتاه ملكان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ثم ينور له فيه ثم يقال له: نم فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك)([149])

أما المقربون، أو الساعون في خدمة الإسلام، فإن الصلة بينهم وبين الحياة الدنيا تبقى وثيقة جدا، ذلك أنهم يراقبون كل ما يحصل، ويعينون المؤمنين بالدعاء وغيره.

بناء على هذا سنذكر هنا ما يدل على كلا الصلتين من خلال المصادر المقدسة، وهي ما يخرج عالم البرزخ من كونه عالما غيبيا محضا إلى عالم له علاقة بعالم الشهادة، وهو ما يعطي مبررا آخر لاسمه [البرزخ]

أ ـ التواصل الممتد:

وهو التواصل الخاص بالمنعم عليهم، والذين امتلأوا زهدا في الدنيا، كما امتلأوا حبا لله، وتضحية في سبيله، ولذلك هيأ الله تعالى لهم هذا الجزاء الذي يتناسب مع اهتماماتهم وحرصهم؛ فهم لا يريدون النعيم الخاص بهم فقط، بل هم كذلك، وفوقه حريصون على الإسلام الذي عاشوا حياتهم كلها من أجله.

وقد أشار إلى هذا الصنف قوله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } [الأحزاب: 23]، وقد قال بعدها: {لِيَجْزِيَ الله الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ } [الأحزاب: 24]

ومن مقتضيات ذلك الجزاء، كما هو العادة في الكرم الإلهي، إعطاء من يجزون ما تقتضيه رغبتهم وحاجتهم.

ويشير إلى هذا شوق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرؤية المؤمنين الذين لم يكتب لهم أن يعيشوا في عهده، بل سماهم [إخوانا]، وهذا يدل على أن له صلة وثيقة بهم، لا تقل عن صلته بأصحابه، بل إن الأخوة في اللغة أكرم وأرفع درجة من الصحبة، فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وددت أني لقيت إخواني)، قال: فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أوليس نحن إخوانك؟ قال: (أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني)([150])

ويشير إلى هذا أيضا قوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة:105)، فهذه الرؤية لا تقتصر على المؤمنين الأحياء، بل تشمل غيرهم أيضا.

وهي تتجاوز الرؤية المجردة، بل إنها رؤية مؤثرة، ذلك أن أصحاب البرزخ يمكنهم أن يساهموا في خدمة الأحياء عبر دعائهم، كما دل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيراً استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا)([151])

وهذا النص يبين أن مجال التأثير مرتبط بالاهتمام، فإن كان اهتمام المؤمن قاصرا على أقاربه وعشيرته امتد تأثيره إليها فقط، وإن كان متعديا شمل كل الدائرة التي يهتم بها.

ولهذا وردت الأحاديث تبين مدى سعة دائرة تأثير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حياة الأمة جميعا، وهم لذلك يمكنهم أن يتوسلوا به أو يستغيثوا مثلما كانوا يفعلون في حياته تماما، لأن موته صلى الله عليه وآله وسلم لم يقطع صلته بالله، بل إنه زادها، ولذلك كان اللجوء إليه لجوءا إلى وسيلة شرعية من أعظم الوسائل.

ولهذا فهم كل العلماء ـ ما عدا التكفيريين ـ من قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64] شمولها لكل الأزمنة، وعدم اقتصارها على زمان حياته صلى الله عليه وآله وسلم.

والروايات الكثيرة حول الاستدلال بالآية من لدن السلف الأول، تدل على اشتهار ذلك، واعتباره، حتى أصبح معروفا لدى العامة والخاصة، وقد روى العتبي (توفى 228 هـ) في ذلك ـ وهو من مشايخ الشافعي، وحدّث عن سفيان بن عيينة وغيره ـ عن محمد بن حرب الهلالي، قال: دخلت المدينة، فأتيت قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره، ثمَّ قال: (يا خير الرسل، إنّ الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]، وإنّي جئتك مستغفراً ربّك من ذنوبي مستشفعاً فيها بك. ثمَّ بكى وأنشأ يقول:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه

   فطاب من طيبهنّ القاع والأكمُ

نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكنه

   فيه العفاف وفيه الجود والكرمُ

 ثمَّ استغفر وانصرف([152]).

وقد ذكر الشوكاني وجه الاستدلال بها، فقال: (ووجه الاستدلال بها أنه صلى الله عليه وآله وسلم حي في قبره بعد موته كما في حديث: الأنبياء أحياء في قبورهم، وقد صححه البيهقي وألف في ذلك جزءا)([153])

وقال السبكي: (دلت الآية على الحث على المجيء إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والاستغفار عنده واستغفاره لهم، وذلك وإن كان ورد في حال الحياة، فهي رتبة له لا تنقطع بموته، تعظيما له.. والآية وردت في أقوام معينين في حالة الحياة، فتعم بعموم العلة كل من وجد فيه ذلك الوصف في الحياة وبعد الموت، ولذلك فهم العلماء من الآية العموم في الحالتين، واستحبوا لمن أتى قبره صلى الله عليه وآله وسلم أن يتلو هذه الآية ويستغفر الله تعالى)([154])

بل إن فقهاء الصحابة استدلوا بهذه الآية على ذلك، فقد روي عن عبد الله بن مسعود قال: (إن في النساء لخمس آيات ما يسرني بهن الدنيا وما فيها، وقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها وذكر منها: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّابًا رَحِيمًا}[النساء: 64])([155])، ففرح ابن مسعود بهذه الآية ظاهر في أنها عامة.

وقد أيد ذلك بأحاديث كثيرة تشير إلى مدى تأثير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حياة الأمة، بعد وفاته، ومنها قوله حديث الرجل الضرير الذي أتى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ادعُ الله أن يعافيني، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن شئت دعوتُ، وإن شئتَ صبرتَ وهو خير؟ قال: فادعُهُ، فأمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يتوضّأ فيُحسن وضوءه ويُصلّي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: (اللهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك نبي الرحمة يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي لتُقضى، اللهمّ شفّعه فيّ)، قال الراوي: فوالله ماتفرّقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضُرّ([156]).

وقد فهم الصحابة وكل العلماء ـ ما عدا التكفيريين ـ من الحديث شموله لحياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبعدها، حتى راوي الحديث فهم منه ذلك، فقد روي عن عثمان بن حنيف أنّ رجلاً كان يختلف على عثمان بن عفان في حاجته، وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة ثم ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين وقل: اللهم إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيّك محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي الرحمة، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي فتقضي لي حاجتي. وتذكر حاجتك ورُح حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان بن عفان فجاءه البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان، فأجلسه معه على الطنفسة، فقال: حاجتك، فذكر حاجته وقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كان الساعة، وقال:ما كانت لك من حاجّة، فاذكرها، ثم إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلّمتَه فيّ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلّمتُه فيك، ولكنّي شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم.. إلى آخر الحديث([157]).

وهكذا ورد في الروايات ما يدل على علاقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمته، ومعرفته بها، وتواصله معها، ومن تلك الأحاديث ما رواه عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم)([158])

وهذا الحديث واضح في الدلالة على علاقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمته، وعدم اقتصارها على حياته الدنيوية، وقد اتفق أكثر المحدثين على تصحيحه، فقد رواه البزار في مسنده ([159]) بإسناد رجاله رجال الصحيح، كما نص على ذلك الحافظ نور الدين الهيثمي([160])، وقال الحافظ السيوطي: سنده صحيح([161])، وقال الحافظان العراقيان – الزين وابنه ولي الدين –: (إسناده جيد)([162])، وروى الحديث ابن سعد بإسناد حسن مرسل([163]).

وقد ألف فيه المحدث الكبير عبد الله بن الصديق الغماري جزءا حديثيا خاصا سماه (نهاية الآمال في صحة وشرح حديث عرض الأعمال) قرظه له شقيقه الحافظ السيد أحمد بن الصديق الغماري الحسني، وذكر فيه بتفصيل كلمات من صححوه من أمثال الحافظ النووي، والحافظ ابن التين، والقرطبي، والقاضي عياض، وابن حجر العسقلاني، والحافظ زين الدين العراقي، وولده الحافظ ولي الدين العراقي أبو زرعة، والحافظ السيوطي، والحافظ الهيثمي كما في (مجمع الزوائد)، والمناوي في (فيض القدير)، والحافظ المحدث السيد أحمد الغماري، وعبد الله بن الصديق وغيرهم كثير.

بالإضافة إلى هذا، فقد أكد هذا الحديث بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله عز وجل إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي فأهلكها وهو ينظر فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره)([164])

بل إن المحدث الكتاني ذكر تواتر ذلك، فقد قال في [نظم المتناثر]: (قال السيوطي في مرقاة الصعود: تواترت بحياة الأنبياء في قبورهم الأخبار، وقال في [إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء] ما نصه: (حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قبره هو وسائر الأنبياء معلومة عندنا علما قطعيا، لما قام عندنا من الأدلة في ذلك، وتواترت بها الأخبار الدالة على ذلك، وقد ألف الأمام البيهقي رحمه الله تعالى جزءا في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم)، وقال ابن القيم في كتاب الروح: (صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس، وفي السماء خصوصا بموسى، وقد أخبر بأنه: (ما من مسلم يسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام)، إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء وذلك كالحال في الملائكة، فإنهم أحياء موجودون ولا نراهم)([165])

ويدل لهذا أيضا ما رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (والذي نفس أبي القاسم بيده لينزلن عيسى بن مريم إماما مقسطا وحكما عدلا، فليكسرن الصليب ويقتلن الخنزير وليصلحن ذات البين وليذهبن الشحناء وليعرضن المال فلا يقبله أحد، ثم لئن قام على قبري فقال يا محمد لأجبته)، وقد رواه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة، وسلمه الذهبي ([166]).

وهذه النصوص وغيرها، لا تدل على اقتصار هذا الجزاء على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل إنها تدل على شموله لكل ورثته الصادقين الذين عاشوا حياتهم جميعا يحملون نفس حرصه واهتمامه بالأمة، ولذلك يتاح لهم من التأثير ما يتاح له صلى الله عليه وآله وسلم.

ونحب أن ننبه هنا إلى أن صلة المقربين أو غيرهم بالحياة الدنيا، لا تتنافى مع كونهم في الجنة، أو غيرها، ذلك أن ما نعرفه من كون الشخص لا يكون في مكانين في نفس الوقت مرتبط بالحياة الدنيا، وقوانينها، أما الحياة الأخرى، فلها قوانينها الخاصة بها.

وقد دلت النصوص على إمكانية أن يكون الشخص هناك في مكانين أو عدة أمكنة في نفس الوقت.. بل دلت على أنه يمكن أن يستمع لملايين الناس، ويرد عليهم في نفس الوقت، مثلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نفسه، أنه يرد السلام على من سلم عليه..وقد يكون أولئك المسلّمون بالملايين، وفي نفس الوقت..

وذلك لا يعني انشغال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالتسليم، بل يعني أنه يمارس ذلك الدور مع غيره من الأدوار في نفس الوقت، مثلما تقوم أجهزتنا الحسية بالقيام بأعمالها من دون أن يطغى بعضها على بعض، ففي وقت واحد نسمع بآذاننا، ونرى بعيوننا، ونشم بأنوفنا، ويمارس قلبنا وجميع أجهزتنا أدوارها بكل دقة من غير أن يطغى بعضها على بعض، أو يمنع بعضها بعضا.

وقد ورد في حديث الإسراء أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم الأنبياء، وصلى بهم، وفي نفس الوقت رآهم في السموات، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (.. وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى عليه السلام قائم يصلى، فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى ابن مريم عليه السلام قائم يصلي، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلى أشبه الناس به صاحبكم ـ يعني: نفسه ـ فحانت الصلاة فأممتهم)([167])

وعن ابن عباس قال: (فلما دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسجد الأقصى قام يصلي، فالتفت، ثم التفت فإذا النبيون أجمعون يصلون معه)([168])

ب ـ التواصل المحدود:

وهو التواصل الخاص بأهل اليمين، أو بالمؤمنين الذي لم ترق هممهم إلى همم المقربين والمنعم عليهم، وهؤلاء لهم تواصل أيضا مع أهل الحياة الدنيا، ولكنه محدود بقدر هممهم.

وقد أقر بهذا التواصل كل العلماء بما فيهم المنكرون للتوصل المؤثر، فقد ذكر ابن القيم إجماع السلف على ذلك، حيث قال: (والسلف مجمعون على هذا، وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به) ([169])

ثم ساق أمثلة كثيرة عن ذلك منها ما رواه عن ابن أبى الدنيا في [كتاب القبور] في باب [معرفة الموتى بزيارة الأحياء]، ومنها أن ما رواه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم)([170])

ومنها ما روي أن بعضهم سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (يا رسول الله! إنّ طريقي على الموتى، فهل من كلام أتكلم به إذا مررت عليهم؟)، فقال: (قل السّلام عليكم يا أهل القبور من المسلمين والمؤمنين، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون)، فقيل له: (يا رسول الله؛ يسمعون؟)، قال: (يسمعون، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا). قال: (يا أبا رزين؛ ألا ترضى أن يردّ عليك من الملائكة)([171])

وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما من أحد يمرّ على قبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا يسلّم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام)([172])

وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم وقف على مصعب بن عمير حين رجع من أحد، فوقف عليه وعلى أصحابه، فقال: (أشهد أنكم أحياء عند الله، فزوروهم، وسلّموا عليهم، فو الذي نفسي بيده لا يسلّم عليهم أحد إلا ردّوا عليه إلى يوم القيامة)([173])

وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما من رجل يزور قبر أخيه، ويجلس عنده، إلا استأنس وردّ عليه، حتى يقوم)([174])

ومنها ما رواه عن رجل من آل عاصم الجحدرى قال: رأيت عاصما الجحدرى في منامى بعد موته بسنتين فقلت: أليس قدمت قال: بلى قلت: فأين أنت؟ قال: أنا والله في روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المزنى فنتلقى أخباركم، قال: قلت: أجسادكم أم أرواحكم؟ قال: هيهات بليت الاجسام وإنما تتلاقى الأرواح، قال: قلت: فهل تعلمون بزيارتنا إياكم؟ قال: نعم نعلم بها عشية الجمعة كله ويوم السبت إلى طلوع الشمس، قال: قلت: فكيف ذلك دون الأيام كلها قال لفضل يوم الجمعة وعظمته) ([175])

وغيرها من النصوص الكثيرة التي تبين الصلة الوثيقة بين المؤمنين في البرزخ مع إخوانهم المؤمنين في الدنيا.

وهذه الصلة ـ كما تشير النصوص الكثيرة ـ ليست صلة عادية فقط، وإنما هي صلة مؤثرة من الجهتين، أي أن الموتى يمكنهم أن ينفعوا الأحياء، والأحياء يمكنهم أن ينفعوا الموتى.

أما نفع الموتى للأحياء، فيشير إليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيراً استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا)([176])

وأما انتفاع الموتى بالأحياء، فله أدلة كثيرة جدا، واختلفت الأمة فيه بين من يجعله محدودا، وفي طاعات محدودة جدا، ويمثله من يحاولون قطع صلة الأحياء بالموتى، ويؤولون كل النصوص الواردة في ذلك، وبين من يرى اتساع ذلك لكل الأعمال الصالحة.

وقد أشار ابن القيم إلى الأقوال الواردة في ذلك، فقال جوابا على سؤال يقول (هل تنتفع أرواح الموتى بشيء من سعى الأحياء أم لا؟): (الجواب أنها تنتفع من سعى الأحياء بأمرين مجمع عليهما بين أهل السنة من الفقهاء وأهل الحديث والتفسير، أحدهما ما تسبب إليه الميت في حياته، والثاني دعاء المسلمين له واستغفارهم له والصدقة والحج على نزاع ما الذي يصل من ثوابه هل ثواب الإنفاق أو ثواب العمل، فعند الجمهور يصل ثواب العمل نفسه، وعند بعض الحنفية إنما يصل ثواب الإنفاق، واختلفوا في العبادة البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر فمذهب الإمام أحمد وجمهور السلف وصولها وهو قول بعض أصحاب أبى حنيفة نص على هذا الإمام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال قال قيل لأبى عبد الله الرجل يعمل الشيء من الخير من صلاة أو صدقة أو غير ذلك فيجعل نصفه لأبيه أو لأمه قال أرجو أو قال الميت يصل إليه كل شيء من صدقة أو غيرها وقال أيضا اقرأ آية الكرسي ثلاث مرات وقل هو الله أحد وقل اللهم إن فضله لأهل المقابر والمشهور من مذهب الشافعي ومالك أن ذلك لا يصل، وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام أنه لا يصل إلى الميت شيء البتة لادعاء ولا غيره)([177])

وقال ابن قدامه رحمه الله: (وأي قربة فعلها، وجعل ثوابها للميت المسلم، نفعه ذلك، إن شاء الله، أما الدعاء، والاستغفار، والصدقة، وأداء الواجبات، فلا أعلم فيه خلافا، إذا كانت الواجبات، مما يدخله النيابة)([178])

وقال المحقق الحلي: (كل ما يفعله الحي من القُرَب يجوز أن يجعل ثوابها للميت، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعمرو بن العاص: لو كان أبوك مسلماً فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه، بلغه ذلك، ومن طريق الأصحاب ما رواه عمر بن يزيد عن الإمام الصادق: يُصَلَّى عن الميت؟فقال: (نعم، حتى أنه يكون في ضيق فيُوسع عليه)، ويقال له: (خُفف عنك بصلاة أخيك عنك)، وقال: (من عمل من المسلمين عن ميت عملاً صالحاً، أضعف له أجره، ونفع الله به الميت)([179])

وقد حاول الشهيد الثاني في كتابه [ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة] جمع الأدلة الكثيرة على ذلك ردا على المخالفين، ومنها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]، وقوله: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19]

وهكذا استدل بما روي أن امرأة من جُهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إن أُمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتـى ماتت، أفأحجُّ عنهـا؟ قال: (نعـم، حُجِّي عنها، أرأيت لو كان على أمّك دينٌ، أكنتِ قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء)([180])

ومثله ما روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: (نَعَمْ)([181])

وروى عن الإمام الصادق قوله: (إن الميت يفرح بالترحم عليه والإستغفار له، كما يفرح الحي بالهدية تهدى إليه)، وعنه قال: (ستة تلحق المؤمن بعد وفاته: ولد يستغفر له، ومصحف يخلفه، وغرس يغرسه، وصدقة ماء يجريه، وقليب يحفره، وسنة يؤخذ بها من بعده)، وقال: (من عمل من المسلمين عن ميت عملاً صالحاً، أضعف له أجره ونفع الله عز وجل به الميت) ([182])

وروى أنه سئل: يصل إلى الميت الدعاء والصدقة والصلاة ونحو هذا؟ فقال: (نعم)، فقيل له: أو يعلم من صنع ذلك به؟ قال: نعم.. يكون مسخوطاً عليه، فيُرضى عنه)

وروى عنه قوله: (إن الصلاة والصوم والصدقة والحج والعمرة، وكل عمل صالح، ينفع الميت. حتى أن الميت ليكون في ضيق فيوسع عليه، ويقال إن هذا بعمل ابنك فلان، وبعمل أخيك فلان، أخوه في الدين)

وروى عن الإمام الكاظم أنه سئل عن الرجل يحج ويعتمر ويصلي ويصوم ويتصدق عن والديه وذوي قرابته؟ قال: (لا بأس به، يؤجر فيما يصنع، وله أجر آخر بصلته قرابته)، فقيل له: وإن كان لا يرى ما أرى وهو ناصب؟ قال: (يخفف عنه بعض ما هو فيه)

وهذه الأحاديث والروايات تدل على مدى اتساع الرحمة الإلهية التي تجعل للميت الفرص الكثيرة التي تعوض عن كثير من التقصير الذي وقع فيه، وخاصة إن أوصى بذلك، أو ترك من الأولاد الصالحين من يقوم بذلك.

2 ـ البرزخ.. والانقطاع عن الحياة الدنيا:

ورد في النصوص المقدسة ما يدل على ذلك الانقطاع الذي يعاقب به الحريصون على الحياة الدنيا، والذين أضاعوا دينهم بسببها، ويشير إليه من القرآن الكريم قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ } [المطففين: 7 – 10]

والذي فسره ذلك الحديث الذي يصف ما يحصل للظلمة والكفار عند موتهم، ففيه قال صلى الله عليه وآله وسلم: (وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى)([183])

وعن الإمام الصادق أنه سئل عن أرواح المشركين فقال: (في النار يعذبون يقولون: ربنا لا تقم لنا الساعة، ولا تنجز لنا ما وعدتنا، ولا تلحق آخرنا بأولنا)([184])

وكما ذكرنا سابقا، فإن هذا لا نستطيع تعميمه على كل الأحوال، لأنه قد يكون من مقاصد العدالة والتربية والجزاء الإلهي أن يريه من الدنيا ما يؤدب به.

وقد روي في ذلك عن الإمام الصادق قوله: (إن المؤمن ليزور أهله فيرى ما يحب، ويستر عنه ما يكره. وإن الكافر ليزور أهله فيرى ما يكره ويستر عنه ما يحب. قال: ومنهم من يزور كل جمعة، ومنهم من يزور، على قدر عمله)([185])

وقال: (ما من مؤمن ولا كافر إلا وهو يأتي أهله عند زوال الشمس، فإذا رأى أهله يعملون بالصالحات، حمد الله على ذلك، وإذا رأى الكافر أهله يعملون بالصالحات كانت عليه حسرة) ([186])


([1]) مصنف ابن أبي شيبة 6/170 ح(30425)، المعجم الكبير للطبراني 3/266 ح(3367)

([2]) معرفة المعاد، ج‏1، ص: 40.

([3]) المرجع السابق، ج‏1، ص: 40.

([4]) نقلا عن: بحار الأنوار: 7 / 229.

([5]) رواه الترمذي (3127)

([6]) إحياء علوم الدين (3/ 25)

([7]) المرجع السابق، (3/ 25)

([8]) مسند أحمد 23/97 ح(14784 البخاري في “الأدب المفرد” (732)، والخرائطي في “مساوئ الأخلاق” (189)

([9]) تفسير الأمثل (20/ 198)

([10]) تفسير ابن كثير ت سلامة (8/ 312)

([11]) كنز العمال 2: 545 ح4686.

([12]) تفسير الرازي (20/ 202)

([13]) عيون أخبار الرضا: 1 / 274.

([14]) بحار الأنوار: 6 / 154.

([15]) من الأمثلة على تلك الرويات ما روي عن عائشة: (أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت بين يديه رَكْوَة، أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات، ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قبض ومالت يده) (رواه البخاري (6510)

ومنها ما روي عنها أنها قالت: (مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد أبداً بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم) (رواه البخاري (4446)

وعنها قالت: (ما أغبط أحداً بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) (رواه الترمذي (979)

([16]) المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء، ج‏8، ص: 282.

([17]) رواه أحمد (7953)، والترمذي (1668)، والنسائي (3161)، وابن ماجة (2802)، وابن حبان (4655)، والبيهقي (18525)

([18]) فيض القدير (4/ 182)

([19]) البداية والنهاية” (5/256)

([20]) رواه ابن ماجه (3456)، وأحمد (2/ 364) (8754)، والطبري في (مسند عمر) (2/ 503) وقال: إسناده صحيح

([21]) رواه أحمد 2/ 252 (7423) وفي 2/ 476 (10175)، والبخاري: 5355 وأبو داود: 1676..

([22]) التخريج السابق.

([23]) رواه أبو داود (4753)، وأحمد (4/ 287) (18557)

([24]) رواه النسائي (4/ 8)، وابن حبان (7/ 284) (3014)، والحاكم (1/ 504) وقال: سنده صحيح.

([25]) رواه الحاكم (3/ 209 – 210 و212) ورواه الطبراني في الأوسط مختصراً -كما في مجمع الزوائد (9/ 272)

([26]) من الأحاديث الواردة في ذلك ما روي عن مسروق قال: سألنا عبدالله (هو ابن مسعود) عن هذه الآية: { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } [آل عمران: 169]، قال: أَمَا إنَّا سألنا عن ذلك، فقال: (أرواحُهم في جوفِ طيرٍ خُضْر، لها قناديل معلَّقة بالعرش، تسرحُ من الجنة حيث شاءتْ، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربُّهم اطلاعةً، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي، ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يَسْأَلوا، قالوا: يا رب، نريد أن تردَّ أرواحَنا في أجسادِنا حتى نقتلَ في سبيلك مرةً أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُركوا)[مسلم (1887)]

ومنها ما روي عن أم هانئ أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنتزاور إذا متْنَا، ويرى بعضنا بعضًا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (تكون النسم طيرًا تعلق بالشجر، حتى إذا كانوا يوم القيامة دخلتْ كل نفس في جسدِها)[رواه أحمد (27387)]

([27]) رواه وأبو داود في سننه، (5/ 93)، والدارمي في الرد على بشر المريسي: ص 448…

([28]) بحار الأنوار: 6 / 269، الحديث 122 و126.

([29]) بحار الأنوار: 6 / 268.

([30]) بحار الأنوار: 6 / 270.

([31]) الكافي:2/248.

([32]) الخصال: ج2 ص635.

([33]) معاني الأخبار: ٢٨٩ ح 6..

([34]) ابن أبي الدنيا، (الموت) (ص: 69)

([35]) رواه ابن سعد في (الطبقات الكبرى) (4/ 260)

([36]) إحياء علوم الدين (4/ 461)

([37]) اعتقادات الصدوق، 29.

([38]) رواه أبو داود (4753)، وأحمد (4/ 287) (18557)

([39]) إحياء علوم الدين (4/ 2)

([40]) أحمد 2/372(8831)

([41]) الكافي 3/242.

([42]) صحيح البخاري برقم (4699)

([43]) رواه أحمد (4/287) وسنن أبي داود برقم (4753) وسنن النسائي برقم (4/78) وسنن ابن ماجة برقم (1548)

([44]) رواه أحمد (4/287) وسنن أبي داود برقم (4753) وسنن النسائي برقم (4/78) وسنن ابن ماجة برقم (1548)

([45]) الشيرازي، رياض السالكين، ج 2، ص 66 – 67..

([46]) رواه أحمد(3/346)

([47]) تنزيه الشريعة للكتاني/372.

([48]) صحيح مسلم(8/161)

([49]) التمهيد (22/252)

([50]) سبل السلام (2/113)

([51]) الكافي الكليني (3/ 284)

([52]) الكافي (3/239)

([53]) بحار الأنوار: 6 / 223.

([54]) إحياء علوم الدين (4/ 23)

([55]) المرجع السابق، (4/ 23)

([56]) المرجع السابق، (4/ 23)

([57]) المرجع السابق، (4/ 24)

([58]) المرجع السابق، (4/ 24)

([59]) المرجع السابق، (4/ 25)

([60]) المرجع السابق، (4/ 25)

([61]) المرجع السابق، (4/ 26)

([62]) المرجع السابق، (4/ 26)

([63]) المرجع السابق، (4/ 26)

([64]) رواه أبو نُعَيْم في صفة الجنة (21 / 2)

([65]) الاختصاص: ٢٥٢، وورد باختلاف في ألفاظه في أمالي الطوسي ٢: ٨٩.

([66]) مسلم بشرح النووي جـ 9 صـ 224.

([67]) إحياء علوم الدين (4/ 500)

([68]) المرجع السابق، (4/ 500)

([69]) المرجع السابق، (4/ 500)

([70]) رواه البخاري (4651) ومسلم (2955)

([71]) سنن أبي داود ج4 الحديث رقم 4743.

([72]) صحيح ابن حبان ج5/55.

([73]) الكافي:3/251.

([74]) إحياء علوم الدين (4/ 501)

([75]) الإعتقادات للصدوق/53.

([76]) رواه البيهقي في الزهد الكبير (515) من قول سهل التستري، ورواه أبو الفضل الزهري في حديثه (710) من قول بشر بن الحارث..

([77]) إحياء علوم الدين (4/ 501)

([78]) المرجع السابق، (4/ 501)

([79]) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي جـ 2 صـ 163.

([80]) صحيح مسلم 4/1994 ح(2577)

([81]) رواه أبو داود (4753)، وأحمد (4/ 287) (18557)، والبيهقي في (شعب الإيمان) (1/ 300)

([82]) رواه أبو داود (4753)، وأحمد (4/ 295) (18637)

([83]) البرهان: 4 / 87.

([84]) بحار الأنوار: 175:77.

([85]) بحار الأنوار: 7 / 197.

([86]) بحار الأنوار (6/ 235)

([87]) انظر: مفاهيم القرآن،.8/332، فما بعدها.

([88]) الكافي 8: 61..

([89]) تفسير القمى 2: 434..

([90]) بحار الأنوار: 7 / 229.

([91]) رسالة تجسم الأعمال، ص85.

([92]) رسالة تجسم الأعمال، ص: 89.

([93]) المرجع السابق.

([94]) المبدأ والمعاد: 341.

([95]) المبدأ والمعاد: 343..

([96]) المرجع السابق، 341.

([97]) دائرة المعارف البريطانية: 6 / 894.

([98]) مفاهيم القرآن، 8/347.

([99]) المرجع السابق، 8/347.

([100]) المرجع السابق، 8/348.

([101]) مفاهيم القرآن، 8/349.

([102]) رواه البخاري حديث: 1386.

([103]) رواه البخاري حديث: 1386.

([104]) رواه النسائي (4/ 100)، والطبراني (6/ 10) (5340)

([105]) رواه أحمد(6/ 98) (24707)، والبيهقي في (شعب الإيمان) (1/ 358) (396)

([106]) رواه الطبراني في (المعجم الكبير) (10/ 334) (10849)، وفي (المعجم الأوسط) (6/ 349) (6593)

([107]) رواه الطبراني في (المعجم الكبير) (4/ 121) (3859)، وفي (المعجم الأوسط) (3/ 146) (2753)، وابن عدي في (الكامل) (2/ 322)

([108]) إعانة الطالبين (2/164)

([109]) السيرة الحلبية:2/673.

([110]) شرح النسائي(4/103)

([111]) معالم التنزيل للبغوي (3/235)

([112]) تفسير الثعلبي (6/265)

([113]) علل الشرائع(1/309)

([114]) الكافي (3/236)

([115]) الكافي (3/130)

([116]) المستدرك على الصحيحين للحاكم (1/ 535)

([117]) نقلا عن: أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور، لابن رجب، (ص: 31)

([118]) نقلا عن: المرجع السابق، (ص: 31)

([119]) رواه الترمذي (2891) وأبو داود (1400) وابن ماجه (3786)

([120]) رواه النسائي (6 / 179)

([121]) رواه مسلم (804)

([122]) المفيد في الإختصاص/349.

([123]) رواه الشيخ الطوسي في التهذيب(1/466)

([124]) الروح لابن القيم، ص101..

([125]) صحيح مسلم 4/1996 ح(2578)

([126]) رواه أبو نعيم في (الحلية) (6/267-268)، وابن عساكر في (تاريخه) (37/214)، وأورده الديلمي في (مسند الفردوس) (1/285/1117)

([127]) البخاري (1374)

([128]) رواه البخاري (4623)

([129]) رواه الترمذي [رقم: 2616] وقال: حديث حسن صحيح..

([130]) البعث والنشور للبيهقي 1/146 ح(188)

([131]) سنن أبي داود 4/269 ح(4878)

([132]) رواه البيهقي في شعب الإيمان، 5/2301.

([133]) رواه البخاري (218) ومسلم (292)

([134]) رواه البخاري (7074)

([135]) رواه البخاري (7076)

([136]) البخاري حديث: 1386.

([137]) الغلول: هو أخذ الغازي شيئا من الغنيمة دون عرضه على ولي الأمر لقسمته.

([138]) البخاري (4234) ومسلم (115)

([139]) المحجن: عصا معوجة الرأس.

([140]) رواه مسلم (904)

([141]) رواه أحمد (16776) وابن ماجه (2/82)

([142]) رواه ابن حبان والحاكم (1/290،210)

([143]) رواه أحمد (3/120)

([144]) رواه البيهقي في شعب الإيمان، انظر: صحيح الجامع (128)

([145]) علل الشرائع: 2/600، والكافي:3/247.

([146]) الجهاد لابن أبي عاصم 2/494 ح(185)، مستخرج أبي عوانة 4/462 ح(7345)

([147]) رواه الحاكم (3/ 209 – 210 و212) ورواه الطبراني في الأوسط مختصراً -كما في مجمع الزوائد (9/ 272)

([148]) الروح (ص: 5)

([149]) رواه الترمذي (1071)

([150]) رواه أحمد 20/38 ح(12579)، وأبو يعلي (3390)، والطبراني في الأوسط (5490)

([151]) قال في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (2/ 327): رواه الطبراني في الكبير والأوسط.

([152]) أخرج هذه الرواية ابن الجوزي في (مثير العزم الساكن إلىٰ أشرف الأماكن) وابن عساكر في (تاريخ دمشق) والقسطلاني بأسانيدهم، انظر: شفاء السقام: 62 – 63، مختصر تاريخ دمشق 2: 408، والمواهب اللدنية 4: 583.

([153]) نيل الأوطار 3/ 105.

([154]) شفاء السقام: 81 – 82..

([155]) معجم الطبراني 9/ 220، قال الهيثمي 7/ 71: (رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح)

([156]) رواه أحمد في المسند (4 / 138)، والترمذي (تحفة 10 / 132، 133)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (ص 417)، وابن ماجة في السنن (1 / 441) والبخاري في التاريخ الكبير (6 / 210) والطبراني في المعجم الكبير (9 /19)، وفي الدعاء أيضاً (2 / 1289) والحاكم في المستدرك (1 / 313، 519) وصححه وسلمه الذهبي والبيهقي في دلائل النبوة (6 / 166)، وفي الدعوات الكبير.

([157]) المعجم الكبير للطبراني:9/30 و31.

([158]) رواه البزار (كشف الأستار 1/397) قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (9/24) رجاله رجال الصحيح.

([159]) كشف الأستار عن زوائد البزار (1/397)

([160]) مجمع الزوائد (9/24)

([161]) الخصائص الكبرى (2/281)

([162]) طرح التثريب (3/297)

([163]) الطبقات (2/194)، وانظر: فيض القدير (3/401)

([164]) صحيح مسلم 4/1791 ح(2288)

([165]) نظم المتناثر 135 (حديث رقم 115)

([166]) المستدرك (2/595)

([167]) رواه مسلم (172)

([168]) رواه أحمد (4 / 167)

([169]) المرجع السابق، ص6.

([170]) المرجع السابق، ص6.

([171]) خرّجه العقيلي‏ في (الضعفاء) (4/ 1191/ ترجمة: 1576- الصميعي).

([172]) قال ابن رجب: رواه ابن عبد البر، وقال عبد الحق الإشبيلي: إسناده صحيح. يشير إلى أن رواته كلهم ثقات، أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور، ص: 81.

([173]) أخرجه الحاكم (2/ 248) وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين) وتعقبه الذهبي بقوله: (كذا قال؛ وأنا أحسبه موضوعا، وقطن لم يرويا له، وعبد الأعلى لم يخرجا له).

([174]) ابن أبي الدنيا في كتاب (القبور)، وكتاب (من عاش بعد الموت)، رقم (41)

([175]) المرجع السابق، ص6.

([176]) قال في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (2/ 327): رواه الطبراني في الكبير والأوسط..

([177]) الروح (ص: 117)

([178]) المغني (2/226)

([179]) المعتبر(1/340)

([180]) رواه البخاري 2/656، حديث رقم (1754)، ومسلم 2/804، حديث رقم (1148)

([181]) رواه البخاري (1388)، ومسلم (1004)

([182]) الشيعة في أحكام الشريعة (2/66)

([183]) رواه أبو داود (4753)، وأحمد (4/ 287) (18557).

([184]) الكافي (3/245)

([185]) الكافي (3/230)

([186]) الكافي (3/231)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *