السبتيون

السبتيون

السبتيون قوم من الدعاة على أبواب جهنم، وهم من الذين اتخذوا سلفا صالحا لهم من بني إسرائيل يقال لهم  (أصحاب السبت)، ومع أن أولئك مسخوا قردة وخنازير، وصارت صورهم بشعة، ولكن مع ذلك فقد لقوا من السبتيين من هذه الأمة كثيرا من القبول..

لا تستغربوا من هذا.. ولا تحسبوه نوعا من التهويل.. فمن قرأ كتاب ربه، وتدبر فيه، وتخلص من ترخنته أو أنسنته، وعرف أنه لم يذكر أي شيء عبثا.. فإنه يدرك أنه يستحيل ألا يكون في هذه الأمة هذا النوع من الدعاة.

وقبل أن نعرض لأصحاب السبت من هذه الأمة، سنبدأ بالحديث عن أصحاب السبت من بني إسرائيل كما ورد ذكرهم في القرآن الكريم، قال تعالى: { وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } [الأعراف: 163- 165]

وخلاصة القصة – كما وردت في كتب التفسير، وكما هي واضحة في النص القرآني – أن أصحاب السبت كانوا من بني إسرائيل قوم موسى عليه السلام.. وكان الله عز وجل ابتلاهم بتحريم صيد الحيتان يوم السبت عقوبة لهم، فكانت الحيتان تخرج يوم السبت ظاهرة على سطح الماء في كل مكان سمينة تلعب، فإذا ذهب يوم السبت غاصت فلم يقدروا عليها، فاعتدوا بأخذها يوم السبت، بدأ بذلك واحد ربط حوتاً بخيط إلى وتد في ساحل البحر ولم يخرجه حتى ذهب يوم السبت فشواه فأكله، فوجد الناس رائحته فسألوه فأخبرهم فتابعه جماعة من الناس حتى كثر ذلك فيهم، وكانوا يحتالون على صيدها بحيل مختلفة، فانقسم الناس ثلاث طوائف، طائفة اعتدت في السبت، وطائفة لم تعتد في السبت ونهت الذين اعتدوا فيه، وطائفة لم تعتد ولكنها لم تنه الذين اعتدوا، وقالت للذين نهوهم: (لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً) فأجابهم الذين نهوا: (مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)، أي نحن ننهاهم حتى نعذر عند الله بأنا نهيناهم عن المنكر، ولعلهم يتوبون ويرجعون للصواب ويتقون عذاب الله وسخطه.

فلما أقام المعتدون على عملهم ولم يلتفتوا لنصح الناصحين وعتوا عن أمر الله أنجا الله الطائفتين الأخريين أو الطائفة التي نهتهم فقط، ثم أنزل عذابه على الطائفة المعتدية بأن مسخهم الله تعالى قردة وخنازير.

فإذا طبقنا على هذه القصة قوله صلى الله عليه وآله وسلم الذي لا ينطق عن الهوى: (لتتبعن سَنن من قبلكم شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ ، حتى لو سلكوا جحر ضبٍّ لسلكتموه ، قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : فمن !؟)([1])، فإننا سنخلص لا محالة إلى أن هناك من الأمة، بل من علماء الأمة من يحتال على أوامر الله، ويتلاعب بها، ويجعل منها شبكة لتحقيق أهوائه.

وهنا سنفاجأ كالعادة بالذين يهونون الأمور، ويتساهلون فيها، فيقولون: وما الفائدة من معرفتهم؟.. وما الضرر في الجهل بهم؟ يقولون ذلك حرصا على سمعة الأنداد الذين اتخذوهم من دون الله، والمستفتين الجهال الذين ضلوا وأضلوا.

والجواب بسيط، ومؤيد من القرآن الكريم، وهو أن الله ما عرفنا بهم إلا لنحذرهم ونحذر منهم، حتى لا يصيبنا ما أصابهم، لا في الدنيا فقط، بل في الدنيا والآخرة.

فالله سبحانه وتعالى كما يحاسبهم يوم القيامة على أخطائهم، فإنه سيحاسبنا على قبولنا باستفتائهم، وعدم استفتائنا لقلوبنا، وللفطرة النقية التي أودعها الله فينا.. لقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر ذلك: (استفت قلبك، واستفت نفْسَك ثلاث مرات؛ البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك)([2])

أما ما يتوهمه البعض من أن المستفتي سيتحمل جميع تبعات من أفتاه، فذلك صحيح من جهة مضاعفة إثمه، وليس صحيحا من جهة رفع العقوبة عن المستفتي، وقد رسم القرآن الكريم صورا لتبرئ المفتي من المستفتي باعتبار المستفتي تابعا، والمستفتي متبوعا، فقال: {  إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 166، 167]

ويصور مشهدا آخر لندم المستفتي على طاعته للمفتي وتركه لطاعة الله ورسوله:{  يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا } [الأحزاب: 66، 67]

قد يقال: كيف يكون ذلك، والمستفتي عامي بسيط، ولم يجد إلا المفتي يلجأ إليه، فكيف يتحمل مسؤولية خطئه؟

والجواب بسيط هنا أيضا، وهو أن الله تعالى فطر قلوبنا على معرفة الحق والتمييز بينه وبين الباطل.. والثاني أن الحريص على دينه لا يكتفي بمفت واحد، كما لا يكتفي في مرضه بطبيب واحد، بل تجده يبحث ويحقق، ويقارن بين الأقوال ومدى فطريتها، فإن رأى قولا يتناسب مع القيم قبله، وإلا رفضه.

وأذكر في هذا أن طالبا لي اعترض على عدم إخراجي طائفة من طوائف المسلمين من الملة، وقال لي بشدة: (كيف تقول ذلك، وفلان – يقصد أستاذا آخر – حكم بالتكفير على من لم يكفرهم؟)، فقلت له: أنت بين ثلاث خيارات: الأول أن تتوقف في المسألة لوقوع الخلاف فيها، وخاصة أنها لا ترتبط بأي شعيرة من الشعائر.. والثاني أن تجتهد في المسألة وتبحث فيها إلى أن تتحقق بالصواب.. والثالث: أن تفعل ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أنه (ما خير بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه)([3])، ووجه تطبيق الحديث في هذا المجال بسيط، فإن الذي كفر تشدد، والذي لم يكفر تساهل، أو رأى أن هناك من الشبهات ما يدرأ التكفير.. والحدود تدرأ بالشبهات.

لم يجبني، ولكني شعرت أنه يميل إلى رأي الأستاذ الآخر، فقلت له: أنت لم ترجح القول الآخر لحجة أو دليل، ولكنك رجحته لأنه يتناسب مع طبعك ونفسيتك.. وأنت في هذا تشبه ذلك الذي قال: (اللهم ارحمني وارحم محمدًا ولا ترحم معنا أحدًا)([4]).. وإلا فإن الورع يدعو صاحبه إلى الحذر والتوقف عن تكفير المسلمين حتى لا يتحمل مسؤوليتهم يوم القيامة.. فأن تخطئ في العفو خير من أن تخطئ في العقوبة.

بناء على هذا سنحكي لكم قصة تمثل مشهدا من المشاهد التي نعيشها كل يوم، وهي لعلم من أعلام الفتوى كان زميلا لي في الدراسة، لكنه أتيح له من الدنيا المرتبطة بالدين ما لم يتح لي..

وقد تعجبت عندما علمت بالمناصب الكبرى التي رقي لها، والمرتبطة بالفتوى.. فقد كنت أعلم أنه داهية محتال ذكي جدا، وكنت أتوهم أنه سيصبح مديرا لبنك، أو رئيسا لشبكة هرمية، أو شركة وهمية افتراضية.. لكن لم يخطر على بالي أبدا أنه سيصبح مفتيا.

لمت نفسي كثيرا، وأنا أسير إلى مكتبه الفخم، بل إلى قصره الفخم.. لقد قلت لها: لطالما كنت تتهمين الرجل بالنصب والاحتيال، وها أن الله قد أخلف ظنك، فأصبح رأسا من رؤوس الدين، وعلما من أعلام الهدى.

لكني عندما دخلت إلى مكتبه، وعاينت حياته وبعض فتاواه، وعرفت بعض مصادر دخله التي مكنته من كل ذلك الثراء، ندمت على ندمي، وتبت من توبتي، وأيقنت أن الطبع يغلب التطبع، وأن الرجل لا يزال نصابا، ولكنه نصاب فوق المعتاد، فهو قد استخدم الدين مطية للحيلة والدهاء والمراوغة.

ولست أدري كيف بدت لي صورته، وأنا أخرج من مكتبه على صورة خنزير أو غوريللا ضخمة..

لن أستعجل، فأحكم عليه.. سأدعكم مع مشهد واحد من المشاهد التي عاينتها لتحكموا عليه أنتم من خلالها:

دخل إليه رجل يبدو عليه الثراء، وقال: لقد جئتك اليوم، وفي جعبتي عشر مسائل أعلم أنه لن يجيبني عليها غيرك.

المفتي: هذه عادتك دائما.. تأتيني كل مرة بعشرة من المسائل الغريبة التي لو طفت جميع البلاد لما وجدت من يفتيك فيها غيري.. ومع ذلك لا تقدر الأمر قدره.

المستفتي: لا تقل هذا.. فأنا أقدرك تقديرا عظيما، بل إني في جميع الصحف التي أملكها، والقنوات التي أرأسها لا أتحدث فيها عن غيرك.. وأنا أشيد بك فيها كل حين.

المفتي: أعلم ذلك.. وأشكرك على ذلك، وعلى تلك الهدايا القيمة التي ترسلها لي كل حين.. لكني أردت أن أذكرك فقط بأنك مهما فعلت في حق أهل العلم، فهو قليل، ففضل أهل العلم لا حدود له.. حتى الملائكة تضعها أجنحتها لهم.. وحتى الحوت يستغفر لهم..

المستفتي: أعلم ذلك.. وأنت تذكرني به كل حين.

المفتي: فهات ما عندك.. ما المسألة الأولى التي تريد أن تسأل عنها؟

المستفتي: أعلم أن وقتك مهم.. وأن لديك الكثير من التسجيلات الإذاعية والتلفزيونية.. ولهذا سأبدأ لك من الآخر..

المفتي، وهو يضحك: لا تقل لي أنك تريد أن تقضي على بعض خصومك؟

المستفتي: لا.. الخصم الجديد الذي أريد أن أقضي عليه هو إمام جديد أرسلته وزارة الأوقاف إلى المسجد الذي يجاور بيتي.. وقد لقي القبول من الناس.. وقد سمعته يتحدث كلاما لم يعجبني.. وأنا أريد أن أتخلص منه بفتوى شرعية تجعل الناس ينفرون منه.

المفتي: أنت لك علاقاتك في الوزارة، ويمكنك أن تتخلص منه بسهولة.

المستفتي: أنا أريد أن أتخلص منه بالدين.. أنا أريد أن أزرع الحقد والكراهية عليه في المسجد.

المفتي: لا بأس.. هل تعرف توجهه الفكري؟

المستفتي: وهل لذلك قيمة؟

المفتي: أجل.. نحن نصدر فتاوانا في مثل هذه الأحوال بناء على أفكار الشخص التي تظهر من خلال أحاديثه.

المستفتي: لا أعرف توجهه بالضبط.. لكن هل يمكنك أن تضرب لي أمثلة على ذلك؟

المفتي: أجل.. مثلا إن كان يتحدث عن العقل والتفكير والبحث والنظر اتهمناه بالاعتزال، ثم أتينا له بأقوال العلماء التي تقول بتكفيره، بل بقتله إن شئت.

وإن كان يتحدث عن معرفة الله وحبه والأنس به والتوكل عليه والفناء فيه اتهمناه بالتصوف، وأتينا له بالأدلة المثبتة لكفره.. بل بقتله.

وإن كان يتحدث عن أهل البيت ومحبتهم والتمسك بهم وكونهم سفينة النجاة والصراط المستقيم اتهمناه بالتشيع والرفض، وكفرناه، ثم أهدرنا دمه.

وإن كان يتحدث عن الصالحين وكراماتهم وفضل زيارتهم والتوسل بهم اتهمناه بالقبورية، وكفرناه، وأهدرنا دمه.

وهكذا.. يمكننا أن نجد المسوغات المختلفة لذلك..

قال المستفتي: للأسف.. لم أسمعه يتحدث عن كل ذلك.. سمعته فقط يكثر من الحديث عن القرآن الكريم والتدبر فيه واستخراج كنوز المعارف منه..

قاطعه المفتي: يكفيني هذا لأن أصدر فيه فتواي التي تقضي عليه، وترفع الثقة فيه، بل تسلمك رأسه إن أردت..

المستفتي متعجبا: كيف؟

المفتي: هذا الرجل من خلال ما ذكرت من القرآنيين الذين يبالغون في تحميل القرآن ما لا يحتمل.. ولهذا حكم العلماء الربانيون العدول بكفرهم، ولدي في ذلك فتوى جاهزة ومختومة، سأسلمها لك بحقها..

ضحك المستفتي، وقال: ومنذ متى بخلت عليك.. أنت ترى أني أقدم لك مكافأتك قبل أن تبدأ في أي برنامج من برامجك على قناتي الدينية.

المفتي: ولا تنس أيضا أن قناتك تلك لم تكن لتشتهر لولا ظهوري عليها.

المستفتي: أنا لا أنكر ذلك.. وأنا ممتن لك في ذلك.

المفتي: فهات السؤال الثاني.

المستفتي: لقد أصدر بعضهم فتوى متشددة، ونشرها على نطاق واسع يهاجم بها بعض العادات الاجتماعية التي ورثناها عن أسلافنا، وأنا أريد منك أن ترد عليه، وأن تبين أن الأمر لا يستحق كل ذلك التهويل.

المفتي: وما هي هذه العادة؟

المستفتي: أنت تعلم أن الناس يغضبون، وأثناء غضبهم يقولون كلاما لا يقصدونه.

المفتي: مثل ماذا؟

المستفتي: مثل سب الله والدين والرسول ونحو ذلك..

المفتي: أجل.. وما الذي تريده مني؟

المستفتي: لقد أصدر ذلك الداعية المتطرف فتوى بتحريم ذلك، بل باعتباره كفرا، وقد أصاب ذلك حياة الناس بالحرج، وانتشر التكفير بينهم لهذه الغاية، وأنا أريد منكم أن تبين أن الأمر أهون من أن يستحق كل ذلك.

المفتي: أبشر.. فلدي فتوى جاهزة بذلك، وهي لعلم من أعلام الفتوى من إخواننا الوهابيين الأفاضل، وقد درس في الأزهر والزيتونة وغيرها، ونشر فتواه في مجلة يعتبرها الكثير من أكبر المجلات المناصرة للسنة..

المستفتي: من هو؟.. لعلي أعرفه أو أستضيفه في قناتي.

المفتي: لقد مات رحمه الله.. وخلف لنا هذه الفتوى، وخلف لنا معها فتوى أخرى بتكفير كل أصحاب الطرق الصوفية الذين يذكرون الله جماعة أو جهرا ويأخذون العهود على ذلك.

المستفتي: عجبا.. أيكفر الذاكرين.. ويدافع عن الذين يسبون الله والدين والرسول؟

المفتي: لا تعجب.. فهذا هو الذي يدلك على الفقيه.. الفقيه هو الذي يتشدد حين يظن الناس أنه سييسر، وييسر حين يظن الناس إنه سيتشدد.. إن الفقيه يرى ما لا يراه الناس، ويفطن لما لا يفطنون له.. وقد فطن هذا الشيخ الجليل إلى أن معصية سب الله ورسوله معصية ناشئة عن جهل وغضب، أما الذين يذكرون الله بتلك الطرق البدعية، فهم مصرون عليها، وأنت تعلم أن العاصي خير من المبتدع.

المستفتي: بورك فيك مولانا.. لست أدري لولاك ما ذا كان سيحصل لي.

المفتي: لا تقلق.. فالله أرحم بعباده من أن يتركهم من دون فقهاء ومفتين يعلمون كيف تدار الأمور، وكيف يتحكمون فيها.. هيا هات المسألة الثالثة.

المستفتي: أنت تعلم أننا في قنواتنا الدينية نستضيف الكثير من الدعاة، وأننا نعطيهم مبالغ ضخمة مقابل ذلك.. وهم يطلبون مني أن أكتم ذلك عنهم لتبقى لهم سمعتهم بين الناس.. وأخاف أن تسألني الصحف أو القنوات الفضائية وتستحلفني، فماذا أقول؟

المفتي: الأمر في ذلك بسيط جدا.. افعل ما أفعله أنا.. فكل قناة تسألني عن المبالغ التي أتقاضاها من ظهوري على الإعلام أجيبها بقولي: والله وبالله وتالله لم أتقاض من كل القنوات دينارا واحدا.

ضحك المستفتي، وقال: بورك فيك.. أنت لا تتقاضى بالدينار.. بل تتقاضى بالدولار.. صدقت إنها حيلة رائعة.. كيف لم أفطن لها.

المفتي: تحتاج لأن تقرأ جميع الكتب التي في مكتبتي لتفطن لها.. هيا هات المسألة الرابعة.

المستفتي: أريد أن أسألك مسألة شخصية خاصة بالمحرمات من الرضاع.

المفتي: أخبرني قبل أن تسأل.. هل تريد أن أبين لك إباحتها أم تحريمها؟

المستفتي: هذا ما يعجبني فيك.. أنت لا تتسرع بالفتوى حتى تعلم رغبة المستفتي.

المفتي: أجل.. فمن شروط المفتي معرفة المكان والزمان والحال والأشخاص حتى يبني فتواه على أساسها.

المستفتي: أقول لك من الآخر، هناك من تقدم لبعض قريباتي يريد الزواج منها، فجاءت امرأة عجوز وأخبرت أنها أرضعتهما مرة واحدة.. وأنا أريد أن أستغل هذه الرضاعة في إخراج فتوى منك تبين أن محرمة عليه.

المفتي: أبشر.. لدي في هذا الكثير من الفتاوى الجاهزة.. يمكنك أن تفتيهم في هذه الحالة بقول سعيد بن المسيب والحسن ومكحول والزهري والحنفية والمالكية وأحمد في رواية.. واذكر لهم من الأدلة النصية ما ورد في الحديث عن عقبة بن الحارث قال: تزوجت امرأة فجاءتنا امرأة سوداء فقالت: أرضعتكما فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: تزوجت فلانة بنت فلان، فجاءتنا امرأة سوداء  فقالت لي: إني قد أرضعتكما، وهي كاذبة فأعرض عني، فأتيته من قبل وجهه، قلت إنها كاذبة قال: كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما، دعها عنك)([5])، فقد أمره r بالمفارقة ولم يستفسر منه عن عدد الرضعات، وتركه الاستفسار دليل على أنه ليس فيه عدد مقدر، بل يكفي فيه أصل الإرضاع.

المستفتي: بورك فيك مولانا.. فهل تسمح لي بالمسألة الخامسة.

المفتي: هلم بها.

المستفتي: هي على عكس تلك المسألة.. هناك قريبان لي يريدان الزواج من بعضهما، ونحن نعلم جميعا أنهما أخوان من الرضاع، فقد رضعا من امرأة واحدة ثلاث أو أربع مرات.. وأنا أريدك أن تعطيني حلا يجمع بينهما.

المفتي: الحل بسيط جدا.. وقد أفتى به الشافعية والحنابلة وغيرهما.. ولهم أدلة كثيرة على ذلك منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم)([6]) ، وقوله: (لا تحرم المصة ولا المصتان)([7])

المستفتي: ذكرتني بمسألة أخرى، تتعلق بالرضاعة سمعتها من بعضهم.. ولست أدري مدى صحتها.

ضحك المفتي، وقال: لا بأس.. اطلب من سكرتيرتك أن ترضعك، وحينها لن تحتاج لوضع الخمار على رأسها، ويمكنك أن تختلي بها كما شئت.. ويمكنك الزواج بها إذا شئت أيضا، فهذه الرضعات لا تحرم الزواج([8]).

المستفتي متعجبا: كيف علمت بذلك؟

المفتي: ألا تعلم أن من العلوم التي يحتاجها المفتي علم الفراسة، وهو تفرس وجوه المستفتين ليتعرف على شخصياتهم ونفسياتهم ويفتيهم من خلالها.

المستفتي: بورك فيك.. أنت لست عالما فقط، بل أنت ولي أيضا.

المفتي: فهلم بالمسألة السابعة.. وهل هي في الرضاعة أيضا؟

المستفتي: لا.. ليست في الرضاعة.. ولن أسألك عن الرضاعة أبدا، فتكفيني الأصول التي بينتها لي لأقيس عليها غيرها.

المفتي: فهي في الزكاة إذن؟

المستفتي: لست أعجب من ذكائك وفراستك.. أجل هي كذلك.

المفتي: كم بقي على الحول؟

المستفتي: أتريد أن تجيبني من غير أن تعرف المسألة؟

المفتي: أنا أعرف ما يدور في خلدك.. أنت تريد أن تسأل عن مقدار الزكاة.. وتخاف من أن يكون كبيرا لا تطيقه.. فأموالك كثيرة بفضل الله.. وتريد أن أضع لك حلا.

المستفتي: أجل.. هذا ما كنت أريد أن أسأل عنه.

المفتي: لا تخف.. إن عملت بما أقوله لك، فلن تدفع من الزكاة دينارا واحدا.

المستفتي: عجبا.. هل يمكن ذلك؟

المفتي: أجل يمكن ذلك.. ولكن لا تنس حقها ومستحقها.

المستفتي: لا تخف.. فحقك لن يضيع معي أبدا.. فما الحل لذلك؟

المفتي: هناك حلول كثيرة ذكرها سلفنا الصالح، لعل أيسرها أن تهب مالك جميعا قبل حلول الحول لبعض من تثق فيه، ثم يرده لك بعد ذلك لتستأنف به حولا جديدا.

المستفتي: أموالي في البنوك.. ولا يمكنني إخراجها جميعا.

المفتي: تكفيك النية.. تكفي أن تقول لزوجتك: وهبتك مالي، فتقول: قبلت.. وبعدها تعيده لك.

المستفتي: أنا لا أثق في زوجتي.. هل يمكنني أن أجري هذه المعاملة معك؟

المفتي: بكل سرور..

المستفتي: قد وهبتك جميع مالي المودع في البنوك.

المفتي: وأنا قبلت.. ولكني لن أعيدها لك حتى تعطيني منها ما يرضيني.

المستفتي ضاحكا: ومتى بخلت عليك.. هي لك خذ منها ما تشاء، ودع ما تشاء، فلولا فتاواك الذكية ما استطعت جمعها.

هذا مشهد من المشاهد التي رأيتها.. ولدي في جعبتي الكثير منها لكني لن أحكيه مخافة أن يقرأ ذلك أحد من أصحاب السبت، فيعمل به، وأحاسب أنا عليه.


([1])    رواه البخاري ( 3269 ) ومسلم ( 2669 )

([2])    رواه أحمد 18006 والدارميُّ 2533.

([3])    رواه البخاري ومسلم.

([4])    رواه البخاري ومسلم.

([5])    رواه البخاري والترمذي وغيرهما.

([6])    رواه أبو داود.

([7])    رواه مسلم.

([8])    هي فتوى للدكتور عزت عطية رئيس قسم الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وتنص على أنه للمرأة العاملة أن تقوم بإرضاع زميلها في العمل منعاً للخلوة المحرمة.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *