العبرة.. والأسطورة

العبرة.. والأسطورة

تشكل القصص جزءا مهما من القرآن الكريم قد يصل إلى النصف، وقد يتجاوزه.. وهنا تكمن الخطورة..

فالذي يتقن التعامل مع هذا النصف، يكون قد تعامل حقيقة مع القرآن الإلهي المقدس.. وإن أساء التعامل معه يكون قد ضيع نصف القرآن، أو تعامل مع قرآن آخر نسجه بهواه أو ثقافته أو بيئته أو طائفته ومذهبه.. وهو يقول حينذاك شعر أو لم يشعر بتحريف القرآن وتبديله وتغييره، ويكون من الذين بدلوا الكلم عن مواضعه، وتكون يده من الأيادي الآثمة التي لم تتطهر لتلمس الحقائق القرآنية.

لا تستعجلوا في الإنكار علي.. فهذا الكلام ليس من نسج الخيال، وليس نظرة موغلة في التشاؤم، بل هو الواقع السائد في تراثنا وتاريخنا..

وأنا لا أقوله لأحكم على أحد من الناس بأي حكم.. فالله هو الديان وهو الذي يحكم بين عباده.. ولكني أقوله لأنه الواقع أولا.. ونحن مطالبون بأن نكون صادقين في نظرتنا للواقع، وفي حكمنا عليه.. وأقوله ثانيا، لأنه لا يمكن أن نصحح واقعنا، ونحن نفخر بأنفسنا وتراثنا وأمجادنا، ولو كان على حساب تضييع نصف القرآن، أو تحريفه وتبديله.

سأقص عليكم قصة قد تبسط هذه الحقيقة التي أومن بها، وهي رمزية كسائر القصص، فمن فك الرمز وصل إلى الحقيقة، ومن انشغل بالرمز تاه عنها، مثلما نتيه تماما عن الرموز المودعة في القصص القرآني.

لقد قدر لي في ذلك اليوم أن أمر على مدرستين وشيخين مختلفتين تماما إلى درجة التناقض مع أن الكتاب الذي يحاولان فهمه واحد.

أما الشيخ الأول الذي مررت عليه بجنب تلاميذه في مدرسته المتواضعة، فهو شيخ العبرة.. كان المحل الذي يقيم فيه مع تلاميذه ضيقا بسيطا.. وكان عدد تلاميذه قليلا جدا.. ربما يمثلون تلك الطائفة المحدودة التي فهمت مراد الله من قصصه.. فاعتبرت الله مربيا بالقصص، وهاديا بها، وداعيا عباده إلى سبيله من خلاله.

تلك الطائفة التي وعت قوله تعالى: { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (يوسف: 111)

تلك الطائفة هم أولوا الألباب الذي يهتمون باللب، لا بالقشور، وبالأعماق لا بالسطحيات..

تلك الطائفة هي الوحيدة التي عرفت أن الله بذاته العلية عندما يقص علينا أحسن القصص: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ  } (يوسف: 3) ليس حكواتيا ولا مؤرخا.. وإنما هو الله رب العالمين.. الذي يعلم نفوس عباده، ويعلم كيف يربيها.

أما الشيخ الثاني، فقد كانت مدرسته واسعة فسيحة، وكان عدد تلاميذه كثيرا، وكان الثراء والترف باد على الجميع: الشيخ وتلاميذه..

وهم يمثلون تلك الطائفة الكبيرة من الأمة التي انشغلت بالقصة عن العبرة.. وانشغلت بالتاريخ عن الواقع.. وانشغلت بهوى النفس عن مراد الرب..

ولذلك لم ترفعها القصص.. ولم تعرج بها.. بل لم تهذب بها نفوسها.. بل إن الشيطان تسرب إليها من خلالها ليبثها وحيه، ويلقنها مراده.. ويتخذ من آيات الله وسيلة لذلك، كما صور الله تعالى ذلك بدقة في قوله: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ  } [الحج: 52، 53]

وقد كان للشيطان نصيب وافر في تفاسير القرآن، وخاصة في الجانب القصصي منها، وكان له دور في تحريف مسار القرآن الكريم بتلك التفاسير ليتحول من كتاب سنن وقوانين وحقائق وعبر إلى كتاب خرافة وأسطورة وشعوذة.

سأحكي لكم حديث شيخ العبرة مع تلاميذه.. وسأحكي لكم بعدها حديث شيخ الأسطورة مع تلاميذه، ولكم أن تحددوا موقفكم الذي يجعلكم تعيشون القصص، أم تتسلون بها.

وقد كان النموذج الذي شهدته في كلا المدرستين واحد، وهو قصة نبي الله سليمان عليه السلام.. فهلم لنراه بين العبرة والأسطورة.. ونسأل أنفسنا بعد ذلك: أين هو سليمان الحقيقي الذي قص علينا القرآن قصته: هل هو سليمان العبرة، أم سليمان الأسطورة؟

العبرة:

جلست مع التلاميذ المتواضعين في المدرسة المتواضعة مع الشيخ المتواضع.. وبدأ الحديث..

طلب الشيخ من القارئ أن يقرأ ما ورد في القرآن الكريم حول سليمان عليه السلام.. فقرأ القارئ بصوته الجميل الهادئ من مواضع مختلفة تحكي جميعا قصة سليمان عليه السلام.

بعد أن انتهي القارئ، التفت الشيخ إلى تلاميذه، وقال: أنتم تعلمون طريقتي في التعامل معكم.. فنحن جميعا تلاميذ القرآن الكريم.. وليس فينا أستاذ ولا تلميذ.. ولذلك سلوني ما بدا لكم، ودعوني أسألكم.. فبالحوار نستطيع أن نفهم الحقائق.. وبالحوار نستطيع أن نمارس التفكير الجماعي الذي دعا إليه قوله تعالى: {  قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا  } [سبأ: 46]

وتذكروا جيدا أننا أمام كتاب {  لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [فصلت: 42]، فكل كلمة فيه حقيقة عظيمة.. وكل آية فيه بحر من بحار الحكمة.. ولكم أن تسبحوا في هذا البحر.. ولكم أن تغترفوا منه.. ولا تحقروا ما يلهمكم الله أثناء تدبركم لكتابه، فالله { هُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ } [سبأ: 26]

ولا تحذروا أن تقولوا في القرآن ما لم يقله سلفكم أو خلفكم.. فالقرآن هو خطاب الله لكم.. وبقدر تقواكم تنالون من حكمته، وتفهمون مراد الله.. وترقى حياتكم ودرجتكم عند الله بذلك.. كما قال تعالى: { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [البقرة: 282]

رفع أحد التلاميذ يده بأدب، وقال([1]): يا شيخ.. في نفسي شيء من طلب سليمان عليه السلام من ربه سبحانه وتعالى أن يعطيه ملكا لم يعطه أحدا من عباده، كما نص على ذلك قوله تعالى: { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ  } [ص: 35]

قال الشيخ: قل، فلا حرج على المتعلم أن يعرض شبهته على معلمه، ألم تعلم أن الناس سألوا رسول الله r عن الوسوسة التي يجدها أحدهم، لأن يسقط عن الثريا أحب إليه أن يتكلم بها، فقال r:(  ذاك صريح الإيمان، إن الشيطان يأتي العبد فيما دون ذلك فإن عصم منه وقع فيما هنالك)([2])

قال التلميذ: لقد قلت في نفسي: لقد عهدنا الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ زاهدين في متاع الدنيا راغبين في الله مكتفين بالله، فكيف طلب سليمان u هذا الطلب الغريب؟

قال الشيخ: أجبني يا بني.. كيف ترى سليمان u في القرآن الكريم؟

قال التلميذ: لا أراه إلا خيرا منيبا، بل لقد أثنى الله عليه بكونه منيبا رجاعا إلى الله، فقال:{  وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } (صّ:30)، وقال:{  وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ } (صّ:34)

قال الشيخ: فهل شغله تدبير ملكه العظيم الذي لا نظير له عن الله؟

قال التلميذ: لا.. بل أراه يذكر الله كل حين، ويعرف الفضل لله كل حين، فعندما مر على النملة وسمع كلامها قال:{  رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } (النمل: من الآية19)

قال الشيخ: وهل ظهرت هذه الإنابة في علاقته مع غيره؟

قال التلميذ: أجل، فقد كتب لملكة سبأ يقول لها:{  إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } (النمل:31)

وقال مخاطبا رعيته:{  يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ } (النمل: من الآية16)، فقد أرجع الفضل إلى الله في تعليمه منطق الطير، أو في إتيانه من كل شيء.

قال الشيخ: فإن سليمان u طلب ذلك الملك، وبتلك الصورة التي لا ينازعه فيها أحد ليكون حجة على من شغله ملكه عن الله، وكأن سليمان u يقول لربه:( يارب هب لي من الملك ما تشاء.. بل هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي أن يحصل عليه.. فإن هذا الملك مهما كان عظيما.. وذلك الفضل مهما كان وفيرا لن يحجباني عنك، ولن يبعدا قلبي عن الرغبة فيك.. فإني لا أرى الأشياء مهما كثرت إلا منك.. ولا أرى نفسي إلا بك.. فكيف أحجب بهداياك الواصلة إلي.. أم كيف أنشغل بفضلك عنك؟)

قال التلميذ: فاستجاب الله ليبلوه؟

قال الشيخ: لا، بل استجاب له، ليبلوكم.

قلت: كيف؟

قال الشيخ: لقد علم الله صدقه وصدق يقينه، فجعله حجة على كل من انشغل بفضل الله عن الله، أو انشغل بالرغبة في الأشياء عن الرغبة في مشيئ الأشياء.. وقد جعله الله تعالى بالإضافة إلى ذلك مقوما لمن أساءوا فهم الزهد، فتصوروا الأرزاق حجبا عن الله، والفضل الإلهي جنودا لله تبعد عن الله.

قال التلميذ: نعم، هذا صحيح، ولعله لأجل هذا ذكر الله تعالى ما أظهر سليمان u لملكة سبأ من مظاهر الملك الذي أعطاه الله له، فلم يكن غرضه الفخر عليها، وإنما كان غرضه تعريفها بالله، لأنها انشغلت بالعرش العظيم([3]) الذي كان لها عن الله، فلذلك كان أول ما لاقاها به سليمان u هو عرشها الذي حجبها عن الله، وعن التسليم له، قال تعالى:{  فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ  }(النمل:42)

فلما قالت ذلك، وفي غمرة انبهارها بما رأت أخبرها سليمان u بأنه مع هذا الملك كان مسلما لله، فلم يحجب به عن الله، فقال تعالى على لسانه([4]):{  وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ)

فلما رأى سليمان u حاجتها إلى المزيد من الأدلة، أحضرها إلى الصرح الممرد من القوارير، وقد كان من الجمال بحيث لا يساوي عرشها الذي شغلها عن الله شيئا بجانبه، وحينذاك لم تملك إلا أن تسلم لله، قال تعالى:{  قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (النمل:44)

قال الشيخ: بل في القرآن الكريم ما يدل على هذا المعنى، فقد أوتيت ملكة سبأ من الذكاء ما استطاعت أن تميز به الملوك من المؤمنين، فقد أرسلت بهدية قيمة لسليمان u لتختبره موقفه من المال، قال تعالى على لسانها:{  وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ } (النمل:35)

لكن سليمان u نظر إلى ما أعطاه الله من الإيمان والفضل فوجده أعظم بكثير من أن ينحجب بهديتهم، فقال:{  أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } (النمل:36)

قال التلميذ: لقد فهمت يا معلم سر طلب سليمان u، ولكن لماذا ورد في القرآن الكريم ذكر ملكة سبأ بالذات، وذكر هذا الموقف من سليمان u معها؟

قال الشيخ: لقد أراد الله من هذا النموذج أن يبين لنا كيفية دعوة من بهرتهم الدنيا وشغلتهم عن الله.

قال التلميذ: لم أفهم.

قال الشيخ: إن ملكة سبأ بعرشها، وقومها بتعظيمهم لها انشغلوا عن الله، فجعل الله فيما أعطى المؤمنين من أسباب الفضل التي لم تشغلهم عن الله ما يرغبهم في الإيمان بالله.

قال التلميذ: ولكن القرآن الكريم ذكر إسلام ملكة سبأ وحدها.

قال الشيخ: والقرآن الكريم ذكر التبعية المطلقة لقومها لها، كما قال تعالى على لسان مستشاريها:{  نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ } (النمل: من الآية33)، وهو ما يدل على أنهم اتبعوها على الإيمان.

قال التلميذ: وهل رجعت إليهم حتى يتبعوها؟ 

قال الشيخ: ومن قال: إنها لم ترجع إليهم.. إن القرآن الكريم أخبر أن غاية سليمان u من إرساله لها هو حثها على الإسلام لا سلب ملكها منها، كما قال تعالى على لسانه:{  أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } (النمل:31)

قال التلميذ: ولكن المفسرين أخبروا أنه تزوجها.

قال الشيخ: وهل حضروا حفل زواجها!؟.. ما أولعكم بما لا يفيدكم.

قال التلميذ: ولكنهم رووا في ذلك أخبارا، فقد رووا أن الجن أرادوا أن يبشعوا منظرها عند سليمان u وأن تبدي عن ساقيها ليرى ما عليها من الشعر فينفره ذلك منها، وخشوا أن يتزوجها لأن أمها من الجان فتتسلط عليهم معه وذكر بعضهم أن حافرها كان كحافر الدابة.

ثم إن سليمان u لما أراد إزالته ـ حين عزم على تزوجها ـ سأل الإنس عن زواله فذكروا له الموسى، فامتنعت من ذلك، فسأل الجان فصنعوا له النورة ووضعوا له الحمام، فكان أول من دخل الحمام فلما وجد مسه قال:( أوه من عذاب أوه أوه قبل أن لا ينفع أوه )

وقد ذكر الثعلبي وغيره أن سليمان لما تزوجها أقرها على مملكة اليمن وردها إليها، وكان يزورها في كل شهر مرة، فيقيم عندها ثلاثة أيام ثم يعود على البساط، وأمر الجان فبنوا له ثلاثة قصور باليمن: غمدان وسالحين وبيتون.

قال الشيخ: طهروا كتب تفسيركم من هذا الرفث، فالحقائق الجميلة الطاهرة للقرآن الكريم لا ينجسها إلا هذا اللغو الذي تملؤون به أسفاركم، وتضيعون به أوقاتكم، وتنشغلون به عن ربكم.

قال التلميذ: ألا يمكن، يا معلم، أن نستفيد من موقف سليمان u مع ملكة سبأ فنجعله أسلوبا من أساليب الدعوة لله في عصرنا؟

قال الشيخ: بل لم يذكره القرآن الكريم إلا لتستخدموه، فلو أن رجالا من هذه الأمة رفعوا هممهم وسخروا السنن التي وضعها الله لهم، وامتطوا صهوة الزمان، فأخرجوا الأمة من غياهب التخلف والمعاناة، وأوصلوها إلى التقدم والتطور الذي لا يحجب عن الله لتحقق بذلك نصر الله الذي يدخل الناس بسببه في دين الله أفواجا.

قال التلميذ: ولكن النصر ـ كما أتصوره ـ نصر جيوش.

قال الشيخ: ذلك نصر المصارعين، أما المسالمون فهم الذين ينتصرن بأقلامهم ودفاترهم، وفؤوسهم ومعاولهم.

رفع تلميذ آخر يده، وقال: لدي سؤال لا يزال يثار في ذهني.

قال الشيخ: قل ما بدا لك.. فمتى حجرت عليكم السؤال؟

قال التلميذ: أنا أتعجب من طلب سليمان u من ملئه أن يأتيه بعرشها.. فقد كان له من القوى ما ليس لهم.. فلم طلب منهم ذلك، فقال: {  يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } (النمل: 38)

قال الشيخ: فما الذي أجابه به العفريت؟

قال التلميذ: قال له ما نص عليه القرآن الكريم من قوله تعالى:{ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ } (النمل:39)

قال الشيخ: فهل كان ما طرحه العفريت مقبولا من جهة سرعة إحضاره؟

قال التلميذ: أجل، فلا أظن أن هناك وسيلة معاصرة تستطيع إحضارالعرش بهذه السرعة.

قال الشيخ: وهل رضي سليمان u بما طرحه العفريت؟

قال التلميذ: لا، بدليل أنه لم يكتف به، بل سمع للذي عنده علم من الكتاب، فقد ضمن له سرعة أكبر.

قال الشيخ: إذن سليمان u لم يرض بما اقترح العفريت، بل ظل يتطلع إلى سرعة أعظم، إلى أن حصل عليها.

قال التلميذ: أجل هذا واضح من القصة.

قال الشيخ: يمكنك أن تفهم من هذا بحسب وعائك.. وبحسب القبلة التي يتوجه إليها عقلك وقلبك.

قال التلميذ: لم أفهم.

قال الشيخ: القرآن الكريم يخاطب كل إنسان بحسب الوجهة التي توجه لها.. فإن كان عابدا فهم من الآية السباق الجاري بين العابدين،كما قال تعالى: {  وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ } [المطففين: 26].. وإن كان عالما فهم منها السباق القائم بين العلماء.. وهكذا تشمل الآية كل أنواع السباق حتى السباق القائم بين الدول.. فأنتم تعلمون أن هناك دولا متطورة تصنف ضمن العالم الأول.. ودولا متخلفة عن ركب غيرها من الأمم.. ومن العار على الأمة التي أوتيت الكتاب أن تكون آخر الأمم وأكثرها تخلفا.

قال تلميذ آخر: فحدثنا يا شيخنا عن سر قوله تعالى:{  وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ  } (سـبأ: 12)

قال الشيخ: فما فهمت منها.. وما الذي استفدته من المفسرين منها؟

قال التلميذ: يخبر الله تعالى عن النعم التي وهبها سليمان u، ومنها تسخير الريح له تحمل بساطه غدوها شهر ورواحها شهر، كما قال الحسن البصري:( كان يغدو على بساطه من دمشق، فينزل بإصطخر يتغدى بها، ويذهب رائحاً من إصطخر فيبيت بكابل، وبين دمشق وإصطخر شهر كامل للمسرع، وبين إصطخر وكابل شهر كامل للمسرع )

قال الشيخ: فمن أخبر الحسن بذلك؟

قال التلميذ: ربما يكون سمعها من الصحابة الذين سمعوها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

قال الشيخ: فلم لم تقل: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي ذكر ذلك؟

قال التلميذ: لأنه لا دليل على ذلك، فقد يكون سمعها من اليهود، أو من غيرهم.

قال الشيخ: فما قيمة هذا العلم الذي لا تعرف مصدره، ولا صدقه.. وحتى لو عرفته فما الذي يفيدك أين يتغدى وأين يتعشى.. وهل ترى سليمان عليه السلام كان من المترفين الذين يستغلون نعم الله عليهم لتغذية مآرب الترف فيهم.. ألا ترى فيما ذكرته لي إهانة لنبي الله الأواب التواب الزاهد؟

قال التلميذ: من هذه الجهة صدقت.. ولكن لم ذكر الله ذلك؟

قال الشيخ: الآية تشير الى أن الطريق مفتوح أمام البشر لقطع مثل هذه المسافة في الهواء..

قال التلميذ: كأنك تقول: إن هذه الآية تحث على البحث عن القدرات المخزنة في الهواء لاستغلالها في قطع المسافات.

قال الشيخ: لست أنا الذي أقول هذا، بل إن الله تعالى يقول في معنى هذه الآية الكريمة:( إن عبداً من عبادي ترك هوى نفسه، فحمّلتُه فوق متون الهواء، وأنت ايها الانسان! ان نبذت كسل النفس وتركته، واستفدت جيداً من قوانين سنتي الجارية في الكون، يمكنك أيضاً أن تمتطي صهوة الهواء )([5]

قال تلميذ آخر: أخبرنا سيدنا عن سر سمع سليمان u للنملة عندما قالت:{  يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } (النمل: من الآية18)، فتبسم ضاحكا من قولها.. وعن سر ذكر القرآن الكريم لذلك؟

قال الشيخ: فما ترى أنت؟

قال التلميذ: تلك معجزة حصلت له.

قال الشيخ: ألم تعلم بأن معجزات الله لا تخرق سنن الله، فسنن الله لا يعتريها التبديل والتحريف!؟

قال التلميذ: أجل لقد علمتنا علم ذلك، ولكن كيف استطاع سليمان u أن يسمع النمل، وكيف استطاع أن يعلم لغتها!؟

قال الشيخ: من صدق مع الله لم يحتقر أي شيء.. ومن لم يحتقر أي شيء استفاد من كل شيء.. فالاحتقار هو الحجاب الذي يحول بيننا وبين فهم الأشياء أو الاستفادة منها.. ولذلك قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ } [البقرة: 26]

ولهذا ضرب الله لنا المثل بالذباب.. كما قال تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ } [الحج: 73]

فالعارف بالله يستفيد من الذباب ما لا يستفيده الغافل من الكون جميعا..

بقي التلاميذ والشيخ يتناولون كل جزئية وردت في قصة سليمان عليه السلام بالبحث والتحليل والنظر مدة من الزمن.. وقد شعرت حينها بأن تلك السورة تتسع في عيني لتشمل الحياة جميعا بمختلف جوانبها..

وشعرت وكأن سليمان عليه السلام عاد من جديد بصورته الحقيقية.. صورة الأواب التواب الشاكر.. جاء ليلقننا من خلال الكلمات القرآنية المقدسة كيف نعيش حياته، وكيف نتقمص شخصه الكريم.. ليتحقق بذلك فينا قوله تعالى: { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ } [الأنعام: 90]

الأسطورة:

سرت بتلك المشاعر الجميلة، وبصحبة روحية مع سليمان عليه السلام إلى المدرسة الثانية، وأنا أقول في نفسي: ليس على المرء أن يدرس من مدرسة واحدة.. فكلما تنوعت المدارس وتعددت كلما نضج المرء واتسع أفقه..

كنت أقول هذا من دون أن أدرك أن تلك المدرسة سوف تقوم بتخريب خطير لتلك الصورة الجملية التي رسمتها في نفسي مدرسة العبرة المتتلمذة على القرآن الكريم..

لم أكن حينها أعي سر قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعمر عندما أراه صحيفة من التوراة، محذرا له من أن يخلط المنابع القرآنية الجميلة بتلك التحريفات الخطيرة التي تنسخ جمال المعاني القرآنية المقدسة بقذارة التحريفات البشرية المدنسة..

لقد قال له صلى الله عليه وآله وسلم حينها: (أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه وسلم حيّاً ما وسعه إلا أن يتبعني)([6])

لكن للأسف قومنا لم ينظروا لغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ولم ينظروا إلى قوله الواضح الذي لا يحتمل أي تأويل أو نسخ أو استدراك.. بل راحوا ينشرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أذن في الحديث عن بني إسرائيل بلا حرج.. وأصبح ذلك هو الأصل.. ونسخ الحديث السابق، ونسخ معه غضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن هؤلاء يعتقدون أن غضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير معصوم.. وأنه يمكن أن يغضب لغير شيء كما يغضب سائر البشر.. ولم يعلموا أبدا أن غضب رسول الله هو غضب الله نفسه.. فرسول الله لا يغضب عن هوى كما لا ينطق عن هوى.

دعكم من أحاديثي فهي زفرة من زفرات غضبي على ذهابي إلى تلك المدرسة، وسماعي لمشايخها.. فقد بقيت آثار كلماتهم في نفسي زمنا طويلا.. ولم أستطع قلع تلك الصورة الأسطورية القبيحة التي صوروها لنبي الله سليمان عليه السلام إلا بعد جهد جهيد، والتجاء إلى الله أن يطهر قلبي من كل تحريف شيطاني لكتابه ولصورة نبيه..

سأحكي لكم.. واعذروني.. واحذروا أن يرتسم ما أنقله من صور إلى نفوسكم.. فإن خفتم عليها.. فاتركوا القراءة، ولا تكملوا باقي القصة.. فدينكم أهم من كل قصة.

عندما دخلت المدرسة الكبيرة ذات التلاميذ الكثيرين والكتب الكثيرة المتزاحمة أحسست في البداية ببعض الراحة التي نحس بها عندما نرى مكانا جميلا متسعا.. ومنيت نفسي بأن أنال علما كثيرا جديدا.

ودخل في أمنيتي شيء جديد، وهو الإجازة والشهادة.. فقد علق على باب المدرسة بيان كبير عليه أختام كثيرة.. تبشر المداومين على الحضور بنيل الإجازات والشهادات العليا التي تتيح لهم تبوؤ المناصب الرفيعة في تلك المدرسة وغيرها.

وهذا ما فسر لي بعد ذلك سر كثرة التلاميذ.. وسر حرصهم على الحضور.

جلست مجلسا من المجالس.. وكانت المفاجأة أن الدرس كان عن سليمان عليه السلام..

اعذروني أن أنقل لكم ما يقولون.. فبعض الناس لا يصدق بشيء إلا إذا رأيناه بعينه.. ولعل في قوله تعالى: { لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا } [النساء: 148] ما يكون لنا عذرا في ذكر ذلك.. وهو من باب تغيير المنكر لا من باب إشاعته..

قال الشيخ لتلاميذه: سنحاول اليوم أن نرسم صورة علمية دقيقة لحياة سليمان الشخصية والاجتماعية والسياسية من خلال ما قصه القرآن الكريم علينا..

استبشرت خيرا لكلامه هذا، وحمدت الله على نعمة حضوري للمدرسة..

بدأ الشيخ درسه بسؤال تلاميذه قائلا: أنتم تعلمون طريقتي.. فأسألوني عن أي آية تتعلق بسليمان عليه السلام، وسأنبئكم بخبرها.. فالحمد لله وفقني الله بفضله فقرأت، بل حفظت كل ما ترون من كتب التفسير ابتداء من الطبري وانتهاء بمن تعلمون من المفسرين المعاصرين، ولي فوق ذلك عشرين مجلدا في تفسير القرآن الكريم.. لم أترك فيه قولا قيل في أي آية إلا ذكرته.

استأذن تلميذ من تلاميذه، فأذن له، فقال: أجل يا شيخنا.. والحمد لله قد استفدنا منك كثيرا.. ونحن لا نتتلمذ عليك فقط.. بل نتتلمذ على تفسيرك أيضا.. وانطلاقا منه أريد أن أسألك عن تلك القصص الكثيرة التي ذكرتها.. فقد حصل لنفسي منها شيء.

قال الشيخ: سل ما بدا لك.. فلا حرج عليك في ذلك.

قال التلميذ: لقد رأيت أن الكثير منها من رواية كعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهما من اليهود أو من تلاميذ اليهود.. ألا ترى أن في ذلك خلطا بين المعاني القرآنية والمعاني اليهودية الدخيلة؟

قال الشيخ، وهو يحاول كظم غيظه: لو حضرت الحصص السابقة لعلمت قيمة هؤلاء المفسرين.. لولاهم لكانت القصص القرآنية غامضة مبهمة لا نستطيع أن نفهم دقائقها وتفاصيلها..

تصور لو لم يحك لنا كعب ووهب قصة بقرة بني إسرائيل هل كنا سنفهمها.. إنها تصبح مثل قصة بلا أول ولا آخر..

قال ذلك، ثم توجه لتلاميذه قائلا: بالمناسبة.. من منكم يذكر قصة بقرة بني إسرائيل.. فقد قصصنا لكم مفصلة وموجزة..

قال تلميذ من التلاميذ: أنا أحفظ الموجزة منها على ظهر قلب.

قال الشيخ: فاسردها لنا حتى يعلم زميلك قيمة العلم.. وقيمة المعلومات التي بثها لنا أولئك الذين قيضهم الله لتفسير كتابه..

أخذ التلميذ يقرأ من ذاكرته، وكأنه يردد سورة من القرآن الكريم قصة عجيبة لبقرة بني إسرائيل ممتلئة بالأحداث والتفاصيل التي لم يتطرق القرآن الكريم إليها.

بعد أن انتهى قال الشيخ: بورك فيك يا بني.. أظن أنك في المستقبل القريب سيكون لك مجلس مثل مجلسي في هذه المدرسة.

قال تلميذ آخر: ولكن يا شيخنا من أين لنا أن هذه القصة صادقة؟

قال الشيخ: أول دليل على صدقها هو ذلك الثناء العظيم الذي أثنت به الأمة على رواتها.. فكعب الأحبار ووهب بن منبه من المشهود لهم بالعلم..

قال التلميذ: ولكني رأيت شيخا كبيرا مثل الشيخ محمد رشيد رضا يتهم هؤلاء بأنهم دسوا في الدين الخرافة والأسطورة، وقد قال في ذلك: (إن كعب الأحبار كان من زنادقة اليهود الذين أظهروا الإسلام والعبادة لتقبل أقوالهم في الدين، وقد راجت دسائسه وانخدع بها بعض الصحابة فرووا عنه وتناقلوا مروياته بدون إسناد إليه حتى ظن بعض التابعين ومن بعدهم أنها مما سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم)([7])

قال آخر: أجل.. وقد قرأت له قوله: (إن شر رواة هذه الإسرائيليات أو أشدهم تلبيساً وخداعاً للمسلمين وهب بن منبه وكعب الأحبار، فلا تجد خرافة دخلت في كتب التفسير والتاريخ الإسلامي في أمور الخلق والتكوين والأنبياء وأقوالهم والفتن والساعة والآخرة إلا منهما مضرب المثل)([8])

غضب الشيخ، وقال: ويله.. ما هذا الهراء الذي ينطق به.. أهو خير من شيخ الإسلام.. وغيرهم من أعلام السلف الذين اعتبروا كعب الأحبار خصوصا من أئمة الدين، وبحرا من بحور العلم.. بل إنهم اعتبروا من يتهم كعبا كمن يتهم الصحابة أنفسهم.. والشواهد الكثيرة تشهد لكعب الأحبار بصدق إسلامه وقوة إيمانه، ومن أبرز هذه الشواهد شهادة كثير من الصحابة له بذلك([9]).

فإذا تتبعنا حياة كعب في الإسلام، ورجعنا إلى مقالات بعض أعلام الصحابة فيه، وأحصينا من تحمل منهم عنه وروى له، ومن أخرج له من شيوخ الحديث في مصنفاتهم.. لو فعلنا ذلك لوجدنا ما يدحض ويبطل هذه الفرية، ويشهد له بقوة دينه وصدق يقينه، وأنه قد طوى قلبه على الإسلام المحض والدين الخالص، ولغزارة علمه وكثرة معارفه لهج بعض أعلام الصحابة بالثناء عليه، فقال عنه أبو الدرداء: (إن عند ابن الحميرية لعلما كثيرا)([10]

أما خال المؤمنين معاوية، فقد وضعه مع كبار الصحابة، وأثنى عليه من بينهم، فقال: (ألا إن أبا الدرداء أحد الحكماء، ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء، إن كان عنده لعلم كالبحار، وإن كنا فيه لمفرطين)([11]).. انظر كيف اعتبر نفسه مفرطا في التلقي عنه..

وهكذا نجد جماهير المحدثين على توثيق كعب؛ وأنى يكون ذلك وقد جلس الكثير من الصحابة بين يديه، ورووا عنه كما رووا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سواء بسواء.. وهذا سر ما اختلط من رواياتهم عنه برواياتهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. لقد حدث عنه من أعلام الصحابة كأبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ولم يكن هؤلاء ولا غيرهم ممن رووا عنه سذجا ولا مخدوعين فيه، وإنما أيقنوا أنه صدوق فيما يروي، فرووا عنه؛ لذلك قال عنه ابن حجر في التقريب: (ثقة مخضرم)([12])، وقد روى له مسلم في صحيحه، وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم، وهو دليل على أن كعبا كان ثقة غير متهم عند هؤلاء جميعا([13]).

استأذن تلميذ آخر، فقال له الشيخ: مجلسنا اليوم عن سليمان عليه السلام.. ولا أريد أسئلة أخرى خارج الموضوع..

قال التلميذ: عنه كنت سأسألك ..

قال الشيخ: ما دمت تريد أن تسأل عنه، فسل ما بدا لك.

قال التلميذ: ما معنى قوله تعالى { وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ } [ص: 34].. فقد اختبرنا بعض المشايخ البارحة فيها، فبهت، ولم يجد جوابا.

قال الشيخ، وهو يبتسم: على الخبير سقطت.. سأنبئك من نبئها ما يروي غليلك..

هذه الآية الكريمة تذكر الفتنة العظيمة التي وقعت لسليمان عليه السلام.. وقد ذهب أكثر المفسرين([14]) إلى أن الجسد الذي ألقي على كرسي سليمان هو صخر الجني.

وقد اختلف المفسرون في اسمه، فالسدي ذكر أن اسمه حبقيق، وعن بعضهم: ان اسمه كان آصف، والمعروف هو الأول، وقد روي عن ابن عباس.

وأما قصته: فقد روي أن صخرا كان شيطانا ماردا لا يقوى عليه أحد، فابتلى الله تعالى سليمان به، وسلبه ملكه، وقعد هذا الشيطان على كرسيه يقضي بين الناس، وكان سبب ذلك أن ملك سليمان كان في خاتمه.

وقد قال وهب بن منبه: وكان ذلك الخاتم فما ألبسه الله تعالى آدم عليه السلام في الجنة، وكان يضيء كضوء الشمس، فلما أكل آدم من الشجرة، وعصى الله تعالى سلب الخاتم، ثم إن الله تعالى أنزله على سليمان، وعقد به ملكه..

قال أحد التلاميذ: هلا وصفت لنا سيدنا صفة ذلك الخاتم، فقد شوقتنا إليه.

قال الشيخ: لقد قمت بتحقيق معمق في ذلك.. وقد وصلت إلى أنه خاتم مربع له أربعة أركان، في ركن منه مكتوب: أنا الله لم أزل، وفي الركن الثاني مكتوب: أنا الله الحي القيوم، وفي الركن الثالث مكتوب: أنا العزيز لا عزيز غيري، وفي الركن الرابع مكتوب: محمد رسول الله.. وذكر بعضهم أن المكتوب عليه كان آية الكرسي.

قال التلميذ: فأكمل لنا القصة..

قال الشيخ: أين وصلت؟

قال التلميذ: لقد ذكرت لنا أن سر ملك سليمان كان في خاتمه..

قال الشيخ: أجل.. تذكرت.. كان سليمان عليه السلام إذا دخل مغتسله سلم الخاتم إلى جارية له، وقد كان له المئات من الجواري..

وقد دخل مرة وسلم الخاتم إلى الجارية، فجاء صخر في صورة سليمان، فأخذ الخاتم من الجارية.. أنتم تعلمون أن الجن يتشكل في الصور المختلفة.. وقد يكون من الجالسين بيننا الآن جني في صورة تلميذ من التلاميذ..

اقشعر جسدي لما قال، وصرت أنظر إلى التلاميذ الملتفين حوله، فأراهم بصور عجيبة مرعبة.. لكني تماسكت، ورحت أستمع إلى القصة.

قال الشيخ: .. وخرج سليمان يطلب الخاتم، فلم يجده، فعلم أن الله تعالى سلبه ملكه.. فذهب يسيح في الأرض، ولم يعرفه أحد بصورته، وكان يستطعم الناس، ويقول: أنا سليمان بن داود، فيكذبونه ويؤذونه ويزعمون أنه مجنون.

لقد ورد في مصادرنا الموثوقة أنه استطعم مرة من قوم وزعم أنه سليمان بن داود، فقام رجل وشج رأسه بعصا في يده، ثم إنهم أعطوه كسرة يابسة، فحمل الكسرة إلى شط نهر ليبليها بالماء، وكان جائعا لم يصب طعاما منذ أيام، فذهب الماء بالكسرة.

وروي إنه كان على شط البحر، فجاءت موجة وحملت الكسرة، فدخل هو البحر في إثرها حتى خاف الغرق فرجع ورجعت الكسرة ثم إنه طمع فيها وذهب ليأخذها، فذهبت الكسرة، هكذا مرات..

رأيت تلاميذه يبكون بحرارة، ولم أدر هل كانوا يبكون على الكسرة التي فرت منه، أم على سليمان عليه السلام الذي وعده الله بأن يهبه الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده.

قال بعض التلاميذ، ودموعه تنحدر: فهل ظفر بالخاتم.. وكيف عاد ملكه إليه؟

قال الشيخ: في يوم من الأيام.. وبعد محن كثيرة مر بها.. مر على قوم صيادين؛ فسألهم شيئا ليأكله فأعطوه سمكة ميتة، فشق جوفها، فوجد خاتمة فيها، فجعله في إصبعه، وعاد إليه ملكه، وعكفت الطير في الوقت على رأسه، واجتمع إليه الإنس والجن والشياطين.

رأيت الفرح باديا على وجوه التلاميذ، وصار يهنئ بعضهم بعضا من الفرح..

قال بعض التلاميذ: فما كان مصير صخر الجني، وماذا فعل بخاتم سليمان؟

قال الشيخ: لقد روي في مصادرنا الموثوقة أنه لما أخذ الجني الخاتم تحولت صورته إلى صورة سليمان.. ثم ذهب وقعد على كرسيه، وجعل ينفذ ما كان ينفذه سليمان إلا أنه اختلف في قيامه بعلاقة مع نساء سليمان الكثيرات والتي يقربن من ألف امرأة.. فذهب البعض إلى أنه لم يكن يستطيع ذلك.. وذهب آخرون إلى أنه كان يصيبهن في فترة العادة الشهرية.. وذهب آخرون إلى أنه كان يصيبهن مطلقا([15]).

قال تلميذ آخر: ألم يفطن بنو إسرائيل إلى التفريق بين صخر وسليمان؟

قال الشيخ: لقد روي في مصادرنا الموثوقة أن بني إسرائيل أنكروا أمر صخر الجني؛ لأنه كان يقضي بغير الحق؛ فذهبوا إلى نساء سليمان، وقالوا لهن: تنكرون من أمر سليمان شيئا، فقلن: نعم؛ فحينئذ وقع في قلبهم أن سليمان قد ابتلي، وأن الله تعالى سلبه ملكه، وأن الشخص الذي على الكرسي شيطان.

فأخذ بنو إسرائيل التوراة وجاءوا إلى حول الكرسي وجعل يقرؤونها؛ فطار صخر إلى أشرف القصر، ثم طار من شرف القصر ومر فوقع في البحر.

قال التلميذ: فما فعل سليمان بصخر عندما عاد إلى ملكه؟

قال الشيخ: روي في مصادرنا الموثوقة أنه لما رد الله تعالى على سليمان ملكه، أمر الشياطين بطلب صخر، فوجدوه وحملوه إلى سليمان؛ فصفده بالحديد، وجعله في صندوق، وألقاه في البحر، فهو في البحر إلى يوم القيامة.

وروي أن الشيطان هرب حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان –عليه السلام- في طلبه، وكان شيطانا مريدا يطلبونه ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يوما نائما، فجاؤوا فبنوا عليه بناينا من رصاص، فاستيقظ، فوثب، فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا أن دار معه الرصاص، فأخذوه وأوثقوه: وجاءوا به إلى سليمان –عليه السلام-، فأمر به، فنقب له في رخام، ثم أدخل في جوفه، ثم سد بالنحاس، ثم أمر به، فطرح في البحر.

قال تلميذ آخر: ما هو السبب في رأيك – سيدنا – الذي بسببه وقع سليمان عليه السلام في هذه الفتنة؟

قال الشيخ: لقد روي في مصادرنا الموثوقة في ذلك أقوال كثيرة.. منها أن الله تعالى كان أمره ألا يتزوج امرأة من غير بني إسرائيل، فخالف وتزوج امرأة من غيرهم، فابتلاه الله تعالى.. ومنها أنه كانت عنده امرأة، وكان يحبها حبا شديدا، فخاصم أخوها إلى سليمان في شيء مع إنسان، فطلبت المرأة من سليمان أن يقضي لأخيها؛ فقال لها: نعم، ولم يفعل ذلك، فابتلاه الله تعالى.. ومنها أنه احتجب من الناس ثلاثة أيام، ولم ياذن لأحد، فأوحى الله تعالى إليه: يا سليمان، إني إنما بعثتك وأعطيتك هذا الملك؛ لتنصف المظلومين، وتكون عونا للضعفاء على الأقوياء، ولم أعطك لتحتجب عن الناس.. ومنها أنه قال مرة: والله لأطوفن الليلة على نسائي، وكان له ثلثمائة امرأة، وسبعمائة سرية، ولتحملن كل امرأة منهن، وتلد غلاما يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل، فلم تحمل امرأة منهن إلا امرأة واحدة حملت، فولدت نصف إنسان، وابتلاه الله تعالى.. ومنها أنه كان أصاب من بعض نسائه في حالة الحيض، فابتلاه الله تعالى.. وغير ذلك من الأقوال.

قال التلميذ: فما القول الذي تراه راجحا؟

قال الشيخ: لقد بقيت عشرين سنة أحقق في المسألة.. وقد عرفت بعد البحث الطويل أن السبب في ذلك هو أنه تزوج بامرأة؛ فعبدت المرأة صنما في داره من غير أن يشعر بذلك، فابتلاه الله تعالى لغفلته([16])..

قال تلميذ آخر: بالمناسبة – سيدنا- هلا حكيت لنا قصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ، والتي ورد ذكرها في القرآن الكريم.

قال الشيخ: تلك المرأة هي بلقيس بنت شراحيل.. وقد ذكر الثقاة أنه ولدها أربعون ملكا، آخرهم أبوها.. وكان أحد أبويها من الجن([17])..

قال التلميذ: عجبا لهم كيف طاب لأهل اليمن أن يولوا أمرهم امرأة؟

ضحك الشيخ، وقال: كيف تنتظر من قوم يعبدون الشمس أن يفطنوا إلى هذا.. ولهذا ورد عن سلفنا الصالح ذم أهل اليمن وغبائهم، فعن خالد بن صفوان قال واصفا أهل اليمن: (هم من بين دابغ جلد، وسايس قرد، وحائك برد، ملكتهم امرأة، ودل عليم هدهد وغرقتهم فأرة)([18])

قال التلميذ: فحدثنا عن الهدية التي أهدتها له.. ما كانت؟

قال الشيخ: لقد روي في مصادرنا الموثوقة أنها كانت مائة غلام، ومائة جارية.. وقيل أنها أرسلت إليه مائتي غلام ومائتي جارية، وكان بعضهم يشبه البعض في الصورة والصوت والهيئة، وقالت للرسول: قل له: ليميز بين الغلمان والجواري([19]).

قال التلميذ: بربك سيدنا كيف استطاع سليمان عليه السلام أن يميز بين الغلمان والجواري؟

قال الشيخ: لقد قمت بتحقيق علمي مفصل في ذلك استغرق مني زمنا طويلا.. وها أنذا أقدمه لكم مجانا.. لقد وصلت إلى أنه أمرهم بالجلوس ودعا بالغلمان والجواري بأن يتوضئوا، فمن صب الماء على بطن ساعده قال: هي جارية، ومن صب الماء على ظهر ساعده قال: هو غلام.. وقد ذكر آخرون أنه جعل من بدأ بالمرفق في الغسل غلاما، ومن بدأ بالزند في الغسل جارية..  وذكر آخرون أنه جعل من أغرف الأناء غلاما، ومن صب على يده جارية.. وكل ذلك غير صحيح.. والصحيح ما ذكرته لكم.

قال تلميذ آخر: فما قصة القصر الممرد من قوارير ؟

قال الشيخ: لقد بحثت في ذلك أيضا.. وقد وصلت إلى أنه جعل تحته تماثيل من الحيتان والضفادع، وكان الواحد إذا رآه ظنه ماء.. وقد أمر سليمان – عليه السلام – أن يوضع سريره في وسط الصرح، ثم دعا بلقيس إلى مجلسه، فلما وصلت إلى الصرح ونظرت ظنت أنه ماء، فكشفت عن ساقيها لتدخل في الماء، فصاح سليمان: { إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ } [النمل: 44]

قال التلميذ: فلم صنعه.. ولم كشفت عن ساقيها؟

قال الشيخ: لقد قيل لسليمان عليه السلام أن على رجليها شعرا كثيرا.. أخبرته الجن بذلك.. فأراد أن يتأكد.

قال التلميذ: فهل وجد الجن صادقين فيما ذكروه؟

قال الشيخ: أجل.. وقد ذكر ثقاتنا من أهل التفسير: أن سليمان – عليه السلام – قال للشياطين: ما الذي يذهب الشعر؟ فاتخذوا النورة، وهو أول من اتخذ الحمام والنورة.

قال التلميذ: فلم استقدمها لقصره؟

قال الشيخ: ذلك واضح.. لقد أراد أن يتزوج بها، فقصد أن ينظر إلى ساقيها([20]).

قال تلميذ آخر: شكرا جزيلا شيخنا.. لقد عرفنا اليوم من قصة سليمان عليه السلام ما لم يكن لنا أن نعرفه لولاك.. ولكن ألا ترى أنه كان له اهتمام كبير بالنساء؟

قال الشيخ: أجل.. فقد خلق الله – عز وجل – الأنبياء والرسل، وفضلهم على سائر البشر، ومن تلك الفضائل القوة في هذا الجانب.. فقد أقر بذلك علماء الأمة سلفا وخلفا، وذلك لأن النقص في هذا الشيء يعد عيبا، وحاشاهم – صلوات الله وسلامه عليهم – أجمعين عن العيب والنقص، فالأنبياء معصومون.

وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: إن شاء الله. فلم يقل، ولم تحمل شيئا إلا واحدا ساقطا أحد شقيه. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لو قالها لجاهدوا في سبيل الله)

وقد علق النووي على هذا الحديث بقوله: (وفي هذا بيان ما خص به الأنبياء – صلوات الله تعالى وسلامه عليهم – من القوة على إطاقة هذا في ليلة واحدة، وكان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يطوف على إحدى عشرة امرأة له في الساعة الواحدة، كما ثبت في الصحيحين، وهذا كله من زيادة القوة)([21])

وقال المناوي: (إن سليمان – عليه السلام – تمنى أن يكون له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطي الملك، وأعطي القوة في الجماع؛ ليتم له الملك على خرق العادة من كل الجهات؛ لأن الملوك يتخذون من الحرائر والسراري بقدر ما أحل لهم ويستطيعونه، فأعطي سليمان – عليه السلام – تلك الخصوصية ليتميز بها عنهم، فكان نساؤه من جنس ملكه الذي لا ينبغي لأحد من بعده)([22])

قال تلميذ آخر: فحدثنا عما فعله سليمان عليه السلام بالخيل لما شغلته عن الصلاة.. كما ورد في قوله تعالى: { وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) } [ص: 30 – 33]

قال الشيخ: لقد بحثت في ذلك.. وقد وصلت إلى أن سليمان u عرض عليه الخيل الجياد في وقت العصر، فألهاه هذا العرض عن صلاة العصر، فلما اقترب المغرب غضب، وطلب من الله أن يرد الشمس بعد أن غربت ليصلي العصر فردت.. وكصورة من غضبه على الخيل لأنها كانت السبب في فوات العصر وألهته عن الصلاة قام وقطع سوقها وأعناقها مسحاً بالسيف.

 قال التلميذ: فكيف تعلل هذا السلوك من سليمان u، ولم عذب الحيوان بالعرقبة، وأهلك مالا من ماله بلا سبب سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها ولا ذنب لها؟

قال الشيخ: لقد بحثت في ذلك.. وقد وصلت إلى أنه قد يكون في شرعهم جواز مثل هذا، ولا سيما إذا كان غضبا لله عز وجل بسبب أنه شغل بها حتى خرج وقت الصلاة؛ ولهذا لما خرج عنها لله تعالى عوضه الله تعالى ما هو خير منها وهي الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب غدوها شهر ورواحها شهر، فهذا أسرع وخير من الخيل([23]).

بقي الشيخ إلى الليل.. وهو يجيب عن كل سؤال، ويذكر من الأقوال العجيبة فيه ما جعل القرآن الكريم في ذهني وأذهان تلاميذه كتابا لا يختلف عن كتاب ألف ليلة وليلة.. ولا يختلف عن الحكايات والأساطير التي كان يحكيها النضر بن الحرث لقومه من قريش ليشغلهم بها عن القرآن..

وللأسف مات النظر بن الحرث الجاهلي.. وخلفه كثير ممن لا يقلون عنه من المسلمين..

قلت في نفسي، وأنا عائد إلى بيتي ممتلئا حزنا: (لقد استطاع الشيطان في الأخير أن يحيي أساطير النضر)

سمعت صوتا مزعجا لست أدري مصدره، يقول لي: (.. لا.. بل فعلت ما هو أخطر من ذلك.. لقد حولت كلام ربكم إلى أساطير مقدسة بعد أن كانت أساطير خرافة وتسلية)


([1])    بعض العبر المذكوره هنا نقلتها بتصرف من كتابي (مفاتيح المدائن)

([2])   )  رواه النسائي.

(1)  وقد ذكر القرآن الكريم ذلك، فقال على لسان الهدهد:)إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ( (النمل:23)

(1 )  هذا هو الصحيح، وهو ما قاله مجاهد وسعيد بن جبير، وقد اختاره ابن جرير وابن كثير، لا من قول ملكة سبأ، بدليل أنها إنما أظهرت الإسلام بعد دخولها إلى الصرح، كما قال:( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( (النمل:44)

([5])    كلام لبديع الزمان النورسي.

([6])    رواه أحمد.

([7])     مجلة المنار (27 / 541)

([8])     مجلة المنار (27 / 783)

([9])     نقلنا هذا، وبتصرف من موقع معتمد لدى التيارات السلفية، وهو موقع بيان الإسلام.

([10])     الطبقات الكبير، ابن سعد، (9/449)

([11])     الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني، (5 /650)..

([12])     تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، ص812..

([13])     الطبقات الكبير، ابن سعد، (9/ 449).

([14])    ما نذكره هنا من تفسير الآية هو من تفسير السمعاني (4/ 441)، فما بعدها.

([15])    تفسير السمعاني (4/ 442)

([16])    تفسير السمعاني (4/ 443)

([17])    تفسير السمعاني (4/ 89)

([18])    تفسير السمعاني (4/ 90)

([19])    تفسير السمعاني (4/ 96)

([20])    تفسير السمعاني (4/ 102)

([21])    شرح صحيح مسلم، النووي، (6/ 2570)..

([22])    فيض القدير، المناوي، (4/ 659)..

([23])   انظر: تفسير ابن كثير: 7/65.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *