الفرحون

الفرحون

من أخطر أصناف الناس الذين وقفوا في وجه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام – كما يذكر القرآن الكريم – من يمكن أن نطلق عليه لقب (الفرحين)

وهو لقب يمكن اشتقاقه بسهولة من قوله تعالى عند حكاية مواقف القرى من أنبيائها: { فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: 83]

وهي تعني بمنطوقها كما يقول ابن كثير: (لما جاءتهم الرسل بالبينات، والحجج القاطعات، والبراهين الدامغات، لم يلتفتوا إليهم، ولا أقبلوا عليهم، واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل)([1])

وتعني بمفهومها معاني كثيرة نراها في واقعنا.. لا من اللادينيين أو الملاحدة أو الحداثيين فقط.. وإنما من الذين يحسبون أنفسهم من أتباع الأنبياء، بل من الدعاة إليهم، بل من الناطقين باسمهم.

فمنهم الكثير من الذين يفرحون بهذه النسبة، ويغترون بها، ويتصورون أنها كافية للنجاة، بل لتسلم أرقى مدارج الفوز والفلاح.. ناسين أن الله سبحانه وتعالى أخبر عن سنته في خلقه، وأنه كما اختبر أقوام الأنبياء، سيختبر أتباعهم.. وأنه كما سقط في الاختبار أقوام الأنبياء، فيمكن أن يسقط في الاختبار من يزعمون أنهم أتباعهم.

فسنة الله في عدله واحدة، لا يفرق بين قوم وقوم، وبين ملأ وملأ، قال تعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 214]، وقال: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [التوبة: 16]

ولذلك من الأجدى لنا، ولعافيتنا في الدنيا والآخرة، وحتى لا نسقط في هذا الاختبار العظيم أن نبحث عن مصاديق تلك الآية الكريمة في نفوسنا ومجتمعاتنا قبل أن نلصقها بقوم هود أو قوم صالح.. ونكتفي بذلك.

وسأحكي لكم حكاية عن أحد هؤلاء الدعاة الكبار الذين يحسبون أنفسهم دعاة إلى الجنة، بينما هم – بالتصنيف القرآني – ليسوا سوى إخوان أو توائم لأولئك الذين واجهوا الرسل، وحاربوهم، واكتفوا بما عندهم من العلم، واغتروا به.

وطبعا لن أذكر لكم اسمه.. حتى لا تتصوروا أنني أخصص الحقائق القرآنية بالأسماء، فالقرآن أسمى من أن يخصص أو يقيد أو تغل معانيه بقيود التأويل والتفسير..

لم يكن الداعية من قريتنا البسيطة المتواضعة، وإنما كان من مدينة من المدن الكبرى، وكان يجالس الأمراء والملوك، ويأكل أصناف الطيبات معهم، وكان أحب الطعام إليه المضيرة([2]).. وما أدراكم ما المضيرة..

وقد صار له بفضل الهدايا وأخواتها قصر كقصور الأمراء، وخدم كخدمهم.. وجشع لا يختلف كثيرا عن جشعهم.

وكان الذي دعاه إلى قريتنا نفر من الناس.. قد يطلق عليهم بالمصطلح القرآني لقب (الملأ).. فقد كانت لهم ثروة وجاه وعلاقات كبرى ببعض البلاد التي تصدر الذهب الأسود، وتصدر معه فهمها الأسود للدين والحياة.

وسبب دعوتهم له – كما علمت ذلك من مصادر موثوقة – أنه ظهر في قريتنا بعض طلبة العلم ممن تحررت عقولهم من قيود التقليد، فراحوا يحققون في تعاليم الدين ليميزوا الإسلام الأصيل من الإسلام الدخيل، وليفصلوا بين الخبيث والطيب.. وقد استنتجوا من خلال بحثهم الطويل والمعمق أنه لا يمكن للإسلام الأصيل أن تقوم قائمته من غير استئصال لمنابع الخبث التي حرفت الدين، وحولته عن مساره الصحيح.. وقد صادفوا في أثناء بحثهم حديثا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انطلقوا منه، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية)([3])

وقد راحوا يبحثون في مصداق هذا الحديث عبر المناهج المختلفة، فاستقر رأيهم بعد البحث والتنقيب على أن معاوية هو الشخص الوحيد الذي تصدق عليه جميع المواصفات التي وردت في الحديث..

فراحوا لذلك يبحثون في سيرته، وتشويهاته للدين.. وقد أثار ذلك حفيظة الملأ من أهل قريتنا، فحذروهم بكل صنوف التحذير، وكلفوا خطباء المساجد بأن يخطبوا الخطب الطويلة في فضائل معاوية وخدماته للدين..

ولكن كل ذلك لم يجدي.. فقد كانت المعاني والأدلة التي وصل إليها  الباحثون المتحررون أكبر من أن ترد عليها تلك الخطب الممجوجة المملوءة بالجعجعة التي لا طحين فيها.

فاستقر رأيهم أن يجمعوا من المال ما أطاقوا، ويحضروا بعض الدعاة النجديين الكبار.. ممن لهم صيت وعلم.. لعلهم يفيدون القرية، ويحرروها من أفكار المتحررين.

وجاء اليوم الموعود، وتزينت القرية بكل أصناف الزينة، وحضرت أطباق المضيرة ليتناولها الناس جميعا، لعلها تحدث فيهم من التأثير ما أحدثته في الأيام الخوالي.

واجتمع الناس حول الداعية النجدي الكبير، والذي بدأ حديثه بقراءة قوله تعالى: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29]

وكنا نتصور أنه سيحدثنا عن الصحابة الذين اتفقت عليهم الأمة جميعا بسنتها وشيعتها، والذين توفرت فيهم كل هذه الخصائص بدقة عالية.. وبذلك ينتفي الخلاف، وتزول الفتنة..

لكنه أبى إلا أن يجعل هذه الآية الكريمة، وكأنها نزلت خصوصا في معاوية بن أبي سفيان، وقد توسل لذلك بكل أنواع الحيل والدهاء التي استفادها من الشخص الذي يدافع عنه.

بعد أن أنهى محاضرته قام بعض الحضور، وقد كان من الباحثين المتحررين الذين ذكرتهم لكم، فقال: لن أجادلك – يا شيخ – في الآية الكريمة.. وفي سبب نزولها.. فقد يكون معاوية أحدهم.. ولكني أريد أن أسألك عن حديث لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فقد ذكر لنا أنك مختص في الحديث.

شعر الفارح بسرور عظيم، وقال: صدقت.. أنا مجاز في الكتب السنة وفي المسانيد والمعاجم والمستخرجات وكل ما تراه من كتب الحديث..

قال الرجل: بورك لك في إجازاتك وفي علومك..

قاطعه الفارح، وقال: نسيت.. لدي كذلك إجازات بشروح متون الحديث، فأنا أرويها عن أصحابها بسندي لا من خلال الكتب المطبوعة.. فلدي سند عال إلى النووي وابن حجر وابن بطال والشوكاني.. وكل من تراهم من المحدثين.. بالإضافة إلى أني نلت إجازة في جميع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وخصوصا كتابه (منهاج السنة)

قال الرجل: بورك لك في كل ذلك.. ولذلك أرى أنك أحسن من سيحدثني عن هذا الحديث الذي طالما أرقني، وزرع الشبهات في نفسي.. وبسببه اتهمني بعض قومي بالمروق.. ولعلهم يكونون صادقين في ذلك.

قال  الفارح: فهلم به..

قال الرجل: لقد قرأت حديثا عن ‏‏ابن عباس يقول فيه:‏ ‏كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ‏فتواريت خلف باب ، قال : فجاء ‏‏فحطأني ‏حطأة وقال :‏ ‏اذهب وادع لي ‏‏معاوية ،‏ ‏قال فجئت فقلت : هو يأكل ، قال : ثم قال ‏‏لي : اذهب فادع لي ‏ ‏معاوية ،‏ ‏قال : فجئت فقلت : هو يأكل ، فقال : لا أشبع الله بطنه([4]).. فما تقول في هذا الحديث؟

شعر الفارح ببعض الغيظ من السؤال، لكنه تمالك نفسه، وقال بكل برودة: نعم الحديث صحيح.. فقد رواه مسلم.

ضجت القاعة، وأخذ الحضور ينظر بعضهم إلى بعض، ويتساءلون: هل حقا هذا  الحديث صحيح؟.. وهل كانت كل تلك الفضائل التي ذكرها في شخص هذه صفاته..؟ وهل يجرؤ أحد من الناس على عدم إجابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأجل بطنه؟.. كيف يستقيم هذا ونحن في آخر الزمان نجد من يبيع كل من يملك لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويتحمل في سبيل ذلك كل أنواع المعاناة؟

ضرب الفارح بيده على الطاولة التي يجلس عليها، وهو يقول: اصبروا.. فللحديث وجوه من التأويل والفهم لا يمكن لأي كان أن يدركها.. فهذه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

لقد ظن بعض المبتدعة أن هذا الحديث من مثالب معاوية، بئس ما صنعوا ، بل الحديث منقبة من مناقبه الكبرى، وخصيصة من خصائصه العظمى، فلم يدع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأحد بهذه الدعوة إلا معاوية.

وقد ورد في رواية الطيالسي في تأويل (لا أشبع الله بطنه) عن بعض السلف، وهو يونس بن حبيب قوله: (معناه والله أعلم : لا أشبع الله بطنه في الدنيا حتى لا يكون ممن يجوع يوم القيامة ، لأن الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (أطول الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة)

انظروا هذا الفهم السديد للحديث..

ومثله موقف الحافظ الجهبذ ابن كثير الذي كان مدركا وواعيا لقيمة هذا الحديث، ولذلك فهمه الفهم المناسب، فقد ذكر في (البداية والنهاية) عند ترجمته لخال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان قوله: (وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه.. أما في دنياه: فإنه لما صار إلى الشام أميرا، كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير، وبصل فيأكل منها ، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا ، ويقول : والله ما أشبع وإنما أعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك.. وأما في الآخرة : فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة.أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة)

انظروا هذا الفهم السني السلفي لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وقد أيده النووي فقال: (وقد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقا للدعاء عليه  ، فلهذا أدخله في هذا الباب  ، وجعله غيره من مناقب معاوية لأنه في الحقيقة يصير دعاء له)([5])

قام شيخ كبير من أعيان القرية، وقال: هل يمكنك سيدي أن تكرر لنا الحديث الأخير الذي ذكرته؟

أعاد الشيخ النجدي الحديث، فقال الشيخ: ألا ترى سيدي أن هذا الحديث لا يتناسب مع كرم أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. إن القرآن الكريم وصف لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]

وذكر رحمته ولطفه ولينه، فقال: {  فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]

بل إن الله تعالى سماه باسمين من أسمائه الحسنى، فقال: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]

بل إن الرواة الذين تعرفهم حدثونا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجاب من سأله: (هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟)، قال: (لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد، فقال، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا)([6])

ونحن نتعجب: هل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي يسارع إلى اللعن والدعاء على من يغضب عليه هو نفسه هذا الرؤوف الرحيم الذي لم يدعو على المشركين الذي بالغوا في إيذائه.

كان في إمكان النجدي لو لم يكن من الفرحين أن يتراجع بسهولة عن خطئه، وأن يفكر في الدليل، أو أن يشكر المتحدث، ويرحم كبر سنه، أو يعتذر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من السبة العظيمة التي رماه بها.

كان في إمكانه أن يفعل مثلما فعل السحرة عندما رأوا الدليل، فيسلم له.. لكنه لم يفعل.. ومثله لن يفعل..

بل راح يستعين بكل الشياطين ليرد عن هذه الحجة الدامغة، ولو بالتقليل من شأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه.. فحرمة معاوية عنده أعظم من حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

تظاهر الفارح بالهدوء مع أنه في أعماقه كان كالمرجل، وراح يقول: ليس من السهولة لمثلك يا شيخ أن يورد مثل هذه الترهات.. فالدين لا يفهم بالعقل.. الدين أعظم من أن يكون كلأ مباحا لكل من هب ودب ليتكلم فيه..

أما الشبهة التي عرضتها، والتي يدندن حولها الضالون والمبتدعة فمن السهل الرد عليها.. وقد أجاب العلامة الألباني عليها بقوله في السلسلة الصحيحة (1/123 – 124): (قد يبادر بعض ذوي الأهواء أو العواطف الهوجاء إلى إنكار مثل هذا الحديث ؛ بزعم تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتنزيهه عن النطق به! ولا مجال إلى مثل هذا الإنكار ؛ فإن الحديث صحيح ، بل هو عندنا متواتر ؛ فقد رواه مسلم.. وتعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعظيما مشروعا ، إنما يكون بالإيمان بكل ما جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم صحيحا ثابتا ، وبذلك يجتمع الإيمان به صلى الله عليه وآله وسلم عبدا ورسولا ؛ دون إفراط ولا تفريط ، فهو صلى الله عليه وآله وسلم بشر بشهادة الكتاب والسنة ، ولكنه سيد البشر وأفضلهم إطلاقا بنص الأحاديث الصحيحة ، وكما يدل عليه تاريخ حياته صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته)

نظر إلى الحضور، وكأنه ينتظر تكبيرا على الحجة العظيمة التي أوردها، لكن أهل قريتنا البسطاء لم يفهموا منها شيئا، لأنه لم يكن فيها أي شيء.

لم يشأ شباب القرية المتحررون أن يجادلوه، بل راح أحدهم يسأله بقوله: لقد روينا في بعض كتب الحديث أن معاوية لما قدم المدينة لقيه أبو قتادة الأنصاري فقال: تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار فما منعكم أن تلقوني؟ قال: لم تكن لنا دواب، قال معاوية: فأين النواضح؟ قال أبو قتادة: عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر، ثم قال أبو قتادة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لنا إنا لنرى بعده أثرة، قال معاوية: فما أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر حتى نلقاه، قال: (فاصبروا حتى تلقوه!)([7]).. فهل الحديث صحيح؟

قال الشيخ النجدي: أجل.. ولدي فيه إسناد عال إلى مصنفه عبد الرزاق.. وقد ورد في كثير من مصادر الحديث كشعب الإيمان للبيهقي والاستيعاب لابن عبد البر وغيرها..

تعجب أهل القرية من الحديث، ومن إقراره بصحته، فقام بعض الشيوخ، وقال: ألا ترى سيدنا أن معاوية يستهزئ ويسخر من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للأنصار؟.. ألا ترى في قوله: (فاصبروا حتى تلقوه!) نوعا من الجحود واللامبالاة؟

قال الشيخ النجدي: أنا لا أرى شيئا من ذلك.. بل أراه داعية مصلحا هاديا.. فقد راح يذكر الأنصار بنصيحة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى لا ينسوها.

قام شاب من المتحررين، وقال: ألا ترى سيدي أن الحديث يدل على أن لمعاوية موقفا سلبيا من الأنصار، وكتب الحديث والتاريخ تثبت أنه كان من أكبر مبغضي الأنصار، وله معهم مواقف كثيرة في قطع العطاء وذمهم وهجائهم وظلمهم والوصية بسفك دمائهم التي كان من نتائجها مجزرة الحرة؟

قال: بلى.. وما في ذلك.. فقد ناوؤوه وحاربوه وكانوا في صف أعدائه، والطبع العادي لأي إنسان هو أن يقف موقفا سلبيا ممن أظهر له العداوة.. والدين لم يأمرنا بأن نخرج عن طباعنا.

قال الشاب: ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر من علامات المنافقين بغض الأنصار، فقد ورد في الصحيحين قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الأنْصَار: (لا يُحِبُّهم إلاَّ مؤمن ، ولا يبغضهم إلاَّ مُنافق ، مَن أحبهم أحبه الله ، ومن أبغضهم أبغضه الله)

قال الفارح: الجواب على هذا سهل جدا، فمن حيث السند فإن هذا الحديث وإن روي في الصحيحين إلا أن من رواته عدي بن ثابت، وقد قال عنه أبو حاتم : صدوق ، وكان إمام مسجد الشيعة وقاصّهم.. وقال عنه الإمام الذهبي في كتابه (الكاشف): (ثِقَة ، لكنه قَاصّ الشيعة وإمام مسجدهم بالكوفة)

وأما من حيث المتن، فالمراد هو بغض الأنصار لكونهم أنصارا، أو لأجل نصرتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا لأجل شيء آخر، وقد كان بغض معاوية لهم كما ذكرت لكم لأجل موقفهم من بيعته وبيعته ابنه يزيد.. وهو ولي الأمر، ويحتاج إلى ضبط الأمور.

قام شاب آخر، وقال: فقد ورد في أحاديث كثيرة في الصحاح ما يدل على أن معاوية كان يسب عليا ابن أبي طالب، وكان يأمر بسبه على المنابر، وقد ورد في الحديث ما يدل على أن مبغض علي من المنافقين، فقد روى أحمد عن أم سلمة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي: (لا يحبك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق)

وروى عن ابن عباس قال : بعثني النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلى علي بن أبي طالب فقال : (أنت سيد في الدنيا وسيد في الآخرة ، من أحبك فقد أحبني ، وحبيبك حبيب الله ، وعدوك عدوي ، وعدوي عدو الله ، الويل لمن أبغضك بعدي)([8])

وروي ما يدل على أن الصحابة كانوا يميزون المنافقين عن غيرهم بموقفهم من علي بن أبي طالب، وقد حدث جابر بن عبد الله قال : (ما كنا نعرف منافقينا معشر الأنصار ، إلا ببغضهم عليا)([9])

اغتاظ الفارح كثيرا من كلام الشاب، لكنه حاول أن يتدارك الموقف، فقال بابتسامة ساخرة: لم أراك أيها الشاب متحمسا هكذا؟.. الأمر أيسر بكثير.. ولو أنك قرأت ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية حول الأحاديث الواردة في هذا الباب، لعلمت أن الأمر لا يستحق كل هذه الحماسة.

أما من حيث السند، فقد ذكر شيخ الإسلام هذه الأحاديث، فقال: (أصح مما يروى عن علي، أنه قال: إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق)، فإن هذا من أفراد مسلم، وهو من رواية عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش عن علي، والبخاري أعرض عن هذا الحديث، بخلاف أحاديث الأنصار، فإنها مما اتفق عليه أهل الصحيح كلهم: البخاري وغيره، وأهل العلم يعلمون يقينا أن النبي قاله، وحديث علي قد شك فيه بعضهم([10]))([11])

وأما من حيث المتن: فقد قال شيخ الإسلام فيه: (علامات النفاق لا تختص بحب شخص أو طائفة ولا بغضهم، إن كان ذلك من العلامات. ولا ريب أن من أحب عليا لله بما يستحقه من المحبة لله، فذلك من الدليل على إيمانه، وكذلك من أحب الأنصار ، لأنهم نصروا الله ورسوله، فذلك من علامات إيمانه، ومن أبغض عليا والأنصار لما فيهم من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله ، فهو منافق.. وأما من أحب الأنصار أو عليا أو غيرهم لأمر طبيعي مثل قرابة بينهما، فهو كمحبة أبي طالب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك لا ينفعه عند الله ومن غلا في الأنصار، أو في علي أو في المسيح أو في نبي فأحبه واعتقد فيه فوق مرتبته فإنه لم يحبه في الحقيقة، إنما أحب ما لا وجود له، كحب النصارى للمسيح، فإن المسيح أفضل من علي.. وهذه المحبة لا تنفعهم، فإنه إنما ينفع الحب لله، لا الحب مع الله)([12])

قام الشاب، وقال: ما دام الأمر بهذه السماحة، وأنه كما قال ابن تيمية: (علامات النفاق لا تختص بحب شخص أو طائفة ولا بغضهم)، فلم تعتبرون الكلام في بعض الصحابة أو انتقادهم كفرا ونفاقا، وبسببه تخرجون طائفة كبيرة من الناس من الإسلام؟

امتعض الفارح، ولكنه نظر إلى الوجوه، وهي تحدق فيه وتنتظر جوابه، فقال: الأمر ليس كما تظن.. لتفهم هذا تحتاج إلى علوم كثيرة ليس الآن محل ذكرها.

قام شاب آخر، وقال: لقد ورد في الروايات الصحيحة سب معاوية لعلي بن أبي طالب([13])، بل قتاله له، فلم لم تطبق عليه أحكام سب الصحابة، أم أن ذلك خاص بعلي بن أبي طالب دون غيره؟

غضب الفارح، ولم يستطع أن يكظم غيضه، وقال بقوة: أشم في هذا المجالس رائحة الرفض، ورائحة الرافضة المنتنة.. هم وحدهم الذين يوردون أمثال هذه الترهات.. ولكني سأغيضهم بكلام عدوهم الأكبر شيخ الإسلام ابن تيمية، فهم يحترقون عند سماع كلماته.

نعم الطعن في أبي بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية كفر وزندقة وبدعة وضلال.. أما الطعن في علي بن أبي طالب، فلا حرج فيه، وليس كفرا ولا زندقة ولا بدعة ولا ضلالة.. بل قد يكون دليلا على السنة والصلاح والإمامة في الدين.. لقد اتفق على هذا كل سلفنا الصالح..

لقد ذكر شيخ الإسلام هذا، فقال: (إنّ الله قد أخبر أنّه سيجعل للذين آمنوا وعملوا الصالحات ودّاً، وهذا وعد منه صادق، ومعلوم أنّ الله قد جعل للصحابة مودّة في قلب كلّ مسلم، لا سيّما الخلفاء رضي الله عنهم ولا سيّما أبو بكر وعمر، فإنّ عامّة الصحابة والتابعين كانوا يودّونهما وكانوا خير القرون. ولم يكن كذلك عليّ فإنّ كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونه ويسبّونه ويقاتلونه، وأبو بكر وعمر – رضي الله عنهما – قد أبغضهما وسبهما الرافضة والنصيرية والغالية والإسماعيلية. لكن معلوم أن الذين أحبوا ذينك أفضل وأكثر، وأن الذين أبغضوهما أبعد عن الإسلام وأقل، بخلاف علي، فإن الذين أبغضوه وقاتلوه هم خير من الذين أبغضوا أبا بكر وعمر، بل شيعة عثمان الذين يحبونه ويبغضون عليا، وإن كانوا مبتدعين ظالمين، فشيعة علي الذين يحبونه ويبغضون عثمان أنقص منهم علما ودينا، وأكثر جهلا وظلما. فعلم أن المودة التي جعلت للثلاثة أعظم)([14])

وهكذا نجد شيخ الإسلام لا يتحرج من الطعن في علي بن أبي طالب، فيذكر في مواضع كثيرة من كتابه العظيم(منهاج السنة) أن إن عـلياً قاتل للرياسة، لا للديانة، وأن إسلام عليّ مشكَّك فيه لصغره سنه، وأن تواتر إسلام معاوية ويزيد بن معاوية أعظم من تواتر إسلام عليّ..

بل إن سلفنا الصالح حكموا بالعلم والإمامة في الدين لمن كانوا يتعبدون بلعن علي، ومنهم الثقة الكبير حَريـز بن عثمـان الرحبي الحمصي، وهو تابعي ، حافظ ، من رواة الحديث ، أَخرج له البخاري والترمذي والنسـائي وأبو داوود وابن ماجه، مع كونه كان (يشتم علياً على المنابر )([15])، وقال ابن حبان عند ذكره له: (كان يلعن علياً بالغداة سبعين مرة وبالعشيّ سبعين مرة، فقيل له في ذلك فقال : هو القاطع رؤوس آبائي وأجدادي)([16])

انظروا مبرره، وارحموه، فكيف تريدون من رجل قام علي بن أبي طالب بقتل آبائه وأجداده أن يحبه..

بقي الفارح ينفث سمومه على علي بن أبي طالب ناسيا أنه جاء ليذكرنا بفضائل الصحابة، وخصوصا معاوية بن أبي سفيان.. إلى أن جف ريقه، وتوقفت الكلمات الممتلئة بالحقد في فمه.. فطلب ماء، فأحضروه له، فشربه، ثم أذن للحضور بالسؤال.

قام شاب من المتحررين، وقال: ما دام في الأمر فسحة، وأن دين الله يسع الناس جميعا، وأنه لا عبرة بالمواقف من أفراد الصحابة تعديلا أو تجريحا.. فلم هذا التشدد في الطاعنين في معاوية؟

قال الفارح: معاوية له ميزة خاصة عبر عنها سلفنا الصالح.. فقد قال أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي: (معاوية ستر لأصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه)([17])

ولمّا سئل الإمام أحمد: ما تقول رحمك الله فيمن قال:لا أقول إن معاوية كاتب الوحي، ولا أقول أنه خال المؤمنين، فإنه أخذها بالسَّيف غصْباً؟ قال الإمام أحمد: (هذا قول سوءٍ رديء، يجانبون هؤلاء القوم، و لا يجالسون، و نبيِّن أمرهم للناس) ([18])

انظر خطورة من لا يقول عن معاوية أنه خال المؤمنين..

قام شاب، وقال: لأي سبب استحق هذا اللقب؟

قال الفارح: لأن أخته زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأم المؤمنين، وهو بالتالي خال للمؤمنين.

قال الشاب: أفيمكن بهذا الاعتبار أن نعتبر حيي بن أخطب أبا صفية – وهي أم من أمهات المؤمنين – ذلك الظالم المعتدي الذي أهدر رسول الله r دمه.. هل يمكن اعتباره جدا للمؤمنين؟

قال الفارح: طبعا.. لا.. فذلك كافر، ومعاوية مؤمن.. وفوق ذلك كان كاتبا للوحي([19]).

قال الشاب: حتى لو فرضنا صحة كتابته للوحي.. فإنه لن يغني عنه من الله شيئا ألا تعلم أن هناك اثنين من كتبة الوحي قد ارتدا عن الإسلام؟

قال الفارح: أجل.. أما أحدهما، فهو عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وله قصة مفصلة في كتب الحديث عنه([20])

وأما الثاني.. فأعرف أن الأرض لفظته، فعن أنس قال: كان هنا رجل من بني النجار، وقد قرأ البقرة وآل عمران، كان يكتب للنبي r فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب، قال: فرفعوه، قالوا: هذا كان يكتب لمحد، فأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه، فأصبحت الارض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه، فأصحبت الارض قد نبذته وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه، فأصحبت الارض قد نبذته على وجهها، فتركوه منبوذا([21])

قام شاب آخر، وقال: ما تقول شيخنا في الأخذ بأقوال الصحابة؟

قال الفارح: هم أفضل الناس من تمسك بهم هدي، ومن ابتعد عنهم ابتعد عن الصراط المستقيم..

قام شاب آخر، وقال: فإذا اختلف الصحابة في أمر.. فهل يجوز الأخذ بقول أحدهم؟

قال الفارح: أجل.. وقد ورد في بعض الآثار: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، وهو وإن كان ضعيف السند، فقد اتفق سلفنا على صحة معناه.

قال الشاب: فما موقف الصحابة من معاوية؟

قال الفارح: لعل أكبر دليل على توثيق الصحابة لمعاوية أن عمر رضيه واليا على ثغر من ثغور المسلمين.. فلو كان كافرا أو منافقا أو فاسقا أو غير مأمون الديانة، هل يقبل به عمر أميرا له على المسلمين، فإذا كان عمر لم يرض بكافر أن يكون كاتبا عند بعض أمرائه، فكيف يولي من هو كافر منافق ؟!

وقد توقف عدد من العلماء عند موقف عمر هذا، وعدوه دليلا ظاهرا على إيمان معاوية وحسن سيرته  ، وفي هذا يقول الذهبي: (حسبك بمن يؤمره عمر ثم عثمان على إقليم – وهو ثغر – فيضبطه ويقوم به أتم قيام ويرضى الناس بسخائه وحلمه وإن كان بعضهم تألم مرة منه وكذلك فليكن الملك)([22])

أما شيخ الإسلام، فقد ذكر الدلالات العميقة التي تدل عليها هذه التولية، فقال: (لما مات يزيد بن أبى سفيان في خلافة عمر استعمل أخاه معاوية، وكان عمر بن الخطاب من أعظم الناس فراسة وأخبرهم بالرجال وأقومهم بالحق  ، وأعلمهم به… ولا استعمل عمر قط  ، بل ولا أبو بكر على المسلمين منافقا  ، ولا استعملا من أقاربهما  ، ولا كان تأخذهما في الله لومة لائم  ، بل لما قاتلا أهل الردة وأعادوهم إلى الإسلام منعوهم ركوب الخيل وحمل السلاح حتى تظهر صحة توبتهم)([23])

قال الشاب: أجبني عن سبب نزول قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } [الحجرات: 6]

قال الفارح: على الخبير سقطت.. لهذه الآية الكريمة سبب نزول توارد المفسرون على ذكره، وخلاصته أن الحارث بن ضرار الخزاعي لما أسلم اتفق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبعث له – في وقت اتفقا عليه – جابياً يأخذ منه زكاة بني المصطلق، فخرج رسولُ رسولِ صلى الله عليه وآله وسلم لكنه خاف فرجع في منتصف الطريق، فاستغرب الحارث بن ضرار تأخر رسولَ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الوقت ذاته لما رجع الرسول إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا رسول الله! إن الحارث منعني الزكاة، وأراد قتلي، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعث إلى الحارث، فالتقى البعث الذين بعثهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع الحارث بن ضرار في الطريق، فقال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك! قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله! قال: لا والذي بعث محمداً بالحق، ما رأيته بتة ولا أتاني، فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟! قال: لا والذي بعثك بالحق، ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، خشيت أن تكون كانت سخطة من الله عز وجل ورسوله.. وقد رواه الإمام أحمد بسند لا بأس به، ويعضده الإجماع الذي حكاه ابن عبدالبر على أنها نزلت في هذه القصة.

قال الشاب: فكيف تستدل بتولية عمر لمعاوية على كونه ثقة، وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو المعصوم، من خانه في ولايته، ولم يحسن التصرف فيها؟

قال الفارح: هذه أمور لا يمكنك أن تفهمها بسهولة.. فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان معصوما في تبليغ الدين، ولم يكن معصوما فيما عداه.. بينما كان للصحابة من الخبرة بأمور الدنيا ما جعلهم يرفعون لواء الإسلام، ويحققون الأمجاد العظيمة التي لا نزال نجني ثمارها.. انظروا إلى الفتوح العظيمة التي فتحوها..

بقي مدة يذكر فتوح الشام والعراق والمغرب، ويطنب في ذلك، وبعد أن أصابه الإرهاق من ترداد ذلك، قام شاب، وقال: لقد علمنا أن بعض كبار الصحابة طعن في معاوية بن أبي سفيان، بل اتهمه بعدم الإسلام أصلا.. فهل من جناح علينا إن قلنا بقوله؟

غضب الفارح، وقال: ويل لك.. من يتجرأ من الصحابة على أن يرمي خال المؤمنين بما ذكرت من العظائم؟

قال الشاب: لقد ورد ذلك بالأدلة الصحيحة القوية عن عمار بن ياسر([24]) ، و..

قاطعه الفارح غاضبا، وقال: لا عبرة بما يقول عمار بن ياسر، فقد كان من المحاربين لمعاوية، وقد حمله الغضب على أن يقول ما قال..

قال الشاب: ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال عنه: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار)، وهو متواتر.. ومثله حديث ( قاتل عمار وسالبه في النار)، وله أسانيد قوية، وقد صححه الألباني، ولا ريب أن من وضع الجائزة لمن يأتي برأس عمار هو مشارك في القتل.

قال الفارح: مشكلتك أيها الشاب أنك لا تطالع، فلو قرأت ما قاله ابن كثير في الحديث لفهمت منه فهما مغايرا تماما، فهو أقرب إلى مدح معاوية منه إلى ثلبه.. لقد قال ابن كثير في شرحه للحديث: (وهذا الحديث من دلائل النبوة حيث أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن عمار أنه تقتله الفئة الباغية ، وقد قتله أهل الشام في وقعة صفين ، وعمار مع علي وأهل العراق.. وقد كان علي أحق بالأمر من معاوية.. ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرهم ، كما يحاوله جهلة الفرقة الضالة من الشيعة وغيرهم ، لأنهم ، وإن كانوا بغاة في نفس الأمر، فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال، وليس كل مجتهد مصيبا، بل المصيب له أجران، والمخطئ له أجر)([25])

انظر كيف أثبت ابن كثير أن لمعاوية وجيشه أجرا على تلك الحرب التي أقاموها في وجه علي.

قال الشاب: فما تقول في تتمة الحديث: (يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار)؟

قال الفارح: لقد رد ابن كثير على هذا، فقال: (فإن عمارا وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الألفة واجتماع الكلمة ، وأهل الشام يريدون أن يستأثروا بالأمر دون من هو أحق به ، وأن يكون الناس أوزاعا على كل قطر إمام برأسه ، وهذا يؤدي إلى افتراق الكلمة ، واختلاف الأمة، فهو لازم مذهبهم وناشئ عن مسلكهم ، وإن كانوا لا يقصدونه)

قال الشاب: ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند ذكره لتلك النبوءة، لم يكن إلا مبلغا عن الله، وقد أخبر أن عمارا يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار..

تظاهر الفارح بالهدوء، وقال: أولا يجب إحسان الظن بمن اصطفاهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فهم خير صحابة لخير نبي ، لا يجوز في حقهم إلا حسن الثناء عليهم ، ومن وقع فيهم فهو متهم على دينه.. وقد قال أبو زرعة الرازي: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعلم أنه زنديق)

والثاني: إنما اقتتل عامة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على التأويل والاجتهاد ، الذي يبدو لصاحبه أنه على الحق ؛ ولذلك لما استبان لبعضهم أنه كان مخطئا ندم على خروجه وقتاله ، والندم توبة ، والتوبة تجب ما قبلها ، وخاصة في حق أشرف الخلق وأعلاهم قدرا وأعظمهم حرما وجاها بعد أنبياء الله ورسله.

ومن تحقق الأمر علم أن هذا القتال كان سببه أهل الفتنة الذين روجوا لها بالباطل.

بقي الفارح مدة من الزمن في قريتنا يحاضر ويخطب ويأكل المضيرة.. وقد شكل بعد خروجه حزبا للطلقاء الذين لا هم لهم إلا التسبيح بحمد معاوية وفريقه صباحا، ولعن علي وأصحابه مساء..

أما المتحررون من أهل القرية، فقد قامت الحرب عليهم، ومنعوا من كل شيء.. حتى اضطروا للجوء إلى بعض الشعاب التي آوتهم إلى أن قضى الله أمرا كان مفعولا.


([1])    تفسير ابن كثير (7/ 160).

([2])    هي أن  يطبخ اللحم باللبَن البحت الصَّريح الذي قد حَذَى اللسان حتى يَنضَجَ اللحم وتَخثُرَ المضيرة.. وقد كان معاوية يقدمها للمقربين منه.

([3])    قال الألباني في (السلسلة الصحيحة ) 4 / 329 : أخرجه ابن أبي عاصم في  (الأوائل) : حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا عوف عن المهاجر أبي مخلد عن أبي العالية عن أبي ذر أنه قال ليزيد ابن أبي سفيان : سمعت رسول الله a، فذكره. قلت : و هذا إسناد حسن ، رجاله ثقات رجال الشيخين غير المهاجر و هو ابن مخلد، أبو مخلد ، قال ابن معين : (صالح ). و ذكره ابن حبان في  (الثقات).. قلت : فمثله لا ينزل حديثه عن مرتبة الحسن. و الله أعلم. و لعل المراد بالحديث تغيير نظام اختيار الخليفة ، و جعله وراثة. و الله أعلم)

([4])    رواه مسلم (2604).

([5])    المنهاج: (16/156).

([6])    صحيح البخاري (4/ 115).

([7])    مصنف عبد الرزاق – (ج 11 / ص 60).

([8])    فضائل الصحابة 2 / 642.

([9])    فضائل الصحابة 2 / 639.

([10])    انظروا هنا التشكيك في حديث في صحيح مسلم، مع أنه لو فعل ذلك شخص آخر غير ابن تيمية لقامت عليه القيامة.

([11])    منهاج السنة النبوية (7/ 147)

([12])    منهاج السنة النبوية (7/ 148)

([13])    الأدلة كثيرة على ذلك، ومنها ما رواه مسلم في فضائل الصحابة رقم الحديث : ( 4420 )، عن ‏ ‏عامر بن سعد بن أبي وقاص ‏ ‏، عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏قال : ‏أمر ‏ ‏معاوية بن أبي سفيان ‏ ‏سعداً ‏، ‏فقال : ما منعك أن تسب ‏ ‏أبا التراب ‏، ‏فقال : أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله a‏ ‏فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي : من ‏ ‏حمر النعم ‏ سمعت رسول الله ‏  ‏يقول له ‏ ‏خلفه ‏ ‏في بعض مغازيه ، فقال له ‏ ‏علي ‏ ‏يا رسول الله ‏ ‏خلفتني ‏ ‏مع النساء والصبيان ، فقال له رسول الله a‏ ‏أما ‏ ‏ترضى أن تكون مني بمنزلة ‏ ‏هارون ‏ ‏من ‏ ‏موسى ‏ ‏ألا إنه لا نبوة بعدي ، وسمعته يقول يوم ‏ ‏خيبر : ‏لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، قال : فتطاولنا لها ، فقال : إدعوا لي ‏ ‏علياً ‏ ‏فأتي به ‏ ‏أرمد ، ‏فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه ولما نزلت هذه الآية ‏: فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ‏دعا رسول الله a‏ ‏علياً ‏ ‏وفاطمة ‏ ‏وحسناً ‏ ‏وحسيناًً ‏، ‏فقال : اللهم هؤلاء أهلي.

([14])    منهاج السنة النبوية (7/ 138)

([15])    تاريخ بغداد ، ج8 ص 261..

([16])    تهذيب التهذيب ، ج1 ص 465.

([17])    انظر أقوال السلف في معاوية في البداية والنهاية لابن كثير في ترجمة معاوية، ج8، ص130-139.

([18])    السنة للخلال (2|434)

([19])    يذكر كثير من المدافعين عن الظلمة والمشرعين للاستبداد أن معاوية أحد كتاب الوحي، وهو غير صحيح من الناحية التاريخية، فلم يثبت أنه كتب الوحي قط، بل كان كاتباً من كتاب النبي a في فترة وجيزة.. وذلك لا يغني عن شيئا..

([20])    رواه ابن أبي حاتم وابو الشيخ عن الضحاك والبيهقي، عن عروة عن حذيفة وعن ابن اسحاق..

([21])    رواه البخاري ومسلم.

([22])    سير أعلام النبلاء , الذهبي (3/132)

([23])    مجموع الفتاوى , ابن تيمية (35/65)

([24])    مما ورد عن عمار بن ياسر في هذا ما رواه الطبراني عن سعد بن حذيفة بن اليمان قال: قال عمار بن ياسر يوم صفين وذكر أمرهم وأمر الصلح فقال: والله ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلما رأوا عليه أعواناً أظهروه)! قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج1/118): (رواه الطبراني في الكبير وسعد بن حذيفة لم أر من ترجمه! ) مع أن ترجمته موجودة في طبقات ابن سعد وتاريخ البخاري وتاريخ ابن أبي خيثمة وكتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم وفي ثقات ابن حبان وغيرها.

([25])    البداية والنهاية، (4/538).

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *