السامريون

السامريون

السامريون هم قوم من الدعاة إلى جهنم ورثوا جميع خصائص السامري التي ذكرها القرآن الكريم.. وليس هناك من فرق بينهما سوى أن السامري الإسرائيلي مارس تضليله وتحريفه في بني إسرائيل، وإخوانه من السامريين مارسوه في هذه الأمة.

وقد ذكر القرآن الكريم الأوصاف التي يستطيع أن يتحول بها الإنسان أي إنسان إلى سامري:

ومنها قوله تعالى: { وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} [طه: 85]، فمن أتقن فن التضليل، وهو تحويل المهتدين عن الصراط المستقيم الذي ارتضاه الله لهم، نال شرف السامرية بامتياز..

ومنها قوله في وصف إعراض السامري عن هارون وصي موسى عليه السلام وخليفته في قومه: { وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} [طه: 90، 91]، وبناء عليه، فإن كل من أعرض عن منابع الهدى التي خلفها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودعا إلى التمسك بها، يقع له ما وقع للسامري.

ومنها قوله تعالى في وصف الإله الجديد الذي صنعه لهم بدل إله موسى عليه السلام: { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} [طه: 88]، وبناء عليه، فكل من أصيب بمرض السامرية لابد أن يضع إلهه في قالب جسماني قد يختلف عن قالب العجل، لكنه يظل قالبا جسمانيا.

ومنها قوله في وصف غروره وعجرفته وادعائه أنه وصل إلى الحقيقة التي لم يصل إليها غيره: {  بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي } [طه: 96]، وبناء عليه، يكون المصاب بداء السامرية متعجرفا متكبرا مغرورا يتصور أنه الوحيد المتمسك بأثر الرسول.. وأنه الوحيد المحافظ على هديه.

انطلاقا من هذه الأوصاف سأحكي لكم قصة عن داعية كبير زار قريتنا المتواضعة لينشر فيها التوحيد، ويخلصها من الشرك، ويخلصها من تلك العقيدة التنزيهية التي فطرت عليها.

وككل مرة يستضاف أمثال هؤلاء الدعاة، فإن الزينة وجميع أنواع البهارج تنصب لهم في قريتنا.. ويقوم الملأ ومن تبعهم من الأذناب بالإعداد لذلك كله.

وجاء اليوم الموعود، ودخل السامري قريتنا بزينته التي بهرت الألباب، وقال نفر من قومنا بمجرد رؤيته: يا ليت لنا مثلما أوتي إنه لذو حظ عظيم.

وكانت أول موعظة قدمها لنا حول الإله الجديد الذي أراد أن ينسخ به الإله الذي كنا نعرفه ونعبده ونقدسه..

قال لنا، وهو يتربع على أعلى تلة في القرية: لقد جئتكم من تلك البلاد البعيدة – أنا السني السلفي الأثري – حاملا معي جميع الآثار التي تعرفكم بربكم، وتبعد عنكم ذلك الزيغ، وتلك الضلالة التي نشرها بينكم المنحرفون عن السلف الصالح الذي هم سفينة نجاة هذه الأمة..

إن معي من أثر الرسول ما يعصمكم من الغواية، وما يدلكم على الهداية.. فاسمعوا لي لتنجوا.. فلا نجاة لمن صم أذنيه عن هدي نبيه أو سلفه الصالح..

قال رجل من الملأ: نحن معك.. فتكلم بما شئت.. فلن تجد منا إلا آذانا صاغية، وقلوبا حاضرة.

قال السامري: أجيبوني.. أليس أول ما تحتاجونه للتعريف بأي شخص هو معرفة مكانه وبلده؟

قالوا: بلى.. ذلك صحيح.. ونحن يعرف بعضنا بعضا بالأماكن التي نسكن فيها.

قال السامري: أليس من العجب أن تعرفوا أماكن بعضكم بعضا.. ثم لا تعرفوا المكان الذي يتواجد فيه ربكم؟

ثارت ضجة بين الحضور، وقال بعضهم: كيف تقول ذلك، وقد قال الله تعالى: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الحديد: 4]، وقال: {  فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]؟

قال آخر: نحن مذ ولدنا، ونحن نعلم الله أعظم من أن يحويه مكان، أو يجري عليه زمان.. وقد حفظنا من صغرنا قول الإمام علي: (كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان)

قال السامري: ما تقولونه هو عقائد الجهمية والأشاعرة والماتريدية والمعتزلة والرافضة الذين ضلوا عن ربهم.. الله بحسب الآثار فوق السماء السابعة.. ألستم ترفعون أيديكم إلى السماء عند الدعاء؟

قال رجل منا: بلى.. نحن نرفع أيدينا في الدعاء إلى السماء لأنها مهبط الرحمات و البركات، وليس لأن الله موجود بذاته فيها.. كما أننا نستقبل الكعبة الشريفة في الصلاة لأن الله أمرنا بذلك، و ليس لأن الله ساكن فيها. 

قال السامري: كل ما تقولونه لا ينهض أمام الحجج العظيمة التي سأدلي بها إليكم.. وأنتم في الخيار بعد ذلك: بين أن تؤمنوا بها، فتنجوا.. وبين أن تعرضوا عنها، فتضلوا.

قال رجل من الملأ: تحدث يا سيدنا.. فنحن ما جئنا بك لنسمع لأنفسنا، أو لبعضنا بعضا، جئنا بك لتعلمنا وتعرفنا بربنا.

قال السامري: بوركت.. وسأذكر لكم من أقوال سلفنا الصالح ما يدلكم على هذا، وما يدلكم على خطورة الإعراض عنه.. لقد روى عبد الله بن أحمد بسنده عن خارجة بن مصعب قال:(الجهمية كفار، بلغوا نساءهم أنهن طوالق، وأنهن لا يحللن لأزواجهن، لاتعودوا مرضاهم، ولا تشهدوا جنائزهم، ثم تلا: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، ثم قال: (وهل يكون الاستواء إلا بجلوس)([1]) 

وقد وردت النصوص عن الصحابة التي تؤكد هذا، فقد روى عبد الله بن أحمد بسنده عن عمر قوله: (إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد)([2])

وقد قال شيخنا سليمان بن سحمان رحمه الله يرد على من خالف ذلك: (قد جاء الخبر بذلك عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي ضرب الله الحق على لسانه كما رواه الإمام عبد الله بن الإمام أحمد في كتابه السنة له.. وهذا الحديث صححه جماعة من المحدثين)([3]) 

بل ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يدل على هذا، فقد روى عبد الله بن أحمد أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، قال: فعظَّم الرب عز وجل، وقال: وسع كرسيه السموات والأرض، إنه ليقعد عليه جل وعز، فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل إذا ركب) ([4]) 

وقد رواه الدارمي السلفي الأثري بلفظ فيه زيادة قال في آخره: (وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا ركبه من يثقله)([5]) 

ثم عقب عليه بقوله ردا على الملاحدة الذين ينكرون جلوس الله على عرشه: (فهاك أيها المريسي خذها مشهورة مأثورة، فصرها وضعها بجنب تأويلك الذي خالفت فيه أمة محمد)([6]) 

قال رجل من الملأ: لقد ذكرت سيدنا أنه يفضل من العرش قيد أربعة أصابع.. ما سر ذلك؟

قال السامري: لقد ورد في الآثار الكثيرة التي وصلتنا عن الرسول أن تلك الفضلة هي مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي يُجلسه الله فيه معه يوم القيامة([7]).

ثارت ضجة بين الحضور، فقال: لا تستغربوا.. ولا تنكروا ما وصلنا من الآثار حتى لا تهلكوا.. لقد قال العلامة مرعي بن يوسف الحنبلي عن ذلك الحديث الذي استغربتموه: (أما هذا الحديث فنحن لم نقله من عند أنفسنا فقد رواه عامة أئمة الحديث في كتبهم التي قصدوا فيها نقل الأخبار الصحيحة وتكلموا على توثقة رجاله وتصحيح طرقه ورواه من الأئمة جماعة أحدهم إمامنا أحمد وأبو بكر الخلال صاحبه وابن بطة والدارقطني في كتاب الصفات الذي جمعه وضبط طرقه وحفظ عدالة رواته وهو حديث ثابت لا سبيل إلى دفعه ورده إلا بطريق العناد والمكابرة)([8]) 

قال ذلك، ثم التفت للحضور، وخاصة إلى الملأ، وقال: لا تتصوروا أن الله جالس على عرشه فقط.. لقد وصل إلينا من أثر الرسول ما يدل على أن الله يستلقي عليه أيضا.

ثارت ضجة كبرى بين الحضور، فقال: لا تستغربوا.. فقد ورد في الأثر فقد ورد في الأثر: (لما قضى الله خلقه استلقى ثم وضع إحدى رجليه على الآخرى)([9])

وقد قال بعض سلفنا الصالح في هذا الأثر: (اعلم أن هذا الخبر يفيد أشياء منها جواز الاستلقاء عليه لا على وجه الاستراحة، بل على صفة لا نعقل معناها، وأن له رجلين يضع إحداهما على الأخرى على صفة لا نعقل معناها، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته، لأنا لا نصف ذلك بصفات المخلوقين، بل نطلق ذلك كما أطلقنا الوجه واليدين وخلق آدم بهما والاستواء على العرش.. وخبر كعب تضمن شيئين: أحدهما: إثبات الرجلين صفة، والثاني: منع هذه الجلسة وكراهتها. وقام الدليل على جواز هذه الجلسة..وبقي إثبات الرجلين على ظاهره لأنه لم ينقل عنهم خلافه ولا رده فوجب الرجوع إليه)([10])

وقد اشتد ابن القيم على من أنكر هذا الخبر فقال بعد أن تحدث عن المعطلة الذين يقابلون الأخبار بالمنع والمعارضة: (إن كل واحد من هذين الأمرين أعني المنع والمعارضة ينقسم إلى درجات متعددة. فأما المنع فهو على ثلاث درجات.أحدها منع كون الرسول جاء بذلك أو قاله. الدرجة الثانية منع دلالته على ذلك المعنى. وهذه الدرجة بعد التنزل إلى الاعتراف بكونه قاله. الدرجة الثالثة منع كون قوله حجة في هذه المسائل.. والدرجات الثلاث قد استعملها المعطلة النفاة فأما الأولى فاستعملوها في الأحاديث المخالفة لأقوالهم وقواعدهم، ونسبوا رواتها إلى الكذب والغلط والخطأ في السمع واعتقاد أن كثيراً منها من كلام الكفار والمشركين كان النبي يحكيه عنهم، فربما أدركه الواحد في أثناء كلامه بعد تصديره بالحكاية فيسمع المحكيَّ فيعتقده قائلاً له لا حاكياً فيقول قال رسول الله، كما قاله بعضهم في حديث قتادة بن النعمان في الاستلقاء قال يحتمل أن يكون النبي حدَّث به عن بعض أهل الكتاب على طريق الإنكار عليهم فلم يفهم عنه قتادة بن النعمان إنكاره، فقال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا فلهذا الاحتمال تركنا الاحتجاج بأخبار الآحاد في صفات الله عز وجل. فتأمل ما في هذا الوجه من الأمر العظيم أن يَشتبه على أعلم الناس بالله وصفاته وكلامه وكلامِ رسوله كلامُ الرسول الحق الذي قاله مدحاً وثناءً على الله بكلام الكفار المشركين الذي هو تنقصٌ وعيبٌ فلا يميز بين هذا وهذا)([11]) 

قام بعض الحضور، وقال: إن قولك هذا يا شيخ ينسف كل عقائدنا.. فهو يدل على أن الله مركب من أبعاض وأجزاء، وقد روينا عن أئمتنا أن ذلك مستحيل على الله..

قال السامري: كل أولئك الذين تزعمون لهم الإمامة قد ضلوا عن ربهم.. الله لا يعرف إلا من خلال أثر الرسول الذي وصلنا عن طريق أهل الحديث.. فهم وحدهم سفينة النجاة.

قال رجل منا، وكان يشتغل بالفلسفة: ولكن العقل يحيل ذلك.. فوحدة الخالق تقتضي عدم تركيبه.

قال السامري: دعك من عقلك.. فإنه أكبر حجاب لك عن ربك.. لقد اتفق أهل الأثر عندنا على أن الله مركب من أجزاء يمكن أن يطلق عليها صفات.. فقد روى عبد الله بن أحمد بسنده عن عكرمة قال: (إن الله عز وجل إذا أراد أن يخوف عباده أبدى عن بعضه إلى الأرض فعند ذلك تزلزل، وإذا أراد أن تدمدم على قوم تجلى لها)([12]

وقد رد ابن القيم على من أنكر هذا، فقال:

وزعمت أن الله أبدى بعضه** للطور حتى عاد كالكثبان

لما تجلى يوم تكليم الرضى**موسى الكليم مكلَّم الرحمن([13])

أما شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد أطنب في الاستدلال لذلك، وأثبت بكل أنواع الحجج على أن الصفة بعض الموصوف وليست غيره، ومن أقواله في ذلك: (وأما إطلاق القول بأن الصفة بعض الموصوف، وأنها ليست غيره، فقد قال ذلك طوائف من أئمة أهل الكلام وفرسانُهم. وإذا حُقق الأمر في كثير من هذه المنازعات لم يجد العاقل السليم العقل ما يخالف ضرورة العقل لغير غرض.. وإن كان الإنكار لأنه لا يقال في صفات الله لفظ البعض فهذا اللفظ قد نطق به أئمة الصحابة والتابعين وتابعيهم ذاكرين وآثرين.  قال أبو القسم الطبراني في كتاب السنة..عن ابن عباس قال: إذا أراد الله أن يخوف عباده أبدا عن بعضه للأرض فعند ذلك تزلزلت.. وقد جاء في الأحاديث المرفوعة في تجليه سبحانه للجبل ما رواه الترمذي في جامعه – وذكر بعض ما جاء من الأخبار التي فيها أنه ما تجلى منه إلا مثل الخنصر-… وعن مجاهد عن عبيد بن عمير في قوله في قصة داود: { وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 25]، قال: يدنيه حتى يمس بعضه. وهذا متواتر عن هؤلاء)([14])

ثارت ضجة بين الحضور، وقال بعضهم: أيمكن هذا؟.. أيمكن أن يمس أحد الله؟ إن هذا لغريب..

قال السامري: دعكم من كل تلك الضلالات التي كنتم تتعلقون بها.. فالآثار التي وصلتنا عن الرسول وورثته تدل على إمكانية ذلك.. بل حصوله.. فالله تعالى يمس خلقه، ويمسونه.. وقد روى سلفنا الصالح في تفسير قوله تعالى في حق داود عليه السلام : { وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 25] عن مجاهد عن عبيد بن عمير، قال: (ذكر الدنو منه حتى ذكر أنه يمس بعضه)([15])

وفي رواية أخرى عنه تحديد دقيق للمماسة، وأنها كانت في القدم، قال مجاهد:(ما يأمن داود عليه السلام يوم القيامة حتى يقال له اُدنه فيقول: ذنبي ذنبي، حتى بلغ، فيقال: اُدنه، فيقول: ذنبي ذنبي، فيقال له: اُدنه، فيقول: ذنبي ذنبي حتى بلغ مكاناً الله أعلم به – قال سفيان – كأنه يمسك شيئا)([16])

ومن الروايات الورادة في هذا الباب ما رواه الخلال بسنده عن مجاهد قال: (إذا كان يوم القيامة ذكر داود ذنبه فيقول الله عز وجل له: كن أمامي فيقول: رب ذنبي ذنبي فيقول الله له: كن خلفي فيقول: رب ذنبي ذنبي فيقول الله عز وجل: خذ بقدمي)([17])

وهناك روايات أخرى تدل على أن المماسة كانت في اليد، فقد روى عبد الله بن أحمد بسنده عن مجاهد عن عبيد بن عمير قال:(حتى يضع يده في يده)([18])

وهناك روايات أخرى تدل على أن المماسة كانت في الحقو([19])،فقد روى عبد الله بن أحمد بسنده عن مجاهد قال: (إن داود عليه السلام يجيء يوم القيامة خطيئته مكتوبة في كفه فيقول: يا رب خطيئتي مهلكتي فيقول له: كن بين يدي فينظر إلى كفه فيراها فيقول: يا رب خطيئتي مهلكتي فيقول: خذ بحقوي. فذلك قوله عز وجل: { وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 25])([20])

وهناك روايات أخرى تدل على أن المماسة كانت في الفخذ والإبهام، وقد رواه أبو يعلى عن الحسن قال: أوحى الله إلى داود ارفع رأسك فقد غفرت لك، فقال: يارب كيف تغفر لي وقد صنعت ما صنعت؟ قال: ارفع رأسك فقد غفرت لك ومحوت خطيئتي بإبهام يميني)، وقد علق عليها أبو يعلي بقوله: (وهذه الزيادة تقتضي إثبات الإبها،م وذلك غير ممتنع كما لم يمنع إثبات الأصابع)([21])

قام رجل من الملأ، وقال: أخاصية المس التي ذكرتها عن الله خاصة بداود عليه السلام فقط، أم أنها يمكن أن تكون لغيره؟

قال السامري: المس صفة لله، فيمكن أن يمس من يشاء متى شاء كيف شاء بأي صفة شاء.. وقد ورد في الآثار ما يدل على ذلك.. فقد روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن حكيم بن جابر قال: (إن الله تبارك وتعالى لم يمس بيده غير ثلاثة أشياء خلق الجنة بيده، ثم جعل ترابها الورْس والزعفران وجبالها المسك وخلق آدم بيده وكتب التوراة لموسى)([22])

وروى عبد الله بسنده عن عكرمة أنه قال: (إن الله عز وجل لم يمس بيده إلا آدم صلوات الله عليه خلقه بيده والجنة والتوارة كتبها بيده قال ودملج([23])اللهعز وجل لؤلؤة بيده فغرس فيها قضيباً فقال امتدي حتى أرضي وأخرجي ما فيك بإذني فأخرجت الأنهار والثمار)([24])

وروى الطبري في تفسيره عن كعب قوله: (إن ربك أخذ لؤلؤة فوضعها على راحتيه، ثم دملجها بين كفيه، ثم غرسها وسط أهل الجنة، ثم قال لها: وكفيت حتى تبلغي مرضاتي، ففعلت، فلما استوت تفجرت من أصولها أنهار الجنة، وهي طوبى)([25])

قام شيخ من القرية، وقال: تثبت يا بني.. فلعل هذه أخبار كاذبة، فلا ينبغي أن نصف الله بمثل هذا.. أو لعل لها مرادات أخرى غير المرادات الظاهرة التي تراها؟

غضب السامري، وقال: كيف تقول عنها كاذبة، وكل رواتها من السلف الصالح الذين ورثوا الرسول، وهم أعرف بالله من غيرهم.. أما معانيها فواضحة وظاهرة، ولا يصح أن نعدل عن الظاهر إلى غيره، لقد قال عثمان بن سعيدفي النكير على من تأولَه: (فيقال لهذا المريسي الجاهل بالله وبآياته فهل علمت شيئا مما خلق الله ولِيَ خلْقَ ذلك غيرُه حتى خص آدم من بينهم أنه وليَ خلقَه من غير مسيس بيده فسمِّه. وإلا فمن ادعى أن الله لم يلِ خلْقَ شيء صغير أو كبير فقد كفر، غير أنه ولِيَ خلْقَ الأشياء بأمره وقوله وإرادته ووليَ خلْقَ آدم بيده مسيساً لم يخلق ذا روح بيديه غيره، فلذلك خصه وفضله وشرف بذلك ذكره لولا ذلك ما كانت له فضيلة من ذلك على شيء من خلقه إذ خلقهم بغير مسيس في دعواك)([26]) 

 قام رجل من الملأ، وقال: لقد شوقتنا سيدنا إلى ربنا.. فهل لربنا صورة مثلما لنا صورة؟

استبشر السامري، وقال: أجل.. ومن فضل الله علينا أن الله خلقنا على صورته..

استغرب أهل القرية، وثارت ضجة فيهم، فقال: لا تستغربوا.. فقد وصلنا من أثر الرسول ما يدل على ذلك، وقد كتب العلامة السلفي الأثري الجليل حمود التويجري كتابا في ذلك سماه (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن)، قدم له العلامة عبد العزيز بن باز.. وعلى منواله كتب العلامة حماد الأنصاري، وهو أستاذ الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية مقالاً بعنوان (تعريف أهل الإيمان بصحة حديث صورة الرحمن)  وكتب سليمان علوان (القول المبين في إثبات الصورة لرب العالمين)

قال الرجل: ما شاء الله ليتك توفينا بهذه الكتب سيدنا..

قال السامري: لا تقلق.. لقد أحضرت الكثير منها معي.. وقد أتيت بها كهدية إليكم.. من طالعها سيتحقق بمعرفة ربه، وسينال رضاه لا محالة.

قام رجل من القرية، وقال: ألا يخالف ذلك قوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وقوله:{ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [الإخلاص: 4]

قال السامري: أتريد أن تضرب السنة بالقرآن.. ألا تعلم أن السنة تخصص القرآن وتقيده وتنسخه.. ألا تعلم أنه لا يفهم القرآن من لا يعرف السنة.. أأنت أعرف بتفسير الآية من شيخ الإسلام أو كل أولئك السلف الصالح الذين قرؤوا الآيات، وحفظوها، وفهموها، ولم يروا لها أي تعارض مع الحديث..

بقي يرطن بمثل هذه الخطابات مدة إلى أن قال له رجل من الملأ: دعك منه سيدي، وحدثنا عن صورة ربنا..

قال السامري: لقد استدل سلفنا الصالح على صورة الله، وشبهها بصورة الإنسان بأدلة كثيرة لا يمكن حصرها..

منها ما رواه عبد الله بن أحمد بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إذا قاتل أحدكم فليجنب الوجه فإنما صورة الإنسان على وجه الرحمن تبارك وتعالى)([27])

ومنها ما ورد في كتب أهل الكتاب من قبلنا من (أن الله عز وجل لما خلق السماء والأرض قال نخلق بشراً بصورتنا فخلق الله الإنسان على صورته على صورة الله خلقه..)([28])

قام شاب، وقال: ولكن هذا النص في العهد القديم..

قال السامري: وما في ذلك.. أأنت أعلم أم أعلامنا من أهل الحديث الذين قبلوه، واستدلوا به.. لقد قال العلامة التويجري بعد إيراده له: (وفيما ذكرته من نص التوراة أبلغ ردٍ على من تأول حديثي ابن عمر وأبي هريرة)([29])، وقال: (وهذا نص صريح في أن الله خلق الإنسان على صورة وجهه الذي هو صفة من صفات ذاته وهذا النص لا يحتمل التأويل)([30])

بل إنه استدل على ذلك([31]) من القرآن الكريم بقوله تعالى: { إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ } [المائدة: 44]

بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية أطنب في الاستدلال لذلك، فقال في رده على بعض الفلاسفة: (ثم أعجب من هذا كله أنكم تقولون الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة…  فإذا كان في التوراة إنا سنخلق بشرا على صورتنا يشبهنا أو نحو هذا فغايته أن يكون الله خالقاً لمن يشبهه بوجه، وأنتم فد جعلتم العبد قادراً على أن يتشبه بالله بوجه. فإن كان التشبه بالله باطلاً من كل وجه ولا يمكن الموجود أن يشبهه بوجه من الوجوه، فتشبيهكم أنكرُ من تشبيه أهل الكتاب لأنكم جعلتم العبد قادراً على أن يتشبه بالرب وأولئك أخبروا عن الرب أنه قادر على أن يخلق ما يشبهه.. فكان في قولكم إثبات التشبيه وجعله مقدوراً للعبد وأولئك مع إثبات التشبيه إنما جعلوه مقدوراً للرب، فأي الفريقين أحق بالذم والملام؟ أنتم أم أهل الكتاب إن كان مثل هذا التشبيه منكراً من القول وزوراً؟ وإن لم يكن منكراً من القول وزوراً فأهل الكتاب أقوم منكم لأنهم تبعوا ألفاظ النصوص الإلهية التي أثبتت ما أثبتت مقدوراً لرب البرية وأنتم ابتدعتم ما ابتدعتم بغير سلطان من الله)([32])

قام رجل منا، وقال: لكن القرآن الكريم أخبرنا عن تحريف أهل الكتاب لكتابهم، وخاصة فيما يتعلق بالله، فقد قال الله تعالى: { لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا } [آل عمران: 181]، وقال: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا } [المائدة: 64]

قال السامري: لقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه الشبهة، فقال: (ومما يوضح الأمر في ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ظهر وانتشر ما أخبر به من تبديل أهل الكتاب وتحريفهم وما أظهر من عيوبهم وذنوبهم وتنزيهه لله عما وصفوه به من النقائص والعيوب.. فلو كان ما في التوراة من الصفات التي تقول النفاة إنها تشبيه وتجسيم – فإن فيها من ذلك ما تنكره النفاة وتسميه تشبيهاً وتجسيماً بل فيها إثبات الجهة وتكلم الله بالصوت وخلق آدم على صورته وأمثال هذه الأمور-   فإن كان هذا مما كذبته اليهود وبدلته كان إنكار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لذلك وبيان ذلك أولى من ذكر ما هو دون ذلك، فكيف والمنصوص عنه موافق للمنصوص في التوراة فإنك تجد عامة ما جاء به الكتاب والأحاديث في الصفات موافقاً مطابقاً لما ذكر في التوراة)([33])

قام رجل من الملأ، وقال: هلا زدتنا توضيحا سيدي، وذكرت لنا بدقة صورة الرحمن.. فلا يصح أن نعبد ربا لا نعرف صورته.

استبشر السامري، وقال: لقد روى سلفنا الصالح في أحاديث كثيرة متواترة عن أصحابنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه (رأى ربه عز وجل في النوم في صورة شاب ذي وفرة قدماه في الخضر عليه نعـلان من ذهب على وجهـه فراش من ذهب)([34])

قال الرجل: ولكن هذا الحديث يدل على أنه رآه في النوم.. ولا يمكن أن نرى في النوم الحقائق بدقة.

قال السامري: لقد رد سلفنا الصالح على هذا الاعتراض من وجهين، أما الأول، فهو أن الذي رأى هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وليس أحدا آخر، ورؤيا الأنبياء صدق.. وأما الثاني، فقد روي من طرق متعددة من أصحابنا أن الرؤية كانت في اليقظة.. فقد روى الطبراني في (السنة) عن ابن عباس قال: رأى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ربه في صورة شاب أمرد، وبه قال ابن جريـج عن صفـوان بن سليـم عـن عائشة قالت: رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربه على صورة شاب جالس على كرسي رجله في خضرة من نور يتلألأ..

وروى الطبراني في المعجم الأوسط عن عكرمة، قال: سئل ابن عباس: هل رأى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ربه عز وجل ؟ قال: نعم، رآه في صورة شاب بين شعر من لؤلؤ، كأنّ قدمية في خضرة([35]).

وروى أبو يعلى الفراء عن ابن عباس ما يؤكد صحة حديثه ذكره أبو بكر بن أبي داود في كتاب السنة بإسناده عن عكرمة قال: سئل ابن عباس: هل رأى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ربه ؟ قال: نعم، قال: كيف رآه؟ قال: (في صورة شاب دونه ستر من لؤلؤ كأنّ قدميه في خضرة)، فقلت أنا لابن عباس: أليس هو من يقول:  { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير} [سورة الأنعام:103] ؟ قـال: لا أم لك، ذلك نـوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء([36]).

وروى أبو بكر الخلال عن عكرمة، عن ابن عباس أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه جل ثناؤه جعداً قططاً أمرد في حلة حمراء([37]).

بقي السامري بينا مدة يحدثنا بأمثال هذه الأحاديث، ولم يخرج من قريتنا حتى دب الصراع بيننا، ففريق يعبد الله القدوس الذي ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوا أحد.. وفريق منا يعبد الشاب الأمرد صاحب الحلة الحمراء.. والذي ينزل ويصعد، ويجري ويهرول، ويجلس ويستلقي، ويمس ويمس..

وقد كان من الممكن أن يقبل هذا التنوع في قريتنا لولا أن فريق التشبيه غلب فريق التنزيه، وحصره في الشعاب، ورماه بالبدعة، وبقي الأمر كذلك إلى أن قضى الله أمرا كان مفعولا.


([1])   السنة1/106(10). وانظر الاحتجاج بهذا القول في الصواعق المرسلة لابن القيم 4/1303.

([2])   السنة1/300(584) وأخرجه بهذا اللفظ البزار في مسنده 1/457(325)

([3])   الضياء الشارق في رد شبهات المازق المارق 79

([4])   السنة 1/305(593)

([5])   نقض عثمان بن سعيد1/425-428.وأخرجه الطبري في  تفسيره 3/9-11وابن خزيمة في التوحيد  106.

([6])   نقض عثمان بن سعيد1/428.

([7])   كتاب السنة للخلال 1/220.

([8])   أقاويل الثقات  119

([9])    عزاه الألباني في تخريج السنة لابن أبي عاصم إلى ابن منده في المعرفة(21321)، وعزاه ابن القيم في اجتماع الجيوش 1/54 إلى الخلال في كتاب السنة وقال (..بإسناد صحيح على شرط البخاري)

([10])   إبطال التأويلات 1/188-189

([11])   الصواعق المرسلة 4/1527-1529

([12])   السنة  2/470(1069)

([13])   انظر شرح قصيدة ابن القيم لأحمد بن إبراهيم 1/230

([14])   الفتاوى الكبرى 5/85-92.

([15])   السنة 2/503(1165)

([16])   السنة 2/502 (1161)

([17])   السنة 1/262(322) وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف6/342 (31888)

([18])   السنة 2/502(1163) وقال محققه:(رجاله ثقات) 

([19])  الأصل في الحقو معقد الإزار ثم سمي الإزار حقواً لأنه يشد على الحقو.

([20])   السنة 2/503(1166)

([21])   إبطال التأويلات 1/206-208

([22])   المصنف 7/28(573)، وأخرجه عثمان بن سعيد في النقض على المريسي1/263-266.

([23])   دملج الشيء: إذا سواه وأحسن صنعته.

([24])   السنة 1/297(574)

([25])    تفسير الطبري : 13/147.

([26])   نقض الإمام عثمان بن سعيد  1/230

([27])   السنة 2/536(1243) وأخرجه الدارقطني في الصفات36(49)

([28])   انظر عقيدة أهل الإيمان 31.  وهذا النص في العهد القديم سفر التكوين ص2.

([29])   عقيدة أهل الإيمان 31

([30])   المصدر السابق 40

([31])   انظر عقيدة أهل الإيمان 31

([32])   درء التعارض 5/82- 84

([33])   درء التعارض 7/86- 90

([34])    كتاب رؤية الله للدارقطني ص 90 ط.

([35])    المعجم الأوسط للطبراني ج3 ص 335 رقم 4767.

([36]) . إبطال التأويلات لأخبار الصفات ج1 ص 148 رقم 151

([37])    إبطال التأويلات لأخبار الصفات ج1 ص 133 رقم 122.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *