العلم.. والخرافة

العلم.. والخرافة

تشكل المعارف العلمية المختلفة ركنا مهما من أركان القرآن الكريم، لا يمكن لمن يريد أن يلمس القرآن بطهارة إلا أن يراعيها، ويهتم بها، ويبحث عنها، ويبحث فيها.. فالله تعالى لم يذكرها عبثا، ولم ينزلها لمجرد أن نتعبد بتلاوتها، وإنما أنزلها لنبحث فيها، ونتدبرها، ونثيرها.

وهذا الركن المهم من القرآن الكريم ليس قليلا أو هينا حتى لا يرمى من لم يهتم به بالتقصير.. بل إنه يشكل ما يقارب خمس القرآن الكريم، فهناك أكثر من (1200) آية قرآنية على الأقل تشير إلى المعارف العملية المختلفة.

وكل آية منها تشير إلى حقائق الوجود الكبرى التي استغرقت من البشر قرونا طويلة للوصول إليها.. ولكن القرآن الكريم يعطيها لنا بسهولة ويسر، ويربطها بحقائق الوجود جميعا.

ولو أن الأمة أعملته في هذا الجانب، وتركت تلك التفسيرات التقليدية التي استندت إليها من موروثاتها البيئية أو الخرافية لكان السبق للأمة الإسلامية في جميع المجالات..

لكن ـ للأسف ـ سيطرت الخرافة على الحقيقة في تعامل الكثيرين مع القرآن الكريم، وخصوصا التيار السلفي.. الذي لم يكتف بأن يفرط في البحث عن حقائق الكون والعلوم المختلفة من خلال القرآن، بل راح يذم كل من يقوم بهذه الوظيفة، ويؤدي هذا الواجب نيابة عنه.

ولم يكتف بذلك أيضا، بل راح في هذا العصر الذي فتح الله فيه أبواب المعرفة العلمية على عباده، يغلق بشدة هذه الأبواب، ليعود للخرافة، ويفسر بها القرآن، ويفسر بها الدين جميعا.

سأحكي لكم نبأ مدرستين زرتهما، قد تشرحان بطريقة أوضح ما قامت به الأيدي الملوثة من تحريف القرآن الكريم، ومن تحويله من أكبر كتاب علمي عرفته البشرية إلى أكبر كتاب خرافة.

العلم:

دخلت المدرسة العجيبة في شكلها ومحتواها.. المدرسة التي أطلق عليها أصحابها (مدرسة علوم القرآن).. وقد خطر على بالي بمجرد أن رأيت العنوان أنني سأرى من أقسامها (الناسخ والمنسوخ) و(المكي والمدني) و(الأشباه والنظائر) و(مبهمات القرآن).. وغيرها من العلوم التي نجدها عادة في الكتب المتخصصة في علوم القرآن..

وكنت أتصور كذلك أنني سأرى أساتذة مثل السيوطي والزرقاني والزركشي والذهبي والقطان وغيرهم ممن صنفوا في هذه العلوم.

لكني لم أر شيئا من ذلك.. بل رأيت عناوين غريبة كـ (الكون في القرآن)، و(الصحة في القرآن)، و(علوم الأرض في القرآن).. وغيرها من العناوين الغريبة.. وهذا ما دعاني إلى التأكد من كوني حقيقة في مدرسة تبحث في علوم القرآن.. وقد وجدت الجميع يؤكد لي ذلك، ويؤكد لي أن جميع من في هذه المدرسة من المختصين في هذه المعارف، وأنهم ينهلون الحقائق من بحر القرآن العذب، الذي هو المعجزة الكبرى، والذي هو الكتاب المقروء والمسطور والحقيقة المطلقة.. كما ينهلونها من الكتاب المفتوح والمنظور الذي هو الكون بما فيه.

أردت الدخول إلى قسم (الكون في القرآن)، فنهاني المشرفون على المدرسة، وقالوا لي: أنت جديد هنا، ولذلك لا يحق لك أن تدخل أي قسم من أقسامها قبل أن تؤصل للأسس التي تقوم عليها.. فلا يحل لامرئ أن يقدم على أمر قبل أن يعلم حكم الله فيه.

لم أجد إلا أن أخضع لهم، فجلست في حلقة من الحلقات، وكان يلتف فيها بعض التلاميذ حول بعض الأساتذة..

كان الشيخ يقرأ قوله تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد } [سورة فصلت:53] بهدوء، ويقف أمام كل كلمة، وكأنه ينبه التلاميذ إلى ضرورة تدبرها والاهتمام بها.

بعد أن انتهى من القراءة، قال: أظن أن الآية الكريمة واضحة في الدلالة على وعد الله لعباده بأن يكشف لهم حقائق الآفاق والأنفس.. وواضحة في الدلالة على أنه في ذلك الحين سيتبين للناس أن الحقائق التي نطق بها الكريم حقائق صحيحة.. وسبب ذلك أن الله على كل شيء شهيد.. ولذلك يستحيل أن تتناقض المعارف المكتشفة مع المعارف التي أنزلها الله على عباده في كتابه.

لقد أشار الله إلى هذه الحقيقة في آية أخرى، فقال: { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون } [سورة النمل:93]

بل أخبر في مواضع مختلفة أن الزمن كفيل بأن يوضح من الحقائق القرآنية ما لم يكن مدركا في الزمن الذي أنزل فيه القرآن، قال تعالى: { لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُون } [سورة الأنعام:67]، وقال:{ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين } [سورة ص:88]

وهذا كله يدل على أننا نعيش في فترة الوعد الإلهي، وأننا لا ينبغي أن نتخلف أبدا عن استخدام حقائق القرآن الكريم وموافقتها للمعارف العلمية المختلفة لهداية الناس إليه.. فقد أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك، فقال: (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)([1])

بل أشار الله تعالى إلى تأثير الحقائق القرآنية في هداية أهل العلم، فقال: { وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ }[سـبأ:6]

قال تلميذ من التلاميذ الملتفين حوله: اسمح لنا سيدي أن نطرح عليك بعض الشبهات التي يعرضها علينا تلاميذ المدرسة الأخرى الذين يرون أن الحقائق القرآنية كلها اتضحت من القرون الثلاثة الأولى، وأنه لا يحق لأحد مهما كان أن يتدخل في تفسير القرآن إلا إذا كان من أهل القرون الأولى، أو من تبعهم وسار خلفهم.

قال الشيخ: اذكر ما بدا لك.. فأنا أعرف جيدا شيوخ تلك المدرسة، وأعلم أنهم العقبة الكبرى التي تحول بين وصول حقائق القرآن إلى العالم..

قال التلميذ: إنهم يثبطوننا عن المعارف العلمية التي نتناولها في هذه المدرسة من الطب والفلك وغيرها.. ويذكرون لها أنها علوم دنيوية، ولا علاقة لها بالدين، ولا ثواب لمن تعلمها، ولا علاقة لها البتة بالقرآن الكريم..

ابتسم الشيخ، وقال: أمهلني يا بني.. أنت ذكرت شبها كثيرة.. وقد تعلمنا أن نفكك القضايا، ولا نضعها جميعا في سلة واحدة.

قال التلميذ: فأجبني أولا عن حديث القرآن الكريم عن العلم.. هل هو خاص بالعلم الديني الشرعي من الفقه والتفسير ونحوهما، أم أنه يشمل جميع المعارف العلمية؟.. فهم ينطلقون من هذا في التحذير من سائر العلوم، ومن ربطها بالقرآن الكريم.

قال الشيخ: إن العلم في القرآن الكريم يشمل كل حقائق الوجود ابتداء من أعظم حقيقة، وهي الله سبحانه وتعالى، فالله تعالى لا يأمرنا أن نعبده فقط، بل يأمرنا قبل ذلك أن نعرفه عن بصيرة وبرهان، قال تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ  }[محمد:19]

وقد أخبر عن أصناف عباده العارفين به، فذكر منهم أولو العلم، فقال:{ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  }[آل عمران: 18]

وهكذا فإن الله سبحانه وتعالى يأمرنا بالنظر في كل الكائنات التي أبدعها لنزداد قربا منه، ومعرفة به، وخشية له، قال تعالى: { أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } [فاطر: 27، 28]

انظر.. كيف أن الله سبحانه وتعالى لم يذكر خشية العلماء لله أثناء ذكره لأحكام الشريعة، وإنما ذكرها في معرض بيان آياته في السموات والأرض، ليبين أن كمال الخشية يكون في تلك الرؤية المفصلة لآيات الله في الكون.

ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى عندما ذكر أولي الألباب، وتوجههم إلى الله بالعبودية قدم الفكر في السموات والأرض على الذكر والعبادة نفسها، فقال: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب } [سورة آل عمران:190].

بل إننا لو طبقنا مقاييس الفقهاء والأصوليين على الآيات الكريمة التي تتعلق بهذه الجوانب، فإننا نجد الحكم بالوجوب على تعلم هذه الحقائق، فالله تعالى يأمر فيها عباده بالنظر والتفكر في كونه، قال تعالى آمرا بالنظر: {  قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } [يونس: 101]، وقال آمرا بالسير: {  قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ }[العنكبوت: 20]

قال التلميذ: لا يستطيع أحد أن يجادلك في هذا.. لكنهم يذكرون أنه لا علاقة لهذه العلوم بالقرآن الكريم.. وإن إدخالها فيه، أو ربطها به انحراف عن الغرض الذي أنزل من أجله القرآن الكريم.

قال الشيخ: وهل عرفوا الغرض الذي أنزل من أجله القرآن الكريم؟

قال التلميذ: هم يذكرون أنه توحيد الله وعبادته.

قال الشيخ: أليس من توحيد الله ما يسمونه (توحيد الأفعال)، وهو اعتقاد أن كل ما يحدث في الكون من أحداث هو من فعل الله؟

قال التلميذ: بلى.. هم يقولون بذلك.. ويحكمون بالشرك على من يخالفه.

قال الشيخ: فأخبرهم بأن دور كل العلوم التي يجحدونها هي الكشف عن تفاصيل تدبيرات الله في خلقه.. لقد ذكر كل العقلاء هذا..

انظر مثلا إلى الغزالي الذي مر على وفاته قرون عديدة كثيرة، ومع ذلك، فقد ذكر في كتابه (جواهر القرآن) قبل أن تفتح خزائن العلوم التي فتحت في عصرنا أن العلوم كلها متشعبة من القرآن، فقال: (ثم هذه العلوم ما عددناها وما لم نعدها ليست أوائلها خارجة عن القرآن، فإن جميعها مغترفة من بحر واحد من بحار معرفة الله تعالى، وهو بحر الأفعال، وقد ذكرنا أنه بحر لا ساحل له، وأن البحر لو كان مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد) ([2])

ثم ضرب أمثلة على ذلك، ومنها (الشفاء والمرض، كما قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين } [سورة الشعراء:80]، وهذا الفعل الواحد لا يعرفه إلا من عرف الطب بكماله، إذ لا معنى للطب إلا معرفة المرض بكماله وعلاماته، ومعرفة الشفاء وأسبابه) ([3])

ومنها (أفعاله تبارك وتعالى في تقدير معرفة الشمس والقمر ومنازلهما بحسبان، وقد قال الله تعالى: { الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان } [سورة الرحمن:5] وغيرها من الآيات.. ولا يعرف حقيقة سير الشمس والقمر بحسبان، وخسوفهما وولوج الليل في النهار، وكيفية تكور أحدهما على الآخر، إلا من عرف هيئات تركيب السماوات والأرض، وهو علم برأسه) ([4])

وهكذا ذكر أنه لا يعرف كمال معنى قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) } [الانفطار: 6 – 8] إلا من عرف تشريح الأعضاء من الإنسان ظاهرا وباطنا، وعددها وأنواعها وحكمتها ومنافعها، وقد أشار في القرآن في مواضع إليها، وهي من علوم الأولين والآخرين، وفي القرآن مجامع علم الأولين والآخرين) ([5])

قال التلميذ: هم يعرضون علينا أيضا أقوال مشايخهم وخاصة من يسمونه شيخ الإسلام.. وتلاميذه..

قال الشيخ: الحجة في القرآن الكريم لا في غيره.. والغزالي بشر كسائر البشر، وما ذكرته لك من باب الاحتجاج، وإنما ذكرته من باب المثال على من يعطي القرآن الكريم حقه من التقديس والتعظيم والتفعيل في جميع جوانب الحياة.. والأمثلة غيره كثير من السلف والخلف.

قال التلميذ: هناك شبهة أخرى يعرضونها علينا، أو يعرضها علينا من هو قريب منهم.. حيث يذكرون أن غيرنا يعمل ويبحث ونحن نأتي ونقول لهم: لقد سبق القرآن إلى ذكر هذه الحقيقة.

قال الشيخ: عدم العمل والبحث مشكلة أخرى، ولكنها لا تعالج بترك القرآن، وعدم التدبر في حقائقه، وعدم ربطها بالعلوم المختلفة، وإنما تعالج بتطبيقه وتفعيله في جميع جوانب الحياة..

ثم ألا ترى أن الله تعالى أمرنا بالجهاد بالقرآن واستعماله كوسيلة للدعوة إليه؟

قال التلميذ: بلى.. وقد قال تعالى في ذلك: {  فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً } (الفرقان:52) 

قال الشيخ: فأجبني: أرأيت لو أن دولة كان لها أسلحة متطورة كثيرة لم تكشف عنها لأعدائها، فلم يعرفوا أسرارها، ولا أنواعها، ولا أنواع القوة التي تحملها، فلذا كلما قدم أعداؤها سلاحا، كلما وجدوا عندها من الأسلحة ما يفوق ذلك السلاح.. أذلك خير أم دولة ليس لها من السلاح إلا ما تسلح به سلفها، وليس لها من القوة إلا ما ورثته، فأيهما أقوى قوة؟

قال التلميذ: لا شك أنها الدولة الأولى.

قال الشيخ: فهكذا الأمر في القرآن الكريم بين من يقول بإطلاق الإعجاز فيه، وبين من يقول بتحديده.

من يقول بإطلاقه يجعل القرآن الكريم كلام الله كنزا من كنوز العجائب والمعجزات، ومن يقول بمحدوديته لا يراه إلا كما يراه ذلك البدوي البسيط.. يراه من خلاله عنزاته وناقته وخيمته.

بقيت في تلك المدرسة مدة أتفقه على مشايخها، وأدرس العلوم المختلفة التي تدرسها.. وقد استفدت من ذلك كثيرا.. وتعمق إيماني بالقرآن الكريم.. وذقت لذة المعرفة بالله وبكتابه، وصرت أرى الكون بصورة أخرى أجمل وأكمل من التي كنت أراها به.

الخرافة:

لكني لفرط غبائي، أو لوسوسة الشيطان لي مررت ذات يوم على مدرسة الخرافة، فحدثتني نفسي أن أدخل إليها، وليتني ما أطعتها.. فقد حولت كل ما تزين في قلبي من زينة الإيمان إلى دمامة، وأبعدتني عن ربي وعن كتابه، ولم أتخلص من كل ذلك الركام الذي أحدثته في إلا بجهد جهيد.

وحتى لا يسرى لكم ما سرى لي من آثارها، سأقص عليكم نماذج قليلة مما سمعته.. وما خفي أعظم.

قال الشيخ لتلاميذه: وهل ذكر لكم المنبهرون بالعلوم العصرية شيئا آخر غير هذا؟

قال تلميذ من تلاميذه: أجل.. فقد مررنا عليهم البارحة، فوجدهم يرطنون ببدعة جديدة يفسرون بها قوله تعالى: { وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون } [سورة الذاريات:47]

قال الشيخ: وما يقولون؟

قال التلميذ: هم ينقلون عن الكفرة بأنهم اكتشفوا أن السماء تتوسع.. وأنهم أثبتوا ذلك بأدلة قطعية لا مجال للنظر فيها.

غضب الشيخ، وقال([6]): ويلهم.. كيف يثقون في الكفرة.. ومن أين للكافر أن يعرف السماء.. إن جميع المفسرين الموجودة تفاسيرهم في مكتبتنا العامرة التي ورثناها عن آبائنا السابقين لا يفسرون الآية بذلك.. لقد قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والثوري، وغير واحد: { وإنا لموسعون } أي: قد وسعنا أرجاءها ورفعناها بغير عمد، حتى استقلت كما هي)([7]).. وهذا يدل على أن الله عز وجل قد خلق السموات وفرضها وأوسعها وفرغ منها، حتى جاء هؤلاء المخبولون يفسرونها بتفسير محدث يقتضي أن الله عز وجل لا يزال يزيد في السماء قليلا قليلا كحال من يعجز عن إيجاد الشيء دفعة واحدة..

إن قولهم هذا يتناقض مع قوله تعالى: { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  } [يس: 82]

قال تلميذ آخر: وقد مررت عليهم البارحة، فوجدتهم لا يزالون يرددون بأن الأرض تدور.. بل يحاولون أن يثبتوا ذلك من القرآن الكريم([8])..

 قال الشيخ: ويلهم.. أوصلت بهم الجرأة إلى هذا.. أين عقولهم.. ألا يرون بعيونهم الأرض ثابتة لا تتحرك؟

ويلهم.. ألم يقرؤوا قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } [سورة فاطر:41]، لقد قال جميع مفسري السلف رضوان الله عليهم: (ولو كانت الأرض تجري وتدور وتزول من مكان إلى آخر لكان هذا خلاف نص الآية الكريمة، والقائلون بالدوران يشككون في مثل هذه النصوص)

وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بَابًا بالمَغرِبِ مَفتُوحًا لِلتَّوبَةِ خلقه الله يوم خلق السماوات والأرض لا يُغلَقُ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ مِنهُ، حين أن يأمر الله بخروج علامات الساعة الكبرى.. وهذا الباب لا يدور تارة من الجنوب، وتارة من الشرق، وتارة من الشمال، وتارة ما بين ذلك، بل هو منذ خلق السموات والأرض لا يزال عند جهة المغرب على ما خلقه الله، ولو كانت الأرض تدور لدار معها يومًا من الدهر إلى جهة أخرى لكنها ساكنة لا تتحرك.

ذلك لأن الله ثبتها بالجبال أن تميد بِهم، ولو جعلها متحركة متزلزلة لما سكن الناس ولا هدأ لهم بال، بل تكون حياتُهم الدنيا عبارة عن عذاب مستمر.. ألا ترون حين حدوث بعض الزلازل التي يخوف الله بِها عباده في الأرض كيف تتهدم بيوتُهم، وتزهق أنفسهم، وتتقلقل معيشتهم ويصبحون خائفين وجلين مذعورين حزينين ([9]).

لقد قال الإمام عبدالقاهر بن طاهر البغدادي يذكر إجماع العلماء على ثبوب الأرض: (وأجمعوا على وقوف الأرض وسكونِها وأن حركتها إنما تكون بعارض يعرض لها من زلزلة ونحوها خلاف قول من زعم من الدهرية أن الأرض تَهوي أبدًا لأن الخفيف لا يلحق من هو أثقل منه في انحداره)

ثم قال: (وأجمعوا أن الأرض متناهية الأطراف من الجهات كلها وكذلك السماء متناهية الأقطار من الجهات الست خلاف قول من زعم من الدهرية أنه لا نَهاية للأرض وأجمعوا أن السموات سبع طباق خلاف قول من زعم من الفلاسفة أنَّها تسع)([10])

قال تلميذ آخر: لقد لاحظت سيدي من خلال استراقي للسمع في مجالسهم أنهم يذكرون أن الأرض كوكب من الكواكب.

قال الشيخ: ويلهم.. ما أجرأهم على الله.. ألم يقرؤوا ما كتبه الشيخ محمد بن يوسف الكافي في رده على على بعض أشياع محمد عبده المصري، حيث قال: (قوله: (هي كوكب) كذب وافتراء على الله تعالى من سماها كوكبًا لأن الله تعالى الذي خلقها سماها أرضًا، والكوكب هو النجم ومحله العلو ومن صفاته الإضاءة والإشراق والأفول والطلوع والأرض بخلاف ذلك)([11])

قال تلميذ آخر: لقد رأيتهم يستدلون بقوله تعالى: {  أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ  } (الانبياء:30) على أن الجميع من السماء والأرض كان متصلا بعضه ببعض متلاصقا متراكما بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه، ويستدلون لهذا بما يقوله الكفرة.

قال الشيخ: ويلهم.. ألم يقرؤوا قول العلامة السلفي الكبير ابن كثير.. فقد ذكر في تفسيره (أن الأرض خلقت قبل السماء، ولكن إنما دحيت بعد خلق السماء، بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل. وهذا معنى قول ابن عباس، وغير واحد، واختاره ابن جرير)([12])

وقال في موضع آخر: (ففي هذا دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولا ثم خلق السماوات سبعا، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك، وقد صرح المفسرون بذلك)([13])

أما الآية الكريمة التي استدلوا بها، فأرجح التفاسير فيها أقوال ابن عباس وابن عمرو ومجاهد ابن جبر وغيرهم أن معنى (رتقًا) في الآية أي أن السماء كانت رتقًا لا تمطر، والأرض رتقًا لا تنبث، ففتق السماء بإنزال المطر منها، وفتق الأرض بإخراج النبات منها.

قال تلميذ آخر: لقد سمعت البارحة من أحدهم قوله: (لقد كشف العلم الحديث أن الليل يحيط بالأرض من كل مكان، وأن الجزء الذي تتكون فيه حالة النهار هو الهواء الذي يحيط بالأرض ويمثل قشرة رقيقة تشبه الجلد، وإذا دارت الأرض سلخت حالة النهار الرقيقة)، ورأيته يفسر بقوله هذا قوله تعالى::{  وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ  } (يّـس:37)

قال الشيخ: ويله.. كيف استطاع أن يعرف سمك النهار، وأنه قشرة رقيقة تشبه الجلد، فإن المعلوم يقينا أن الليل والنهار ليست له سماكة محسوسة بحاسة اللمس.. ثم إن المفسرين من سلفنا الصالح لم يفهموا هذا الفهم الذي فهمه هؤلاء الأساتذة الذين يتتلمذون على اليهود والنصارى.

قال تلميذ آخر: لقد رأيتهم دائما يرددون قوله تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد } [سورة فصلت:53]، ويستدلون بها على بدعهم.

قال الشيخ([14]): ألا يعلم هؤلاء الجهلة أن الوحي قد انقطع من السماء، وقد تبين الحق بالقرآن والسنة ولم يمت النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى بين للناس أعظم بيان وأقام عليهم الحجة؟

ألا يعرفون أن الله سبحانه قد أكمل دينه وأظهر الحق للناس، وأرانا آياته في الآفاق من ليل ونَهار وأحجار وأشجار وأنْهار وشمس وقمر ونجوم وسماء وأرض وغيرها من الآيات المشاهدة حتى في أنفسنا، ولم يحوج الله خلقه إلى هلوسة المستشرقين.

إن من اللوازم الخطيرة لاستدلالهم ذلك أن الله سبحانه لم يبين الحق لعباده من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى جاء صاحبنا وأساتذته وقرروا للناس أشياء في الكون يتبين للناس بِها الحق، وتقوم عليهم بِها الحجة التي لم تقم على من قبلهم لجهلهم ببيان الحق في القرون السابقة بعد البعثة النبوية إلى زمننا هذا، ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الحجة لا تقوم إلا بعد بيان الحق للناس، كما قال تعالى: {  وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا  } [النساء: 115]، وقد  استدل السلف بِهذه الآية وأمثالها على أن من لم يتبين له الحق والهدى لم تقم عليه الحجة.

ومعنى هذا أن الذين ماتوا على الشرك بالله، قبل أن يخلق هؤلاء الجهال الحمقى إن عذبَهم الله يكون ظالمًا لهم.

بعد أن انتهى الشيخ من حديثه ضحك تلميذ بصوت عال، فغضب الشيخ، وقال: ويلك .. أتضحك على كلامي.. لأفعلن بك ولأفعلن.

صاح التلميذ: اعذرني يا أستاذ.. فمعاذ الله أن أضحك على كلامك.. أتريدني أن أقع في الكفر.

قال الشيخ: فما الذي أضحكك إذن؟

قال التلميذ: لقد ذكرت أني كنت مع بعض أولئك المبتدعة مرة، فسمعتهم يذكرون أن المسافة بيننا وبين الشمس (93) مليون ميل، وأن الضوء يقطعها في ثمان دقائق..

قال ذلك، ثم عاد للضحك من جديد،وضحك معه جميع الحضور إلا الشيخ فقد كان يمسك نفسه بشدة حتى لا يضحك معهم حرصا على وقاره..

بعد أن سكتوا، قال([15]): هذه المسألة كسابقتها مبنية على التهوكات والتهويلات وإلا فإنكم تلاحظون أنه ما إن يخرج قرص الشمس من المشرق إلا وتمتلئ الدنيا بالضوء دون أقل من دقيقة واحدة، ولو أن الشمس كانت تحت السحاب، ثم تجلى عنها لرأيت أن الدنيا سرعان ما تضيء بدون تحديد أقصر زمن، وكذلك القمر.

فمن التخرص الذي لا يصدقه ذو عقل وبصر وفطرة سليمة أن يقال إن الشمس حين تطلع جلية من المشرق أو في السماء لا يصل الضوء إلى الأرض إلا بعد ثمان دقائق، وتبقى السماء صافية والشمس مضيئة مدة سبع دقائق والناس يشاهدون ذلك بين ظلمة الأرض وفي الدقيقة الثامنة يصل إليهم الضوء فتشرق الأرض.

انظروا إلى هذا الكلام السامج .. وانظروا كيف يقررون توحيد الله بأقوال الملاحدة الذين يحاولون إدخال الشكوك في قلوب جهال المسلمين وإضاعة أعمارهم في دراسة مثل هذا الهذيان الفارغ، بل الطعن في عقائد المسلمين وعلومهم والحط من قدر علماء الشريعة الإسلامية حيث لم يعلموا المسافة بين الشمس والأرض، ومن حسن حظهم أن تحصلوا على مجموعة خاوية من الحمقى والمغفلين يثبتون لهم هذه  الأطروحات على أنَّها حقائق ويتعاونون معهم على الإثم والعدوان باسم الدين. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وإن أرادوا أن الشمس لا تطلع والأرض مظلمة لكن عرفوا ذلك فيما يزعمون بسرعة الضوء ونحوه قلنا: كيف عرفوا ذلك، وأنى لهم أن يعرفوا المسافة بسرعة الضوء في الأرض، وأي ضوء وصل إلى الشمس وأضاء عليها على ذلك البعد الهائل من الأرض، فأفٍ لمن رضي بالكذب وأفٍ للكذابين.

قال تلميذ آخر: لقد مررت البارحة على بعض المبتدعة والزنادقة ممن لم تقنعهم علوم السلف، فراحوا إلى علوم الكفار يفسرون بها القرآن الكريم، وقد حصلت بيني وبينهم مشادة عنيفة أوقفتهم فيها عند حدودهم.

ابتسم الشيخ مسرورا، وهو يقول: لطالما كنت فرحا بك يا بني.. أرى أن لك مستقبلا رائعا.. لست أدري كلما رأيتك تذكرت البربهاري وابن بطة وشيخنا شيخ الإسلام.

قال التلميذ: وكيف لا أغضب يا أستاذ، وأنا أرى حمى القرآن ينتهك.. لقد سمعتهم يفسرون قوله تعالى: { وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِين } [سورة الحجر:22] تفسيرا تقشعر منه الأبدان.. لقد سمعتهم يذكر أن الرياح تحمل الماء من البحار، ثم تصعد به، ثم يعود ينْزل من السماء مرة ثانية..

قام الشيخ غاضبا، وهو يقول: ويلهم ما أجرأهم على الكذب.. لقد ذكرت لكم بطلان هذه الأسطورة سابقًا.. لقد قال ابن كثير في تفسيرها: (ترسل الرياح فتحمل الماء من السماء، ثم تمر مرَّ السحاب، حتى تدرّ كما تدرّ اللقحة)، وذكر أن هذا هو قول ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة، وقال الضحاك: يبعثها الله على السحاب فتلقحه فيمتلئ ماء.

قال تلميذ آخر: لقد فعلت يا سيدي مثلما فعل زميلي الذي تشبهه دائما بالبربهاري.. لقد لقيت البارحة جماع سمعت يرطنون بتلك الهرطقات، فرميتهم بحجارة كثيرة أسالت دماءهم، وفرقت مجلسهم.

قال الشيخ: بورك فيك يا بني.. أنت أيضا أجلك وأحترمك، وأعتقد أن لك مستقبلا في النهي عن المنكر والرد على الملاحدة والزنادقة لا يقل عن شيخنا شيخ الإسلام، وسلفنا البربهاري.

قال التلميذ: تصور سيدنا.. لقد سمعتهم يمجدون أشخاصا من الكفرة كأينشتاين، وأديسون، وباستور.. وأسماء أخرى غريبة.. وفوق ذلك يذكرون أسماء لكتب في التنجيم والكيمياء ونحوها من علوم السحرة..

غضب الشيخ، وقال([16]):  كلامهم هذا أعظم خيانة لأبناء المسلمين من وجهين:

الأول: أن مصدر التوحيد وجميع علوم الشريعة الإسلامية هو الكتاب والسنة فكان يجب عليهم أن يتحدثوا عن مصادر التوحيد مثل،(الدر النضيد( للإمام الشوكاني، و(تطهير الاعتقاد) للإمام محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، و(الأصول الثلاثة) و(كشف الشبهات) وكتاب،(التوحيد) للإمام محمد بن عبدالوهاب النجدي، و(الواسطية) لشيخ الإسلام ابن تيمية، و(لمعة الاعتقاد) للإمام ابن قدامة، و(السنة) للإمام البربَهاري، و(الرسالة الوافية في اعتقادات السنة) لأبي عمرو الداني وأمثال هذه المختصرات النافعة المفيدة والعقائد الصحيحة والعلوم الميسرة لهؤلاء الأئمة الناصحين رحمهم الله تعالى.

أما مراجع العلوم الكونية من الفلكيين والفلاسفة وأعداء الدين والجهال والمتهوكين الذين ربما أحدهم لا يعرف سورة الفاتحة فضلاً عن أن يعلموا المسلمين توحيدًا أو يكسبوا منم معتقدًا صحيحًا أو خلقًا حميدًا فهذه ذات الخيانة.

اشتد به الغضب، فقام يصرخ: لماذا لا يدلونهم على قراءة (عمدة الأحكام) و(اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان) و(بلوغ المرام) ونحوها من المختصرات إذا كانوا لا يفهمون كتب الأسانيد كـ،(صحيح البخاري) و(صحيح مسلم) وأمهات كتب الحديث!

لماذا لا يرغبونهم في حفظ كتاب رب العالمين وتدبره وفهم معانيه على فهم السلف الصالح من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والقرون المفضلة رضوان الله عليهم.

لماذا يصدون الشباب المسلم ويصرفونهم إلى ما لا يقدرون منه على شيء في دنياهم ولا أخراهم مع صعوبة مقدماته وإتلاف الأوقات فيه ولا يعود على صاحبه يوم القيامة إلا بالحسرة والندامة، كما قال تعالى: { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا } [الفرقان: 27 – 29]

قال ذلك، ثم جلس يتنفس الصعداء، فقال له بعض تلاميذه: لقد ذكرت الوجه الأول.. فما الوجه الثاني؟

قال الشيخ: الوجه الثاني ما يحويه كلامهم ذلك من خيانة لأبناء المسلمين.. حيث يعظم في نفوسهم ويرتسم في أذهانِهم إجلال أصحاب هذه العلوم البائرة من يهود ونصارى وفلاسفة حيارى ومروجي أفكارهم من جهال المسلمين الذين لم يأتوا للمسلمين إلا بتشويش الأذهان، وزعزعة العقيدة الصحيحة، وزعزعة الثقة بكلام الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

فهؤلاء بسبب جهلهم وعدم تربيتهم على كتب السنة وأهلها يقعون في هذه العظائم، وهم يحسبون أنَّهم يحسنون صنعًا، وأنَّهم أحدثوا للإسلام عزًا ونصرًا وهم كما قيل: لا للحق نصروا، ولا للباطل كسروا وإنما كانوا مفاتيح أبواب الشرور.

بقي الشيخ يردد هذا وأمثاله أمام تلاميذه، ولا يكتفي برد الحقائق المعلومة من العلم بالضرورة، ولا يكتفي بأن يكون جاهلا مركبا معقدا، يصور الخرافة بصورة العلم، ولكنه يضيف إلى ذلك صلافة وعنفا وغلظة وجفاء لا تحتمل.


([1])    رواه البخاري ومسلم.

([2])    جواهر القرآن (ص: 45).

([3])    جواهر القرآن (ص: 45).

([4])    جواهر القرآن (ص: 45).

([5])    جواهر القرآن (ص: 46).

([6])    نقلنا هذه التفسيرات الخرافية للقرآن الكريم بتصرف من كتاب (الصبح الشارق في الرد على توحيد الخالق) للشيخ السلفي يحي الحجوري.

([7])    تفسير ابن كثير ت سلامة (7/ 424).

([8])    انظر الأدلة على هذا في كتابنا (معجزات علمية)

([9])    انظر الصبح الشارق، و(هداية الحيران في مسألة الدوران) لعبدالكريم الحميد ص (21-22).

([10])    الفرق بين الفرق، ص (330-331).

([11])    انظر: الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة، ص (117)..

([12])    تفسير ابن كثير ت سلامة (8/ 316).

([13])    تفسير ابن كثير ت سلامة (ج1/ 213).

([14])    الصبح الشارق، 100 بتصرف.

([15])    الصبح الشارق، ص118.

([16])    انظر الصبح الشارق بتصرف، ص162.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *