الفصل الأول: الموت.. والنشآت الإنسانية

الفصل الأول

الموت.. والنشآت الإنسانية

لا يمكننا اكتشاف أسرار ما بعد الموت، ما لم نعرف الموت نفسه، وهل هو النهاية التي تنتهي معها الحياة، وتنتهى معها جميع أسرارها، أم هو البداية لحياة جديدة، وبقوانين جديدة، نحتاج إلى التعرف عليها، لنعرف كيف نهيئ أنفسنا لها.

وهذا يدعونا إلى البحث عن حقيقة الحياة نفسها.. فلا يمكننا أن نعرف الموت ما لم نعرف الحياة، وهل هي مختصرة في هذا الجسد الذي تنقطع صلة الإنسان به بعد موته، أم أنها شيء آخر؟

وهذا يدعونا ـ أيضا ـ إلى البحث عن هذا الجسد الذي نعيش به، وهل هو نحن، أم أنه ليس سوى مركب لحقيقة أخرى تمثل الأنا الحقيقي، ونحن لا نراها، لا بسبب عدم وجودها، وإنما لكونها مثل العين التي نرى بها، وفي نفس الوقت لا تستطيع أن ترى نفسها إلا من خلال غيرها؟

وهكذا يصبح البحث في الموت وحقيقته مرتبطا بالحياة وحقيقتها.. وهل قوانين الحياة التي نعرفها قوانين لازمة لا تنفك عنها، أم أن هناك قوانين أخرى للحياة غير القوانين التي نعرفها؟

أو بعبارة أخرى: هل الحياة مختصرة في هذه الصورة التي يتنفس فيها الإنسان الأكسوجين، ويشرب الماء، ويأكل الطعام، ويتحرك برجليه، ويمسك الأشياء بيديه.. أم أنه يمكن أن تكون هناك حياة أخرى لا يحتاج فيها الإنسان، ولا غيره من الأحياء إلى كل ذلك؟

هذه هي التساؤلات التي ينطلق منها البحث في الموت، وقد أجاب عنها العقل الإنساني إجابتين متناقضتين:

أما الأولى: فهي إجابة أكثر عقلاء العالم من الفلاسفة والمفكرين ورجال الدين وعلى مدار التاريخ، وهي اعتبار الموت بداية لمرحلة جديدة، وأن هناك حياة أخرى غير الحياة التي نراها، وأن الإنسان ليس قاصرا على هذا الجسد، بل الجسد ليس سوى مركب من مراكبه التي يستبدلها بغيرها بعد أن تنتهي صلاحيتها.

وأما الثانية: فهي إجابة بعض العقلاء والعلماء أيضا.. وهم محدودون جدا مقارنة بالأولين.. ويرون أن للحياة صورة واحدة هي التي نراها في المعامل البيولوجية.. وأن ما عداها هو الموت المطبق، والذي يعني العدم المطبق.

وللأسف فإن هذه النظرة الثانية مع افتقارها لكل الأدوات العلمية، ومخالفتها لكل العقول، وعلى مدار التاريخ، صارت توصف بالعلمية، وصار لها امتداد كبير في الواقع، وهو ما هيأ الأرضية للإلحاد.. ذلك أن إنكار حياة أخرى خارج نطاق المادة يستدعي بالضرورة الإلحاد..

والمشكلة الأكبر ليس في تبني هذه الجهة لتلك الرؤية والموقف من الحياة والموت، وإنما في احتكارها للعلم، وتوهمها أن الحقيقة محصورة فيما تفكر فيه، أو فيما تكشفه لها المخابر والمعامل.

ولذلك نراها تستعلي على كل الرؤى التي تخالفها، وتتهمها بالخرافة، وتخرجها من نطاق العلمية، وكأنها المسؤولة عن العلم، والمفوض لها التمييز بين ما هو علم، وما هو خرافة، مع العلم أن كبار العلماء والعقلاء على مدار التاريخ يخالفونها في هذه الوجهة.

ومن الأمثلة على هذا الاستعلاء ما نقلته كبار وسائل الإعلام عن هوكينغ وموقفه من الجنة، فقد أورد موقع (CNN) الإخباري التابع لأكبر شبكة قنوات أمريكية هذا الخبر وبهذا العنوان المثير [هوكينغ: لا وجود للجنة والحياة الآخرة قصة خرافية]، ثم أوردت الخبر، وكأن هوكينغ اكتشف دواء عجز الأطباء عن اكتشافه، حيث ورد في الخبر: (مفهوم [الجنة] أو أي نوع من الحياة الآخرة عبارة عن [قصة خرافية] هذا ما قاله عالم الفيزياء البريطاني الشهير ستيفن هوكينغ في مقابلة صحفية هذا الاسبوع، وسط احتمال أن تثير تصريحاته جدلاً واسعاً آخر خصوصاً بين رجال الدين واللاهوت.. وأضاف هوكينغ في المقابلة التي نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية الأحد: (أنا أعتبر الدماغ كجهاز كمبيوتر يتوقف عن العمل عندما تفشل مكوناته)، مضيفاً: (ليس هناك من جنة أو حياة آخرة لأجهزة كمبيوتر محطمة، وهي أشبه بقصة خرافية للناس الذين يخشون من الظلام)([1])

هذا ما نقلته هذه القناة الإخبارية التي يتابعها مئات الملايين، ولو أنها نقلت كلام كل العلماء في المسألة لكان مقبولا، لكن اهتمامها ا لخاص برؤية هوكينغ مع تلك الهالة العظمى التي أعطيت له، حول الأمر من موقف شخصي إلى مسألة علمية، يستثمر فيها العلم ـ وبطريقة خاطئة ـ لغرس أيديولجيات الإلحاد.

ولذلك نحاول في هذا الفصل بيان مدى تهافت التصورات التي يعتمد عليها المنكرون للعالم الآخر، والذين يحكمون على الحياة وفق ما يرونه ويعيشونه، من غير إعطائها فرصة أخرى لتعبر عن نفسها بطريقة جديدة.

ومن خلال استقرائنا للأدلة التي يمكن اعتمادها في هذا الباب، فقد رأينا أنه يمكن تقسميها إلى أربعة أقسام:

أولها ـ براهين الفطرة: ونقصد بها تلك الأدلة النابعة من عالم النفس، والذي دل عليه الواقع، ولجميع البشر، وفي جميع فترات التاريخ.

ثانيها ـ براهين الدين: ونقصد بها تلك الأدلة التي اتفقت عليها الأديان، وخصوصا الإسلام باعتباره الدين المهيمن عليها، والشارح لحقائقها.

ثالثها ـ براهين العقل: ونقصد بها تلك الأدلة التي نص عليها الفلاسفة والمتكلمون، ودلت عليها العقول السليمة التي لم تدنس بدنس الإلحاد.

رابعا ـ براهين العلم: ونقصد بها تلك الأدلة التي دل العلم المتواضع من خلالها على أن الحياة أكبر من أن تختصر فيما نعرفه منها.

أولا ـ الموت.. وبراهين الفطرة:

ويشير إلى هذا النوع من الأدلة قوله تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} (الذاريات:21)، وقوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (فصلت:53)

وهو من البراهين التي استدل بها الفلاسفة وغيرهم، ويمكن لأي شخص أن يكتشفها في نفسه، فالله تعالى أودع فينا من المعارف ما نتفق عليه جميعا.

ومن أكبر الأدلة عليها أننا نجد الشيخ الكبير، والذي قد هرم جسده، وانحل أكثر خلاياه لا يزال يملك في نفسه ومشاعره كل همم الشباب ورغباتهم.. بل إننا قد نجده يخطط ويدخر لسنوات كثيرة لا يطمع لأن يعيش لها.. ولو أن نفسه كانت تابعة لجسده، لما فكر مثل هذا التفكير، ولا هم بمثل هذه الهمم.

وهكذا نرى في النفس الإنسانية تطلعا للخلود وشوقا إليه.. ولذلك يستعمل الإنسان كل الوسائل للفرار من الموت، ومن أسبابه.. وهذه الرغبة لا يمكن أن تكون ناشئة عن فراغ.. ذلك أن لكل رغبة من الرغبات الموجودة في النفس ما يغطيها، ويلبي حاجتها.

فالعطش والرغبة في الماء.. دلتنا على وجود الماء.. والرغبة في الطعام دلتنا على وجود كل الأطعمة التي نشتهيها، وبحسب الأذواق التي ركبت في طباعنا..

وهكذا نجد كل الرغبات لها ما يلبيها في الواقع، وبأنواع كثيرة جدا.. تفوق حد الضرورة والحاجة..

ومثل هذا الرغبة في الخلود والسعادة الأبدية.. فهي موجودة فينا، ويكذب على نفسه من يزعم عدم إحساسه بها.. ولذلك كانت هذه الرغبة دليلا على وجود ما يمثلها في الواقع.. مثلما نستدل بوجود الماء والطعام وكل ما نشعر بحاجتنا إليه.

بل إن الشعور بالرغبة في الخلود أعظم من كل الرغبات.. ولذلك لم يؤسس الطب ولا كل العلوم المرتبطة به إلا للسعي لتحقيق بعض متطلبات تلك الرغبة.

وقد أشار إلى هذا المعنى بديع الزمان النورسي بقوله: (يرى العلماء المحققون أن أفكار البشر وتصوراتِه الإنسانيةَ التي لا تتناهى المتولّدةَ من آماله غير المتناهية، الحاصلةَ من ميوله التي لا تُحد، الناشئةَ من قابلياته غير المحصورة، المندمجةَ في استعداداته الفطرية غير المحدودة، المندرجةَ في جوهر روحه، كلُّ منها تمدّ أصابعَها فتشير وتحدُق ببصرِها فتتوجّه إلى عالم السعادة الأبدية وراء عالم الشهادة هذا. فالفطرةُ التي لا تكذب أبدا والتي فيها ما فيها من ميلٍ شديد قطعي لا يتزحزحُ إلى السعادة الأخروية الخالدة تعطي للوجدان حدسا قطعيا على تحقق الحياةِ الأخرى والسعادة الأبدية)([2])

ويقول: (نعم، إنّ دارَ الدنيا القصيرة هذه لا تكفي ـ كما أنها ليست ظرفا ـ لإظهار ما لا يحدّ من الاستعدادات المندمجة في روح الإنسان وإثمارِها، فلابدّ أن يُرسَل هذا الإنسان إلى عالم آخر.. نعم، إنّ جوهر الإنسان عظيم، لذا فهو رمز للأبدية ومرشّح لها. وإنّ ماهيتَه عالية وراقية؛ لذا أصبحت جنايتُه عظيمة؛ فلا يشبه الكائنات الأخرى، وإن نظامَه دقيق ورائع، فلن تكونَ نهايتُه دون نظام، ولن يُهمَل ويذهب عبثا، ولن يُحكم عليه بالفناء المطلق ويهرب إلى العدم. وإنما تفتح جهنمُ أفواهَها فاغرةً.. تنتظره.. والجنة تبسط ذراعيها لاحتضانه..)([3])

وهذا الدليل يشبه كثيرا الدليل الأنطولوجي لأنسلم وديكارت، ودليل الصديقين للفارابي وابن سينا والملا صدرا.. فكل هذه الأدلة تعتمد على تلك الحقائق التي ركزت في نفس الإنسان، فأصبحت من البديهيات التي لا يحتاج إلى الاستدلال لها.

وكمثال على ذلك فإن الدليل الذي ينص على أن (الموجود الذي لا يمكن تصور شيء أعظم منه لا يمكن أن يوجد في العقل وحده، وبالفعل، حتى إذا كان موجودا في العقل وحده، فمن الممكن أن نتصور موجودا مثله له وجود في الواقع أيضا، وهو بالتالي أعظم منه، وعليه، إذا كان موجودا في العقل وحده، فإن الموجود الذي لا يمكن تصور شيء أعظم منه سيكون من طبيعة تستلزم أن يكون بالإمكان تصور شيء أعظم منه) ([4])

والذي ينسب إلى أنسلم يمكن تطبيقه هنا، فالإنسان يشعر بأن هذه الحياة لا تكفي لتلبية رغباته الكثيرة، ولا تفي برد حقوقه المستلبة، ولذلك يتطلع إلى حياة أخرى، يجد في نفسه شوقا كبيرا إليها.

وهذه ليست عقدة نفسية كما يتوهم الذين يجعلون من الحياة بعد الموت نوعا من التفكير الرغبوي، ذلك أن هذه الرغبة متفق عليها بين البشر جميعا، وفي جميع العصور، وهي تدل على أن لها واقعا لم نكتشفه لأننا لم نرحل بعد إلى ذلك العالم.

ولو كانت تفكيرا رغبويا لانحصرت في أشخاص دون أشخاص، أو طائفة دون طائفة، مثلما نرى الكثير من النزغات الشاذة، أو العقد النفسية التي يحاول المرضى أن يحولوا منها حقائق واقعية، ولو كانت كذلك لاشترك البشر جميعا في الانفعال لها، مثلما يشتركون في عطشهم وجوعهم وأشواقهم المختلفة.

بناء على هذا سنذكر هنا نماذج مختلفة تدل على مدى فطرية هذا الاعتقاد، وشموله لكل الناس قديما وحديثا، ومن يوصفون بالخرافة، أو من يوصفون بكونهم من أهل العلم.

1. الموت.. وتصورات الحضارات القديمة:

من الملاحظات الجديرة بالاهتمام أننا نرى كل الحضارات تعتقد الحياة بعد الموت، وبوجود الروح، وإن كانت تختلف في تصوير ذلك، بناء على الخرافات التي صورها لها الخيال أو رجال الدين، وأكبر دليل على ذلك تلك الطقوس التي تقام للموتى، ولم تكن لتقام لو كان الموت انفصالا نهائيا عن الحياة، وبكل معانيها.

ومن الأمثلة على ذلك الحضارة المصرية القديمة، والتي كانت تقوم على الكثير من المعتقدات، وكان من أهمها تلك المعتقدات المرتبطة بالحياة بعد الموت، يقول بعض الباحثين في ذلك: (إيمان المصريين بولادة جديدة بعد الموت أصبحت القوة الدافعة وراء ممارسات جنازة خاصة بهم. وكأن الموت مجرد انقطاع مؤقت، بدلاً من التوقف الكامل عن الحياة، وأنه يمكن ضمان الحياة الأبدية عن طريق وسائل مثل التقوى للآلهة، والحفاظ على الشكل المادي من خلال التحنيط، وتوفير التماثيل والمعدات الجنائزية الأخرى)([5])

وينقل عن باحث آخر قوله: (وقد تأثر موقف المصريين القدماء من الموت بإيمانهم بالخلود، واعتبروا الموت بمثابة انقطاع مؤقت، بدلاً من توقف الحياة. ولضمان استمرارية الحياة بعد الموت، ألقى الناس تحية للآلهة، سواء أثناء حياتهم أو بعدها على الأرض. عندما ماتوا، كانوا محنطين، حتى الروح سوف تعود إلى الجسم، مما يعطيها التنفس والحياة، وقد وضعت المعدات المنزلية والطعام والشراب على تقديم طاولات خارج غرفة الدفن لتوفير احتياجات الشخص في العالم بعد الدفن. كما تم تضمين النصوص الجنائزية المكتوبة التي تتكون من نوبات أو صلاة لمساعدة الموتى في طريقهم إلى عالم ما بعد الحرب)([6])

ويذكر الباحثون أن المصريين في حضارتهم القديمة كانوا يؤمنون بالبعث، وأن معتقداتهم تذكر أنه يمكن للإنسان أن يحافظ على حياته بعد الموت إذا حافظ على كينونته، وهي تتركب عندهم من 4 أجزاء: الاسم (رين)، الروح (با)، الظل (شيوت) والنفس (كا).

وجميع هذه الأجزاء ـ كما يرى المصريون القدامى ـ (تولد مع الإنسان، فالاسم والروح والظل والنفس ترافقه مدى الحياة وما بعد الحياة كجزء من كيانه، وعند الموت تبقى هذه المركبات ملازمة للميت، وتبقى الـ [با]؛ أي الروح، حية حتى بعد موت الجسد. وقد صوّرها المصريون في رسوماتهم على هيئة جسد طائر برأس بشري، وهي تطير منتقلة ما بين العالم المادي والعالم الأخروي، تتماهى مع حركة الشمس، تحلق في بزوغها ثم تعود إلى القبر والعالم السفلي عند الغروب. وقد آمن المصريون بأن الـ [با] لا يمكنها العودة إلى القبر ما لم تتعرف على جسد الميت، ومن ثم، لا يمكن للمرء أن يعود إلى الحياة إذا فني جسد الميت ولم تتعرف الروح إليه. ولهذا حرص المصريون على المحافظة على الجسد، فمارسوا مهمة التحنيط التي تخدم المرء في عودة روحه إلى جسده بعد الموت؛ فبدون جسد لا يوجد اسم ولا ظل ولا نفس، وهي أمور يحتاجها الميت للمثول أمام محكمة الآلهة للمحاسبة على أفعاله، ومن ثم يُبعث من جديد في الحياة الأخرى)([7])

وهم يربطون هذه المعتقدات التي تختلط فيها الحقيقة بالخرافة بالكثير من السلوكات التي يمتزج فيها العقل مع الشعوذة، وقد وصلنا ما يسمى بكتاب الموتى الفرعوني، والذي يعرف ببردية [حونفر]، وهو يتكون من مجموعة مفصلة من التعاويذ والتمائم السحرية التي كانت تنقش على جدران المقابر أو على التوابيت، وذلك إبان عصر الدولة القديمة (ما بين 2780 ق.م و2263 ق.م)، لتتحول إلى بردية مكتوبة خلال عصر الدولة الوسطى والحديثة (ما بين 2134 ق.م و1069 ق.م)، حيث تكتب نصوص التعاويذ وتوضع البردية في التابوت إلى جانب المومياء.

وقد استغل الكهنة هذه المعتقدات في طلب الأموال الكثيرة لكتابة تلك التعويذات والتمائم التي تنجي صاحبها بعد الموت.. يقول بعض الباحثين: (ولم يكن هذا الأمر متوفراً لكل المصريين، ﻷنه مكلف جداً. لذلك، اختصت به طبقة معينة من النبلاء والموظفين وخدام الآلهة في المعبد. تلك التعاويذ والتمائم التي يحملها الكتاب هي تعليمات إرشادية تمكّن الميت من تخطي العقبات والمخاطر التي ستصادف روحه في أثناء رحلته إلى الحياة الأخرى، وتدله أيضاً على الوسائل التي يتعين عليه أن يستخدمها، ليتمم هذه الرحلة بنجاح من دون أن يتعرض لأي سوء)([8])

 وتحفظ لنا الكتب المصرية القديمة الكثير من الأدعية والتعويذات الدالة على اعتقادهم بالقوانين التي تحكم عالم ما بعد الموت، ومنها أنهم كانوا يرددون: (لم أقم بشر ضد الناس، لم أطغَ على الضعفاء، لم أقم بأي شيء باطل، لم أترك أي إنسان جائع، لم أرغم أيّ إنسان أن يشتغل أكثر من ما هو قادر عليه، لم أترك أيّاً كان يبكي ويتألم من شيء قمت به، أنا نظيف أنا نظيف أنا نظيف)([9])

ونفس الشيء نجده في الحضارة السومرية، وقد قال بعض الباحثين في ذلك: (إن مصادر معتقدات بلاد ما بين النهرين في الآخرة تأتي من فترات متميزة في تاريخ بلاد ما بين النهرين، وتشمل الثقافات السومرية والأكادية والبابلية والآشورية. لذلك، يجب أن نكون حريصين على عدم اعتبار معتقدات ما بعد النهر في بلاد ما بين النهرين ثابتة أو موحدة. ومثل كل النظم الثقافية، تحولت أفكار بلاد ما بين النهرين من الحياة الآخرة على مر الزمن. كما تباينت المعتقدات والممارسات المتعلقة بالحياة الآخرة مع الوضع الاجتماعي والاقتصادي وتختلف في النماذج الدينية الرسمية والشعبية. ومع هذا، فإن الاستمرارية الثقافية بين الحضارة السومرية وخلفائها تسمح بتوليف مصادر متنوعة من أجل توفير مقدمة عمل لمفاهيم بلاد ما بين النهرين في الحياة الآخرة)([10])

ومن الأساطير التي كانت تنتشر إبان الحضارة السومرية، والمرتبطة بالحياة بعد الموت تلك الأسطورة التي تذكر أن (الإله الراعي دوموزي (تموز في الصيغة البابلية) كان قد تجنب الوقوع في شباك الإلهة عشتار، فسلمته عقاباً له لناظر العالم السفلي. وبعد حين شعرت عشتار بالندم على فعلتها، فقررت إنقاذه من الموت. عقدت عشتار صفقة مع آلهة العالم السفلي لإعادة دوموزي، على أن يحل أحد مكانه لبضعة أشهر يعود فيها إلى الحياة، ثم بعد فترة ينزل للعالم السفلي من جديد. تطوعت كوشتينانا (أخت دوموزي) لفدائه، حيث تحل محله في العالم السفلي لستة أشهر من كل عام، ويتمتع هو بحريته في هذه المدة على سطح الأرض. ويتم ذلك عن طريق طائر الفنيق أو العنقاء، كرمز لعودته للحياة)([11])

وبناء على هذه الأسطورة أصبح طائر النار المسمى بطائر الفنيق رمزاً للبعث والعودة للحياة، وبعدها أصبح الكنعانيون يحتفلون كل عام في بداية الربيع بعيد عودة دوموزي (تموز) للحياة، حيث تتزامن عودته مع مواعيد الزراعة عندهم، فأصبح عيد عودته رمزاً لانبعاث الزرع وعودة العشب الأخضر إلى الحياة من بعد الموت، رمزاً للخصوبة والتناسل والتجدد، واستعملوا البيض كرمز لقيامة تمّوز، حيث يخرج الكتكوت (الصوص) من البيضة، بمثل ما يخرج الزرع من الأرض وتخرج الحياة من القبر([12]).

وهذه الأسطورة في حقيقتها تشير إلى ما تدل عليه الكثير من المظاهر الطبيعية على وجود الحياة بعد الموت، كما قال تعالى: { فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ الله كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [الروم: 50]

وهكذا نجد كل الديانات السماوية تتبنى نفس الموقف من الموت، وأنه ليس النهاية، بل هو البداية لحياة جديدة، لها قوانينها الخاصة، كما ورد في الإنجيل: (من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه وبه ننال الحياة الأبدية) (يو6: 56).

وهكذا نجد الدروز والديانات الهندية ومنها البوذية والهندوسية، تؤمن بالتناسخ، أي عودة الروح بعد الموت في خلق جديد. (إذ يرى الدروز على سبيل المثال أن روح الإنسان الميت تنتقل بعد وفاته إلى جسد طفل حديث الولادة، وتستمر بالتناسخ من خَلق لآخر حتى تحين القيامة فتجتمع الأرواح وتصعد للمحاسبة)([13])

2. الموت.. وتصورات الحضارة الحديثة:

على الرغم من فشو الإلحاد والمادية عند أكثر الفلاسفة والمفكرين الذين يدعون تمثيل الحضارة الحديثة، نتيجة موقفهم السلبي من رجال الدين الذي أساءوا استخدام الدين والتعبير عنه، إلا أننا مع ذلك نجد رغبة كبيرة عندهم في تحقق ما يقوله المؤمنون من الحياة بعد الموت.

وقد عبر عن تلك الرغبة الفطرية البروفيسور (كنجهام) في كتابه [Plato’s Apalogy]: فقال: (إن عقيدة الحياة بعد الموت (لا أدرية مفرحة)([14])

وقد علق على هذه العبارة وحيد الدين خان بقوله: (من الممكن اعتبار هذا القول خلاصة أفكار فلاسفتنا الملحدين المعاصرين؛ فهم يرون أن عقيدة الآخرة اخترعتها عقلية الانسان الباحثة عن عالم حر، مستقل عن حدود هذا العالم، ومشكلاته، مليء بالأفراح. وانما يدفعه إلى الايمان بهذه العقيدة أمله في الحصول على حياته المفضلة، التي لاجهد فيها ولاكدح.. وأن هذه العقيدة تنتهي بالانسان إلى عالم مثالي وخيالي، حيث يحلم بأنه سوف يظفر به بعد الموت. ولكن الحقيقة ـ كما يراها الفلاسفة ـ أن لاوجود لشيء كهذا العالم الثاني في الأمر الاقع!)([15])

ثم أضاف ردا عليهم: (وفي رأيي: أن هذا المطلب الانساني ـ في حد ذاته ـ (دليل نفسي) قوي على وجود عالم آخر، كالظمأ، فهو يدل على الماء، وعلى علاقة خاصة باطنة بين الماء وبين الانسان. وهكذا فان تطلع الانسان ـ نفسيا ـ إلى عالم آخر دليل في ذاته على أن شيئا مثل ذلك موجود في الحقيقة، أو أنه ـ على الاقل ـ خليق أن يوجد. وهذا المطلب النفسي يؤكد علاقة مصيرنا بهذه الحقيقة، ويدلنا التاريخ على وجود هذه الغريزة الانسانية منذ أقدم العصور على مستوى انساني، وهو أمر لاأستطيع فهمه: كيف يمكن أن يؤثر أمر باطل على البشر في هذا الشكل الأبدي، وعلى مستوى انساني؟ وهذا الواقع نفسه يدلنا على قرينة قوية بامكان وجود العالم الآخر. وانكار هذه الحاجة النفسية، بدون أدلة، يعتبر جهلا وتعصبا)([16])

وبين مدى التناقض الذي يقع فيه المنكرون لهذه الحقيقة الفطرية التي يجدونها في أنفسهم، بل لا يملكون الفرار منها، فقال: (إن الذين ينكرون حاجة نفسية عظيمة مثل هذه زاعمين أنها باطلة، هم من أعجز الناس حقا عن تفهم أي (واقع) على سطح الأرض بعد هذا.. ولو كانوا يزعمون الفهم في الواقع فلاأدري بأي دليل؟.. وعن أي برهان؟.. ولو كانت هذه الأفكار نتاج المجتمع، كما يزعمون، فكيف لاتزال تطابق التفكير الانساني، بهذه الصورة المدهشة، من اقدم العصور؟ هل تجدون مثالا لأية أفكار إنسانية أخرى ظلت باقية إلى العصر الحاضر، وبهذا التسلسل الرائع منذ ألوف السنين؟ هل يستطيع أذكى اذكيائهم أن يخترع فكرا واهيا، ثم يدخله إلى النفس الانسانية، وكأنه موجود بها منذ الأزل؟)([17])

وينقل وحيد الدين خان لإثبات هذا الدليل الكثير من النقول من العلماء الغربيين، منها قول الأستاذ [وينوود ريد]: (إنه لأمر هام يدعونا إلى التفكير فيما اذا كانت لنا علاقة شخصية مع الاله؟ هل هناك عالم غير عالمنا هذا؟ وهل سوف نلقى جزاء أعمالنا في ذلك العالم؟ ان هذا السؤال ليس بعقدة فلسفية عظيمة فحسب، وانما هو في نفس الوقت أعظم أسئلتنا العملية أيضا. انه سؤال تتعلق به مصالحنا الكثيرة؛ فحياتنا الراهنة قصيرة جدا، أفراحها عادية موقوتة، آذ اننا عندما نظفر بما نحلم به، يفاجئنا الموت، ولو استطعنا الاهتداء إلى طريق خاصة تجعل أفراحنا دائمة وأبدية، فلن يرفض العمل به أحد غير البله والمجانين منا) ([18])

ثم ذكر كيف أن هذا العالم راح يعرض عن هذا الدليل النفسي مع قوته بناء على غلبة التفكير المادي، حيث أن ذلك الكاتب نفسه استطرد، فأنكر ذلك المطلب النفسي الكبير من أجل أمور لاوزن لها ولاقيمة؛ حيث قال تعقيبا على كلامه السابق: (إن هذه العقيدة كانت معقولة جدا حين كنا لا نبحث جوانبها بعمق وجد.. ولكن بعد هذا البحث اتضح لنا أنها أمر سخيف، ويمكن إثبات سخافته بسهولة، فالفلاح المحروم العقل الجاهل لايتحمل مسؤولية خطاياه، وسيدخل الجنة، ولكن العباقرة مثل (جوته)، و(روسو)، سوف يحترقون في نار الجحيم؛ فلأن يخلق الانسان محروم العقل خير له من أن يكون من أمثال جوته وروسو!! ان هذا الكلام تافه وسخيف) ([19])

 وهذا الكلام اللامنطقي يشبه كثيرا ما ذكره القرآن الكريم عن الوليد بن المغيرة، ذلك الذي تبين له الحق، لكنه راح يتملص منه بأعذار واهية لا قيمة لها، وقد قال في شأنه: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25)} [المدثر: 11-25]

وهو يشبه أيضا ـ كما يذكر وحيد الدين خان ـ موقف [اللورد كلوين] تجاه التحقيق العلمي الذي قام به (ماكسويول)؛ فقد زعم اللورد أنه لايستطيع أن يفهم نظرية ما إلا بعد وضع نموذجها الميكانيكي، وبناء على هذا الفرض أنكر نظرية ماكسويل عن البرق والمغناطيس، لأنها لم تحل في إحدى نماذج اللورد المادية.

وقد ذكر وحيد الدين خان موقف العالم الكبير (سوليفان) من هذا وقوله: (كيف يروق لأحد أن يدعي أن الطبيعة لابد أن تكون كما يضعها مهندس القرن التاسع عشر في معمله؟)، وعقب عليه قائلا: (وسوف أوجه هذا الكلام إلى الأستاذ (وينوود): (كيف يجوز لفيلسوف القرن العشرين أن يرى: أن يكون الكون الخارجي، في حقيقة الأمر مطابقا لما يزعمه هو؟)([20])

ثم أضاف يقول: (إن كاتبنا لم يستطع أن يفهم أمرا في غاية البساطة: هو أن الحقيقة لاتحتاج إلى الواقع الخارجي، وانما الواقع الخارجي هو الذي يكون في حاجة إلى (الحقيقة).. فالحقيقة أن لهذا الكون الها، وسوف نمثل أمامه يوم الحساب. فلابد لكل منا ـ سواء أكان روسو أم كان مواطنا عاديا ـ أن يكون وفيا ومطيعا لالهه؛ فنجاتنا لن يحققها جحودنا، بل هي تكمن في ايماننا وطاعتنا.. والغريب أن كاتبنا لم يرق له أن يطالب (جوته) و(روسو) أن يسلكا مسلك الحق، وانما طالب الحق بالتغير! ولما لم يطع الحق راح ينكره!! وهذا أشبه بمن ينكر قانون حفظ الأسرار العكسرية، الذي يكرم أحيانا جنديا بسيطا، ويعدم عالما ممتازا، مثل (روزنبيرج وعقيلته الحسناء) بالكرسي الكهربائي!!) ([21])

ثانيا ـ الموت.. وبراهين الدين:

يتصور الكثير من الملاحدة أو منكري المعاد بأن البراهين الدينية لا علاقة لها بالبراهين العقلية أو العلمية أو الفطرية.. وهذا غير صحيح من وجوه كثيرة جدا، لعل أولها وأهما قيام البناء الديني على ضرورة وجود إله، وهي ضرورة تدل عليها أدلة عقلية كثيرة، لم يذكرها رجال الدين فقط، وإنما ذكرها كبار العقلاء في العالم، سواء كانوا في المجال الفلسفي، أو المجال العلمي.

وإثبات وجود إله، وبتلك الصفات التي يدل عليها العقل، وتدل عليها المظاهر الكونية التي نراها كافية لإثبات المعاد، ومن جهات عقلية عديدة.

وهكذا فإن إثبات رسالات الأنبياء عليهم السلام قائمة أيضا على أدلة عقلية كثيرة، ولذلك فإن قبولهم يستدعي قبول كل ما جاءوا به، ومن أهم ما جاءوا به، واتفقوا عليه، إثبات الحياة بعد الموت، والكثير مما يرتبط بتلك الحياة.

لقد ذكر القرآن الكريم ذلك، واعتبر هذه المسألة من أهم المسائل بعد الإيمان بالله تعالى، ولهذا يقترن دائما الإيمان بالله بالإيمان باليوم الآخر، باعتبارهما الشطران الكبيران للعقيدة التي جاء بها جميع الأنبياء.

ولهذا كان من أول وظائف الرسل عليهم السلام التبشير والإنذار، وهما وظيفتان مرتبطتان بمصير الإنسان بعد موته، قال تعالى مخبرا عن خطاب خزنة جهنم لأهلها: { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [الزمر: 71]

وهكذا أخبر القرآن الكريم أن كل الأنبياء كانوا يعلمون بالمعاد، ويخبرون أقوامهم به، وفي ذلك رد بليغ على من يتوهمون تطور العقائد، فقد حدثنا الله تعالى عن أب البشرية آدم عليه السلام، وقوله له: { قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} [الأعراف: 24]، وأخبر أن إبليس كان يعلم أن هناك معادا للخلائق، فقال: { رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} [الحجر: 36 – 38]

وأخبر عن نوح عليه السلام، وأنه قال لقومه أثناء تبليغ رسالة الله لهم: { وَالله أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا} [نوح: 17 – 18]

وأخبر عن إبراهيم عليه السلام ـ وهو النبي الذي تتفق على تبجيله جميع الديانات السماوية ـ قوله: { وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 82]، وقوله: { رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 41]

بل إن القرآن الكريم قص علينا قصة سؤال إبراهيم عن كيفية إحياء الله للموتى، فقال: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260]

وهكذا نجد القرآن الكريم يخبرنا عن موسى عليه السلام، وأن الله خاطبه في المناجاة بقوله: { إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} [طه: 15 – 16]، وقد كانت هذه المناجاة أول وحي تلقاه موسى عليه السلام، وهي دليل على أهمية المسألة، وانبناء الدين عليها.

وأخبرنا عنه قوله في دعائه: { وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: {156]

ويذكر تلك المعجزة التي حصلت في عهده، والتي كان من أغراضها إثبات إحياء الله للموتى، كما قال تعالى في قصة البقرة: { فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: {73]

وهكذا أخبرنا عن مؤمن آل فرعون الذي كان في عهد موسى عليه السلام، وأنه قال لقومه: { وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [غافر: 32 – 33]، وقال: { يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر: 39]

أما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والرسالة الخاتمة، فإنها أكبر المصادر المفصلة لأسرار ما بعد الموت، والبراهين الدالة عليها، وهي براهين ممتلئة بالعقلانية والفطرية والعلمية، وكلها ترجع إلى صفات الله تعالى خالق الكون.. والتي يدل عليها العقل والواقع، ذلك أن صفة الطبيب تقتضي علاج المرضى، وصفة الرحيم تقتضي تحقق الرحمة، وصفة الكريم تقتضي تنزل الكرم.. وصفة العدالة تقتضي تحقق العدل.

وهكذا، كانت كل صفات الله تعالى التي دل عليها العقل والدين والواقع أكبر الأدلة على عدم انحصار الحياة في هذا العالم الذي نعيشه.

بناء على هذا سنذكر هنا نماذج عن ذلك، من خلال خمس صفات كبرى، هي: القدرة، والحكمة، والربوبية، والعناية، والعدالة.

1 ـ الموت وبرهان القدرة:

لعل أول الشبهات التي تعترض المنكرين للحياة بعد الموت توهمهم استحالة ذلك، وهو توهم ناتج عن قياس الخالق بالمخلوق، مع أن هؤلاء المنكرين أنفسهم وفي حياتهم العادية يرفضون القيام بأمثال هذه القياسات.

ذلك أن الاستحالة عادة لا ترتبط بالقضية بقدر ما ترتبط بمن وكلت إليه.. فلو أن المريض وكل علاجه لعامي وجاهل بالطب، لكان تحقيق ذلك مستحيلا، بخلاف ما لو وكل أمره لطبيب خبير.. فإن الاستحالة ترفع، والسبب بسيط، وهو أن الذي تولى ذلك خبير، له القدرة على ذلك.

وهكذا إذا طلب منك حل معادلة رياضية، فذكرت استحالة حلها، أو صعوبته، ذُكر لك أن الاستحالة مرتبطة بعقلك، لا بعقول الرياضيين.. ذلك أنهم يمكنهم حلها بسهولة.

وهكذا في كل المسائل، تجدهم يفرقون بين القدرات المختلفة، ويربطون الاستحالة بالطاقة والقدرة، كما ذكر الله تعالى ذلك، فقال: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ الله لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7]

ولهذا نجد القرآن الكريم ينبه هؤلاء الذين يقيسون قدراتهم بقدرة الله إلى النظر في الكون، لاكتشاف مدى ضعفهم وجهلهم وعجزهم أمام قوة الله وعلمه وقدرته المطلقة.

وهذا دليل عدم علمية هذا النوع من التفكير، ذلك أن العالم الذي يرى هذا الكون، ودقته ونظامه، ويرى جسم الإنسان، وما أودع فيه من الطاقات، لا يحيل على الصانع البديع الذي صمم هذا الكون والإنسان بأن يعيده، أو يحييه.

ولذلك رد القرآن الكريم على منكري البعث لتوهمهم استحالته، بإثبات قدرة الله المطلقة التي يدل عليها الواقع، قال تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83) } [يس: 78 – 83]

وهكذا يدعو الله العقول المتحجرة التي تحصر معارفها فيما تراه، وفي قدراتها المحدودة، وتتوهم أن قدرة الله مثل قدرتها، بأن تنظر في الكون لترى أن قدرة الله التي صممته ذلك التصميم البديع يستحيل أن يمتنع ذلك عليها، وهذا خطاب ممتلئ بالعلمية والعقلانية.

وهكذا يخاطب القرآن الكريم المنكرين للمعاد، بأن ينظروا في السموات والأرض، ليستدلوا بالقدرة على النشأة الثانية بالقدرة على النشأة الأولى، قال تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} (يّس:81)، فكل شيء يسير على الله، والكون كله يدل على ذلك اليسر، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ الله الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ } [العنكبوت: 19]

ويخاطب الله تعالى الذين قالوا ـ مغترين بما لديهم من المعارف ـ: {أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} (الاسراء: 49)، بأمرهم بأن يتحولوا إلى أي شيء شاءوا مما يتعتقدون قوته: {قُل كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} (الاسراء: 50 – 51)، فإذا بقيت حيرتهم حينها ويقولون: {مَن يُعِيدُنَا}، فإن الجواب القرآني يكتفي بتذكيرهم بالنظر إلى مبدأ خلقهم، قال تعالى: {قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}

ثم يذكر القرآن الكريم ابتعاد أولئك الجاحدين عن المنهج العلمي، عندما يفرون من أصل القضية إلى فروعها، وذلك بالسؤال عن موعد ما لا يؤمنون به، وكأن عدم تحديد الموعد هو الدليل على ما ينكرونه، قال تعالى: {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً} (الاسراء:51)

2 ـ الموت وبرهان الحكمة:

وهو من البراهين الواضحة جدا، ذلك أن العقل يحكم بأن تصرفات العليم الخبير لا تكون إلا بناء على حكمة جليلة قد نعلمها، وقد لا نعلمها، وعدم علمنا بها لا يعني عدم وجودها، فلذلك إن أخبرنا عنها بنفسه، أو أرسل من يخبر عنها، كان في ذلك موافقة لما تقتضيه العقول.

وقد أرسل الله لنا من يدلنا على حكمته من خلقه، ويبين لنا الأهداف الكبرى لكل ما نراه في الكون والحياة، وأنه لم يخلق عبثا، بل لكل شيء غاية من ورائه، قال تعالى: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]، ثم عقب بعدها ببيان استحالة العبث على الله، فقال: {فَتَعَالَى الله الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 116]

وهكذا اعتبر القرآن الكريمة خلو الكون من الغاية نوعا من الباطل الذي يتنزه عنه الحق، وكيف لا يتنزه عنه، وخلقه مع ضعفهم وقصورهم ينزهون تصرفاتهم من أن تكون للعبث المجرد، قال تعالى:{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص: 27]

ولذلك لم يكن للحق أن يتحقق لولا وجود حياة أخرى تكمل هذه الحياة، وتسد القصور والنقص الموجود فيها، قال تعالى:{ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } [الحجر: 85]

وفي دعوة الله تعالى إلى الصفح، وربطه بالقيامة دليل على أن العدالة المطلقة ستكون هناك، ليُقتص من الظالمين، ويأخذ أصحاب الحقوق حقوقهم، وهو ما لا نجده في الدنيا إلا قليلا.. ولذلك كان من مقتضيات الحكمة والعدالة أن تؤدى الحقوق لأهلها، سواء في هذه الدار أو في غيرها.

والعلماء يعترفون بانبناء الكون على الحكمة، ولهذا نشأت كل العلوم، فهي تفترض دائما ومبدئيا أن لكل موجود غاية، وأنه ليس هناك شيء بلا فائدة، أو بلا دور، حتى تلك الفكرة التي ذكرها البيولوجيون أواخر القرن التاسع عشر، ليؤيدوا نظرية التطور، والتي تنص على أن (الأعضاء الضامرة أو الآثارية) لا وظيفة لها، لأنها من بقايا التطور، راح العلم بعد تطوره يفند أطروحاتهم، ويبين أن لها وظائف لم يتفطن لها أهل القرن التاسع عشر، وكان الأصل ـ لو تواضعوا، ولم يدخلوا الأيديولوجيا في العلم ـ أن يسلموا بعدم خلوها من الحكمة، ولو لم يكتشفوا سرها.

ومن الأمثلة على ذلك الموقف من [الغدة الصنوبرية]([22])، فقد ذهب الكثير من العلماء في القرن التاسع عشر إلى كونها عضوا أثريا، ليست له أي وظيفة، وبرروا ذلك بصغر حجمها، وهذا ما جعلهم لا يهتمون بالبحث فيها.

بينما رأى آخرون استحالة خلوها من الوظيفة، بناء على ما يرونه في جسم الإنسان، وأنه لا يوجد فيه شيء من دون أن تكون له حكمة، وغياب معرفتنا بالحكمة لا يعني عدم وجودها، فلذلك راحوا يفترضون فرضيات كثيرة، ويطبقون عليها المنهج العلمي إلى أن وصلوا إلى التعرف على دورها.

وهكذا كان التطور العلمي سببا في اكتشاف الحكمة المجهولة من هذا العضو البسيط، وهو يدل على أن العقل الذي يلجأ إلى نفي الحكمة، ويدعو بذلك إلى التخلي عن البحث عنها عقل كسول، بخلاف العقل الذي يبحث عن الحكمة المختفية وراء ما يراه من مظاهر.

ولهذا كان الذي يسأل عن سر الكون، والحكمة منه، ويبحث جادا عن ذلك، وعبر المناهج المختلفة أكثر علمية من ذلك العقل الكسول الذي يرى خلو أبسط أجزاء الكون من العبث في نفس الوقت الذي يتوهم فيه أن الكون بجملته خلق عبثا، ولا جدوى منه، ولا حكمة من ورائه.

ومثل ذلك مثل من يدخل قصرا يرى فيه الجمال والإتقان، وأن كل شيء فيه مصمم وفق تصميم بديع، ولغايات نبيلة.. لكنه وبعد التعرف على أسرار كل تفاصيله وغرفه، يذكر أن القصر جميعا بني لغير حكمة، وأنه مجرد عبث.. وهذا مستحيل فالحكمة في التفاصيل والجزئيات والفروع تدل على الحكمة في الأهداف والغايات والكليات.

وقد ذكر القرآن الكريم بعض المظاهر التي نستطيع من خلالها أن نكتشف أن الحياة أعظم من أن تنحصر بالصورة التي نراها، فقال: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } [الروم: 19]

وقد علق عليها بديع الزمان النورسي في [رسالة الحشر] مبينا وجوه الاستدلال بها على هذا المعنى، فقال: (ما دامت (الحياة) هي حكمة خلق الكائنات، وأهم نتيجتها وجوهرها، فلا تنحصر تلك الحقيقة السامية في هذه الحياة الدنيا الفانية القصيرة الناقصة المؤلمة، بل إن الخواص التسع والعشرين للحياة وعظمة ماهيتها، وما يُفهم من غاية شجرتِها ونتيجتها.. ما هي إلّا الحياة الأبدية، والحياة الآخرة والحياة الحية بحَجَرها وترابِها وشجرها في دار السعادة الخالدة. وإلّا يلزم أن تظل شجرة الحياة المجهَّزة بهذه الأجهزة الغزيرة المتنوعة في ذوي الشعور ـ ولا سيما الإنسان ـ دون ثمر ولا فائدة ولا حقيقة، ولظل الإنسانُ تعسا وشقيا وذليلا وأحط من العصفور بعشرين درجة، بالنسبة لسعادة الحياة، مع أنه أسمى مخلوق وأكرم ذوي الحياة وأرفع من العصفور بعشرين درجة. بل العقلُ الذي هو أثمن نعمة يصبح بلاءً ومصيبة على الإنسان بتفكره في أحزان الزمان الغابر ومخاوف المستقبل، فيعذِّب قلبَه دائما معكّرا صفو لذة واحدة بتسعة آلام!. ولاشك أن هذا باطل مائة في المائة) ([23])

ثم راح يتساءل قائلا: (يا تُرى هل يمكن لربّ قدير، يهيئ ما يلزم حياتك من الحاجات المتعلقة بها جميعا ويوفر لك أجهزتَها كلها سواء في جسمك أو في حديقتك أو في بلدك، ويرسلُه في وقته المناسب بحكمة وعناية ورحمة، حتى إنه يعلم رغبةَ معدتك فيما يكفل لك العيش والبقاء، ويسمع ما تَهتف به من الدعاء الخاص الجزئي للرزق مُبديا قبولَه لذلك الدعاء بما بثّ من الأطعمة اللذيذة غير المحدودة ليُطمئِن تلك المعدة! فهل يمكن لهذا المدبّر القدير أن لا يعرفك؟ ولا يراك؟ ولا يهيئ الأسباب الضرورية لأعظم غاية للإنسان وهي الحياة الأبدية؟ ولا يستجيب لأعظم دعاء وأهمّه وأعمّه، وهو دعاء البقاء والخلود؟ ولا يقبله بعدم إنشائه الحياة الآخرة وإيجاد الجنة؟ ولا يسمع دعاء هذا الإنسان وهو أسمى مخلوق في الكون بل هو سلطان الأرض ونتيجتها.. ذلك الدعاء العام القوي الصادر من الأعماق، والذي يهز العرش والفرش! فهل يمكن أن لا يهتم به اهتمامَه بدعاء المعدة الصغيرة ولا يُرضي هذا الإنسان؟ ويعرّض حكمتَه الكاملة ورحمتَه المطلقة للإنكار؟ كلا.. ثم كلا ألف ألف مرة كلا) ([24])

ليس ذلك فقط ما يتساءل عنه العقل الحكيم، بل إن هناك أسئلة أخرى كثيرة، منها ما عبر عنه النورسي بقوله: (هل يقبل العقل ـ بوجه من الأوجه ـ أن القدير الحكيم ذا الرحمة الواسعة وذا المحبة الفائقة وذا الرأفة الشاملة والذي يحب صنعتَه كثيرا، ويحبّب نفسه بها إلى مخلوقاته وهو أشد حبا لمن يحبونه.. فهل يعقل أن يُفني حياةَ مَن هو أكثر حبا له، وهو المحبوب، وأهل للحب، وعابد لخالقه فطرةً؟ ويُفني كذلك لبَّ الحياة وجوهرها وهو الروح، بالموت الأبدي والإعدام النهائي، ويولّد جفوة بينه وبين محبيه ويؤلمهم أشدّ الإيلام، فيجعل سرَّ رحمته ونور محبته معرّضا للإنكار!) ([25])

 ثم يجيب عن ذلك قائلا: (حاشَا لله ألف مرة حاشا لله.. فالجمال المطلق الذي زيّن بتجليه هذا الكون وجمّله، والرحمة المطلقة التي أبهجت المخلوقات قاطبة وزيّنتها، لاشك أنهما منـزّهتان ومقدستان بلا نهاية ولا حد عن هذه القساوة وعن هذا القبح المطلق والظلم المطلق) ([26])

3 ـ الموت وبرهان الربوبية:

ويشير إلى هذا البرهان قوله تعالى في سورة الفاتحة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) } [الفاتحة: 2 – 5]، فقد جمع الله تعالى في هذه السورة الكريمة، التي هي أم القرآن، بين ربوبيته ومالكيته ليوم الدين، ذلك أن الربوبية تقتضي وجود دار يتحقق فيها الجزاء الإلهي للمحسنين والمسيئين على حد سواء، وإلا لما كان هناك معنى للتكاليف.

ذلك أن الربوبية ـ التي هي صفة من صفات الله تعالى، واسم من أسمائه الحسنى ـ تتضمن الكثير من المعاني المقتضية لذلك، فربوبية الله للعالمين (تتضمن تصرفه فيه، وتدبيره له، ونفاذ أمره كل وقت فيه، وكونه معه كل ساعة في شأن، يخلق ويرزق؛ ويميت ويحيي، ويخفض ويرفع؛ ويعطي ويمنع؛ ويعز ويذل، ويصرف الأمور بمشيئته وإرادته)

وكل هذه المعاني تستلزم عدم اقتصار الحياة على هذه الحياة الدنيا التي نعيشها، بل تقتضي وجود دار أخرى، وحياة أخرى، لأننا لا نرى في هذه الحياة تحقق الكثير من هذه المعاني مع أن الربوبية تستدعيها.

ولهذا ورد في القرآن الكريم الإخبار بأن الدار الأخرى هي الدار التي تتحقق فيها الحياة الحقيقية، وذلك لأن الربوبية تتجلى فيها بشكل كامل، بخلاف هذه الدار التي هيئت فيها الأمور بناء على الاختبار والابتلاء الإلهي، قال تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64]

ولذلك تتجلى في تلك الحياة التي تلي الموت مباشرة الأشياء على ما هي عليه في الواقع، كما قال تعالى مخبرا عن ساعة الاحتضار: { فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ } [الواقعة: 83 – 94]

فهذه الآيات الكريمة تخبر عن الحقيقة التي تظهر للإنسان بمجرد انتهاء فترة الامتحان، حيث يبدو له مصيره الذي صنعه بيديه ماثلا بين عينيه.

وهكذا يخبر الله تعالى أن من صفات الدار الآخرة التي ستقع لا محالة أنها تخفض من حقه التخفيض، وترفع من حقه الرفع، قال تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3)} [الواقعة: 1 – 3]

وقد أشار إلى هذا المعنى بديع الزمان النورسي، في رسالة الحشر، فقد تساءل قائلا: (أمن الممكن لـمَن له شأن الربوبية وسلطنة الألوهية، فأوجدَ كونا بديعا كهذا الكون؛ لغايات سامية، ولمقاصد جليلة، إظهارا لكماله، ثم لا يكون لديه ثواب للمؤمنين الذين قابلوا تلك الغايات والمقاصد بالإيمان والعبودية، ولا يعاقِب أهل الضلالة الذين قابلوا تلك المقاصد بالرفض والاستخفاف..؟!)([27])

وذكر في مقدمة الرسالة قصة توضيحية جميلة، قدم لها بقوله: (يا أخي! إِن رمتَ إيضاح أمرَ الحشر وبعضَ شؤون الآخرة على وجهٍ يُلائم فهمَ عامة الناس، فاستمع معي إلى هذه الحكاية القصيرة)([28])

ولأهمية القصة نلخص بعض محتوياتها، فهي تصوير تقريبي لحقيقة تلك الحياة، وأحيانا كثيرة يكون التقريب نفسه برهانا.. لأن الحجاب بين بعض العقول وتعقل المعاني هو تلك التوهمات والصور الأسطورية والخرافية التي سرت إليها؛ فإذا ما زالت الأسطورة حلت بدلها الحقيقة.

وتبدأ حكاية النوسي التقريبية بـ (اثنين ذهبا معا إلى مملكة رائعة الجمال كالجنة ـ التشبيه هنا للدنيا ـ وإذا بهما يَريان أن أهلها قد تركوا أبواب بيوتهم وحوانيتهم ومحلاتهم مفتوحة لا يهتمون بحراستها.. فالأموالُ والنقود في متناول الأيدي دون أن يحميها أحد) ([29]).. وهذا تصوير تقريبي للدنيا، التي نجد فيها النعم بمختلف أشكالها، وكأنه لا مالك لها.

وقد كان أحد الاثنين ـ كما ورد في القصة ـ صالحا يستعمل عقله، والآخر منحرفا متبعا لهواه، وقد راح بناء على ما رآه من سهولة السرقة، (يسرق حينا ويغصب حينا آخر مرتكبا كل أنواع الظلم والسفاهة، والأهلون لا يبالون به كثيرا) ([30])

وعندما رآه صديقه الصالح يفعل ذلك قال له: (ويحك ماذا تفعل؟ إنك ستنال عقابك، وستلقيني في بلايا ومصائب. فهذه الأموال أموال الدولة، وهؤلاء الأهلون قد أصبحوا ـ بعوائلهم وأطفالهم ـ جنود الدولة أو موظفيها، ويُستخدمون في هذه الوظائف ببزّتهم المدنية، ولذلك لم يُبالوا بك كثيرا، واعلم أن النظام هنا صارم، فعيون السلطان ورقباؤه وهواتفه في كل مكان.. أسرع يا صاحبي بالاعتذار وبادر إلى التوسل) ([31])

ولكن صاحبَه لم يقبل ذلك، بل راح يردد: (دعني.. فهذه الأموال ليست أموال الدولة، بل هي أموال مشاعة، لا مالك لها. يستطيع كل واحد أن يتصرف فيها كما يشاء. فلا أرى ما يمنعني من الاستفادة منها، أو الانتفاع بهذه الأشياء الجميلة المنثورة أمامي، واعلم أنى لا أصدّق بما لا تراه عيناي) ([32])

وهنا راح صاحبه يقنعه باستحالة أن تكون تلك المملكة الجميلة المنظمة من دون سلطان أو حاكم، وقال له أثناء حديثه معه: (إنك بلا شك تعلم أنه لا قرية بلا مختار، ولا إبرة بلا صانع وبلا مالك، ولا حرف بلا كاتب.. فكيف يسوغ لك القول: إنه لا حاكم ولا سلطان لهذه المملكة الرائعة المنتظمة المنسقة؟ وكيف تكون هذه الأموال الطائلة والثروات النفيسة الثمينة بلا مالك) ([33])

ثم راح يذكر له الأدلة الكثيرة على اقتضاء الصنعة للصانع، والمملكة للملك، وكان من ضمنه أقواله له قوله: (ألا ترى في أرجاء هذه المملكة إعلانات السلطان وبياناته، وأعلامَه التي ترفرف في كل ركن، وختمه الخاص وسكّته وطرّته على الأموال كلها، فكيف تكون مثل هذه المملكة دون مالك؟)

وبعد تلك الأدلة الكثيرة راح ذلك السفيه يسلم جدلا بوجود السلطان، لكنه راح يعلل ممارساته الخاطئة في تلك المملكة بذرائع جديدة، حيث ردد على مسامعه قوله: (لنسلّم بوجود السلطان، ولكن.. ماذا يمكن أن تضرَّه وتُنقصَ من خزائنه ما أحوزُه لنفسي منها؟ ثم إني لا أرى هنـا عقابا من سـجن أو ما يشبهه!) ([34])

وهنا أجابه صاحبه المؤمن بقوله: (يا هذا، إن هذه المملكة التي نراها ما هي إلّا ميدان امتحانٍ واختبار، وساحة تدريب ومناورة، وهي معرض صنائع السلطان البديعة، ومضيف مؤقت جدا.. ألا ترى أن قافلة تأتي يوميا وترحل أخرى وتغيب؟ فهذا هو شأن هذه المملكة العامرة، إنها تُملأ وتُخلى باستمرار، وسوف تُفرغ نهائيا وتبدل بأخرى باقية دائمة، وينقل إليها الناس جميعا فيثاب أو يُعاقب كلّ حسب عمله) ([35])

وهنا راح الصاحب يسأل عن إمكانية وجود محكمة كبرى، ودار للثواب والإحسان، وأخرى للعقاب والسجن، وقد أجابه صديقه باثني عشر صورة، تدل على ضرورة وجود تلك المحكمة.. سنعرض لما نحتاجه منها عند الحديث عن برهان العدالة.

والخلاصة أن هذه القصة التقريبية تصور الواقع بدقة، وتبرهن عليه.. فما نراه من النعم العظيمة، والتنظيم الدقيق يدل على ضرورة وجود إله يملك هذا الكون، ويدبر أموره، وكل الأدلة العقلية تدل على ذلك.

ثم إن هذا الإله ـ بحسب ما يدل علىه الكون ـ يستحيل أن يترك خلقه من دون عناية أو رعاية أو اهتمام.. وكيف يفعل ذلك، وهو يرعى أبسط حاجاتهم منذ نشأتهم الأولى إلى وفاتهم؟

وذلك يدل وحده على ضرورة استمرار الحياة، وإلا لكان كل هذا الكون وكل هذه النعم لا معنى لها.. فما معنى أن يستضيف أحدهم شخصا، ثم يقتله بعد انتهاء ضيافته؟.. وما معنى أن يربي الأستاذ تلاميذه، ويعلمهم، ثم يسلمهم في نهاية المطاف إلى الموت الذي يقضي عليهم قضاء كليا؟

هذه بعض تجليات هذا البرهان، وسنتحدث عنه بتفصيل أكثر عند الحديث عن الجنة والنار، باعتبارهما المحل الذي تتجلى فيه الربوبية بصور الجزاء أو صورة العقاب.

4 ـ الموت وبرهان العناية:

وهو من البراهين الواضحة لكل من قلب طرفه فيما وضع الله تعالى في الكون من دلائل عنايته بخلقه، وتلبيته لحاجاتهم دون أن يسألوها.. وهو لا يدل فقط على وجود الله، كما استدل على ذلك الفلاسفة والمتكلمون([36])، وإنما يدل أيضا على استمرارية الحياة، لأنها من أكبر الحاجات التي يشعر الإنسان بضرورتها.. ولولاها لكانت الحياة عبثا، ولا معنى لها.

وهو برهان يدل ـ من طريق آخر ـ على إرسال الله الرسل، وإنزال الكتب الشارحة لحقائق الوجود، وقوانين الحياة، ولذلك يستدل المتكلمون بهذا الدليل على النبوات، كما يستدلون به على وجود الله.

وهو بذلك، وفي كل الأحوال يدل على ضرورة تكميل هذه الحياة بحياة أخرى، تسد نقصها، وتوفر كل الحاجات التي افتقرت إليها هذه الحياة.

ولذلك نرى القرآن الكريم يربط بين عناية الله بعباده في الدنيا، وبين الحديث عن الآخرة، ليذكر أن رب الدنيا هو رب الآخرة، وأن الذي استطاع أن يوفر كل هذه الأقوات في الدنيا، لن يعجز عن توفيرها في الآخرة.. وأن الذي وفر الحياة الأولى لن يعز عليه أن يوفر الحياة الأخرى.

ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في سورة النبأ، والتي تتحدث عن اليوم الآخر باعتباره من القضايا التي وقع فيها الخلاف، فبعد تقرير ذلك الخلاف في اليوم الآخر بدأت الآيات الكريمة مباشرة في الاستدلال بالعناية الإلهية على وجود الحياة الأخرى، قال تعالى: { أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا } [النبأ: 6 – 16]

وبعد هذه الآيات الكريمة التي تضمنت مجامع النعم التي أنعم الله بها على عباده، بدأ الحديث عن اليوم الآخر، قال تعالى:{ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا} [النبأ: 17 – 20]

والآيات الكريمة تربط بين ما نراه في الدنيا من آثار المواقيت على الأشياء، وتقلباتها، بذكر اليوم الآخر، وكونه مرحلة من مراحل هذا الكون، ونشأة من نشآت الحياة.. والذي قدر على خلق النشأة الأولى لن يضعف عن خلق النشأة الثانية.

وهكذا نرى القرآن الكريم يربط بين عناية الله تعالى بعباده في هذه النشأة بذكر النشأة الآخرة، باعتبارها من مقتضيات عناية الله تعالى بعباده، ومن الأمثلة على ذلك ما ورد فيه عند ذكر الأطوار التي يمر بها الإنسان في حياته، كما قال تعالى: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 36 – 40]، وقال: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5]، وقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 13 – 16]

فهذه الآيات الكريمة جميعا تعتبر الحياة الأخرى التي تلي الموت مرحلة جديدة، مثلها مثل مرحلة الطفولة والشباب والكهولة والشيخوخة.. فالإنسان لا يفنى بالموت، وإنما ينقطع تحكمه في جسده فقط..

وهكذا يخاطب القرآن الكريم العقول بالتأمل في النشأة التي تعيشها، والتي يسميها النشأة الأولى، لتعبر منها لسائر النشآت التي تنتظرها، قال تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ} [الواقعة: 62]، وقال: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم: 27]، وقال: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104]، وقال: {وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} [مريم: 66 – 67]

وقد عبر بديع الزمان النورسي عن المعاني التي تدل عليها هذه الآيات الكريمة، ووجه الاستدلال بها على وجود نشآت أخرى، فقال: (إن تزيينَ وجه العالم بهذه المصنوعات الجميلة اللطيفة، وجعْل الشمس سراجا، والقمر نورا، وسطح الأرض مائدة للنعم، وملأها بألذِّ الأطعمة الشهية المتنوعة، وجعل الأشجار أوانيَ وصحافا تتجدد مرارا كل موسم.. كل ذلك يُظهر سخاءً وجودا لا حدّ لهما.. فلابد أن يكون لمثل هذا الجود والسخاء المطلقين، ولمثل هذه الخزائن التي لا تنفد، ولمثل هذه الرحمة التي وسعت كل شيء، دارَ ضيافة دائمة، ومحلَّ سعادة خالدة يحوي ما تشتهيه الأنفسُ وتلذُّ الأعين وتستدعي قطعا أن يخلد المتلذذون في تلك الدار، ويظلوا ملازمين لتلك السعادة ليبتعدوا عن الزوال والفراق، إذ كما أن زوال اللذة ألم فزوالُ الألم لذة كذلك، فمثل هذا السخاء يأبى الإيذاءَ قطعا.. أي إن الأمر يقتضي وجودَ جنة أبدية، وخلود المحتاجين فيها؛ لأن الجود والسخاء المطلَقين يتطلبان إحسانا وإنعاما مطلَقين، والإحسان والإنعام غير المتناهيين يتطلبان تنعما وامتنانا غير متناهيين، وهذا يقتضي خلودَ إنعام مَن يستحق الإحسان إليه، كي يُظهر شكره وامتنانه بتنعّمه الدائم إزاء ذلك الإنعام الدائم.. وإلّا فاللذة اليسيرة ـ التي ينغّصها الزوالُ والفراق ـ في هذه الفترة الوجيزة لا يمكن أن تنسجم ومقتضى هذا الجود والسخاء)([37])

وهكذا استدل بالعناية الإلهية بإرسال الرسل، على ذلك، فقال: (.. وأنصت إلى الداعين الأدلّاء إلى محاسن الربوبية، وهم الأنبياء عليهم السلام والأولياء الصالحون، كيف أنهم يُرشدون جميعا الناسَ لمشاهدة كمال صنعة الصانع ذي الجلال بتشهيرهم صنعتَه البديعة ويلفتون أنظارهم إليها.. إذن، فلصانع هذا العالم كمال فـائـق عظيم مثير للإعجاب، خفيّ مـستتر، فهو يريـد إظهاره بهذه المصنوعات البديعة، لأن الكمال الخفي الذي لا نقص فيه ينبغي الإعلانَ عنه على رؤوس أشهـادٍ مقـدِّرين مسـتحسنين معجَبين بـه. وأن الكمال الدائـم يقتضي ظهورا دائما، وهذا بـدوره يستدعى دوامَ المستحسنين المعجَبين، إذ المعجَب الـذي لا يـدوم بقاؤه تـسقط في نظره قيمةُ الكمال)([38])

5 ـ الموت وبرهان العدالة:

وهو من البراهين الواضحة التي دلت عليها القوانين التي بني عليها الكون، فكلها تشير إلى أنه بني بموازين دقيقة، وأنه لو تغيرت تلك الموازين لانهد الكون، ولم يبق بالصورة التي هو عليها.

فالعلم الحديث([39]) يذكر أنه لو كانت قشرة الأرض أسمك مما هي بمقدار بضعة أقدام، لامتص ثاني أكسيد الكربون الأوكسجين، ولما أمكن وجود حياة النبات، ولو كان الهواء أرفع كثيرا مما هو عليه، فإن بعض الشهب التي تسير بسرعة تترواح بين ستة أميال وأربعين ميلا في الثانية، في إمكانها أن تشعل كل شيء قابل للاحتراق، ولو كانت تسير ببطء رصاصة البندقية لارتطمت كلها بالأرض.

وهكذا يذكرون أن الهواء سميك بالقدر اللازم بالضبط لمرور الأشعة ذات التأثير الكيميائي التي يحتاج إليها الزرع، والتي تقتل الجراثيم وتنتج الفيتامينات، دون أن تضر بالإنسان، إلا إذا عرض نفسه لها مدة أطول من اللازم.

ويذكرون أن الأوكسجين لو كان بنسبة 50 في المائة مثلا أو أكثر في الهواء بدلا من 21 في المائة فإن جميع المواد القابلة للاحتراق في العالم تصبح عرضة للاشتعال، لدرجة أن أول شرارة من البرق تصيب شجرة لا بد أن تلهب الغابة حتى لتكاد تنفجر.

وغيرها من الأمثلة الكثيرة التي تؤكدها البحوث والدراسات العلمية كل يوم، والتي أشار إليها قوله تعالى:{ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} (الحجر:19)، وقوله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} [الحجر: 21]، وقوله:{ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ } (الرحمن:7)

وغيرها من الآيات الكريمة التي تنص على أن كل ما خلقه الله تعالى بني على أساس توازن دقيق جدا، كما عبر عن ذلك قوله تعالى: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]

وهكذا لو ذهبنا إلى الشريعة التي أنزلت على جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، لرأينا العدل من أوائل القيم التي كلفوا بالدعوة إليها، بل بالسعي لتحقيقها في الأرض، كما قال تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحديد:25)

وأخبر أن كل ما ورد به القرآن الكريم من الأحكام أحكام تقوم على القسط، بل هي القسط عينه، قال تعالى:{ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} (لأعراف:29)

وهكذا نجد فيه الدعوة للعدل، وفي جميع المجالات، قال تعالى: { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِه} (النساء: 58)، وقال: { فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الحجرات: 9)، وقال:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَالله أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} (النساء:135)، وغيرها من الآيات الكريمة.

ولذلك كان من أسماء الله الحسنى اسم العدل، وقد عرفه الغزالي، وبين مدى انطباقه على الله تعالى من خلال النظر في الكون، فقال: (العدل هو الذي يصدر منه فعل العدل المضاد للجور والظلم، ولن يعرف العادل من لم يعرف عدله، ولا يعرف عدله من لم يعرف فعله، فمن أراد أن يفهم هذا الوصف فينبغي أن يحيط علما بأفعال الله تعالى من ملكوت السموات إلى منتهى الثرى حتى إذا لم ير في خلق الرحمن من تفاوت، ثم رجع البصر فما رأى من فطور، ثم رجع مرة أخرى فانقلب إليه البصر خاسئا وهو حسير، وقد بهره جمال الحضرة الربوبية وحيره اعتدالها وانتظامها، فعند ذلك يعبق بفهمه شيء من معاني عدله تعالى وتقدس)([40])

وهذه المعاني جميعا لا تكتفي في دلالتها على وصف الله بالعدل، أو وصف كونه ورسله وشرائعه به، وإنما تدل أيضا على ضرورة وجود حياة أخرى غير هذه الحياة، يتحقق فيها العدل بصورته الكاملة.

وقد عبر النورسي عن وجه الدلالة في ذلك، فقال ـ متسائلا ـ: (أمن الممكن لخالق ذي جـلال أظهر ســـلطان ربــوبـيـتـه بتـدبيـر قـانــون الوجــود ابـتــداء من الذرات وانتهاء بالمجرات، بغاية الحكمة والنـظام وبمنتهى العدالـة والميزان.. أن لا يعامِل بالإحســان من احتـموا بتـلك الربوبيـة وانقادوا لتلك الحكمة والعدالة، وأن لا يجازي أولئـك الذيــن عصَـوا بكفرهم وطغيانهم تلك الحكمةَ والعدالــة؟.. بينما الإنسان لا يَلقى ما يستحقه من الثواب أو العقاب في هذه الحياة الفانية على وجه يليق بتلك الحكمة وتلك العدالة إلاّ نادرا، بل يؤخَّر، إذ يرحل أغلبُ أهل الضلالة دون أن يلقوا عقابهم، ويذهب أكثرُ أهل الهداية دون أن ينالوا ثوابهم.. فلابد أن تُناط القضيةُ بمحكمة عادلة، وبلقاءٍ آيل إلى سعادة عظمى)([41])

ثم دعا إلى النظر في الكون، للعبور منه إلى هذه الحقيقة، فقال: (إن منح كل شيء وجودا بموازين حساسة، وبمقاييس خاصة، وإلباسَه صورة معينة، ووضعَه في موضع ملائم.. يبيّن بوضوح أن الأمور تسير وفق عدالة وميزان مطلقين.. وكذا، إعطاء كل ذي حق حقَّه وفق استعداده ومواهبه، أي إعطاء كل ما يلزم، وما هو ضروري لوجوده، وتوفير جميع ما يحتاج إلى بقائه في أفضل وضع، يدلّ على أن يد عدالة مطلقة هي التي تُسيّر الأمور.. وكذا، الاستجابة المستمرة والدائمة لما يُسأل بلسان الاستعداد أو الحاجة الفطرية، أو بلسان الاضطرار، تُظهر أن عدالةً مطلقة، وحكمة مطلقة هما اللتان تُجريان عجلة الوجود)([42])

وبناء على هذا كله يتساءل النورسي قائلا: (هل من الممكن أن تهمل هذه العدالةُ وهذه الحكمة تلك الحاجةَ العظمى، حاجةَ البقاء لأسمى مخلوق وهو الإنسان؟ في حين أنهما تستجيبان لأدنى حاجة لأضعف مخلوق؟ فهل من الممكن أن تردّا أهمَّ ما يرجوه الإنسانُ وأعظمَ ما يتمناه، وألّا تصونا حشمة الربوبية وتتخلّفا عن الإجابة لحقوق العباد؟)([43])

ثم يجيب قائلا: (غير أن الإنسان الذي يقضي حياةً قصيرةً في هذه الدنيا الفانية لا ينال ولن ينال حقيقةً مثل هذه العدالة. وإنما تؤخَّر إلى محكمة كبرى. حيث تقتضي العدالةُ الحقة أن يلاقي هذا الإنسان الصغير ثوابَه وعقابه لا على أساس صغره، بل على أساس ضخامة جنايته، وعلى أساس أهمية ماهيته، وعلى أساس عظمة مهمته.. وحيث إن هذه الدنيا العابرة بعيدة كل البعد عن أن تكون محلا لمثل هذه العدالة والحكمة بما يخص هذا الإنسان ـ المخلوق لحياة أبدية ـ فلابد من جنةٍ أبدية، ومن جهنم دائمة للعادل الجليل ذي الجمال وللحكيم الجميل ذي الجلال) ([44])

وقد ذكر في بداية الرسالة، وفي الحكاية التي حاول أن يقرب بها ضرورة وجود حياة أخرى، اثني عشر صورة تدل على ضرورة وجود تلك الحياة، وكلها ترتبط بالعدل في الجزاء، نكتفي منها بالمعاني التالية([45]):

1. أمِنَ الممكن لسلطنةٍ، ولاسيما كهذه السلطنة العظمى، أن لا يكون فيها ثواب للمطيعين ولا عقاب للعاصين؟.. ولما كان العقاب والثواب في حكم المعدوم في هذه الدار، فلابد إذن من محكمةٍ كبرى في دارٍ أخرى.

2. تأمل سير الأحداث والإجراءات في هذه المملكة، كيف يوزَّع الرزقُ رغدا حتى على أضعف كائن فيها وأفقره.. إذن فمالِكُ هذه السلطنة ومليكُها ذو كرم عظيم، وذو رحمة واسعة، وذو عزة شامخة، وذو غيرة جليلة ظاهرة، وذو شرف سامٍ. ومن المعلوم أن الكرم يستوجب إنعاما، والرحمة لا تحصل دون إحسان، والعزة تقتضي الغيرة، والشرف السامي يستدعي تأديب المستخفين، بينما لا يتحقق في هذه المملكة جزء واحد من ألفٍ مما يليق بتلك الرحمة ولا بذلك الشرف. فيرحل الظالم في عزته وجبروته ويرحل المظلوم في ذله وخنوعه. فالقضية إذن مؤجّلة إلى محكمة كبرى.

3. انظر، كيف تُنجَز الأعمال هنا بحكمة فائقة وبانتظام بديع، وتأمل كيف يُنظر إلى المعاملات بمنظار عدالةٍ حقة وميزانٍ صائب. ومن المعلوم أن حكمةَ الحكومة وفطنتها هي اللطف بالذين يحتمون بحماها وتكريمهم. والعدالةُ المحضة تتطلب رعاية حقوق الرعية، لتصان هيبة الحكومة وعظمة الدولة.. غير أنه لا يبدو هنا إلّا جزء ضئيل من تنفيذ ما يليق بتلك الحكمة، وبتلك العدالة.. فالقضية إذن مؤجلة بلا ريب إلى محكمة كبرى.

4. انظر إلى ما لا يعد ولا يحصى من الجواهر النادرة المعروضة في هذه المعارض، مما يُبرز لنا أن لسلطان هذه المملكة سخاءً غير محدود.. ولكن مثل هــذا الســــخاء الدائــــم، ومثـل هـذه الخزائـــن التي لا تنفد، يتطلبان حتما دار ضيافة خالدة أبديـــة، فيها ما تشتهيه الأنفس. ويقـتـضـيـــان كذلك خلودَ المتنعمين المتـلذذيــن فيها، من غيـر أن يذوقوا ألــمَ الفـراق والزوال؛ إذ كما أن زوالَ الألم لذة فزوال اللذة ألم كذلك.

5. تأمل، كيف أن لهذا السلطان ـ الذي لا نظير له ـ رأفة عظيمة، إذ يغيث الملهوف المستغيث، ويستجيب للداعي المستجير، وإذا ما رأى أدنى حاجة لأبسط فرد من رعاياه فإنه يقضيها بكل رأفة وشفقة.. فهل مِن الممكن لمن يملك كلَّ هذه القدرة الفائقة، وكل هذه الرأفة الشاملة، أن لا يعطي عباده المطيعين له ما يرغبون فيه؟ وهو الذي يقضي بكل اهتمامٍ أدنى رغبة لأصغر فرد من رعاياه؟

ثالثا ـ الموت.. وبراهين العقل:

ونقصد بها تلك البراهين التي استعملها الفلاسفة وغيرهم، إما لإثبات خلود النفس، أو لإثبات اليوم الآخر، وهي تتقاطع في أجزاء كثيرة منها بالبراهين السابقة، لكنا آثرنا تخصيصها بمبحث خاص، لاعتبارها من نتائج العقل المجرد عن الاستناد لأي نص مقدس.

ولعل من أكبر أنواع هذه البراهين اتفاق أكثر الفلاسفة على استمرارية الحياة بعد الموت، وإن اختلفوا في العلة التي تعود إليها تلك الاستمرارية، أو كيفيتها، ولا يهمنا ذلك هنا، لأن الهدف هو إثبات القضية، لا إثبات كيفيتها، ولا مصدرها، فذلك شأن آخر.

ولا نستطيع أن نورد هنا كل ما ذكره الفلاسفة اليونانيين أو غيرهم، لكثرته، ولذلك نكتفي باقتباس بعض ما ذكره عالم وفيلسوف يمكن اعتباره من كبار المؤرخين والمحققين في الفلسفة والعلوم المرتبطة بها، وهو الأستاذ الكبير المعاصر [يحي محمد] الذي نص على إجماع الفلاسفة القدامى على ما ذكرنا، فقد قال: (يجمع الفلاسفة على أن النفس لها أصل إلهي سابق على البدن، وهم من هذا المنطلق اعتقدوا بضرورة مفارقتها له بعد اكتمال مهمتها من بلوغ الحد الذي يجعلها قابلة للانفصال عنه كلياً. مما يعني أن النفس لا بد لها أن تعود إلى عالمها الالهي الذي تنزلت منه. أي فكما أن هناك تنزلاً، فهناك عود وصعود)([46])

وهو يذكر نوعين من الخلاف الذي أدى إليه النظر الفلسفي المجرد في المسألة:

أولهما ـ الخلاف في النفس التي يستمر وجودها بناء على المفاهيم الفلسفية المرتبطة بحقيقة الإنسان، حيث (يؤكد الفلاسفة بأن النفس التي تفارق البدن هي تلك التي تتصف بالتجرد، وتكون موضعاً للعلم العقلي، فهم يتفقون ـ كما ينقل ابن رشد ـ على أن النفس المخالطة للهيولى، والتي توصف بأنها مخلّقة لانواع الاجسام والابدان الارضية ومصورة لها، تعود الى مادتها الـروحانية الإلـهية، أما النفس التي لا تخالط الهيولى والتي ليس لها علاقة بتخليق البدن وتصويره، فان الفلاسفة يختلفون في حدود ما هو قابل للتجرد والرجوع الى الأصل الإلهي. فعند ارسطو أن جميع قوى النفس تبطل سوى العقل المكتسب المسمى بالعقل المستفاد، بخلاف العقلين المتبقيين، وهما العقل الهيولاني والعقل بالملكة. فالعقل الهيولاني هو عقل بالقوة، اي محض استعداد لقبول وادراك المعقولات، فهو بالتالي خال من الصور. أما العقل بالملكة فهو العقل الذي تحصل فيه المعقولات وكان من الممكن استحضارها متى شاءت النفس من غير جهد ولا تكلف. في حين ان العقل المستفاد فهو ذلك الذي تكون فيه المعقولات حاضرة عند العقل من غير غياب. فهذه هي قوى العقل الثلاث، وكلها داثرة عند ارسطو باستثناء العقل الأخير، لكن أتباع ارسطو من المشائين القدامى وجدوا أن العقل الهيولاني هو أيضاً محفوظ بالبقاء لا يقبل الفساد والاندثار)([47])

الثاني: الخلاف في كيفية المعاد، وقد ذكر أن الفلاسفة ذكروا فيها أربعة أطروحات، هذه خلاصتها:

1. أن المعاد ليس جسمانياً، وإنما يجب ان يكون محلاً للعلم بما لا ينقسم، ولا يمكن الاشارة اليه حسياً، وهو قول أغلب الفلاسفة، فابن سينا – مثلاً – صرح بنفي المعاد الجسماني في رسالة (الاضحوية في امر المعاد)([48]) وفي رسالة (دفع الغم من الموت)([49])، وفي كتاب (المبدأ والمعاد) ذكر عنواناً أومأ فيه الى ذلك المعنى، حيث جاء فيه: (في السعادة والشقاوة الوهمية في الآخرة دون الحقيقية)([50])

لكن ربما يكون مقصد ابن سينا من هذا ليس نفي المعاد الجسماني مطلقا، وإنما اعتبار المعاد الجسماني من القضايا التي دل عليها الشرع، بخلاف المعاد الروحاني أو النفسي التي دل عليها النظر الفلسفي المجرد، ويدل لذلك قوله في (إلهيات الشفاء): (يجب أن تعلم ان المعاد منه مقبول من الشرع ولا سبيل الى اثباته الا من طريق الشريعة وتصديق خبر النبوة، وهو الذي للبدن عند البعث.. ومنه ما هو مدرك بالعقل والقياس البرهاني، وقد صدقته النبوة، وهو السعادة والشقاوة الثابتتان بالمقاييس اللتان للانفس)([51])

2. أن الخلود ليس فردياً، بل إن النفوس البشرية بعد الموت تتحد بعقل الإنسانية الشامل والمعبر عنه بالعقل الفعال، ويشبه ذلك الضوء حيث ينقسم بانقسام الاجسام المضيئة، ثم يتحد عند انتفاء الاجسام، وكذا الامر في النفوس مع الابدان، اذ تتحد بانتفاء الأخيرة، وقد حكاه ابن رشد عن الفلاسفة المشائين.

3. أن المعاد الجسماني يعبر عن عالم وسيط وجامع بين العالمين الحسي والعقلي، وهو عالم الخيال والمُثل المعلقة، فهو يجمع صور جميع الموجودات العقلية والحسية. وتتصف هذه المُثل بأنها خارجية منفصلة عن النفس في عالم التجرد والآخرة، على شاكلة ما كان يقوله أفلاطون مع بعض الفوارق، حيث أن المُثل الافلاطونية نورية ثابتة، بينما المُثل المعلقة على صنفين، فمنها المستنيرة للسعداء، كما منها الظلمانية للأشقياء.. وفي جميع الاحوال فإن المُثل المعلقة ليست حالّة في قوام مادي، كما إنها ليست خيالات نفسية داخلية، وهو أمر يتسق مع نظريته النورية في الشهود والحضور، حيث في هذه الحالة تكون النفس مدركة لتلك ‹البرازخ› من المُثل إدراكاً حضورياً بالشهود، وهذا ما تبنته الفلسفة الإشراقية للسهروردي.

4. أن هناك أنواعاً متعددة من المعاد للممكنات الوجودية حسب مراتبها؛ تصل الى ستة أنواع، وتتصف أغلب هذه المعادات بأنها صورية وقائمة بحسب اعتبارات نظرية الاتحاد، فكل شيء يتحد بما يناسبه، ومن بين هذه المعادات هناك المعاد الخاص بالإنسان والذي بدوره يشتمل على عدد من المعادات بحسب مقاماته ومراتبه.

ويعتبر صدر المتألهين أبرز القائلين بتعدد أنواع المعاد تبعاً لاعتقاده بتعدد أنواع البشر، فالإنسان عنده، وإن كان نوعاً واحداً في الظاهر بحسب ما تخرج مادته الجسمانية من القوة الى الفعل، لكنه متخالف الماهية في الباطن، بحسب ما يخرج عقله الهيولاني من القوة الى الفعل، فعند خروج النفوس من القوة الهيولانية تصير أنواعاً متخالفة بحسب غلبة الصفات ورسوخ الملكات، فكل نوع من جنس ما يغلب عليه من صفات بهيمية أو سبعية أو شيطانية أو ملائكية، وكل فرد من الإنسان يعود الى مبدئه الذي انشأه، فالبعض يكون الحق علة وجوده ومباشر تكوينه بيديه، فيكون معاده اليه، وبعض آخر يكون مبدأ وجوده القريب هو آخر مراتب العقول المفارقة، لذا فمعاده يكون اليه، كما ان هناك بعضاً ثالثاً يكون وجوده بمدخلية بعض الشياطين الذين هم عمّار عالم الشر، لذلك فمعاده الى النار التي هي أصل وجوده حيث يتألف منها الشيطان، وهكذا ([52]).

هذه خلاصة للرؤى الفلسفية في المسألة، ولكل رؤية منها أدلتها الخاصة بها، والجامع بينها جميعا هو إثبات استمرارية الحياة بعد الموت، وإن اختلفوا في كيفية تلك الاستمرارية، ومن أهم الأدلة التي اعتمدوا عليها في ذلك([53]):

1 ـ أن معلومات الإنسان مجردة عن المواد، فالعلم المتعلق بها يكون لا محالة مطابقاً لها، فيكون مجرداً لتجردها، فمحله ـ وهو النفس ـ يجب أن يكون كذلك، لاستحالة حلول المجرد في المادي.

2 ـ الماديات قابلة للقسمة، وعارض النفس ـ وهو العلم ـ غير منقسم، فمحلّه ـ وهو النفس ـ لا بد أن يكون كذلك، ثمّ إن محلّ العلوم الكلية لو كان جسماً أو جسمانياً لانقسمت تلك العلوم، لأن الحالّ في المنقسم منقسم، وانقسام العلوم والمفاهيم الذهنية مستحيل.

3 ـ إن النفوس البشرية تقوى على أفعال وإدراكات لا تتناهى، كتعقّل الأعداد غير المتناهية، والقوة الجسمانية لا تقوى على ما لا يتناهى، فهي إذن غيرها.

4 ـ لو كان وعاء العلم هو الدماغ أو غيره من آلات التعقّل، لكانت كلّ معلومةٍ تضاف إليه تشغل حيزاً منه، ولأصبحت القابلية العلمية للإنسان متناهية ؛ لأن قابلية المادة على استيعاب المعلومات محدودة كالصحيفة التي تمتلئ بالكتابة، أو القرص الذي يمتلئ بالصوت أو الصورة، وذلك يعني أن الإنسان لو سمح له عمره أن يستوفي كل وعائه العلمي، فسيصل إلى مرحلة يفقد فيها استعداده للتعلم، وذلك محال.

5 ـ العلم البديهي حاصله أن في ذات الإنسان حقيقة ثابتة يشعر بها على طول العمر وحتى بعد النشور، ويعبّر عنها بالأنا، فلو كان الإنسان هو هذا البدن المحسوس لأصبح عرضةً للتبدّل والتغيّر، ولاُسدل الستار على جميع معلوماته وأفكاره، ولكان شعوره بالأنا أمراً باطلاً وإحساساً خاطئاً، لأنّ أجزاء البدن متبدّلة متغيّرة، ففي كلّ يوم تموت ملايين الخلايا وتحلّ محلّها خلايا جديدة، وقد حسب العلماء معدل هذا التجدّد، فظهر أنه يحصل بصورة شاملة في البدن مرة كلّ عشر سنين، أما بعد الموت فإن البدن يضمحلّ ويتلاشى، والمتبدّل غير الثابت الباقي، وعليه فإن ملاك وحدة شخصية الإنسان والاساس في ثبات أفكاره ومعلوماته رغم حصول التغير في البناء الجسمي هو الروح.

6 ـ إن القوى الجسمانية تضعف وتكلّ مع توارد الأفعال عليها، فإنّ من نظر إلى قرص الشمس طويلاً لا يكاد يدرك في الحال غيره إدراكاً تاماً، أما القوى النفسانية فإنها لا تضعف بسبب كثرة الأفعال، بل عند كثرة التعقلات تقوى وتزداد نشاطاً، فالحاصل لها عند كثرة الأفعال هو ضدّ ما يحصل للقوى الجسمانية عند كثرة الأفعال، فوجب أن لا تكون جسمانية.

7 ـ حصول الأضداد في القوى النفسانية وعدم حصولها في القوى الجسمانية، فإذا حكمنا بأنّ السواد مضادّ للبياض، وجب أن يحصل في الذهن ماهية السواد والبياض، والبداهة حاكمة بأن اجتماع الأضداد في الأجسام محال، فلمّا حصل اجتماعها في القوى النفسانية وجب أن لا تكون جسمانية.

8 ـ إن المادة الجسمانية إذا حصلت فيها صور ونقوش مخصوصة، فإن وجود تلك الصور يمنع من حصول غيرها إلاّ بعد إزالة الاُولى، بينما يستوعب التعقّل والتصوّر الذهني الصور المتعاقبة التي يستطيع الإنسان أن يستحضرها أو يتخيلها في لحظة ما بمقدار وجودها الخارجي دون حاجة إلى التدرّج أو مرور الزمان ودون أن يمتلئ المحلّ بها، فلا بد أن يكون محلها غير ماديّ ولا متحيّز.

هذه أبرز الأدلة التي استدل بها الفلاسفة على تجرد الروح، ومن ثم استمرار حياتها بعد الموت، وقد حاول مصطفى محمود عند حديثه عن الروح في كتابه [حوار مع صديقي الملحد] أن يصيغها بطريقة مبسطة، تتناسب مع اللغة المستعملة في عصرنا، ويمكن تصنيف ما ذكره إلى دليلين اثنين.

الدليل الأول: ازدواجية الحقيقة الإنسانية

فأول المؤشرات التي تساعدنا على التدليل على وجود الروح هو أن الإنسان ذو طبيعة مزدوجة ([54]):

1. طبيعة خارجية ظاهرة مشهودة هي جسده تتصف بكل صفات المادة، فهي قابلة للوزن والقياس متحيزة في المكان متزمنة بالزمان دائمة التغير والحركة والصيرورة من حال إلى حال ومن لحظة إلى لحظة، فالجسد تتداول عليه الأحوال من صحة إلى مرض إلى سمنة إلى هزال إلى نشاط إلى كسل.. وملحق بهذه الطبيعة الجسدية شريط من الانفعالات والعواطف والغرائز والمخاوف لا يكف لحظة عن الجريان في الدماغ، ولأن هذه الطبيعة والانفعالات الملحقة بها تتصف بخواص المادة نقول إن جسد الإنسان ونفسه الحيوانية هما من المادة.

2. طبيعة داخلية مخالفة تماما للأولى ومغايرة لها، تتصف بالسكون واللازمان واللامكان والديمومة.. وهي العقل بمعاييره الثابتة وأقيسته ومقولاته.. والضمير بأحكامه، والحس الجمالي، والـ [أنا] التي تحمل كل تلك الصفات من عقل وضمير وحس جمالي وحس أخلاقي.

وهذه الـ [أنا] غير الجسد تماما وغير النفس الحيوانية التي تلتهب بالجوع والشبق، ذلك أنها الذات العميقة المطلقة وعن طريق هذه الذات والكينونة والشخوص والمثول في العالم.. وهو شعور ثابت ممتد لا يطرأ عليه التغير لا يسمن ولا يهزل ولا يمرض ولا يتصف بالزمان.. وليس فيه ماض وحاضر ومستقبل.. إنما هو آن مستمر لا ينصرم كما ينصرم الماضي.. وإنما يتمثل في شعور بالدوام.. بالديمومة.

هنا نوع آخر من الوجود لا يتصف بصفات المادة فلا هو يطرأ عليه التغير ولا هو يتحيز في المكان أو يتزمن بالزمان ولا هو يقبل الوزن والقياس.. بالعكس نجد أن هذا الوجود هو الثابت الذي نقيس به المتغيرات والمطلق الذي نعرف به كل ما هو نسبي في عالم المادة.

ويعرض مصطفى محمود لصديقه الملحد المتمسك برأي الفلاسفة الماديين في اعتبار الإنسان ذا طبيعة واحدة هي الطبيعة المادية مجموعة مشاهد نعيشها تثبت ازدواجية الطبيعة الإنسانية، وتثبت في نفس الوقت سيطرة الطبيعة الثانية على الأولى.

ومن أهمها تضحية الإنسان بنفسه، فـ (لحظة التضحية بالنفس حينما يضع الفدائي حزام الديناميت حول جسده، ويتقدم ليحطم الدبابة ومن فيها.. أين جسده هنا؟.. أين المصلحة المادية التي يحققها بموته.. ومن الذي يأمر الآخر؟.. إن الروح تقرر إعدام الجسد في لحظة مثالية تماما لا يمكن أن يفسرها مذهب مادي بأي مكسب مادي والجسد لا يستطيع أن يقاوم هذا الأمر.. ولا يملك أي قوة لمواجهته، لا يملك إلا أن يتلاشى تماما.. وهنا يظهر أي الوجودين هو الأعلى.. وأي الطبيعتين هي الإنسان حقا)([55])

ومن الأدلة العلمية المرتبطة بهذا، (ما يجري الآن من حوادث البتر والاستبدال وزرع الأعضاء.. وما نقرأه عن القلب الإلكتروني والكلية الصناعية وبنك الدم وبنك العيون ومخازن الإكسسوار البشري حيث يجري تركيب السيقان والأذرع والقلوب.. إلى هذه الدرجة يجري فك الجسم وتركيبه واستبداله دون أن يحدث شيء للشخصية لأن هذه الذراع أو تلك الساق.. كل هذه الأشياء ليست هي الإنسان.. فها هي تنقل وتستبدل وتوضع مكانها بطاريات ومسامير وقطع من الألومنيوم دون أن يحدث شيء.. فالإنسان ليس هذه الأعضاء وإنما هو الروح الجالسة على عجلة القيادة لتدير هذه الماكينة التي اسمها الجسد.. إنها الإدارة التي يمثلها مجلس إدارة من خلايا المخ.. ولكنها ليست المخ.. فالمخ مثله مثل خلايا الجسد يصدع بالأوامر التي تصدر إليه ويعبر عنها ولكنه في النهاية ليس أكثر من قفاز لها.. قفاز تلبسه هذه اليد الخفية التي اسمها الروح وتتصرف به في العالم المادي) ([56])

وبناء على هذا كله، فإن الشواهد كلها تدل على أن الإنسان له طبيعتان: (طبيعة جوهرية حاكمة هي روحه.. وطبيعة ثانوية زائلة هي جسده.. وما يحدث بالموت أن الطبيعة الزائلة تلتحق بالزوال والطبيعة الخالدة تلتحق بالخلود فيلتحق الجسد بالتراب وتلتحق الروح بعالمها الباقي) ([57])

الدليل الثاني: دليل الحركة

وهو من الأدلة الواضحة، التي تسلم لها جميع العقول؛ فـ (الحركة لا يمكن رصدها إلا من خارجها، فلا يمكن لأحد أن يدرك الحركة وأن تتحرك معها في نفس الفلك وإنما لا بد من عتبة خارجية تقف عليها لترصدها) ([58])

وكمثال على ذلك ـ يورده مصطفى محمود ـ (تأتي عليك لحظة وأنت في أسانسير متحرك لا تستطيع أن تعرف هل هو واقف أم متحرك لأنك أصبحت قطعة واحدة معه في حركته.. لا تستطيع إدراك هذه الحركة إلا إذا نظرت من باب الأسانسير إلى الرصيف الثابت في الخارج.. ونفس الحالة في قطار يسير بنعومة على القضبان.. لا تدرك حركة مثل هذا القطار وأنت فيه إلا لحظة شروعه في الوقوف أو لحظة إطلالك من النافذة على الرصيف الثابت في الخارج.. وبالمثل لا يمكنك رصد الشمس وأنت فوقها ولكن يمكنك رصدها من القمر أو الأرض.. كما لا يمكنك رصد الأرض وأنت تسكن عليها وإنما تستطيع رصدها من القمر) ([59])

وبناء على هذا كله لا يستطيع الإنسان أن يحيط بحالة إلا إذا خرج خارجها..

وهذه القاعدة يمكن تطبيقها مع الزمن، ذلك أننا (ما كنا نستطيع إدراك مرور الزمن لولا أن الجزء المدرك فينا يقف على عتبة منفصلة وخارجة عن هذا المرور الزمني المستمر ـ أي على عتبة خلود ـ ولو كان إدراكنا يقفز مع عقرب الثواني كل لحظة لما استطعنا أن ندرك هذه الثواني أبدا، ولانصرم إدراكنا كما تنصرم الثواني بدون أن يلاحظ شيئا) ([60])

والنتيجة التي تدل عليها هذه الحقيقة هي (أن هناك جزءا من وجودنا خارجا عن إطار المرور الزمني ـ أي خالد ـ هو الذي يلاحظ الزمن من عتبة سكون ويدركه دون أن يتورط فيه ولهذا لا يكبر ولا يشيخ ولا يهرم ولا ينصرم.. ويوم يسقط الجسد ترابا سوف يظل هذا الجزء على حاله حيا حياته الخاصة غير الزمنية هذا الجزء هو الروح) ([61])

وهذا الوجود الذي يتعالى على الزمن، شيء يستشعره كل إنسان (على صورة حضور وديمومة وشخوص وكينونة مغايرة تماما للوجود المادي المتغير المتقلب النابض مع الزمن خارجه.. وهذه الحالة الداخلية التي ندركها في لحظات الصحو الباطني.. هي المفتاح الذي يقودنا إلى الوجود الروحي بداخلنا ويضع يدنا على هذا اللغز الذي اسمه الروح) ([62])

وهكذا كان الشعور نفسه دليلنا إلى وجود الروح، وإلى الطبيعة المزدوجة التي يتشكل منها كياننا، والتي يكفي النظر إليها في التعرف على حقيقة الروح، والكثير من خصائصها..

ومن أهمها ـ كما يذكر مصطفى محمود ـ ما يدعو إليه الملاحدة أنفسهم، وهو الحرية، فـ (شعورنا الفطري بالحرية، ولو كنا أجساما مادية ضمن إطار حياة مادية تحكمنا القوانين المادية الحتمية لما كان هناك معنى لهذا الشعور الفطري بالحرية) ([63])

رابعا ـ الموت.. وبراهين العلم:

لا نقصد ببراهين العلم هنا توفير ما يطلبه أولئك الذين يطالبون كل حين بالأدلة الحسية المخبرية على إثبات الحقائق المرتبطة بالمعاد، أو بغيره من الحقائق الإيمانية، ويعتبرون عدم القدرة على إثبات ذلك عجزا، ويستنتجون من عدم القدرة على الإثبات عدم الثبوت.

ولو أن البشر استطاعوا تحقيق ذلك، ووصلوا بمداركهم الحسية إلى معرفة أسرار الحياة بعد الموت، لما بقي هناك معنى للتكليف والاختبار.. ذلك أن الاختبار منوط بالإيمان بالغيب، كما قال تعالى: {لِيَعْلَمَ الله مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ } [المائدة: 94]، وقال: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 49]

ولذلك، فإن ذلك العقل الساذج الذي يطالب بالدليل الحسي لا يختلف عن عقل ذلك البدوي في الجاهلية الذي طالب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذه المطالب التي ذكرها الله تعالى محتقرا الطريقة التي يفكر بها أصحابها، فقال: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِالله وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 90 – 93]

وعدم إدراك المدارك الحسية لحقيقة الحياة بعد الموت، لا يعني كون المسألة غير علمية، فنتائج العلم أكبر من أن تحصر في المدارك الحسية، بل إن العقل يستعمل وسائل أخرى للوصول إلى الحقائق.

والعلماء أنفسهم يذكرون أن مجال العلم محدود جدا، فهو مرتبط بالمدارك والوسائل، فإذا انعدمت المدارك والوسائل توقف العلم، نفيا وإثباتا.

فلا يستطيع الطبيب الذي لم تتوفر لديه نتائج التحاليل، ولا التصوير الإشعاعي، ولا غيرها من وسائل التشخيص أن يعرف المرض، ولا أن يعالجه، بل يظل محتارا في تلك الاحتمالات الكثيرة، التي وإن أطاق أن يلغي بعضها ببعض الخبرة إلا أنه لا يطيق أن يلغي أكثرها.

وهكذا لولا اختراع المراصد والمجاهر والوسائل المختلفة لما استطعنا أن نكتشف أجزاء كبيرة من الكون كانت غير معروفة للأجيال السابقة، وعذرها ليس في كونها غير موجودة في عهودها، وإنما في عدم إدراكها.

ولهذا نص الحكماء جميعا على تلك الحكمة المعروفة القائلة: [عدم الإثبات لا يعني عدم الثبوت]([64])، أو [عدم العلم بالدليل ليس نفيا للمعلوم]، أو [عدم الوجدان ليس نفياً للوجود]

وهي الحكمة التي نص عليها القرآن الكريم عند بيانه لأسباب الكفر وتكذيب الأنبياء، فقال: { بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [يونس: 39]

ولهذا، فإن العلم الحقيقي ممتلئ بالتواضع، وهو يقر بالجهل الكثير، وأنه لا يستطيع أن يحكم على العالم والأشياء من خلال المعارف البسيطة التي أحاط بها، بل أحاط بجزئيات قليلة منها.

ولهذا نجد طبيبا وباحثا كبيرا مثل [ألكسيس كاريل]([65]) يشن حملة شديدة على الذين يحملون العلم ما لا يحتمل، أو يعتبرون العلم وسيلة لإنكار الحقائق التي دل عليها العقل بناء على عدم قدرة المخابر أن تبرهن عليها، لأن مجال المخابر مرتبط بالعوالم الخاصة بها.

وهو يعزو سبب ذلك في كتابه القيم [الإنسان ذلك المجهول] إلى ذلك الخطأ الذي يقع فيه الكثيرون، وهو توهم أن التقدم الذي حصل في العلوم المادية والتقنية حصل مثله في علوم الإنسان، وذلك غير صحيح، يقول ألكسيس: (هناك تفاوت عجيب بين علوم الجماد وعلوم الحياة؛ فعلوم الفلك والميكانيكا والطبيعة تقوم على آراء يمكن التعبير عنها بسداد وفصاحة باللغة الحسابية.. بيد أن موقف علوم الحياة يختلف عن ذلك كل الاختلاف حتى ليبدو كأن أولئك الذين يدرسون الحياة قد ضلوا طريقهم في غاب متشابك الأشجار، أو أنهم في قلب دغل سحري لاتكف أشجاره التي لاعداد لها عن تغيير أماكنها وأحجامها.. فهم يرزحون تحت عبء أكداس من الحقائق التي يستطيعون أن يصفوها، ولكنهم يعجزون عن تعرفها أو تحديدها في معادلات جبرية)([66])

وهكذا رد عالم النفس السلوكي (ب. ف. سكينر) على الذين يحتقرون الفلاسفة القدامى، متوهمين أن العلم الحديث قضى على الفلسفة، أو أنه تطور بحيث لم يعد هناك مبرر لوجودها، فقال: (كان من الممكن أن يقال قبل ألفين وخمسمائة عام أن الانسان كان يفهم نفسه كما كان يفهم كل جزء آخر من عالمه. لكن فهمه لنفسه اليوم هو أقل من فهمه لأي شيء آخر. لقد تقدمت الفيزياء والبيولوجيا تقدما كبيرا الا أنه لم يحدث أي تطور مشابه في علم السلوك البشري، فليس للفيزياء والبيولوجيا اليونانية الآن سوى قيمة تاريخية، ولكن محاورات أفلاطون لاتزال مقررة على الطلاب ويستشهد بها كما لو أنها تلقي ضوءا على السلوك البشري، وما نحسب أن بمقدور أرسطو أن يفهم صفحة واحدة من الفيزياء والبيولوجيا الحديثة، ولكن سقراط وأصدقاءه لن يجدوا صعوبة في متابعة أحدث المناقشات الجارية في مجال الشؤون الانسانية. وفيما يتعلق بالتكنولوجيا فقد قطعنا خطوات هائلة في السيطرة على عالمي الفيزياء والبيولوجيا، ولكن ممارساتنا في الحكم والتربية لم تتحسن تحسنا ملحوظا)([67])

وهكذا يصرح كل العلماء المحققين بأن المعارف العلمية المرتبطة بالإنسان محدودة جدا، ولذلك ليس لها أن تقرر تلك القرارات الخطيرة التي يدعيها المبتدئون من الباحثين، والذين تصوروا أنهم وصلوا إلى الحقائق التي يمكنهم من خلالها اختصار الحياة في هذه الحياة.

يقول الفيلسوف الكبير د. محمد كامل حسين([68]) في كتابه (وحدة المعرفة): (إذا أردنا أن تكون صورة المعرفة كاملة تامة فليس لنا مناص من البحث في طبيعة العقل وكنهه، فهو جهاز التفكير الذي به تتحدد المعرفة) ([69])

لكنه يدرك مدى صعوبة البحث في هذا، وعدم توفر الإمكانيات الكافية للعلم في البحث في مثل هذه المسائل، فقال: (ولكننا لانرى البدء بهذا البحث. لأن ذلك يكون خطأ منهجياً. وقد بينا من قبل أن البدء بالبحث في تحديد العلاقات بين غايات الأمور ومعقداتها لايؤدي الى الحقيقة. والبحث في طبيعة العقل يجب أن يكون آخر البحوث كلها. ويجب أن لانتناوله الا بعد أن يتم علمنا بالكون والانسان. ويكفينا الآن أن ننظر الى العقل على أنه نور يلقى على الأشياء فيضيئَها، ويتيح لنا فهمها. ولنا أن نستخدمه جهازاً للتفكير دون أن نفهم ماهيته، حتى تتم لنا صورة المعرفة كاملة فنضعه منها موضعا حقا لا نستطيعه في أول البحث)([70])

وبناء على هذا ينصح بعدم البحث عن حقيقة العقل ـ والذي يمثل الحقيقة الإنسانية ـ فذلك مما لا يمكن للعلم إدراكه بوسائله المحدودة، وإنما محاولة استعمال عالم الآفاق للتعرف على عالم العقل، وهو نفس ما ذكره القرآن الكريم حين مزج بين كلا العلمين، فقال: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53]

يقول د. محمد كامل حسين معبرا عن هذا المعنى: (في الكون نظام، وفي العقل نظام، والمعرفة هي مطابقة هذين النظامين. والنظامان من معدن واحد، والمطابقة بينهما ممكنة لما فيهما من تشابه. ولولم يكونا متشابهين لاستحالت المعرفة. ولولم تكن المطابقة بينهما ممكنة ماعلم أحد شيئاً ؛ وتشابه النظامين الكوني والعقلي ليس فرضاً يحتاج الى برهان ؛ بل هو جوهر إمكان المعرفة. ومن أنكره فقد أنكر المعرفة كلها. وهذا الانكار خطأ يدل عليه ماحقق العقل من قدرة على التحكم في كثير من الأمور الطبيعية. ولم نكن لنستطيع تحقيق شيء من ذلك لو أن النظامين كانا مختلفين، ومهما تتغير المعرفة ومذاهب التفكير وفهمنا للكون فإن الحقيقة التي ثبتت ثبوتاً قطعياً هو هذا التوافق بين نظام الكون ونظام العقل) ([71])

بناء على هذا نحاول في هذا المبحث التعرف على بعض الأمارات التي استطاع العلم أن يكتشف من خلالها عدم اقتصار الحقيقة الإنسانية على المكونات البيولوجية التي يحويها جسمه، وهو ما يعني وجود مكون آخر غير هذه الخلايا والأنسجة التي يعتريها الموت.. وهو ما يعني أن الموت الذي يصيب هذه الأجهزة لا يمكن تعميمه على غيرها.

1 ـ الموت وحقيقة الإنسان:

يستند أصحاب النظرية العلمية القديمة على نفيهم للحياة بعد الموت، إلى نظرتهم للإنسان، باعتباره كيانا ماديا، ينتهي، أو ينعدم بمجرد تحلله، أو كما عبر عن هذه النظرة (ت ر. مايلز) عند جوابه على سؤال يقول: (هل هناك حياة بعد الموت؟)، فقد قال: (لا… لاحياة بعد الموت، لأن الحياة التي أعرفها لاتوجد الا في ظروف معينة من تركيب العناصر المادية. وهذا التركيب الكيماوي لايوجد بعد الموت، اذن: فلاحياة بعد الموت)([72])

ويضيف: (البعث بعد الموت حقيقة تمثيلية، وليس بحقيقة لفظية.. إنها قضية قوية عندي أن الانسان يبقى حيا بعد الموت، وهذه القضية من الممكن لفظيا أن تكون حقيقة، وهي قابلة لاختبار صحتها أو بطلانها بالتجربة، ولكن المسالة الرئيسية في طريقنا هي أننا لانملك وسيلة لمعرفة الاجابة القطعية عن هذا السؤال الا بعد الموت، ولذلك يمكننا أن نقيس) ([73])

والقياس الذي قام به (ت ر. مايلز) هو: (بناء على علم الاعصاب لايمكن معرفة العالم الخارجي، والاتصال به، الا عندما يعمل الذهن الانساني في حالته العادية، وأما بعد الموت، فهذا الادراك مستحيل، نظرا إلى بعثرة تركيب النظام الذهني)([74])

وهكذا نجد عالم الفيزياء المعروف ستيفن هوكينغ يقيس الإنسان على الكمبيوتر، فيقول: (أنا أعتبر الدماغ كجهاز كمبيوتر يتوقف عن العمل عندما تفشل مكوناته)، وقال أيضا (ليس هناك من جنة أو حياة آخرة لأجهزة كمبيوتر محطمة، وهي أشبه بقصة خرافية للناس الذين يخشون من الظلام)([75])

وهذا القياس الذي ذكره كلا العالمين وغيرهما هو نفسه الذي ذكره الله تعالى عن أولئك البدو السذج من أهل الجاهلية الذين كانوا يرددون كل حين مخاطبين المؤمنين: { مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية: 24]

وقد رد الله تعالى عليهم، فقال: {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24]، وهو وصف لحقيقة الطريقة التي يفكرون بها، والتي لا تعدو أن تكون ظنا ووهما لاعلاقة له بالواقع، ولا بالوسائل التي يستعملها العلماء في البحث.

ولذلك كان القياس الذي استعملوه غير صحيح، بل هناك قياسات أخرى أقوى من هذا القياس([76]) ؛ وهي تؤكد أن بعثرة الذرات المادية في الجسم الإنساني لا تقضي على الحياة؛ لأن (الحياة) شيء آخر، وهي مستقلة بذاتها، باقية بعد فناء الذرات المادية وتغيرها.

فالجسم الانساني يتألف من خلايا صغيرة جدا ومعقدة، يزيد عددها في الجسم الانساني العادي على 0000000000000، 260 خلية، وهي مثل الطوب الصغير، ينبني منه هيكل أجسامنا، لكن الفرق بين طوب أجسامنا والطوب الطيني شاسع جدا.. فطوب الطين الذي يستخدم في العمارات يبقى كما هو.. بينما يتغير طوب الجسم الإنساني في كل دقيقة، بل في كل ثانية.

فالخلايا تنقص بسرعة، كالآلات التي تتآكل باحتكاكها واستهلاكها، ولكن هذا النقص يعوضه الغذاء، فهو يهيء للجسم قوالب الطوب التي يحتاج اليها بعد نقص خلاياه واستهلاكها، وهكذا فإن الجسم يغير نفسه بنفسه بصفة مستمرة.

وهو ـ بذلك ـ يشبه النهر الجاري المملوء دائما بالمياه، لايمكن أن نجد به نفس الماء الذي كان يجري فيه منذ برهة، لأنه لايستقر، فالنهر يغير نفسه بنفسه دائما، ومع ذلك فهو نفس النهر الذي وجد منذ زمن طويل، ولكن الماء لايبقى، بل يتغير.

و بناء على هذا، فإنه يأتي وقت لاتبقى فيه أية خلية قديمة في الجسم، لأن الخلايا الجديدة أخذت مكانها.. وهذه العملية تتكرر في هذه الطفولة والشباب بسرعة ثم تستمر بهدوء ملحوظ في الكهولة، ولو حسبنا معدل التجدد في هذه العملية فسوف نخرج بأنها تحدث مرة كل عشرة سنين.

لكن مع ذلك، ومع أن الجسم يتعرض للفناء المادي الظاهري، إلا أن الإنسان في الداخل لايتغير، بل يبقى كما كان: علمه، وعاداته، وحافظته، وأمانيه، وأفكاره، تبقى كلها كما كانت.

فهو يشعر دائما، وفي جميع مراحل حياته بأنه هو (الانسان السابق)، الذي وجد منذ عشرات السنين، ولكنه لايحس بأن شيئا من أعضائه قد تغير، ابتداء من أظافر رجليه حتى شعر رأسه.

وبذلك فإنه لو كان الانسان يفنى بفناء الجسم، لكان لازما أن يتاثر على الأقل بفناء الخلايا وتغيرها الكامل، ولكننا نعرف جيدا أن هذا لايحدث؛ وهذا الواقع يؤكد أن (الانسان) أو (الحياة الانسانية) شيء آخر غير الجسم، وهي باقية رغم تغير الجسم وفنائه، وهو كنهر مستمر فيه سفر الخلايا بصفة دائمة.

وبذلك يمكن تعريف الإنسان أو الشخصية ـ كما يذكر وحيد الدين خان ـ بأنها (عدم التغير في عالم التغيرات) ([77])، (ولو كان الموت فناء (للانسان)، فمن الممكن ان نقول ـ بعد كل مرحلة من مراحل حدوث هذا التغير الكيماوي الذي يجري في الجسم ـ إن الانسان قد مات، وإنه يعيش حياة أخرى جديدة بعد موته! ومعناه أن الرجل الذي أراه في الخمسين من عمره، وهو يمشي في الشارع على رجليه، قد مات خمس مرات في هذه الحياة القصيرة؛ فاذا لم يمت هذا الإنسان بعد فناء أجزاء جسمه المادية خمس مرات، فكيف أستطيع أن أعتقد بأنه مات في المرة السادسة على وجه اليقين؟ ولاسبيل له الآن إلى الحياة؟)([78])

ويذكر وحيد الدين خان ردود أصحاب الفلسفة المادية على هذا الدليل، والتي لخصها [السير جيمز] بقوله: (إن (الشعور) لايوجد كوحدة، وانما هو وظيفة، وتفاعل وتنسيق وقد أصر الكثيرون من فلاسفتنا المحدثين على أن (الشعور) في ذاته ليس الا التفاعل والرد العصبي لما يحدث من حركة ونشاط في العالم الخارجي. وبناء على هذه النظرية لامجال للتساؤل عن إمكان الحياة بعد الموت، نظرا لتحلل النظام الجسماني، ولأن المركز العصبي في الجسم لم يعد له وجود، وهو الذي كان يتفاعل وينسق مع العالم الخارجي؛ وهم يعتقدون بناءا على هذا أن نظرية الحياة بعد الموت أصبحت غير ذات أساس عقلي أو واقعي) ([79])

وقد رد على هذا بقوله: (لو كانت هذه هي حقيقة الانسان، فلنجرب أن نخلق انسانا حيا ذا شعور، ونحن ـ اليوم ـ نعرف بكل وضوح جميع العناصر التي يتألف منها جسم الانسان، وهذه العناصر توجد في الأرض وفي الفضاء الخارجي، بحيث يمكننا الحصول عليها، وقد علمنا دقائق بناء النظام الجسماني، وعرفنا هيكله وأنسجته، ولدينا فنانون مهرة يستطيعون أن يصنعوا أجساما كجسم الأنسان، بكل مواصفاتها، فلنجرب ـ لو كان معارضو الروح يصرون على حقيقة مبدئهم ـ ولنصنع مئات من أمثال هذه الأجسام، ولنضعها في شتى الميادين، في بقعة الأرض الفسيحة، ثم لننتظر ذلك الوقت الذي تمشى فيه هذه الأجسام وتتكلم وتأكل بناء على تأثيرات العالم الخارجي) ([80])

وهكذا يمكن أن نجد ردودا كثيرة على ما ذكره ستيفن هوكينغ من تشبيه الإنسان بعد موته بالكمبيوتر العاطل، الذي لن يعود للعمل أبدا([81])، فلو أن هوكينغ فكر جيدا فيما يقول، وأجرى مقارنة صحيحة بين الكمبيوتر والإنسان، لأدرك أن الكمبيوتر بمكوناته المادية لا قيمة له بدون طاقة وبرنامج تشغيل يربطه بما حوله من مُدخلات علمية.

وهكذا الإنسان لابد له من طاقة تحركه وتبعث فيه الحياة، وتجعله قادراً على التعرف على ذاته وعلى ما حوله، وتجعله يختلف عن الحجر والشجر وسائر الحيوان، اختلافاً شاسعاً في الإدراك والقدرات، فإذا غابت عنه تلك الطاقة غاب الإدراك، وهذا ما نشاهده في الجنين في بطن أمه في الشهور الأولى من الحمل حيث يكون كتلة لحم لا إدراك فيها، وما نشاهده في الإنسان بعد الموت حيث يصير كتلة لحم لا إدراك فيها، وما بينهما نجده مفعما بالحياة والإدراك، والعقل يُحتم أن الحي يزيد عن الميت بشيء ما يهبه الحياة والإدراك، كما أن الكمبيوتر الذي يعمل يزيد عن الذي لا يعمل بالطاقة المحركة، وهذا الشيء هو الذي يطلق عليه المؤمنون اسم [الروح]

وهكذا نجد أن إدراك الكمبيوتر للمُدخلات العلمية ناتج عن برمجة سابقة من الإنسان، فهل يمكن للإنسان أن يدرك ما حوله بدون برمجة سابقة، فما تنقله لنا الحواس الخمسة ليس إلا إشارات كهربائية تنتقل من الحواس إلى العقل عبر الأعصاب فيتم التعرف عليها في العقل، فكل ما نشعر به من هذا الكون ليس إلا إشارات كهربائية بداخل الدماغ، فما الذي جعل الدماغ يتعرف على كل ما تدركه الحواس ويُفرق بينها بدقة شديدة؟

وبمناسبة تشبيه الإنسان بالكمبيوتر نحب أن نوضح هنا إشكالية يطرحها الكثير، وهي ما يحصل عند الموت، وهل النزع أو القبض مرتبط بالروح أو النفس؟

فلعل أحسن مثال يقرب صورة الروح والنفس وعلاقتهما بالحقيقة الإنسانية، ويبعد عنا الكثير من ذلك الجدل الذي يحوم حولها، وحول المقبوض، وهل هو النفس أو الروح، هو ما نتعامل به مع أجهزة الكمبيوتر.

حيث أننا نأتي أولا بجهاز الكمبيوتر، وهو عبارة عن مجموعة من القطع يمكن تشبيهها بأعضاء الإنسان.. فلكل قطعة وظيفتها التي تؤدي دورا معينا في الجهاز.

وهي لا تستطيع أن تؤدي أي دور قبل أن ننفخ فيها روح النظام.. فعندما يصبح الويندوز منصبا على الجهاز يتحول إلى جهاز متحرك، يمارس الكثير من الوظائف.

وحينها يمكن لصاحبه أن يفعل فيه بإرادته ما يشاء، وكل ما يفعله فيه يمكن تسجيله عبر البرامج الكثيرة التي تسجل كل ما يفعل في الجهاز.

وعندما يمل صاحب الجهاز من جهازه، ويريد أن يغيره، يأخذ نسخة من كل برامجه وأعماله، وربما يأخذ نسخة من النظام نفسه الذي كان يعمل به، ثم يقوم بوضعه في جهاز آخر، وبتغييرات طفيفة.

هذا المثال يقرب لنا كثيرا حقيقة الروح والنفس والجسد، ومن يقبض منها جميعا.

أما الجسد، فيشبه تلك القطع الصلبة التي يتكون منها جهاز الكمبيوتر، والتي قد ترمى عند عطبها التام، من غير أن يتضرر كل ما مورس عليها من أعمال، لأنه يمكن نسخها وحفظها في جهاز آخر.

وأما النظام والتطبيقات المرتبطة به، فهي تشبه الروح، والتي وصفت في القرآن الكريم بكونها من عالم الأمر، كما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } [الإسراء: 85]، وقال في الآية الأخرى: { أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ } [الأعراف: 54]

ولذلك يمكن اعتبار أرواح البشر جميعا واحدة، فكلهم قد نصب فيهم نظام واحد، ولذلك نراهم يتشابهون في فطرهم السليمة التي لم تدنس.

وأما النفس، فتشبه تلك الاختيارات التي يقوم بها صاحب الجهاز، حيث يقرأ ما يشاء من الكتب، ويستمع لما يشاء من الأصوات، ويشاهد لما يشاء من الصور.. وبذلك فإن عالم النفس هو العالم الذي يستثمر فيه الإنسان طاقات الجسد وطاقات الروح، ويوجهها للوجهة التي يريد، وبحرية تامة.

وقد أشار إلى هذا التشبيه الإمام الصادق بقوله: (مَثَلُ روح المؤمن وبدنه كجوهرة في صندوق، إذا أخرجت الجوهرة منه اطُّرِحَ الصندوق، ولم يعبأ به)([82])

وأشار إليه الإمام السجاد بقوله: (الموت للمؤمن كنزع ثياب وَسِخَةٍ قَمِلَةٍ وفَكِّ قيودٍ وأغلالٍ ثقيلة، والإستبدال بأفخر الثياب وأطيبها روائح، وأوطأ المراكب، وآنس المنازل. وللكافر كخلع ثياب فاخرة، والنقل عن منازل أنيسة، والإستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها، وأوحش المنازل، وأعظم العذاب)([83])

وبناء على هذا، فإن الموت، هو عبارة عن استبدال الجسد الذي أصابه العطب بجهاز آخر مع مراعاة اختيارات صاحب الجهاز، ولذلك يرى الإنسان كل أعماله التي كان يعملها محفوظة بإتقان، ذلك أن من مزايا الجسد الجديد الذي يستبدل به الجسد الفاني أنه تظهر فيه الأشياء بصورها الحقيقية..

2 ـ الموت وحقيقة العقل:

رأينا سابقا أن الفلاسفة القدامى الذين اتفقوا على خلود النفس، وعدم موتها بموت الجسد، استدلوا على ذلك بتلك الاكتشافات التي توصلوا إليها عن طريق التأمل، والذي أداهم إلى أن عقل الإنسان مستقل عن جسده، ذلك أن الجسد يهرم ويذبل وينتابه الكثير من الضعف، بينما عقله يبقى متقدا وسليما حتى في تلك الفترات الصعبة الشديدة.

ومن أكبر الأدلة على ذلك أن الكثير من المنجزات الإبداعية في الشعر والفلسفة والحكمة كتبت في ظل ظروف صعبة، لم يكن يمكن للعقل أن يبدعها لو كان تابعا للجسد.

وهذه الحقيقة التي اكتشفها العقل، بل الفطرة والبديهة، دل عليها العلم الحديث، وخاصة بعد تخلصه من فترة المادية التي طغت عليه إبان القرون الأولى من عصر النهضة.

ونحب أن نقتبس هنا مادة علمية مهمة تتعلق بتاريخ التطور العلمي حول الموقف من العقل وعلاقته بالجسد، وذلك من أهم ما كتب في هذا المجال، وهو (العلم فى منظوره الجديد)([84])، الذي ألفه اثنان من العلماء الكبار المعروفين فى أمريكا الشمالية أحدهما [روبرت أغروس] أحد أعلام الفيزياء النظرية ورئيس كلية العلوم في جامعة أوتاوى بكندا، والثاني [جورج ستانسيو] أحد الفلاسفة المتضلعين في فلسفة العلوم، ورئيس شعبة الفلسفة في نفس الجامعة ونفس البلد.

وكلاهما حاول في هذا الكتاب (هدم أركان المادية العلمية، تلك النظرية الكونية التى استهلها فرانسيس بيكون وجاليلو فى مطلع القرن السابع عشر، واستمرت إلى العقود الأولى من القرن العشرين، ثم إثبات وجود الله تعالى، وبيان الحكمة والغاية من إبداع الكون وخلق الإنسان، وذلك بالاستناد إلى النتائج التى انتهى إليها أقطاب العلماء والباحثين المعاصرين فى مجالات الفيزياء والكوزمولوجيا ومبحث الأعصاب وجراحة الدماغ وعلم النفس الإنسانى)([85])

وقد ذكر صاحبا هذا الكتاب العلمي القيم ـ عند تأريخهما لموقف العلماء الغربيين من العقل وعلاقته بالدماغ أو بسائر الجسد ـ أن هناك موقفان، أحدهما قديم ومادي، وسببه عدم توفر الوسائل الكافية للتحقيق العلمي، والثاني متطور، ويقترب اقترابا كبيرا مما ذكرته الأديان والفلاسفة وغيرهم.

وسنعرض هنا بعض ما ذكراه، لنتبين مدى رجعية من لا يزالون ينفون وجود العقل، أو يختصرونه في الدماغ، لأن رؤيتهم رؤية كلاسيكية قديمة، ولم يعد لها أي مصداقية في البحث العلمي الخالي من الأيديولوجية المادية.

أ ـ العقل بحسب الرؤية العلمية القديمة:

يذكر الكاتبان أن الرؤية العلمية القديمة، وبسبب عدم توفر الوسائل العلمية الكافية التي تتيح لهم التحقيق في حقيقة العقل وعلاقته بالجسد راحوا يعتمدون مبدأ البساطة، وذلك بتفسير الأشياء الطبيعية بلغة المادة وحدها.

وقد اعتمدوا في هذا على القياس على جميع الأشياء الطبيعية، والتي (تنشأ في نهاية المطاف عن تفاعلات بين جسيمات تتكون منها هذه الأشياء، فالماء سائل على نحو ما نعرفه لأن جزيئاته تنزلق بجانب بعضها بعضا بقليل من الإحتكاك، والمطاط متمغط لأن جزيئاته بحكم مرونتها تغير شكلها بسهولة، والماس شديد الصلابة لأن ذرات الكربون الموجودة فيه متراصة بشكل على هيئة شعرية محكمة النسج.. ولابد أن الأمر نفسه ينطبق على العقل)([86])

ومن الأمثلة على العلماء الذين اعتمدوا هذه الرؤية عالم الأحياء [توماس هـ. هكسلي]، وهو من علماء القرن التاسع عشر، والذي ذكر أن (الأفكار التي أعبر عنها بالنطق، وأفكارك فيما يتعلق بها إنما هي عبارة عن تغيرات جزيئية) ([87])

وقد نتجت عن هذه الرؤية المادية الكثير من المفاهيم الخاطئة عن الإنسان، أولها وأخطرها سلب حريته ذلك أنه ما دام العقل منبثقا من المادة.. والمادة لا تتصرف إلا بضرورة ميكانيكية، فإن الرؤية العلمية القديمة كانت تميل إلى تفسير تصرفات الإنسان بلغة الغريزة، والفسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء)،والكيمياء.والفيزياء، حيث لا مجال هناك لحرية الاختيار.

وبذلك فإن هذه الرؤية كانت ترى أن التغيرات المادية هي التي تسبب الأفكار، لا العكس، كما عبر عن ذلك [و.ك كليفورد]، أحد علماء الرياضيات في القرن التاسع عشر، في محاضرة له عن العلوم عن هذه الفكرة بإيجاز بليغ، فقال: (إذا قال أحد أن الإرادة تؤثر في المادة فقوله ليس كاذباً فحسب، وإنما هو هراء)([88])

وهكذا وصف هكسلي العلاقة بين العقل والجسد بقوله: (يبدو أن الوعي متصل بآليات الجسم كنتيجة ثانوية لعمل الجسم، لا أكثر، وأن ليس له أي قدره كانت على تعديل عمل الجسم مثلما يلازم صفير البخار حركة القاطرة دونما تأثيرعلى آليتها) ([89])

ومن تلك المفاهيم والمستلزمات لذلك التصور المادي للعقل ـ وفقا للنظرة القديمة ـ ما يرتبط بموضوعنا، وهو (أنه لاشيء في الإنسان يمكن أن يبقى بعد الموت، ذلك أنه إذا كان التفكير والإرادة نشاطين من أنشطة الدماغ، فليس هناك سبب يجعلنا نفترض أن هذين النشاطين يمكن أن يستمرا بعد فناء الدماغ، وإذا كان كل جزء من أجزاء الإنسان مادة فلابد من أن يكون كل جزء منه عرضه للفناء. ففي النظرة القديمة لاخلود إلا للمادة) ([90])

ولكن مع كل هذه الادعاءات، لم يستطع أحد في القرن التاسع عشر أن يحدد بالضبط كيفية انبثاق العقل من المادة، بل كان علماء الفسيولوجيا يتوقعون أن يأتي المستقبل بالجواب.

وقد كتب هكسلي عام 1886 يقول: (وهكذا سيوسع علم وظائف الأعضاء في المستقبل شيئا فشيئا من عالم المادة وقوانينها إلى أن يصبح مساويا في امتداده نطاق المعرفة والشعور والعمل) ([91]).. لكن نبوءاته لم تتحقق، بل تحقق عكسها كما سنرى.

وهكذا سرت آثار الرؤية القديمة على الدراسات النفسية، فبعد فرويد ظهر المذهب السلوكي، الذي أسسه [جون ب. واتسن] الذي حاز على درجة الدكتوراه في علم النفس من جامعة شيكاغو عام 1903.

فبعد أن قام واتسن بإجراء تجارب واسعة النطاق على الجرذان والعصافير والقرود سعى إلى إرساء علم النفس كفرع موضوعي كلياً من فروع العلم الطبيعي، ليس أحوج إلى ما سماه الاستبطان من علم الكيمياء أو الفيزياء، على أساس أن السلوك، من بين جميع الأعمال التي يقوم بها الإنسان، هو وحده القابل للمراقبة من الخارج بالتجارب الموضوعية. ففي رأي واتسن أن السلوك وحده، لا الوعي، هو الموضوع الصحيح لعلم النفس.

وبناء على هذا أنكرت المدرسة السلوكية العقل أصلاً، ورأت أن البحث فيه غير مجد، وتبعاً لذلك أكدت أن جسم الإنسان هو الحقيقة الإنسانية الوحيدة، وأن من الواجب أن يستبعد (العقل) ومعه جميع بهارجه من مجال العلوم.

وبذلك كانت المدرسة السلوكية أكثر ايغالاً في المادية من علم النفس الفرويدي، وبذلك كان التحول عن مذهب فرويد إلى المذهب السلوكي تقدماً في أفول نجم العقل.

وقد ذكر واتسن أن أول خطوة كان عليه أن يتخذها كعالم نفسي ملتزم بالمنهج العلمي أن يسقط من (مفرداته العلمية جميع العبارات الذاتية كالإحساس والإدراك والصورة الذهنية والرغبة والغاية، بل التفكير والعاطفة لانطوائهما على تعريف ذاتي) ([92])

ويضيف قائلاً: (إن السلوكي لا يعترف بما يسمى السمات الذهنية أو النزعات أو الميول) ([93])

أما جوانب العقل التي لا يمكن إنكارها فيتحتم أن تعرف من جديد بعبارات سلوكية فحسب، وهكذا أصبح التفكير يسمى (التكلم دون الصوتي)، وقد أعلن واتسن أن (التكلم والتفكير، إذا فهما على الوجه الصحيح، يسهمان إسهاماً كبيراً في تحطيم الخرافة القائلة إن هناك شيئاً يدعى (الحياة العقلية)

وتتجلى مادية واتسن المنهجية أكثر حين يتحدث عن دواعي التصرفات الإنسانية فيقول: (إن الإنسان بوصفه نتيجة طبيعية للطريقة التي ركب بها وللمادة التي جبل منها، لابد له من أن يتصرف كما يتصرف بالفعل (إلى أن يعيد التعلم صياغته)

والسلوكية تطرح المادة وتركيبات المادة باعتبارها الأسباب الوحيدة لتصرفات الإنسان. والإنسان بهذا المنظار، قطعة هامدة من المادة لابد من تشغيلها بقوى خارجية.

وهم يستندون في هذا إلى قوانين الفيزياء التي تنص على أن الجسم الساكن يظل ساكناً ما لم تؤثر فيه قوة من الخارج، وبذلك فإن الإنسان لا يتصرف من تلقاء نفسه، بل يخضع لتصرفات تفرض عليه.

ويذكر واتسن للسلوكية هدفين اثنين: (التنبؤ بالنشاط الإنساني)، و(صياغة قوانين ومبادئ يستطيع المجتمع المنظم بواسطتها ضبط تصرفات الإنسان). فإذا لم يكن الإنسان أكثر من كيان مادي فليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بعدم إمكانية برمجته كما تبرمج الآلة.

وقد عبر عن هذه الرؤية المادية وإلغائها لكل الحقائق والمشاعر المرتبطة بالإنسان، فقال: (الناس على استعداد للاعتراف بأنهم حيوانات، ولكنهم بالإضافة إلى ذلك شيء آخر.. وهذا الشيء الآخر هو الذي يخلق المشاكل.. ويندرج تحت هذا (الشيء الآخر) كل ما يعرف بالدين، والحياة بعد الموت، والأخلاق، وحب الأطفال والوالدين والوطن وما شاكل ذلك. والحقيقية العارية هي أنك، كعالم نفسي، لابد لك في هذه الحالة، إذا أردت أن تظل علمي المنهج، أن تصف سلوك الإنسان بعبارات لا تختلف عن تلك التي تستخدمها في وصفك لسلوك الثور الذي تنحره، وهذه الحقيقة قد صرفت وما فتئت تصرف الكثيرين من ذوي النفوس الرعديدة عن السلوكية) ([94])

وقد لاقت نظريات واتس معارضة شديدة، اضطر بعدها إلى اعتزال المجتمع الأكاديمي نهائياً في عام 1921، وأخذ يشتغل بمهنة تجارية في الميدان الإعلاني.

ب ـ العقل بحسب الرؤية العلمية الجديدة:

بخلاف الرؤية السابقة ـ والتي سببها انتشار الفلسفة المادية بعد الصراع الذي حصل مع الكنيسة ورجال الدين ـ ذهبت الرؤية العلمية الجديدة ـ بعد أن زال ذلك الانبهار بالعلم، وعرف العقل الإنساني محدوديته ـ إلى الإقرار بوجود العقل، وأنه خارج المادة، وأن له علاقة بالجسم، والدماغ خصوصا، ولكنه ليس الدماغ، وإنما شيء آخر.

وقد أثبت العلم ذلك بأدلة كثيرة، ابتدأت أولا ـ كما يذكر صاحبا كتاب [العلم في منظوره الجديد] ـ بتلك النظرة العلمية الجديدة للكون، والتي ظهرت بعد بنظرية النسبية وميكانيكا الكم اللتين برهنتا على محورية العقل حتى في مجال الفيزياء.

ثم حظيت هذه النظرة الجديدة بتأييد كبار العلماء، في علم الأعصاب، والذين كشفوا النقاب عن أدلة تثبت استقلال العقل، واستحالة إرجاعه إلى المادة.

وهكذا ظهرت في علم النفس المعاصر حركة تتجه إلى النتيجة ذاتها، وهي أولية العقل، ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية شعر كثيرون من علماء النفس أن إخضاع العقل للغريزة في طريقة التحليل النفسي، وإلغاء العقل في السلوكية، قد أفضيا إلى تجريد الإنسان من إنسانيته في علم النفس، معتبرين أن هذا موقف لا يطاق في فرع من فروع المعرفة مكرس لخدمة الجنس البشري، وبذلك التحمت في الخمسينات من هذا القرن (قوة ثالثة) في علم النفس إلى جانب القوتين الأخريين:التحليل النفسي والسلوكية([95]).

وقد وصف العالم النفسي [فرانك ت. سفرين] هذه الحركة الجديدة بقوله: (إن أتباعها لا يتكلمون بصوت واحد، ولا يشكلون مدرسة فكرية مستقلة، ولا هم متخصصون في أي مجال ذي مضمون محدد. بل إن كل ما يجمع بينهم هو الهدف المشترك المتمثل في (أنسنة) علم النفس. ففي اجتماع وطني للرابطة الأمريكية لعلم النفس عقد في عام 1971، قررت هذه الحركة الجديدة أن تطلق على نفسها اسم (علم النفس الإنساني)([96])

وقد شرح العالم النفسي [ايرفن ل. تشايلد]، الأستاذ بجامعة بيل، المنحى الأساسي لعلم النفس الجديد فقال: (يعرف علم النفس الإنساني بالإنسان الذي يتخذه نموذجاً له، وبإصراره على أن جملة المعارف العلمية ستتنامى بأقصى قدر من المنفعة إذا هي اهتدت بتصور للإنسان كما يعرف هو نفسه، لا بأي محاكاة غير إنسانية) ([97])

 وقد علل هذا بأن ما قام به الماديون من اختيار نماذج أخرى للتعبير عن الإنسان أو وصفه كانوا مخطئين فيها، (فما الذي يجعلنا بحاجة إلى نموذج للإنسان إذا كنا نحن أنفسنا من بني الإنسان، فالنموذج شبه مؤقت يؤخذ من شيء يقع خارج موضوع البحث ذاته. وهو يفيد حين تكون طبيعة الشيء بعيدة عنا أو مبهمة. فالنموذج الكوكبي للذرة الذي وضعه [نيلزبور] يفيد في أغراض معينة، إذ لا سبيل أمامنا لنعرف ما هي أحاسيس الذرة، ولكن لدينا بالفعل معلومات من داخلنا عن كيفية إحساس الإنسان بنفسه)([98])

وبناء على ذلك، (فعلم النفس الإنساني، إذاً، يتكون من جميع تيارات علم النفس الفكرية التي ينظر فيها إلى الإنسان، على نحو ما، كما ينظر هو عادة إلى نفسه، أي بوصفه إنساناً، لا مجرد حيوان أو آلة. فالإنسان قوة واعية، وهذه هي نقطة الانطلاق. فهو يجرب، وهو يقرر، وهو يتصرف. فإذا وجدت ظروف يمكن في ظلها أن تتحقق منفعة بالنظر إلى الإنسان تماماً من الخارج، كما لو كان يستجيب لحافز خارجي استجابة آلية منتظمة يتسنى التنبؤ بها، فربما كان الأخذ بنموذج آلي مفيداً في مثل هذه الظروف. ولكن علم النفس الإنساني ينطلق من افتراض كون مثل هذه الظروف حالات خاصة، ومن أن تأسيس علم النفس بأكمله عليها سيكون افتقاراً لهذا العلم، وقيدا من شأنه أن يحول دون تطبيقه العام على فهم طبيعة الإنسان)([99])

وما ذكره علماء النفس من أتباع النظرة الجديدة حصل مثله في علم الأعصاب، بعد أن جاء القرن العشرون بكشوف رائعة عن الفسيولوجيا، والتي خالفت كل ما ادعاه أصحاب النظرة القديمة.

وقد بدأ ذلك ـ كما يذكر صاحبا كتاب [العلم في منظوره الجديد] بـ [السير تشارلز سرنغتون] الذي يعتبر مؤسس فسيولوجيا الأعصاب الحديثة، فنتيجة بحوثه الرائدة في الجهاز العصبي والدماغ خلص إلى هذه النتيجة المهمة التي عبر عنها بقوله: (هكذا ظهر فرق جذري بين الحياة والعقل؛ فالحياة هي مسألة كيمياء وفيزياء، أما العقل فهو يستعصي على الكيمياء والفيزياء)([100])

وهو يقصد بمصطلح [الحياة] هنا إلى ما سماه الفلاسفة [النفس الحيوانية]، وهي ما تحتاجه حياة الجسد من متطلبات كالتغذية الذاتية، واستقلاب الخلايا والنمو، ذلك أن هذه الظواهر تتم بواسطة قوانين الفيزياء والكيمياء، ويمكن تفسيرها بلغة هذين العلمين، بخلاف أنشطة العقل فهي تتجاوز آليات الفيزياء والكيمياء.

وقد وافقه على هذا [السير جون اكلس] المتخصص في علم الأعصاب، والذي عبر عن النتيجة التي أوصلته إليها أبحاثه، فقال: (التجارب التي تنم عن الوعي تختلف في نوعها كل الاختلاف عما يحدث في آلية الأعصاب، ومع ذلك فإن مايحدث في آلية الأعصاب شرط ضروري للتجربة. وإن كان هذا شرطاً غير كاف) ([101])

ولتوضيح ذلك ساق المؤلفان مثالا توضيحيا يبين كيفية حصول الرؤية، وعلاقتها بالجسد والعقل، والمثال هو أن أشعة الشمس المنعكسة من الشجرة تدخل في بؤبؤ العين، ثم تمر من خلال العدسة التي تركز صورة مقلوبة ومصغرة للشجرة على شبكة العين، فتحدث فيها تغيرات فيزيائية وكيميائية..

لكن هذا ليس هو الإبصار.. إذ لو أن الذي حصل لعينه هذا كان فاقد الوعي، لم يبصر شيئا، مع أن تركيز تلك الصورة على شبكية عينيه، أحدث نفس التغيرات الفيزيائية والكيمائية.

وهذا مثل تركيز آلة التصوير على صورة ما، حيث يتعرض الفيلم الموجود في الآلة لتغيرات فيزيائية وكيميائية،ولكن آلة التصوير لاتبصر بالمعنى الحرفي في الألوان والأشكال التي تسجلها.

وبذلك، فإننا إذا أردنا أن نفسر الإبصار نحتاج إلى بحث أكثر وأعمق، ذلك أن الشبكية، وهي صفحة من المستقبلات شديدة التراص (عشرة ملايين مخروط ومائة مليون قضيب) تبدأ حين ينشطها الضوء المنبعث من الشجرة بإرسال نبضات الى العصب البصري الذي ينقلها بدوره إلى قشرة الدماغ البصرية.. وكل هذا قابل لأن يفسر بلغة الفيزياء والكيمياء، (ولكن أين مكان اللون الأخضر من كل هذا؟ فالدماغ نفسه رمادي اللون أبيضه.. فكيف يستطيع أن يتلقى لونا جديداً دون أن يفقد لونه السابق؟ وكيف يستطيع الدماغ أن يبصر الضوء إذا كان مغلقاً ومعزولاً تماما عن أي ضوء؟)([102])

وبناء على هذا يؤكد [السير جون اكلس] على سر الإدراك الحسي فيتساءل: (أليس صحيحاً أن أكثر تجاربنا شيوعاً تقبل دون أي تقدير لما تنطوي عليه من غموض هائل؟ ألسنا لا نزال كالأطفال في نظرتنا إلى مانقبله من تجاربنا المتعلقة بالحياة الواعية. فلا نتريث إلا نادراً للتفكير في أعجوبة التجربة الواعية أو لتقديرها؟ فالبصر، مثلا، يعطينا في كل لحظة صورة ثلاثية الأبعاد لعالم خارجي، ويركب في هذه الصورة من سمات الإلتماع والتلون ما لاوجود له إلا في الإبصار الناشيء عن نشاط الدماغ. ونحن بالطبع ندرك الآن النظائر المادية لهذه التجارب المتولدة من الإدراك الحسي كحدة المصدر المشع والطول الموجي للإشعاع المنبعث، ومع ذلك فعمليات الإدراك ذاتها تنشأ بطريقة مجهولة تماما عن المعلومات المنقولة بالرموز من شبكية العين إلى الدماغ) ([103])

ويضرب مثلا على ذلك بالصورة التي تسلط على الشبكية، فهي (لا تعود أبدا إلى الظهور مجددا في الدماع، بل لابد للعقل الواعي من أن يعيد تركيبها من أنماط النبضات المرموزة، فكل عملية إدراك حسي تتكون من ثلاث مراحل:المنبه الأصلي لعضو الحس، والنبضات العصبية المرسلة إلى الدماغ، ونمط النشاط العصبي المثار في الدماغ) ([104])

ويلخص أكلس هذه العملية فيقول: (إن عملية النقل من عضو الحس إلى قشرة المخ تستخدم نمطا من النبضات العصبية معبراً عنها برموز تشبه رموز مورس، وتنحصر فيها النقاط في تسلسلات زمنية شتى. ومن المؤكد أن هذا النقل المرموز يختلف تمام الإختلاف عن عملية الحفز الأصلي لعضو الحس المعني، كما أن النمط المكاني / الزماني للنشاط العصبي المثار في قشرة المخ مختلف هو الآخر كل الأختلاف، وعملية الترجمة المزدوجة هذه تضخم أعجوبة الإدراك الحسي. ذلك أن هذه السلسلة من الترجمات الفيزيائية/ الكيمائية تسفر عن تجربة حسية محددة كإبصار اللون الأخضر، وفي هذه النقلة ما يبعث على قدر من الذهول ليس أدنى إثارة للعجب من حالة شخص يفهم فجأة نصا ترجم له من لغة يجهلها إلى لغة أخرى يجهلها كذلك) ([105])

وبناء على هذا فعالم الإحساس، وفقا للنظرة الجديدة، يتوقف على عالم الفيزياء والكيمياء، ولكنه ليس مقصوراً عليه، ذلك أنه من المؤكد أن وجود كتاب ما يتوقف على عناصر الورق والصمغ والحبر التي يتكون منها،ومن دونها لا يمكن أن يوجد الكتاب، ومع ذلك، فالكتاب لايٌفهم فهماً كافياً بمجرد إجراء تحليل كيميائي للحبر ولألياف الورق، وحتى لو عرفنا طبيعة كل جزء من جزيئات الورق والحبر معرفة كاملة فذلك لا يكشف لنا شيئا عن محتوى الكتاب، ذلك أن محتوى الكتاب يشكل نظاماً أسمى يتجاوز عالم الفيزياء والكيمياء، وبطريقة مماثلة تؤكد النظرة الجديدة أن أحاسيسنا تتوقف على أعضاء الجسم، ولكن لايمكن حصرها في الخواص الفيزيائية والكيميائية للمادة) ([106])

و هكذا يستعمل [شرنغتون] مثال البصر لايضاح أن النظرة القديمة التى يسميها [مخطط الطاقة] لا تستطيع أن تعلل إحساسنا بنجم نراه، فمخطط الطاقة يتناول هذا الاحساس ويصف مرور الاشعاع من النجم إلى العين والصورة الضوئية الصغيرة التى تتشكل له فى قاع العين وما يسفر عنه ذلك من النشاط الضوئى الكيميائى فى الشبكية وسلسلة التفاعلات التى يحتمل أن تحدث ابتداء بالعصب وانتهاء بالدماغ، وكذلك التشويش الكهربائى فى الدماغ، ولكنه لا يقول شيئا عن إبصارنا للنجم، فمخطط الطاقة لا يفسر ادراكنا ان للنجم سطوعا واتجاها وبعدا ولا كيفية تحول الصورة فى قاع العين الى نجم نراه فوق رؤوسنا.

والنتيجة التي يذكرها مؤلفا كتاب [العلم في منظوره الجديد] هي أن (النشاط الفسيولوجى والكيميائى للدماغ وفقا للنظرة العلمية الجديدة أمر ضروري للإحساس متزامن معه، ولكنه ليس الإحساس بعينه، والمادة وحدها لا تستطيع أن تفسر الإدراك الحسى؛ فالنظرة القديمة تستطيع أن تتحدث عن الموجات الضوئية والتغيرات الكيميائية والنبضات الكهربائية فى الأعصاب ونشاط خلايا المخ، أما عن عمليات الإبصار والشم والذوق والسمع واللمس ذاتها فليس عند المادية ما تقوله) ([107])

وبعبارة أخرى، (إن الإدراك الحسى حقيقة، ولكنه ليس المادة ولا هو من خواص المادة وليس فى مقدور المادة أن تفسره) ([108])

وبناء على هذا كله يصرح [شرنغتون] بأن (كون وجودنا مؤلفا من عنصرين جوهريين أمر ليس فى تصورى أبعد احتمالا بطبيعته من اقتصاره على عنصر واحد، فالنظرة الجديدة تفترض وجود عنصرين جوهريين فى الإنسان:الجسم والعقل) ([109])

وبذلك فإن العلم في رؤيته الجديدة، استطاع أن يكتشف وجود العقل، وانفصاله عن الجسد، أو كونه مكونا آخر للإنسان غير الجسد، عبر مثال بسيط هو الإدراك البصري، الذي هو نوع من أنواع الإدراك الحسى.

فكيف به عندما يريد أن يفسر سائر الإدراكات وعلاقتها ببعضها فـ (كلمة إدراك تعنى (المعرفة او الوعى) وبهذا المعنى فأى نشاط ينطوى على معرفة أو إدراك هو من أنشطة العقل المدرك، فالمسالة كلها تبدأ بالإدراك الحسى، والحواس الخارجية هى الأساس الأول لكل المعارف الإنسانية ومصدرها، ومن دون المعلومات الآتية من هذه الحواس لا يكون لدى الذاكرة أى شىء تتذكره، ولا للخيال أى شيء يتصوره، ولا للعقل أى شىء يفهمه، وكل حاسة من الحواس الخمس تدرك صفة محددة من صفات الأشياء المادية.. فنحن نستطيع مثلا أن نعرف حجم قطعة نقدية عن طريق حاسة البصر أو حاسة اللمس واللمس وحده بين الحواس الخارجية الخمس موزع على مختلف أنواع أجزاء الجسم أما الخواص الأربع الأخرى فكل منها يقتصر على عضو متخصص:العين أو الأذن أو الأنف أو اللسان)([110])

وإلى جانب هذه الحواس الخارجية (نجد تحت تصرفنا مجموعة كبيرة من ملكات الإحساس الداخلى، فنحن نملك القدرة على الإحساس لا بالبياض وبحلاوة الطعم فحسب، بل على ادراك الفارق بينهما، فالعين تدرك البياض ولا تدرك الحلاوة، واللسان يدرك الحلاوة، ولا يدرك البياض، فلا اللسان ولا العين يستطيعان التمييز بين البياض والحلاوة لأن أيا منهما لا يدرك الاثنين معا، ويصدق هذا القول نفسه على الفرق بين ارتفاع الصوت وارتفاع الحرارة، ذلك لأن أى ملكة قادرة على مقارنة شيئين لا بد لها من أن تعرفهما كليهما، وما من حاسة خارجية تستطيع أن تؤدى هذه المهمة تبعا لذلك لا بد من أن تكون فينا حاسة داخلية تستطيع أن تدرك جميع الصفات التى تدركها الحواس الخارجية وأن تميز بينهما) ([111])

وهكذا (نحن نملك القدرة على أن نستدعى أمورا لم تعد حاضرة، فعملية التذكر شىء حاضر بالفعل، ولكن الشىء الذى نتذكره ليس كذلك، إذ إن إدراكنا الحسى الأصلى قد زال على نحو ما، ولكنه مع ذلك تحت تصرفنا فالذاكرة لا تستحضر التجربة الماضية فحسب، بل تستحضرها بوصفها حدثا ماضيا، وتستطيع ترتيبها من حيث صلتها بتجارب أخرى ماضية. بل إن الأدعى الى الدهشة هو قدرتنا على أن نجعل أنفسنا نتذكر الشىء المنسى.صحيح أن الذاكرة تخوننا أحيانا فلا نستطيع أن نتذكر اسم شخص ما، ولكننا نستطيع فى الغالب أن نحمل أنفسنا على تذكره بالتركيز على أمور أخرى مرتبطة بذلك الاسم) ([112])

وهكذا نحن نملك الخيال، وهو (ملكة حسية داخلية أخرى نستطيع بواسطتها أن نتصور لا الأشياء المدركة بالحواس فحسب، بل الأشياء التى لا تدركها هذه الحواس كجبل من ذهب أو فيل بحجم البرغوث، فالخيال، بخلاف الذاكرة، يستخدم المعلومات الواردة من الحواس الخارجية الخمس بحرية وبطريقة إبداعية) ([113])

وهكذا نحن نملك القدرة على (الإحساس بالعواطف، كالحب والغضب والفرح والخوف والأمل والرغبة والحزن، والتي تربطنا بالعالم بطريقة أخرى مختلفة كذلك. فكل عاطفة تنشأ من فعل ملكة حسية، سواء كانت حاسة خارجية كالخيال، أو الذاكرة فالغضب مثلا يثيره الإحساس بالضرر أو الإهانة والخوف يحركه تخيل وقوع شر يتهددنا فى المستقبل والحزن يسببه الإحساس بألم حاضر أو تذكر ألم مضى زمانه كذلك من طبيعة العاطفة أن يحس بها، بل إن العواطف تسمى أحيانا أحاسيس لوثاقة صلتها بحاسة اللمس، ورغم ذلك، ومع أن الأحاسيس تسبب وتلازم على الدوام كل عاطفة، فإن العواطف ذاتها ليست أفعالا تندرج تحت الإدراك الحسى. فالخوف لا يدل على مجرد الإحساس بشىء ما، وإنما يدل على موقف أو رد فعل إزاء ذلك الشىء. والعاطفة ليست عملية الإبصار، ولكنها رد الفعل إزاء الشىء المبصر والذى يجعلنا نميل إليه أو يدفعنا بعيدا عنه)([114])

وهكذا نحن نملك القدرة على (إدراك ماهية الأشياء، وهو أمر لا تستطيع الحواس القيام به، ولا ملكة الخيال ذاتها، فإذا حاولنا مثلا أن نتخيل ما هو الحيوان فالصورة التى ترتسم فى أخيلتنا الحسية تختص بحيوان بعينه له صفات محددة من حيث الحجم والشكل واللون ومن المستحيل تكوين صورة حسية لما يشترك فيه جميع الحيوانات ومع ذلك فليس من المستحيل على العقل أن يفهم ما هو الحيوان)([115])

بل نحن نملك القدرة على إدراك أشياء أكبر بكثير، مثل (المكان الذى يتحدث عنه أينشتاين)، والذي لا يمكن تصوره، كما قال عالم الفيزياء الفلكية [وليم كوفمان]: (ومن المستحيل عمليا أن نتصور متصل المكان والزمان الملتوى ذا الأبعاد الأربعة)، فالمكان الرباعى الأبعاد لا يستطيع أن يحس به أو يتخيله حتى علماء الفيزياء والرياضيات، ولكن يمكن فهمه.

وبذلك فإن العقل فى مجال العلوم (يسمو على قيود الخيال، وهو حاسة داخلية فالعقل البشرى إذا ليس متميزا من الخيال فحسب بل هو قدرة إدراكية تفوقه بكثير والعقل لا الحواس هو الذى يصنع العلم لأنه وحده يستطيع أن يستكشف ماهية الأشياء وعللها)([116])

بل نحن نملك القدرة على أشياء أكبر من الإدراك نفسه، وهى الإرادة (ومن اليسير التمييز بين الإرادة والعاطفة لأن الاثنين يمكن أن تتصادما والأعمال الجريئة تبرهن على أن الإرادة تفرض نفسها حتى على الخوف من الموت فالعواطف تثيرها الحواس ولكن الإرادة تختار وفقا لما يراه العقل، بل إننا كثيرا ما نقول إن فلانا من الناس قد تغلب على عاطفته لأنه كان عنده سبب وجيه للقيام بذلك فالحيوان يتبع حكم الإحساس والعاطفة ولكن الإنسان يتمتع بقدرة على الاختيار وفقا لما يفهمه عقله)([117])

وقد ذكر مؤلفا كتاب [العلم في منظوره الجديد] بمناسبة حديثهما عن علاقة الإرادة بالعقل، اكتشافا علميا رائعا، لا يمكن لمن يحترم عقله أن يرفضه، أو يتلاعب بنتائجه، أو يحاول الهروب منها، فهي تشكل دليلا حسيا على وجود العقل.

يقول المؤلفان في التقديم لهذا الاكتشاف: (وفيما يتعلق بالعلاقة بين العقل والإرادة تم بعض أروع اكتشافات القرن العشرين خلال عمليات جراحية أجراها ويلدربنفيلد على أدمغة ما يربو على ألف مريض فى حالة الوعى، وملاحظات بنفيلد حول وظيفة الدماغ تفوق فى حجيتها وكمالها جميع الأدلة السابقة غير المباشرة المستفادة من بحوث أجريت على حيوانات، ومن عمليات جراحية أجريت على أدمغة أشخاص مبنجين، وكان بنفيلد، والذى يعود له الفضل الأول فى ادماج مباحث الأعصاب وفسيولوجيا الأعصاب وجراحة الأعصاب، وقد شرع فى بحوثه الرائدة فى الثلاثينات من هذا القرن غير أن الآثار الكاملة المترتبة على اكتشافه لم تتضح إلا حين نشر كتابه المسمى [لغز العقل]) ([118])

لقد اكتشف بنفيلد عام 1993 بمحض الصدفة أن تنبيه مناطق معينه فى الدماغ بالكهرباء تنبيها خفيفا يحدث استرجاعا فجائيا للذاكرة عند المريض الواعى.

لقد ساورت بنفيلد الشكوك أول الأمر، ثم أخذته الدهشة، فعندما لامس القطب الكهربائى قشرة مخ شاب تذكر هذا الشاب أنه كان جالسا يشاهد لعبة (بيسبول) فى مدينة صغيرة، ويراقب ولدا صغير يزحف تحت السياج، ليلحق بجمهور المتفرجين، وهناك مريضة أخرى سمعت آلات موسيقية تعزف لحنا من الألحان.. قال بنفليد: (أعدت تنبيه الموضع نفسه ثلاثين مرة محاولا تضليلها، وأمليت كل استجابة على كاتبه، وكلما أعدت تنبيه الموضع كانت المريضة تسمع اللحن من جديد، وكان اللحن يبدأ فى المكان نفسه، ويستمر من اللازمة إلى مقطع الأغنية، وعندما دندنت، مصاحبة الموسيقا، كان إيقاعها يسير بالسرعة المتوقعة له) ([119])

لقد كان المرضى يحسون دائما بالدهشة لتذكر الماضى بمثل هذه التفاصيل الحية، ويفترضون على الفور أن الجراح هو المسؤول عن تنبيه الذاكرة التى ما كانت تتاح لولاه، وكان كل مريض يدرك أن التفاصيل هى من واقع تجاربه الماضية، وكان من الواضح أن الأشياء التى كان قد أولاها عنايته هى وحدها التى أودعها فى محفوظات دماغه.

وكان بنفيلد من وقت لآخر يحذر المريض أنه سينبه دماغه، ولكنه لا يفعل ذلك، وفى مثل هذه الحالات لم يكن المريض يذكر أى ردود فعل إطلاقا.

ثم إن ملامسة المنطقة الخاصة بالنطق فى الدماغ تؤدى إلى فقدان مؤقت للقدرة على الكلام عند المريض، ونظرا لانعدام الإحساس فى الدماغ، فالمريض لا يدرك أنه مصاب بالحبسة إلا عندما يحاول أن يتكلم أو يفهم الكلام، فيعجز عن ذلك، وقد روى بنفيلد ما حدث، فقال: (أخذ أحد مساعدى يعرض على المريض صورة فراشة وضعت القطب الكهربائى حيث كنت أفترض وجود قشرة المخ الخاصة بالنطق، فظل المريض صامتا للحظات، ثم طقطق بأصابعه كما لو كان غاضبا، ثم سحبت القطب، فتكلم فى الحال، وقال: الآن أقدر على الكلام، إنها فراشة لم أكن قادرا على النطق بكلمة (فراشة) فحاولت أن أنطق بكلمة (عثة)

لقد فهم الرجل بعقله الصورة المعروضة على الشاشة، وطلب عقله من مركز الكلام فى دماغه أن ينطق بالكلمة التى تقابل المفهوم المائل فى ذهنه، وهذا يعنى أن آلية الكلام ليست متماثلة مع العقل، وإن كانت موجهة منه، فالكلمات هى أدوات تعبير عن الأفكار، ولكنها ليست الأفكار ذاتها، وحين عجز المريض عن التفوه بالكلمة لانسداد الكلام عنده استغرب، وأمر بالبحث عن اسم شئ مشابه هو (العثه) وعندما فشل في ذلك أيضا طقطق بأصابعه غضبا (إذ إن هذا العمل الحركى لا يخضع لمركز الكلام)، وأخيرا عندما انفتح مركز الكلام عند المريض شرح تجربته الكاملة مستخدما كلمات تناسب أفكاره، وقد استنتج بنفيلد أن المريض حصل على كلمات من آلية الكلام عندما عرض مفاهيم، ونحن نستطيع الاستعاضة عن ضمير الغائب فى عملية الاستبطان هذه بكلمة عقل فعمل العقل ليس عملا آليا)

وهكذا توصل بنفيلد إلى نتائج مماثلة فى مناطق الدماغ التى تضبط الحركات، قال: (عندما جعلت أحد المرضى يحرك يده بوضع القطب على القشرة الحركية فى أحد نصفى كرة دماغه كنت أسأله مرارا عن ذلك، وكان جوابه على الدوام (أنا لم أحرك يدى ولكنك أنت الذى حركتها) وعندما أنطقته قال: (أنا لم أخرج هذا الصوت أنت سحبته منى)

وقد لخص بنفيلد ذلك بقوله: (إن القطب الكهربائي يمكن أن يخلق عند المريض أحاسيس بسيطة متنوعة، كأن يجعله يدير رأسه أو عينيه أو يحرك أعضاءه أو يخرج أصواتا، وقد يعيد إلى الذاكرة إحساسا حيا بتجارب ماضية، أو يوهمه بأن التجربة الحاضرة هى تجربة مألوفة، أو أن الأشياء التى يراها تكبر وتدنو منه، ولكن المريض يظل بمعزل عن كل ذلك، وهو يصدر أحكاما على كل هذه الأمور وربما قال: إن الأشياء تكبر) ولكنه يستطيع مع ذلك أن يمد يده اليسرى، ويقاوم هذه الحركة.

ونتيجة مراقبة مئات المرضى بهذه الطريقة انتهى بنفيلد إلى أن عقل المريض الذي يراقب الموقف بمثل هذه العزلة والطريقة النقدية لا بد من أن يكون شيئا آخر يختلف كليا عن فعل الأعصاب اللاإرادي، ومع أن مضمون الوعي يتوقف إلى حد كبير على النشاط، فالإدراك نفسه لا يتوقف على ذلك.

وباستخدام هذه الأساليب المراقبة استطاع بنفيلد أن يرسم خريطة كاملة تبين مناطق الدماغ المسؤولة عن النطق والحركة وجميع الحواس الداخلية والخارجية غير أنه لم يكن في المستطاع تحديد موقع العقل أو الإرادة في أي جزء من الدماغ، فالدماغ هو مقر الإحساس والذاكرة والعواطف والقدرة على الحركة، ولكنه ليس مقر العقل أو الإرادة.

وقد أعلن بنفيلد عن نتائج أبحاثه قائلا: (ليس في قشرة الدماغ أي مكان يستطيع التنبيه الكهربائي فيه أن يجعل المريض يعتقد أو يقرر شيئا، والقطب الكهربائي يستطيع أن يثير الأحاسيس والذكريات غير أنه لا يقدر أن يجعل المريض يصطنع القياس المنطقى، أو يحل مسائل فى الجبر، بل إنه لا يستطيع أن يحدث فى الذهن أبسط عناصر الفكر المنطقي، والقطب الكهربائي يستطيع أن يجعل جسم المريض يتحرك، ولكنه لا يستطيع أن يجعله يريد تحريكه، إنه لا يستطيع أن يكره الإرادة، فواضح أذا أن العقل البشرى والإرادة البشرية ليس لها أعضاء جسدية)

بعد هذا الاكتشاف، والذي أعقبته اكتشافات كثيرة تدل على ضرورة وجود العقل، وكونه كائنا آخر غير الجسد، نختم هذا المبحث ببعض ما ورد في حوارية ذكرها د. عمرو شريف في كتابه المهم [رحلة عقل]، وقد جرت ـ كما يذكر ـ بينه والدكتور جي موريلاند من جهة، باعتبارهما يمثلان الفكر الإيماني، مع بعض الملاحدة الماديين ([120]).

وقد بدأ فيه الملحد سؤاله عن تعريف الوعي، فأجاب المؤمن بقوله: (الوعي هو القدره على التأمل فيما حولنا وفيما بداخلنا، إنه يقف وراء الاحاسيس والافكار والمعتقدات والرغبات وحرية الاختيار ؛ إنه ما يجعلنا نشعر بأننا أحياء.. إن الوعي ببساطه هو الفرق بين الانسان المستيقظ والانسان النائم.. ويمكن تشبيه الوعي بالتيار الكهربائي الذي لايعمل الكمبيوتر إلا به، إذا تتلاشى قدرات الكمبيوتر إذا تم فصل التيار الكهربائي عنه)

قال الملحد: يعتبر كثير من البيولوجيين أن العقل المسؤول عن الوعي نتاج مباشر للمخ المادي، تماماً كما تنتج الكليتان البول، لذلك يعتقد أنصار التطور الدارويني أنه ما إن وصل المخ إلى الحجم الحالي وتعقيده المذهل حتى بزغ العقل تلقائياً كخطوة تطورية.. لأكن أميناً معك، لايمكنني أن أتصور أن التطور العشوائي قادر على تشكيل العقل الإنساني بكل ملكاته فما رأيك أنت؟

أجاب المؤمن: لست وحدك الذي تجد صعوبة في ذلك، أنظر إلى مايقول أستاذ الفلسفة البريطاني بجامعة أكسفورد كولن ماكجين: (لا أستطيع أن أتصور أن المادة يمكن بأي آلية بيولوجية أن تكتسب العقل، إن العقل كالحياة ضيف جديد تماماً على الكون، إنه قفزة هائلة من نوع مختلف ولاينبغي أن يتهرب البيولوجيون التطوريون من المشكلة بأن يغضوا النظر عنها)

وأضاف المؤمن: إن القائلين ببزوغ العقل من المخ المادي يواجهون أربع مشكلات:

1- إن قولهم هذا يعني أن الماده تتميز بعقل كامن فيها، وعند وصول المادة إلى درجة معينة من تعقيد البنية تتفجر وتظهر هذه القدرات الكامنة، وقد أضفوا على المادة بذلك صفات تخالف تماماً المفاهيم المادية إنها صفات أقرب لمنظور المتدينين من منظور الماديين.

2- إذا انبثق العقل من المادة دون استمداد من ذكاء مطلق أعلى فكيف نثق في أحكامه؟ ومن باب التشبيه إذا قام شخص متخلف عقلياً ببرمجة الكمبيوتر، هل تثق فيما نحصل عليه من مخرجات الكمبيوتر، فما أدراك لو لم يكن لهذا المبرمج عقلاً بالمرة.

3- تؤمن عقولنا بالعديد من المفاهيم البديهية التي لانطلب دليلاً عليها وأولها اعتقادنا في سلامة عقولنا وأحكامنا فمن أين أتت هذه المفاهيم التي نبني عليها كل أمور حياتنا وكل أفكارنا ومفاهيمنا، وكيف تكون إفرازاً مباشراً للنشاط الكهروكيميائي وكيف يجعلنا المخ نثق في هذه المفاهيم البديهية بهذا اليقين؟

4- إن بزوغ العقل من المادة يتطلب خضوعه لقوانينها الكيميائية والفيزيائية وماتتسم به من حتمية، إن افتراض الحتمية يتنافى مع مايتمتع به الإنسان من حرية الاختيار فأنت تستطيع أن تستكمل قراءة هذا الفصل أو أن تغلق الكتاب.

قاطع الملحد المؤمن قائلا: وماذا لو افترضنا أن العقل انبثاق مباشر من المخ كما يعتقد الماديون فما الذي يترتب على ذلك؟

أجاب المؤمن: لو صدق هذا المنظور لما وجد العقل الإنساني أصلاً، فإذا كان العقل نتاجاً مباشراً للمادة (المخ) لتبنى جميع البشر رأيا واحدا في كل قضية، إذ أن النظرة المادية واحدة كما نجد في العلوم الطبيعية معنى ذلك أن تختفي النظرة النسبية للأمور والتي هي أهم سمات العقل الإنساني.

قال الملحد: لقد طرحت العوائق المنطقية أمام فكرة انبثاق العقل من المخ المادي، واستنتجت من وجود هذه العوائق أن العقل ليس من نتاج المخ، إن مثل هذا الدليل يعتبر عند علماء المنطق دليلاً سلبياً، فهل لديك دليل إيجابي على ذلك؟

أجاب المؤمن: سأقدم لك أدلة تجريبية، ولاشك أن الدليل التجريبي هو أقوى الأدلة العلمية، لقد أجرى دكتور ويلدر بنفيلد مؤسس علم جراحة الأعصاب الحديث أكثر من ألف عملية جراحية لمرضى الصرع الذين لايستجيبون للعلاج، وقد حاول أثناء إجراء هذه الجراحات أن يتوصل إلى موضع العقل داخل المخ البشري، وذلك عن طريق التنشيط الكهربائي لمراكز القشرة المخية المختلفة في الوقت الذي يكون فيه المريض تحت التخدير الموضعي، وعند تنشيط منطقة معينة كانت يد المريض تتحرك فيحاول المريض أن يمنعها عن الحركة بيده الأخرى، وعندما ناقش بينفيلد مرضاه أجابوا بأنهم لايستطيعون منعها.. ومعنى ذلك أنه بينما كانت إحدى يدي المريض تحت التحكم المباشر للنشاط الكهربائي للقشرة المخية كانت إرادة المريض تحاول منعها باستخدام اليد الأخرى، وذلك يؤكد أن للإنسان إرادة منفصلة عن النشاط الكهروكيميائي للمخ، وبالرغم من أن دكتور بنفيلد كان يهدف من أبحاثه إلى إثبات أن مخ الإنسان هز كل شيء وليس وراءه شيء آخر فإنه أقر في النهاية بأن كل من المخ والعقل يمثل وجوداً مستقلاً وذو طبيعة مختلفة.

وكذلك أكد دكتور [روجر سبيري]، وهو حاصل على جائزة نوبل لأبحاثه حول اختلاف وظائف كل من نصفي المخ، بعد تجاربه وأبحاثه المستفيضة عن المخ البشري أن الوظائف العقلية لاتعتمد على نشاطات المخ المادي وإن كانت تستعمله كآلة.

قال الملحد: لاشك أن قضية مصدر العقل الإنساني من أهم القضايا في حياتنا وإن لم تثر اهتمام العامة، فهل هناك المزيد من الأدلة على أن العقل شيء والمخ شيء آخر؟

قال المؤمن: استميحك عذراً لدي موعد لزيارة الطبيب لإجراء بعض الفحوصات المعملية والإشعاعية ليطمئنني على وظائف قلبي ورئتي ومخي.. وكذلك رسم المخ الكهربائي للإطمئنان على صحة أو خطأ أفكاري ومشاعري..

ثم ضحك، وقال: لاشك أن أية فحوصات تجرى على المخ لن تستطيع أن تطلع على أفكارنا وتقوم صحتها أو خطأها إن مايدور في عقولنا أمر شديد الخصوصية.

قاطع الملحد المؤمن قائلاً: لقد أثبت العلم إمكانية الاطلاع على نشاطاتنا العقلية فالأطباء يستطيعون الآن عن طريق تسجيل نشاط المخ الكهربائي وملاحظة حركات العينين أثناء نومنا أن يحددوا متى نحلم.

قال المؤمن: هل تستطيع حركات العين ونشاط المخ الكهربائي أن يخبرانا بمحتوى أحلامنا، لابد أن نوقظ الشخص ليخبرنا عن مضمون حلمه.. إن النشاط الكهربائي الذي نسجله أثناء أحلامنا يعني أن هناك تلازما بين نشاطنا العقلي وبين نشاط المخ الكهربائي، لكن ذلك لايحدد أيهما السبب وأيهما النتيجة.

وقف الملحد متحفزا وقال: لدي دليل علمي قوي لا أحسبك قادرا على دفعه يؤكد أن المخ هو مصدر العقل، بل ومصدر الشعور بالذات.. لقد استطاع الانسان منذ قديم الزمان التحكم في درجة وعيه وحدة عقله وشعوره بذاته عن طريق العقاقير المخدره والمهلوسة والخمور.. كذلك استطاع أطباء الأمراض النفسية عن طريق العقاقير التي تعدل في كيمياء المخ أن يغيروا من مشاعر الإنسان بل ويغيروا من نظرته لذاته وللوجود، وقد استطاعوا عن طريق العقاقير أن يصلحوا الكثير مما يصيب الوعي والعقل والنفس.. ألا يثبت ذلك كله أن كيمياء المخ وراء كل شيء، ومن ثم فإن الوعي والعقل والشعور بالذات تنبثق جميعها من المخ؟

أجاب المؤمن مبتسماً: من التشبيهات التي تستخدم كثيراً وتعبر جيداً عن العلاقة بين عقل الإنسان ومخه هو تشبيهه بالعلاقة بين الموجات الكهرومغناطيسية التي تحمل البث التلفزيزني (العقل) وأجهزة التلفزيون المستقبلة (المخ)، ولاشك أننا نستطيع عن طريق التحكم في أجهزة التلفزيون أن نغير الكثير من مواصفات البث الذي نستقبله، فنحن نستطيع أن نجعل الصورة ملونة أو غير ملونة، زاهية أو معتمة، نجعلها صافية أو مشوشة، نرفع من شدة الصوت أو نخفضه بل ونستطيع أن نقوي من قدرة الجهاز على الاستقبال، كل ذلك والبث التلفزيزني لايتغير، هذا ماتفعله تماماً العقاقير المخدرة والمهلوسة والخمور والعقاقير الطبية في جهاز التلفزيون أقصد في (المخ).

قال الملحد: لقد أثبت لي تجريبياً ومنطقياً أن عقل الإنسان ظاهرة غير مادية، وليس نتاجاً للمخ البشري المادي، فهل العقل هو حقيقة الإنسان وظاهره وجوهره؟

أجاب المؤمن: لا، فإذا كان الوعي من وظائف العقل، فإن العقل من مظاهر الذات الإنسانية.

تساءل الملحد: وماهي الذات الإنسانية؟ ولما لاتقبل فكرة أن العقل هو آخر المطاف، وأنه هو ذات الإنسان؟

قال المؤمن: دعني أروي لك حكاية حقيقية مؤلمة لكنها تبين بوضوح ما أٌقصد، تعرضت إحدى طالباتي في الجامعة لحادث شديد أثناء شهر العسل فقدت على اثره الوعي لعدة أيام، وعندما استعادت وعيها، كانت تعاني من فقدان جزئي للذاكرة، أنساها بأنها متزوجة، كما كانت تعاني من تغير في شخصيتها وسلوكها وكخطوة علاجية عرضوا عليها تسجيلأ لحفل زفافها، فأدركت تدريجياً أنها متزوجة من ذلك الرجل كما استعادت تدريجياً شخصيتها وطبيعتها، لقد كانت سوزي طوال فترة غيابها عن وعيها هي سوزي بالنسبة لنا، كما كانت تدرك طوال فترة فقدانها الجزئي للذاكرة وتغير شخصيتها أنها سوزي ألا يثبت ذلك أن لنا وجوداً حقيقياً مختلفاً عن وعينا وذاكرتنا وشخصيتنا.. إننا نظل نحن حتى وإن غبنا عن وعينا ووهنت ذاكرتنا وتشوهت شخصيتنا وطبيعتنا.

إذا شرحنا مخ الإنسان، جزءاً جزءاً وإذا استطعنا أن ننظر داخل كل خلية من خلاياه فلن نضع أيدينا على موضع الذات الإنسانية، نحن لانعرف شخصية الإنسان عن طريق الفحوصات المعملية والإشعاعية ولكن عن طريق معرفة كيف يشعر هذا الإنسان، فيما يفكر، ماهي طموحاته، ماهي نظرته للوجود.. وهكذا.

والخلاصة أن حقيقة الإنسان تتجاوز جسمه ومخه وعقله ووعيه، فللجوهر الذي يشعر أنه وجود واحد متكامل يقول عن نفسه أنا، لذلك أعلن سير جونز إكيلز عند تسلمه لجائزة نوبل في الطب عن أبحاثه في بايولوجيا المخ قائلا: (أجدني مضطراً إلى القول بطبيعة غير مادية لذاتي وعقلي طبيعة تتفق مع مايسميه المتدينون الروح)

كذلك أعلن [السير شيرينجتون] قبل وفاته بخمسة أيام أن الروح هو جوهر الإنسان الذي لايفني بالموت.

 اندفع الملحد قائلاً: لقد قفز شيرينجتون قفزة كبيرة بحديثه عن خلود جوهر الإنسان فما دليله العلمي على ذلك؟

أجابه المؤمن: لعلك سمعت عن خبرات الذين اقتربوا من الموت، فقد أظهرت العديد من الدراسات الموثقة حول هذا الموضوع أن إدراك الإنسان يمتد إلى مابعد توقف المخ عن العمل، واشتملت إحدى أهم هذه الدراسات على 63 مريضاً أصيبوا بنوبات قلبية شديدة، أُعلن إثرها وفاتهم اكلينيكياً لكنهم تماثلوا للشفاء، وحكى بعضهم أموراً عجيبة، حيث ذكر بعضهم أنهم شعروا أنهم مفارقون لأجسادهم، وأنهم يطوفون فوقها ويشاهدون الأطباء والممرضات وهم يتعاملون مع جسدهم المسجى ثم إذا بهم يهبطون ليدخلوا مره أخرى في أجسادهم، وذكر بعضهم أنه شاهد نفقاً طويلاً مظلماً ورأى آخره دائرة من النور، وذكر أحدهم أنه رأى حذاء للتنس ملقى فوق سطح المستشفى، وقد ثبت صحة ذلك.. لقد ذكروا أموراً شاهدوها وانطبعت في ذاكرتهم، وتجاوز بعضها قدرات حواسهم على الإدراك في فترة انقطع فيها الاكسجين عن المخ.

ألايعني ذلك أنه هناك ذاتاً مستقلة عن المخ لها قدرات إدراكية عالية وهي مصدر الشعور بالذات ومصدر العقل، وأن هذه الذات تظل على وعيها عندما يكاد عمل المخ أن يتوقف.

إذا كان هذا الاستنتاج غير مقبول من الماديين، فإن المنصفين منهم يقرون بعجزهم عن تفسير كيف تنبثق القدرات العقلية عن المخ المادي.


([1]) هوكينغ: لا وجود للجنة والحياة الآخرة قصة خرافية، موقع (CNN) الإخباري، السبت، 18 حزيران/يونيو 2011.

([2]) الكلمات، ص607.

([3]) المرجع السابق، ص612.

([4]) إميل برهييه في تاريخ الفلسفة (3/51)

([5])إشكالية الموت في الديانات السماوية والأرضية، يسرى وجيه السعيد‎، مجلة ذوات الصادرة عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، عدد 43.

([6]) المرجع السابق، وقد نقلت النص عن موسوعة ستانفورد للفلسفة، في تعريف الموت.

([7]) هاجس البعث: الموت والقيامة في الحضارات الإنسانية، أحلام رحال، مدونة الأجنحة والنور، على الرابط التالي: https://ahlam002.wordpress.com

([8]) كتاب الموتى الفرعوني وأسطورة البعث من الموت والحساب أمام الآلهة، مهدي بو عبيد، موقع شباب الشرق الأوسط، على الرابط التالي: http://ar.mideastyouth.com/?p=47790.

([9]) المرجع السابق.

([10]) انظر: مقالاً حول عادات بلاد ما بين النهرين القديمة في الحياة الآخرة، بقلم م. تشوكسي، في 20 حزيران / يونيو 2014، نقلا عن المرجع السابق..

([11]) المرجع السابق.

([12]) هاجس البعث: الموت والقيامة في الحضارات الإنسانية.

([13]) المرجع السابق.

([14]) نقلا عن الإسلام يتحدى، ص92.

([15]) المرجع السابق، ص92.

([16]) المرجع السابق، ص92.

([17]) المرجع السابق، ص92.

([18]) المرجع السابق، ص93.

([19]) المرجع السابق، ص92.

([20]) المرجع السابق، ص93.

([21]) المرجع السابق، ص94.

([22]) الغدة الصنوبرية: هي غدة صغيرة الحجم من الغدد الصماء تقع في المخ وهي المسؤولة عن إفراز هرمون الميلاتونين ولها علاقة بتنظيم معدل النمو الجسمي وكذلك عمليات النضج الجنسي في الكائن الحي.

([23]) الكلمات، بديع الزمان النورسي، ص١١٤..

([24]) الكلمات، بديع الزمان النورسي، ص١١٤..

([25]) الكلمات، بديع الزمان النورسي، ص١١5..

([26]) الكلمات، بديع الزمان النورسي، ص١١5..

([27]) الكلمات، النورسي، ص67.

([28]) المرجع السابق، ص49.

([29]) المرجع السابق، ص49.

([30]) المرجع السابق، ص49.

([31]) المرجع السابق، ص50.

([32]) المرجع السابق، ص50.

([33]) المرجع السابق، ص50.

([34]) المرجع السابق، ص50.

([35]) المرجع السابق، ص50.

([36]) وخصوصا ابن رشد الذي أولى هذا الدليل عنايته الكبرى، وقد قال معبرا عن ذلك: (الطريق التي نبه الكتاب العزيز عليها ودعا الكل من بابها إذا استقرىء الكتاب العزيز وجدت تنحصر في جنسين: أحدهما: طريق الوقوف على العناية بالإنسان وخلق جميع الموجودات من أجلها ولنسم هذه (دليل العناية) والطريقة الثانية: ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء الموجودات مثل اختراع الحياة في الجماد والإدراكات الحسية والعقل، ولنسم هذه (دليل الاختراع)، ثم ذكر وجه الاستدلال على البرهان الأول [برهان العناية].. فذكر أنه ينبني على أصلين بقدر فهمهما والرسوخ في معرفتهما، بقدر ما يتوضح البرهان، وتزال الإشكالات المرتبطة به، أما الأصل الأول، فهو (أن جميع الموجودات التي ها هنا موافقة لوجود الإنسان)، وأما الأصل الثاني، فهو (أن هذه الموافقة ضرورة من قبل فاعل قاصد لذلك، مريد، إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق.. أي صدفة) [انظر الدليل بتفصيل في كتابي: كيف تناظر ملحدا، ص59]

([37]) الكلمات، ص72.

([38]) المرجع السابق، ص73.

([39]) انظر: كتاب العلم يدعو إلى الإيمان أ. كريسي مورسون رئيس أكاديمية العلوم في واشنطن

([40]) المقصد الأسنى:98.

([41]) الكلمات، ص70.

([42]) المرجع السابق، ص71.

([43]) المرجع السابق، ص71.

([44]) المرجع السابق، ص71.

([45]) انظر: الكلمات، ص50، فما بعدها.

([46]) انظر: الفلسفة والعرفان والإشكاليات الدينية: دراسة معرفية تعنى بتحليل نظام الفلسفة والعرفان وفهمه للإشكاليات الدينية، يحيى محمد، ص146.

([47]) المرجع السابق، ص146.

([48]) ابن سينا: رسالة أضحوية في أمر المعاد، ص50-51 و55-57.

([49]) رسالة في دفع الغم من الموت، ص50..

([50]) المبدأ والمعاد، ص114..

([51]) إلهيات الشفاء، ص423..

([52]) تفسير صدر المتألهين، ج8، ص55-56.

([53]) انظر: المعاد يوم القيامة، علي موسى الكعبي، ص58، فما بعدها.

([54]) حوار مع صديقي الملحد (ص: 37)

([55]) المرجع السابق، ص39.

([56]) المرجع السابق، ص39.

([57]) المرجع السابق، ص40.

([58]) المرجع السابق، ص40.

([59]) المرجع السابق، ص40.

([60]) المرجع السابق، ص40.

([61]) المرجع السابق، ص41.

([62]) المرجع السابق، ص41.

([63]) المرجع السابق، ص41.

([64]) الإثبات: مأخوذ من الفعل أثبت ومعناه إقامة الحجة والدليل والبرهان، والثبوت: مأخوذ من الفعل ثبت ومعناه الأمر الثابت يقينا في الواقع بغض النظر علمنا به أو لم نعلم به، ويعبر اللغويون عن الإثبات (بفعل متعد)، والثبوت (فعل لازم) فالإثبات أو (واسطة الإثبات) علة اعتقادك والثبوت أو (واسطة الثبوت) تعني العلة الحقيقية.

([65]) كان طبيبًا جرّاحًا فرنسيا، ولد في 1873 وتوفي في 1944 في باريس، حصل على جائزة نوبل في الطب عام 1912..

([66]) الانسان ذلك المجهول، ص 15.

([67]) تكنولوجيا السلوك الإنساني، سكينر، ترجمة عبد القادر يوسف، سلسلة عالم المعرفة رقم 32 ص 7.

([68]) الدكتور محمد كامل حسين (1901 – 1977)، أستاذ جراحة عظام مصري وأديب، وأول مدير لجامعة إبراهيم (جامعة عين شمس حاليًا) عند إنشائها عام 1950، وأول رئيس لجمعية جراحة العظام المصرية عند إنشائها سنة 1948..

([69]) وحدة المعرفة، الدكتور محمد كامل حسين، مكتبة النهضة المصرية، ص 11.

([70]) المرجع السابق، ص11.

([71]) المرجع السابق، ص11.

([72]) نقلا عن الإسلام يتحدى: ص84.

([73]) المرجع السابق، ص84.

([74]) المرجع السابق، ص84.

([75]) انظر مقالا بعنوان: لا وجود للجنة، والحياة الآخرة قصة خرافية، موقع السي ان ان، وغيرها من المواقع الإخبارية..

([76]) رجعنا في الرد على ما يقوله الماديون في هذا الجانب إلى كتاب: الإسلام يتحدى: ص85، فما بعدها، ونفس الرد نجده في مراجع أخرى كثيرة.

([77]) المرجع السابق، ص85.

([78]) المرجع السابق، ص85.

([79]) المرجع السابق، ص85.

([80]) المرجع السابق، ص85.

([81]) انظر مقالا بعنوان: رد القُرآن والعلم على المُلحد ستيفن هوكينغ في نفي الروح والخالق، 20/6/2011.

([82]) مختصر البصائر/67.

([83]) معاني الأخبار: 4/289.

([84]) هو كتاب من سلسلة (عالم المعرفة) التى كان يصدرها المجلس الوطنى للثقافة بالكويت، وعنوان الكتاب الأصلي هو (The New Story of Science) من تأليف Robert M. Augros وGeorge N. Stanciu..

([85]) العلم في منظوره الجديد، (ص 7).

([86]) المرجع السابق، ص25.

([87]) المرجع السابق، ص25.

([88]) المرجع السابق، ص27.

([89]) المرجع السابق، ص28.

([90]) المرجع السابق، ص28.

([91]) المرجع السابق، ص28.

([92]) المرجع السابق، ص77.

([93]) المرجع السابق، ص77.

([94]) المرجع السابق، ص78.

([95]) المرجع السابق، ص79.

([96]) المرجع السابق، ص80.

([97]) المرجع السابق، ص81.

([98]) المرجع السابق، ص81.

([99]) المرجع السابق، ص81.

([100]) المرجع السابق، ص27.

([101]) المرجع السابق، ص28.

([102]) المرجع السابق، ص29.

([103]) المرجع السابق، ص29.

([104]) المرجع السابق، ص29.

([105]) المرجع السابق، ص29.

([106]) المرجع السابق، ص29.

([107]) المرجع السابق، ص29.

([108]) المرجع السابق، ص29.

([109]) المرجع السابق، ص29.

([110]) المرجع السابق، ص30.

([111]) المرجع السابق، ص30.

([112]) المرجع السابق، ص31.

([113]) المرجع السابق، ص31.

([114]) المرجع السابق، ص31.

([115]) المرجع السابق، ص32.

([116]) المرجع السابق، ص32.

([117]) المرجع السابق، ص33.

([118]) المرجع السابق، ص33.

([119]) المرجع السابق، ص34.

([120]) انظر: رحلة عقل، د. عمرو شريف، ص 233، فما بعدها.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *