الفصل الثالث: المعاد.. وتجليات العدالة

الفصل الثالث

المعاد.. وتجليات العدالة

من أهم الحقائق الوجودية التي لا يمكن فهم النشأتين الأولى والأخرى إلا من خلالها ما يمكن أن نطلق عليه قانون [البدء والإعادة]، وهما قانونان متجليان في كل شيء، وينطلقان من كون الله تعالى [مبدئا معيدا]

فهذان الاسمان من أسماء الله الحسنى يحلان الإشكالات والعقد الكثيرة المرتبطة بحقائق هذه النشأة الدنيوية المبدئية البسيطة، وحقائق تلك النشأة الأخروية التي يتحقق فيها المعاد، بصورته المثالية، المستندة لتجليات الأسماء الحسنى.

وعدم فهم هذين الاسمين، والحقائق المرتبطة بهما، يجعل من المعاد وحقائقه وتجلياته المختلفة مجرد مظاهر متنافرة لا شيء يجمع بينها.

وحتى نبسط هذا المفهوم لعقولنا البسيطة مع الاحتفاظ بقدسية الله وتعاليه عن ضرب الأمثال، ومع بيان أن الأمثال لا يؤخذ بها من جميع النواحي، بل يكتفى فيها بالجهة التي ضرب من أجلها فقط، نذكر أنه لو أعطي الإنسان فرصتان.. فرصة نسميها البداية، وفرصة نسميها المعاد.

أما في فرصته الأولى، فتضطره الظروف لأن يسكن بلدة بعينها، ويكون له جيران، وتكون له وظيفة تبنى على أساس تكوين علمي معين.. ويكون له هوى لأطعمة معينة، أو غيرها، وقد يحصل له في هذه الفترة أمراض بسبب ذلك.. وقد يحصل له مشاكل بسبب تصرفات تصرفها.

وبعد أن تنتهي هذه الفرصة الأولى.. يقال له: منحناك فرصة أخرى.. ولحياة جديدة، تكون فيها بكامل صحتك ووعيك وعقلك.. وأنت فيها بالخيار بين أن تعيد نفس الحياة السابقة، أو تبدأ حياة جديدة، ومع جميع الخيارات التي تريد.

فمن البديهي لكل عاقل تتاح له هذه الفرصة أن يبني حياته الجديدة، وفق الدروس التي استفادها من حياته الأولى.. فإن كان له في فرصته الأولى، أو مبدئه أصدقاء خانوه، وآخرون وفوا له، فإنه لاشك سيختار في فرصته الثانية الأصدقاء الذين وفوا له، وكانوا متناسبين مع طبيعته..

وهكذا في اختياره لبيته وجيرانه ووظيفته وتخصصه الدراسي.. وهو في كل شيء، ومع كل قرار، يستفيد من كل ما فاته في فرصته السابقة.

بل إنه يتدارك صحته قبل أن يحل به المرض الذي حل به في فرصته الأولى، فيتجنب كل ما يسببه، ويتجنب معه كل الأسباب التي جعلته يقع في مشاكل مع محيطه أو غيره.

والخلاصة أن حياته الثانية ستكون أكثر مثالية وجمالا من حياته الأولى، لأنه استطاع أن يستفيد من كل تجاربه السابقة.

بناء على هذا، فإن اسم الله تعالى [المعيد]، يعني وضع حياة جديدة للذين يريد إعادتهم، تتشكل وفق رغباتهم وأهوائهم والمباني التي بنيت عليها نفوسهم، والتي أسسوها بمحض رغبتهم وحريتهم طيلة الفترة التي أتيحت لهم فيها كل الفرص.

وعندما نعود للقرآن الكريم ـ بصحبة هذا المثال التقريبي ـ لتأمل ما ورد فيه حول هذين الاسمين، أو حول هذا الاسم المركب، والقوانين المرتبطة به، نجد هذا المعنى واضحا جليا.

ومن الأمثلة على ذلك، ما ورد في سورة البروج، فقد ذكر فيها هذان الاسمان مرتبطان بفعل الله تعالى، قال تعالى: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} [البروج: 13]، وكأنهما تعللان سر تلك الفتنة التي حصلت للمؤمنين، والبطش الشديد الذي حل بهم من طرف أولئك الطغاة المستبدين..

وكأنها تذكر بأن من مقتضيات البداية أن تكون بذلك الشكل لتتميز الأنواع، ويختار كل صنف ما يشتهي، وبعد الإعادة يتحقق التمييز، وينال كل صنف ما أسس عليه شخصيته في حياته الأولى.

ولذلك يمكننا أن نقرأ هذه الآيات الكريمة، لنرى فيها العزاء الإلهي للمؤمنين، والتحذير الإلهي للمستبدين، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) } [البروج: 10 – 17]

وهذا المعنى نراه في قوله تعالى: { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ الله حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [يونس: 4]، فالآية الكريمة واضحة في بيان سر الإعادة، وأنه إعطاء كل شيء ما يستحقه مما يتناسب مع طبيعته.

وانطلاقا من هذا المعنى فإن كل الثغرات التي تكون في المبدأ تُصلح في المعاد، ولهذا سمى الله تعالى هذه الحياة بالحياة الدنيا، باعتبارها مجرد بداية، أو مجرد فرصة للجميع، ليختاروا فيها ما يتناسب مع طبائعهم.

وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر بشاة ميتة شائلة برجلها، فقال: (أترون هذه هينة على صاحبها؟ فوالذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها، ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرا منها قطرة أبدا)([1])

وروي عن الإمام الصادق أنه قال: (لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله عز وجل ما مدوا أعينهم إلى ما متع الله به الاعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها وكانت دنياهم أقل عندهم مما يطؤونه بأرجلهم، ولنعموا بمعرفة الله عز وجل وتلذذوا بها تلذذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله، إن معرفة الله عز وجل انس من كل وحشة، وصاحب من كل وحدة، ونور من كل ظلمة، وقوة من كل ضعف، وشفاء من كل سقم) ([2])

وقبل ذلك وصف الله تعالى الدنيا بالهوان، وأنها مجرد دار للتمييز، ولذلك يختلط فيها الخبيث بالطيب، كما في قوله تعالى مقارنا بين الحياة الدنيا، أو حياة المبدأ، والحياة الآخرة، أو حياة المعاد: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } [آل عمران: 185]

وقال مخاطبا الذين تثاقلوا إلى الحياة الدنيا، جوابا على اعتراضهم الذي عبروا عنه بقولهم: {رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [النساء: 77]: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا } [النساء: 77]

وقال مقارنا بين كلا الحياتين: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } [الأنعام: 32]، وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة: 38]

بل إنه اعتبر الحياة الآخرة هي الحياة الحقيقية، لا هذه الحياة الدنيا، فقال: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64]

ولهذا فإن المعاملة في المعاد، ستكون وفق الخصائص التي اكتسبها الإنسان، أو شكل منها طبيعته في المبدأ، قال تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف: 51]

وبناء على هذا، فإن كل المواقف التي ذُكرت في النصوص المقدسة حول المعاد لا يقصد منها سوى تمييز الأصناف بعضها على بعض، بحيث ينزل كل صنف المحل المناسب لطبيعته.

وقد عبر هذا المعنى صدر المتألهين بقوله في تفسير قوله تعالى: { يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48]: (إن لجميع الموجودات الطبيعية حركة جوهرية ذاتية، وتحولاً من صورة إلى صورة حتى يقع لها الرجوع إلى الله بعد صيرورتها غير نفسها، بحسب الصورة السابقة، وتحولها إلى نشأة أخرى، ولو كانت هذه الطبائع ثابتة الجوهرية مستمرة الهوية، لم تنتقل هذه الدار إلى دار الآخرة، ولم تتبدل الأرض غير الأرض، ولا السماوات غير السماوات)([3])

وهذا يعني أن الإنسان في مرحلته الأولى أتيح له أن يرى أنماطا مختلفة من الناس، ومظاهر مختلفة من الحياة، ولكنه ـ بمحض رغبته ـ اختار نمطا معينا، وحياة معينة، ولذلك كان من مقتضيات العدالة والرحمة الإلهية، وقوانين المبدأ والمعاد، أن يوفر له عند إعادته كل ما كان يميل إليه، ويرغب فيه.

ولهذا الإشارة بقوله تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} (التكوير:7)، وقوله: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} (الصافات: 22)، وقوله: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً} (الفرقان:13)

فقد ورد في تفسير هذه الآيات أن المراد منه الجمع بين النظراء أو الأشكال منهم كل صنف إلى صنف([4])، وقد ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير الآية:(يقرن كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون كعمله)

وقال ابن عباس:(ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة، السابقون زوج – يعني صنفا – وأصحاب اليمين زوج، وأصحاب الشمال زوج)

وعنه أيضا:(قرن كل شكل بشكله من أهل الجنة وأهل النار، فيضم المبرز في الطاعة إلى مثله، والمتوسط إلى مثله، وأهل المعصية إلى مثله)

وقال ابن مسعود:(لو أن رجلاً قام بـين الركن والمقام يعبد الله سبعين سنة لبعثه الله يوم القيامة مع من يحب)

وقد بينت النصوص علة هذا التفريق بقوله تعالى:{ لِيَمِيزَ الله الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (لأنفال:37)

فالبشر في ذلك مثل الشوائب التي تختلط بالمعادن النفيسة، فإنها بعد عرضها على كير الامتحان يميز الذهب، فيوضع في أعناق الحسان، ويرمى بالشوائب إلى القمامات.

وبما أن ذلك التمييز يحتاج إلى أدوات تمييز، وموازين، ومقاييس تميز بها المعادن النفيسة ومراتبها، والمعادن الخسيسة ومراتبها، وخبراء يشرفون على كل ذلك، فقد وضع الله تعالى لدار المعاد كذلك من الموازين ما تقتضيه العدالة الإلهية، ولو أن الله تعالى قادر على التمييز بينهم من دون حاجة لتلك الموازين.. ولكن عدالة الله تأبى إلا أن تتعامل مع العباد وفق السنن، لتقيم الحجج عليهم.

وقد كان من مقتضيات تلك العدالة ذلك التمايز العظيم بين الخلق، والقائم على أساس صورة النفس التي تشكلت في الدنيا، ونوع المعدن الذي تمخضت عنه الأنا، يقول الغزالي: (الناس في الآخرة ينقسمون أصنافاً وتتفاوت درجاتهم ودركاتهم في السعادة والشقاوة تفاوتاً لا يدخل تحت الحصر كما تفاوتوا في سعادة الدنيا وشقاوتها ولا تفارق الآخرة في هذا المعنى أصلاً البتة، فإن مدبر الملك والملكوت واحد لا شريك له. وسنته الصادرة عن إرادته الأزلية مطردة لا تبديل لها) ([5])

وقد أشار إلى هذا التمايز الشديد قوله تعالى:{ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} (الاسراء:21) أي (ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من تفاوتهم الدنيا، فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها، ومنهم من يكون في الدرجات العلى ونعيمها وسرورها، ثم أهل الدركات يتفاتون فيما هم فيه، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون)

ولكن هذا التمييز يحتاج إلى محال كثيرة للتفريق بين الأصناف بعضها عن بعض، وسنحاول في هذا الفصل التعرف على هذه المحال، وعلاقتها بالعدل الإلهي، ذلك أن العدل يقتضي أن يوضع كل شيء في محله المناسب، ولا يجازى إلا بما يستحق.

وقد رأينا من خلال استقراء النصوص أن هناك محلين كبيرين لذلك التمييز:

أولهما ما يطلق عليه النشر والحشر: وهو ما ورد في النصوص الكثيرة من الأهوال التي يراها البشر عند قيام القيامة، لتثبت لهم من قدرة الله ما كانوا يجحدونه، ويروا بأعينهم الأدلة الحسية التي كانوا يطالبون بها.

ثانيهما الحساب والموازين والكتب والسراط وغيرها: والتي تعرض فيها الأعمال، وتقاس بالموازين المختلفة، حتى يميز بين البشر، وفق أعمالهم، وأحوالهم، ومواقفهم، وتوجهاتهم.

وسنشرح هذه المعاني، والنصوص المقدسة التي تدل عليها من خلال المباحث التالية:

أولا ـ النشر والحشر.. وتجليات العدالة:

بعد تلك الفترة الطويلة التي يمر بها أهل البرزخ، والتي يتلقون فيها دروسا كثيرة، ومن مختلف الأنواع، ومن أصناف مختلفين من الملائكة، كل حسب تخصصه، تقوم القيامة، وتقع الواقعة، ويفترق الناس ثلاث فرق كبرى، نص عليها قوله تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11)} [الواقعة: 1 – 11]

وهذه الآيات الكريمة تشير إلى بدء نشأة أخرى بعد انتهاء تلك النشأة بقسميها [الدنيوي والبرزخي]، يصنف الخلق على أساسها إلى أصنافهم الحقيقية، وفق موازين الله، لا وفق الموازين التي وضعوها بأهوائهم.

وقد ذكر القرآن الكريم أن من أهم خصائص هذه المرحلة أنها [خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ]، فهي تخفض المرتفعين المستكبرين، وتريهم صورهم الحقيقية التي كانوا يسترونها بكبريائهم وطغيانهم.

وفي نفس الوقت ترفع أولئك البسطاء الذين خفضهم الظلمة، واحتقرهم الناس، لتريهم صورهم الحقيقية الممتلئة بالجمال، والذي كان مغطى بذلك الوشاح الدنيوي الذي حال بين البشر ورؤيتهم.

وقد ورد في القرآن الكريم ما يشير إلى الكثير من القوانين التي تحكم ذلك العالم الجديد، والذي لن يكون خاضعا لما نعرفه في عالمنا من قوانين الفيزياء والاجتماع وغيرها..

حتى صور البشر في ذلك العالم لن تكون هي نفسها صورهم اليوم.. ذلك أن الحكم هناك للأعمال المتجسدة في كل شيء، حتى في الصور، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } [القيامة: 22 – 25]

وقال في موضع آخر:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42) } [عبس: 38 – 40]

وقال في موضع آخر:{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2)} [الغاشية: 1، 2]، وفي مقابلها: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) } [الغاشية: 8 – 10]

وقال في موضع آخر:{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ الله هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 106، 107]

ولذلك فإن كل معايير الجمال التي نراها في هذه الدنيا ترتفع هناك، حيث يصبح جمال الخُلق هو المؤثر في جمال الخلقة؛ فمن كان أحسن الناس خُلقا في الدنيا، فهو ملك جمال ذلك العالم، أما من عداه، فهو ممتلئ بالكدورة والغشاوة والغبرة.. لأنه انشغل بجسده عن روحه، وبقالبه عن قلبه.. ولذلك رأى وجهه هناك بصورته الحقيقية التي كان يسترها في الدنيا بألوان الطلاء.

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أن الأمر لا يرتبط فقط بالألوان، وإنما يرتبط بالقوالب الجسمية أيضا، تلك القوالب التي أشار إليها قوله تعالى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} [التكوير: 5]، وقوله: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا } [الفرقان: 34]

فقد ورد في الكثير من الأحاديث بيان ذلك، ووصف عجائب الصور التي يتحول إليها الظلمة والمجرمون بسبب جرائمهم.. ففي الحديث في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا } [الفرقان: 34]، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد أن رأى استغرابهم في ذلك وسؤالهم عنه ـ: (أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة)([6])

وقد علق ابن حجر على هذا الحديث بقوله ـ ردا على الذين حاولوا تأويله عن ظاهره ـ (قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أليس الذي أمشاه) ظاهر في أن المراد بالمشي حقيقته؛ فلذلك استغربوا حتى سألوا عن كيفيته) ([7])

ثم علل ذلك بقوله: (والحكمة في حشر الكافر على وجهه: أنه عوقب على عدم السجود لله في الدنيا، بأن يسحب على وجهه في القيامة؛ إظهارا لهوانه، بحيث صار وجهه مكان يده ورجله في التوقي عن المؤذيات) ([8])

ومثله ذكر ناصر مكارم الشيرازي الأقوال الكثيرة في المسألة، ورجح ظاهر النص القرآني، فقال: (أقوال كثيرة بين المفسّرين في ما هو المقصود بحشر هذه الفئة من المجرمين على وجوههم، بعضهم فسّروا ذلك بنفس معناه الحقيقي، وقالوا: إنّ ملائكة العذاب يسحبونهم إلى جهنم وهم ملقَون على وجوههم إلى الأرض، وهذا علامة على مهانتهم وذلتهم، لأنّهم كانوا في الدنيا في غاية الكبر والغرور والإستهانة بخلق الله، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تجسيد لضلالتهم في هذا العالم، ذلك أن من يسحبونه بهذه الصورة لا يرى ما أمامه بأي شكل، وغافل عما حوله، والبعض الآخر أخذوا بمعناه الكنائي، فقالوا تارة هذه الجملة كناية عن تعلق قلوب أولئك بالدنيا، فهم يسحبون إلى جهنم لأن وجوه قلوبهم لا زالت مرتبطة بالدنيا وقالوا تارةً اُخرى: إنها كناية مستعملة في الأدب العربي حيث يقولون: فلان مرَّ على وجهه، يعني أنّه لم يكن يدري أين يذهب.. لكن الواضح أنّنا مع عدم الدليل على المعنى الكنائي، لابدّ من حملها على المعنى الأوّل، وهو المعنى الحقيقي)([9])

وهكذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن صفة خلقة المستكبرين الظلمة، فقال: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر([10]) في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان)([11])، وفي رواية: (يبعث الله يوم القيامة ناساً في صور الذر يطؤهم الناس بأقدامهم، فيقال: ما هؤلاء في صور الذر؟ فيقال: هؤلاء المتكبرون في الدنيا) ([12])، وفي رواية: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال ؛ يغشاهم الذل من كل مكان ؛ يساقون إلى سجن في جهنم يقال له: (بولس)، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار: طينة الخبال)([13])

وهذا يتناسب تماما مع ذلك الخلق الذي شكلوا منه نفوسهم في الدنيا، وهو ما جعلهم يرون لها من الشرف والفضل ما ليس لغيرها؛ ولذلك كانوا يطالبون غيرهم أن ينحنوا لهم، ويذلوا بين أيديهم، ولهذا جازاهم الله بكأس الذل التي جرعوها لخلق الله، ليذوقوها، ويتأدبوا بتذوقها.

وهكذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هيئة أولئك الذين يذلون أنفسهم في الدنيا من غير حاجة، فيقفون بين يدي الأكابر والأصاغر يتسولون، ويمرغون كرامتهم، وربما يبيعون دينهم بسبب ذلك، فقال: (ما يزال الرجل يسأل الناس؛ حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم) ([14])، وقال: (من سأل وله ما يغنيه؛ جاءت خموشاً أو كدوحاً في وجهه يوم القيامة) ([15])، وقال: (لا يزال العبد يسأل وهو غني؛ حتى يخلق وجهه، فلا يكون له عند الله وجه) ([16])

وقد فسر الحديث بأنه (يحتمل أن يكون المراد أنه يأتي ساقطاً لا قدر له ولا جاه، أو يعذب في وجهه حتى يسقط لحمه، لمشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من الأعضاء، لكونه أذل وجهه بالسؤال، أو أنه يبعث ووجهه عظم كله؛ فيكون ذلك شعاره الذي يعرف به)، لكن الحفاظ على ظاهره هو الأصل الذي تدل عليه كل الأدلة.

وهكذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هيئة المختلسين والمرتشين واللصوص، والذين كانوا ينصبون في الدنيا من المحامين من يخرجهم من جرائمهم كما تخرج الشعرة من العجين، لكنهم في الدار الآخرة لا يملكون ذلك، لأن العدالة المطلقة هي التي تحكم ذلك العالم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء، فينادي: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل جملا له رغاء، فيقول: يا محمد، يا محمد. فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا له حمحمة، ينادي: يا محمد، يا محمد. فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قشعا من أدم، ينادي: يا محمد، يا محمد. فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك)([17])

وفي حديث آخر عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا من الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي. فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر فقال: (ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي. أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحد منكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته إن كان بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر)، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه ثم قال: (اللهم هل بلغت) ثلاثا([18])

وهو ما صرح به قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161]

هذه مجرد نماذج عن بعض الصور والمشاهد التي تدل على حقيقة ذلك العالم، وكونه مبنيا على صورة النفوس التي تشكلت في الدنيا، أو في مرحلة البرزخ.

ونفس الشيء ينطبق على القوانين والظواهر الطبيعية، حيث ستكون مختلفة تماما عما نراه من قوانين وظواهر، ذلك أنها لا تكون عامة، بل ترتبط بكل فرد، حسب طبيعته، والعمل الذي قام به في الدنيا.

ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في العرق الشديد الذي يصيب الخلائق، والذي يتفاوت بحسب أعمالهم، مع أن قوانين الدنيا لا تقبل ذلك، فالحر إن نزل أصاب الجميع، لكنه هناك يصيبهم بحسب أعمالهم.

ففي الحديث وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار الميل.. فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق. فمنهم من يكون إلى كعبيه. ومنهم من يكون إلى ركبتيه. ومنهم من يكون إلى حقويه. ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً) وأشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده إلى فيه) ([19])

وهذا لا يعني أن المراد بالشمس في هذا الحديث هي هذه الشمس التي نعرفها، وإنما هو مثل تقريبي، فالكون حينذاك يختلف تماما عن الصورة التي نراه بها اليوم، كما قال تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48]

وفي نفس الوقت الذي يمتلئ فيه أولئك بالعرق والحر الشديد، يخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أحوال المؤمنين الصادقين الذين تحملوا حر المجاهدات في الدنيا، ولذلك جازاهم الله تعالى بالظل الظليل في الآخرة، قال صلى الله عليه وآله وسلم في الترغيب في ذلك الظل: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً، ففاضت عيناه) ([20])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟)، قالوا: الله ورسوله أعلم: قال: (الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سألوه بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم)([21])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من أنظر معسراً أو وضع عنه، أظله الله في ظله)([22])

وهكذا أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن دور الصدقة في حماية صاحبها من ذلك الحر الشديد، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (الرجل فى ظل صدقته حتى يقضى بين الناس)([23])

وهكذا ورد في النصوص ما يدل على أن كل القوانين الاجتماعية التي نعرفها في الدنيا، تنهار هناك، حيث {يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } [عبس: 34 – 37]

بل إن الأمر أخطر من ذلك كله، فقد ورد في النصوص المقدسة ما يذكر تلك المشاهد التي تصور كيف يساق المستبدون الظلمة، وأمام الناس جميعا، بالأغلال والسلاسل، كما قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِالله الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (37) } [الحاقة: 25 – 37]

في نفس الوقت الذي يجد فيه المؤمنون كل ألوان الراحة والسعادة والسرور، حتى أن ذلك الموقف الطويل يخفف على المؤمن؛ فيمر عليه كما تمر الصلاة، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: (يوم كان مقداره خمسين ألف سنة)، فقيل: ما أطول هذا اليوم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (والذي نفسي بيده، إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا)([24])، وفي رواية: (يهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس للغروب إلى أن تغرب)، وفي رواية: (إن الله ليخفف على من يشاء من عباده طوله كوقت صلاة مفروضة)

وهكذا نرى أن الحكم في كل شيء في ذلك الموقف للعمل، فالزمان والمكان والصور وكل شيء مرتبط بتلك التشكلات التي تشكلت بها النفوس في الدنيا.

بناء على هذا نحاول في هذا المبحث تتبع الأحداث الكبرى التي تحدث ذلك اليوم ابتداء من النفخ بالصور، وانتهاء بحشر الخلائق للحساب.

1 ـ النفخ في الصور:

وقد ورد الحديث عنه في مواضع متعددة من القرآن الكريم([25])، وبصيغ مختلفة، وكلها تقرب الحقيقة التي لا يمكن تصورها ولا تخيل كيفيتها، وهي تدل على أن ذلك الحدث العظيم ستنتهي به النشأة الأولى، وتبدأ به النشأة الثانية، ولذلك ورد في القرآن الكريم ذكر نفختين في الصور، إحداهما تعلن نهاية النشأة الأولى، والثانية تعلن بداية النشأة الثانية، بشكلها الجديد، وقوانينها الجديدة..

والأمر لا يقتصر على مجرد الإعلان، وإنما يتعداه إلى الدور التكويني، أي أن النفخة الأولى تكون سببا في نهاية النشأة التكوينية الأولى، والنفخة الثانية تكون سببا في نهاية النشأة التكوينية الثانية، كما يشير إلى ذلك كون النفخ في طين الإنسان سببا في تشكل الإنسان، كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [الحجر: 28، 29]

وكما أشار إليه ما كان يفعله المسيح عليه السلام من النفخ في الطين، فيتحول إلى طير بإذن الله، كما قال تعالى: { وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ الله} [آل عمران: 49]

وهكذا، فإن لتينك النفختين أثرهما التكويني سواء بالصعق والإماتة، أو بالإحياء من جديد، وفق القوانين الجديدة..

والصعق والإماتة لا تعنيان إعدام الموجودات، كما عرفنا في النشأة الأولى، وإنما تعني التحول إلى هيئة أخرى متناسبة مع الوضع الجديد، وقوانينه.

ومع ما ورد في القرآن الكريم حول النفخ في الصور، وردت كذلك الكثير من الأحاديث والروايات، والتي نرى أنها جميعا محاولة لتقريب صورة الحدث لتلك المجتمعات البدوية البسيطة، والتي لا يمكنها أن تستوعب القوانين التي يسير عليها الكون، ولذلك خوطبت على قدر عقولها.

ولذلك سنكتفي هنا بما ورد في القرآن الكريم، ففيه الإشارات الكثيرة الكافية، لتبيين أهمية ذلك الحدث وقيمته، بل وعلاقته بالعدالة أيضا.

ومن تلك الآيات قوله تعالى في بيان الغرض من كلا النفختين: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر: 68]

وهذا يدل على انحصار عدد النفخات في اثنتين، لا كما يذكره البعض من أنها ثلاثة بناء على ما فهموه من قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ الله وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل: 87]، حيث توهموا أنها نفخة أخرى عدا نفخة الصعق، ونفخة الإحياء.

وذهب آخرون إلى أنها أربع نفخات، بناء على فهمهم لقوله تعالى: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس: 53]، ولذلك ذكروا أن الغرض من هذه النفخة جمع الخلق وإحضارهم، وأنها نفخة أخرى بالإضافة للنفخات السابقة.

ولا مانع من أن يكون هناك هذه الصيحة المرتبطة بالجمع والإحضار، ولكنها لا تعتبر من النفخ في الصور، لأن القرآن الكريم، وفي مواضع أخرى حدد العدد باثنتين، كقوله تعالى: { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} [النازعات: 6 – 9]

والخلاصة من كل هذا أن تلك النفخة تشبه ذلك الجرس الذي يدق لنهاية الحصص الدراسية، والذي تتخلله بعض الراحة، ليدق من جديد، لتبدأ حصص أخرى، أو هو نهاية هذه النشأة بقوانينها، وبداية النشأة الجديدة بقوانينها الجديدة، والتي يقر العلم الحديث إمكانيتها.

فكل العلماء الآن ـ على خلاف الماضين الذين كانوا يتوهمون للكون صورة واحدة ـ يرون أن للكون صورا كثيرة جدا لا نهاية لها، ولكل كون قوانينه الخاصة به، وطبعا هم يذكرون هذا من باب الاحتمال، لا من باب الواقع.

ولذلك ما المانع أن ينشأ كون جديد، بناء على معطيات جديدة، ويكون له من التنظيم والدقة ما يفوق هذا الكون بكثير؟

وهذا ما تدل عليه النصوص المقدسة، فالقرآن الكريم مع إشاراته الكثيرة إلى دقة هذا الكون ونظامه وجماله، وكونه مرآة لتجلي الحقائق لجميع العقلاء، لكنه في نفس الوقت يذكر أن النشأة الأخرى أكثر دلالة على ذلك كله، لأنها مبنية على القدرة، بخلاف هذه النشأة المبنية على الحكمة، لأنها من مقتضيات الابتلاء والاختبار.

وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 73]،

فالآية الكريمة تشير إلى أنه مع كون الله تعالى مالكا وملكا في كل الأوقات، وعلى كل الأكوان، إلا أن ذلك يتجلى بوضوح عند النفخ في الصور، وعند النشأة الثانية، وقد قال السبحاني تعليقا عليها: (حكومة الله على عالم الوجود ومالكيته له قائمتان منذ بداية الخلق حتى نهايته وفي يوم القيامة، ولا يختص ذلك بيوم القيامة وحده، لكن هناك عوامل وأسباباً تؤثر في مسار هذه الدنيا وتقدمها نحو أهدافها، لذلك قد يغفل الإِنسان أحياناً عن وجود الله وراء هذه الأسباب والعوامل، أمّا في ذلك اليوم الذي تتعطل فيه جميع الأسباب والعوامل، فإِنّ حكومة الله ومالكيته تكونان أجلى وأوضح من أي وقت سابق)([26])

ويشير إلى ذلك قوله تعالى: { لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى الله مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 15، 16]

وهذا يدل على أن الفزع الذي يصيب الخلائق لا يرتبط بالمؤمنين الذين كانوا يعلمون، ويوقنون بقدرة الله المطلقة، وإنما يفزع له من لم يكن يؤمن بذلك، كما قال تعالى: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} [المدثر: 8 – 10]

وبذلك فإن الاستثناء الوارد في قوله تعالى: { وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ الله وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل: 87] خاص بأولئك المؤمنين الموقنين الذين لا يدهشهم ما يرونه من مظاهر القدرة الإلهية، لأنهم كانوا أصلا موقنين بها، بل ربما يكون ذلك مدعاة لسعادتهم وفرحهم([27]).

وقد قال الغزالي مشيرا إلى هذا المعنى: (واذا انكشفت الغطاء عن أعين الغافلين؛ فشاهدوا الأمر كذلك، سمعوا عند ذلك نداء المنادي { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16]، ولقد كان الملك لله الواحد القهار كل يوم، لا ذلك اليوم على الخصوص، ولكن الغافلين لا يسمعون هذا النداء إلا ذلك اليوم؛ فهو نبأ عما يتجدد للغافلين من كشف الأحوال حيث لا ينفعهم الكشف؛ فنعوذ بالله الحليم الكريم من الجهل والعمى، فإنه أصل أسباب الهلاك)([28])

ويشير إلى هذا، بل يصرح به قوله تعالى في ذكر السابقين: { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء: 101 – 103]

وقد ورد في الحديث أنه لما عاد رسول الله من تبوك إلى المدنية المنورة، قدم إليه عمرو بن معدي كرب فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أسلم يا عمرو يؤمنك الله من الفزع الأكبر)، قال: يا محمد وما الفزع الأكبر؟ فإني لا أفزع فقال: (يا عمرو إنه ليس كما تظن وتحسب، إن الناس يصاح بهم صيحة واحدة فلا يبقى ميت إلا نشر ولا حي إلا مات إلا ما شاء الله، ثم يصاح بهم صيحة أخرى فينشر من مات ويصفون جميعا، وتنشق السماء، وتهد الأرض، وتخر الجبال هدا، وترمى النار بمثل الجبال شررا فلا يبقى ذو روح إلا انخلع قلبه وذكر دينه وشغل بنفسه إلا ما شاء الله، فأين أنت يا عمرو من هذا؟ قال: ألا إني أسمع أمرا عظيما.، فآمن بالله ورسوله، وآمن معه من قومه ناس ورجعوا إلى قومهم)([29])

ولذلك فإن من مظاهر العدالة المرتبطة بالنفخ في الصور ذلك الاستثناء، لأن الله تعالى أرحم من أن يصيب عباده الصالحين المقربين بالفزع، وكيف يصيبهم به، وهم كانوا يقرون له بذلك قبل أن يروه، ويعلمون أنه صاحب القدرة المطلقة، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء.

بعد هذا، وبناء على أن من أغراض هذا الكتاب تقريب المعارف المرتبطة بالمعاد إلى العقول، ونفي الشبهات التي تثار حوله، فإنا سنذكر هنا بعض الصور التقريبية للنفخ في الصور، والتي تساهم لا في كشف حقيقته، فذلك مستحيل، وإنما في توضيحه وتقريبه ونفي الشبهات عنه.

فالنفخ في الصور، قد يكون مرتبطا بالصوت، وقد يكون مرتبطا بالصور، وقد يكون تأثيرا في الكون جميعا، مثلما نفعل عندما نضع تيارا كهربائيا عاليا على مساحة معدنية معينة، وإذا بها تهتز جميعا، وقد يكون على شكل التأثير الذي يطلق عليه [الحرب الالكترونية]، وغيرها من الأشكال الكثيرة التي لا نستطيع حصرها.

وقد ذكر بعض المهتمين بربط الحقائق القرآنية بحقائق العلم بعض ما يقرب ذلك، مستندا إلى ما ورد في القرآن الكريم من إهلاك الأمم بالصيحات، كما قال تعالى مخبرا عما حصل لثمود: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: 67]، وقال مخبرا عما حصل لأهل مدين: { وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} [هود: 94، 95]، وقال عما حصل لقوم لوط: { فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} [الحجر: 73، 74]، وقال مخبرا عن أنواع الهلاك التي أصابت الأمم الجاحدة لأنبيائها: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40]

وبناء على هذا، رأى أن هذه الصيحة نوع من الأسلحة الصوتية، التي دل العلم على أن لها تأثيرها الكبير، وإن لم تتوصل التقنية العلمية بعد إلى اختراعها.

يقول في ذلك: (هناك علاقة بين الصوت والصعق، لأن الصوت المرتفع جداً يملك قوة تدميرية، ويمكن أن يحرق أكثر من النار نفسها، والعلماء حتى اليوم يحاولون الحصول على صوت يكون له أثر تدميري، ولكن تجاربهم لا تزال محدودة، لأن المشكلة في تصميم الجهاز الذي يصدر هذا الصوت)([30])

ثم بين علاقة الصوت بالبوق، فقال: (يقول الباحثون في هذا المجال إن أفضل طريقة لتوليد أخطر أنواع الذبذبات الصوتية الفعالة والشديدة، هي أن نولد الصوت من خلال ما يشبه البوق على شكل حلزون هوائي، وهو جهازا يشبه القرن، لأن هذه الطريقة ستولد الموجات الصوتية ذات الترددات تحت الصوتية، والتي تعتبر الأخطر على الإنسان والحيوان والجماد)([31])

وبين الأثر الإيجابي للصوت في بعث الحياة وتنشيطها، فقال: (للصوت تأثيرات كثيرة، فقد أثبتت الأبحاث الحديثة أن كل شيء في الكون له تردده الخاص به، ويسمى الرنين الطبيعي، فعندما نعرض هذا الجسم لتردد صوتي محدد يساوي الرنين الطبيعي لهذا الجسم فإنه يبدأ بالاهتزاز والتجاوب. ولذلك فإن الترددات الصوتية إذا كانت ذات مجال ترددي واسع سوف تستجيب لها كل الموجودات على الأرض.. وإذا علمنا أن للصوت تأثيرات على الخلايا الحية، فالخلية تصدر ترددات صوتية وتتأثر بالترددات الصوتية، والترددات الصوتية تؤثر على نشاط الخلايا فتكون سبباً في شفائها.. كذلك للصوت قدرات عجيبة على تدمير الخلايا السرطانية، وبنفس الوقت يمكن للذبذبات الصوتية أن تطيل عمر الخلية وتنشطها وتجعلها أكثر حيوية) ([32])

 ونقل عن بعض الباحثين من أمثال الفرنسي [فابيان]، (أن للصوت قدرة على تفجير الخلايا السرطانية، وبنفس الوقت قدرة على تنشيط الخلايا وإعادة الحيوية والطاقة لها) ([33])

طبعا، وكما هو ظاهر، فنحن لم ننقل هذه النصوص لتصوير ما سيحصل بالضبط، فذلك مستحيل، وإنما هو محاولة تقريبية لصد تلك الشبه التي ينشرها أولئك الذين يتصورون أنهم وحدهم من يصدقون العلم، ومن يتبعون المنهج العلمي، مع أن المنهج العلمي أكثر تواضعا من أن يقول ذلك، ومثله التأمل العقلي، وقد قال [فرنسيس بيكون] في الرد على هؤلاء: (القليل من الفلسفة يميل بعقل الإنسان إلى الإلحاد، ولكن التعمق فيها ينتهي بالعقول إلى الإيمان.. إذا أمعن (العقل) النظر وشهد سلسلة الأسباب كيف تتصل حلقاتها فأنه لا يجد بدًا من التسليم بالله)([34])

2 ـ التبديل والتهيئة:

ويشير إليه قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [إبراهيم: 48]

والتبديل ـ كما تشير النصوص المقدسة ـ يبدأ مباشرة بعد النفخة الأولى، بتلك الزلزلة العظيمة التي يعاينها الخلائق، والتي وصفها الله تعالى بقوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ الله شَدِيدٌ (2)} [الحج: 1، 2]

بل إن هناك سورة خاصة بها، وبما يحدث أثناءها، وهي سورة الزلزلة، والتي يقول الله تعالى فيها: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5)} [الزلزلة: 1 – 5]

ويبدو من خلال هذه الآيات، ومن خلال تتمتها، وهي قوله تعالى: { يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} [الزلزلة: 6 – 8] أن هذه الزلزلة ـ الواردة في هذه السورة ـ بخلاف الزلزلة الأولى، مرتبطة بالنفخة الثانية، والتي يتم فيها بعث الخلائق، وتشكل الأرض بشكلها الجديد، مع قوانينها الجديد، ولهذا ذكر الله تعالى أن الأرض تجيب البشر، وتحدثهم، وتخبر بوحي الله لها، وهو من الظواهر العادية في النشأة الأخرى، بخلاف النشأة الأولى.

وهكذا يذكر القرآن الكريم أن من أغراض ذلك التبديل، وتلك التهيئة توفير محل مناسب للعرض، كما قال تعالى: {وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا} [الكهف: 47]، وقال: {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى الله مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ اليوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [غافر: 16]

ويبدو كذلك أن الأرض في تلك النشأة الجديدة، وبالقوانين الجديدة، ستكون أكبر من الأرض التي نعرفها، ومختلفة في تضاريسها ومناخها عنها، كما قال تعالى يصفها: {وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5)} [الانشقاق: 3 – 5]

وحتى الجبال والمرتفعات التي كانت تشكل حواجز كبرى فيها، تدك، كما قال تعالى: { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ } [الحاقة: 13 – 15]

وأخبر الله تعالى أنها تتحول عن صلابتها وقسوتها؛ فتصبح هينة لينة كالرمل الناعم، قال تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلاً } [المزمل:14]، أي أنها تصبح ككثبان الرمل بعد أن كانت حجارة صماء، والرمل المهيل: هو الذي إذا أخذت منه شيئا تبعك ما بعده.

وأخبر أنها تصبح كالعهن، وهو الصوف، قال تعالى: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} [المعارج: 9]، وقال: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} [القارعة: 5]

وأخبر عن إزالتها بتسييرها ونسفها، فقال: {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ } [التكوير:3]، وقال: {وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ } [المرسلات:10]

وبين حال الأرض بعد ذلك التسيير والنسف، فقال: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً } [الكهف:47]

وبذلك تصبح الأرض ظاهرة لا ارتفاع فيها، ولا انخفاض، كما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا } [طه:105 – 107]

وقد ورد تقريب صفة تلك الأرض التي يقع فيها العرض والحساب في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النقي، ليس فيها معلم لأحد)([35])

وهكذا ورد وصف الأهوال التي تحدث في البحار، وأنها تفجر وتشتعل ناراً، كما قال تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ } [الانفطار:3]، وقال: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ } [التكوير:6]

أما السماء، فقد ورد أنها تمور وتضطرب اضطراباً عظيماً، كما قال تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا } [الطور: 9]، ثم تنفطر وتتشقق، كما قال تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ} [الانفطار: 1]، وقال: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ } [الانشقاق: 1 – 2]، وعند ذلك تصبح واهية، كما قال تعالى: {وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ } [الحاقة:16]

وقد ورد فوق ذلك كله في القرآن الكريم ما يشير إلى معاينة الخلق لبعض تلك الأهوال الشديدة، وفزعهم منها، مثلما رأينا في الآيات التي تتحدث عن الزلزلة بشقيها: الزلزلة الأولى، والزلزلة الثانية.

وورد كذلك في الحديث ما يدل على معاينة البشر لبعض تلك التغيرات التي تحصل بعد النفخة الثانية، وبعد البعث، ومنها ما ورد في تفسير قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [إبراهيم: 48]، فقد سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (هم في الظلمة دون الجسر)([36])، وهو محل لا يمكننا أن نعرف حقيقته، ولكن المهم فيه هو أنه يجيب على الإشكال الذي يطرحه من لا يستطيع الجمع بين معاينة الأهوال، والبقاء على قيد الحياة، ذلك أن تلك الأحداث كفيلة بألا تبقي أحدا حيا.

ونرى ـ مثلما ذكرنا سابقا، وبناء على العدالة الإلهية ـ أن المؤمنين الذين كانوا يسلمون للقدرة الإلهية، ويؤمنون بها معفون من الفزع المرتبط بتلك الأهوال، وإن كانوا لا يعفون من رؤيتها باعتبارها تشكل المزيد من الطمأنينة لهم، كما قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260]

فمع كون إبراهيم عليه السلام كان موقنا بإحياء الله للموتى، ولكنه أحب أن يعاين مشاهد ذلك، لتكون ضمن ما عبر عنه قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } [الأنعام: 75]

وهكذا، فإن معاينة المؤمنين لتلك المشاهد العظيمة، لا يكون بصحبة الفزع، وإنما يكون بصحبة الخشية والتعظيم لله، والخشية هي خوف مختلط بالرجاء، أو بالتقدير والتعظيم.

ونحب أن نذكر هنا ردا على أولئك الذين يتصورون أن القيامة مرتبطة فقط بالأرض، وبالإنسان خصوصا، بأن الأمر ليس كذلك، بل هي مرتبطة بكل الكون الذي نعرفه، وبكل سكانه، سواء كانوا من البشر أو غيرهم، ولو أن النصوص المقدسة لم تحدثنا إلا على البشر، لعدم طاقة العقول الحديث عن غيرهم.

ويشير إلى هذا قوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104]

وحتى نتصور ما يحصل من أهوال في ذلك الموقف نعرض هنا بدايات ثلاث سور قرآنية وردت الدعوة لقراءتها، لتصور ما يحدث، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (مَنْ سرّه أنْ ينظر إلى يوم القيامة كأنّه رأي عين، فليقرأ: (إذا الشمس كورت) و(إذا السماء انفطرت) و(إذا السماء انشقت)([37])

أما السورة الأولى، سورة التكوير، فقد بدئت بقوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14)} [التكوير: 1 – 14]

وأما سورة الانفطار، فقد بدئت بقوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) } [الانفطار: 1 – 6]

وأما سورة الانشقاق، فقد بدئت بقوله تعالى: إ {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5)} [الانشقاق: 1 – 5]

فهذه الآيات الكريمة تصور بعض المشاهد التي تحصل ذلك الحين، أو تقربها، وما قاله المفسرون حولها مجرد توضيح بحسب الثقافة المتاحة لعصرهم، لا الحقيقة بعينها، لأنها لا يمكن تصورها، والقرآن الكريم يستعمل اللغة التي يفهمها الناس جميعا، ولا يمكن لتلك اللغة أن تعبر عن تلك الأحداث بصورتها الكاملة.

وبناء على ذلك نذكر هنا ما قاله العلماء حول بعض تلك المعاني الواردة في القرآن الكريم، والتي قد يجد الشيطان منها ثغرات للتسلل وبث الشبهات، ولا نذكرها من باب كونها الحقيقة التي ستجري بالضبط، لأن ذلك غيب محض.

ومن ذلك ما ورد في شأن الشمس والنجوم، مثل قوله تعالى: {فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ } [المرسلات: 8]، وقوله: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2)} [التكوير: 1، 2]، فقد أثبت العلم أن الشمس، وغيرها من النجوم ـ على خلاف النظرة التقليدية القديمة المبنية على ثبات الكون ـ تموت وتنطمس، ولها نهاية تنتهي إليها.

وقد أثبتت الاكتشافات العلمية الحديثة أن (النجوم تولد وتمر بمراحل عديدة، فهي تخلق ثم تصير إلى مرحلة تسمى فيها هذه النجوم بنجوم النسق الرئيسي، ويستمر النجم على هذا الطور غالبية عمره، وبعد ذلك يستمر التحول إلى مرحلة جديدة وهكذا حتى يتحول إلى نجم منكدر لا ضوء فيه)([38])

وتذكر هذه الدراسات أن (الشمس ستتمدد ويصبح حجمها كبيراً، وبالتالي فإنها لن تستطيع أن تستمر طويلاً في الإمساك بتلابيب أطرافها، فتهرب الطبقات الخارجية منها تدريجياً ـ في شكل حلقات غازية تخرج متتابعة في منظر مهيب ـ وفي تلك الحالة ستطال تلك الحلقات جميع الكواكب الخارجية حتى (بلوتو)، بل وجميع أطراف المنظومة الشمسية. وتعرف تلك المرحلة من حياة النجوم بمرحلة (السدم الكوكبية)، حيث تلفظ النجوم طبقاتها الخارجية في شكل حلقات مستديرة تشبه في منظرها الخارجي الكواكب في استدارة شكلها. ونجم (القيثارة) هو أحد أشهر تلك الأمثلة التي يعرفها الفلكيون من بين آلاف النجوم التي رصدناها، وهي تلفظ طبقاتها الخارجية)([39])

وفي تلك المرحلة (تفقد الشمس ما يزيد عن ثلث كتلتها لتصبح بعد ذلك لباً عارياً صغيراً حرارته شديدة، ويتوقف نبض التفاعلات النووية في الباطن لتبرد الشمس تدريجياً ويتصاغر حجمها كثيراً وتدخل إلى مقابر النجوم فيما يعرف بمرحلة (الأقزام البيضاء). وفي تلك المرحلة تكون كثافة المادة عالية بدرجة رهيبة، حيث يزن السنتيمتر المكعب من مادة القزم الأبيض حوالي طن واحد من مادة الأرض، كما أن حجم الشمس في تلك المرحلة سيتصاغر ليصبح في حجم الأرض تقريباً) ([40])

وغيرها من الأحداث التي تقرب كثيرا ما ورد في قوله تعالى عن الشمس في ذلك اليوم: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1]، فمما ورد في معناها (ذهب ضوؤها، وأظلمت)

وبما أن الشمس نجم من النجوم، والقوانين التي تسري عليها تسري على سائر النجوم، فإن ما ذكره العلم حولها ينطبق عليها أيضا.

وهكذا ذكروا فيما ورد في شأن تفجير البحار وتسجيرها ردا على أولئك الذين لم تستطع عقولهم أن تستسيغ تلك الحرائق المهولة التي تصيب البحار، فمن الحقائق العلمية المتفق عليها أن الماء يتكون من مادتين هما الهيدروجين(ذرتين).. والاكسجين(ذرة واحدة)، والهيدروجين: عنصرشديد الاشتعال ويستعمل في عمليات الصهر، والاكسجين عنصر يساعد على الاشتعال وهو وقود النار.

وسبب عدم احتراق الماء يعود لكون (العنصرين قد احترقا أصلا بعملية الدمج فيما بينهما وأصبحا عاليا الكثافة، ولهذا فإنه متى تم الجمع بين الهيدوجين والاكسجين كيميائيا فانهما يفقدان خاصتيهما، ويتحولان إلى مادة أخرى لا تشتعل بل تساعد على إطفاء الحرائق)

لكن إذا تم كسر الرابطة التساهمية التي تربط بين ذرتي الهيدروجين والأكسجين بواسطة الإنشطار، فإن ذلك (ينتج عنه طاقة خيالية، نسميها في وقتنا الحاضر بالقنبلة الهيدروجينية، وهي أشد انفجارا بكثير من القنبلة النووية)

وهذا لا يعني تفسيرنا للتسجير بهذا المعنى، وإنما هو مجرد تقريب لما قد يحصل بناء على المعطيات العلمية المتوفرة لدينا، أما الحقيقة التي ستحصل بالضبط، فتحتاج منا إلى معرفة أسرار أخرى للكون أكبر وأعظم، والعلم أضعف من أن يصل إليها.

3 ـ البعث والنشور:

يمكن اعتبار القرآن الكريم المصدر الوحيد من بين جميع الكتب السماوية التي تذكر حقائق البعث والنشور، وبلغة علمية عقلية راقية؛ لم يزدها التطور العلمي الكبير الذي شهدناه في عصرنا إلا قوة ورسوخا.

ففي أحاديثه الكثيرة عن البعث والنشور، وعن رد الشبه التي يثيرها المشركون حوله، والتي يمكننا أن نجد من خلالها مادة علمية كافية، تجعلنا نستغني بها عن كثير من المباحث الكلامية والفلسفية، بل تجعلنا فوق ذلك نرد على ما يثار حوله من شبه، بكل بساطة ويسر.

فالعرض القرآني للبعث يتضمن كلتا الناحيتين: ناحية حقيقة البعث، وعلاقته بالجسد والروح والنفس.. وناحية البراهين المثبتة لذلك، والأمثلة المقربة له.

وسنحاول هنا انطلاقا من الآيات المرتبطة بالبعث أن نستخلص أهم خصائص هذه المرحلة الخطيرة من المراحل التي يمر بها الإنسان في مسيرته التكاملية:

أ ـ البعث والحركة التكاملية:

من أهم الملاحظات التي نراها في القرآن الكريم عند ذكره للبعث ـ وفي مواضع متعددة منه ـ ربطه له بالمراحل والتطورات التي مرت بها خلقة الإنسان كما قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)} [المؤمنون: 12 – 14]

وبعد أن ذكر كل هذه المراحل ـ والتي اكتشف العلم الحديث مدى واقعيتها وصدقها على الرغم من مخالفتها لثقافة البيئة التي نزل فيها([41]) ـ راح يذكر المرحلة الأخيرة في سلم الترقي نحو الكمال الإنساني، والتي عبر عنها قوله تعالى: { ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16) } [المؤمنون: 15 – 17]، وهذا يدل على أن ذلك البعث مرحلة جديدة من مراحل التطور الإنساني نحو الكمال.

وهكذا ورد في قوله تعالى في سورة الحج عند تعداد مراحل تطور الخلقة الإنسانية باعتبارها برهانا من براهين البعث، قال تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } [الحج: 5]

ثم قال بعدها معللا سر ذلك: {ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7)} [الحج: 6، 7]

وغيرها من الآيات الكريمة التي تعتبر النشأة الثانية مرحلة تطورية كبرى عقب انتهاء مراحل النشأة الأولى، وهي تشير كذلك إلى أن تلك النشأة مختلفة في طبيعتها وشكلها عن النشأة الأولى، وأكثر تطورا منها.

وقد أشار صدر المتألّهين إلى ذلك في قوله: (الآيات التي ذكرت فيها النطفة وأطوارها الكمالية، وتقلّباتها من صورة النقص إلى صورة أكمل، ومن حال أدون إلى حال أعلى، فالغرض من ذكرها، إثبات أنّ لهذه الأطوار والتحولات غاية أخيرة، فللإنسان توجّه طبيعي نحو الكمال، ودين إلهي فطري في التقرّب إلى المبدأ الفعّال، والكمال اللائق بحال الإنسان المخلوق أوّلاً من هذه الطبيعة، وإلاّ كان لا يوجد في هذا العالم الأدنى، بل في عالم الآخرة التي إليها الرجعى، وفيها الغاية والمنتهى، فبالضرورة إذا استوفى الإنسان جميع المراتب الخلقية الواقعة في حدود حركته الجوهرية الفطرية، من الجمادية والنباتية، والحيوانية، وبلغ أشدّه الصوري، وتمّ وجوده الدنيوي الحيواني، فلابدّ أن يتوجه نحو النشأة الآخرة ويخرج من القوة إلى الفعل، ومن الدنيا إلى الأُخرى، ثم المولى، وهو غاية الغايات، ومنتهى الأشواق والحركات) ([42])

وقال السبحاني معبرا عن هذا المعنى بلغة أكثر عصرية: (نرى أنّ الإنسان منذ تكونه نطفة فعلقة فمضغة، إلى أن يفتح عينه على الوجود، في حال حركة دائمة وسعي متواصل ليس له ثبات ولا قرار، وهو يطلب بحركته وسعيه شيئاً يفقده؛ فعلى ذلك لا بدّ من وجود يوم يزول فيه وصف اللاقرار، ويدخل منزلاً فيه القرار والثبات، يكون غاية المطاف)([43])

وبناء على هذا، فإن (الحركة وإن كانت تتوقف بالموت ولا يرى بعدها في الإنسان سعي، لكنّ تفسير الموت ببطلان الإنسان وشخصيته الساعية، إبطال للغاية التي كان يتوخاها من حركته، فلابدّ أن يكون الموت وروداً إلى منزل آخر، يصل فيه إلى الغاية المتوخاة من سعيه وجهاده، وذلك المنزل هو النشأة الأخروية) ([44])

ثم رد على الوجوديين والماديين الذين يعتبرون الغاية من الحركة والسعي والكدح، هو نيل اللذائذ المادية والتجملات الظاهرية، بأن (الإنسان مهما نال منها، لا يخمد عطشه، بل يستمر في سعيه وطلبه، وهذا يدلّ على أنّ له ضالة أُخرى يتوجّه نحوها، وإن لم يعرف حقيقتها، فهو يطلب الكمال اللائق بحاله، ويتصور أنّ ملاذّ الحياة غايته، ومنتهى سعيه، ولكنه سوف يرجع عن كل غاية يصل إليها، ويعطف توجهه إلى شي آخر) ([45])

ويدعم هذا المعنى الكثير من البراهين الفلسفية، فالحركة لابد لها من غاية تنتهي إليها، وإلا كانت عبثا مجردا لا معنى له، ولهذا نرى القرآن الكريم يعتبر البعث غاية مكملة لتلك الحركة التكاملية التي حصلت في النشأة الأولى، ويعتبر أنها ضرورة يقتضيها الحق ويستلزمها، كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [الحج: 6]

وهكذا يذكر القرآن الكريم أنه لولا هذه النشأة المكملة لتلك الحركة لكانت النشأة الأولى نشأة عبثية لا معنى لها، كما قال تعالى: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى الله الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)} [المؤمنون: 115، 116]

ولذلك نرى القرآن الكريم ينص على الغاية التي تسير إليها كل الكائنات، وأنها معرفة الله والتواصل معه، لأنها البداية التي أسس من أجلها الكون جميعا، قال تعالى: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم: 42]

وهكذا يصور البعث باعتباره رجوعا إلى الله، كما قال تعالى: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ } [القيامة: 26 – 30]، وقال: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} [العلق: 8]

وهومعنى قولنا [إنا لله وإنا إليه راجعون]، والذي يردده المؤمن كل حين، كما قال تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156]، وذلك ليذكر نفسه بأن ما فاته ليس هو الغاية، وإنما الغاية الله.

ب ـ البعث والتكامل الكوني:

لا يكتفي القرآن الكريم بتقرير تلك الحقائق، وربطها بعالم الإنسان، بل إنه يشمل بها جميع الكائنات، ففي النشأة الأخرى يبعث كل شيء كان في النشأة الأولى، ولكن بصورة جديدة تتناسب مع طبيعته واختياراته المتاحة له.

وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى عن عالم الحيوانات: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38]، فهذه الآية الكريمة لا تكتفي بتقرير حقيقة تلك العوالم، وأنها أمم قائمة بذاتها، وإنما تضيف إليها كونها تحشر إلى الله، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى في الآية الأخرى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} [التكوير: 5]

وهذا كله ينسجم مع الغائية التكاملية التي يسير بها الكون جميعا، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17)} [الأنبياء: 16، 17]، وهذا يعني أن كل شيء خلق لغاية، ولم يخلق عبثا، وذلك ما ينفي عن البعث تلك الصورة البسيطة التي نتوهمه بها، والتي تجعله خاصا بالإنسان، وإنما هو حركة تشمل كل شيء، ليصاغ من جديد وفق ما تقتضيه النشأة الثانية من قوانين.

وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا المعنى عندما ذكر أن أعمال الحيوانات أيضا تعرض في ذلك الموقف بعد بعثها، فقال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء، من الشاة القرناء)([46])

وفي حديث آخر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى شاتين تنتطحان، فقال لأبي ذر: يا أبا ذر، هل تدري فيم تنتطحان؟ قال؟ لا، قال: لكن الله يدري، وسيقضي بينهما) ([47])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يقضي الله بين خلقه الجن والإنس والبهائم، وإنه ليقيد يومئذ الجماء من القرناء)([48])

لكن هذا الحديث أدرج فيه للأسف ما لا نراه منه، أو ما نرى أنه إضافة تحتاج إلى أدلة أكثر قوة، وهي ما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (حتى إذا لم يبق تبعة عند واحدة لأخرى قال الله: كونوا ترابا، فعند ذلك يقول الكافر: {يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} [النبأ: 40])

ومثله ما ورد في حديث الصور الطويل، والذي رفعه أبو هريرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمما ورد فيه: (فيميز الله الناس، وينادي الأمم داعيا لكل أمة إلى كتابها، والأمم جاثية من الهول.. فيقضي الله بين خلقه إلا الثقلين، الإنس والجن، فيقضي بين الوحوش والبهائم، حتى إنه ليقيد الجماء من ذات القرن، فإذا فرغ الله من ذلك، فلم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله لها: كوني ترابا، فعند ذلك {يَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} [النبأ: 40])

فهذه الإضافة التي تبين مصير كل تلك العوالم من الحيوانات بمختلف أنواعها لا يمكن أن نعتقدها من خلال هذه الروايات المتوقفة على آحاد الرواة، بالإضافة إلى أنها لا تتناسب مع عدالة الله.. فالله تعالى أعدل وأرحم وأكرم من أن يحول الحيوانات إلى تراب، لأنه بذلك ينزلها عن مرتبتها التي كانت عليها من غير ذنب ارتكبته.

بالإضافة إلى ذلك يتنافى مع الربوبية ذلك أن من معانيها النماء والرفعة والبركة.. أي أنه سبحانه وتعالى ينقل الأشياء من حالة أسوأ إلى حالة أحسن.. إلا لمن رضي لنفسه أن ينحدر وينزل، وذلك لا يكون في الحيوانات التي لم يكلفها الله تعالى.

والذي دفعنا إلى ذلك ما ورد في النصوص الكثيرة من معرفة تلك الحيوانات بالكثير من المعارف الإيمانية([49])، ولذلك كان تحويلها من مرتبتها الراقية إلى مرتبة دونية، لا يتناسب مع الحركة التكاملية التي أشارت إليها النصوص المقدسة.

وقد قال الإمام السجاد يبين ما لتلك البهائم من المعارف: (ما بهمت البهائم عنه فلم تبهم عن أربعة: معرفتها بالرب تبارك وتعالى، ومعرفتها بالموت، ومعرفتها بالانثى من الذكر، ومعرفتها بالمرعى الخصب)([50])

وهكذا ورد في الأحاديث الكثيرة ما يبين كثرة ذكر الحيوانات لله، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (اركبوها سالمة، ودوعها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكرا لله منه)([51])

وروي في بعض الآثار: (ما أحد سب شيئا من الدنيا دابة ولا غيرها ويقول: أخزاك الله أو لعنك الله إلا قالت: بل أخزى الله تعالى أعصانا لله تعالى)

وهكذا نرى أن هناك مخلوقات أخرى يرتبط بها البعث، بناء على ما ورد في القرآن الكريم من وجود سكان آخرين في الكون غير البشر، كما ورد التصريح بذلك في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 49]

بل ورد فيه ما يدل على بعثهم، قال تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ} [الشورى: 29]

وفي قوله تعالى [وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ] دلالة على إمكانية توفر الفرصة للبشر لملاقاة سكان أهل السماء، وهو التطلع الذي لا يزالون يتطلعون إليه.

وهكذا نجد في الروايات ما يبين أن هناك خلقا آخرين سيتعرضون لنفس ما تعرض له أهل هذه النشأة، ليكون مصيرهم مرتبطا أيضا بخياراتهم، ومنها ما روي أن الإمام الباقر سئل عن قوله تعالى: { أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق: 15]، فقال: (تأويل ذلك أن الله عز وجل إذا أفنى هذا الخلق وهذا العالم، وأسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار جدد الله عزوجل عالما غير هذا العالم، وجدد خلقا من غير فحولة ولا اناث يعبدونه ويوحدونه، وخلق لهم أرضا غير هذه الارض تحملهم، وسماء غير هذه السماء تظلهم، لعلك ترى أن الله عزوجل إنما خلق هذا العالم الواحد وترى أن الله عزوجل لم يخلق بشرا غيركم؟ بلى والله لقد خلق الله تبارك وتعالى ألف ألف عالم وألف ألف آدم، أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين)([52])

وفي رواية أخرى: (لقد خلق الله عزوجل في الارض منذ خلقها سبعة عالمين ليس هم من ولد آدم، خلقهم من أديم الارض فأسكنهم فيها واحدا بعد واحد مع عالمه، ثم خلق الله عزوجل آدم أبا البشر، وخلق ذريته منه، ولا والله ما خلت الجنة من أرواح المؤمنين منذ خلقها، ولا خلت النار من أرواح الكفار والعصاة منذ خلقها عزوجل، لعلكم ترون أنه إذا كان يوم القيامة وصير الله أبدان أهل الجنة مع أرواحهم في الجنة، وصير أبدان أهل النار مع أرواحهم في النار أن الله تبارك وتعالى لا يعبد في بلاده، ولا يخلق خلقا يعبدونه ويوحدونه؟ ! بلى والله، ليخلقن الله خلقا من غير فحولة ولا إناث، يعبدونه ويوحدونه ويعظمونه، ويخلق لهم أرضا تحملهم وسماء تظلهم، أليس الله عزوجل يقول: { يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ } [إبراهيم: 48] وقال الله عزوجل: { أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق: 15])([53])

ج ـ البعث وخاتمة الحركة الدنيوية:

ورد في النصوص الكثيرة ما يبين مدى علاقة البعث بالنهاية التي ينتهي إليها السير التكاملي للإنسان، والذي يبين نهاية الخيارات التي ارتضاها لنفسه في حياته الدنيا، وربما يدخل فيها تصحيحاته لها في حياته البرزخية إن تمكن من ذلك.

ولذلك ورد ما يدل على أنه من الخاتمة تصاغ البداية التي يتشكل منها الإنسان في نشأته الجديدة، وورد فيها أن الخاتمة هي التي تحدد مصيره، والشكل الذي يكون عليه، ولهذا قال الله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [آل عمران: 102]

وقد بين ذلك أحاديث كثيرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبين خطر الخاتمة وأهميتها، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، فيسبق عليه كتابه، فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة)([54])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (فيسبق عليه الكتاب) لايعني الجبر، ولا أن الله فرض عليه ذلك، ولكنه يعني ـ حسبما تدل النصوص الكثيرة ـ على أنه الخيار الذي اختاره الإنسان بمحض رغبته، وهو طبعا لن يخالف ما في علم الله عنه، كما شرحنا ذلك بتفصيل في كتاب [أسرار الأقدار]

وروي عن سهل، قال: (التقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمشركون في بعض مغازيه، فاقتتلوا، فمال كل قوم إلى عسكرهم، وفي المسلمين رجل لا يدع من المشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها فضربها بسيفه، فقيل: يا رسول الله، ما أجزأ أحد ما أجزأ فلان، فقال: (إنه من أهل النار)، فقالوا: أينا من أهل الجنة، إن كان هذا من أهل النار؟ فقال رجل من القوم: لأتبعنه، فإذا أسرع وأبطأ كنت معه، حتى جرح، فاستعجل الموت، فوضع نصاب سيفه بالأرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فجاء الرجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أشهد أنك رسول الله، فقال: (وما ذاك)، فأخبره، فقال: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس، وإنه لمن أهل النار، ويعمل بعمل أهل النار، فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة)([55])

ولذلك كان أكثر خوف الصالحين من الخاتمة المغيب شأنها، والتي يجتمع فيها كل القرارات المصيرية التي يتخدها الإنسان طيلة حياته، ولذلك يمكن اعتبارها الخلاصة التي ينتهي إليها الإنسان.

وقد أشار الغزالي إلى سر ذلك، فقال: (اعلم أن سوء الخاتمة على رتبتين: إحداهما أعظم من الأخرى؛ فأما الرتبة العظيمة الهائلة فأن يغلب على القلب عند سكرات الموت وظهور أهواله إما الشك وإما الجحود، فتقبض الروح على حال غلبة الجحود أو الشك فيكون ما غلب على القلب من عقدة الجحود حجابا بينه وبين الله تعالى أبدا، وذلك يقتضي البعد الدائم والعذاب المخلد.. والثانية وهي دونها أن يغلب على قلبه عند الموت حب أمر من أمور الدنيا وشهوة من شهواتها؛ فيتمثل ذلك في قلبه ويستغرقه حتى لا يبقى في تلك الحالة متسع لغيره؛ فيتفق قبض روحه في تلك الحال؛ فيكون استغراق قلبه به منكسا رأسه إلى الدنيا وصارفا وجهه إليها، ومهما انصرف الوجه عن الله تعالى حصل الحجاب، ومهما حصل الحجاب نزل العذاب، إذ نار الله الموقدة لا تأخذ إلا المحجوبين عنه، فأما المؤمن السليم قلبه من حب الدنيا المصروف همه إلى الله تعالى، فتقول له النار: جز يا مؤمن فإن نورك أطفأ لهبي، فمهما اتفق قبض الروح في حالة غلبة حب الدنيا، فالأمر مخطر لأن المرء يموت على ما عاش عليه)([56])

ولهذا ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يبعث كل عبد على ما مات عليه)([57])، وورد في الأحاديث ذكر بعض الأمثلة على ذلك، ومنها أن المحرم بالحج أو العمرة إذا مات وهو كذلك، بعث يوم القيامة ملبيا، فقد روي عن ابن عباس في الرجل الذي وقصته ناقته وهو محرم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا) ([58])

ومثله روي أن الشهيد يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يكلم أحد في سبيل الله ـ والله أعلم بمن يكلم في سبيله ـ إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب، اللون لون دم، والريح ريح مسك) ([59])

وعلى خلافهم يكون حال المنحرفين عن السراط المستقيم، وقد ورد في القرآن الكريم عن الغال من الغنيمة قوله تعالى: { وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161]

وورد فيه عن آكل الربـا، وكيف يبعث يوم القيامة كالمجنون الذي أصابه المس قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } [البقرة: 275]

وورد في الحديث عن الغادر، وأنه ترفع له راية يوم القيامة تبين غدرته، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان) ([60])

د ـ البعث والمعاد الجسماني:

ربما تعتبر مسألة المعاد وكيفيته من أهم المسائل التي خاض فيها الفلاسفة والمتكلمون، واختلفوا فيها اختلافا شديدا إلى الدرجة التي وصل فيها الأمر حد التكفير، مع أن المسألة لا تستدعي كل ذلك.

فالجميع حاولوا أن يقحموا أنفسهم فيما لا طاقة لهم به؛ فالمادة التي يتكون منها الإنسان بعد البعث وشكلها وهيئتها والقوانين التي تخضع لها، وغير ذلك من المباحث نوع من البحث فيما لا يطيقه العقل، لافتقاده للأشباه والنظائر، ولهذا يكتفى فيها بما ورد من التقريبات والتوضيحات.

ونحسب أن القرآن الكريم عندما عرض المسألة، ورد فيها على المشركين كان اهتمامه بالمعاد، وبكونه حقيقة ملموسة، ولم يعرض لتفاصيل كيفيتها، ولو عرض لها، فإنه من باب التقريب، مثلما يذكر عن الجنة والنار ونحوهما.

ولهذا فإن إنكار المعاد ـ حسب تصوري ـ لا يرتبط بأمثال تلك التصورات، لأنها مجرد محاولات لفهم ما يحصل بالضبط، والجميع كما ذكرنا لا ينكره، ولكن قد ينكر هيئة من الهيئات المرتبطة به، ولذلك لا يصح اتهامه بالكفر، فهو خطير جدا، خاصة مع إيمان هذا الفريق بالمعاد، وإيمانه قبل ذلك بالله تعالى.

وسنسوق هنا بعض ما ذكروه من آراء في المسألة، ونعقب عليها بما نراه، ومن خلال فهمنا للنصوص المقدسة حول الموضوع.

ومن أحسن تلك التحقيقات في نوع الخلاف وأسبابه ما نص عليه صدر المتألهين بقوله: (اتّفق المحققون من الفلا سفة والملّيين على أحقّية المعاد، وثبوت النشأة الباقية، لكنهم اختلفوا في كيفيته، فذهب جمهور الإسلاميين وعامة الفقهاء وأصحاب الحديث إلى أنه جسماني فقط، بناء على أنّ الروح عندهم جسم سار في البدن سريان النار في الفحم، والماء في الورد، والزيت في الزيتون، وذهب جمهور الفلا سفة وأتباع المشّائين إلى أنّه روحاني أي عقلي فقط لأنّ البدن ينعدم بصوره وأعراضه لقطع تعلق النفس بها، فلا يعاد بشخصه تارة أخرى، إذ المعدوم لا يعاد، والنفس جوهر باق لا سبيل للفناء إليه، فتعود إلى عالم المفارقات لقطع التعلقات بالموت الطبيعي، وذهب كثير من أكابر الحكماء ومشايخ العرفاء وجماعة من المتكلمين كالغزالي والكعبي والحليمي والراغب الأصفهاني وكثيرمن أصحابنا الإمامية كالشيخ المفيد، وأبي جعفر الطوسي، والسيد المرتضى، والمحقق الطوسى، والعلامة الحلّي، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين إلى القول بالمعادين، ذهاباً إلى أنّ النفس مجرّدة تعود إلى البدن)([61])

وإلى جانب هذا نجد النصوص الكثيرة من السنة والشيعة في تكفير جاحد المعاد الجسماني، ومن أمثلتها قول الشيخ محمد بن خليل حسن هرّاس، وهو من كبار علماء المدرسة السلفية المعاصرين: (ويجب الإيمان بالبعث على الصفة التي بينها الله في كتابه، وهو أنه جمع ما تحلل من أجزاء الأجساد التي كانت في الدنيا، وإنشاؤها خلقا جديدا، وإعادة الحياة إليها، ومنكر البعث الجسماني ـ كالفلاسفة والنصارى ـ كافر، وأما من أقر به ولكنه زعم أن الله يبعث الأرواح في أجسام غير الأجسام التي كانت في الدنيا؛ فهو مبتدع وفاسق)([62])

وقال عضد الدين الإيجي، وهو من كبار علماء المدرسة السنية من الأشاعرة.: (المعاد الجسماني هو المتبادر من إطلاق أهل الشرع، إذ هو الّذي يجب الاعتقاد به، ويكفر من أنكره، وهوحق، لشهادة نصوص القرآن في مواضع متعددة بحيث لا تقبل التأويل، كقوله تعالى: { أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) } [يس: 77 – 80]، قال المفسرون نزلت هذه الآية في أُبىّ بن كعب فإنه خاصم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأتاه بعظم قد رمّ وبلى، ففتّه بيده، وقال: يا محمد، أترى الله يحيي هذه بعدما رمّت، قال: (نعم، ويبعثك ويدخلك النار)، وهذا مما يقلع عرق التأويل بالكلية، ولذلك قال الإمام الرازى: (إنّه لا يمكن الجمع بين الإيمان بما جاء به النبي وإنكار الحشر الجسماني) ([63])

وقال المجلسي، وهو من كبار علماء المدرسة الشيعية: (إعلم أنّ القول بالمعاد الجسماني ممّا اتفق عليه جميع المليين وهو من ضروريات الدين ومنكره خارج من عداد المسلمين، والآيات الكريمة على ذلك ناصّة لا يعقل تأويلها، والأخبارفيه متواترة لا يمكن ردّها ولا الطعن فيها) ([64])

ولكنا مع كوننا نؤمن بما ورد في النصوص المقدسة من التجسد الحسي ـ لا لأهل النشأة الأخرى فقط، بل حتى لأعمالهم أيضا ـ نرى عدم التسرع في التكفير في مثل هذه المسائل، لأن غرض المنكرين لا يرتبط بإنكار حقيقة المعاد، وإنما يرتبط بشكله وصورته، وقد ذكرنا سابقا أن كل ذلك غيب محض، لأن الصور المتوهمة للأجساد في الآخرة تختلف كثيرا عما نعهده من صور، كما ذكرنا ذلك في مقدمة هذا المبحث.

بقيت الآن بعض الإشكالات في هذا الجانب يطرحها الفلاسفة أو غيرهم من القائلين بالمعاد الروحاني، أو بعدم المعاد مطلقا، وقد أجاب عليها علماء الكلام قديما وحديثا إجابات كثيرة، وهي مبنية على توهم أن هذا الجسد الذي نعيش به في الدنيا هو نفسه الذي سيبعث، وليس المادة الأساسية المشكلة له، والمتضمنة في الخارطة الجينية، والتي يمكنها في ظل الظروف المناسبة، أن تعود للحياة من جديد.

وسنذكر هنا ملخصا مبسطا لأهم تلك الشبهات، معتمدين على ما كتبه بخصوصها الشيخ مكارم الشيرازي، باعتباره حاول طرحها وفق منهج [علم الكلام الجديد]، من حيث التبسيط والأمثلة ونحوها.

الشبهة الأولى:

وهي الشبهة التي يطلق عليها [شبهة الآكل والمأكول] وهي من أقدم الشبه، وخلاصتها، أننا لو فرضنا أن إنساناً حين القحط والمجاعة تغذى على لحم آخر بحيث أصبح جزءا من بدن الإنسان الأول، أو جميعه من لحم الإنسان الثاني، فهل ستنفصل هذه الأجزاء في المعاد عن الإنسان الثاني أم لا؟ فإن كان الجواب بالإيجاب أصبح بدن الإنسان الثاني ناقصاً، وإن كان الجواب بالسلب كان بدن الإنسان الأول ناقصاً ([65]).

ومثلها ما يجري دائماً في الطبيعة حيث يموت الناس، ويصبح بدنهم تراباً، ويصبح التراب جزءاً من الأرض، ثم يتبدل بعد امتصاصه من قِبل جذور الأشجار تدريجياً إلى‏ نبات يتغذى عليه سائر الناس، أو الحيوانات، وعليه فأجزاء الأفراد السابقين تصبح من هذا الطريق جزءاً من بدن الأفراد اللاحقين.

ولاينبغي لكم أن تتعجبوا إذا ما علمتم بأنّ هذه التفاحة التي توضع أمامنا قد تكون أصبحت لعشر مرات جزءاً من بدن إنسان ثم عادت إلى‏ التراب، وامتصت ثانية من قبل جذور وتحولت إلى‏ تفاحة ثم تناولها إنسان آخر وأصحبت جزءاً من بدنه، وعلى هذا الأساس فإن كان المعاد جسماني تصارعت عشرة أبدان يوم القيامة على‏ بعض الأجزاء وسيكون لكل جزء من يدعيه له، فكيف سيكون المعاد جسمانياً؟

والجواب على هذه الشبهة ـ كما يذكر المتكلمون من أمثال نصير الدين الطوسي والعلّامة الحلي وغيرهم ـ كما ينقل عنهم مكارم الشيرازي ـ يعتمد على التفريق بين «الأجزاء الأصلية» و«الأجزاء غير الأصلية»، فهم يذكرون أن لبدن الإنسان قسمين: الأجزاء الأصلية، والأجزاء الإضافية.

أما الأجزاء الأصلية، فهي الأجزاء التي تبقى طيلة عمر الإنسان، فلا تتعوض ولا تفنى ولا تصبح جزءاً من بدن إنسان آخر أبداً، حتى وإن تناولها شخص آخر فلا تصبح جزءاً من بدنه.

أمّا الأجزاء الإضافية فهي قابلة للتغيير والتعويض وهي دائماً في حالة تغيّر، ويمكن أن تكون جزءاً من بدن إنسان أو حيوان آخر.

وهكذا تحلّ المشكلة، يوم القيامة، ذلك أن الأجزاء الأصلية لبدن كل شخص تنمو في مدّة قصيرة كبذور النباتات أو نطفة الإنسان وتصنع البدن الأصلي.

 والسؤال الذي يعرض بعد هذا يتعلق عن الأجزاء الأصلية، وكيف يمكن تمييزها عن سائر الأجزاء؟

وقد أجاب المتكلمون عن هذا بمجموعة إجابات، من بينها ما ذكره المتكلمون المحدثون من أن (الأجزاء الأصلية هي «الجينات» الواقعة على الكروموسومات في وسط نواة الخلايا، وعليه فهذه الجينات جزء من نواة الخلية الثابتة الوضع طيلة العمر وتشكل الأجزاء الأصلية لبدن الإنسان)([66])

ومنها أنها (الفقرة الأخيرة في العمود الفقري، أي أسفل عظم في هذا العمود هو الجزء الأصلي لبدن الإنسان حيث لايزول أبداً، ولايستقطبه بدن حيوان أو إنسان آخر)

ومنها أنها (الأجزاء التي لا نعرفها على وجه الدقة، إلّاأنّنا نعلم أنّها موجودة في بدن الإنسان وخاصيتها أنّها لا تزول أبداً ولا تنتقل إلى‏ بدن حيوان أو إنسان آخر)

وكل هذه احتمالات ليس لدينا من الأدلة ما يقوي أيا منها، ولذلك يوكل الأمر إلى القدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء.

الشبهة الثانية:

 وهي الشبهة التي تذكر [قلّة التربة على الأرض] مقارنة بعدد الذين سيبعثون،وملخص هذه الشبهة هي أنه (لو تقرر أنّ تعود أجساد كافة أفراد بني الإنسان يوم القيامة بهذا البدن المادي؛ فإن التراب الذي على الأرض لا يكفي لكل هؤلاء الأفراد، وعليه ستكون لنا مشكلة المواد الأساسية لبناء كل هؤلاء الأفراد)([67])

وقد أجاب الشيخ مكارم الشيرازي على هذه الشبهة بقوله: (يبدو أنّ من يطلق هذا الكلام ويتحدّث عن أزمة التراب اللازم لبناء جميع أفراد البشر إنّما يطلق سهمه في ظلام دامس وقد خاب سهمه، فما أحرى من يتفوه بذلك أن يتناول ورقة وقلماً ويحسب الأمر بصورة رياضية ليعلم مدى‏ الخطأ الذي يرتكبه في هذا المجال) ([68])

. ثم راح يقوم ببعض الحسابات البسيطة التي ترد على هذه الشبهة، فذكر أنّ الماء يشكل 65- 70 بالمئة من جسم الإنسان، وعليه فإنّ المواد المعدنية والآلية لبدن الإنسان تقريباً ثلث وزن بدنه، يعني الإنسان الذي يزن ستين كيلو غرام تقريباً عشرون كيلواً أو أقل من بدنه تراب ومواد معدنية وآلية والباقي ماء.

وبناء على هذا، فلو كان لدينا متراً مكعباً من التراب، فإنه يكفي لأكثر من مئة شخص، (والآن تستطيع التعرف بسهولة على‏ أنّ الكيلو متر المكعب من التراب يكفي لمئة مليار إنسان، وهذا المقدار من التراب يكفي لخمس وعشرين ضعفاً من سكان الكرة الأرضية، وهذا المقدار من التراب يشغل مساحة زهيدة من سطح الكرة الأرضية) ([69])

الشبهة الثالثة:

 وهي حول [الجسم الذي يشمله المعاد]، وخلاصة هذه الشبهة هي أنه إذا كان المعاد جسمانياً، فأي‏ بدن من الأبدان التي اكتسبها الإنسان طيلة عمره سيكون معاده، ذلك أن الجسم يتغير عدّة مرّات طيلة عمر الإنسان.. فهل يعود بمجموع هذه الأبدان بحيث يصبح مركبا عجيبا، أم أنه يعود ببدن واحد منها، وذلك ترجيح بلا مرجح، بالإضافة إلى أن لكل بدن صحيفة أعمال خاصة به؟

وهذا السؤال منتف تماما مع ما دل عليه النص من أن المعاد من جسم الإنسان هو أصله، أما الباقي، فمجرد غذاء تشكل منه الجسم، ويمكن تعويضه بأي بدائل أخرى.. وهو في ذلك يشبه بالونا صغيرا يمكننا بالنفخ فيه أن يتحول إلى شكله الحقيقي الضخم.

هذا بناء على ما ذكرنا، لكن بناء على ما ذكره من يقول بعودة الجسم نفسه، فقد أجاب عليه الشيخ مكارم الشيرازي بأن كل بدن يجتذب جميع مميزات وصفات البدن السابق، وعليه فآخر بدن هو مخزن جميع الصحف طيلة العمر، وهو خلاصة وعصارة لجميع مميزات الأبدان السابقة، ولذلك فإنّ عودة وبعث آخر بدن تعني عودة جميع الأبدان وبعثها ([70]).

4 ـ الحشر والعرض:

وقد ورد التعبير عن الحشر في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، كقوله تعالى: {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى الله تُحْشَرُونَ } [آل عمران: 158]، وقوله: { لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ الله وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا } [النساء: 172، 173]

وغيرها من الآيات الكريمة التي تبين أن غاية النشر هي الحشر، وغاية الحشر، هي الحساب والمساءلة والموازين وغير ذلك.

ولهذا وصف الله تعالى الحشر بكونه مجالا للاحتجاجات والجدل والخصومة، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 22]، ثم بين موقفهم فقال: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَالله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23]، ثم رد عليهم، فقال: { انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } [الأنعام: 24]

وهذا يدل على أن الكثير من الظروف توفر لأولئك الذين سيحاسبون ويناقشون، حتى يتمكنوا من المحاجة عن أنفسهم، أو الدفاع عنها، أو التلاقي مع غيرهم سواء من سادتهم أو أتباعهم أو خصومهم، كما قال تعالى: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ الله إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } [الأنعام: 128]، وقال: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28) فَكَفَى بِالله شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} [يونس: 28، 29]، ثم أخبر ما يحصل للنفوس حينها، فقال: {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى الله مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } [يونس: 30]

وتدل النصوص على مبلغ الهلع الذي يصيب الظالمين والمحادين لله في ذلك الموقف الشديد الذي ينتظرون فيه المحكمة الإلهية، كما قال تعالى: { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ } [غافر: 18]، وقال: { وَلَا تَحْسَبَنَّ الله غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ } [إبراهيم: 42 – 43]

ومظاهر العدالة في الحشر كثيرة جدا، نحاول تلخيصها ـ بحسب ما تدل عليه النصوص المقدسة ـ في العناوين الثلاثة التالية:

أ ـ مواقف أهل الحشر:

تدل النصوص المقدسة الكثيرة على أن الخلق في أرض المحشر يصنفون تصنيفات كثيرة، منها ما يرجع إلى محلاتهم وجيرانهم وأقاربهم من أهل عصرهم، حتى يستطيعوا محاجة بعضهم بعضا، وطلب حقوق بعضهم من بعض، وقد أشار إلى هذا قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 33 – 37]

ومثله قوله تعالى: {يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ } [المعارج: 11 – 14]، وهذا يدل على أنه توفرت له الفرصة لرؤيتهم، وإلا لما طلب ذلك.

ولهذا وصف الله تعالى يوم المحشر بكونه { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الشعراء: 88، 89]

وقد ورد في بعض الآثار تصوير ذلك، ففيه: (يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه، أي بعل كنت لك؟ فتقول: نعم البعل كنت! وتثني بخير ما استطاعت، فيقول لها: فإني أطلب إليك اليوم حسنة واحدة تهبينها لي لعلي أنجو مما ترين. فتقول له: ما أيسر ما طلبت، ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئا أتخوف مثل الذي تخاف. قال: وإن الرجل ليلقى ابنه فيتعلق به فيقول: يا بني، أي والد كنت لك؟ فيثني بخير. فيقول له: يا بني، إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى. فيقول ولده: يا أبت، ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئا)([71])

ومن تلك التصنيفات ما يرجع إلى المراتب والأعمال، مثلما نص على ذلك قوله تعالى في سورة الواقعة: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11)} [الواقعة: 7 – 11]، ولسنا ندري هل هذا التقسيم يكون بعد الحساب والمساءلة والموازين، أم أنه يكون قبل ذلك، أم أنه يكون في الفترتين جميعا؟

ومن تلك التصنيفات وأهمها التصنيف المرتبط بالأمم التي كانوا ينتسبون إليها، كما قال تعالى: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [الجاثية: 28]

ولذلك تعرف الأمم حينها بأنبيائها وأئمتها وهداتها، كما قال تعالى: { يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [الإسراء: 71]

وقد ورد في الحديث ما يشير إلى هذا التصنيف، وكيفيته، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (عرضت علي الأمم، فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط، والنبي ليس معه أحد، حتى رفع لي سواد عظيم، فقلت: ما هذا؟ أمتي هذه؟ قيل: بل هذا موسى وقومه، قيل: انظر إلى الأفق، فإذا سواد عظيم قد ملأ الأفق، ثم قيل لي: انظر هاهنا وهاهنا في آفاق السماء، فإذا سواد قد ملأ الأفق، قيل: هذه أمتك، ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفا بغير حساب)([72])

لكن هذا الانتماء، كما ورد في النصوص، ليس مثل الانتماء في الدنيا، والذي يكفي فيه ذلك الإيمان الوراثي، بل يميز الناس فيه على أساس اتباعهم الصادق لرسلهم، ولهذا يخرج من أتباع الرسل الكثير من الذين حرفوا وبدلوا.

وقد ورد في الحديث ما يشير إلى هذا، ويشير معه إلى أنواع من الفضل تتاح في ذلك الموقف لأتباع الأنبياء الصادقين، وهو ذلك الشراب العظيم الذي يتلقونه من أيدي أنبيائهم وورثتهم جزاء لهم على إخلاصهم وصدق اتباعهم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن لكل نبي حوضا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني أرجو أن أكون أكثرهم)([73])

وقد ورد في أحاديث كثيرة وصف حوض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وآنيته وشرابه، وغير ذلك، وكلها من التقريبات التي تبسط الأمر لعقولنا، لأن الحقيقة أعظم من ذلك، ومن تلك الأحاديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدا)([74]) ‏ ‏ ‏ ‏

وفي حديث آخر أنه سئل صلى الله عليه وآله وسلم عن شرابه ؛ فقال: (أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، ‏يغت ‏(يصب) ‏فيه ‏ميزابان ‏ ‏يمدانه ‏ ‏من الجنة، أحدهما من ذهب، والآخر من ‏ ‏ورق (فضة)([75])

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (نزلت علي آنفا سورة، فقرأ {بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) } [الكوثر: 1 – 3].. أتدرون ما الكوثر؟.. إنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد نجوم السماء،فيختلج([76]) العبد منهم، فأقول: رب، إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك؟)([77])

وهذا يدل على أن من خواص هذا الحوض أنه لا يمكن أن يشربه إلا الصادقون من أتباع الأنبياء، ولذلك يُمنع المحرفون والمبدلون لسنن أنبيائهم عن الاقتراب والشرب منه، كما صور ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (والذي نفسي بيده لأذودن رجالا عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض) ([78])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم ورفعوا إلي: اختلجوا دوني، فلأقولن، أي رب، أصيحابي، أصيحابي، فليقالن لي، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)([79])

وقد ورد ما يدل على أن كل أمة تقف كالطوابير بين يدي حوض نبيها، فلا يمر إلا من كان حقيقا بذلك، ففي الحديث، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (بينا أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمَّ، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله ! قلت: وما شأنهم؟قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى. ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله ! قلت ما شأنهم؟ قال إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ! فلا أراه يخلص منهم إلا مِثْلُ هَمَل النَّعَم)([80])

وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن هذا الحوض يشمل جميع الصادقين من أمته، وفي جميع الأزمنة، وهو ما يؤكد أن معية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستمرة في الأمة، وليست خاصة بزمان معين، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وددت أنا قد رأينا إخواننا) قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: (أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد)، فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: (أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟)، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم: ألا هلم؛ فيقال إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا)([81])

وقد كان الأصل في هذه الأحاديث، وما تحمله من التحذير عن مخالفة هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مدعاة للتقوى والورع والحرص على الاتباع الصحيح لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والحرص على وحدة الأمة، لكنها للأسف صارت مدعاة للتفرقة والتباهي، كما عبر القرطبي عن ذلك، وهو يحكي تلك التعاليم الطائفية التي استفادها من أساتذته: (قال علماؤنا رحمهم الله أجمعين: فكل من ارتد عن دين الله أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه، وأشدهم طردا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق وقتل أهله وإذلالهم والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع)([82])

ب ـ النعيم والعذاب:

مثلما عرفنا سابقا، فإن ذلك الموقف، وبناء على العدالة والرحمة الإلهية لا يخلو من النعيم والعذاب بشقيه الحسي والمعنوي، وذلك على حسب الأعمال التي تتجسد في ذلك الحين، لتكون نعيما للصالحين، وشقاء للمنحرفين.

وتجسد الأعمال ـ كما تشير إلى ذلك النصوص الكثيرة ـ يختلف بحسب المواقف والمراحل التي يمر بها الإنسان في النشأة الأخرى، ومن الأمثلة على ذلك ما ورد النص عليه من النور الجميل الذي تتجسد فيه الأعمال، لتقي أصحابها من الظلمات التي يعيشها الظلمة وغيرهم في ذلك الموقف، والتي تجسدت نتيجة أعمالهم المملوءة بالظلمة، كما قال تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ الله وَغَرَّكُمْ بِالله الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15) } [الحديد: 12 – 16]

ففي هذا المشهد المرتبط بالحشر وموقف الخلق في الآخرة، نسمع هذا الحوار الجاري بين المؤمنين وغيرهم، والذي يبين للمنافقين حقيقة الخداع والتلبيسات التي كانوا يلبسون بها على أنفسهم في الدنيا.

والأمر ـ كما ورد في النصوص المقدسة ـ لا يقتصر على ذلك، بل إن أرض المحشر تكون بمثابة الجنة للصالحين، بل إنهم قد يرون فيها من الفضل والنعيم ما لا يجدونه في الجنة نفسها.

ومن الأمثلة على ذلك ما ورد النص عليه في الأحاديث التي تذكر جلوس بعض أهل الموقف على منابر النور، وهم في غاية الروح والسرور يعاينون أهل الموقف، وانتظارهم للحساب، وقد يكون من بينهم أولئك المظلومين المحتقرين الذين لم ينصفوا؛ فينصفهم الله تعالى في ذلك الموقف، بأن يروا المحاكمة العادلة التي تجري لمن ظلموهم، والتي حرموا منها في الدنيا.

ومن تلك الأحاديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض خطبه: (اعقلوا واعلموا أن لله عبادا ليسوا بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء لمكانهم وقربهم من الله)، فقام أعرابي، فقال يا رسول الله، من هم حلهم لنا فسر وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقول الأعرابي؛ فقال: (هم قوم لم تصل منهم أرحام متقاربة من أفناء الناس ونوازع القبائل، تحابوا في جلال الله عز وجل، وتصافوا فيه وتزاوروا فيه، وتباذلوا فيه، يضع الله لهم منابر من نور فيجلسون عليها، وإن ثيابهم لنور، ووجوههم نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يفزعون إذا فزع الناس، أولئك أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)([83])

وفي حديث آخر ذكر بعض صفاتهم، وهي القسط، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور.. الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)([84])

وقد ورد ما يدل على أن هؤلاء الجالسين على منابر النور، لا يجلسون في انتظار الحساب، وإنما ليعاينوا أهل الموقف، وكيفية حسابهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)} [المطففين: 34 – 36]

وقد ورد في الحديث ما يدل عليه، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الشهداء ثلاثة رجال: رجل خرج بماله ونفسه محتسباً في سبيل الله لا يريد أن يقتل ولا يقتل ليكثر سواد المسلمين، فإن مات أو قتل غفرت ذنوبه كلها وأجير من عذاب القبر وأومن من الفزع الأكبر وزوج من الحور العين، ووضع على رأسه تاج الوقار، ورجل جاهد بنفسه وماله يريد أن يقتل ولا يقتل فإن مات أو قتل كانت ركبته مع ركبة إبراهيم خليل الرحمن في مقعد صدق عند مليك مقتدر، والثالث: رجل خرج بنفسه وماله محتسباً يريد أن يقتل ويقتل؛ فإن مات أو قتل جاء يوم القيامة شاهراً بسيفه واضعه على عنقه والناس جاثون على الركب يقول: ألا فأفسحوا لنا فإنا قد بذلنا دماءنا وأموالنا لله عز وجل، والذي نفسي بيده لو قالوا ذلك لإبراهيم خليل الرحمن، أو لنبي من الأنبياء لتنحى لهم عن الطريق لما يرى من واجب حقهم، حتى يأتوا منابر من نور، ويجلسون ينظرون كيف يقضي بين الناس لا يجدون غم الموت، ولا يغتمون في البرزخ، ولا تفزعهم الصيحة، ولا يهمهم الحساب، ولا الميزان ولا الصراط، ينظرون كيف يقضى بين الناس ولا يسألون شيئاً إلا أعطوه ولا يشفعون إلا شفعوا فيه، ويعطى من الجنة ما أحب وينزل من الجنة حيث أحب)([85])

وربما يكون لهؤلاء علاقة بأصحاب الأعراف، كما سنرى في المبحث الثاني بعد استعراض الأقوال الواردة فيهم.

وهكذا ورد في النصوص المقدسة المشاهد الكثيرة لأولئك الذين لم يجدوا من أعمالهم الصالحة ما يكون نورا وطهرا وطيبا لهم؛ فلذلك تظل صور أعمالهم السيئة، والتي صنعوها بأنفسهم تطاردهم في كل محل، حتى يتحقق لهم الطهر النهائي منها إن كانوا أهلا لذلك.

وقد ذكرنا سابقا بعض العذاب الذي يحصل لهم نتيجة تغير أشكالهم وصورهم وألوانهم إلى الشكل الذي صمموه بأنفسهم في حياتهم الدنيا، ذلك أن الأخلاق في ذلك الموقف هي التي تحدد صورة الخلقة.

ولهذا نرى القرآن الكريم يذكر المشاهد الكثيرة للآلام النفسية التي تعتري أولئك الذين وقفوا ذلك الموقف الطويل، وهم ينتظرون المحكمة الإلهية، وعلى بالهم وأمامهم صور كل ما فعلوه في تلك الفرصة التي أتيحت لهم لكنهم ضيعوها.

ومن تلك المشاهد ما نص عليه قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12]

ومنها ما نص عليه قوله تعالى:{وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ الله مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47]

ومنها ما نص عليه قوله تعالى:{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 27 – 29]

ومنها ما نص عليه قوله تعالى:{وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [يونس: 54]

ومنها ما نص عليه قوله تعالى:{وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِالله وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33)} [سبأ: 31- 33]

ولذلك كان من أسماء يوم القيامة يوم التغابن، كما قال تعالى: { يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ } [التغابن: 9]

وقد ورد الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتفسير سر تلك التسمية، حيث قال: (يفتح للعبد يوم القيامة على كل يوم من أيام عمره أربعة وعشرون خزانة ـ عدد ساعات الليل والنهار ـ فخزانة يجدها مملوءة نورا وسرورا فيناله عند مشاهدتها من الفرح والسرور ما لو وزع على أهل النار لادهشهم عن الإحساس بألم النار، وهي الساعة التي أطاع فيها ربه، ثم يفتح له خزانة اخرى فيراها مظلمة منتنة مفزعة فيناله عند مشاهدتها من الفزع والجزع ما لو قسم على أهل الجنة لنغص عليهم نعيمها، وهي الساعة التي عصى فيها ربه، ثم يفتح له خزانة اخرى فيراها فارغة ليس فيها ما يسره ولا ما يسوؤه وهي الساعة التي نام فيها أو اشتغل فيها بشئ من مباحات الدنيا، فيناله من الغبن والاسف على فواتها حيث كان متمكنا من أن يملاها حسنات ما لا يوصف، ومن هذا قوله تعالى: { ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ } [التغابن: 9])([86])

ومن أسمائه يوم الحسرة، ذلك أن الآلام النفسية فيه ربما تفوق الآلام الحسية، كما قال تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } [مريم: 39]

وهكذا نرى فيه المشاهد الكثيرة لتحسر الكافرين، ومنها هذا المشهد الذي يذكر خطاب الله تعالى لأولئك المجرمين في ذلك الموقف، والذين قضوا حياتهم كلها يكذبون به:{ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ الله حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [الأنعام: 30، 31]

ومنها تلك الصيحات التي يصيحها أولئك المحادون لله في ذلك الموقف الشديد، والتي تعبر عن حسرتهم الشديدة، قال تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ الله وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)} [الزمر: 55، 56]

وهي حسرة لا تصيب الكفار فقط، بل تشمل المؤمنين أيضا، من الذين قصروا في حق الله، أو تساهلوا في التعامل مع حدوده.

ومن الذين وردت النصوص بتحسرهم أولئك الذين كانوا يلهثون وراء المناصب من غير أن يؤدوا حق الله فيها، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم معبرا عن حسرتهم: (نعم الشىء الإمارة لمن أخذها بحقها، وبئس الشىء الإمارة لمن أخذها بغير حقها، فتكون عليه حسرة يوم القيامة)([87])

ومنهم أولئك الذين قصروا في ذكر الله، وخاصة بعد أن يروا الأنوار العظيمة التي ينعم بها الذاكرون في ذلك الموقف الممتلئ بالأهوال، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما جلس قوم مجلسا قط لم يذكروا الله إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة)([88])، وقال: (ما من قوم جلسوا مجلسا لم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم ترة، وما من رجل مشى طريقا فلم يذكر الله عز وجل إلا كان عليه ترة، وما من رجل أوى إلى فراشه فلم يذكر الله عز وجل إلا كان عليه ترة)([89])

ج ـ الانتظار والشفاعة:

ورد في الروايات الكثيرة ذكر الانتظار الطويل الذي يعانيه البشر في أرض المحشر للمحكمة الإلهية، والبت في قضاياهم، ومن تلك الروايات ما روي عن الإمام الصادق أنه قال: (إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئاً إلا أعطاه، فلييأس من الناس كلهم، ولا يكون له رجاء إلا من عند الله عز ذكره. فإذا علم الله عز وجل ذلك من قلبه لم يسأله شيئاً إلا أعطاه؛ فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها، فإن للقيامة خمسين موقفاً، كل موقف مقداره ألف سنة ثم تلا: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [السجدة: 5])([90])

 ومع جمال هذه الرواية، والأبعاد العرفانية والتربوية الكثيرة التي تحملها، نرى للأسف الكثير من الروايات التي دس فيها ما لا يتوافق مع النصوص القطعية من القرآن الكريم والحديث الشريف، ولذلك لا يمكن قبول كل ما فيها، بل تناقش على ضوء ما يعارضها من النصوص المقدسة.

ومن أشهر تلك الروايات تلك الرواية الطويلة التي حدث بها أبو هريرة، والتي تردد كثيرا على المنابر، ويكاد يعرفها الناس جميعا،، وقد ذكر فيها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أتي بلحم فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهش منها نهشة، ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذلك؟ يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدم عليه السلام فيقولون له: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح، إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات ـ فذكرهن أبو حيان في الحديث ـ نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى فيأتون، موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله، فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى ابن مريم، فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبيا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله قط، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبا، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد، فيأتون محمدا فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدا لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا، لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه، واشفع تشفع فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة، كما بين مكة وحمير، أو كما بين مكة وبصرى)([91])

ونحن لا نتجرأ على إنكار كل ما في هذا الحديث من تفاصيل، فقد يكون في بعضه بعض الصدق، ولكن بما أن الرواة يضيفون أحيانا بعض ما يعتبرونه توضيحات للحديث، فلذلك مناقشتنا له محاولة لتنقية الحديث من تلك الإضافات.

بناء على هذا؛ فإن أهم الانتقادات الموجهة لهذا الحديث تتمثل في:

أولا ـ أن أهل المحشر ـ كما ذكرت النصوص المقدسة ـ متفاوتون جدا في نعيمهم وعذابهم بحسب أعمالهم المجسدة لهم، ولذلك وضعهم جميعا في محل واحد، واعتبارهم جميعا يطلبون الشفاعة للتعجيل بانعقاد المحكمة الإلهية ـ كما ورد في الرواية ـ غير صحيح.

بالإضافة إلى ذلك، فقد ورد في النصوص ما يدل على أن الزمن في الآخر يكون مرتبطا بالأعمال، ولذلك تمر على المؤمن كل تلك الفترة الطويلة من الانتظار قصيرة جدا لا يكاد يشعر بها، وقد سبق أن ذكرنا ما ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: (يوم كان مقداره خمسين ألف سنة)، فقيل: ما أطول هذا اليوم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (والذي نفسي بيده، إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا)([92])، وفي رواية: (يهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس للغروب إلى أن تغرب)، وفي رواية: (إن الله ليخفف على من يشاء من عباده طوله كوقت صلاة مفروضة)

ولذلك نرى أن الناس المذكورين في الرواية ليسوا جميع الخلق، وإنما هم الكفار، أو ربما أولئك الذين واجهوا الأنبياء ولم يعرفوا حرمتهم، لكنهم أدركوا قيمتها في ذلك الحين.

بالإضافة إلى ذلك فإن تلك الرواية تتنافى مع هذا المشهد القرآني الذي صور النفخ في الصور، وما يحصل بعده، فقد قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70)} [الزمر: 68 – 71]

وبعدها أخبر الله تعالى مباشرة عن القرار الذي يقر فيه كل شخص بحسب عمله، فقال: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)} [الزمر: 71 – 74]

ثانيا ـ أن الحديث يذكر معنى خطيرا لا يتناسب مع عظمة الله، ولا مع ما ورد في النصوص المقدسة عن رحمة الله في الآخرة، ففيه: (إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله)

فهل يمكن أن تكون رحمة الله التي وسعت كل شيء قد زالت في ذلك الحين، وحل بدلها الغضب.. أم أن رحمة الله تعالى موجودة في كل حين، كما أن غضبه موجود في كل حين.. ولكن الاختلاف بحسب القابل والمحل.. أما الله فأعظم من أن تغيره الأحوال، أو تجري عليه الأحداث؟

مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه ذكر في الحديث أن رحمة الله تعالى في الآخرة، وبحسب القابل لها، تكون أعظم ظهورا من رحمته في الدنيا، لضيق وعاء الدنيا، كما ورد في الحديث: (إن الله خلق مائة رحمة، رحمة منها قسمها بين الخلائق وتسعة وتسعين إلى يوم القيامة)([93])

ثالثا ـ من التفاصيل التي وردت في الرواية، والتي لا نرى مناسبة لها، ما ذكره من أن الأنبياء عليهم السلام يبررون عدم تقدمهم للشفاعة باهتمامهم بأنفسهم، وذلك غير صحيح، فالأنبياء ممتلئون رحمة بالخلق، مثلهم مثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ولذلك أن يستحيل أن يكون ذلك هو السبب.

ومثل ذلك ادعاؤهم أن لهم أخطاء تحول بينهم وبين الدعاء، وذلك غير صحيح أيضا، فلا يكون النبي نبيا حتى يكون عارفا بالله، والعارف بالله يعلم أن رحمة الله أوسع من أن تضيق بخاطئ.

أما ما نراه في هذا في حال صحته، فهو أن الأنبياء عليهم السلام في ذلك المحل تبع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما ورد في الحديث: (لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعنى)([94])، بل كما نص على ذلك بصراحة قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 81، 82]

ولهذا فإن الأنبياء عليهم السلام في ذلك المحل الذي طلب منهم فيه دعوة الله تعالى أرسلوا من طلب منهم ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا باعتبارهم خاطئين، ولا باعتبار حرصهم على أنفسهم، وإنما باعتبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك المحل هو الإمام الذي لا يصح أن يتقدم عليه أحد.

والعجب أن هذا الحديث يذكر أن نوحا عليه السلام أعطاه الله تعالى دعوة واحدة، وأن نصيبه من الدعاء قد انتهى، كما ورد في الحديث: (وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي)، فهل نزل كرم الله إلى هذه الدرجة بحيث يمنح لعباده المقربين دعوة واحدة.

ثم إنا نرى الله تعالى يثني على نوح عليه السلام، ويثني على ما قام به من الدعاء على قومه، فكيف نضرب القرآن بهذا الحديث الذي يوهم أن نوحا عليه السلام أخطأ في الدعاء على قومه.

وهكذا نرى الحديث يرمي إبراهيم عليه السلام بالكذب، بل بثلاث كذبات خطيرة، وأن تلك الكذبات حالت بينه وبين أن يدعو الله..

بناء على هذا؛ فإن الجزء المتيقن في هذا الحديث إثبات الشفاعة العظمى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بعد المعاناة الطويلة التي يعانيها المنحرفون عنه في الانتظار والبحث عمن يتكفل بذلك.

وهي نوع من الدروس المقدمة لهم في هذا المجال، لأن أساس الإجرام الذي وقع فيه المنحرفون الانحراف عن الأنبياء وعدم تعزيرهم وتوقيرهم وطاعتهم، ولذلك يكتشفون في ذلك الموقف قيمتهم، وأهمتيهم، ويعرفون مدى نصحهم، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان: 27]

وهكذا نرى روايات أخرى تخص هذا الجانب، وربما يتوجه لها من النقد أكثر مما يتوجه لهذا الحديث، ومن أشهرها ما ورد في حديث طويل يفصل أحداث اليوم الآخر بطريقة بعيدة جدا عن المنهج القرآني، وما ورد في الأحاديث القطعية([95]).

فمن المشاهد الواردة فيه، والتي تخالف التصوير القرآني لأحداث اليوم الآخر هذا المشهد: (ثم تقفون موقفا واحدا، مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم، ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى تنقطع الدموع، ثم تدمعون دماء وتعرقون حتى يبلغ ذلك منكم أن يلجمكم، أو يبلغ الأذقان، فتضجون، وتقولون: من يشفع لنا إلى ربنا ليقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلا، فيأتون آدم، فيطلبون إليه ذلك، فيأبى، فيقول: ما أنا صاحب ذلك، ثم يسعون للأنبياء نبيا نبيا، كلما جاءوا نبيا أبى عليهم.قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حتى تأتوني، فأنطلق، حتى آتي الفحص، فأخر ساجدا. قال أبو هريرة: يا رسول الله: ما الفحص قال: موضع قدام العرش حتى يبعث الله إلي ملكا، فيأخذ بعضدي، فيرفعني، فيقول لي: يا محمد، فأقول: نعم لبيك يا رب، فيقول ما شأنك؟ – وهو أعلم- فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك، فاقض بينهم، فيقول شفعتك، أنا آتيكم، فأقضي بينكم)([96])

فهذا المشهد التجسيمي، والذي يجعل الخلق جميعا مؤمنهم وكافرهم يستوون في ذلك الموقف والتألم فيه لمدة سبعين سنة يتنافى مع ما ورد في النصوص المقدسة من اختلاف مواقف الناس في القيامة.

ومن المشاهد التجسيمية الواردة في الحديث، والتي يتعلق بها المجسمة مع تنافيها التام مع ما ورد في القرآن الكريم من تنزيه الله، هذا المشهد الذي يرفعه أبو هريرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي يقول فيه: (فأرجع فأقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، إذا سمعنا حسا من السماء شديدا، فينزل أهل السماء الدنيا مثل من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم، وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ قالوا: لا وهو آت، ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف حتى ينزل الجبار تبارك وتعالى في ظلل من الغمام والملائكة، ويحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم على تخوم الأرض السفلى، والأرض والسموات إلى حجرهم والعرش على مناكبهم، لهم زجل من تسبيحهم، يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، فيضع الله كرسيه حيث شاء من أرضه، ثم يهتف بصوته، فيقول: يا معشر الجن والإنس، إني قد أنصت لكم من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع قولكم، وأرى أعمالكم، فأنصتوا إلي، فإنما هي أعمالكم، وصحفكم، تقرأ عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) ([97])

فهذا المشهد يصور الله تعالى راكبا في الغمام، ثم يجلس على الكرسي، وعلى الأرض، ثم يخاطب عباده بحرف وصوت.. وهي جميعا مشاهد يغرم بها المجسمة، لأنهم لا يستطيعون أن يؤمنوا بإله ليس كمثله شيء.

د ـ الابتلاء والاختبار:

من أهم تجليات العدالة الإلهية في أرض المحشر ما وردت الإشارة إليه، بل التصريح به في نصوص كثيرة حول تلك الابتلاءات والاختبارات التي تجري لهم، بغية تصنيفهم وتمحيصهم، وربما يدخل فيها أيضا تربيتهم وتطهيرهم، مثلما حصل ذلك في البرزخ، ومثلما يحصل في كل المواقف بناء على ربانية الله، وتربيته لعباده لإخراجهم من الظلمات إلى النور.

ولذلك كان طول تلك الفترة، واختلافه باختلاف الأعمال، مبنيا على هذا الأساس، أو هو اعتبار من الاعتبارات المقصودة بالأصالة، مثلما يحصل في نشأتنا هذه من مكوث بعض الطلبة أثناء الامتحان بحسب تحضيرهم لها.. فبعضهم يكتفي بالدقائق المعدودة، وبعضهم لا تكفيه الساعات الطويلة مع أن الامتحان واحد، وقد تكون إجابة الذي أنهى مبكرا أفضل من الذي تأخر في خروجه.

ولعل تلك الآيات الكريمة التي تبين أن التمييز القطعي في القضايا المختلف فيها يؤجل إلى يوم القيامة يقصد به هذا المحل، كما قال تعالى: { إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [النحل: 92]

ومثله ما أخبر به عن الاختلاف الحاصل بين الشرائع، كما قال تعالى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 48]

ومثله ما أخبر به عن الاختلاف الحاصل بين العقائد، كما قال تعالى في شأن المسيح عليه السلام، والخلاف العقدي الذي وقع حوله: { إِذْ قَالَ الله يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَالله لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)} [آل عمران: 55 – 57]

وغيرها من الآيات الكريمة التي تدعو إلى التعايش بين البشر في ظل المختلف فيه، إلى أن يكشف الله الحقائق في يوم المحشر.

وبذلك فإنها تبين أن المعارف الحقيقية الكبرى ستكتسب هناك، لمن لم يكتسبها في الدنيا، أو تكبر على اكتسابها فيها، وذلك بعد مروره بأنواع كثيرة من الاختبار.

بالإضافة إلى هذا، فقد ورد في الروايات المتفق عليها بين المدارس الإسلامية ما يشير إلى الاختبارات الخاصة بأولئك الذين لم يتح لهم في الدنيا أن ينعموا بشروط التكليف، وخاصة العقل، ذلك الذي لا يثاب الشخص أو يعاقب إلا على أساسه، كما روي عن الإمام الباقر قوله: (لـمـا خلق الله العقل استنطقه، ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له، أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك، ولا أكملتك إلا فيمن أحب، أما إني إياك آمر وإياك أنهى، وإياك أعاقب وإياك أثيب)([98])

ومثل فاقد العقل أولئك الذين عاشوا في زمن الفترة، ولم يكن لهم رسول، أو وصلتهم الرسالة، ولكنها مشوهة مغيرة مبدلة لا تقوم بها الحجة، ولذلك لم يحاسبوا على أساسها، كما قال تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]

لكن هؤلاء لو قلنا بدخولهم الجنة مباشرة من غير أن يمحصوا بالتكليف قد تثور ثائرة أولئك الذين كلفوا، ويصيحوا بانعدام العدل، ذلك أنه كيف يكلف قوم، ويدخلون النار آمادا طويلة، بينما لا يكلف آخرون، ويدخلون الجنة هكذا من دون عمل عملوه.

وقد قلنا في كتاب [أسرار الأقدار] عند الحديث عن هذه المسألة في الفصل الخاص بأسرار العدالة: (قد عرفنا أن أمر المكلف بيده، فإن أحسن فلنفسه، وإن أساء فعليها، ولا حجة له بعد أن قامت عليه كل الحجج.. لكن كيف يتحقق العدل مع غير المكلف؟.. مع ذلك الصبي الذي مات وهو يحمل بذور الخير والشر، والتي لم تسق بعد فتنبت.. أو مع ذلك الفلاح الذي عاش في أقاصي الأرض منهمكا مع محراثه لا يعلم بإله، ولا يعرف نبيا.. أو مع ذلك المعتوه الذي يرمى بالحجارة، ولو كان عاقلا لتبين معدنه، وتحقق خبثه أو طيبه.. إن قلنا بأنهم يدخلون الجنة، فبأي عمل عملوه؟ وإن قلنا بأنهم يدخلون النار، فبأي جناية جنوها؟.. وإن قلنا: إن أمرهم للمشيئة، أو لعلم الله فيهم، فلماذا لم يكن أمر الخلق جميعا للمشيئة، فلم تقم محكمة القيامة، ولم يكن هناك حساب ولا كتب ولا موازين؟.. وإن قلنا: إن أمرهم للرحمة، فقد يقول البالغ: لماذا يارب لم تتوفني صبيا لتشملني رحمتك التي شملت الصبي؟.. ويقول العاقل: لم يارب لم تذهب عقلي لأبصر من الرحمة ما يبصره المجنون؟.. ويقول الفيلسوف: لم يا رب لم تجعلني في غياهب الجهل التي حميت بها ذلك الفلاح البسيط من التعرض لمقتك وعقابك؟)([99])

ثم ذكرنا الأقوال المختلفة في المسألة، وبينا أن أكثرها لا يمكن اعتمادها، بناء على مجافاتها للرحمة أو العدالة الإلهية..

فمن أمثلة الأقوال المجافية للرحمة تلك التي تنص على أنهم في النار، وللأسف فإن هؤلاء يعتمدون بعض الأحاديث التي يظهر عليها الوضع والتدليس وتشويه النبوة، ومن أمثلتها ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن أولاد المسلمين أين هم؟، فقال:(في الجنة) وسئل عن أولاد المشركين أين هم يوم القيامة؟، فقال:(في النار)، فقيل له:(لم يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم الأقلام) قال:(ربك أعلم بما كانوا عاملين، والذي نفسي بيده لئن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار) ([100])

وهذا الحديث الذي يظهر عليه الوضع لا يصح أن يستدل به على مثل هذا، زيادة على معارضته النصوص المحكمة والأحاديث الصحيحة.

ومن الأحاديث الموضوعة الخطيرة التي تروى في هذا المجال من دون تحقيق أو تمحيص، ومن دون عرضها على محكم القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ فيغتر بها، ما يروى عن سلمة بن يزيد الجعفي: قال: أتيت أنا وأخي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلنا:(إن أمنا ماتت في الجاهلية، وكانت تقري الضيف، وتصل الرحم، فهل ينفعها من عملها ذلك شيء؟)، قال:(لا) قلنا له:(فإن أمنا وأدت أختا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث) فقال:(الموؤودة والوائدة في النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم)([101])

وهذا الحديث زيادة على تناقضه مع عدالة الله المطلقة والتي قد تدرك بالعقل يتناقض مع القرآن الكريم الذي نص على أن المؤودة تسأل عن أي ذنب قُتلت ليكون ذلك تهديداً لقاتلها، فإنه إذا سئل المظلوم فما ظن الظالم، قال تعالى:{ وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} (التكوير:8 ـ 9)

زيادة على ذلك تصريح النصوص الصحيحة بعكس ذلك، وأنها في الجنة، وقد يكون ذلك رحمة خاصة بها، ولذلك قرنت بالشهيد في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموؤدة في الجنة)([102])

لكن للأسف، ومع مخالفة ذلك الحديث للقرآن الكريم، ولقيم العدالة، حيث تعفى الوائدة الظالمة من العذاب، في نفس الوقت الذي تتوعد الموءوة الصغيرة المظلومة به، نجد من يدافع عنه، لا لشيء إلا للحرص على أولئك الرواة الذين رووه، حتى لا يتهموا بالكذب.

ومن الأمثلة على ذلك قول ابن عبد البر عند كلامه عن هذا الحديث: (وهو حديث صحيح من جهة الإسناد إلا أنه محتمل أن يكون خرج على جواب السائل في عين مقصودة، فكانت الإشارة إليها والله أعلم، وهذا أولى ما حمل عليه هذا الحديث لمعارضة الآثار له، وعلى هذا يصح معناه، والله المستعان)([103])

وقال ابن القيم: (الجواب الصحيح عن هذا الحديث: أن قوله (إن الوائدة والموءودة في النار) جواب عن تينك الوائدة والموءودة، اللتين سئل عنهما، لا إخبار عن كل وائدة وموءودة، فبعض هذا الجنس في النار، وقد يكون هذا الشخص من الجنس الذي في النار)([104])

وقال الألباني: (إن الحديث خاص بموءودة معينة وحينئذ (ال) في (المؤودة) ليست للاستغراق بل للعهد. ويؤيده قصة ابني مليكة)([105])

وغيرها من الأقوال التي قيل بها بسبب الحرص على الرواة، لا على القيم التي جاء بها القرآن الكريم، ودعا إلى تفعيلها في كل شيء.

بناء على هذا، فإن كل الأحاديث التي تخالف العدالة والرحمة الإلهية تخالف القرآن الكريم، وبذلك لا يمكن قبولها، ومنها ما رووه من احتجاج الجنة والنار، وأن الله تعالى ينشئ للنار خلقا يسكنهم إياها، وهذا الحديث غير محفوظ به الصيغة، بل لفظه الصحيح، هو قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين؛ وقالت الجنة: مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ قال الله عزَّ وجلَّ، للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها. فأما النار فلا تمتليء حتى يضع رجله فيها فتقول: قط قط فهنالك تمتليء وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله عزَّ وجلَّ من خلقه أحداً، وأما الجنة فإن الله عزَّ وجلَّ ينشيء لها خلقاً آخر)([106])

ولو فرضنا صحة ما استدلوا به،أو فرضنا أن المراد بالرجل في الحديث خلق من خلق الله، فقد يكون لهذا الخلق خاصية التنعم بالنار، فتكون جهنم نعيما لهم، أو أن لا يكون لها أي تأثير عليهم، كما أنه ليس لها أي تأثير على خزنة جهنم وزبانية النار.

ومما استدلوا به كذلك قوله تعالى:{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} (الطور:21)، فقاسوا ذرية الكافرين بذرية المؤمنين، وهو قياس غير صحيح؛ فليست هناك أي علة يمكن الرجوع إليها في هذا، والقياس لا يصح في الغيبيات.

ومثل ذلك تلك الأقوال التي تذكر أنهم في الجنة، فهي وإن اتفقت مع الرحمة الإلهية إلا أنها لا تتفق مع العدالة المطلقة، ومن الروايات التي يروونها في هذا المجال أن رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم قال يحكي رؤيا رآها:(فأتينا على روضة معتمة فيها من كل لون الربيع وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط) ثم قال:(وأما الولدان حوله فكل مولود مات على الفطرة) فقال بعض المسلمين:(يا رسول الله وأولاد المشركين)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(وأولاد المشركين)([107])

ولهذا فإن أرجح الأقوال في المسألة، والذي وردت به الرواية في مصادر الفريقين، هو إعطاء الفرصة لهؤلاء لاختبار تمحص به حقائقهم، وتبلى به سرائرهم؛ فهذا القول ينسجم مع عدالة الجزاء، وقد تجمع على أساسه النصوص المختلفة.

ومن أحسن تلك الروايات ما روي عن الإمام الباقر أنه قال: (إذا كان يوم القيامة احتجّ الله عزّ وجلّ على سبعة: على الطفل، والذي مات بين النبيّين، والشيخ الكبير الذي أدرك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو لا يعقل، والأبله، والمجنون الذي لا يعقل، والأصم، والأبكم، كلُّ واحدٍ منهم يحتجّ على الله عزّ وجل، قال: فيبعث الله عزّ وجل إليهم رسولاً فيؤجّج لهم ناراً ويقول: إنّ ربّكم يأمركم أن تَثِبوا فيها، فمن وثب فيها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن عصى سِيقَ إلى النّار)([108])

أما الروايات الواردة في المصادر السنية، فهي مع إقرارها بالامتحان والاختبار الإلهي لهم، إلا أنها تخلط ذلك بالجبر، وبكونهم يدخلون النار جميعا، ولذلك نرى أن تلك الأجزاء من تصرف الرواة، ومن الأمثلة عليها ما رووا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(أربعة يمتحنون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في الفترة، أما الأصم فيقول:(يا رب قد جاء الإسلام وما أسمع شيئا) وأما الأحمق فيقول:(يا رب قد جاء الإسلام والصبيان يرمونني بالبعر) وأما الهرم فيقول:(يا رب قد جاء الإسلام وما أعقل شيئا) وأما الذي مات في الفترة فيقول:(ما أتاني لك رسول)، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم رسولا أن ادخلوا النار)، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما، ومن لم يدخلها سحب إليها)([109])

ومثله ما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال:(يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلا وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيرا، فيقول الممسوخ عقلا: يا رب لو آتيتني عقلا ما كان ما آتيته عقلا بأسعد بعقله مني، ويقول الهالك في الفترة: لو أتاني منك عهد ما كان من أتاه منك عهد بأسعد بعهدك مني، ويقول الهالك صغيرا: يا رب لو آتيتني عمرا ما كان من آتيته عمرا بأسعد بعمره مني، فيقول الرب سبحانه: إني آمركم بأمر أفتطيعوني؟ فيقولون: نعم وعزتك فيقول: اذهبوا فادخلوا النار، ولو دخلوها ما ضرهم، فتخرج عليهم قوابس يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله عز وجل من شيء، فيأمرهم فيرجعون سراعا يقولون: خرجنا يا رب وعزتك نريد دخولها، فخرجت علينا قوابس ظننا أنها قد أهلكت ما خلق الله عز وجل من شيء، فيأمرهم الثانية، فيرجعون كذلك فيقولون مثل قولهم فيقول الله عز وجل سبحانه: قبل أن تخلقوا علمت ما أنتم عاملون وعلى علمي خلقتكم وإلى علمي تصيرون ضميهم، فتأخذهم النار)([110])

ومثلها ما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم عز وجل فيقولون: لم ترسل إلينا رسولا ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك، فيقول ربهم: أرايتم إن أمرتكم بأمر تطيعونه؟ فيقولون: نعم، فيأمرهم أن يعبروا جهنم فيدخلونها فينطلقون حتى إذا دنوا منها سمعوا لها تغيظا وزفيرا فيرجعون إلى ربهم فيقولون: ربنا أخرجنا منها، فيقول: ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني، فيأخذ على ذلك من مواثيقهم فيقول: اعمدوا لها فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا فرجعوا فقالوا: ربنا! فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها، فيقول: ادخلوها داخرين)، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(فلو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردا وسلاما)([111])

وغيرها من الروايات التي يمكن أن نقبل منها الاختبار الإلهي لأولئك الذين لم يتح لهم التكليف في الدنيا، ولكنا لا نستطيع أن نقبل منها ما عدا ذلك لمخالفته لقيم العدالة والرحمة الإلهية.

وقد وقف العلماء في المدرسة السنية من تلك الأحاديث موقفين؛ فمنهم من أنكرها لضعفها الشديد([112])، ومنهم من دافع عنها ـ للأسف ـ جملة من دون تحديد المقبول منها من المرفوض.

ومن أمثلة المدافعين عنها ابن كثير الذي قال فيها بعد عرضها:(إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها)([113])

ومنهم ابن حجر الذي قال ـ عند عرضه للأقوال في المسألة ـ: (سابعها: أنهم يُمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار، فمن دخلها: كانت عليه برداً وسلاماً، ومن أَبَى: عُذِّب، أخرجه البزار من حديث أنس، وأبي سعيد، وأخرجه الطبراني من حديث معاذ بن جبل، وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون، ومن مات في الفترة من طرق صحيحة، وحكى البيهقي في [كتاب الاعتقاد] أنه المذهب الصحيح)([114])

وأيدها ابن القيم بجملة وجوه، منها([115]):

1. أن هذه الأحاديث كثرت بحيث يشد بعضها بعضا، وقد صحح الحفاظ بعضها.

2. أن غاية ما يقدر فيه أنه موقوف على الصحابي، ومثل هذا لا يقدم عليه الصحابي بالرأي والاجتهاد، بل يجزم بأن ذلك توقيف لا عن رأي.

3. أن هذه الأحاديث يشد بعضها بعضا فإنها قد تعددت طرقها، واختلفت مخارجها، فيبعد كل البعد أن تكون باطلة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، زيادة على أنه قد رواها أئمة الإسلام ودونوها ولم يطعنوا فيها.

4. أنه وإن أنكرها بعض المحدثين، فقد قبلها الأكثرون، والذين قبلوها أكثر من الذين أنكروها وأعلم بالسنة والحديث، وقد حكى الأشعري اتفاق أهل السنة والحديث على القول بها.

5. اتفاقها مع العدالة، وذلك حتى لا يتأسف العاقل على أنه لم يكن مجنونا، أويتأسف البالغ على انه لم يمت صبيا، قال ابن القيم:(فهي تفصيل لما أخبر به القرآن أنه لا يعذب أحد إلا بعد قيام الحجة عليه، وهؤلاء لم تقم عليهم حجة الله في الدنيا، فلا بد أن يقيم حجته عليهم، وأحق المواطن أن تقام فيه الحجة يوم يقوم الأشهاد وتسمع الدعاوى وتقام البينات ويختصم الناس بين يدي الرب وينطق كل أحد بحجته ومعذرته فلا تنفع الظالمين معذرتهم وتنفع غيرهم)([116])

6. اتفاقها مع الرحمة، فإن الله تعالى يكلف هؤلاء بعد معاينتهم لأمر الآخرة، ويكون التكليف حينها مع شدته هينا.

7. اجتماع النصوص على أساسها، فلأن من هؤلاء من يطيع الله، فيدخل الجنة، ومنهم من يعصيه، فيدخل النار، وبذلك كله وردت النصوص.

أما الاعتراض الذي قد يوجه لهذا القول، وهو ما ساد اعتقاده من أن الدار الآخرة دار الجزاء لا دار التكليف، فكيف يكلف هؤلاء بالعمل، فقد أجاب عليه ابن القيم بأن لهؤلاء أحوالهم الخاصة التي قد لا يشاركهم فيها غيرهم، بالإضافة إلى أن الأدلة متظافرة على أن هذا الاعتقاد السائد ليس على عمومه، وقد قال تعالى:{ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ} (القلم:42)

زيادة على ذلك ما ثبت في النصوص الكثيرة من الامتحانات والأسئلة التي يتعرض لها أهل القبور.

أما تصور استحالة أن يكلفهم الله دخول النار، لأن ذلك ليس في وسعهم، فغير صحيح لأن ذلك في وسعهم من جهة، وهو مع مشقته لا يختلف كثيرا عن الكثير من التكاليف التي يطلب بها الفوز بسعادة الأبد، ومنها أن الله تعالى يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على جهنم أحد من السيف وأدق من الشعرة، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل، والركاب، ومنهم الساعي ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبواً، ومنهم المكدوش على وجهه في النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا بل هذا أطم وأعظم.

ومنها ما ثبت في السنّة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار فإنه يكون عليه برداً وسلاماً، وهذا يشبه إلى حد كبير هذا الامتحان الذي تعرض له هؤلاء.

ومنها أن الكثير من الأوامر التي أمر الله تعالى بها في الدنيا نظير الأمر بدخول النار (فإن الأمر بإلقاء نفوسهم بين سيوف أعدائهم ورماحهم وتعريضهم لأسرهم لهم وتعذيبهم واسترقاقهم لعله أعظم من الأمر بدخول النار)([117])

زيادة على ذلك كله، فإن أمرهم بدخول النار ليس عقوبة لهم، وكيف يعاقبهم على غير ذنب؟ (وإنما هو امتحان واختبار لهم هل يطيعونه أو يعصونه فلو أطاعوه ودخلوها لم تضرهم وكانت عليهم بردا وسلاما، فلما عصوه وامتنعوا من دخولها استوجبوا عقوبة مخالفة أمره، والملوك قد تمتحن من يظهر طاعتهم هل هو منطو عليها بباطنه فيأمرونه بأمر شاق عليه في الظاهر، هل يوطن نفسه عليه أم لا؟فإن أقدم عليه ووطن نفسه على فعله أعفوه منه، وإن امتنع وعصى ألزموه به أو عاقبوه بما هو أشد منه)([118])

ومن هذا الباب أمر الله تعالى الخليل u بذبح ولده، ولم يكن مراده تعالى من ذلك سوى امتحانه على مدى امتثاله وتسليمه وتقديمه محبة الله على محبة الولد، فلما فعل ذلك رفع عنه الأمر بالذبح.

بل إن عباد النار ـ مع كفرهم ـ يتهافتون فيها ويلقون أنفسهم فيها طاعة للشيطان، ولا يقولون: ليس ذلك في وسعنا مع تألمهم بها غاية الألم، (فعباد الرحمن إذا أمرهم أرحم الراحمين بطاعته باقتحامهم النار كيف لا يكون في وسعهم وهو إنما يأمرهم بذلك لمصلحتهم ومنفعتهم)([119])

فليس أمرهم بدخول النار من باب العقوبة في شيء، لأن (الله تعالى اقتضت حكمته وحمده وغناه ورحمته ألا يعذب من لا ذنب له، بل يتعالى ويتقدس عن ذلك كما يتعالى عما يناقض صفات كماله، فالأمر باقتحام النار للخلاص منها هو عين الحكمة والرحمة والمصلحة، حتى لو أنهم بادروا إليها طوعا واختيارا ورضي حيث علموا أن مرضاته في ذلك قبل أن يأمرهم به لكان ذلك عين صلاحهم وسبب نجاتهم، فلم يفعلوا ذلك ولم يمتثلوا أمره، وقد تيقنوا وعلموا أن فيه رضاه وصلاحهم، بل هان عليهم أمره وعزت عليهم أنفسهم أن يبذلوا له منها هذا القدر الذي أمرهم به رحمة وإحسانا لا عقوبة)([120])

هذا ما ذكره ابن القيم في الدفاع عن ذلك التكليف، ونحب أن نعقب عليه بأن تلك الروايات الواردة في الاختبار، والتي قد يصعب قبول ذلك الاختبار الوارد فيها.. لا يمكن الحكم عليها انطلاقا من عالمنا، ذلك أن أولئك سيختبرون في محل آخر مختلف تماما عن عالمنا، وربما يكون للأمر بدخول النار في ذلك العالم ما يؤيده من الحكمة والعدالة والقيم الثابتة.

ذلك أن التكليف بالمستحال كما هو محال في الدنيا؛ فهو محال أيضا في الآخرة، وفي كل محل، ذلك أن رحمة الله تعالى وعدالته وكل أسمائه الحسنى تتنافى مع ذلك.

وربما يكون أحسن المواقف في هذا هو القبول بكون أولئك الذين لم تتح لهم فرصة الاختبار في الدنيا تتاح لهم الفرصة هناك في أرض المحشر، من غير تحديد للكيفية، لأن ذلك يرتبط بالمعطيات الخاصة بذلك العالم.

وقد يقال هنا: بان هؤلاء الذين عاينوا فترة البرزخ، وما بعدها من أحداث سيسهل عليهم النجاح في الاختبار بخلاف الذين لم يروا كل ذلك، وبذلك تنتفي العدالة، لأن بعض الممتحنين عاينوا الإجابة بخلاف غيرهم.

والجواب على هذا وارد في النصوص المقدسة، والتي تخبر أن الله تعالى هو المتحكم في كل أجهزة الإنسان من الذاكرة وغيرها، ولذلك إن أراد تكليفه، فإنه ما أسهل أن يزيل من ذاكرته كل ما يحول بينه وبين ذلك التكليف.

ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: { وَأَقْسَمُوا بِالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ الله وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ } [الأنعام: 109] لكن الله تعالى رد عليهم بأن ذلك ليس في طاقتهم، وإنما هو لله، فقال: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110]

ومن أحسن الأمثلة على ذلك ما ورد في القرآن الكريم من أخذ العهد على بني آدم، فقد أخبر الله تعالى أن البشر جميعا سمعوا ذلك العهد وأقروا به، كما قال تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 172، 173]

لكنهم نسوه في مرحلة التكليف، حتى تبلى سرائرهم، وتمحص حقائقهم، ويظهر معها طيبهم أو خبثهم.

ثانيا ـ الحساب والموازين.. وتجليات العدالة:

بعد تلك الفترة التي يقف فيها أهل المحشر بحسب أعمالهم وتوجهاتهم وأممهم، والتي يختلف زمنها بحسب كل شخص منهم، تبدأ مرحلة جديدة في ذلك العالم، هي مرحلة التجلي الأعظم للعدالة المطلقة، والذي وردت الكثير من تفاصيلها في النصوص المقدسة.

ومن خلال استقراء تلك النصوص نجد أنه يمكننا تقسيمها إلى أربعة مراحل على هذا الترتيب، والذي قد يقع الخلاف في بعض تفاصيله:

الأولى: عرض الأعمال: وهي أن يتاح لكل شخص أن يستعرض كتاب أعماله، ليطلع على ما فيه، ويتأكد من كل شيء فعله، وأنه لم يضف فيه، ولم ينقص منه.

الثانية: طلب الشهود: وفي هذه الحالة يمكنه طلب التأكد مما كتب، أو طلب الشهود إن لم يثق بما ورد في الكتب.

الثانية: الامتحان والحساب: وهو إتاحة الفرصة لكل شخص ليدلي بحججه، ويجيب عن الأسئلة التي تطرح عليه، وذلك أثناء مناقشة كل عمل قام به، ويدخل في هذا الحساب تلك الذنوب المتعدية التي تتعلق بحقوق الآخرين، والتي يسمح فيها للمتخاصمين بأن يلتقي بعضهم بعضا، ويدلي كل واحد منهم بما لديه من حجج.

الثالثة: وضع الأعمال وغيرها في الموازين: والتي تقوم بوزن كل عمل صالح أو غير صالح، ووزن صاحبها ومقاصده وكل شيء يرتبط به، وبعد هذه الموازين تظهر النتيجة التي تبين المصير الذي يصير إليه الشخص، إما الجنة، وإما النار.

الرابعة: الشفاعة والشهادة والسراط: فبعد أن تظهر نتائج عمل كل شخص، يتدخل الشفعاء والشهداء ويعرض الشخص على السراط، لأن هناك من السيئات ما قد يعفى عنه، ومنها ما لا يمكن أن يعفى عنه، ولذلك يكون الشهداء والسراط ممحصات أخرى بالإضافة للموازين.

وسنستعرض هذه المراحل الأربعة، وكيفيتها، وتجليات العدالة المرتبطة بها، في هذا المبحث، وقبل ذلك نسوق نصا من كلام الإمام علي، يرد فيه على بعض الإشكالات التي تجعل البعض يتوهم تعارض النصوص المقدسة بناء على عدم فهم ما يجري من أحداث في ذلك العالم.

فقد روي أن رجلا أتى الإمام علي، فقال: يا أمير المؤمنين، إني قد شككت في كتاب الله المنزل، فقال له الإمام: ثكلتك أمك، وكيف شككت في كتاب الله المنزل، فقال الرجل: لأني وجدت الكتاب يكذب بعضه بعضا، فكيف لا أشك فيه، فقال له الإمام: (إن كتاب الله ليصدق بعضه بعضا، ولا يكذب بعضه بعضا ولكنك لم ترزق عقلا تنتفع به، فهات ما شككت فيه من كتاب الله عز وجل !)([121])

ثم عرض له الرجل ما توهمه من تعارضات، ومنها قوله: (وجدت الله عز وجل يقول: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22]، ويقول: { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 94]، ويقول: { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 210]، ويقول: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158]، فمرة يقول: يوم يأتي ربك، ومرة يقول: يوم يأتي بعض آيات ربك، فأنى ذلك يا أمير المؤمنين، وكيف لا أشك فيما تسمع؟! وغيرها من الإشكالات.

ومن إجابات الإمام علي قوله: (وأما قوله: { يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ: 38] وقوله: { وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23]، وقوله: { ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ } [العنكبوت: 25]، وقوله: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ} [ص: 64]، وقوله: {قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ} [ق: 28]، وقوله: { الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [يس: 65]، فإن ذلك في موطن غير واحد من مواطن ذلك اليوم، الذي كان مقداره خمسين ألف سنة، يجمع الله عز وجل الخلائق يومئذ في مواطن، ويكلم بعضهم بعضا، ويستغفر بعضهم لبعض، أولئك الذين كان منهم الطاعة في دار الدنيا. ويلعن أهل المعاصي الرؤساء والأتباع الذين بدت منهم البغضاء، وتعاونوا على الظلم والعدوان في دار الدنيا، المستكبرين والمستضعفين، يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضا. والكفر في هذه الآية البراءة، يقول: يبرأ بعضهم من بعض، ونظيرها في سورة إبراهيم قول الشيطان: { إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ } [إبراهيم: 22]، ثم يجتمعون في موطن آخر يبكون فيه، فلو أن تلك الأصوات بدت لأهل الدنيا لأذهلت جميع الخلق عن معائشهم، ولتصدعت قلوبهم إلا ما شاء الله، فلا يزالون يبكون الدم.. ثم يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيه فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، فيختم الله تبارك وتعالى على أفواههم، ويستنطق الأيدي والأرجل والجلود، فتشهد بكل معصية كانت منهم.. ثم يرفع عن ألسنتهم الختم فيقولون لجلودهم: لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ.. ثم يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون، فيفر بعضهم من بعض، فذلك قوله عز وجل: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ } [عبس: 34، 35]، فيستنطقون فـ: {لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا } [النبأ: 38]، فيقوم الرسل صلى الله عليهم فيشهدون في هذا الموطن، فذلك قوله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41]، ثم يجتمعون في موطن آخر، يكون فيه مقام محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو المقام المحمود، فيثني على الله تبارك وتعالى بما لم يثن عليه أحد قبله، ثم يثني على الملائكة كلهم، فلا يبقى ملك إلا أثنى عليه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يثني على الرسل بما لم يثن عليهم أحد قبله ثم يثني على كل مؤمن ومؤمنة، يبدأ بالصديقين والشهداء ثم بالصالحين، فيحمده أهل السماوات والأرض.. ثم يجتمعون في موطن آخر ويدال بعضهم من بعض. وهذا كله قبل الحساب فإذا أخذ في الحساب شغل كل إنسان بما لديه)

إلى آخر الحديث، وهو يبين أن اختلاف النصوص الواردة في المحشر، لا يدل على التعارض، وإنما يدل على اختلاف المواقف، كما رأينا ذلك في المباحث السابقة، وكما سنراه في سائر المباحث.

1 ـ الأعمال وكتبها:

أول تجليات العدالة الإلهية في أرض المحشر، وقبل الحساب والموازين ـ كما تدل النصوص المقدسة ـ عرض سجلات الأعمال على أصحابها لينظروا فيها، ويتأكدوا منها، قبل أن يحاسبوا عليها.

وقد أخبر القرآن الكريم أن الذي تولى تسجيل تلك الكتب والسجلات هم الملائكة عليهم السلام، والمختصين بهذا الجانب، لتناسبه مع طبيعتهم وخصائصهم، ولهذا سماهم الله تعالى (كراماً كاتبين)، قال تعالى:{ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} (الانفطار:10 ـ12)

وقبل أن نذكر أنواع الأعمال المسجلة في تلك الكتب، وكيفية قراءتها، نحب أن نذكر ما ذكره بعض المعاصرين من التصويرات التي تقرب ذلك للعقول، وخاصة تلك التي لا زالت على بدائيتها، متوهمة استحالة تسجيل الأعمال.

ومن تلك التقريبات ما ذكره وحيد الدين خان في كتابه [الإسلام يتحدى] عند ذكره لبراهين الآخرة، ورده على المشككين فيها، وقد قدم لذلك بقوله: (إن الحياة، كما نتصور، ليست (غدوا ورواحا)، كما يراها الفيلسوف الألماني (نيتشه)، والتي تمتلىء وتخلو كالساعة، ولاهدف لها أكثر من ذلك.. إن الحياة (الآخرة) ذات هدف عظيم، هو المجازاة على أعمال الدنيا، خيرا كانت أو شرا)([122])

ثم بين مدى مساهمة العلم الحديث في تقريب ذلك، فقال: (وهذا الجزء من نظرية الآخرة يكاد يتضح جليا حين نعلم أن أعمال كل انسان تحفظ وتسجل بصفة دائمة، وبغير توقف، فللإنسان ثلاثة أبعاد، يعرف من خلالها، هي: نيته، وقوله، وعمله. وهذه الأبعاد الثلاثة تسجل بأكملها. فكل حرف يخرج عن لساننا، وكل عمل يصدر عن عضو من أعضائنا يسجل في الأثير (الفضاء)؛ ويمكن عرضه في أي وقت من الأوقات بكل تفاصيله، لنعرف إذا شئنا كل ما قاله، أو فعله أي انسان في هذه الحياة الدنيا، من خير أو شر) ([123])

ثم بدأ يذكر ما توصل إليه العلم من كيفية تسجيل الأفكار والخواطر، فقال: (إن الأفكار تخطر على بالنا، وسرعان ما ننساها، ويبدو لنا أنها انتهت، فلم يعد لها وجود، ولكنا، بعد فترة طويلة، نراها رؤى خلال النوم، أو نذهب نتكلم عنها في حالات الهستريا أو الجنون، دون أن ندري شيئا مما نقول. وهذه الوقائع تثبت قطعيا أن العقل أو الحافظة ليست تلك التي نشعر ونحس بها فحسب، وإنما هناك أطراف أخرى من هذه الحافظة لانشعر بها، وهي ذات وجود مستقل، وذات كيان قائم بنفسه، وقد أثبتت التجارب العلمية أن جميع أفكارنا تحفظ في شكلها الكامل، ولسنا قادرين على محوها أبدا، وأثبتت هذه التجارب أيضا أن الشخصية الانسانية لاتنحصر فيما نسميه (الشعور)، بل هناك أجزاء أخرى من الشخصية الانسانية تبقى وراء الشعور، يسميها فرويد: (ماتحت الشعور)، أو (اللاشعور). وهذه الأجزاء تشكل جانبا كبيرا من شخصيتنا، بل هي الجانب الأكبر منها فمثلها لمثل جبل من الجليد في أعالي البحار أجزاؤه الثمانية مستكنة تحت الماء، على حين لايطفو منه الا الجزء التاسع. وتلك هي مانسميه: (تحت الشعور)، الذي يسجل ويحفظ كل مانفكر فيه، أو ننتويه) ([124])

ثم نقل عن (فرويد) قوله: (إن قوانين المنطق، بل أصول الأضداد أيضا، لاتحول دون عمل (اللاشعور)، وإن الأماني المتناقضة موجودة فيه جنبا إلى جنب، دون أن تقضى واحدة منها على الأخرى، ولاشيء في اللاشعور يشبه أن يكون (رفضا) لشيء من هذه المتناقضات. إننا نتحير لما نشاهده من أن أللاشعور يبطل رأي فلاسفتنا القائلين بأن جميع أفعالنا العقلية الشعورية تتم في زمن محدد، ولكن لاشيء في اللاشعور يطابق الفكر الزمني، ولايوجد فيه أي رمز لمضي الوقت وسريانه، وهي حقيقة محيرة. ولم يحاول الفلاسفة أن يتأملوا حقيقة، هي أن مضى الزمن لايحدث أي تغيير في العمل الذهني؛ إن الدوافع الحبيسة التي لم تخرج قط عن اللاشعور، وحتى التأملات الخيالية التي دفنت في اللاشعور تكون أزلية في الحقيقة والواقع، وتبقى محفوظة لعشرات السنين، وكأنها لم تحدث الا بالأمس) ([125])

وذكر أن هذه النظرية التي اعتمدها فرويد، ليست خاصة به، بل كل علماء النفس يقرون بها، يقول: (وقد سلم علماء النفس بهذه النظرية بصفة عامة اليوم، ومعناها أن كل ما يخطر على بال الانسان من الخير والشر، ينقش في صفحة اللاشعور، فلايزول إلى الأبد، ولايؤثر فيه تغير الزمان، وتقلب الحدثان، ويحدث هذا على رغم الإرادة الانسانية طوعا أو كرها) ([126])

وما ذكره فرويد وغيره ـ كما يذكر وحيد الدين خان ـ يوضح تلك الحقيقة القرآنية التي تنص على أن نفس الإنسان هي أكبر سجل لأعماله، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ق: 16]

يقول في ذلك: (لو قارنا هذا الواقع مقرونا إلى نظرية الآخرة لاستطعنا أن نصل إلى حقيقتها بسرعة، إن هذا الواقع يؤكد بكل صراحة إمكان وجود سجل كامل لأعمال الانسان في حيازته، عندما يبدأ حياته الأخرى، فإن وجود نفسه سوف يشهد على الأعمال والنيات التي عاشها) ([127])

وهكذا راح يذكر ما دل عليه العلم الحديث من إمكانية تسجيل جميع الأقوال، يقول في ذلك: (إن نظرية الآخرة تقول بأن الانسان مسئول عن (أقواله)، فجميع ما نلفظه من كلام، حسنا كان أو قبيحا، حمدا أو سخطا؛ وسواء استعملنا اللسان في إبلاغ رسالة الحق، أو استعملناه في إبلاغ رسالة الشيطان، كل ذلك يحفظ في سجل كامل.. وإمكان وقوع هذا لاينافي العلم الحديث، فنحن نعرف قطعا أن أحدا عندما يحرك لسانه ليتكلم، يحرك بالتالي موجات في الهواء، كالتي توجد في الماء الساكن عندما نرمي فيه بقطعة من الحجر.. إنك لو وضعت جرسا كهربائيا في زجاج محكم الإغلاق من كل جانب، ثم تضغط عليه، فلن تسمع صوته، برغم أن الجرس على مرأى منك.. لأنه لايرسل الموجات إلى الخارج، فهو مكتوم داخل الزجاج، وهذه الموجات في الظروف العادية تصطدم بطبلة الأذن، التي تقوم آليا بارسال هذه الموجات إلى العقل، فما نفهمه من المعنى، يسمى (سماعا!) ([128])

ثم ذكر ما دل عليه العلم من أن (هذه الموجات تبقى كما هي في (الأثير)، إلى الأبد، بعد حدوثها للمرة الأولى، ومن الممكن سماعها مرة أخرى. ولكن علمنا الحديث عاجز حتى الآن عن اعادة هذه الأصوات، أو بعبارة أصح: عن أن يضبط هذه الموجات مرة أخرى، مع أنها لاتزال تتحرك في الفضاء من زمن بعيد. ولم يبدي العلماء اهتماما خاصا بهذا المجال حتى الآن، بعد أن سلموا نظريا بإمكان إيجاد آلة لالتقاط أصوات الزمن الغابر كما يلتقط المذياع الأصوات التي تذيعها محطات الإرسال. على أن المسألة الكبرى التي نواجهها في هذا الصدد، ليست هي التقاط الأصوات القديمة، وإنما التمييز بين الأصوات الكثيرة حتى نتمكن من سماع كل صوت على حدة.. وهذه هي مسألة الإذاعة التي وصلنا فيها إلى حل؛ فإن آلاف المحطات الإذاعية في العالم تذيع برامج كثيرة ليل نهار، وتمر موجات هذه البرامج في الفضاء، بسرعة 000، 186 ميلا في الثانية، وكان من المعقول جدا عندما نفتح المذياع أن نسمع خليطا هائلا من الأصوات لانفهم منه شيئا، ولكن هذا لايحدث، لأن جميع محطات الاذاعة ترسل برامجها على موجات يختلف طولها، فمنها مايرسل برامجه على موجات طويلة؛ ومنها مايرسل على موجات قصيرة، ومتوسطة، وهكذا تمر هذه البرامج في الفضاء بموجات مختلفة طولا، فتستطيع أن تسمع أية موجة من المذياع، بمجرد أن تدير عقربه إلى المكان المطلوب) ([129])

وبناء على هذا، فإن (مناقشتنا لجوانب المسألة لاتنفي وجود ملائكة الله ـ أو بلفظ آخر ـ وجود (مسجلين) غير مرئيين، ينقشون على صفحة الفضاء كل ما ننطق به من كلام، وهو مايصدق قول الله سبحانه:{ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [قّ:18]) ([130])

وهكذا راح يذكر ما دل عليه العلم الحديث من إمكانية تسجيل جميع الأفعال، يقول في ذلك: (العلم الحديث يؤكد إيمانه بأن جميع أعمالنا ـ سواء أباشرناها في الضوء، أم في الظلام، فرادى، أم مع الناس ـ موجودة في الفضاء في حالة الصور، ومن الممكن في أية لحظة تجميع هذه الصور، حتى نعرف كل ماجاء به إنسان مامن أعمال الخير والشر طيلة حياته؛ فقد أثبتت البحوث العلمية أن كل شيء تصدر عنه (حرارة) بصفة دائمة، في كل مكان، وفي كل حال، وهذه الحرارة تعكس الأشكال وأبعادها تماما، كالأصوات التي تكون عكسا كاملا للموجات التي يحركها اللسان، وقد تم اختراع آلات دقيقة لتصوير الموجات الحرارية التي تخرج عن أي كائن، وبالتالي تعطي هذه الآلة صورة فوتوغرافية كاملة للكائن حينما خرجت منه الموجات الحرارية، ومثاله أنني أكتب الآن في مكتبتي، وسوف أغادرها بعد ساعة، ولكن الموجات الحرارية التي خرجت من جسدي أثناء وجودي ههنا، ستبقى دائما، ويمكن الحصول على تسجيل كامل لجلستي في المكتبة في أي وقت بوساطة تلك الآلة، غير أن الآلات التي تم اختراعها إلى الآن، لاتستطيع تصوير الموجات الحرارية إلا خلال ساعات قليلة من وقوع الحادث. أما الموجات القديمة، فلا تستطيع هذه الآلة تصويرها، لضعفها)([131])

ثم ذكر بعض ما توصلت إليه البشرية في الوقت الذي كتب فيه كتابه من اختراعات في هذا الجانب، وقد علق عليها بقوله: (والتفاصيل العلمية التي أوردنا بعضها في الصفحات الماضية يتضح منها جليا أن أجهزة الكون تقوم بتسجيل كامل لكل أعمال الانسان؛ فكل مايدور في أذهاننا يحفظ إلى الأبد، وكل ماننطق به من الكلمات يسجل بدقة فائقة، فنحن نعيش أمام كاميرات تشتغل دائما، ولاتفرق بين الليل والنهار.. وجميع أعمالنا، القلبية منها واللسانية والعضوية، كلها تسجل بدقة تامة.. ولايسعنا؛ ونحن نشرح هذه الظاهرة العلمية الخطيرة الا أن نسلم بأن قضية كل منا سوف تقدم أمام محكمة إلهية.. وبأن هذه المحكمة هي التي قامت بإعداد هذا النظام العظيم لتحضير الشهادات التي لايمكن تزويرها، ولايستطيع أي عالم أن يدلي بتفسير أدق عن هذه الظاهرة سوى ما قلناه.. فلو لم تستطع هذه الوقائع الصريحة الساخنة أن تجعل البشر يحسون بمسؤوليتهم إزاء المحكمة الجبارة التي ستقام يوم الحساب؛ فلا أدري ما الواقع الذي قد يجعل هؤلاء يفتحون أعينهم؟!)([132])

وهكذا راح آخر يحاول استثمار الاختراعات الحديثة في تقريب ما ورد في النصوص المقدسة حول استنساخ الأعمال، فقال تعليقا على قوله تعالى: { هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [الجاثية: 29]: (لم يكن يفهم من هذه الآيات إلا أن الأعمال تكتبها الملائكة في كتاب كل إنسان، من خير أو شر، ولا يترك شيء دون كتابة، مهما بلغ من الصغر، والإنسان يحاسب على ما كتب له في سجل أعماله.. هذا الفهم الذي لا يتصور غيره، ثم دار الزمان.. وإذا بالإنسان يستطيع أن يرسل صوته إلى أماكن بعيدة لا يقع عليها بصره، ثم استطاع أن يسجل صوته، ويحفظه، ويعيد سماعه.. وبعد قدرته على التصوير، وإثبات صورته على ألواح، وأوراق، استطاع أن يحفظ صورًا متتابعة له، ويعرضها بسرعة وكأنها تتحرك.. ثم بعد ذلك استطاع دمج الصوت مع الصورة، فتراه متحركًا وتسمع صوته.. ثم بعد ذلك استطاع فعل ذلك مع حفظ جميع الألوان في المكان، فترى المكان والإنسان والأشياء وتسمع ما جرى من أصوات فيها، وكأنك تنظر بعينيك إلى حقيقة وواقع وليس إلى صورة.. وكل ذلك يحفظ ويعرض في حياة أصحابه وبعد موتهم، فاليوم نرى أحداثًا حدثت في الحرب العالمية الأولى، والثانية، وكثير منا لم يعايش شيئًا منها.. بل هناك أقدم من ذلك مشاهد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.. وتطور الأمر أكثر من ذي قبل، إذ أصبح النسخ داخل ملفات، وليس على ورق أو أشرطة من أي نوع كان، ولا يمكن رؤية ما فيها إلا بأجهزة معينة، وبرامج لها معينة.. فما نراه ونشاهده نسميه فِلْمًا، أو لقطة مصورة، وهو في الحقيقة استنساخ لعمل بعض الناس، أو الجماعات، في مكان ما، وزمان ما، وما نراه هو نسخة من تلك الأعمال، ومن هذه النسخة نستطيع أن نستنسخ عددًا غير محدود من النسخ.. وبهذا الفعل أصبحنا نرى نسخًا لأفعال أموات قد هلكوا منذ زمن ما أحدثوه في حياتهم) ([133])

ثم رد على تلك التصورات البدائية للكتاب والكتابة، فقال: (والكتاب إنما سمي بالكتاب ليس لنوع ما يكتب عليه، ولا لنوع الأداة التي يكتب بها، ولا لنوع المادة المستعملة في الكتابة، إنما سمي بذلك لأنه مرجع يرجع إليه، يمنع الاختلاف عندما تختلف الأهواء، وتضعف الذكريات، فيخرج ليكون الحكم الحاسم الذي لا ترد شهادته، فكل ما يقوم بذلك فهو كتاب، سواء أكان مكتوبًا على ورق، أم مصورًا في فلم، أم مسجلاً على شريط أم محفوظًا على أسطوانة) ([134])

وهكذا النسخ، فهو (حفظ ما يذهب بعمل شيء يماثله ليحل محله ويقوم مقامه في غيابه؛ فعندما يكون لديك شيء غير دائم ويهمك بقاؤه عندك؛ تعمل له نسخة مماثلة له، أما إن كان لا يعنيك بقاؤه ولا تريد الرجوع إليه.. فلا تجعل له صورة منسوخة عنه)([135])

ونحب أن ننبه إلى أن ما ذكره هؤلاء يتفق في كثير من جوانبه مع ما ذكره السابقون من علماء العقيدة والتفسير، والذين ذكر الشيخ مكارم الشيرازي بعض أقوالهم وتقريباتهم للمسألة، في تفسيره عنها، حيث قال: (مما لا شك فيه أن كتب الأعمال ليست من جنس الكتب والورق والصحف العادية، لذا فإن بعض المفسرين قالوا بأن صحيفة الأعمال ليست سوى روح الإنسان، والتي تكون جميع الأعمال مثبتة فيها، لأن أي عمل نعمله سيكون له أثر في روحنا شئنا أم أبينا، وقد تكون صحيفة الأعمال، هي أعضاء جسمنا وجلودنا، والأعظم من ذلك هو أن الصحيفة قد تكون متضمنة في الأرض والهواء والفضاء الذي يحيطنا والذي نعيش فيه، لأن هذه المفردات هي وعاء أعمالنا، فترتسم الأعمال في أفق الأرض الهواء والوجود الذي حولنا، هذا الوجود الذي تنحت في ذراته أعمالنا أو آثارها على الأقل، وإذا كانت هذه الآثار غير محسوسة اليوم، ولا يمكن دركها في الحياة الدنيا هذه، إلا أن ذلك ـ بدون شك ـ لا يعني عدم وجودها؛ فعندما نرزق بصرا جديدا آخر في يوم القيامة فسوف يكون بإمكاننا أن نرى جميع هذه الأمور، ونقرؤها)([136])

ثم رد على الاعتراض الذي قد يتوجه لهذا القول، وهو ما ورد في النصوص المقدسة من الدعوة للقراءة، وهي لا تكون إلا للكتب، فقال: (على أن استخدام الآية الكريمة لتعبير (اقرأ) ينبغي أن لا يغير من تفكيرنا شيئا إزاء ما ذهبنا إليه آنفا، لأن كلمة «اقرأ» تتضمن مفهوما واسعا، وتدخل الرؤيا بمفهومها الواسع هذا، فنحن مثلا وفي تعابيرنا العادية التي نستخدمها يوميا نقول: قرأت في عيني فلان ما الذي يريد أن يفعله، أو أننا عرفنا من نظرتنا إلى فلان، بقية القصة، وعرفنا بقية العمل الذي يريد أن يفعله. كما أننا في عالم اليوم أخذنا نستخدم كلمة «اقرأ» بخصوص الأشعة التي تؤخذ للمرضى، هذا بالرغم من أن الأشعة، هي صورة تخضع للمشاهدة لا للقراءة، وهذا المثال والأمثلة التي سبقته تؤكد ما ذهبنا إليه أن المشاهدة تدخل في إطار المعنى الواسع للقراءة) ([137])

ونحن مع قبولنا لكل هذه التقريبات إلا أننا لا نستطيع أن نجزم بأن هذا هو الذي سيحصل يوم القيامة، لما ذكرناه سابقا من الاختلاف الشديد بين النشأتين الأولى والآخرة، ولذلك لا يمكننا أن نجزم بشيء يتعلق به التصور في النشأة الثانية لعدم وجود الأشباه والنظائر التي تسمح لخيالنا بذلك التصور.

بناء على هذا نحاول في هذا المبحث أن نتعرف ـ من خلال النصوص المقدسة ـ على المحتويات التي تحتوي عليها تلك الكتب، وقد رأينا أنه يمكن تقسيمها إلى نوعين:

النوع الأول: كتب عامة، تشبه تلك الكتب التي تؤرخ للبشرية جميعا، أو لدول بعينها، بحيث يظهر فيها أصحاب التأثير الإيجابي والسلبي.

النوع الثاني: كتب خاصة، وهي تشبه تلك الكتب التي يؤرخ فيها لشخص بعينه، ككتب السير الذاتية، أو المذكرات ونحوها.

وقد دلت على كلا الصنفين النصوص المقدسة، وما يؤكدها ويفسرها من الروايات، كما سنرى ذلك فيما يلي.

أ ـ الكتب العامة:

وهي تلك الكتب التي لا تختص بالفرد الواحد من الناس، وإنما تهتم بأعمال البشر جميعا، وعلاقتها ببعضها، أو علاقة بعض المجموعات البشرية ببعضها.. ويشير إليها من القرآن الكريم قوله تعالى: { وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 48، 49]

فهاتان الآيتان الكريمتان تذكران كتابا واحدا وضع في ذلك الموقف، ثم تذكران كيف أشفق المجرمون بسبب ما كتب فيه، وكونه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وربما يشير ذلك إلى أولئك المجرمين الذين بقيت آثارهم آمادا طويلة، ولذلك حوسبوا على كل جريمة ارتكبوها، سواء حصلت في عصرهم، أو في غيره من العصور، وسواء تسببوا فيها بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة.

ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس: 12]، فقد قيل في تفسيرها: (نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها من بعدهم، فنجزيهم على ذلك أيضا، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر)([138])

ويشير إليه أيضا قوله تعالى: {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} [القيامة: 13]، وقد قال الإمام الباقر في تفسيرها: (بما قدّم من خير وشر، وما أخّر ممّا سنَّ من سُنّة ليستنّ بها من بعده، فإن كان شرّاً كان عليه مثل وزرهم ولا ينقص من وزرهم شيء. وإن كان خيراً كان له مثل أجرهم ولا ينقص من أجورهم شيء)([139])

وهكذا نجد في السنة النبوية الشريفة الكثير من الأحاديث التي تدل على هذا، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سن القتل)([140])

فهذا الحديث يشير إلى أن جرائم ابن آدم الذي سن القتل، لن يكفي فيها كتابه الخاص به، والذي يكتفي بأعماله طيلة حياته، وإنما يضم إليها هذه الجرائم التي تجاوزت حياته، وشخصه.

وهكذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا)([141])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: من علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده)([142])

بل ورد في النصوص المقدسة ما يدل على أن جرائم الإنسان ليست فقط تلك التي اكتسبها في عصره، وإنما تلك التي رضي عنها حتى لو لم تكن في عصره، ويشير إليه قوله تعالى عن اليهود الذي رضوا بما فعل أسلافهم من قتل الأنبياء: { الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 183]، وقد قال الإمام الصادق في تفسيرها: (وقد علم أن هؤلاء لم يقتلوا، ولكن كان هواهم مع الذين قتلوا، فسماّهم الله قاتلين لمتابعة هواهم ورضاهم لذلك الفعل)([143])

وهكذا قال الإمام علي مبينا دور الرضى والسخط في تمييز حقيقة الإنسان: (إنما يجمع الناس الرضا والسخط، وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد، فعمّهم الله بالعذاب لما عموه بالرضا، قال سبحانه: { فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ} [الشعراء: 157]، فما كان إلا أن خارت أرضهم بالخسفة خوار السكة المحماة في الأرض الخوّارة)، ثم قال: (أيها الناس.. من سلك الطريق الواضح ورد الماء، ومن خالف وقع في التيه) ([144])

وقال في موضع آخر: (الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، وعلى كل داخل في باطل إثمان: إثم العمل به، وإثم الرضا به) ([145])

وقال لبعض أصحابه يوم الجمل، عندما قال له: (وددت أن أخي فلاناً كان شاهدنا ليرى ما نصرك الله به على أعدائك): أهوى أخيك معنا؟..قال: نعم، فقال الإمام علي: (فقد شهدنا، ولقد شهدنا في عسكرنا هذا قوم في أصلاب الرجال وأرحام النساء، سيرعف بهم الزمان، ويقوى بهم الإيمان) ([146])

وقد ورد في النصوص المقدسة ما يشير إلى أن ذلك الكتاب العام ليس كتابا واحدا، وإنما هناك كتب أخرى، تسجل فيها الأعمال بحسب الأمم، ويشير إلى ذلك قوله تعالى: { وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [الجاثية: 28، 29]

فهاتان الآيتان الكريمتان تشيران إلى أن لكل أمة سجل خاص بها، يبين مسيرتها، والصادقين من أهلها، والمنحرفين منهم، وأسباب الانحراف وغير ذلك، مما يشير إليه قوله تعالى ـ في بيان كون يوم القيامة هو اليوم الذي توضح فيه كل الحقائق المشكلة ـ: { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [السجدة: 25]

وقد ورد في النصوص المقدسة ما يبين كيفية عرض أمثال هذه الكتب، والتي لا تتعلق بالأفراد، إنما تتعلق بالمجموعات البشرية، فقد ذكرت أن أهل المحشر سيتشكلون من صفوف عديدة، ربما تخضع لمعايير الزوجية التي أشار إليها القرآن الكريم، وبين أن الخلق في الآخرة ينقسمون بحسبها، كما نص على ذلك قوله تعالى في حق أهل الجحيم: { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا } [الزمر: 71]، ونص عليها قوله في حق أهل الجنة: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا} [الزمر: 73]

وقد ورد في الروايات ما يدل على كثرة تلك الصفوف، وهو ما يشير إلى التنوع الكبير في أصناف الخلق، ومن تلك الروايات ما روي عن الإمام الباقر أنه قال: (والناس صفوف عشـرون ومائة ألف صف، ثمانون ألف صف أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأربعون ألف صف من سائر الأمم)([147])، وقال الإمام الصادق: (هم يومئذ عشرون ومائة ألف صف، في عرض الأرض)([148])

وهذه الروايات تشير إلى الاختلاف الشديد بين الأصناف، والذي قد لا يكون بالضرورة اختلافا عقديا، بل قد يكون اختلافا في المشارب والأذواق والفهوم، وهو ما يشير اليه مصطلح الزوحية في القرآن الكريم، والذي يعني المتشاكلين في الطباع ونحوها.

ب ـ الكتب الخاصة:

وهي الكتب التي تحصي أعمال كل شخص إما جميعا، أو تلك التي كلف بها، ويحاسب عليها، وقد ورد النص على ذلك في نصوص قرآنية كثيرة منها قوله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } [الإسراء: 13، 14]

فهاتان الآيتان الكريمتان تردان على تلك التصورات الجاهلية المرتبطة بالتفاؤل والتشاؤم، والتي تجعلها منوطة بما هو خارج عن دور الإنسان وأعماله، لتوضح أن الفأل والتشاؤم مرتبط بالأعمال، وأن تلك الأعمال مسجلة، وإن كانت مخفية لا يراها الإنسان، لكنه في ذلك اليوم يراها، ويكلف بقراءتها، وبحاسب نفسه عليها.

والقراءة كما تفسرها النصوص المقدسة ليست مجرد شرح ووصف مثلما نقرأ الكتب في الدنيا؛ فليست تلك الكتب حروفا وكلمات، بل هو نفسه العمل يراه صاحبه حاضرا مثلما فعله أول مرة، كما قال تعالى: { وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا } [الكهف:49]

وهكذا أشارت آيات أخرى إلى هذا المعنى كقوله تعالى: { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ } [آل عمران:30]، وقوله: { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ } [التكوير:14]، وقوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ } [الانفطار:5]، وقوله تعالى: {يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ } [القيامة:13]

وقد وصف الإمام الصادق ذلك، فقال: (يذكر العبد جميع ما عمل، وما كتب عليه، حتى كأنه فعله تلك الساعة، فلذلك قالوا يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها)([149])

وقد يكون لتلك الآيات الكريمة إشارة إلى تنبيه الذاكرة تنبيها قويا بحيث تستعيد أحداثا بعينها، وبدقة عالية، وكأنها تراها أول مرة، وهو ما توصلت العلوم الحديثة إلى إمكانيته، وإن كانت لا تزال المسافة كبيرة بينها وبين تحقيقه في الواقع، لعدم قدرتها على التعرف على الخارطة التي تسجل فيها الذكريات.

وقد روي عن الإمام الصادق ما يشير إلى هذا، فقد قال: (إذا كان يوم القيامة دفع للإنسان كتاب، ثم قيل له: اقرأ) قلت: فيعرف ما فيه؟ فقال: (إنه يذكره، فما من لحظة ولا كلمة ولا نقل قدم ولا شيء فعله إلا ذكره، كأنه فعله تلك الساعة، ولذلك قالوا: {يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [الكهف: 49]) ([150])

وقد ورد في النصوص المقدسة كذلك ما يدل على أن كل الأعمال ستحضر، مهما كان نوعها، وأن ذلك { الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [الكهف: 49]

وقد ورد في الروايات والآثار ما يدل على هذا، فقد روي أنه يكتب على الإنسان كل شيء حتى الأنين في مرضه، وقد ذكر عن بعضهم أنه كان يئن في مرضه، فقيل له: يكتب الملك كل شيء حتى الأنين، فلم يئن حتى مات([151]).

لكن هناك من ذهب إلى أن تلك الكتب لا تحوي إلا ما يؤجر به، أو يؤزر عليه، وروي عن ابن عباس أنه يكتب كل شيء، ثم يمحى ما لا علاقة له بالتكليف، قال ابن عباس:(يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر، حتى أنه ليكتب قوله: أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت. حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقَّر منه ما كان فيه من خير أو شر وألقي سائره، وذلك قوله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (الرعد:39)

ونرى ـ والله أعلم ـ انطلاقا من عموم النصوص أن تلك الكتب تتضمن كل شيء، لأن سيرة الإنسان بمجموعها هي التي تعبر عن حقيقته، وتعبر في نفس الوقت عن الملابسات المرتبطة بأدائه للتكاليف.

وهذه الكتب ـ كما تشير النصوص ـ لا تحوي فقط ظواهر الأعمال، بل تحوي كذلك باطنها، والأحوال الصادرة عنها، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي:(قال الله عز وجل: إذا هم عبدي بسيئة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له سيئة، فإن تاب منها فامحوها عنه، وإن هم عبدي بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف)([152])

ويدل عليه قبل ذلك عموم قوله تعالى:{ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} (الانفطار:12)، فالفعل يطلق على عمل الظاهر والباطن، بل إن التكاليف الشرعية ألصق بالباطن منها بالظاهر، بل إن الظاهر نفسه لا يصح إلا بالنية، وهي عمل الباطن، وقد ربط صلى الله عليه وآله وسلم أجور الأعمال بالنيات، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إنما الأعمال بالنية، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)([153])

أما ما روي من أن الملكين لا يسجلان إلا الأعمال الظاهرة استدلالا بحديث واه جدا لفظه:(قال الله تعالى: الإخلاص سر من سري استودعته قلب من أحب، لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده)([154])، فهو لا يقوى لرد الحديث الصحيح الصريح.

ونحب أن نختم هذا المطلب بموعظة تربوية بليغة علمنا إياها الإمام السجاد، ليبين من خلالها الآثار الروحية والسلوكية للحقائق العقدية، وأنها ليست مجرد معلومات تخزن في الذهن، ثم لا يكون لها أي دور في السلوك.

وهي تنبع من تلك التعاليم الواردة في النصوص المقدسة حول الدعوة لتحرير الرقيق، والتي قصرت الأمة للأسف في تطبيقها، ولذلك أعطى الإمام السجاد هذا الدرس البليغ لمن يتصورون أنفسهم سادة، ويتصورون أن لهم الحق بذلك في إذلال الرقيق.

فقد حدث الإمام الصادق عن جده الإمام السجاد، فقال: (كان عليّ بن الحسين إذا أذنب العبد والأمة يكتب عنده أذنب فلان، أذنبت فلانة يوم كذا وكذا، ولم يعاقبه فيجتمع عليهم الأدب، حتّى إذا كان آخر الليلة من شهر رمضان، دعاهم وجمعهم حوله، ثمّ أظهر الكتاب، ثمّ قال: يا فلان فعلت كذا وكذا، ولم أؤدّبك، أتذكر ذلك؟ فيقول: بلى يا بن رسول الله، حتّى يأتي على آخرهم فيقرّرهم جميعاً، ثمّ يقوم وسطهم، ويقول لهم: ارفعوا أصواتكم، وقولوا: يا عليّ بن الحسين، إنّ ربّك قد أحصى عليك كلّما عملت، كما أحصيت علينا كلّما عملنا، ولديه كتاب ينطق عليك بالحقّ، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ممّا أتيت إلّا أحصاها، وتجد كلّما عملت لديه حاضراً، كما وجدنا كلّما عملنا لديك حاضراً، فاعف واصفح كما ترجو من المليك العفو، وكما تحبّ أن يعفو المليك عنك، فاعف عنّا تجده عفوّاً، وبك رحيماً، ولك غفوراً، ولا يظلم ربّك أحداً، كما لديك كتاب ينطق علينا بالحقّ، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ممّا أتيناها إلّا أحصاها، فاذكر يا عليّ بن الحسين ذلّ مقامك بين يدي ربّك، الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال حبّة من خردل، ويأتي بها يوم القيامة، وكفى بالله حسيباً وشهيداً، فاعف واصفح يعفُ عنك المليك، ويصفح، فإنّه يقول: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [النور: 22]) ([155])

ثم ذكر كيف كان يلقنهم ذلك، ويعلمهم إياه، وهو (واقف بينهم يبكي وينوح، ويقول: ربّ إنّك أمرتنا أن نعفو عمّن ظلمنا، فقد ظلمنا أنفسنا، فنحن قد عفونا عمّن ظلمنا، كما أمرت، فاعف عنّا فإنّك أولى بذلك منّا ومن المأمورين، وأمرتنا أن لا نردّ سائلاً عن أبوابنا، وقد أتيناك سؤّالاً ومساكين، وقد أنخنا بفنائك وببابك، نطلب نائلك ومعروفك وعطاءك، فامنن بذلك علينا، ولا تخيّبنا، فإنّك أولى بذلك منّا ومن المأمورين، إلهي كرمت فأكرمني، إذ كنت من سؤّالك، وجدت بالمعروف فاخلطني بأهل نوالك يا كريم)

ثمّ يقبل عليهم، فيقول: (قد عفوت عنكم، فهل عفوتم عنّي ممّا كان منّي إليكم من سوء مِلكة، فإنّي مليك سوء، لئيم ظالم، مملوك لمليك كريم جواد عادل محسن متفضّل)، فيقولون: قد عفونا عنك يا سيّدنا، وما أسأت، فيقول لهم: قولوا: (اللَّهم اعف عن عليّ بن الحسين كما عفا عنّا، وأعتقه من النّار كما أعتق رقابنا من الرقّ)، فيقولون ذلك، فيقول: (اللَّهم آمين، يا ربّ العالمين)، اذهبوا فقد عفوت عنكم، وأعتقت رقابكم، رجاءً للعفو عنّي وعتق رقبتي، فيعتقهم)

وهكذا روى عنه أنه (كان يشتري السودان وما به إليهم حاجة، يأتي بهم إلى عرفات، فيسدّ بهم تلك الفرج والخلال، فإذا أفاض، أمر بعتق رقابهم، وجوائز لهم من المال) ([156])

وكل هذه التعاليم كان لها آثارها التربوية ليس على أولئك الرقيق فقط، وإنما على جميع أهله وتلاميذه، ذلك أن تجسيد الحقائق له دور كبير في التربية بخلاف تركها في عالمها الذهني المجرد.

2 ـ الشهود وتنوعهم:

من تجليات العدالة الإلهية في أرض المحشر، وقبل الحساب والموازين أو أثناءهما توفير الشهود على الأعمال، إما مطلقا، أو حسب طلب العامل الذي قد يشك في أي شيء كُتب في كتابه.

ومن خلال استقراء النصوص المقدسة نجد اختلاف المحاسبين في طلب أولئك الشهود، فبعضهم قد لا يطلبهم تعظيما لله، واكتفاء بشهادته، وبعضهم يبالغ في طلبهم، ويرفض كل شهيد يشهد عليه، مثلما نراه في الدنيا بين الخصماء، ولهذا كان آخر الشهود هو نفس الإنسان وجلده وأعضاؤه كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ } [فصلت:19 – 23]

وقد ورد في الحديث ما يعطي مشاهد وصورا لذلك، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله، فجحد وخاصم، فيقال: هؤلاء جيرانك، يشهدون عليك؟ فيقول: كذبوا. فيقول: أهلك وعشيرتك؟ فيقول: كذبوا؛ فيقول: احلفوا فيحلفون، ثم يصمتهم الله وتشهد عليهم ألسنتهم، ويدخلهم النار)([157])

وفي بعض الآثار: (ويدعى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض عليه ربه -عز وجل-عمله، فيجحد ويقول: أي رب، وعزتك لقد كتب علي هذا الملك ما لم أعمل! فيقول له الملك: أما عملت كذا، في يوم كذا، في مكان كذا؟ فيقول: لا وعزتك، أي رب ما عملته. قال: فإذا فعل ذلك ختم على فيه) ([158])

وهذا وغيره كثير يدل على مدى الحرية التي تتاح في ذلك الموقف، وأمام المحكمة الإلهية إلى الدرجة التي لا يقبل فيها الطغاة والمجرمون شهادة الله نفسها، كما ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضحك ذات يوم وتبسم، فلما سألوه عن ذلك، قال: (عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: أي ربي، أليس وعدتني ألا تظلمني؟ قال: بلى فيقول: فإني لا أقبل علي شاهدا إلا من نفسي. فيقول الله تبارك وتعالى: أو ليس كفى بي شهيدا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟! قال: فيردد هذا الكلام مرارا، فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول: بعدا لكن وسحقا، عنكن كنت أجادل) ([159])

فقول المتهم في الآخرة:(رب ألم تجرني من الظلم) يدل على الضمانات الكثيرة التي أخذها العباد لإقامة العدالة المطلقة في ذلك اليوم، وقوله:(فعنكن كنت أناضل) دليل على مدى الحرية التي أتيحت له للدفاع عن نفسه.

وهذا الحديث وغيره يبين أن كل فترة البرزخ، وأنواع العقوبات التي عوقب بها أولئك الطغاة المجرمون، وما بعدها من فترة المحشر، لم تفلح في إصلاح نفوسهم المملوءة بالخصومة والجدل، ولذلك سرعان ما يعود لها طبعها إن أتيح لها لو بصيص من الحرية.

بل ورد في الحديث ما يشير إلى أن هذا الصنف، ونتيجة ما يرونه من مظاهر العدالة المطلقة، يحاولون أن يحتالوا على قلب الحقائق في الدنيا، وخداع الخلق بها، فلذلك تبقى هذه الأحبولة في أيديهم يوم القيامة، ويتصورون أنهم سيخادعون الله كما خادعوا الخلق،، قال صلى الله عليه وآله وسلم في حديث القيامة الطويل:(ثم يلقى الثالث فيقول: ما أنت؟ فيقول: أنا عبدك آمنت بك وبنبيك وبكتابك وصمت وصلّيت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع ـ قال ـ فيقال له ألا نبعث عليك شاهدنا؟ ـ قال: فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليه، فيختم على فيه، ويقال: لفخذه انطقي ـ قال ـ فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل، وذلك المنافق، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك الذي يسخط اللّه تعالى عليه)([160])

وحينذاك يندم الجاحد على جحوده، ويود لو أنه اعترف في البدء لعل ذلك يخفف عنه، وهذا هو وجه الجمع بين قوله تعالى:{ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً} (النساء:42) والتي تفيد بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه ولا يكتمون منه شيئاً، وبين ما رأيناه من صنوف الإنكار.

وقد روى سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال له:(سمعت اللّه عزّ وجل يقول ـ يعني أخباراً عن المشركين يوم القيامة ـ إنهم قالوا:{ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} (الأنعام: 23)، وقال في الآية الأخرى:{ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً} (النساء: 42)، فقال ابن عباس (أما قوله:{ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }، فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام، قالوا: تعالوا فلنجحد، فقالوا:{ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } فختم اللّه على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم { وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً} (النساء: 42)([161])

بناء على هذا سنحاول في هذا المطلب أن نذكر ما ورد في النصوص المقدسة من الشهود، ومدى تنوعهم، مع بيان أسرار ذلك.

أ ـ شهادة الله:

وهي أعظم الشهادات، ويكتفي بها المؤمنون، ويستحيون من أن يطلبوا معها شهيدا آخر، وقد قال تعالى ـ يبين محل شهادته وعظمتها ـ: { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [المجادلة: 6]، وقال: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعام: 19]، وقال: { وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} [يونس: 46]، وقال: { قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 98]، وقال: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [البروج: 8، 9]

وقد أخبر الله تعالى أن المؤمنين يكتفون بشهادة الله، ولا يطلبون غيرها، ومن الأمثلة على ذلك ما قصه علينا من قصة المسيح عليه السلام، إذ قال:{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [المائدة: 116، 117]

أما كيفية ذلك، فهي غيب محض، مثلما هو حال الوحي الإلهي المنزل على الأنبياء أو غيرهم، والذي ينزه عن التجسيم، وإن كان لا ينزه عن كونه حقيقة نجهل كيفيتها.. فالله تعالى يلهم من شاء كيف شاء متى شاء.

ولذلك يشعر الشخص بيقين ليس معه شك بأن الذي ألهمه ذلك الإلهام، أو حدثه ذلك الحديث، هو الله تعالى، وقد يؤيد ذلك الإلهام نفيا للشك، بما يدل عليه من الخوارق والمعجزات.

وقد ورد في الأحاديث ما يشير إلى هذا مع اختلاطه للأسف بتلك الشروح والتفسيرات التجسيمية التي ينزه الله عنها؛ فلذلك يمكننا أن نقرأ تلك الأحاديث باعتبارها إما مؤولة عن ظواهرها التجسيمية، أو اعتبار تلك الأجزاء من تصرفات الرواة، وليس لها علاقة بالحديث.

ومن تلك الروايات ما رووه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن الله عز وجل يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ } [هود: 18]) ([162])

ومنها ما ورد في الأثر: (يدني الله العبد يوم القيامة، فيضع كنفه ليستره من الخلائق كلها، ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر، فيقول: اقرأ يا ابن آدم كتابك، فيمر بالحسنة فيبيض لها وجهه، ويسر بها قلبه، قال: فيقول الله تعالى: أتعرف يا عبدي؟ فيقول: يا رب أعرف، فيقول: إني قد تقبلتها منك، فيخر ساجداً، فيقول: ارفع رأسك، وخذ في كتابك، فيمر بالسيئة فيسود لها وجهه، ويوجل منها قلبه، وترعد منها فرائصه، ويأخذه من الحياء من ربه ما لا يعلمه غيره، فيقول الله: أتعرف يا عبدي؟ فيقول: نعم يارب أعرف، فيقول: فإني قد غفرتها لك؛ فلا يزال بين حسنة تقبل وسيئة تغفر فيسجد، لا يرى الخلائق منه إلا ذلك السجود، حتى ينادي الخلائق بعضها بعضا: طوبى لهذا العبد الذي لم يعص الله قط، ولا يدرون ما لقي فيما بينه وبين الله تعالى مما قد وقفه عليه) ([163])

وهذا يدل على أن العبد الذي يسلم بشهادة الله، ويكتفي بها لا يجلب الفضيحة لنفسه، مثل ذلك الذي يجادل، حتى يفضح نفسه بين جميع الشهود، بالإضافة إلى أن الاكتفاء بشهادة الله قد يؤهل العبد لمغفرته وتجاوزه، لأن ذلك علامة على كونه قد ترقى في مراتب الكمال التي جعلته يرضى بالله.

ب ـ شهادة الأنبياء:

وهي من الشهادات التي دلت عليها النصوص المقدسة الكثيرة، ومنها قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا } [النساء: 41، 42]

وقال عن المسيح عليه السلام: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا } [النساء: 159]

وقال حاكيا عنه: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [المائدة: 117]

وربما يكون هذا النوع من الشهود مرتبطا بالكتب العامة، وخاصة تلك الكتب التي تؤرخ للأمم، كما نص على ذلك قوله تعالى: { وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [الجاثية: 28، 29]

وهو ما دل عليه قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } [النحل: 84]، وقال: { وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [القصص: 75]

فهذه الآيات الكريمة تدل على أن الشهود مختلفي الدرجات، أو بحسب أنواع الكتب، فالكتاب المرتبط بالأمة يكون النبي هو الشاهد الأكبر فيه، كما قال تعالى: { وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ} [النحل: 89]، وقال: { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78]

وقد يكون لهذا النوع من الشهادة علاقة بالأعمال الخاصة بأفراد الأمة، وخاصة من ذوي التأثير فيها، كما ورد النص على ذلك في أحاديث كثيرة تفسر قوله تعالى: P وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ O [التوبة: 105]، فالآية الكريمة لم تخص رؤية المؤمنين بالحياة دون الموت، بل هي تشملهما جميعا.

ويؤكد ذلك ما ورد من الروايات الكثيرة في بيان علاقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمته بعد موته، ومعرفته بها، وتواصله معها، واطلاعه على أعمالها، لأنه لا يمكن أن يكون شهيدا عليها من دون أن يتاح له ذلك الاطلاع.

ومن تلك الأحاديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم)([164])

وهذا الحديث واضح في الدلالة على علاقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمته، وعدم اقتصارها على حياته الدنيوية، وقد اتفق أكثر المحدثين على تصحيحه، فقد رواه البزار في مسنده ([165]) بإسناد رجاله رجال الصحيح، كما نص على ذلك الحافظ نور الدين الهيثمي([166])، وقال الحافظ السيوطي: سنده صحيح([167])، وقال الحافظان العراقيان – الزين وابنه ولي الدين –: (إسناده جيد)([168])، وروى الحديث ابن سعد بإسناد حسن مرسل([169]).

وقد أكد هذا الحديث بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله عز وجل إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي فأهلكها وهو ينظر فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره)([170])

وربما يشير إلى هذا تلك الأحاديث التي تذكر عرض الأعمال على الله تعالى، ذلك أن الله ليس بحاجة لأن تعرض الأعمال عليه، وكيف تعرض عليه، وهو الشهيد على كل شيء.

ومن تلك الأحاديث ما روي عن العرض اليومي والذي نص عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله عز وجل لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل) ([171])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون) ([172])

ومنها ما روي عن العرض الأسبوعي، مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبدا بينه وبين أخيه شحناء فيقال: اتركوا هذين حتى يفيئا) ([173])

ويؤكد هذا الفهم ما روي عن الإمام الصادق، من تفسير العرض بذلك، فقد قال: (تعرض الأعمال على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعمال العباد كل صباح، أبرارها وفجارها، فاحذروها، وهو قول الله عزوجلP وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ O [التوبة: 105]) ([174])

وفي حديث آخر عن الإمام الباقر(عليه السلام): (إن الأعمال تعرض على نبيكم كل عشية الخميس، فليستح أحدكم أن يعرض على نبيه العمل القبيح) ([175])

وقد ذكر مكارم الشيرازي القيمة العملية لهذا العرض، ودوره التربوي؛ فقال: (مسألة عرض الأعمال لها أثر عظيم على المعتقدين بها، فإني إذا علمت أن الله الموجود في كل مكان معي، وبالإضافة إلى ذلك فإن نبييصلى الله عليه وآله وسلم وأئمتي يطلعون على كل أعمالي، الحسنة والسيئة في يوم كل يوم، أو في كل أسبوع، فلا شك أني سأكون أكثر مراقبة ورعاية لما يبدر مني من أعمال، وأحاول تجنب السيئة منها ما أمكن، تماما كما لو علم العاملون في مؤسسة ما بأن تقريرا يوميا أو أسبوعيا، تسجل فيه جزئيات أعمالهم، يرفع إلى المسؤولين ليطلعوا على دقائق أعمالهم) ([176])

ج ـ شهادة الهداة:

وهم الذين ورد ذكرهم في قوله تعالى: { إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } [الرعد: 7]، فهي تشير إلى أنه يوجد في كل عصر أو في كل قوم من يتولى أمر هدايتهم، بحيث لا تخلو الأرض من قائم لله بحجته، ويدخل فيهم الأنبياء لأنهم الموكلون بهداية أقوامهم في حياتهم، والإشراف على ذلك، ويدخل فيه غيرهم من ورثتهم بعد موتهم.

وقد أشار إلى هؤلاء أيضا قوله تعالى عن بني إسرائيل: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 23، 24]؛ فقد ذكر الله تعالى أنه جعل في بني إسرائل من يهدي بأمره، ويسير على منهاجه، حتى يبقى الدين الحق منارة يهتدي بها المهتدون.

ومثل ذلك قوله تعالى عن زكريا عليه السلام: { قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)} [مريم: 4 – 6]؛ فزكريا عليه السلام خشي على بني إسرائيل من بعده، فلذلك طلب من الله تعالى أن يهبه من الولد من يكون وارثا لهديه، ليبلغه لبني إسرائيل سليما نقيا من كل دنس.

وهكذا ورد الإخبار عن هذه السنة الإلهية في قوله تعالى: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: 32]، ثم بين مواقف الأمم من هؤلاء المصطفين، فقال: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ } [فاطر: 32]

ولذلك فإن هذا النوع من الشهود يقدمون تقاريرهم يوم القيامة على العصور والقرى التي كلفوا بها، مثلما نراه في الواقع من أن كل مؤسسة تسند أمورها لشخص معين، يقدم تقريره في الأخير عن كيفية سير المؤسسة في عهده، ومن كان صادقا ومواظبا من الموظفين، ومن كان غير ذلك.

وربما تكون الإشارة الأوضح لهذا النوع من الشهود وأهميتهم هي تلك الواردة في سورة الأعراف، والذي ورد ذكرهم في قوله تعالى: { وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ} [الأعراف: 46]، فهذا الوصف ينطلق على الشهود الذين يميزون الملتزمين بالدين الحقيقي عن غيرهم عن طريق تلك السمات التي تظهر في ذلك الحين.

ويظهر ذلك بوضوح في مخاطبة رجال الأعراف لأهل النار، وتأنيبهم لهم، قال تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ } [الأعراف: 48، 49]

فهذا يدل على أن أولئك الرجال كانوا يعرفون الأسباب التي انحرف بها المنحرفون، ويؤنبونهم بسببها، ويعاتبونهم على تلك المواقف السلبية التي وقفوها مع المؤمنين.

ويزيد ذلك وضوحا المحل الذي وقف فيه أصحاب الأعراف، وهو ـ كما ذكر المفسرون ـ جبل بين الجنة والنار، أو سور بين الجنة والنار، وهذا يدل على أنه المكان الفاصل بينهما، والذي يميز الواقف فيه بينهما، لأن التمييز لا يكون من داخل المحل، بل من خارجه.

وربما يشير إلى هذا قوله تعالى: {يوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)} [الحديد: 13، 14]

فهاتان الآيتان الكريمتان، تبينان دور أصحاب الأعراف في التمييز بين المؤمنين والمنافقين.. ذلك أن أولئك المنافقين قد يبدون في ظاهرهم، ومن خلال سلوكاتهم أنهم من المؤمنين بينما هم في الواقع ليسوا كذلك.

وهذا يدل على أن من أهم أدوار الشهود تمحيص أهل الجنة والنار، فقد يكون الكتاب الخاص بالشخص جيدا في ظاهره، حيث يكون له فيه قيام وصيام وصلاة كثيرة، وأعمال صالحة كثيرة، ولكنه في نفس الوقت ربما يكون قد أفتى من الفتاوى، أو أصدر من البيانات، أو كتب من الكتب، أو ادعى من الدعاوى ما انهد له بنيان الدين، وكانت آثاره خطيرة على المؤمنين.. ولذلك يميز هذا الصنف من خلال شهادة الأنبياء وورثتهم.

وربما يكون لهؤلاء الشهود أيضا دور في الشفاعة، ذلك أن من المؤمنين الصادقين من يكون صاحب أعمال كبيرة، وذات تأثير عام مهم، ولكنه في نفس الوقت كان مقصرا في شؤونه الخاصة، حيث لم تكن له صلاة كثيرة، ولا أعمال صالحة كثيرة، ولذلك يغطى قصوره بما فعله من الأفعال الصالحة العامة، أو من خلال موالاته للقائمين على الدين الهداة إليه.

وربما يشير إلى هذا المعنى قوله تعالى في القائمين على تلك الأعراف: {وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 46، 47]

وهذا يدل على أنه يكون مع أولئك الهداة من ورثة الأنبياء من يكون مقصرا في شؤونه الخاصة، وإن كان مجتهدا في الشؤون العامة، ولذلك يذكر طمعه في الجنة، وخوفه من النار.

ويشير إلى هذا من الحديث ما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال عن بعض أصحاب الأعراف: (هم قوم غزوا في سبيل الله عصاة لآبائهم، فقتلوا فاعتقهم الله من النار بقتلهم في سبيله، وحبسوا عن الجنة بمعصية آبائهم، فهم آخر من يدخل الجنة)([177])، وفي رواية: (قوم قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم، فمنعهم قتلهم في سبيل الله عن النار، ومنعتهم معصية آبائهم أن يدخلوا الجنة) ([178])

فهذا الحديث ـ إن صح ـ يشير إلى أن هؤلاء كان لهم دور صالح بالجهاد في سبيل الله، والذي يخدم مسيرة الأمة، لكنهم في نفس الوقت قصروا في طاعة آبائهم، وهي من المعاصي المتعدية، ولكنها في نفس الوقت شخصية، وليس عامة.

وهذا كله يدل على أن ذلك المحل يجتمع فيه الهداة مع غيرهم من أتباعهم، وهو ما خلط الأمر على المفسرين الذين اضطربت أقوالهم في تفسير أصحاب الأعراف([179]) بناء على ما يذكره أتباعهم من الطمع في الجنة.

لكن لو أنهم اعتبروا الأعراف محلا يجتمع فيه الأئمة الهداة مع أتباعهم من الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ } [فاطر: 32] لحلت كل الإشكالات.

خاصة إذا دعم ذلك بقوله تعالى: { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [التكوير: 7]، وهو ما يشير إلى أن كل المتشاكلين يجتمعون في محل واحد، كما روي في الحديث أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (المرء مع من أحب)([180])

وهذا القول الذي اخترناه، والذي تجتمع فيه الآيات القرآنية الخاصة بأصحاب الأعراف قال به الكثير من العلماء من المدرستين السنية والشيعية.

فمن المدرسة السنية، قال الشيخ محمد رشيد رضا: (فكما ثبت أن كل رسول يشهد على أمته أن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم شهداء على جملة من الأمم بعده؛ ثبت أيضاً أن في الأمم شهداء غير الأنبياء عليهم السلام، قال الله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا } [النساء: 41]، وقال في خطاب هذه الأمة: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [البقرة: 143]، وقال في صفة يوم القيامة: {وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } [الزُّمر: 69]، وهؤلاء الشهداء هم حجة الله على الناس في كل زمان بفضائلهم واستقامتهم على الحق والتزامهم للخير وأعمال البر)([181])

وقد ذكر الفخر الرازي الإشكال الوارد على هذا القول، وهو الوصف الذي وصف به أصحاب الأعراف، ولا يليق بأمثال هؤلاء الهداة، وهو قوله تعالى: { لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} [الأعراف: 46]، ثم أجاب عليه بقوله: (أجاب الذاهبون إلى هذه الوجه بأن قالوا: لا يبعد أن يقال: إنه تعالى بين من صفات أصحاب الأعراف أن دخولهم الجنة يتأخر؛ والسبب فيه أنه تعالى ميزهم عن أهل الجنة وأهل النار، وأجلسهم على تلك الشرفات العالية والأمكنة المرتفعة، ليشاهدوا أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار، فيلحقهم السرور العظيم بمشاهدة تلك الأحوال، ثم استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، فحينئذ ينقلهم الله تعالى إلى أمكنتهم العالية في الجنة، فثبت أن كونهم غير داخلين في الجنة، لا يمنع من كمال شرفهم وعلو درجتهم، وأما الطمع المذكور في الآية، فهو على ما ذكر هؤلاء، يكون معناه: اليقين، لا الطمع الذي لا يثق صاحبه بحصول المراد، وعلى هذا قوله تعالى عن إبراهيم: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ } [الشعراء: 82] فهذا الطمع طمع يقين)([182])

وقال ابن عربي: (ورجال الأعراف وهم رجال الحدّ.. أهل الشم، والتمييز، والسـراح عن الأوصاف فلا صفة لهم.. كان منهم أبو يزيد البسطامي! ورجالٌ إذا دعاهم الحق إليه يأتونه رجالاً لسرعة الإجابة لا يركبون: { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا } [الحج: 27] وهم رجال المطلع. فرجال الظاهر هم الذين لهم التصرف في عالم الملك والشهادة وهم الذين كان يشير إليهم الشيخ محمد بن قائد الأواني. وهو المقام الذي تركه الشيخ العاقل أبو السعود بن الشبل البغدادي أدباً مع الله)([183])

وقال في تفسيره: (وعلى الأعراف: أي على أعالي ذلك الحجاب الذي هو حجاب القلب الفارق بين الفريقين، هؤلاء عن يمينه وهؤلاء عن شماله. رجالٌ: هم العرفاء أهل الله وخاصته، يعرفون كلاً من الفريقين بسيماهم، يسلمون على أهل الجنة بإمداد أسباب التزكية والتحلية والأنوار القلبية وإفاضة الخيرات والبركات عليهم، لم يدخلوا الجنة لتجردهم عن ملابس صفات النفوس وطيباتها وترقيهم عن طورهم، فلا يشغلهم عن الشهود الذاتي ومطالعة التجلي الصفاتي نعيم)([184])

أما القائلون بهذا من المدرسة الشيعية فكثيرون جدا([185]) بناء على الروايات التي صحت عندهم عن أئمة أهل البيت، وليس من فرق بينهم وبين ما ذكره القائلون بهذا إلا في المصاديق الذين يصدق عليهم ذلك الوصف.

ومن أقوالهم في ذلك قول العلامة الكبير محمد حسين الطباطبائي صاحب [تفسير الميزان]: (وعلى الأعراف رجال مُشـرفون على الناس من الأولين والآخرين، يشاهدون كل ذي نفس منهم في مقامه الخاص به على اختلاف مقاماتهم ودرجاتهم ودركاتهم، من أعلى عليين إلى أسفل سافلين، ويعرفون كلاً منهم بما له من الحال الذي يخصه، والعمل الذي عمله، لهم أن يكلموا من شاءوا منهم، ويؤمِّنوا من شاءوا، ويأمروا بدخول الجنة بإذن الله. ويستفاد من ذلك أن لهم موقفاً خارجاً من موقفي السعادة التي هي النجاة بصالح العمل، والشقاوة التي هي الهلاك بطالح العمل، ومقاماً أرفع من المقامين معاً، ولذلك كان مصدراً للحكم والسلطة عليهما جميعاً)([186])

ومن أحسن أقوالهم في ذلك وأدقها وأجمعها ما ذكره الشيخ مكارم الشيرازي في تفسيره، والذي حاول أن يجمع فيه بين الأقوال جميعا، وهو يؤكد ما ذكرنا، فقد قال في مقدمة بحثه حول أصحاب الأعراف: (الأعراف في الأصل منطقة مرتفعة، ويتضح في ضوء القرائن التي وردت في آيات القرآن وأحاديث أئمة الإسلام، أنه مكان خاص بين قطبي السعادة والشقاء، أي الجنة والنار، وهو كحجاب حائل بين هذين، أو كأرض مرتفعة فصلت بين هذين الموضعين بحيث يشرف من يقف عليها على الجنة والنار، ويشاهد كلا الفريقين، ويعرفهم بوجوههم المبيضة أو المسودة، المشرقة أو المظلمة المكفهرة) ([187])

ثم ذكر الأوصاف الواردة لهؤلاء ـ حسبما ورد في القرآن الكريم ـ فقال: (إن دراسة الآيات الأربع تفيد أنه ذكر لهؤلاء الأشخاص نوعين متناقضين مختلفين من الصفات، ففي الآية الأولى والثانية وصف الواقفون على الأعراف بأنهم يتمنون أن يدخلوا الجنة، ولكن ثمة موانع تحول دون ذلك، وعندما ينظرون إلى أهل الجنة يحيونهم ويسلمون عليهم ويودون لو يكونون معهم، ولكنهم لا يستطيعون فعلا أن يكونوا معهم، وعندما ينظرون إلى أهل النار يستوحشون مما آلوا إليه من المصير، ويتعوذون بأن يكونوا منهم.. ولكن يستفاد من الآية الثالثة والرابعة بأنهم أفراد ذوو نفوذ وقدرة، يوبخون أهل النار ويعاتبونهم، ويساعدون الضعفاء في الأعراف على العبور إلى منزل السعادة)([188])

ثم ذكر أصناف الروايات الواردة في حقهم في المدرستين السنية والشيعية، فقال: (وقد قسمت الروايات الواردة في هذا المجال أهل الأعراف الى هذين الفريقين المختلفين أيضا، ففي بعض الأحاديث الواردة عن أئمة أهل البيت نقرأ: «نحن الأعراف»، أو عبارة: «آل محمد هم الأعراف»، وما شابه هذه التعابير، ونقرأ في طائفة أخرى عبارة: «هم أكرم الخلق على الله تبارك وتعالى» أو «هم الشهداء على الناس والنبيون شهداؤهم»، وروايات أخرى تحكي أنهم الأنبياء والأئمة والصلحاء والأولياء.. لكن طائفة أخرى مثلما ورد عن الإمام الصادق تقول: «هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فإن أدخلهم النار فبذنوبهم، وإن أدخلهم الجنة فبرحمته»، وثمة روايات متعددة أخرى في تفاسير أهل السنة قد رويت عن «حذيفة» و«عبدالله بن عباس» و«سعيد بن جبير» وأمثالهم بهذا المضمون) ([189])

وبناء على هذا راح يذكر وجهة نظره، وهي تتفق مع ما ذكرنا من شمول أصحاب الأعراف للشهداء الهداة، وأتباعهم من الصادقين المقصرين في العمل الصالح، فقال: (بالرغم من أن ظاهر الآيات وظاهر هذه الروايات تبدو متناقضة في بدو النظر، ولعله لهذا السبب أبدى المفسرون في هذا المجال آراء مختلفة، ولكن مع التدقيق والإمعان يتضح أنه لا يوجد أي تناقض ومنافاة، لا بين الآيات ولا بين الأحاديث، بل جميعها تشير إلى حقيقة واحدة، وتوضيح ذلك: إنه يستفاد من مجموع الآيات والروايات أن الأعراف معبر صعب العبور على طريق الجنة والسعادة الأبدية، ومن الطبيعي أن الأقوياء الصالحين والطاهرين هم الذين يعبرون هذا المعبر الصعب بسرعة، أما الضعفاء الذي خلطوا عملا صالحا، وآخر سيئا فيعجزون عن العبور، كما أنه من الطبيعي أيضا أن تقف قيادات الجموع وسادة القوم عند هذه المعابر الصعبة مثل القادة العسكريين الذين يمشون في مثل هذه الحالات في مؤخرة جيوشهم ليعبر الجميع. يقفون هناك ليساعدوا ضعفاء الإيمان، فينجو من يصلح للنجاة ببركة مساعدتهم ومعونتهم ونجدتهم، وعلى هذا الأساس، فأصحاب الأعراف فريقان: ضعفاء الإيمان والمتورطون في الذنوب الذين هم بحاجة إلى الرحمة، والأئمة السادة الذين يساعدون الضعفاء في جميع الأحوال) ([190])

ثم قرب صورة ذلك من خلال النشأة الأولى، فقال: (والنقطة الجديرة بالإلتفات هي أن الحياة في العالم الآخر مبتنية على أساس النماذج والعينات الموجودة في هذه الدنيا، فهكذا الحال بالنسبة إلى الأعراف، لأن الناس في هذه الدنيا ثلاث فرق: المؤمنون الصادقون الذين وصلوا إلى الطمأنينة الكاملة في ضوء الإيمان، ولم يدخروا وسعا في طريق المجاهدة، والمعاندون وأعداء الحق المتصلبون المتمادون في لجاجهم الذين لا يهتدون بأية وسيلة، والفريق الثالث هم الذين يقفون في هذا الممر الصعب عبوره ـ في الوسط بين الفريقين، وأكثر عناية القادة الصادقين وأئمة الحق موجهة إلى هؤلاء، فهم يبقون إلى جانب هؤلاء، ويأخذون بأيديهم لإنقاذهم وتخليصهم من مرحلة الأعراف ليستقروا في صف المؤمنين الحقيقيين، ومن هنا يتضح أن تدخل الأنبياء والأئمة في انقاذ هذا الفريق في الآخرة كتدخلهم لذلك في الدنيا لا ينافي أبدا قدرة الله وحاكميته على كل شيء، بل كل ما يفعلونه إنما هو بإذن الله تعالى وأمره) ([191])

وبذلك يكون دور هؤلاء يشبه الشفعاء من ناحية شفاعتهم للمؤمنين الثابتين على الحق، المقصرين في القيام بتكاليفه، وفي نفس الوقت دور المتشدد مع غيرهم، من الذين واجهوا الحق، وحاربوه وحرفوه.

د ـ شهادة الملائكة:

وهي من الشهادات الكبرى المعتبرة، لأن من التكاليف التي كلف بها الملائكة الحضور الدائم في حياة البشر، وتسجيل أعمالهم، وبدقة عالية، وهم ليسوا محصورين فقط في الملائكة الكتبة، بل هناك ملائكة لهم أدوار أخرى في حياة الإنسان، وهدايته، ولهم دورهم أيضا في ذلك العالم بالشهادة.

وقد ذكرنا سابقا قوله صلى الله عليه وآله وسلم في إثبات شهادة الملائكة: (عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: أي ربي، أليس وعدتني ألا تظلمني؟ قال: بلى فيقول: فإني لا أقبل علي شاهدا إلا من نفسي. فيقول الله تبارك وتعالى: أو ليس كفى بي شهيدا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟! قال: فيردد هذا الكلام مرارا، فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول: بعدا لكن وسحقا، عنكن كنت أجادل) ([192])

وأشار إلى هذه الشهادة قوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } [الانفطار: 10 – 11]، وقوله: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ اليمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيد مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ق: 17 – 18]، وقوله: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ } [يونس:21]، وقوله: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ } [الزخرف:80]

وغيرها من الآيات الكريمة التي تثبت كتابة الملائكة لكل أعمال الإنسان، وأنها ستحضر يوم القيامة مع تلك الكتب لتكون شاهدة على ما فيها.

بالإضافة إلى هذا، يحضر غيرهم من الملائكة من الذين وكلوا بالاهتمام بشؤون أخرى غير الكتابة من أمثال الاهتمام بمجالس الذكر، كما ورد في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده)([193])، وروي أنه بينما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي، وعند رفع رأسه من الركوع، وقوله: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: (ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه)، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ فقال الرجل: أنا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها، أيهم يكتبها أولاً) ([194])

أو من الملائكة الموكلين بيوم الجمعة، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم، وجلسوا يستمعون الذكر) ([195])

أو الملائكة الموكلين بطلبة العلم، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع) ([196])

أو الملائكة الموكلين بتبليغ السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام) ([197])

أو الملائكة المنتشرين في كل محل، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم)([198])، وفي رواية: (لو أنكم تكونون كما تكونون عندي لأظلتكم الملائكة بأجنحتها)([199])

وذكر صلى الله عليه وآله وسلم أن (رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله عزّ وجلّ، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه)([200])

وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي تثبت الحضور الدائم للملائكة عليهم السلام في كل شؤون الإنسان، ولذلك تتاح لهم يوم القيامة الفرصة للشهادة، مثل غيرهم من الشهود، لأن العبرة في الشهود تكون بعدالتهم وصدقهم، بالإضافة إلى حضورهم أو شهودهم لما يريدون الشهادة فيه.

هـ ـ شهود آخرون:

بالإضافة إلى أولئك الشهود الكرام، تذكر النصوص المقدسة شهودا آخرين كثيرين، تتاح لهم الشهادة لعلاقتهم بالعمل أو الشخص الذي يريدون الشهادة له أو عليه.

ومن أولئك الشهود الأرض التي مارس عليها العامل عمله، كما قال تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة: 1 – 5]

وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [الزلزلة: 4]، ثم قال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا، يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها)([201])

وفي حديث آخر دعا صلى الله عليه وآله وسلم إلى اعتبار هذه الشهادة والحذر منها، فقال: (تحفظوا من الأرض، فإنها أمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيرا أو شرا، إلا وهي مخبرة) ([202])

وبين صلى الله عليه وآله وسلم فضل الآذان لشهادة كل من يسمعه من شجر وحجر، فقال: (لا يسمع مدى صوت المؤذن جنٌ ولا إنسٌ، ولا شيءٌ إلا شهد له يوم القيامة) ([203])

وهذا ينطلق من الرؤية الإسلامية للأرض، بل للكون جميعا، فليس هناك شيء جامد في الكون، بل كل شيء يحمل نوعا من الحياة التي تتيح له التعرف على الله في حدود القابلية المتاحة له، ولذلك يسبحه ويحمده ويمجده، بل يستشعره من المشاعر ما يشعر به الأحياء([204])، وقد قال تعالى:{ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (الحشر:21)

وقد ورد في الآثار ما يدل على المشاعر التي تستشعرها الأرض، وهي ترى من يطيع الله فوقها، ففي بعض الآثار:(إن الجبل ليقول للجبل: هل مرَّ بك اليوم ذاكر لله؟ فإن قال: نعم، سُرَّ به) ثم قرأ عبد الله قوله تعالى:{ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} (البقرة:116) قال:(أفتراهن يسمعن الزور ولايسمعن الخير)([205])

وفي أثر آخر:(ما من صباح ولا رواح إلا تنادي بقاع الأرض بعضها بعضا، يا جاره هل مر بك اليوم عبد فصلى لله أو ذكر الله عليك، فمن قائلة لا، ومن قائلة نعم، فإذا قالت نعم رأت لها بذلك فضلا عليها)([206])

وهذا ليس مستغربا عقلا ذلك أن ما نتصوره نحن من حياة هو صورة فقط من صور الحياة، وهي صورة ارتباطات مادية حيوية بعضها ببعض، وكما أن العلم الحديث يقر بوجود حياة في الخلية الواحدة، سواء كانت ضمن نسيج واحد أو كانت مستقلة منفردة؛ فكذلك تنبئنا النصوص المقدسة أن الكون كله حي جملة وتفصيلا، وكل ذرة فيه أو ما دونها كائن حي له حقيقته التي استدعت وجوده، كما أن له صورته التي نعرفه من خلالها، وقد قال بديع الزمان النورسي مبينا هذه الحقيقة وأثرها النفسي: (فالكونُ بجميع عوالمه حيّ ومشع مضئ بذلك التجلي، وِالاّ لأصبح كل من العوالم ـ كما تراه عين الضلالة ـ جنازة هائلة مخيفة تحت هذه الدنيا المؤقتة الظاهرة، وعالماً خرباً مظلماً)([207])

وهكذا ورد في الروايات والآثار ما يدل على شهادة الزمان الذي تم فيه العمل، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادى فيه يا ابن آدم: أنا خلق جديد، وأنا فيما تعمل عليك غدا شهيد، فاعمل في خيرا أشهد لك به غدا فإني لو قد مضيت لم ترني أبدا قال: ويقول الليل مثل ذلك) ([208])

وهكذا ورد ما يدل على شهادة الإنسان على أخيه الإنسان في حدود ما يعلم، سواء عاش في زمنه أم لم يعش، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر بجنازة، فأثنوا عليها خيرا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وجبت» ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا، فقال: «وجبت» فقيل له: ما وجبت؟ قال: «هذا أثنيتم عليه خيرا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض) ([209])، وفي رواية قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إن بعضكم على بعض شهداء»([210])، وفي رواية: «وجبت إنكم شهداء الله في الأرض»([211])

وللأسف، فإن هذا الحديث استخدم طائفيا استخداما بشعا حيث صرنا نرى في الواقع تلك الدعاوى التي يتصور أصحابها أنهم الفرقة الناجية، فيضمنون لأنفسهم الجنة، ولأعدائهم أو من يكرهون النار، وكأن الله تعالى قد أعطاهم مفاتيح الجنان والنيران يدخلون فيهما من شاءوا، وشاءت لهم أهواؤهم.

ولم يكن هذا خاصا بصغار الدعاة، بل إنه شمل كبارهم للأسف، بل شمل من يدعون أنهم مشايخ الإسلام والأوصياء عليه، ومن ذلك قول ابن تيمية: (وكذلك من أجمعت الأمة على الثناء عليه، فإننا نشهد له بالجنة، فمثلاً: الأئمة: أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينه، وغيرهم من الأئمة رحمهم الله، أجمعت الأمة على الثناء عليهم، فنشهد لهم بأنهم من أهل الجنة) ([212])

وتبعه على هذا الشيخ ابن عثيمين الذي راح هو الآخر يشهد لابن تيمية بالجنة، ويشهد لأعدائه بالنار، حيث قال في [شرح رياض الصالحين]: (وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أجمع الناس على الثناء عليه إلا من شذ، والشاذ شذ في النار، يشهد له بالجنة على هذا الرأي)([213])

وهذا كله يخالف ما ورد في الحديث عن أم العلاء، وكانت بايعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قالت: (طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عثمان بن مظعون، فاشتكى عثمان فمرَّضناه حتى إذا توفي أدرجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: (رحمة اللّه عليك أبا السائب شهادتي عليك، لقد أكرمك اللّه تعالى، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (وما يدريك أن اللّه تعالى أكرمه؟)، فقلت: (لا أدري بأبي أنت وأمي)، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وأني لأرجو له الخير، واللّه ما أدري وأنا رسول اللّه ما يفعل بي)، قالت، فقلت: (واللّه لا أزكي أحداً بعده أبداً)([214])

ولذلك فإن قوانين الشهادة في الآخرة ممتلئة بالعدالة، فلا يمكن الثقة في كل الشهود، بل يحتاجون إلى تمحيص كبير حتى تقبل شهادتهم.

وهكذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه يمكن للشخص أن يشهد في حدود ما يعلم، ولو لم يعايش ما شهد عليه، بناء على ما لديه من المعطيات، وقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يدعى نوح يوم القيامة، فيقول لبيك وسعديك يا رب.فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيقال لأمته: هل بلغكم؟فيقولون: ما أتانا من نذير! فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ) ([215])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان وأكثر من ذلك؛ فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته فيدعى بمحمد وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم؛ فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا، فذلك قوله عز وجل: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [البقرة: 143])([216])

ومن آخر الشهود الذين ورد ذكرهم في النصوص المقدسة، والذين لا تتم شهادتهم إلا بعد عدم قبول غيرهم من الشهداء، شهادة أعضاء الإنسان نفسه، كما قال تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [يس:65]

وقال مصورا ذلك بصورة أكثر تفصيلا:{وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ } [فصلت:19 – 23]

وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إِنَّكم تدعون مفدماً على أفواهكم بالفدام، فأول ما يسأل عن أحدكم فخذه وكتفه) ([217])

وورد في حديث القيامة الطويل: (ثم يلقى الثالث؛ فيقول له مثل ذلك؛ فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع، فيقول: ههنا إذا، قال: ثم يقال له الآن نبعث شاهدنا عليك ويتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه) ([218])

وهذا الحديث يشير إلى أولئك المجادلين المخادعين الذين يتصورون أنهم كما خدعوا المؤمنين في الدنيا يمكنهم خداع الله في الآخرة، وقد قال تعالى في شأنهم: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [المجادلة: 18]

وفي بعض الآثار عن ابن عباس أنه قال لابن الأزرق: (إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين، لا ينطقون، ولا يعتذرون، ولا يتكلمون حتى يؤذن لهم، ثم يؤذن لهم فيختصمون فيجحد الجاحد بشركهِ بالله تعالى: {فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ } [المجادلة: 18]، فيبعث الله تعالى عليهم حين يجحدون شهداءَ من أنفسهم جلودَهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم ويختم على أفواههم، ثم يفتح لهم الأفواه فتخاصم الجوارح، فتقول:{أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [فصلت:21]، فتقر الألسنة بعد الجحود)([219])

3 ـ الحساب والمساءلة:

من تجليات العدالة الإلهية في أرض المحشر ما وضعه الله تعالى من قوانين ترتبط بحساب عباده على أعمالهم، ومساءلتهم عليها، بحسب الظروف التي أتيحت لهم، والإمكانيات التي كانت في طاقتهم، وإتاحة الفرصة لهم، ليجيبوا على ما يطرح عليهم من أسئلة، والاعتذار بما يرونه من معاذير، بل يمكنهم أثناء الحساب أن يستدعوا من شاءوا من الشهود، أو ممن يرضى بالدفاع عنهم.

وبذلك؛ فإن أقرب التشبيهات للحساب الإلهي في الآخرة، تلك المحاكمات العادلة التي تجري في الدنيا، والتي يعرض فيها أولا على المتهم جرائمه، ثم يتاح له بعد ذلك تبريرها بما يراه، أو يستدعي من يتولى ذلك عنه.

وطبعا، فإن العدالة المطلقة في الآخرة تستدعي دراسة كل قضية، وبكل تفاصيلها، والحيثيات المحيطة بها، وتعالج القضايا جمعيا، وبكل سرعة، وليس مثل محاكم الدنيا التي تتسم بالبطء والضعف الشديد، والذي قد يستغله المخادعون في التفلت من أحكامها، وقد قال تعالى مشيرا إلى ذلك: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [إبراهيم: 51]، وقال: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 17]

ففي هاتان الآيتان الكريمتان إشارة إلى كل ذلك؛ فالحساب الإلهي يشمل كل النفوس، وبكل ما كسبت أيديها، وفي نفس الوقت يكون سريعا، لا كمحاكم الدنيا القاصرة الضعيفة.

بالإضافة إلى ذلك؛ فالحساب الإلهي في ذلك الموقف ـ وبناء على العدالة المطلقة ـ لا يستند للعلم الإلهي فقط، بل يستند فوق ذلك لكل أولئك الشهود الذين سبق ذكرهم، والذين لا يمكن خداعهم أو رشوتهم، بخلاف محاكمات الدنيا التي يمكن أن يخادع فيها المتهم المحكمة والقضاة، بل قد يتمكن من إغرائهم بما يرغبون فيه من متاع الحياة الدنيا.

وقد أشار القرآن الكريم إلى محاولة المجرمين فعل ذلك في الآخرة، مثلما كانوا يفعلونه في الدنيا، كما قال تعالى: {فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (الحديد:15) أي لو جاء أحدكم اليوم بملء الأرض ذهباً ومثله معه ليفتدي به من عذاب اللّه ما قبل منه.

ومثله ذكر القرآن الكريم يأس المجرم من استعمال هذه الوسيلة؛ فقال: {يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ} [المعارج: 11 – 14]

وهكذا ذكر القرآن الكريم مسؤولية كل شخص في ذلك العالم عن نفسه، وأنه لا ينفعه إلا عمله، كما قال تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا } [لقمان: 33]

وهكذا؛ فإن من مقتضيات العدالة الإلهية في ذلك الموقف ألا يحاسب الشخص إلا على ما عملت يده، أو كان له سبب فيه؛ فلا يحاسب على ما هو خارج عن قدرته، كما قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286]، وقال: { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7]

وهكذا فإنه لا يحاسب على ما عمل غيره، إن لم يكن له علاقة به، كما قال تعالى:{ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [فاطر: 18]، وقال: {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً } [الإسراء:15]

بناء على هذه المعايير يكون الحساب في ذلك الموقف، ولذلك يتاح لكل شخص أن يبرر أعماله بما يراه مناسبا، وقد لا يبرر ذلك، ويقر بذنبه، ويعترف به، وبكونه يستحق أي حكم يصدر عليه.

وبذلك فإن الحساب ليس من تجليات العدالة الإلهية فقط، وإنما هو من تجليات ربانيته تعالى، والتي من مقتضياتها تربيته لعباده، والسير بهم نحو مراتب الكمال التي هيئوا لها، وذلك بإخراجهم من ظلمات نفوسهم إلى نور الحق.

وقد أشار إلى هذا المقصد الجليل من مقاصد الحساب الشيخ جعفر السبحاني، فقال: (لا محيص عن كون الداعي إلى المحاسبة شيئاً آخر، وهو إراءة عدله وجوده وحكمته عند المحاسبة، فلو عفا فلجوده وكرمه، وإن عذّب فلعدله وحكمته، فمحاسبته تبارك وتعالى كابتلاء عباده، فإنّ الهدف من الابتلاء ليس هو الوقوف على ما يَكْمُن في نفوس العباد من الخير والشر، بل الغاية إكمال العباد وتبديل طاقات الخير إلى فعليته)([220])

وبناء على هذا المقصد، فإن هناك من لا يحتاج إلى الحساب، إما لكونه قد طهر في الدنيا أو في البرزخ طهارة كافية تعفيه من ذلك الموقف، أو لكونه ليس لديه من المسؤوليات ما يحاسب عليه.

وقد أشار إلى هذا الصنف قوله تعالى:{ قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]، فهذه الكلمة (بِغَيْرِ حِسَابٍ) قيد للفعل، وهي تحتمل أن يكون المراد منها: (يوفّى الصابرون بغير حساب)، كما تحتمل أن يكون معناها مرتبط بأجرهم، أي (يوفّى الصابرون أجراً هو بغير حساب)

وقد ورد في الحديث ما يؤيد المعنى الأول، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا نشرت الدواوين ونصبت الموازين لم ينصب لأهل البلاء ميزان ولم ينشر لهم ديوان، ثمّ تلا هذه الآية: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)([221])

وهكذا ورد في حديث آخر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر أصناف آخرين من الذين لا يشملهم الحساب في الآخرة، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر، فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك ومنهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب)، ثم فسر سبب ذلك في آخر الحديث، فقال: (هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) ([222])

وفي حديث آخر ذكر لأوصاف أخرى، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا كان يوم القيامة أنبت الله لطائفة من أمتي أجنحة، فيطيرون من قبورهم إلى الجنان يسرحون فيها ويتنعمون كيف شاؤوا، فتقول لهم الملائكة: هل رأيتم حسابا؟ فيقولون: ما رأينا حسابا، فيقولون: هل جزتم على الصراط؟ فيقولون: ما رأينا صراطا، فيقولون لهم: هل رأيتم جهنم؟ فيقولون: ما رأينا شيئا، فتقول الملائكة: من امة من أنتم؟ فيقولون: من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ فيقولون: نشدناكم الله حدثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا؟ فيقولون: خصلتان كانتا فينا، فبلغنا الله هذه المنزلة بفضل رحمته، فيقولون: وما هما؟ فيقولون: كنا إذا خلونا نستحي أن نعصيه، ونرضى باليسير مما قسم لنا، فتقول الملائكة: يحق لكم هذا) ([223])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا كان يوم القيامة جمع الله الخلائق في صعيد واحد ونادى مناد من عند الله يسمع آخرهم كما يسمع أوّلهم، يقول: أين أهل الصبر؟ قال: فيقوم عنق من الناس فتستقبلهم زمرة من الملائكة فيقولون لهم: ماكان صبركم هذا الذي صبرتم؟ فيقولون: صبرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبرناها عن معصيته، قال: فينادي مناد من عند الله: صدق عبادي خلّوا سبيلهم ليدخلوا الجنة بغير حساب ؛ قال: ثمّ ينادي مناد آخر يسمع آخرهم كما يسمع أوّلهم، فيقول: أين أهل الفضل؟ فيقوم عنق من الناس فتستقبلهم الملائكة، فيقولون: ما فضلكم هذا الذي ترديتم به؟ فيقولون: كنا يجهل علينا في الدنيا فنحتمل، ويساء إلينا فنعفو، قال: فينادي مناد من عند الله تعالى صدق عبادي، خلّوا سبيلهم ليدخلوا الجنة بغير حساب ؛ قال: ثمّ ينادي مناد من الله عزّ وجلّ يسمع آخرهم كما يسمع أوّلهم، فيقول: أين جيران الله جلّ جلاله في داره؟ فيقوم عنق من الناس فتستقبلهم زمرة من الملائكة، فيقولون لهم: ما كان عملكم في دار الدنيا فصرتم به اليوم جيران الله تعالى في داره؟ فيقولون: كنّا نتحاب في الله عزّوجلّ، ونتباذل في الله، ونتوازر في الله، قال: فينادي مناد من عند الله تعالى: صدق عبادي خلّوا سبيلهم لينطلقوا إلى جوار الله في الجنة بغير حساب، قال: فينطلقون إلى الجنة بغير حساب ». ثمّ قال الإمام الباقر: « فهؤلاء جيران الله في داره يخاف الناس ولا يخافون، ويحاسب الناس ولا يحاسبون) ([224])

وهذا لا يعني أن الذين لم يحاسبوا أفضل من المحاسبين، بل قد يكون المحاسبون أفضل، ذلك أن أعمالهم الكثيرة، وخاصة تلك المتعدية هي التي جعلتهم يقفون ذلك الموقف، كما قال الله تعالى عن الرسل عليهم الصلاة والسلام: { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ } [الأعراف: 6، 7]، وقال: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا } [الأحزاب: 7، 8]

وأخبر عن تلك المساءلة التي جرت مع المسيح عليه السلام، فقال: { وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [المائدة: 116 – 118]

ثم ختم الله تعالى هذا المشهد بقوله: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة: 119]

وبذلك فإن حساب أولئك الصادقين مما يزيد في مكانتهم ورفعتهم، ذلك أنه تتجلى من خلال تلك الأسئلة والمحاسبات مدى طهارتهم وصدقهم وإخلاصهم، والذي ربما يكون قد خفي الكثير منه في الدنيا.

وذلك يشبه كثيرا ما ذكره القرآن الكريم عن يوسف عليه السلام عند مطالبته بالتحقيق في قضيته قبل أن يخرج السجن، ودور ذلك في إظهار صورته الممتلئة بالجمال والإخلاص، فقد ذكر الله تعالى أن ملك مصر عندما علم الحقيقة قال: {ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} [يوسف: 54]

ولهذا، فإن ما ورد عن دخول الفقراء الجنة قبل الأغنياء، لا يعني أنهم أفضل منهم بهذا الاعتبار، وإنما يعني أن حساب الأغنياء أكبر لأنهم سيحاسبون عن أموالهم، من أين اكتسبوها، وفيم أنفقوها، ولذلك إن نجحوا في الامتحان قد يكون محلهم من الجنة أرفع، لأن العبرة بالأعمال، لا بتأخر الدخول إلى الجنة.

ويدل لذلك، بل يصرح به قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أول زمرة تدخل الجنة من أمتي فقراء المهاجرين، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة، ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أو قد حوسبتم؟ فيقولون: بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ فيفتح لهم، فيقيلون فيه أربعين عاماً قبل أن يدخلها الناس) ([225])

وعلى ضوء هذا الحديث تفسر سائر الحديث، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار)([226])، وقوله: (إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً)([227])، وقوله: (فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة) ([228])

والاختلاف في التقديرات العددية إما أنه مبني على خطأ الرواة في رواية الحديث، أو بسبب الاختلاف الحاصل بين الفقراء والأغنياء، كما ذهب إلى ذلك القرطبي، حيث ذكر أن (الفقراء متفاوتون في قوة إيمانهم وتقدمهم، والأغنياء كذلك، فإذا كان الحساب باعتبار أول الفقراء دخولاً الجنة وآخر الأغنياء دخولاً الجنة فتكون المدة خمسمائة عام، أما إذا نظرت إلى آخر الفقراء دخولاً الجنة وأول الأغنياء دخولاً الجنة فتكون المدة أربعين خريفاً، باعتبار أول الفقراء وآخر الأغنياء)([229])

وهكذا ورد في النصوص المقدسة ما يشير إلى أن كبار المجرمين لا تتاح لهم فرصة المساءلة بناء على اشتهار ذنوبهم أو كثرتها، كما قال تعالى: {وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص: 78]، وقال: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 39]

وقد حاول العلماء الجمع بين هذه الآيات وقوله تعالى: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [الحجر: 92، 93]، ومن أحسن ما قيل فيها ما قاله الشيخ مكارم الشيرازي، فقد قال: (يمكن الإجابة على هذا السؤال عن طريقين: الأول: إن المواقف في يوم القيامة متعددة، ففي بعضها يقع السؤال والجواب، وفي بعض المواقف لا حاجة للسؤال، لأن الحجب مكشوفة، وكل شيء واضح هناك.. الثاني: إن السؤال عادة نوعان، سؤال تحقيق، وسؤال توبيخ، فليس في يوم القيامة سؤال للتحقيق، لأن كل شيء هناك مكشوف عيانا وواضح دون لبس، ولكن يوجد هناك سؤال توبيخ وهو بنفسه نوع من العذاب النفسي للمجرمين.. وينطبق هذا تماما في ما لو سأل الأب ابنه غير المؤدب: ألم أقدم لك كل هذه الخدمات؟.. أهذا جزاء ما قدمت؟! في حين أن كلا من الأب والابن يعرفان الحقيقة، وأن قصد الأب من سؤاله لإبنه هو التوبيخ لا غير!)([230])

وبناء على هذا كله، ورد في النصوص المقدسة ذكر نوعين من الحساب: العسير واليسير، أما اليسير، فهو العرض المجرد عن العتاب والتوبيخ، وأما العسير، فهو ذلك العرض الذي يكون معه التوبيخ الشديد.

ولهذا ذكر الله تعالى أن أصحاب الحساب اليسير هم المؤمنون الطيبون، بخلاف أصحاب الحساب العسير، كما قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا } [الانشقاق: 7 – 9]، وفي مقابله ذكر صاحب الحساب العسير، فقال: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا} [الانشقاق: 10 – 15]، وقال: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا } [الفرقان: 26]

وقد ورد في الحديث تفسير ذلك، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا معذبا)، فقيل له: أليس الله يقول: { فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا } [الانشقاق: 8]؟ فقال: (ذاك العرض، إنه من نوقش الحساب عذب) ([231])

وفي حديث آخر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سُمع في بعض صلاته يقول: (اللهم حاسبني حسابا يسيرا)، فلما انصرف، قيل له: يا رسول الله، ما الحساب اليسير؟ قال: (أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، إنه من نوقش الحساب يومئذ هلك) ([232])

ونحب أن ننبه إلى أن طول الحساب وشدته، لا يعني كونه عسيرا؛ فقد يكون ذلك لكثرة المسؤوليات التي ارتبطت بالمسؤول بخلاف غيره، كما وضح الإمام الصادق ذلك بقوله: (إذا كان يوم القيامة وقف عبدان مؤمنان، للحساب كلاهما من أهل الجنة، فقير في الدنيا، وغني في الدنيا، فيقول الفقير: يا ربّ على ما أوقف؟ فوعزتك إنّك لتعلم أنّك لم تولّني ولاية فأعدل فيها أو أجور، ولم ترزقني مالاً فأُؤدّي منه حقاً أو أمنع، ولا كان رزقي يأتيني منها إلاّ كفافاً على ما علمت وقدّرت لي، فيقول الله جلّ جلاله: صدق عبدي خلّوا عنه يدخل الجنّة. ويبقى الآخر حتّى يسيل منه من العرق ما لو شربه أربعون بعيراً لكفاها، ثمّ يدخل الجنة، فيقول له الفقير، ماحبسك؟ فيقول: طول الحساب، مازال الشيء يجيئني بعد الشيء يغفر لي، ثمّ اسأل عن شيء آخر حتى تغمّدني الله عزّوجلّ منه برحمة وألحقني بالتائبين، فمن أنت؟ فيقول: أنا الفقير الذي كنت معك آنفاً، فيقول: لقد غيّرك النعيم بعدي)([233])

وهكذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الحساب قد ييسر ويخفف على الشخص بناء على طبيعته السمحة ولينه، ففي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم: (حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسراً، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر. قال: قال الله عز وجل: نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه) ([234])

وقبل أن نذكر المجالات التي يكون فيها الحساب ـ حسبما ورد في النصوص المقدسة ـ نحب أن نذكر هنا مسألة مهمة تتعلق بنوع الحساب وكيفيته، ولها علاقة كذلك بالموازين ـ كما سنرى ـ وهي ما يطلق عليه [الحساب التكويني والتدويني]

ذلك أن النصوص المقدسة عندما تتحدث عن الحساب تذكر كلا النوعين.. فقوله تعالى ـ مثلا ـ: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5] يشير إلى الحساب التكويني، والذي يشمل كل شيء، كما قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } [القمر: 49]، وقال: { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ } [الحجر: 21]، وقال: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون: 18]

وغيرها من الآيات الكريمة التي تبين أن الله تعالى مع كرمه العظيم، وجوده الواسع إلا أنه برحمته وعدالته وتربيته لعباده، يصب عليهم من فضله بحسب حاجتهم، حتى لا يطغوا، كما قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى: 27]

وهذا يدعونا إلى التساؤل عن نوع الحساب في الآخرة، وهل هو من هذا النوع، أم أنه حساب تدويني، أي تدون فيه الأعمال وغيرها، بعيدا عن البعد التكويني؟

وقد أجاب على هذا التساؤل العلامة جعفر السبحاني بقوله: (كلّ ما يصدر من الإنسان من الأعمال الحسنة والسيئة فهو ذو تأثير على مصير الفرد والمجتمع يسوقهما إلى السعادة والتكامل أو إلى الشقاء والانحطاط، أو إلى غير ذلك من الآثار، بل تؤثر في الحياة الأُخروية ومصير الإنسان فيها، ولذلك قالوا: الدنيا مزرعة الآخرة، فما يزرعه فيها يحصده في الدار الآخرة، وعلى ضوء ذلك فلو كان المراد من الحساب المحاسبة التكوينية، فالأعمال كلّها تُحاسب بمعنى أنّها تؤثر في مصير الإنسان وحياته الأُخروية حسنها وسيّئها ولا يغادر فعل في ذلك المقام، ولأجل ذلك يفترق الإنسان إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال. لأجل جزاء أعماله ولا يتطرق التخصيص إلى المحاسبة الكونية، فإنّ التكوين لا يقبل التخصيص)([235])

وبناء على هذا، فإن الحساب يشمل الجميع، ذلك أن كل عمل من الأعمال له تأثيره الخاص في الإنسان، سيئا كان أو حسنا.

لكن ـ لو اعتبرنا الحساب تدوينيا ـ فهنا يمكن أن يرفع الحساب، أو يخفف، أو ييسر، ذلك أنه يرجع للموازنات بين الحسنات والسيئات، ذلك أنه (تجمع الحسنات في قائمة والسيّئات في قائمة أُخرى ثمّ يوازن بينها فإن رجحت حسناته على سيئاته، فيعطى كتابه بيمينه، وإن رجحت سيئاته على حسناته فيعطى كتابه بشماله) ([236])

وبناء على هذا؛ فإن (الاختلاف في شمولية الحساب وعدمها راجع إلى الحساب التدويني، وأمّا الحساب التكويني فشموليته أمر لا خلاف فيه، لأنّ مرجع الحساب التكويني يعود إلى الآثار الواقعية للعمل التي لا تنفك عنه، ولذلك يعم الجميع من دون فرق بين صالح وصالح أو طالح وطالح) ([237])

بناء على هذا، نحاول في هذا المطلب التعرف على أهم القضايا التي يحاسب عليها الإنسان في ذلك الموقف، والتي يمكن تصنيفها إلى صنفين: أعمال خاصة وشخصية، وأخرى متعدية.

أ ـ الشؤون الشخصية:

وهي الشؤون الخاصة بذات الإنسان، إما بينه وبين ربه، أو بينه وبين نفسه، وليس لها آثار متعدية، وقد ورد في النصوص المقدسة الكثير من أنواع الأسئلة التي يُسأل عنها الإنسان في ذلك الموقف، والمرتبطة بهذا النوع، ولكن أهمها والأساس الذي تقوم عليه، هو الموقف من الرسل والهداة الذين كلفوا بهداية البشر.

ذلك أن الهداية مرتبطة بالموقف منهم، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 65]، ثم ذكر تميز المواقف بعد ذلك السؤال، فقال: { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (66) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} [القصص: 66، 67]

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته في حجة الوداع: (وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟)، قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال ـ بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس ـ: (اللهم، اشهد، اللهم، اشهد) ثلاث مرات([238]).

وبذلك فإن كل الأسئلة التالية ستكون بحسب الموقف من الرسل والهداة، وهل اتبعوهم، أو حاربوهم، وفي حال اتباعهم لهم هل التزموا بعهودهم معهم، فحافظوا على دينهم من التحريف، أم خالفوا، فأنشأوا لأنفسهم دينا جديدا؟

ولهذا كان من أهم الأسئلة السؤال عن العهد، كما قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا } [الإسراء: 34]

والمراد بالعهد تلك المواثيق التي أخذها الله تعالى على أتباع الرسل بألا ينحرفوا عنهم، كما قال تعالى عن بني إسرائيل، والميثاق الذي أخذه عليهم: { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأعراف: 169]

وذكر ما يقابلهم من المتمسكين بالدين الأصيل، فقال: { وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ } [الأعراف: 170]

وهذا سار في جميع الأمم، ولذلك كانت أول الأسئلة هي الأسئلة المتعلقة بالحفاظ على أصالة الدين وعدم تحريفه، وتحريف القيم التي جاء بها، وتنفيذ الوصايا التي أوصى بها الأنبياء ـ عليهم السلام ـ والتي تتعلق بذلك.

وبما أن أهم النواحي في الدين هي العقائد، فقد ذكر القرآن الكريم سؤال المفترين على الله بشأنها، فقال ـ مخبرا عن بعض افتراءاتهم في ذلك وسؤالهم عنها ـ: { وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } [النحل: 56]، وقال: { وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ } [الزخرف: 19].

بالإضافة إلى ذلك، فقد ذكر القرآن الكريم سؤال الإنسان على كل ما آتاه الله من طاقات، وأين وجهها، وما عمل فيها، كما قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } [الإسراء: 36]

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن أن الأسئلة في ذلك الموقف تتناول كل شيء، بناء على ما أتيح للإنسان من ظروف الاختبار، فقال: (لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم)([239])

وهكذا ورد النص على كون الصلاة من الأشياء المهمة التي يحاسب عليها الإنسان في ذلك الموقف، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع، فيكمل به ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك) ([240])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربنا عز وجل لملائكته: انظروا في صلاة عبدي، أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً، قال: انظروا، هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع، قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال بعد ذلك)([241])

ونحب أن نبين هنا أن السؤال عن الصلاة ليس ـ كما يذكر المتطرفون والطائفيون ـ من ارتباطه بشكلها وهيئتها، ذلك أن الأديان تختلف في ذلك، والمدارس الإسلامية تختلف أيضا، وكل يمارس الصلاة بحسب ما وصله من العلم، ولذلك فإن السؤال عنها يكون بحسب ما ورد الحديث عنها في القرآن الكريم من المداومة عليها، والحرص على الخشوع فيها، وإقامتها لذكر الله، ونحو ذلك.

وطبعا هذا لا يعفي المسؤول عن الاهتمام بأدائها وفق الشريعة، ولكن بحسب ما وصله اجتهاده، لا بحسب حقيقة الحال، إلا إذا أدخل الهوى في اجتهاده؛ فحينها يحاسب على ذلك الهوى الذي أدخله.

ولا تقتصر الأسئلة في ذلك الموقف على ما يرتبط بالأعمال الظاهرة، وإنما تشمل الأعمال القلبية، وخصوصا الإخلاص، ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يؤتى يوم القيامة بصحف مختمة، فتنصب بين يدي الله تبارك وتعالى، فيقول تبارك وتعالى، ألقوا هذه واقبلوا هذه، فتقول الملائكة، وعزتك ما رأينا إلا خيراً، فيقول الله عز وجل إن هذا كان لغير وجهي، وإني لا أقبل اليوم إلا ما ابتغي به وجهي) وفي رواية: (فتقول الملائكة: وعزتك ما كتبنا إلا ما عمل، قال: صدقتم إن عمله كان لغير وجهي) ([242])، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)([243])

وهكذا ورد النص على الأسئلة الكثيرة المرتبطة بالذنوب، وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك مثلا تقريبيا، فعند رجوعه من غزوة حنين، نزل قفراً من الأرض ليس فيه شيء، فقال: (من وجد عوداً فليأت به، ومن وجد حطباً أو شيئاً فليأت به)، وبعد أن جمعوا ركاما من الحطب، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أترون هذا؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا، فليتق الله رجل، ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة، فإنها محصاة عليه) ([244])

ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً) ([245])

وهكذا ورد النص على الأسئلة المرتبطة بنعم الله، وما عمل فيها الإنسان، وهل شكرها أم لا، كما قال تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 8]

وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في تفسيرها: (والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة: ظل بارد ورطب طيب وماء بارد) ([246])

وذكر كيفية الحساب المرتبط بها، فقال: (إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك، ونرويك من الماء البارد؟) ([247])

وقد ورد ما يفسر النوع المسؤول عنه، وأنه ليس كل أنواع النعم، بل ما ارتبط بالترف منها، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن النعم، وهل يحاسب عليها، فقال؟ قال: (نعم إلا من ثلاث: خرقة كف بها الرجل عورته، أو كسرة سد بها جوعته، أو حجر يتدخل فيه من الحر والقر) ([248])

وعن الإمام علي أنه قال: « ما أصف من دار أوّلها عناء، وآخرها فناء، في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب »([249])، وقال: « اتّقوا الله في عباده وبلاده، فإنّكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم، أطيعوا الله ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشرّ فأعرضوا عنه»([250])، وقال: « كلّ نعيم مسؤول عنه يوم القيامة إلاّ ما كان في سبيل الله »([251])

وقد ورد في الروايات ما يدل على إجابة العباد للأسئلة التي تطرح عليهم، أو تهربهم منها، وأنواع الاحتجاجات التي يحتج الله بها على خلقه، وخاصة أولئك الذين يبررون ذنوبهم، فعن الإمام الصادق أنه سئل عن قوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ } [الأنعام: 149]، فقال: إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي! أكنت عالما؟ فإن قال: نعم قال له: أفلا عملت بما علمت؟ وإن قال: كنت جاهلا قال له: أفلا تعلمت حتى تعمل؟ فيخصم فتلك الحجة لله عزوجل على خلقه)([252])

وعنه قال: (إن الرجل منكم ليكون في المحلة فيحتج الله يوم القيامة على جيرانه فيقال لهم: ألم يكن فلان بينكم؟ ألم تسمعوا كلامه؟ ألم تسمعوا بكاءه في الليل؟ فيكون حجة الله عليهم)([253])

وعنه قال: (يؤتى بالمرأة الحسناء يوم القيامة التي قد افتتنت في حسنها فتقول: يا رب حسنت خلقي حتى لقيت ما لقيت، فيجاء بمريم عليها السلام، فيقال: أنت أحسن أو هذه؟ قد حسناها فلم تفتتن، ويجاء بالرجل الحسن الذي قد افتتن في حسنه فيقول: يا رب حسنت خلقي حتى لقيت من النساء ما لقيت، فيجاء بيوسف عليه السلام، فيقال: أنت أحسن أو هذا؟ قد حسناه فلم يفتتن، ويجاء بصاحب البلاء الذي قد أصابته الفتنة في بلائه فيقول: يا رب شددت علي البلاء حتى افتتنت، فيجاء بأيوب عليه السلام فيقال: أبليتك أشد أو بلية هذا؟ فقد ابتلي فلم يفتتن) ([254])

هذا بعض ما ورد من النصوص المقدسة والأحاديث والروايات حول كيفية الحساب، وأنواع المسائل التي يسأل عنها الإنسان، وطبعا، فإن المراد من ذلك ليس الحصر، وإنما ذكر الأمثلة والتوجيه من خلالها، حتى يحاسب الإنسان نفسه في الدنيا، قبل أن يحاسب هناك.. فأيسر الناس حسابا في الآخرة من حاسب نفسه في الدنيا.

ونحب أن نبين هنا أن الله تعالى يتعامل مع عباده في هذه الأسئلة وغيرها ـ بحسب تعاملهم مع عباده ـ فإن كانوا من الذين يسترون خلق الله، يستر الله عليهم، وإن كانوا من المسارعين إلى إشاعة الفواحش، فإنهم في ذلك الموقف يتعرضون لكل أنواع الإحراج تأديبا لهم على سلوكهم.

وقد أشار إلى هذا قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [النور: 19]

والذي فسرته أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين، ولا تتّبعوا عوراتهم؛ فإنّه من اتّبع عوراتهم، يتّبع الله عورته، ومن يتّبع الله عورته يفضحه في بيته) ([255])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (من أذلّ عنده مؤمن فلم ينصره وهو قادر على أن ينصره أذلّه الله عزّ وجلّ على رؤوس الخلائق يوم القيامة) ([256])

وقال: (من أكل برجل مسلم أكلة فإنّ الله يطعمه مثلها في جهنّم، ومن كسي ثوبا برجل مسلم فإنّ الله يكسوه مثله من جهنّم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء، فإنّ الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة)([257])

وقال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) ([258])

وهذه الأحاديث كلها تدل على أن الله تعالى يتعامل مع عباده بحسب القوانين التي ارتضوها لأنفسهم، تأديبا لهم، حتى يعرفوا مدى الجرائم التي وقعوا فيها.

ب ـ الشؤون المتعدية:

وهي الشؤون الخاصة بعلاقة الإنسان بغيره من الخلق سواء كانوا بشرا أو غيرهم، وقد ورد في النصوص المقدسة الكثير من أنواع الأسئلة التي يُسأل عنها الإنسان في ذلك الموقف، والمرتبطة بهذا النوع، وهي جميعا تتفق على خطورتها، وأنه لا يمكن أن يعفى عنها، ما لم يتجاوز أصحابها، أو يعطوا بدلها ما يكافئها من الحسنات، أو يتحمل عنهم صاحبها ما يكافئها من السيئات.

وقد أشار إليها قوله تعالى:{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [العنكبوت: 12، 13]

فهاتان الآيتان الكريمتان تشيران إلى أن الإنسان يتحمل أوزاره وأوزار من أضلهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا.

بل ورد في الحديث ما يدل على أن الأمر أكبر من أن يختصر في التضليل، بل مجرد السكوت عن المنكر يحاسب عليه الإنسان، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّ الله لَيَسأَلُ العبدَ يومَ القيامة حتى يَقُول: ما منعك إذ رأيتَ المنكر أن تُنكِره؟ فإذا لقَّن الله عبدًا حجَّته قال: يا رب، رجوتك وفرقت من الناس)([259])

وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن خطورة هذا النوع من الحساب، فقال: (الدواوين عند الله عز وجل ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله: فالشرك بالله، قال الله عز وجل: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} [المائدة: 72]، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، من صوم يوم تركه أو صلاة تركها، فإن الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً: فظلم العباد بعضهم بعضاً، القصاص لا محالة) ([260])

وعن الإمام علي أنه قال في بعض خطبه: (أيها الناس إن الذنوب ثلاثة: فذنب مغفور، وذنب غير مغفور، وذنب نرجو ونخاف عليه.. أما الذنب المغفور فعبد عاقبه الله تعالى على ذنبه في الدنيا؛ فالله أحكم وأكرم أن يعاقب عبده مرتين، وأما الذي لايغفر فظلم العباد بعضهم لبعض، إن الله تبارك وتعالى أقسم قسما على نفسه فقال: وعزتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم ولو كف بكف، ولو مسحة بكف، ونطحة ما بين الشاة القرناء إلى الشاة الجماء؛ فيقتص الله للعباد بعضهم من بعض حتى لا يبقى لاحد عند أحد مظلمة، ثم يبعثهم الله إلى الحساب، وأما الذنب الثالث فذنب ستره الله على عبده ورزقه التوبة فأصبح خاشعا من ذنبه راجيا لربه، فنحن له كما هو لنفسه، نرجو له الرحمة، ونخاف عليه العقاب)([261])

وبين صلى الله عليه وآله وسلم كيفية الخلاص من الحساب المرتبط بهذا النوع من الذنوب، فقال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثمَّ دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه)([262])

وقد اعتبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الواقع في أمثال هذه الذنوب مفلسا، وإن جاء بجبال من الحسنات، لأنها سرعان ما توزع على الذين ظلمهم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أتدرون من المفلس؟) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار)([263])

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب ولكن سيرضى منكم بما هو دون ذلك بالمحقّرات وهي الموبقات، فاتّقوا الظلم ما استطعتم فإنّ العبد ليجي‏ء يوم القيامة بأمثال الجبال من الطاعات فيرى أنّها ستنجينّه، فما يزال عبد يجي‏ء فيقول: يا ربّ إنّ فلانا ظلمني بمظلمة فيقال: امح من حسناته، فما يزال كذلك حتى ما يبقى له من حسناته شي‏ء، وإنّ مثل ذلك مثل سفر نزلوا بفلاة من الأرض ليس معهم حطب فتفرّق القوم فاحتطبوا فلم يلبثوا أن أوقدوا نارهم وصنعوا ما أرادوا وكذلك الذّنوب)([264])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن المحل الذي يتم فيه هذا النوع من الحساب، والذي تجري فيه الخصومات الكثيرة بين الخلق، فقال: (يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا) ([265])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن أخطر ما يحاسب عليه العبد في ذلك الموقف، فقال: (أول ما يقضى بين الناس بالدماء) ([266])

ونحب أن ننقل هنا تصويرا بليغا لأبي حامد الغزالي يصور فيه خطورة الحساب المرتبط بهذا النوع، فقد قال في [إحياء علوم الدين]: (اعلم أنّه لا ينجو عن خطر الميزان والحساب إلّا من حاسب في الدّنيا نفسه، ووزن فيها بميزان الشرع أعماله وأقواله وخطراته ولحظاته كما ورد (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا)، وإنّما حسابه لنفسه أن يتوب عن كلّ معصية قبل الموت توبة نصوحا، ويتدارك ما فرط من تقصيره في فرائض اللّه، ويردّ المظالم حبّة بعد حبّة، ويستحلّ كلّ من تعرّض له بلسانه ويده وسوء ظنّه بقلبه ويطيب قلوبهم حتّى يموت ولم يبق عليه مظلمة ولا فريضة، فهذا يدخل الجنّة بغير حساب، وإن مات قبل ردّ المظالم أحاطت به خصماؤه؛ فهذا يأخذ بيده، وهذا يقبض على ناصيته، وهذا يتعلّق بتلبيبه، هذا يقول ظلمتني، وهذا يقول شتمتني، وهذا يقول: قد استهزأت بي، وهذا يقول: ذكرتني في الغيبة بما يسوؤني، وهذا يقول: جاورتني فأسأت جواري، وهذا يقول عاملتني فغششتني، وهذا يقول: بايعتني فغبنتني وأخفيت عنّي عيب سلعتك، وهذا يقول: كذبت في سعر متاعك، وهذا يقول رأيتني محتاجا وكنت غنيّا فما أطعمتني، وهذا يقول: وجدتني مظلوما وكنت قادرا على دفع الظلم عنّي فداهنت الظالم وما راعيتني، فبينا أنت كذلك وقد أنشب الخصماء فيك مخالبهم فأحكموا في تلابيبك أيديهم وأنت مبهوت متحيّر من كثرتهم حتّى لم يبق في عمرك أحد عاملته على درهم أو جالسته في مجلس إلّا وقد استحقّ عليك مظلمة بغيبة أو خيانة أو نظر بعين استحقار، وقد ضعفت عن مقاومتهم، ومددت عنق الرّجاء إلى سيّدك ومولاك لعلّه يخلصك من أيديهم إذ قرع سمعك نداء الجبّار {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 17]؛ فعند ذلك ينخلع قلبك من الهيبة، وتوقن نفسك بالبوار، وتتذكّر ما أنذرك اللّه تعالى به على لسان رسوله حيث قال: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ } [إبراهيم:42 ـ 43]، فما أشدّ فرحك اليوم بتمضمضك بأعراض النّاس وتناولك أموالهم، وما أشدّ حسرتك في ذلك إذا وقف بك على بساط العدل وشوفهت بخطاب السياسة وأنت مفلس فقير عاجز مهين لا تقدر على أن تردّ حقّا أو تظاهر عذرا فعند ذلك يؤخذ حسناتك الّتي تعبت فيها عمرك وتنقل إلى خصمائك عوضا عن حقوقهم)([267])

ثم ذكر حديث المفلس، وعلق عليه بقوله: (فانظر إلى مصيبتك في مثل هذا اليوم إذ ليس تسلم لك حسنة من آفات الرّياء ومكايد الشيطان؛ فإن سلمت حسنة واحدة في كلّ مدّة طويلة ابتدرك خصماؤك وأخذوها ولو أنّك حاسبت نفسك وأنت مواظب على صيام النهار وقيام اللّيل لعلمت أنّه لا ينقضي عنك يوم إلّا ويجري على لسانك من غيبة المسلمين ما يستوفى جميع حسناتك؛ فكيف ببقية السيّئات من أكل الحرام والشبهات والتقصير في الطاعات فكيف ترجو الخلاص من المظالم في يوم يقتصّ فيه للجمّاء من القرناء.. فكيف أنت يا مسكين في قوم ترى‏ صحيفتك خالية من حسنات طال فيها تعبك فتقول: أين حسناتي؟ فيقال لك قد نقلت إلى صحيفة خصمائك وترى صحيفتك مشحونة بسيّئات طال في الصبر عنها نصبك واشتدّ بسبب الكفّ عنها عناؤك فتقول: يا ربّ هذه سيّئات ما قارفتها قطّ فيقال هذه سيّئات القوم الّذين اغتبتهم وشتمتهم وقصدتهم بالسّوء وظلمتهم في المبايعة والمجاورة والمخاطبة والمناظرة والمذاكرة والمدارسة وسائر أصناف المعاملة) ([268])

4 ـ الموازين ومعاييرها:

من تجليات العدالة الإلهية في أرض المحشر تلك الموازين الكثيرة التي توزن بها الأعمال وأصحابها، بعد تلك المراحل الكثيرة الطويلة التي يمر بها الإنسان، سواء في حياته الدنيا، أو في حياة البرزخ، أو بعد تلك المواقف الطويلة في أرض المحشر.

والغرض من تلك الموازين ـ كما تدل على ذلك النصوص المقدسة ـ هو نفس غرض تلك الدرجات التي تعطى للطلبة في الدنيا بعد مرورهم بالامتحانات المختلفة، والتي من خلالها يحدد مصيرهم، إما النجاح، والانتقال إلى الوظيفة المناسبة لذلك النجاح، أو الرسوب، والعودة من جديد للتكوين.

وبذلك فإن التمييز ليس مرتبطا بالنجاح والرسوب فقط، بل بدرجة النجاح، ودرجة الرسوب أيضا.. ذلك أنه على ضوئها تكون حياة الناجح أو الراسب في الدنيا.

وهكذا الأمر في موازين الآخرة، فهي التي تحدد ـ عبر النماذج الموضوعة في الميزان ـ أهل الجنة، كما تحدد أهل النار.. وهي أيضا من يحدد الدرجة التي يستحقها من نجح في الدخول إلى الجنة، كما تحدد المحل الذي يدخل إليه من رسب في الامتحان، واحتاج إلى المزيد من التربية، والتي جعلها الله تعالى في جهنم، والتي تحوي الوسائل المختلفة للتطهير، وتتجلى فيها العدالة الإلهية بأكمل صورها، كما سنرى عند الحديث عن الجزاء الإلهي.

وربما يكون هذا المثال الذي ذكرناه قاصرا، ولذلك فإن المثال الأقرب والأيسر على الفهم هو تلك التحليلات التي يقوم بها الطبيب لاكتشاف العناصر المختلفة في الجسم، وزيادتها ونقصها.. ومن خلال عرض النتائج على الموازين الصحية الطبيعية يكتشف العلة، ويضع العلاج من خلالها.

وقد يكون في ذلك العلاج حمية، تستدعي من المريض التوقف عن كثير من اللذائذ التي كان يتناولها، أو تتطلب استعمال دواء مر، أو مرهق، لمدة طويلة أو قصيرة، حتى يستعيد العافية.

وهكذا الأمر، أو قريب منه في موازين الآخرة، والتي لا تزن تلك المقادير المرتبطة بالجسم، وإنما تزن تلك المقادير التي اكتسبها الإنسان في نفسه، من أخلاق وطباع، لترى انسجامها مع حقيقة الإنسان، فإن كانت منسجمة مع الفطرة السليمة، نجا صاحبها، وإن لم تكن منسجمة احتاج إلى أن يوضع في المحل الذي يتناسب مع طبيعته.

أما من يجادل في هذا النوع من الميزان، ويستصعب حصوله، أو يحيله، فيمكنه أن يسأل المختصين عن جميع غدد جسمه، وإفرازاتها الموزونة بدقة، لتحفظ عليه صحته.. أو يرجع إلى الموازين الدقيقة الموجودة في الغلاف الغازي، أو في الكون جميعا، ذلك أن مبدع كل الموازين واحد، وهو الله تعالى القائل: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ } [الرحمن: 7]

وإن ذكر أن هذا ممكن في الماديات، لا في المعنويات، فليسأل عن ذلك الجهاز الذي يسمى جهاز كشف الكذب([269])، وهو اختراع بسيط من عقول قاصرة، ومع ذلك يؤدي الكثير من النتائج الملموسة؛ فهل يستحيل على الله أن يخلق جهازا يكشف به كل السيئات الموجودة في الإنسان، ومقدارها فيه على حسب الموازين الموجودة في الفطرة الأصلية.

وهذا الذي ذكرناه ليس مجرد تشبيه، وإنما هو الحقيقة ـ كما تصورها المصادر المقدسة ـ فهي تعرض موازين الآخرة بهذا الاعتبار، لا بتلك الاعتبارات البسيطة، والتي يغذيها الخيال أكثر مما يغذيها القرآن الكريم.

فقد ورد الحديث عن الموازين في القرآن الكريم في مواضع مختلفة، وبين أهميتها، وكونها محل التمييز، ولكنه لم يفصل في كيفيتها، ولا حقيقتها.. وهذا ما جعل الخيال يتدخل، ويستعمل أحيانا بعض الأحاديث المدسوسة، أو تلك التي رويت بالمعنى، ليجعل موازين الآخرة شبيهة بموازين البقالين في الدنيا، وهو ما جعلها موضع تهكم من أطراف كثيرة.

ولذلك نحاول في هذا المبحث بيان حقيقة هذه الموازين ـ كما تدل النصوص المقدسة القطعية ـ وكما فهمها العلماء المحققون، لا الذين يهتمون بالألفاظ، ويتصورون أن لها الطاقة بتصوير المعاني بدقة، حتى تلك المعاني التي لا نجد لها نظائر في هذه النشأة.

وقبل أن نذكر ذلك ننبه إلا أننا لا نقول هذا من باب استغراب أن يكون هناك ميزان له كفتان في الآخرة، وتكون له القدرة على ما وصفه القرآن الكريم من الوزن، بمختلف أشكاله، ذلك أن قدرة الله تعالى لن تعجز عن خلق مثل هذا الميزان، ولكن نقوله من الباب الذي تعرضه النصوص المقدسة نفسها، والتي لم تضع هذه الصورة للميزان، وإنما اكتسبت تلك الصورة من بعض الأحاديث، والتي ـ إن صحت ـ يكون المقصود منها تقريب الصورة، أو يكون الراوي قد رواها بالمعنى.

فمن الآيات الكريمة التي ذكرت الميزان قوله تعالى:{ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} (الانبياء:47)

فهذه الآية الكريمة لم تصف الميزان إلا بالدقة العالية، وكونه لا يبخس أحدا حقا من حقوقه، كما أنها ذكرت أنه لا يوجد ميزان واحد، بل موازين متعددة، أي أن لكل شيء ميزانه الخاص به.. فللصبر ميزانه.. وللكرم ميزانه.. وللإيمان ميزانه.. وغير ذلك، مثلما نجد في الدنيا الموازين المختلفة لكل المقادير المشكلة للبناء الكوني أو الجسدي أو غيرهما.

وهكذا ورد في القرآن الكريم وصف الميزان بكونه يخضع لمعايير الحق، وأنه على أساسها يكون التمييز، كما قال تعالى:{ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (لأعراف:8)، وقال:{ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (المؤمنون:102)

وبخلافه من خفت موازينه، قال تعالى:{ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ} (لأعراف:9)، وقال:{ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} (المؤمنون:103)

وبذلك فإن الوصف الذي وصف الله تعالى به الميزان لا علاقة له بتلك التصورات والأخيلة التي اعتبرها بعضهم أصلا من أصول العقائد، فوضع في صفات الميزان كونه ذا كفتين.. وكل كفة لها حجم معين([270]).

ذلك أن مصطلح الميزان في القرآن الكريم لا يراد منه ما نتخيله من الموازين البسيطة، وإنما يراد به ما هو أعمق بكثير، كما قال تعالى: { اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ } [الشورى: 17]، فقد اعتبر القرآن الكريم الميزان مقصدا من مقاصد التنزل القرآني، ويعني بذلك أنه يضع المعايير والقيم التي تنظم حياة البشر.

وهكذا بين أن كل الرسل جاءوا بالكتاب والموازين، كما قال تعالى:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } [الحديد: 25]، ويعني بذلك أنهم جاءوا بالتعريف بحقائق الوجود، والقيم التي يقوم عليها السلوك الإنساني، لينضبط مع مقتضيات تلك الحقائق.

بل إن القرآن الكريم يذكر أن الميزان موجود وسار في كل شيء، كما قال تعالى: { وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن: 7 – 9]

وبذلك فإن الموازين بحسب اللغة القرآنية لا تفيد أصحاب تلك النظرة البسيطة التي اختصرت في الموازين الحسية التي اخترعها الإنسان البدائي، والتي تخلى عنها البشر بعد ذلك، حيث أصبحت الموازين ذات أشكال كثيرة مختلفة، ولا تحتاج إلى الكفة الثانية، لأنها مزودة بمعايير الوزن الدقيقة.

وقد ذكر الشيخ جعفر السبحاني ما ذهب إليه أهل الحديث ومعهم بعض المتكلّمين من أنّه ينصب يوم القيامة ميزان كموازين الدنيا، وتوضع الأعمال الصالحة في كفة والطالحة في كفة أُخرى، فيوزن، ثم علق عليه بقوله: (الأولى أن يقال: إنّ هذا النوع من التفسير أخذ بحرفية النص دون التدبّر في مغزاه، فانّ للكلام ظهورين: ظهور تصوّري بدوي، وظهور تصديقي.. والمراد من الأوّل هو ما يفهمه الإنسان عند سماع اللفظ دون تدبّر في القرائن الحافة به، والمراد من الثاني هو ما يذعن به الإنسان بعد الإحاطة بالقرائن الحافة بالكلام. فربما يكون المتبادر عندئذ من الكلام غير ما هو المتبادر من الظهور الابتدائي) ([271])

ثم ضرب مثالا يقرب به منهج التعامل مع أمثال هذه النصوص المقدسة، فقال: (اشتهرت الكناية عن السخاء والجود بقولهم فلان باسط اليد، ولا يغلق بابه، فالظهور البدوي منه عبارة عمّا يتبادر من ظاهر اللفظ وهو كون يده المحسوسة مبسوطة لا تجمع، وانّ بابه لا يغلق، ولكنّه ليس بمراد قطعاً، وإنّما المراد هو الظهور التصديقي، وهو التأمّل في مفهوم هذه الجمل والانتقال إلى ما صيغ لأجله الكلام، وهو أنّه سخي، وبابه مفتوح لكلّ من يحلّ ضيفاً عليه وآفة أهل الحديث انّهم يفسرون الآيات الراجعة إلى المعارف بحرفيتها ولا يتأملون في القرآئن الحافة بالكلام حتى يقفوا على ما أُريد من الآيات) ([272])

وانطلاقا من هذا المعنى راح ينكر أيضا على من ينكر الميزان، ويتصور أنه ليس سوى (العدل الثابت في كلّ شيء)([273]) وأنه سبحانه يتعامل مع عباده بالعدل والقسط ويقضي به، وأن هذا هو المراد من نصب الموازين.

ذلك أن هذه الرؤية (تتعرض إلى نتيجة الميزان من دون أن تشير إلى واقعه، وأنّه بعدما تم التوزين يتعامل سبحانه في قضائه بالعدل والقسط، فلابدّ قبل القضاء والتعامل من أداة تبيّن حال العباد من حيث الطاعة والعصيان، حتى تصل النوبة إلى قضائه سبحانه، فما هي تلك الأداة التي تكون معياراً لكثرة الطاعات أو قلتها؟)([274])

وانطلاقا من هذا راح يذكر الحقائق المرتبطة بالميزان من خلال ما ورد عنه في القرآن الكريم، فقال: (الألفاظ الواردة في القرآن الكريم التي تصف مشاهد القيامة لها حقائق غيبية غير معلومة لنا، ومن هذه الألفاظ لفظ [الميزان] الذي نحتمل أن يكون له واقعية غير ما نشاهد من الموازين العرفية، ويتضح ذلك من خلال [الواقع الذي نشاهده].. ذلك أن الميزان كان يطلق قبل فترة طويلة على ما يوزن به المتاع بشيء له كفتان ولسان وساقان، وظلّ البشر يستعمل الميزان في ذلك المصداق ولكن الثورة الصناعية التي اجتاحت الغرب كشفت عن موازين لم تكن موجودة من ذي قبل، فأخذ يوزن استهلاك الماء والكهرباء والغاز والهاتف وغيرها، بل أحدث ميزاناً يوزن به حرارة الهواء وضغط الجو والدم الذي يجري في عروق الإنسان وقلبه، كما أنّه نجح نجاحاً باهراً في صناعة الكمبيوتر فأحدث تحولاً جذرياً في حياته، حتى عرف هذا العصر بعصر الكمبيوتر، فأصبح كمعيار لتصحيح الأغلاط التي يقع الإنسان فيها.. كلّ ذلك يعرب عن أنّ لكلّ شيء ميزاناً خاصاً يناسب وجود الشيء وليس الميزان منحصراً بماله كفتان ولسان وساقان، وعندئذ يصحّ أن نقول: إنّ الميزان المنصوب يوم القيامة شيء أعظم ممّا وصل إليه الفكر البشري. وخلاصة القول فيه: إنّه شيء يعلم به صالح الأعمال عن طالحها، قلّتها عن كثرتها، والعقائد الصحيحة والباطلة، وإن لم يعلم لنا ما هي خصوصيات ذلك الميزان) ([275])

وقد تعرض الشيخ السبحاني إلى المعيار الذي تتحاكم إليه تلك الموازين، وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ } [الأعراف: 8]، والتي اختلفت فيها كلمة المفسرين إلى ثلاثة احتمالات: أولها: أنّ وزن الأعمال ومحاسبتها أمر حقّ لا سترة فيه.. وثانيها: أنّ الوزن بمعنى الميزان أي ما يوزن به، ويكون المراد أنّ ما يوزن به هو الحقّ، فالحقّ هو الذي يعرف به حقائق الأعمال عند قياسها إليه. فكلّ عمل تمتع بقسط وافر من الحقّ ثقل الميزان عندئذٍ في مقابل عمل لا يتمتع بقسط من الحقّ أو يتمتع بشيء قليل فيخفف ميزانه.. وثالثها: أنّ الحقّ بمنزلة الثقل في الموازين العرفية، ويكون له تجسّم واقعيٌّ يوم القيامة، فبمطابقته وعدمها يعرف صلاح الأعمال عن غيرها.

وبذلك فإن المعيار حسب هذه الاحتمالات يحتمل وجهين:

الأول: هو أن يكون داخلاً في جوهر الأعمال؛ فبمقدار ما يوصف به العمل من الحقّ يكون ثقله أو خفته.

الثاني: هو أن الحقّ بالذات هو الموجود المجسَّم يوم القيامة، ولا يعلم صلاح الأعمال عن ضدها، إلاّ بعرضها على الحقّ المجسَّم فبمقدار ما يشبهه ويناسبه يكون موصوفاً بالحقّ، دون مالم يكن كذلك فيوصف بالباطل.

وربما يشير إلى هذا المقياس تلك الرواية التي ذكرناها سابقا، والتي يقول فيها الإمام الصادق: (يؤتى بالمرأة الحسناء يوم القيامة التي قد افتتنت في حسنها فتقول: يا رب حسنت خلقي حتى لقيت ما لقيت، فيجاء بمريم عليها السلام، فيقال: أنت أحسن أو هذه؟ قد حسناها فلم تفتتن، ويجاء بالرجل الحسن الذي قد افتتن في حسنه فيقول: يا رب حسنت خلقي حتى لقيت من النساء ما لقيت، فيجاء بيوسف عليه السلام، فيقال: أنت أحسن أو هذا؟ قد حسناه فلم يفتتن، ويجاء بصاحب البلاء الذي قد أصابته الفتنة في بلائه فيقول: يا رب شددت علي البلاء حتى افتتنت، فيجاء بأيوب عليه السلام فيقال: أبليتك أشد أو بلية هذا؟ فقد ابتلي فلم يفتتن) ([276])

فقد اعتبر الإمام الصادق هؤلاء جميعا، مريم ويوسف وأيوب عليهم السلام معايير وموازين للقيم المختلفة، لكونهم بشرا أولا، ولتعرضهم لنفس ما تعرض له المحاسبون من أنواع البلاء.

ولهذا كان من تفسيرات الإمام الصادق للموازين كونهم (الأنبياء والأوصياء)، لكونهم النماذج الممثلة للقيم الرفيعة.

وبناء على هذا قال السبحاني: (ولعلّ أعمال كلّ أُمّة تعرض على أنبيائهم فبالمطابقة مع أعمالهم ومخالفتها معهم يعلم كونه سعيداً أو شقياً) ([277])

واستدل لهذا بما ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم، والصلاة)([278])

ثم علق عليه بقوله: (وبما أنّ حسن الخلق من أبرز صفات الأنبياء فمن تمتع به فهو أشبه بالأنبياء من غيرهم فيكون عمله عملاً قيماً له أثره الخاص) ([279])

واستدل له كذلك بما يذكر في بعض الزيارات الخاصة بالإمام علي، والتي يقول فيها الزائر: (السلام على يعسوب الإيمان وميزان الأعمال) ([280])، وعلق عليه بقوله: (وكأنّ الإمام أمير المؤمنين حقّ مجسّم فمن شابهه فهو ممن ثقلت موازينه، ومن لم يشابهه فهو ممن خفت موازينه.. وإن شئت قلت: إنّ الإنسان المثالي أُسوة في الدنيا والآخرة يميّز به الحقّ عن الباطل، بل الطيب عن الخبيث، وهذا أمر جار في الدنيا والآخرة) ([281])

انطلاقا من هذا نحاول في هذا المبحث التعرف على بعض أنواع الموازين الواردة في النصوص المقدسة، والتي يمكن تصنيفها إلى صنفين: موازين الأعمال ودرجاتها، وموازين الاستقامة وآثارها.

وأساس هذا التقسيم قائم على الآثار الناتجة عن الأعمال، ذلك أن أحدها يمكن اعتباره أثرا اعتباريا، وهو تسجيل الأعمال في الكتب، ووضع درجات خاصة بها، والثاني، يمكن اعتباره أثرا تكوينيا لكونه يدخل في طبيعة الإنسان.

فللنميمة مثلا، آثار عملية، ينال صاحبها الكثير من السيئات بسببها، ولذلك يمكن اعتبار تلك السيئات أثرا اعتباريا.. ولكن الأخطر منها هو وجود ملكة النميمة في القائم بذلك السلوك، وهو ما يدفعه إلى العمل بها حالما تتاح له فرصة ذلك.. ولذلك احتاج الأمر إلى كلا الميزانين، واللذين سنوضحهما من خلال العنوانين التاليين.

أ ـ موازين الأعمال ودرجاتها:

وهي أول الموازين، والمقصودة بالأصالة عند الإطلاق، ذلك أن النوع الثاني منها يطلق عليه في الاصطلاح الشرعي لقب [السراط]، وإنما اعتبرناه من الموازين باعتباره يقوم بنفس دورها، أو يكمل دورها.

فدور الموازين هي حساب الأعمال وقيمتها ودرجتها وآثارها ونحو ذلك.. وأما دور السراط، فهو حساب مدى تغلغل تلك الصفات التي نتجت عنها تلك الأعمال في طبيعة الإنسان، وهل هي موافقة لفطرته أم لا..

فإن كانت موافقة، فإن صاحبها، سيدخل الجنة إن أهلته نتائج موازين أعماله لذلك، أما إن لم تكن موافقة فإن التربية الإلهية لعباده تقتضي أن يوجه صاحب تلك الخصلة للبيئة المناسبة لتربيته وإصلاحه إلى أن يتخلص منها، وبعدها يعود للسراط من جديد لتفقد صفات أخرى، وهكذا حتى يتطهر تماما، ويصبح صالحا لدخول الجنة، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: {طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73]، أي بسبب كونكم طيبين، وليس فيكم أي ذرة من الخبث، صرتم أهلا لدخول الجنة.

ويشير إليه ـ وبلغة أدق وأكثر صراحة ـ قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 87 – 89]، فالآيات الكريمة واضحة في الدلالة على هذا القانون الإلهي المرتبط بالقلوب، والذي لا يسمح لأحد بالدخول للجنة قبل حصوله على التصفية التامة، فالجنة لا يسكنها الخبث، ولا الخبثاء.

ويشير إلى ذلك ما ورد في الحديث من قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة) ([282])

وفي بعض الآثار:(لا يدخل الجنة مؤمن حتى ينزع اللّه ما في صدره من غل حتى ينزع منه مثل السبع الضاري)([283])

ولهذا، فإنا نرى أن الشفاعة مرتبطة بالموازين، لا بالسراط، ذلك أن صاحب بعض الأعمال المنحرفة، والتي نتجت عنها بعض السيئات التي سجلت عليه، قد لا يكون لها أثر في نفسه، أو أن أثرها زال بعد تلك المراحل التربوية الكثيرة التي مر بها، ولذلك يمكن للشفاعة أن تتدخل ليعفى عنه، أما إن بقيت آثار تلك السيئات في نفسه، وتحولت إلى جزء من حقيقته؛ فإنه لا يمكن أن يدخل الجنة بتلك الصفات، ولهذا كان السراط ضروريا للتطهير، ويشير إليه قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم: 71]

فهذه الآية الكريمة دالة على أن كل الخلق يعرضون على النار، ولكن مكثهم فيها يكون بحسب أعمالهم، وهذا ما نصت عليه الأحاديث والآثار، ومنها ما روي عن جابر بن عبد اللّه قال: صُمَّتَا إن لم أكن سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول:(لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجاً من بردهم، ثم ينجي اللّه الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثياً) ([284])

وهذا يدل على أن هذا الورود يختلف باختلاف الأشخاص، ذلك أن منهم من يمر عليها في لحظات قصيرة لا تكاد تذكر، ومنهم من يطول مكثه فيها بحسب عمله، وهكذا يكون نوع العقاب فيها، فمنهم من يراها بردا وسلاما، ومنهم من لا يراها كذلك.

ولهذا اشتد خوف الصالحين من هذا الورود، والذي يدل على استحالة كمال الاستقامة، فعن قيس ابن أبي حازم قال: كان عبد اللّه بن رواحة واضعاً رأسه في حجر امرأته فبكى، فبكت امرأته، قال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال إني ذكرت قول اللّه تعالى:{ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا }، فلا أدري أنجو منها أم لا؟ وكان مريضاً) ([285])

ويروى عن بعضهم أنه كان إذا أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي، فقيل له: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ فقال: أخبرنا أنا واردوها ولم نخبر أنا صادرون عنها([286]).

وروي عن آخر أنه قال: قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك، قال: فما رئي ضاحكاً حتى لحق باللّه([287]).

بناء على هذا كان أمر الموازين المرتبطة بالأعمال والأجور أيسر من السراط، ذلك أن الله تعالى برحمته وضع الكثير من الفضل والرحمة في تلك الموازين، ما لم تتعلق بحقوق الغير.

ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في الحديث من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً، أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فقال: لا يا رب فيقول: بل إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول: أحضر وزنك فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم.. قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء) ([288])

ففي هذا الحديث إخبار من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن سعة فضل الله في هذه الموازين، وأن الحسنات التي اكتسبها الإنسان في الدنيا، يمكنها أن ترفع الكثير من السيئات ما لم تكن متعدية، أو لها جذور في النفس.. كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 119]، وقوله: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 17، 18]

فهذه الآيات الكريمة تبين أن السيئات التي عملها الإنسان بجهالة، ومن غير أن يكون لها آثار كبيرة في نفسه، يمكنها أن ترفع عنه إما بالتوبة في الدنيا، أو بما يرفعها من الحسنات التي تزيل آثارها السيئة، كما قال تعالى: { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114]

وقد أشار الغزالي إلى هذا المعنى عند حديثه عن كيفية التوبة، فقال: (وأما المعاصي، فيجب أن يفتش من أول بلوغه عن سمعه، وبصره ولسانه، وبطنه، ويده، ورجله، وفرجه، وسائر جوارحه ثم ينظر في جميع أيامه وساعاته، ويفصل عند نفسه ديوان معاصيه، حتى يطلع على جميعها صغائرها وكبائرها، ثم ينظر فيها. فما كان من ذلك بينه وبين اللّه تعالى من حيث لا يتعلق بمظلمة العباد، كنظر إلى غير محرم، وقعود في مسجد مع الجنابة، ومس مصحف بغير وضوء، واعتقاد بدعة، وشرب خمر وسماع ملاه، وغير ذلك مما لا يتعلق بمظالم العباد، فالتوبة عنها بالندم والتحسر عليها، وبأن يحسب مقدارها من حيث الكبر ومن حيث المدة، ويطلب لكل معصية منها حسنة تناسبها. فيأتي من الحسنات بمقدار تلك السيئات، أخذا من قوله صلى الله عليه وآله وسلم (اتّق اللّه حيث كنت وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها)، بل من قوله تعالى: { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114]، فيكفر سماع الملاهي بسماع القرآن وبمجالس الذكر، ويكفر القعود في المسجد جنبا بالاعتكاف فيه مع الاشتغال بالعبادة، ويكفر مس المصحف محدثا بإكرام المصحف وكثرة قراءة القرآن منه، وكثرة تقبيله، وبأن يكتب مصحفا ويجعله وقفا، ويكفر شرب الخمر بالتصدق بشراب حلال، وهو أطيب منه وأحب إليه وعد جميع المعاصي غير ممكن وإنما المقصود سلوك الطريق المضادة؛ فإن المرض يعالج بضده. فكل ظلمة ارتفعت إلى القلب بمعصية، فلا يمحوها إلا نور يرتفع إليها بحسنة تضادها، والمتضادات هي المتناسبات، فلذلك ينبغي أن تمحى كل سيئة بحسنة من جنسها لكن تضادها فإن البياض يزال بالسواد لا بالحرارة والبرودة. وهذا التدريج والتحقيق من التلطف في طريق المحو، فالرجاء فيه أصدق، والثقة به أكثر من أن يواظب على نوع واحد من العبادات، وإن كان ذلك أيضا مؤثرا في المحو فهذا حكم ما بينه وبين اللّه تعالى)([289])

وبهذا تنتفي تلك المفاهيم الإرجائية المناقضة للقيم القرآنية، والتي تتصور أن الرحمة الإلهية يوم القيامة ستزيح كل قيم العدالة.. وهذا غير صحيح، بل القرآن الكريم يرفضه، فعدالة الله لها مجالها، ورحمته لها مجالها، وهما لا يتعارضان أبدا.

وبناء على هذا يمكننا فهم كل تلك الأحاديث التي تذكر الأجور العظيمة لما نراه من الأعمال الصغيرة، ذلك أن لتلك الأعمال آثارها الكبيرة في النفس وتطهيرها، ولها ـ ربما ـ آثارها في المجتمع، بتحويله إلى مجتمع رباني مؤمن، ولذلك يكون لتلك الكلمات أوزانا وقيما لا نستطيع تقديرها.

وقد ورد في الحديث ما يشير إلى هذا كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عليه بها، سخطه إلى يوم يلقاه)([290])

ومن الأحاديث التي رويت فيما يوزن في هذا الميزان ويثقله قوله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل الصبر: (تنصب الموازين يوم القيامة، فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصيام فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينتشر لهم ديوان ويصب عليهم الأجر صباً بغير حساب)([291])

فهذا الحديث يبشر الصابرين الذي ثبتوا في وجه البلاء وكل ما يصرفهم عن الله ـ والذين جعلهم الله حجة على غيرهم ـ ينالون من الأجور ما لا يمكن تصوره ولا حسابه، كما قال تعالى:{ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر:10)

وهكذا روي أنه يمكن للمؤمن عبر كلمات قليلة يقولها أن ينال الأجور العظيمة، لأن لتلك الكلمات تأثيرها في نفسه وفي حياته جميعا، ومن الأمثلة على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) ([292])

وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لجويرية: (لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته)([293])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (خصلتان أو خلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم، إلا دخل الجنة، هما يسير، ومن يعمل بهما قليل، يسبح في دبركل صلاة عشرا، ويحمد عشرا، ويكبرعشرا، فذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، يكبر أربعا وثلاثين إذا أخذ مضجعه، ويحمد ثلاثا وثلاثين، ويسبح ثلاثا وثلاثين، فتلك مائة باللسان، وألف في الميزان)، قالوا: يا رسول الله، كيف هما يسير، ومن يعمل بهما قليل؟ قال: (يأتي أحدكم الشيطان في منامه، فينومه قبل أن يقوله، ويأتيه في صلاته فيذكره حاجه قبل أن يقولها)([294])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (بخ بخ لخمس ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، والولد الصالح للمرء المسلم فيحتسبه) ([295])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مئة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)([296])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مئة مرة لم يأتِ أحدٌ يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا رجلٌ قال مثل ما قال، أو زاد عليه) ([297])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحَمِدَ الله ثلاثًا وثلاثين، وكَبَّر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المئة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غُفِرَت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)([298])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، (في يوم) مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكُتبت له مئة حسنة، ومُحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا رجلٌ عمل أكثر منه) ([299])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرار، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل) ([300])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من صلى عليَّ واحدةً، صلى الله عليه عشرًا) ([301])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها) ([302])

وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرغب المؤمنين في كثرة ذكر الله، بذكر تلك الأجور العظيمة التي أعدها الله لمن يذكره، بناء على تأثيراتها الكبيرة في إصلاح النفس وتربيتها، ومن تلك الأحاديث ما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه يوما: (أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثُلثَ القرآن؟)، قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: (قل هو الله أحد، تعدِلُ ثلث القرآن)([303])

وقال لهم ـ كما في حديث آخر ـ: (أيعجز أحدكم أنَّ يكسب كل يوم ألف حسنة؟)، فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: (يسبح مئة تسبيحةٍ فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة) ([304])

وقال لبعض أصحابه: (ألا أدُلك على كلمةٍ من كنز الجنة؟.. لا حول ولا قوة إلا بالله)([305])

وهكذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن القيمة العظمى التي يحتلها حسن الخلق في تلك الموازين، فقد قال: (ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق) ([306])، وقال: (يقول ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة) ([307])

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقي أبا ذر فقال:(ألا أدلك على خصلتين هما خفيفتان على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما؟ قال: بلى يا رسول الله، قال:(عليك بحسن الخلق، وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما)([308])

وهكذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الأجور العظيمة المهيأة للقائمين على الخدمات الاجتماعية والدعوية، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل الدعوة إلى الله: (من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا) ([309])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل سن السنن الحسنة، أو الدعوة العملية بإعطاء النماذج الصالحة: (من سن في الإسلام سُنةً حسنةً، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ، ومن سن في الإسلام سنةً سيئةً، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ) ([310])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل بذل المعروف: (كل معروفٍ صدقةٌ) ([311])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل تنفيس الكَرْب: (من نَفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نَفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يَسَّرَ على مُعسِر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)([312])، وقوله: (من سَرَه أن يُنْجِيَهُ الله من كُرَب يوم القيامة فليُنَفِّس عن معسرٍ، أو يضع عنه) ([313])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل كفالة اليتيم: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا).. وقال بإصبعيه السبابة والوسطى([314]).

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل السعي على الأرملة والمسكين: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار) ([315])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل الصدقة: (من تصدق بِعِدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيبُ، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربِّيها لصاحبه كما يربِّي أحدكم فُلُوَّه حتى تكون مثلَ الجبل) ([316])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل لاحتساب في النفقة على الأهل: (إذا أنفق المسلم نفقةً على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة) ([317])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل تربية البنات: (من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو). وضم أصابعه([318]).

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل اتباع الجنازة حتى يفرغ من دفنها قال: (من تبع جنازة حتى يصلى عليها ويفرغ منها فله قيراطان ومن تبعها حتى يصلى عليها فله قيراط والذي نفس محمد بيده لهو أثقل في ميزانه من أحد) ([319])

وهكذا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أن الوزن لا يرتبط فقط بالأعمال، وإنما يرتبط أيضا بالجوارح التي قامت بالعمل، كما روي في الحديث أنه عندما تعجب الصحابة من دقة ساقي عبد الله بن مسعود قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(أتعجبون من دقة ساقيه والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد)([320])

فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشير في هذا الحديث إلا أن تينك الساقتين الدقيقتين قامتا بأعمال كثيرة، هي أثقل من جبل أحد.

وهكذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن وزن مداد العلماء ودماء الشهداء، فقال: (يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودماء الشهداء فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء)([321])

وهذا يعني أن هناك وزنا خاصا لكل جارحة، والأعمال التي قامت بها، بل ورد ما يدل على وزن الإنسان جميعا، كما قال تعالى:{ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً} (الكهف: 105)

وقد فسرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: صلى الله عليه وآله وسلم:(يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين فلا يزن عند اللّه جناح بعوضة)([322])، ثم قرأ قوله تعالى:{ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً} (الكهف: 105)

والقرآن الكريم يخبرنا عن الارتباط الوثيق بين العدل والرحمة في جميع أنواع الجزاء، فلذلك تضاعف الحسنات من باب الرحمة الإلهية، ولا تجازى السيئات إلا بمثلها من باب العدل الإلهي، قال تعالى عن جزاء الحسنات:{ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} (النساء:40)، وقال عن جزاء السيئات:{ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (يونس:27)

وقال جامعا بينهما:{ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} (الأنعام:160)

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيان معناها: (قال الله عز وجل: إذا هم عبدي بسيئة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له سيئة، فإن تاب منها فامحوها عنه، وإن هم عبدي بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف)([323])

ب ـ موازين الاستقامة وآثارها:

بعد أن ينتهي وزن الأعمال ودرجاتها، يميز الواقفون في ذلك الموقف إلى قسمين: ناجحين بسبب صفاء صحفهم من الذنوب والتبعات، وخاسرين بسبب عدم صفاء صحفهم منها، ولذلك يحملون مباشرة إلى المحل المخصص لهم لقضاء فترة العقوبة التي استوجبوها بسبب جرائمهم، إلا إذا انطبقت عليهم قوانين الإذن بالشفاعة بسبب نوع ذنوبهم، أو بسبب بعض أعمالهم الصالحة، وفي هذه الحالة يمكنهم البحث عن الشفعاء للتوسط لهم، كما سنرى ذلك في المبحث التالي.

وقد أشار إلى هذا قوله تعالى في بيان نتيجة الناجحين، وفرحهم بها: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) } [الحاقة: 19 – 21]

وقال في بيان نتيجة الراسبين وألمهم منها: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) } [الحاقة: 25 – 30]

ثم بين كيف يساقون مباشرة إلى جهنم بسبب ذلك: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) } [الحاقة: 30 – 35]

أما الناجون؛ فإن نجاتهم في ذلك الموقف لا تعني النجاة المطلقة، وإنما يحتاجون إلى المرور على السراط، وهو المحل الذي يفتشون فيه مثلما يفتش من يريد الركوب في الطائرة حتى لا يحمل معه أي ممنوعات قد تضر سلامة الركاب.

وبذلك يكون السراط نوعا من الموازين المرتبطة بالإنسان نفسه، وليس بأعماله، ذلك أن أعماله قد وزنت وفتشت في المحال الخاصة بها، مثلما توزن وتفتش بضائع المسافرين في الدنيا في المحال الخاصة بها.

والأوصاف التي وصف بها السراط كلها تدل على هذا المعنى، فمعناه اللغوي ـ كما يذكر الراغب الأصفهاني ـ يشير إلى هذا، حيث يقول: (السراط: الطريق المستسهل، أصله من: سرطت الطعام وزردته: ابتلعته)([324])

أي أن هذا الطريق سيبتلع كل من يمر عليه إن كان فيه من الخصائص ما يستحق ذلك البلع.. وهو ـ للتقريب ـ مثل تلك الأصوات التي تصدرها أجهزة التفتيش في المطارات لتطلب من المار أن يخرج كل ما لديه أولا.

وهكذا فإن لهذه المفردة دلالتها القرآنية على الاستقامة والطهارة والثبات عليهما، كما قال تعالى في وصف الدين: { اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ } [الفاتحة: 6] يعني الدين المستقيم، وقال: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا } [الأنعام: 153]: يعني ديناً مستقيماً.

وقد أشار إلى هذا المعنى ووسائل الحصول عليه الإمام الصادق بقوله ـ لمن سأله عن السراط ـ: (هو الطريق إلى معرفة الله عز وجل. وهما صراطان: صراط في الدنيا وصراط في الآخرة، وأما الصراط الذي في الدنيا فهو الإمام المفترض الطاعة، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مَرَّ على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا زلت قدمه عن الصـراط في الآخرة، فتردَّى في نار جهنم)([325])

وهو يشير بهذا إلى أهمية التعرف على الهداة إلى الله، والاستنان بسننهم، لتحقيق السلوك الموافق للشريعة والبعيد عن الأهواء، ولهذا ربط الله تعالى السراط المستقيم بأولئك الهداة، فقال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]، ثم فسره بقوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7]

وهذا يبين أن أساس التدين هو التعرف على الهداة الصادقين إلى الله حتى يتجنب المتدين الدعاة الذين يوصلونه إلى غضب الله، أو الضلال عنه.

وبذلك، فإن أي انحراف عن الدين، والقيم النبيلة التي جاء بها ستكون سببا في منع المار على السراط من الاستمرار في سيره، الذي يرحل به إلى الجنة، ذلك أن الجنة لا يكفي لدخولها مجرد حصول الشخص على حسنات كثيرة، بل تقتضي كذلك الطهارة والطيبة.

ولهذا ورد في النصوص المقدسة الإخبار بأن الجنة لا يدخلها، بل لا يشم ريحها من لم تتوفر فيه الطيبة الكافية، والفطرة الأصيلة، كما قال تعالى:{ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} (الزمر: 73)

ولهذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عدم إمكانية دخول الجنة لمن توفرت فيه بعض الصفات، التي تحول بينه وبينها، ومن أمثلتها البخل، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:(قال إن الله تعالى غرس جنة عدن بيده وزخرفها، وأمر الملائكة فشقت فيها الأنهار، فتدلت فيها الثمار، فلما نظر إلى زهرتها وحسنها، قال: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل) ([326])

وسر ذلك هو أن الجنة هي دار الكرم الإلهي، وهي تتنافى تماما مع البخلاء، ولهذا لن يدخل أحد الجنة حتى يطهر تماما من هذه الصفة.

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا ديوث، قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي: (وعزتي لا يسكنها مدمن خمر ولا ديوث)، قالوا:(يا رسول الله وما الديوث؟)، قال:(من يقر السوء في أهله) ([327])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يجد ريح الجنة من قتل معاهدا، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وأن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما) ([328])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(ألا من قتل نفسا معاهدة له وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة، وإن الجنة ليوجد ريحها من مسيرة سبعين خريفا) ([329])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يجد ريح الجنة أي وال بات غاشا لرعيته، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(ما من إمام ولا وال بات ليلة سوداء غاشا لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة وعرفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين سنة) ([330])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(من استرعى رعية فلم يحطهم بنصيحة لم يجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة مائة عام. من انتسب إلى غير أبيه لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمس مائة عام) ([331])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه (لا يدخل الجنة شيخ زان، ولا مسكين مستكبر، ولا منان بعمله على الله)، وفي رواية: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر) ([332])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إياكم وعقوق الوالدين! فإن الجنة يوجد ريحها من مسيرة ألف عام ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جار إزاره خيلاء، إنما الكبرياء لله عز وجل) ([333])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن هذين الصنفين من أهل النار، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا) ([334])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن المرأة التي تسأل زوجها الطلاق من غير سبب لا تجد رائحة الجنة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تسأل المرأة زوجها الطلاق في غير كنهه فتجد ريح الجنة! وإن ريحها لتوجد من مسيرة أربعين عاما) ([335])

 ونرى في كثير من هذه الأحاديث ذكر مسافات مختلفة لبعد رائحة الجنة، وهي تعني بعد صاحبها أو قربه من الجنة، بحسب نوع جرمه، وقدر الحاجة إلى تطهيره.

ولذلك كان المرور على السراط مختلفا بحسب طهارة صاحبه، فإن كان طاهرا مر عليه من غير أن يشعر، وإن لم يكن كذلك احتاج كل مرة إلى تطهير جديد إلى أن يصبح صالحا للركوب في المراكب التي تحمله إلى الجنة.

وقد أشار الغزالي إلى هذا المعنى، وعلاقته بسراط الدنيا، فقال:(ولما كان الصراط المستقيم الذي لا يكمل التوحيد إلا بالاستقامة عليه أدق من الشعر وأحدّ من السيف مثل الصراط الموصوف في الآخرة، فلا ينفك بشر عن ميل عن الاستقامة ولو في أمر يسير، إذ لا يخلو عن اتباع الهوى ولو في فعل قليل، وذلك قادح في كمال التوحيد بقدر ميله عن الصراط المستقيم، فذلك يقتضي لا محالة نقصاناً في درجات القرب، ومع كل نقصان ناران: نار الفراق لذلك الكمال الفائت بالنقصان، ونار جهنم كما وصفها القرآن؛ فيكون كل مائل عن الصراط المستقيم معذباً مرتين من وجهين)([336])

وقال الشيخ عبد الوهاب الشعراني: (ثم يؤمر بالخلائق إلى الصـراط، فينتهون إلى الصراط وقد ضربت عليه الجسور على جهنم، أدقُّ من الشعرة وأحدُّ من السيف.. فيسأل العبد عن الإيمان الخالص بالله تعالى، فإن جاء به مخلصاً لا شك فيه ولا زيغ جاز إلى الجسر الثاني، فيسأل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الجسـر الثالث، فيسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الجسر الرابع، فيسأل عن الصيام، فإن جاء به تاماً جاز إلى الجسر الخامس، فيسأل عن حجة الإسلام فإن جاء بها تامة جاز إلى الجسر السادس، فيسأل عن الطهر من الحدث، فإن جاء به تاماً جاز إلى الجسر السابع فيسأل عن المظالم فإن كان لم يظلم أحداً جاز إلى الجنة. وإن كان قصر في واحدة منهن حبس على كل جسر منها ألف سنة، حتى يقضـي الله فيه بما يشاء.. ففتش يا أخي نفسك، فإن كنت وقعت في شئ من هذه الذنوب التي ذكرت في المواقف المذكورة، فقد سمعت ما تجازى به، وإن تكن وقعت في شئ منها أو وقعت وقبل الله تعالى توبتك، لم تقاسِ شيئاً من تلك الأهوال حتى تدخل الجنة برحمة الله تعالى، ولكن من أين لك أن تعرف أن الله تعالى قبل توبتك، فوالله لقد خلقنا لأمر عظيم تذهل فيه عقول العقلاء) ([337])

وقال الشيخ الصدوق: (باب الإعتقاد في العقبات التي على طريق المحشر: اعتقادنا في ذلك أن هذه العقبات اسم كل عقبة منها على حدة اسم فرض، أو أمر، أو نهي. فمتى انتهى الإنسان إلى عقبة اسمها فرض، وكان قد قصر في ذلك الفرض حبس عندها وطولب بحق الله فيها، فإن خرج منه بعمل صالح قدمه أو برحمة تداركه، نجا منها إلى عقبة أخرى، فلا يزال يدفع من عقبة إلى عقبة، ويحبس عند كل عقبة، فيسأل عما قصر فيه من معنى اسمها. فإن سلم من جميعها انتهى إلى دار البقاء، فحيِيَ حياة لا موت فيها أبداً، وسَعِدَ سعادة لا شقاوة معها أبداً، وسكن جوار الله مع أنبيائه وحججه والصديقين والشهداء والصالحين من عباده. وإن حبس على عقبة فطولب بحق قصر فيه، فلم ينجه عمل صالح قدمه، ولا أدركته من الله عز وجل رحمة، زلت قدمه عن العقبة فهوى في جهنم نعوذ بالله منها) ([338])

وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [الحديد: 12 – 15]

فهذه الآيات الكريمة تصور الأنوار التي يسعد بها المؤمنون بسبب الصفاء والطهارة التي اكتسبوها في الدنيا، بينما تخمد تلك الأنوار المزيفة للمنافقين والمحتالين ومرضى القلوب، والذين يكتشفون حينها أنهم لا يملكون أي ملكات تؤهلهم لدخول الجنة، ولذلك لا يسمح لهم بالرحلة إليها.

وقد ورد في الأحاديث والآثار ما يشير إلى هذا، فعن ابن مسعود، قال: (يجمع الله الناس يوم القيامة.. فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطى نوره في إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ أخرى، إذا أضاء قدم قدمه، وإذا أطفأ قام، قال: فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف دحض مزلة، ويقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشد الرجل، يرمل رملاً على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخر يد، وتعلق يد، وتخر رجل وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون فإذا خلصوا، قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك، بعد أن أراناك، لقد أعطانا ما لم يعط أحد) ([339])

وقد ورد في الحديث ما يشير إلى أن للملكات الطيبة التي امتلكها الإنسان في الدنيا أثرها في تخفيف العقوبات عنه، أو في نجاته منها، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (رأيت رجلاً من أمتي على الصراط، يرتعد كما ترتعد السعفة في يوم ريح عاصف، فجاءه حسن ظنه بالله، فسكَّن رعدته ومضى على الصراط، ورأيت رجلاً من أمتي على الصراط، يزحف أحياناً، ويحبو أحياناً، ويتعلق أحياناً، فجاءته صلاته علي فأقامته على قدميه، ومضى على الصراط)([340])

ولهذا كان السراط من أخطر المواقف التي يمر بها الإنسان في أرض المحشر، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في تفسير قوله تعالى: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) } [الفجر: 21 -23] (إذا أبرز الله الخلائق وجمع الأولين والآخرين، أُتِيَ بجهنم تُقاد بألف زمام، مع كل زمام مائة ألف ملك من الغلاظ الشداد، لها هدةٌ وغضبٌ وزفيرٌ وشهيق.. ثم يوضع عليها الصراط أدق من حد السيف، عليها ثلاث قناطر، فأما واحدة فعليها الأمانة والرحم، والثانية فعليها الصلاة، وأما الثالثة فعليها عدل رب العالمين لا إله غيره، فيكلفون بالممر عليها فيحبسهم الرحم والأمانة، فإن نجوا منهما حبستهم الصلاة، فإن نجوا منها كان المنتهى إلى رب العالمين، وهو قوله: { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 14]، والناس على الصراط، فمتعلق بيد وتزل قدمه ومستمسك بقدم. والملائكة حولها ينادون: يا حليم أعف واصفح وعُدْ بفضلك وسَلِّمْ وسّلِّمْ، والناس يتهافتون في النار كالفراش فيها، فإذا نجا ناج برحمة الله مر بها فقال الحمد لله وبنعمته تتم الصالحات وتزكو الحسنات، والحمد لله الذي نجاني منك بعد اليأس بمنه وفضله، إن ربنا لغفور شكور)

وقد روي عن الإمام السجاد أنه قال: (أشد ساعات ابن آدم ثلاث ساعات: الساعة التي يعاين فيها ملك الموت، والساعة التي يقوم فيها من قبره، والساعة التي يقف فيها بين يدي الله تبارك وتعالى، فإما إلى جنة وإما إلى نار)، ثم قال: إن نجوت يا ابن آدم عند الموت فأنت أنت وإلا هلكت، وإن نجوت يا ابن آدم حين توضع في قبرك فأنت أنت وإلا هلكت، وإن نجوت حين يُحمل الناس على الصراط فأنت أنت وإلا هلكت، وإن نجوت حين يقوم الناس لرب العالمين فأنت أنت وإلا هلكت)([341])

ولهذا فإن كل أوصاف السراط التي وردت في الأحاديث تشير إلى هذه المعاني التي ذكرناها، وإن كنا لا نستطيع أن نستخلص منها أي صورة حقيقية له، بناء على اختلاف النشأتين.

فقد ورد في الحديث أن الصراط زلق، أي أن كل من يمر عليه يمكن أن يزلق ليسقط في جهنم بناء على الأوصاف الموجودة فيه، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما الجسر يا رسول الله قال: (مدخضة مزلة, عليه خطاطيف, وكلاليب, وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان) ([342])

ووصف في الحديث بكونه له جنبتان أو حافتان، وكل حافة أو جانب يمكنها أن تسترط من يمر عليها، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يحمل الناس على الصراط يوم القيامة فتتقادع([343]) بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في النار) ([344])

وهكذا وصف بأن لكل حافة من حافتيه كلاليب([345])، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به) ([346])

ووصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلك الكلاليب، فقال: (وبه كلاليب مثل شوك السعدان أما رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أن لا يعلم قدر عظمها إلا الله)([347])

وهكذا وصف بكونه مثل حد الموسى أو حد السيف، أي أنه دقيق جدا في تعيين الملكات المنحرفة، فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من يجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي: فيقولون: ما عبدناك حق عبادتك)([348])، وفي حديث ابن مسعود الطويل يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (والصراط كحد السيف، دحض مزلة)([349])

وكل هذه الأوصاف تبين خطورته، وأنه لا يمكن أن ينجو منه إلا من هذب نفسه، وخلصها من كل الأمراض التي تحول بينها وبين التحقق بفطرته السلمية النقية.

وبذلك فإن السراط يشبه كثيرا مراكز التحليل والأشعة التي توضع في المستشفيات وعلى أساس نتائجها يتم التعامل مع المريض، إما بالأدوية البسيطة، أو بالجراحة المستعصية الصعبة الممتلئة بكل ألوان الآلام والمخاوف.

وهذا يدل على أن السراط منسجم تماما مع العدالة الإلهية، باعتبار أن تلك الأمراض التي يكتشفها أمراض مكتسبة، ولم تكن في الفطرة الأصلية.. هو منسجم كذلك مع الرحمة الإلهية لأنه الوسيلة التي يطهر بها الإنسان من الأمراض التي تحول بينه وبين أن يعيش حقيقته الجميلة.

5 ـ الشفاعة وشروطها:

من تجليات العدالة والرحمة الإلهية بعد تلك المواقف الشديدة التي يمر بها الخلق في أرض المحشر الإذن بالشفاعة لمن يستحقون ذلك؛ فالشفاعة تجل من تجليات العدالة الإلهية، كما أنها تجل من تجليات رحمته.

أما كونها من تجليات عدالته؛ فذلك لأنها منضبطة بقوانين عامة يمكن لأي شخص أن يستفيد منها، بخلاف المحسوبيات والوسائط في الدنيا، والتي لا ضابط لها إلا الأهواء المجردة.

وأما كونها من تجليات رحمته، فذلك لأنها من أنواع الجزاء التي يجازي الله بها عباده الشافعين، لبيان مكانتهم وفضلهم ومراتبهم.

كما أنها من أنواع الجزاء التي يجازي بها الطالبين للشفاعة لكونهم قاموا بأنواع من الأعمال الصالحة تستحق ذلك النوع من الجزاء.

وبذلك؛ فإن الشفاعة في حقيقتها نوع من أنواع الجزاء الإلهي، مثله مثل سائر أنواع الجزاء الموجودة في الدنيا، أو في الآخرة، فقد أخبر الله تعالى أن الصلاة يمكنها أن تزيل الكثير من السيئات، وتمحو آثارها، وبذلك يمكن اعتبارها شفيعا لصاحبها المؤدي لها الصادق معها، كما قال تعالى: { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114]

ومثل ذلك أخبر الله تعالى عن الإيمان والعمل الصالح، فهما من الشفعاء الذين تكفر بهم الذنوب، ويرفع بهما العقوبات المرتبطة بها، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } [العنكبوت: 7]، وقال: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } [محمد: 2]، وقال: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التغابن: 9]

وهكذا؛ فإن للتقوى والورع دورها في الشفاعة وتكفير الذنوب، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} [الطلاق: 5]، وقال: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [المائدة: 65]، وقال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا } [الطلاق: 5]، وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } [الأنفال: 29]

وهكذا؛ فإن لاجتناب الكبائر ظاهرها وباطنها دوره في تكفير الذنوب، كما قال تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31]

وهكذا فإن لكل الأعمال الصالحة محلا خاصا تشفع فيه، وتكفر فيه عقوبات الذنوب، كما قال تعالى عن الصدقات: { إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } [البقرة: 271]

وأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أنواع كثيرة من الأعمال التي ترفع السيئات، وتزيل آثارها، والعواقب المرتبطة بها، وبذلك يمكن اعتبارها شفيعا لأصحابها، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم عن ذكر الله ودوره في التطهير من الذنوب: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك)([350])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن دور الاستغفار والتوبة في تكفير الذنوب، فقال حاكيا عن ربه سبحانه وتعالى: (قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، ولا أبالي)([351]).

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن دور الأعمال الصالحة في تكفير الذنوب، فقال: (إن مثل الذي يعمل السيئات، ثم يعمل الحسنات، كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته، ثم عمل حسنة، فانفكت حلقة، ثم عمل حسنة أخرى، فانفكت حلقة أخرى، حتى يخرج إلى الأرض)([352])

ونحب أن ننبه إلى ما نبهنا له في مواضع كثيرة إلى أن هذه الأحاديث لا تعني الذنوب المتعدية، فهي من حق المعتدى عليهم، إلا إذا برأ ذمته منهم.. وهكذا فإنها لا تعني أنواعا كثيرة من الذنوب قد تؤثر في طبيعة الإنسان، وبالتالي لا يستطيع أن يدخل بها الجنة إلا بعد أن يتطهر منها، كما ذكرنا ذلك سابقا.

وهكذا الأمر مع الشفاعة، فهي جزاء إلهي على أعمال صالحة مرتبطة بأولئك الذين يشفعون له، كما سنرى ذلك في هذا المطلب.

وبناء على هذا، سنتحدث هنا عن ثلاثة أمور ورد في النصوص الإخبار بكونها شروطا لقبول الشفاعة، وهي: الإذن الإلهي، وقابلية الشافع، والشفاعة بالحق.

أ ـ الإذن الإلهي:

وهو الشرط الأول والأساسي في الشفاعة، وقد نص عليه القرآن الكريم في مواضع كثيرة، بل لا تكاد تذكر الشفاعة إلا وتشفع وتقيد بالإذن الإلهي، كما قال تعالى: {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } [سبأ: 23]

ولذلك يرد على أولئك المشركين الذين توهموا أن ما يعبدونه من أصنام سيشفع لهم عند الله، قال تعالى: { أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزمر: 43، 44]

وهكذا يحذرهم من أن الشفاعة لا تقبل في ذلك اليوم إلا بالإذن الإلهي، قال تعالى: { وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } [البقرة: 48]، وقال: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 123]، وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254]

فكل هذه الآيات الكريمة لا تنفي الشفاعة، كما يتوهم منكروها، وإنما تنفي أن تكون الشفاعة من دون الإذن الإلهي، ذلك أنها مرتبطة بالتوحيد، ولا تتنافى معه كما يزعم المشركون.

ولهذا نرى القرآن الكريم يذكر هذا القيد في الكثير من المواضع، حتى يزيل تلك المفاهيم الجاهلية للشفاعة، ويبين أنها لا تعني التفويض، ولا الوساطة المطلقة، كما كان أهل الجاهلية يتصورون حين عبدوا الأصنام من دون الله، وتصوروا أنها تشفع لهم بذاتها من دون إذن إلهي، كما قال تعالى مخبرا عنهم: { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ } [يونس: 18]، وقد رد عليهم بقوله: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18]

وهذا ليس خاصا بالشفاعة؛ فالله تعالى ينبه كل حين إلى أن الرسل عليهم السلام، وإن وكلوا بالكثير من المهام المرتبطة بالهداية إلا أنهم ليسوا وسائط بالمعنى الذي فهمه المشركون، فالله تعالى يذكر في مواضع كثيرة عدم تميزهم عن البشر العاديين في البشرية، وأنه ليس لهم أي سلطة إلا ما خولوا به من الله تعالى، قال تعالى:{ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (ابراهيم:11)، وقال:{ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} (الكهف:110)، وقال:{ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} (فصلت:6)

وأخبر الله تعالى أن كل تصرفات الرسل عليهم السلام سواء كانت عادية أو من تلك الخوارق والمعجزات، لم تكن إلا بإذن الله، قال تعالى:{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} (الرعد: 38)

ولهذا نفى الله تعالى القدرة على هداية من لم يهتد عن أحب خلقه إليه، فقال:{ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (القصص:56)، وقال له:{ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (يونس: 99) أي أتلزمهم وتلجئهم حتى يكونوا مؤمنين.

وأخبر تعالى أنه ليس من الوظيفة التي كلف بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الهداية بمعناها التوفيقي، قال تعالى:{ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } (البقرة: 272)

وأخبر أن وظيفته صلى الله عليه وآله وسلم مقتصرة على البلاغ، قال تعالى:{ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} (آل عمران: 20)، وقال:{ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} (الغاشية:22)

ونفى عنه الشفاعة التي لم يأذن فيها الله تعالى، قال تعالى:{ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة:80)، وقال:{ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (المنافقون:6)

ونفى عنه أي سلطة في التوبة أو المغفرة أو العذاب، قال تعالى:{ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (آل عمران:128)، أي ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم.

وكل هذه الآيات القرآنية وغيرها تنفي مفهوم الوساطة الذي يعني أي سلطة إلهية تخول للرسول ما يكون خاصا بالألوهية، ولهذا، لما قال الله تعالى للمسيح عليه السلام:{ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} (المائدة: 116) رد المسيح عليه السلام بقوله:{ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (المائدة:117)

ونحب أن ننبه هنا إلى أن الإذن الإلهي ليس كما يتوهم البعض أنه غير معقول المعنى، ولهذا يذكرون أن الله يأذن في الشفاعة فيمن لم يعمل خيرا قط، بل إن الإذن الإلهي ـ كما تدل النصوص المقدسة ـ قائم على العدالة المطلقة، ولذلك يرتبط بكلا الجهتين: الشافعين، وطالبي الشفاعة.

أما ارتباطه بالشافعين؛ فيدل عليه، اعتبار الشفاعة مقاما من المقامات الكريمة التي لا يشرف بها إلا خاصة الناس من المؤمنين تكريما لهم عند الله، بناء على أعمال عملوها، وجهود بذلوها، كما قال تعالى: {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } [مريم: 87]، وقال: { يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } [طه: 109]

ولذلك كانت هذه المرتبة، نوعا من الجزاء المرتبط بالعمل، والذي يمكن لأي شخص أن يحصل عليه إن وفر من الأعمال ما يتيح له ذلك.

وهذا الجزاء معقول المعنى، ذلك أن أولئك الشافعين حصل لهم الكثير من الأذى في الدنيا، فاتهموا بالجنون والسحر، والكثير منهم قتلوا وشوهت سمعتهم، ولذلك كان ذلك الجاه العظيم الذي يحصلون عليه بفضل الشفاعة نوعا من التعويض لهم، فالجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60]

وأما ارتباطه بطالبي الشفاعة؛ فذلك لأن الإذن الإلهي لا يكون لكل الطالبين، بل هو خاص بالذين كانت لهم علاقة طيبة بالشافعين، أما أولئك الذين خالفوهم، وآذوهم؛ فيحرمون من ذلك، بسبب مواقفهم، وهو نوع من التربية لهم، حتى يعرفوا قيمة أولئك الذين آذوهم واحتقروهم، كما قال تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48]

ب ـ قابلية الشافع:

ذلك أن الشفاعة مثل المحاماة مرتبة من المراتب التي لا ينالها إلا المستحقون لها، ولذلك هي نوع من أنواع الجزاء المرتبطة بهم، والمتناسب مع أعمالهم.

ومن خلال النصوص المقدسة يمكننا أن نكتشف الكثير من الصفات التي ترتبط بهؤلاء، والتي أهلتهم لهذه المرتبة الرفيعة، والجاه الحقيقي العريض، وأولها الرحمة، ذلك أن الشفاعة تنبع من رحمة الشافع بالمشفوع له، ولذلك يتدخل طالبا الإذن الإلهي في أن يشفع فيه.

ولهذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أبعد الناس عن الشفاعة اللعانين الذين يسارعون إلى لعن إخوانهم من غير سبب، فأمثال هؤلاء لا يمكن أن يكون في قلوبهم من الرحمة ما يؤهلهم لهذه المرتبة الرفيعة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة)([353])

وهكذا كان أول الشفعاء وأعظمهم هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما آتاه الله من رحمة، كما قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [الأنبياء: 107]

بل إن الله تعالى سماه باسمين من أسماء رحمته، فقال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [التوبة: 128]، ففي هذه الآية تصريح بما كانت عليه طبيعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حب للخير والرحمة على كل الخلائق، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن اللّه لم يحرم حرمة إلا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع، ألا وإني آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النار كتهافت الفراش والذباب)([354])

ولهذا نال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك المقام الرفيع الذي لم ينله غيره، حيث أعطي الشفاعة في الموقف، كما شرحنا ذلك سابقا.

وهكذا يشفع سائر الأنبياء والأئمة الدعاة إلى الحق، لما أودع الله تعالى في قلوبهم من الرحمة بأممهم، وحرصهم على إيمانهم، وحرصهم على الذين اتبعوهم بإحسان.

وهكذا ورد في القرآن الكريم الإخبار عن شفاعة الملائكة، لعلاقتهم بالبشر، ولعدم اختلافهم عن الرسل في الرحمة المودعة فيهم بمن يستحق ذلك، كما أخبر الله تعالى عن دعائهم للمؤمنين في الدنيا، قال تعالى: { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }[غافر: 7 – 9]، فقد أخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن دعائهم واستشفاعهم للمؤمنين ولأولاد المؤمنين وزوجاتهم أن يدخلهم الله جنات عدن.

ومن صفات الشفعاء بذل نفوسهم في الله، وتضحيتهم في سبيل الله، ولهذا ينالون التكريم الخاص بهم في ذلك الموقف جزاء على تلك التضحيات، ولهذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الشهداء من الشفعاء يوم القيامة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته)([355])

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه)([356])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء)([357])

وهكذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن شفاعة العلماء الصادقين المبلغين عنه، ففي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من مسلم يحفظ على أمتي أربعين حديثاً يعلمهم بها أمر دينهم إلا جيء به يوم القيامة فقيل له: اشفع لمن شئت)([358])

وهكذا ورد في الأحاديث أنه بإمكان كل مسلم أن يشفع لإخوانه وأقاربه بحسب مدى قابليته لذلك، وقد روي في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (يقول الرجل من أهل الجنة يوم القيامة: أي ربّي عبدك فلان سقاني شربة من ماء في الدنيا، فشفّعني فيه فيقول: اذهب فأخرجه من النار فيذهب فيتجسس في النار حتى يخرجه منها)([359])

وعن الإمام الباقر أنه قال: (يشفع الرجل في القبيلة، ويشفع الرجل لأهل البيت، ويشفع الرجل للرجلين على قدر عمله. فذلك المقام المحمود) ([360])

وبناء على تجسم الأعمال؛ فقد ورد في الأحاديث شفاعة الأعمال الصالحة لأصحابها الحريصين عليها، ومن أعظم أنواع تلك الشفاعة شفاعة القرآن عموماً؛ ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اعملوا بالقرآن، وأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، واقتدوا به، ولا تكفروا بشيء منه، وما تشابه عليكم منه فردوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي، كيما يخبرونكم، وآمنوا بالتوراة، والإنجيل، والزبور، وما أوتي النبيون من ربهم، وليسعكم القرآن وما فيه من البيان، فإنه شافع مشفع، وماحل مصدق، ألا ولكل آية منه نور يوم القيامة، وإني أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه وطواسين وحواميم من ألواح موسى، وأعطيت فاتحة الكتاب من تحت العرش) ([361])

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار) ([362])

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حله، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب أرض عنه، فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارق وتزاد بكل آية حسنة) ([363])

وفي حديث آخر جمع صلى الله عليه وآله وسلم بين القرآن والصيام، ثم بين سر شفاعتهما، فقال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان) ([364])

وهذا يدل على ما ذكرناه سابقا من أن الشفاعة جزاء خاص على أعمال خاصة، ولذلك كان لعلاقة المؤمن بالقرآن الكريم، أو بالصيام، أو بغيرهما من الطاعات أثر في الإذن بالشفاعة له في ذلك المجال.

وهكذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه يمنع من الشفاعة فيمن حرفوا دينه وبدلوه، وأحدثوا فيه ما ليس منه، لانتفاء صلتهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم: ألا هلم؛ فيقال إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا)([365])

ج ـ الشفاعة بالحق:

وهو الشرط الثالث من شروط الشفاعة، وقد نص عليه قوله تعالى:{ يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} (طه:109)، وقوله:{ وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (الزخرف:86)

وهكذا أخبر الله تعالى أنه لا يحق لأحد أن يشفع في الظالمين المعتدين، كما قال تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18]، وهذا يدل على أن الذنوب المتعدية لا مجال للشفاعة فيها.

ومثله أخبر عن ذنوب كثيرة لا يمكن الشفاعة فيها، قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)} [المدثر: 38 – 48]

فالآيات الكريمة أخبرت أن الذين لا يصلون.. أي ليس لهم تواصل روحي بالله.. والذين لا يطعمون المسكين.. أي ليس لهم أي تواصل ورحمة بالمجتمع.. هؤلاء وغيرهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين حتى لو تقدموا للشفاعة لهم.

وهذا الشرط لا يعني فقط ما ذكرناه سابقا من [الإذن الإلهي]، وإنما يعني أيضا أن تكون الشفاعة نفسها في مجال الحق المأذون فيه، ذلك أن الإذن الإلهي له جانبان: جانب الشافع، وجانب القضية المشفوع فيها.

ومن أهم شروط القضية المشفوع فيها أن تكون موافقة للعدالة والسنن الإلهية؛ فلذلك ذكرنا سابقا أن الشفاعة لا تكون في المظالم والجرائم، ذلك أن لها أصحابا هم الذين يطالبون بها، ويستوفون حقهم من صاحبها.

وهكذا ذكرنا أنه لا تكون الشفاعة عند السراط باعتباره المحل الذي يبحث فيه عن الصفات التي لا تتناسب مع الجنة حتى يطهر صاحبها منها.

وهذا الشرط مع أهميته، ودلالة النصوص المقدسة عليه إلا أنه للأسف أسيء إليه، نتيجة سوء فهم الشفاعة، حيث تصور البعض أو الكثير أنها مجرد تسامح لا مبرر له إلا الرحمة الواسعة، حتى لو كانت تلك الرحمة متناقضة مع العدل، ومع جميع القيم.

ونحسب أن الذين أنكروا الشفاعة، لم ينكروها جملة وتفصيلا، وإنما أنكروها بسبب تلك الأوهام التي تسربت من خلال نصوص كثيرة، تنشر الإرجاء، وهدر كل القيم في سبيل إثبات عظمة الشافع، حتى أنه يمكن اعتبار العقيدة الخاطئة في الشفاعة أكبر معول لهدم القيم التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مثلما كانت عقيدة الفداء التي جاء بها بولس أكبر معول لهدم القيم التي جاء بها المسيح عليه السلام([366]).

ولعل أكبر من شرع هذا النوع من الفهم هو ذلك التراث الحديثي الذي استقبله المسلمون للأسف بكل أريحية، وراحوا ينشرونه تحت مسميات كثيرة.. منها بيان رحمة الله وسعة لطفه بعباده.. ومنها بيان رحمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي لا تحد.. ونحن في ذلك لا نختلف عن المسيحيين الذين يذكرون بأن الله ـ لرحمته بعباده ـ أرسل ابنه الوحيد ليصلب، ويكفر بصلبه كل خطايا بني آدم.

نعم نختلف معهم في صورة المشهد، ولكنا لا نختلف معهم في النتيجة؛ فالشيطان في كلا الدينين راح يشرع الخطيئة، وييسر أمرها، بل يدعو إليها.. إما بعقيدة الفداء، أو بعقيدة الشفاعة.

ومن الأمثلة على ذلك ما رواه عبد الرحمن بن ميمون، أن كعبا دخل يوما على عمر بن الخطاب، فقال له عمر: حدثني إلى ما تنتهي شفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة؟ فقال كعب: قد أخبرك الله في القرآن، إن الله يقول: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر} [المدثر:42]، فيشفع يومئذ، حتى يبلغ من لم يصل صلاة قط، ولم يطعم مسكينا قط، ومن لم يؤمن ببعث قط، فإذا بلغت هؤلاء لم يبق أحد فيه خير)([367])

فهذا الحديث الذي حدث به كعب الأحبار اليهودي، يفسر به القرآن، ولسنا ندري من أين تلقاه، ولا من أين سمعه، يقضي على كل ما قصدته الآيات الكريمة من التحذير من ترك الصلاة، وترك إطعام المساكين، والخوض مع الخائضين.. وكل القيم المرتبطة بها.

ومثله ما رواه عبد الله بن عمر عن كعب من ذكره: (أن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أثلاث، فثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة، وثلث يدخلون الجنة بشفاعة أحمد)([368])

وهذا يتفق تماما مع ما ورد في القرآن الكريم من الإخبار عن غرور اليهود وأمانيهم وأكاذيبهم التي حرفوا بها القيم التي جاء بها موسى عليه السلام والأنبياء من بعده، قال تعالى: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون} [البقرة:80]، وقال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُون} [آل عمران:24].

والآية الكريمة تشير إلى ما نسميه [دين البشر]، والذي عبرت عنه بـ { وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُون}، فدين البشر يعتمد على تلك الأكاذيب التي يكذبون بها على أنفسهم، ثم يفرضونها على ربهم، ويتصورون أن الجنة والنار صارت بيدهم، لا بيد ربهم.

وما ذكره القرآن الكريم عن اليهود، هو نفسه ما وقع فيه النصارى، فقد قال كعب أحبارهم: (يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لاتخطئوا وإن أخطأ أحدٌ فلنا شفيع عند الأب، يسوع المسيح البار، وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً) [رسالة يوحنا الرسول الأولى 2: 1)]

وللأسف فإننا عندما نبحث في التراث النصراني لا نجد إلا نصوصا محدودة جدا من أمثال النص السابق، لكنا عندما نبحث في تراثنا الحديثي نجد نصوصا كثيرة جدا، ترفع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لتناقض كل القيم القرآنية، بل كل القيم التي جاءت النبوة لغرسها، والدعوة إليها.

فكيف يستقيم أن يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيان المقصد الأكبر من مقاصد دعوته: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)([369])، ثم تأتي تلك النصوص لتهدم هذا المقصد من أساسه.

ذلك أنه من المعلوم أن الأخلاق تحتاج في فرضها والدعوة إليها إلى حوافز، تدفع إلى العمل بها، وعقوبات تنفر من الوقوع في أضدادها.. فإذا ما رفعت العقوبات.. ولم تبق إلا الحوافز التي يستوي فيها العاملون والمقصرون.. حينها لن تبقى أي قيمة.. بل لن يبقى أي دين.

فهل يمكن ـ على سبيل المثال ـ أن يستقيم أمر دولة تضع القوانين المشددة للجرائم.. ثم تضع بعدها قانونا واحدا يقول: كل العقوبات السابقة ليس لها من مقصد إلا التهديد والوعيد.. لكنها في الواقع لا أثر لها.. فيمكن لمن استحق العقوبات أن يأتي بمن شاء ليشفع له.. فإن لم يجد فالحاكم رحيم وصاحب قلب طيب.. وسيتولى هو نفسه الشفاعة له، إن واقع هذه المدينة، وانهيار قيمها يشبه تماما ما فعلته أمثال تلك النصوص.

وبناء على هذا؛ فإن كل ما يروى من أحاديث الشفاعة مناقضا للقيم الأخلاقية والشرعية مرفوض بناء على هذا الشرط، ومن الأمثلة على ذلك ما يروونه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه قال: (.. فيأتونني، فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، فإذا أنا رأيته وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله، فيقال: يا محمد، ارفع، قل يسمع، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي، ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع يا محمد، قل يسمع، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة ـ قال: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة ـ فأقول: يا رب، ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، أي وجب عليه الخلود)([370])

ومثله ما يروون عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (أمر بقوم من أمتي قد أمر بهم إلى النار، قال: فيقولون: يا محمد ننشدك الشفاعة، قال: فآمر الملائكة أن يقفوا بهم، قال: فأنطلق واستأذن على الرب عز وجل فيأذن لي فأسجد وأقول: يا رب قوم من أمتي قد أمر بهم إلى النار، قال: فيقول لي: انطلق فأخرج منهم قال: فانطلق وأخرج منهم من شاء الله أن أخرج..)([371])

ومثله ما يروون عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط)([372])

ومثله ما يروون عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في حديث الشفاعة الطويل:(يقول اللّه عزَّ وجلَّ ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه من النار)([373]) ؛ وفي لفظ آخر:(أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه من النار، فيخرجون خلقاً كثيرا)،

ومثله ما يروون عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (أتانى جبريل، فخيرنى بين الشفاعة وبين أن يغفر لنصف أمتى، فاخترت الشفاعة، فقيل: اشفع لنا فقال: شفاعتى لكم، فلما أكثروا عليه قال: (من لقى الله يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة)([374])

وكأن جبريل عليه السلام الذي جاء بهذا الحديث يختلف عن جبريل الذي جاء بالقرآن الكريم، والمملوء بالترهيب من مخالفة القيم.. والذي نسمع فيه هذا الوعيد الشديد: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا} [النساء:123]

فكل هذه الأحاديث تتنافى مع القرآن الكريم، والترهيبات الشديدة الواردة فيه، وهي فوق ذلك تتنافى مع أحاديث أخرى كثيرة، لا تقل عنها صحة، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته في حجة الوداع: (أتدرون أى يوم هذا، وأى شهر هذا، وأى بلد هذا؟)، قالوا: هذا بلد حرام وشهر حرام ويوم حرام، قال: (ألا وإن أموالكم ودماءكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا، ألا وإنى فرطكم على الحوض أنتظركم وأكاثر بكم الأمم؛ فلا تسودوا وجهى، ألا وقد رأيتمونى وسمعتم منى وستسألون عنى؛ فمن كذب على فليتبوأ مقعده من النار، ألا وإنى مستنقذ أناسا ومستنقذ منى أناس فأقول يا رب أصحابى فيقول إنك لا تدرى ما أحدثوا)([375])

فهذا الحديث وهو مروي في جميع الصحاح والمسانيد والسنن يخبر فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه حرم من الشفاعة في أصحابه الذي عرفهم، وقد كانوا يصلون ويصومون ويتوضأون ويحجون ويمرضون..ومع ذلك لم يخرجوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم.

وهكذا نرى القرآن الكريم يحذرنا من ذلك اليوم الخطير الذي لا تنفع فيه أمثال تلك الشفاعات التي تذكرها تلك الروايات، كما قال تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} (البقرة: 48)، وقال: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} (غافر: 18)

وهكذا نجد القرآن الكريم يصرح بغضب الله ولعنته وعقابه الشديد على ذنوب كثيرة نراها هينة سهلة عند أولئك الذين ضربوا القرآن بالحديث.. وضربوا الدين وقيمه بما شرعوه لأنفسهم من شرائع الهوى.

فالله تعالى أخبر عن الهمز واللمز وعقوبته، فقال: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ الله الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)} [الهمزة: 1 – 9]

وأخبر عن عقوبة القتل العمد، وأنها الخلود في جهنم، فقال: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)} [النساء: 93]

وهكذا لو تأملنا القرآن جميعا.. بل معه الكثير من السنة، لوجدنا فيهما نصوصا كثيرة تملؤنا بالمهابة ومن خشية الله ومن الخوف من تعدي حدود الله، كما قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ الله فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187]

وكما ورد في الحديث عن عائشة قالت: قلت للنبى صلى الله عليه وآله وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا. ـ قال بعض الرواة: تعنى قصيرة ـ فقال: (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته)([376])

وبناء على هذا فإن الشفاعة هي جزاء خاص بأعمال خاصة.. وهي القرب من الشفيع، وتعظيمه ومحبته.. وبذلك يستقيم الأمر مع العدالة الإلهية؛ فالذي عاش حياته كلها محبا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذابا عن دينه، حريصا على قيمه.. لكنه ـ كبشر يخطئ ويصيب ـ يقع في بعض الخطايا والهفوات.. التي يحتاج أن يطهر منها.. والتي يستحق العقوبة بسببها.. وهنا تكون الشفاعة.. لا الشفاعة المطلقة.

وهي تشبه في ذلك ذلك التلميذ الذي لا يحول بينه وبين النجاح إلا بعض النقاط القليلة، وحينها قد يتدخل بعض الأساتذة لإنقاذه، فيشفع له، ويزكيه.. لأخلاقه أولا.. ولكون تقصيره محدودا ثانيا.

وهذا المعنى هو الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي رواه ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت مع رسول الله، فآتيه بوضوئه وبحاجته، فقال لي: اسألني، فقلت: إني أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك، قلت: هو ذاك، قال: (فأعني على نفسك بكثرة السجود)([377])

فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم طلب أن يعينه على نفسه لتتحقق شفاعته له بمرافقته في الجنة.. فالشفاعة تقتضي الجانبين جميعا الشافع والمشفوع.. بالإضافة إلى أن هذا الرجل لم يطلب شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمرافقته في الجنة إلا لحبه الشديد له.. فهو لم يطلب الجنة بذاتها، وإنما طلب مرافقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها.

وهكذا ورد في الحديث (يا معشر قريش اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئا. يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئا. ويا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا أغني عنك من الله شيئا. ويا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا)([378])

ولست أدري كيف يجتمع في العقول هذه الأحاديث المتوافقة مع القرآن، مع تلك الأحاديث المتوافقة مع التراث اليهودي والمسيحي.


([1]) سنن ابن ماجه 2/1376 ح(4110).

([2]) الكافي، ح347 : 8/202.

([3]) أسرار الآيات، ص86.

([4]) انظر هذه النصوص في: الدر المنثور:8/429.

([5]) إحياء علوم الدين، (4/ 24)

([6]) رواه البخاري (6158)، ومسلم (7265)

([7]) فتح الباري) (11/ 382)

([8]) فتح الباري) (11/ 382)

([9]) تفسير الأمثل مكارم الشيرازي (11/ 250)

([10]) قدرٌ ضئيل جدًّا، بالغ الصِّغر، مُثِّل بالنملة الصغيرة أو برأس النملة أو الهباءَة المنبثّة في الهواء ويمكن رؤيتها في شعاع الشّمس الداخل من النافذة.

([11]) رواه الترمذي (2492)، وأحمد (2/ 179) (6677)، والبخاري في (الأدب المفرد) (557). قال الترمذي: حسن صحيح

([12]) رواه البزار كما في (مجمع الزوائد) (10/ 337)

([13]) البخاري في الأدب المفرد، والترمذي وحسنه ، انظر: المشكاة (5112).

([14]) رواه البخاري (1474)، ومسلم (1040)

([15]) رواه أبو داود (1626)، والترمذي (650)، والنسائي (5/ 97)، وابن ماجه (1502)، وأحمد (1/ 388) (3675)، والحاكم (1/ 565)، والبيهقي (7/ 24) (13586)

([16]) رواه الطبراني (20/ 333) (17546)، والبزار كما في (مجمع الزوائد) (3/ 99)

([17]) تفسير الطبري (7/358).

([18]) صحيح البخاري برقم (2597، 7174) وصحيح مسلم برقم (1832).

([19]) رواه مسلم (2864)

([20]) رواه البخاري (660)، مسلم (1031).

([21]) رواه أحمد رقم 65-67..

([22]) صحيح مسلم (3006).

([23]) رواه القضاعى (1/94، رقم 103)، وأبو يعلى (3/300، رقم 1766)، والديلمى (2/285، رقم 3316)

([24]) رواه أبو يعلى والبيهقي في الشعب، انظر: المغني عن حمل الأسفار (ص: 1901)

([25]) و رد الحديث عن (النفخ في الصور) في أكثر من عشر آيات قرآنية هي: هي: (الكهف ـ 99) و(المؤمنون ـ (101)، (يس ـ 51)، (الزمر ـ 68)، (ق ـ 20)، (الحاقة ـ 13)، (الأنعام ـ 73)، (طه ـ 102)، (النمل ـ 87)، (النبأ ـ 18)

([26]) تفسير الأمثل،  (4/ 340)

([27]) ذكر العلماء أقوالا كثيرة في المستثنين من الصعقة، وقد جمعها ابن حجر في عشرة أقوال، فقال [فتح الباري(11/320)]: (وحاصل ما جاء في ذلك عشرة أقوال: الأول: أنهم الموتى كلهم لكونهم لا إحساس لهم.. الثاني: هم الشهداء.. الثالث: الأنبياء والى ذلك جنح البيهقي..قال ووجهه عندي أنهم أحياء عند ربهم كالشهداء، وقد جوز النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون موسى ممن استثنى الله.. الرابع: قال يحيى بن سلام في تفسيره: بلغني أن آخر من يبقى جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.. الخامس: يمكن أن يؤخذ مما في الرابع.. السادس: الأربعة المذكورون وحملة العرش وقع ذلك في حديث أبي هريرة الطويل.. وسنده ضعيف مضطرب.. السابع: موسى وحده أخرجه الطبري بسند ضعيف.. الثامن: الولدان الذين في الجنة والحور العين.. التاسع: هم وخزان الجنة والنار وما فيها من الحيات والعقارب.. العاشر: الملائكة كلهم جزم به أبو محمد بن حزم.. قال البيهقي: استضعف بعض أهل النظر أكثر هذه الأقوال)

([28]) إحياء علوم الدين (4/ 90)

([29]) بحار الأنوار (7/ 110)

([30]) انظر مقالا بعنوان: النفخ في الصور: حقيقة علمية وقرآنية، المهندس عبد الدائم كحيل، موقع أسرار الإعجاز العلمي..

([31]) المرجع السابق.

([32]) المرجع السابق.

([33]) المرجع السابق.

([34]) نقلا عن: مُلحدون محدثون معاصرون، د. رمسيس عوض، ص 58..

([35]) صحيح البخاري برقم (6521) وصحيح مسلم برقم (2790)

([36]) صحيح مسلم برقم: (315).

([37]) رواه الترمذي (2 / 235)

([38]) حياة النجوم بين العلم والقرآن الكريم، للدكتور محمد صالح النواوي، نقلا عن موقع الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.

([39]) المرجع السابق.

([40]) المرجع السابق.

([41]) ذكرنا ذلك بتفصيل في كتاب معجزات علمية (ص: 354، فما بعدها)

([42]) الأسفار، ج 9، ص 159.

([43]) الإلهيات، جعفر السبحاني، ج4،ص176.

([44]) المرجع السابق، ص178.

([45]) المرجع السابق، ص179.

([46]) صحيح مسلم 4/1997 ح(2582)

([47]) رواه أحمد 5/162 (21768)

([48]) ابن جرير في تفسيره (30 / 17 – 18).

([49]) أشرنا إليها بتفصيل في كتاب [أكوان الله]

([50]) بحار الأنوار (61/ 50)

([51]) أحمد 3/439 (15714) و3/440 (15731)

([52]) بحار الأنوار – العلامة المجلسي (8/ 374)

([53]) بحار الأنوار – العلامة المجلسي (54/ 319)

([54]) رواه البخاري (3208) ومسلم (2643)

([55]) صحيح البخاري 5/133 ح(4207)

([56]) إحياء علوم الدين (4/ 173)

([57]) رواه مسلم برقم (2878)

([58]) رواه البخاري برقم (1265)، رواه مسلم برقم (1206)

([59]) رواه البخاري برقم (2803)، رواه مسلم برقم (1876)

([60]) رواه البخاري برقم (3186، 3187)، رواه مسلم برقم (1735)

([61]) الأسفار، ج9، ص 165.

([62]) شرح العقيدة الواسطية للهراس (ص: 64)

([63]) شرح العقائد العضدية، ج2، ص 247.

([64]) بحارالأنوار، ج 7، ص 46.

([65]) المعاد و عالم الآخرة، ص203.

([66]) المعاد وعالم الآخرة، ص: 205.

([67]) المرجع السابق، ص212..

([68]) المرجع السابق، ص212..

([69]) المرجع السابق، ص212..

([70]) المعاد وعالم الآخرة، ص: 215.

([71]) تفسير ابن كثير (8/ 325).

([72]) رواه البخاري 10 / 179.

([73]) الترمذي (2367).

([74]) رواه البخاري (6093) ومسلم (4244).

([75]) صحيح مسلم (4256)

([76]) الاختلاج: الاستلاب والاجتذاب.

([77]) مسلم (2/، 13 7/71)

([78]) البخاري في صحيحه (2194) ومسلم (4257)

([79]) رواه البخاري 11 / 412، ومسلم رقم (2304).

([80]) رواه البخاري(7/208).

([81]) رواه مسلم (367)

([82]) التذكرة للقرطبي (306).

([83]) نوادر الأصول في أحاديث الرسول (4/ 82)

([84]) الحميدي (588).وأحمد (2/160) (6492)، ومسلم (6/7)

([85]) الترغيب والترهيب لقوام السنة (1/ 464).

([86]) بحار الأنوار: 7 / 262.

([87]) المعجم الكبير للطبرانى: 5/138؛ وقال الهيثمى: رواه الطبرانى فى الكبير ورجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد: 3/303.

([88]) قال الهيثمى: رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه عمرو بن الحصين العقيلى وهو متروك. مجمع الزوائد: 10/80.

([89]) رواه أحمد، والترمذي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (10/ 80)

([90]) الكافي (8/143)

([91]) البخاري (4712)، ومسلم (194)، والترمذي (2434)

([92]) رواه أبو يعلى والبيهقي في الشعب، انظر: المغني عن حمل الأسفار (ص: 1901)

([93]) رواه الطبرانى (11/374، رقم 12047). قال الهيثمى (10/214): رواه الطبرانى والبزار، وإسناده حسن.

([94]) رواه أحمد (3/387، رقم 15195) قال الهيثمى (1/174): رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار.

([95]) انظر: النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير: (1/ 270)، وقد ذكر ابن كثير أنه رواه جماعات من الأئمة في كتبهم، كابن جرير في تفسيره، والطبراني في المطولات، والحافظ البيهقي في كتابه: البعث والنشور، والحافظ أبي موسى المديني في المطولات أيضا من طرق متعددة عن إسماعيل ابن رافع قاص أهل المدينة.

([96]) النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير: (1/ 270)

([97]) النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير: (1/ 270)

([98]) الكافي، ج 1، ص 10.

([99]) أسرار الأقدار، ص280.

([100]) الحديث أورده ابن حجر في الإصابة (174 / 175) قال البيهقي: هذا منكر وقد خبط فيه يوسف بن عطية الصفار وهو ضعيف جدا. وهكذا ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (1 / 57) وقال رواه البزار وفيه يوسف بن عطية لا يحتج به، وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح قال احمد بن حنبل يحيى بن المتوكل يروي عن بهية احاديث منكرة وهو واهي الحديث وقال يحيى ليس بشيء وقال علي والفلاس والنسائي هو ضعيف قال ابن حبان ينفرد باشياء ليس لها اصول وقال السعدي سألت عن بهية كي اعرفها فأعيانا، انظر: العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، لعبد الرحمن بن علي بن الجوزي: 2/924.

([101]) رواه أبو داود ( 4717 وأحمد ( 15493 ) البخاري في التاريخ الكبير (4 ص:72 ) والدارقطني في العلل ( 5 / 161 )

([102]) رواه ابن سعد (7/ 84) وأحمد (5/ 58 و 409) وأبو داود (2521)

([103])  التمهيد 18 / 120

([104])  أحكام أهل الذمة (2/ 95)

([105])  مشكاة المصابيح (1/ 39)

([106]) رواه البخاري برقم (7449) ومسلم برقم (2846).

([107]) رواه البخاري 12 / 385 و 386 و 387 و 388 ومسلم رقم (2275).

([108]) الخصال، ص 283..

([109]) رواه أحمد (16301).

([110]) رواه الطبراني في الكبير (20/ 83 – 84) والأوسط (7951) ومسند الشاميين (2205) وأبو نعيم في الحلية (5/ 127 و9/ 305 – 306).

([111]) رواه البزار وابن مردويه، جمع الجوامع 1/769

([112]) ومنهم ابن عبد البر معللا ذلك بأن الآخرة دار جزاء ، وليست دار تكليف ، وليس ثمة أوامر ونواهي في الآخرة.

([113]) تفسير ابن كثير: 5/58.

([114]) فتح الباري ( 3 / 246 ).

([115]) أحكام أهل الذمة: 2/1147.

([116]) المرجع السابق،  2/1149.

([117]) المرجع السابق، 2/1154.

([118]) المرجع السابق،2/1152.

([119]) المرجع السابق، 2/1155.

([120]) المرجع السابق، 2/1156.

([121]) الصدوق في التوحيد/254.

([122]) الإسلام يتحدى، ص87.

([123]) المرجع السابق، ص87.

([124]) المرجع السابق، ص87.

([125]) المرجع السابق، ص87.

([126]) المرجع السابق، ص87.

([127]) المرجع السابق، ص87.

([128]) المرجع السابق، ص88.

([129]) المرجع السابق، ص88.

([130]) المرجع السابق، ص88.

([131]) المرجع السابق، ص89.

([132]) المرجع السابق، ص89.

([133]) انظر مقالا بعنوان: من أسرار يوم القيامة: استنساخ الأعمال وحضورها، أبو مسلم العرابلي، الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب، 12/12/2009.

([134]) المرجع السابق.

([135]) المرجع السابق.

([136]) تفسير الأمثل، مكارم الشيرازي (8/ 425)

([137]) المرجع السابق، (8/ 425)

([138]) تفسير ابن كثير (6/ 565)، ونقل عن سعيد بن جبير قوله: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} يعني: ما أثروا. يقول: ما سنوا من سنة، فعمل بها قوم من بعد موتهم، فإن كان خيرا فله مثل أجورهم، لا ينقص من أجر من عمله شيئا، وإن كانت شرا فعليه مثل أوزارهم، ولا ينقص من أوزار من عمله شيئا.

([139]) تفسير القمي ، ج2، ص397..

([140]) رواه البخاري (3336) ومسلم (1677)

([141]) رواه مسلم برقم (1017).

([142]) رواه مسلم برقم (1631) ..

([143]) تفسير العياشي 1/208.

([144]) نهج البلاغة: 2/207

([145]) نهج البلاغة 3/191

([146]) المرجع السابق،  1/39

([147]) الكافي:2/596

([148]) الإحتجاج:2/98

([149]) نور الثقلين، ج 3، ص 144..

([150]) المرجع السابق، ج 3، ص 267

([151]) هذا بناء على كون الأنين شكوى، أما الأنين المجرد، والذي ينفس به المريض عن آلامه، فلا حرج فيه.

([152]) رواه البخاري 13 / 391 ، ومسلم رقم (128) و (129).

([153]) رواه البخاري 1 / 7 – 15 ، ومسلم رقم (1907).

([154]) رواه القشيري في الرسالة (ص 104) وقد روي مثل هذا عن حذيفة، سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن علم الباطن ما هو فقال سألت جبريل عنه فقال: سر بيني وبين أحبائي وأوليائي وأصفيائي أودعه في قلوبهم لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل) قال ابن حجر: هو موضوع.

([155]) ابن طاووس: إقبال الأعمال ص 560

([156]) ابن طاووس: إقبال الأعمال ص 560

([157]) مسند أبي يعلى (5262)

([158]) تفسير ابن كثير (7/ 171)

([159]) رواه ابن أبي الدنيا في التوبة برقم (18)، وأبو يعلى الموصلي في مسنده برقم 3975

([160]) رواه مسلم برقم (2969) والنسائي في السنن الكبرى برقم (11653)

([161]) تفسير ابن كثير (2/ 307)

([162]) رواه البخاري (2441)، ومسلم (2768)

([163]) ذكره ابن كثير في (النهاية) (2/ 135) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا

([164]) رواه البزار (كشف الأستار 1/397) قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (9/24) رجاله رجال الصحيح.

([165]) كشف الأستار عن زوائد البزار (1/397)

([166]) مجمع الزوائد (9/24)

([167]) الخصائص الكبرى (2/281)

([168]) طرح التثريب (3/297).

([169]) الطبقات (2/194)، وانظر: فيض القدير (3/401)

([170]) صحيح مسلم 4/1791 ح(2288)

([171]) صحيح مسلم (179)

([172]) البخاري (555) ومسلم (632)

([173]) مسلم (2565 )

([174]) أصول الكافي، ج1، ص 171

([175]) تفسير البرهان، ج2، ص 158

([176]) تفسير الأمثل،  (6/ 208)

([177]) تفسير الطبري (8/ 192)

([178]) تفسير الطبري (8/ 192)

([179]) ذكر القرطبي في تفسيره [الجامع لأحكام القرآن (7/211)] عشرة أقوال في المسألة، هي:  (قال عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وابن عباس والشعبي والضحاك وابن جبير: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم.. وقال مجاهد: هم قوم صالحون فقهاء علماء، وقيل: هم الشهداء.. وقال القشيري: وقيل هم فضلاء المؤمنين والشهداء.. وقال شرحبيل بن سعد: هم المستشهدون في سبيل الله ، الذين خرجوا الى الجهاد عصاة لآبائهم.. وقال الثعلبي: الأعراف موضع عال على الصـراط ، عليه العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين، يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه.. وقال الزجاج: هم قوم أنبياء.. وقيل: هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا، وليست لهم كبائر، فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غَمٌّ فيقع في مقابلة صغائرهم.. وقيل: هم أولاد الزنى ، ذكره القشيري عن ابن عباس.. وقيل: هم ملائكة موكلون بهذا السور، يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار ، ذكره أبو مجلز. فقيل له لا يقال للملائكة رجال ! فقال: إنهم ذكور وليسوا بإناث.. وحكى الزهراوي أنهم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم في كل أمة . واختار هذا القول النحاس ، وقال: وهو من أحسن ما قيل فيه ، فهم على السور بين الجنة والنار.. وقال ابن عطية: واللازم من الآية أن على الأعراف رجالاً من أهل الجنة ، يتأخر دخولهم)

([180]) البخاري (6169) ، ومسلم (2640)

([181]) تفسير المنار (8/ 432)

([182]) التفسير الكبير (14/ 88)

([183]) الفتوحات المكية (1/158).

([184]) تفسير ابن عربي (1/258)

([185]) لم يتفق الشيعة على هذا القول، فقد قال صدر المتألهين الشيرازي في [الأسفار الأربعة (5/316)]: (وأما الأعراف فهو سور بين الجنة والنار، له باب باطنه وهو ما يلي الجنة فيه الرحمة ، وظاهره وهو ما يلي النار من قبله العذاب، يكون عليه من تساوت كفتا ميزانه ، فهم ينظرون بعين إلى الجنة وبعين أخرى إلى النار). وذكر نحوه أسرار الآيات/200 ، والشواهد الربوبية/312..

([186]) تفسير الميزان: (8/132)

([187]) تفسير الأمثل (5/ 58)

([188]) المرجع السابق، (5/ 58)

([189]) المرجع السابق، (5/ 59)

([190]) المرجع السابق، (5/ 59)

([191]) المرجع السابق، (5/ 60)

([192]) رواه ابن أبي الدنيا في التوبة برقم (18)، وأبو يعلى الموصلي في مسنده برقم 3975

([193]) رواه مسلم (2699)..

([194]) رواه البخاري (799)، وأبو داود (770)

([195]) رواه البخاري (929)، ومسلم (850)

([196]) رواه الترمذي (2682)، وأبو داود (3641)، وابن ماجه (223)، وأحمد (5/ 196) (21763)، وابن حبان (1/ 289) (88)

([197]) رواه النسائي (3/ 43)، والدارمي (2/ 409) (2774)، وابن حبان (3/ 195)، والطبراني (10/ 220)، والحاكم (2/ 456)

([198]) رواه مسلم (2750)

([199]) رواه الترمذي (2452)

([200]) رواه مسلم (2567).

([201]) رواه أحمد (2/374) والترمذي برقم (3353) والنسائي في الكبرى برقم (11693)

([202]) رواه الطبراني في المعجم الكبير (5/65)

([203]) رواه البخاري: 609

([204]) ذكرنا ذلك مع أدلته بتفصيل في كتاب [أكوان الله]

([205])   ابن أببي شيبة: 7/110.

([206])   رواه ابن المبارك في (دقائقه)، انظر: القرطبي:10/267.

([207]) الكلمات، ص120.

([208]) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/ 303)

([209]) صحيح البخاري 2/97 ح(1367)

([210]) سنن أبي داود 3/218 ح(3233)

([211]) مصنف ابن أبي شيبة 3/47 ح(11995)

([212]) مجموع الفتاوى (18/ 314)

([213]) شرح رياض الصالحين 4/570-573.

([214]) رواه البخاري برقم (1243)

([215]) رواه البخاري(5/151)

([216]) رواه أحمد (3/58)

([217]) رواه ابن أبي حاتم في (تفسيره) (10/ 3272)

([218]) رواه ابن المبارك في (الزهد) (1/ 125)

([219]) رواه ابن أبي حاتم في (تفسيره) (10/ 3272)

([220]) مفاهيم القرآن، 8/220.

([221]) نور الثقلين: 4 / 481.

([222]) رواه البخاري (6541)

([223]) تنبيه الخواطر: 1 / 230

([224]) بحار الأنوار : 7 / 171

([225]) رواه الحاكم (2/ 80). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه

([226]) رواه البخاري (5196)

([227]) رواه مسلم (2979)

([228]) رواه الترمذي (2354) بلفظ: (المسلمين) بدلاً من (المهاجرين)، وأحمد (2/ 296) (7933) بلفظ: (المؤمنين) بدلاً من (المهاجرين)

([229]) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: 976)، بتصرف.

([230]) تفسير الأمثل، (12/ 294)

([231]) رواه البخاري برقم (4939) و مسلم برقم (2876)

([232]) رواه أحمد (6/48)

([233]) بحار الأنوار : 7 / 259.

([234]) رواه مسلم (1561)

([235]) مفاهيم القرآن، 8/228.

([236]) المرجع السابق، 8/229.

([237]) المرجع السابق،  8/230.

([238]) صحيح مسلم 2/886 ح(1218)

([239]) رواه الترمذي (2416)

([240]) رواه أبو داود (864)، والترمذي (413)، والنسائي (1/ 232)، وابن ماجه (1425)، وأحمد (2/ 425) (9490).

([241]) رواه أبو داود (864).

([242]) رواه الطبراني في (المعجم الأوسط) (3/ 97) (2603)

([243]) رواه مسلم (2985)

([244]) رواه الطبراني (6/ 52) (5485)

([245]) رواه ابن ماجه (3093)، والبزار (8/ 433) (3508)، والنسائى في (السنن الكبرى) (6/ 118) (10289)، والبيهقي فى (شعب الإيمان) (1/ 440) (647)،

([246]) رواه الترمذي (2369)

([247]) رواه الترمذي (3358)

([248]) رواه  أحمد (20244)

([249]) نهج البلاغة : الخطبة 82.

([250]) نهج البلاغة : الخطبة 167.

([251]) بحار الأنوار: 7 / 261

([252]) بحار الأنوار (7/ 284)

([253]) بحار الأنوار (7/ 285)

([254]) بحار الأنوار (7/ 285)

([255]) رواه أبو داود (4880)

([256]) رواه أحمد (3/ 487)

([257]) رواه أبو داود (4881) وأحمد (4/ 229)

([258]) البخاري- الفتح 5 (2442) واللفظ له، مسلم (2580)

([259]) الحميدي (739) وأحمد 3/27 (11232).

([260]) رواه أحمد (6/ 240) (26073)، والحاكم (4/ 619). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

([261]) بحار الأنوار: : 6 / 29.

([262]) رواه البخاري (6534)

([263]) رواه مسلم رقم (2581)، والترمذي رقم (2420).

([264]) قال العراقي في [تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (6/ 2690)]: رواه أحمد بإسناد حسن، ورواه أبو يعلى والخرائطي في مساوئ الأخلاق والطبراني في الكبير والحاكم والضياء.

([265]) رواه البخاري (6535)

([266]) رواه البخاري (6533)، ومسلم (1678)

([267]) إحياء علوم الدين (4/ 521)

([268]) المرجع السابق، (4/ 522)

([269]) جهاز كشف الكذب: هو جهاز قام جون أوجست لارسون باختراعه عام 1921م، وهو أداة تسجل الظواهر الفيسولوجية التي يكشف عنها جسم المتهم الخاضع للاستجواب. كالتنفس وضغط الدم وسرعة النبض. يستعان بها لتقرير ما إذا كان المستجوب(المتهم) كاذبا في ما يقول أم صادقا. استحدث عام 1924 واستخدمه المحققون ورجال الشرطة والقضاة منذ ذلك الحين، ولكن مصداقيته لا تزال إلى اليوم موضع خلاف عند علماء النفس ومحل اعتراض عند الفقهاء والقضاة.

([270]) من الأمثلة على هذه الأقوال، والتي راحت تعتبر الكفتين وغيرهما شرطا في الإيمان بالميزان، ما أجابت به لجنة الفتوى في موقع إسلام ويب حول سؤال يقول: (هل ورد أثر أوحديث أن للميزان الذي توزن به الأعمال يوم القيامة  لسانا وكفتين كأطباق السماء؟)

فأجابت بقولها: (ثبت في السنة أن للميزان كفتين، أما اللسان أو وصف سعة الكفتين بأنهما يستوعبان السموات والأرض فلم يأت فيه حديث مرفوع فيما نعلم ولكن وردت آثار)

ومن الآثار التي ساقوها: ما روى اللالكائي في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) بإسناده عن سلمان قال: يوضع في الميزان، وله كفتان لو وضع في إحداهما السموات والأرض ومن فيهن لوسعه، وأسند عن الحسن قال: له لسان وكفتان، وعن ابن عباس قال: الميزان له لسان وكفتان يوزن فيه الحسنات والسيئات

وروى اللالكائي أيضا في (اعتقاد أهل السنة) عن ابن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا وشاما ويمنا فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص .. والميزان حق له كفتان.

وقال أبو القاسم الأصبهاني في (الحجة في بيان المحجة): وأن الميزان حق له لسان وكفتان.

وقال أبو الحسن الأشعري في (مقالات الإسلاميين): واختلفوا في الميزان، فقال أهل الحق: له لسان وكفتان ..

وقال البربهاري في (شرح السنة): والإيمان بالميزان يوم القيامة يوزن فيه الخير والشر له كفتان وله لسان.

وقال ابن قدامة في (لمعة الاعتقاد): والميزان له كفتان ولسان. 

وقال ابن أبي العز الحنفي في (شرح الطحاوية): ثبت أن الميزان له كفتان والله تعالى أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات.

وقال ابن جزي في (التسهيل لعلوم التنزيل): مذهب أهل السنة أن الميزان يوم القيامة حقيقة، له كفتان ولسان وعمود توزن فيه الأعمال

وقال ابن حجر في (فتح الباري): قال أبو إسحاق الزجاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال.

وقال السفاريني في (لوامع الأنوار البهية): نؤمن بأن الميزان الذي توزن به الحسنات والسيئات حق، قالوا: وله لسان وكفتان.

وقال صديق حسن خان في (قطف الثمر): والميزان له كفتان ولسان.

وقال ابن عيسى في (شرح النونية): فتوزن الأعمال بميزان له كفتان ولسان.

ثم علقوا على هذه المقولات بقولهم: (فظهر بذلك أن ذكر اللسان مع الكفتين للميزان مأثور عن بعض الصحابة والتابعين، ومشهور عند أهل العلم سلفا وخلفا، حتى قد نقل عليه الإجماع أهل السنة. وأما وصف كفتي الميزان بأنهما كأطباق السماء، فيشهد له ما سبق ذكره عن سلمان: له كفتان لو وضع في إحداهما السموات والأرض ومن فيهن لوسعه) [انظر الفتوى في موقع إسلام ويب، بعنوان: الميزان الذي توزن به الأعمال هل له لسان وكفتان]

([271]) مفاهيم القرآن: 8/252.

([272]) المرجع السابق،  8/253.

([273]) نقله عن : شرح المقاصد: 2 / 223.

([274]) مفاهيم القرآن السبحاني (8/ 253)

([275]) المرجع السابق،  (8/ 255) بتصرف.

([276]) بحار الأنوار (7/ 285)

([277]) مفاهيم القرآن السبحاني (8/ 257)

([278]) الترمذي رقم (2003) و (2004)، وأبو داود رقم (4799)

([279]) مفاهيم القرآن السبحاني (8/ 257)

([280]) المزار، ص47.

([281]) مفاهيم القرآن السبحاني (8/ 257)

([282]) صحيح البخاري 8/111 ح(6535)

([283]) تفسير ابن كثير (4/ 461)

([284]) رواه أحمد (3/328) وقال المنذري في الترغيب (2/306) : رجاله ثقات.

([285]) رواه عبد الرزاق في تفسيره (2/11)

([286]) تفسير الطبري (16/82)

([287]) تفسير ابن كثير (5/ 252)

([288]) رواه احمد (6699) والترمذي (2639)

([289]) إحياء علوم الدين (4/ 35)

([290]) رواه البخاري 11 / 266 ، ومسلم رقم (2988)، والترمذي رقم (2315)

([291]) الترغيب والترهيب لقوام السنة (1/ 334)

([292]) رواه البخاري(6406) ومسلم (2694)

([293]) رواه مسلم (2726)

([294]) رواه أحمد (6616) وأبو داود(5065) والترمذي(3410) والنسائي(1331) وابن ماجة(926)

([295]) رواه أحمد(15107)

([296]) رواه البخاري: 6405، ومسلم: 6842

([297]) رواه مسلم: 6843

([298]) رواه مسلم: 1352

([299]) رواه البخاري: 6403، ومسلم 6842.

([300]) رواه مسلم: 6845.

([301]) رواه مسلم: 912

([302]) رواه مسلم: 6932

([303]) رواه مسلم: 1886

([304]) رواه مسلم: 6852

([305]) رواه البخاري:6409، ومسلم 6868.

([306]) رواه أبو داود(4799)

([307]) رواه الترمذي(2003)

([308]) كشف الأستار عن زوائد البزار (4/ 220)

([309]) رواه مسلم:6804

([310]) رواه مسلم: 2351

([311]) رواه البخاري:6021، ومسلم: 2328

([312]) رواه مسلم: 6853

([313]) رواه مسلم: 7512

([314]) رواه البخاري: 6005

([315]) رواه البخاري: 5353، ومسلم 7468

([316]) رواه البخاري: 7430، ومسلم 2342

([317]) رواه البخاري: 5351، ومسلم 2322

([318]) رواه مسلم: 6695

([319]) رواه أحمد (20256)

([320]) رواه أحمد (1/420)

([321]) عزاه المناوى (6/466) للشيرازى فى كتاب الألقاب.

([322]) رواه البخاري برقم (4729)

([323]) رواه البخاري برقم (5269) ورواه مسلم برقم (127)

([324]) المفردات في غريب القرآن، (ص337)

([325]) معاني الأخبار/32.

([326]) رواه الطبراني في الأوسط والكبير، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (10/ 397)

([327]) رواه الخرائطي في مساوئ الاخلاق، كنز العمال (6/ 131)

([328]) رواه البخاري 6 / 193 و 194.

([329]) رواه الترمذي رقم (1403)، وابن ماجة رقم (2687).

([330]) رواه الطبراني في الكبير كما فى مجمع الزوائد (5/213).

([331]) رواه البخاري 13 / 112 ، ومسلم رقم (142).

([332]) رواه مسلم (107، أحمد (2/480)

([333]) رواه الديلمي، كنز العمال (16/ 77)

([334]) رواه مسلم (6/168 و 8/155)

([335]) رواه أبو داود رقم (2226) ، والترمذي رقم (1187)

([336]) إحياء علوم الدين (4/ 26)

([337]) العهود المحمدية/627

([338]) الإعتقادات/71

([339]) رواه البيهقي في (البعث والنشور) (419). والحديث رواه الطبراني (9/ 357)، والحاكم (2/ 408). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ.

([340]) أمالي الصدوق/301

([341]) بحار الأنوار، ج 6، ص 159..

([342]) رواه البخاري (7439) واللفظ له، ومسلم (183)

([343]) قال ابن الأثير في (النهاية) (4/ 24): (قوله: { (فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في النار) أي تسقطهم فيها بعضهم فوق بعض. وتقادع القوم: إذا مات بعضهم إثر بعض)

([344]) رواه أحمد (5/ 43) (20457)، والطبراني في (المعجم الصغير) (2/ 142) (929)، وابن أبي عاصم في (السنة) (837)

([345]) قال العيني في (عمدة القاري) (20/ 316): (كلاليب جمع كلوب بفتح الكاف وهو حديدة معطوفة الرأس يعلق عليها اللحم. وقيل: الكلوب الذي يتناول به الحداد الحديد من النار. كذا في كتاب ابن بطال)

([346]) رواه مسلم (195)

([347]) رواه البخاري (7437)، ومسلم (182)

([348]) رواه الحاكم (4/ 629). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي

([349]) رواه الحاكم (2/ 408). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ووافقه الذهبي

([350]) رواه البخاري برقم 3293، ومسلم برقم 2691.

([351]) رواه الترمذي، ، برقم 3540، وقال: «حسن غريب»

([352]) رواه أحمد ، 28/ 543، والطبراني في الكبير، 17/ 284.

([353]) رواه مسلم (2598)

([354]) رواه أحمد، وأبو يعلى، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (7/ 210)

([355]) رواه أبو داود (2522)، وابن حبان (10/ 517) (4660)، والبيهقي (9/ 164) (18308)

([356]) رواه الترمذي (1663)، وابن ماجه (2274)، وأحمد (4/ 131) (17221)، والبيهقى فى (شعب الإيمان) (4/ 25)

([357]) رواه ابن ماجه (4992)، والبيهقي في (شعب الإيمان) (2/ 265)

([358]) رواه ابن عدي في (الكامل في الضعفاء) (5/ 56)، والخطيب في (شرف أصحاب الحديث) (ص: 20)، وابن عبدالبر في (جامع بيان العلم وفضله) (1/ 95)

([359]) مجمع البيان: 1/104..

([360]) مناقب آل أبي طالب (2/15)

([361]) رواه الطبراني (20/ 225) (525) وأخرجه الحاكم (1/ 757)، والبيهقي (10/ 9) (19490). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه

([362]) رواه الطبراني (9/ 132) (8655)، وأبو نعيم في (حلية الأولياء) (4/ 108)، وابن أبي شيبة (6/ 131) (30054)

([363]) رواه الترمذي (2915)، والحاكم (1/ 738)، والبيهقي في (شعب الإيمان) (2/ 347)

([364]) رواه أحمد (2/ 174) (6626)، والطبراني كما في (مجمع الزوائد) (3/ 184)، والحاكم (1/ 740)، وأبو نعيم في (حلية الأولياء) (8/ 161)

([365]) رواه مسلم (367)

([366]) انظر، أوهام وحقائق (ص: 20)، فقد كتبنا فيه مقالا مطولا في الموضوع بعنوان [الشفاعة بين الوهم والحقيقة]، وما ذكرناه هنا تلخيص لبعض ما ورد في المقال.

([367]) رواه ابن مردويه، انظر: الدرالمنثور في التفسير للسيوطي ص6، ص286.

([368]) رواه ابن جرير الطبري في جامع البيان (20/465).

([369]) رواه أحمد (2/381، رقم 8939) ، وابن سعد (1/192) البيهقى (10/191، رقم 20571)

([370]) رواه البخاري 13 / 395 – 397 ، ومسلم رقم (193)

([371]) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال.

([372]) قطعة من حديث مطول أخرجه مسلم ورقمه (183) .   

([373]) رواه البخاري ومسلم.

([374]) رواه أحمد (4/404 رقم 19634) والطبرانى فى الصغير (2/62 رقم 784) قال الهيثمى (10/369) : رواه أحمد والطبرانى، وأحد أسانيد الطبرانى رجاله ثقات.

([375]) رواه أحمد (5/412، رقم 23544) (5/393، رقم 23385) ، والبخارى (5/2404، رقم 6205)، والنسائى فى الكبرى (2/444، رقم 4099).

([376]) أبو داود (4/269، رقم 4875) ، والترمذى (4/660، رقم 2502)

([377]) رواه مسلم (2/52) (489)، وأبو داود رقم (1320) ، و النسائي 2 / 227.

([378]) رواه البخاري 8 / 386 ، ومسلم رقم (206)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *