الدجال

الدجال

تركنا الهندي يقرع رؤوس المجرمين، وسرنا في متاهات مظلمة، لم نر شيئا مما فيها إلا أنا سمعنا أصواتا كثيرة مزعجة.

سألت صاحبي عن وجهتنا، فقال: نحن نسير الآن إلى زعيم المستبدين، ورئيسهم.. ذلك الذي اجتمعت في استبداده كل أنواع الاستبداد، وصبت في بحره كل أنهار الفتن.. ذلك الذي اجتمع الأنبياء والأولياء على التحذير منه.. واجتمع الأشقياء والشياطين على التحضير له، والاستعداد للقائه.

قلت: أراك تقصد أمرا لا يصح لنا أن نخوض فيه.

قال: وما هو هذا الذي خفت منه؟

قلت: أراك تقصد الدجال.. فهو زعيم المستبدين.. وهو الذي اجتمع الكل على التحذير منه.. كما يجتمع الكل على الترحيب به.

قال: أراك لم تخطئ هدفي.. فما الذي يخيفك من التحاور معه.. أتخاف أن يفتنك؟

قلت: وحق لي أن أخاف من أمر خاف منه السلف، وامتلأت بالمهابة منه قلوب الخلف.. ألم تسمع ما ورد في الأحاديث من خوف الصحابة .. فعن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال صلى الله عليه وآله وسلم لما رأى مخافتهم 🙁 غيرُ الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم؛ فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم؛ فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم)([1])

قال: وأعلم ما ري عن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أبكي، فقال لي 🙁 ما يبكيك؟)، قلت: يا رسول الله! ذكرت الدجال فبكيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 إن يخرج الدجال وأنا حي كفيتكموه، وإن يخرج بعدي؛ فإن ربكم ليس بأعور..) الحديث

وأعلم ما روي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد قالت: ذكرت المسيح الدجال ليلة فلم يأتني النوم، فلما أصبحت دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته، فقال 🙁 لا تفعلي؛ فإنه إن يخرج وأنا حي؛ يكفيكموه الله بي، وإن يخرج بعد أن أموت؛ يكفيكموه الله بالصالحين)

بل فوق هذا أروي قوله صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 ما من نبي إلا وقد حذر امته الدجال، وإني أحذركموه: إنه أعور، وإن الله ليس بأعور، إنه يمشي في الأرض، وإن الأرض والسماء لله، ألا إن المسيح عينه اليمنى كأنها عنبة طافية)([2])

ومع ذلك.. فإنه لا طريق لتحقيق الأمن إلا العلم.. فالجهل سرداب من سراديب الخوف.. ولا يقيك من المخاوف مثل تحصنك بحصون العلم.

قلت: هذه مخافة وجيهة، ولا أقصدها.. فقد وصف لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنواعا من الحصون من التزمها حفظه الله من فتنة الدجال.

لقد أمرنا بالاستعاذة منه، والنأي عنه، وقراءة فواتح سورة الكهف، ودخول ناره لا جنته.. بل علمنا صلى الله عليه وآله وسلم كيف نؤدى الصلاة في وقته.

قال: هذه كلها حصون وصفها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ولكن هناك حصونا أخرى ينبغي أن تتخذوها.. ففتنة الدجال فتنة عظيمة تحتاج من كل المستضعفين إعدادا خاصا.

قلت: أنا لا أقصد كل هذه المخاوف مع وجاهتها.. ولكني أرى أن الكلام في هذا من الخوض فيما لا يجوز.. فأنى لنا أن نتحدث عن الدجال، وهو لم يأت بعد.

قال: ألم يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أكثر التفاصيل المرتبطة به؟

قلت: بلى.. لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حريصا على أن يحدثنا عن كل ما يتعلق بالدجال.. حتى ملامحه الظاهرة، فقد ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 ما كانت فتنة ولا تكون حتى تقوم الساعة أكبر من فتنة الدجال، ولا من نبي إلا وقد حذر أمته)([3])

بل ذكر صلى الله عليه وآله وسلم تفاصيل كثيرة مرتبطة بشخصه، فقال 🙁 إني قد حدثتكم عن الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا، إن المسيح الدجال رجل قصير أفحج جعد أعور مطموس العين ليس بناتئة ولا حجراء)([4])

قال: أجل.. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حريصا على تبليغ أمته ما يحفظ لها دينها من الفتن، ولهذا كان يصف ويبالغ في الوصف، بل يحث على حفظ الوصف، فقد جاء الحديث السابق: (إني حدثتكم عن الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا)

وقد جاء في وصف نزول عيسى بن مريم u 🙁 الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه..)([5])

قلت: انظر إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 فاعرفوه)، ففيها إشارة صريحة إلى التحصن بالعلم في مواجهة الفتن، وفي استقبال الحقائق.

قال: ففيم الخوف إذن؟

قلت: أخاف من أن نقع في التنزيل المنهي عنه.. فقد وقع أقوام في فتنة التنزيل، فحرفوا كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشوهوا جمال تعاليمه.

قال: ما تقصد بالتنزيل؟

قلت: ما وقع فيه بعض الأقوام من تفسير النصوص بالأحداث التاريخية، والتكلف المقيت في ذلك.. كما حصل مع قوم من علماء الهند، حيث نزلوا حديث الرايات السود على خروج السيد أحمد البريلوي بتكلفات باردة، مع أن السيد لم يدع المهدوية قط([6]).

بل إن الشطط والتكلف بلغ ببعضهم إلى حد اصطناع هذه الأشراط، وإيجادها في الواقع عنوة، حتى إن من مدعي المهدية من يغير اسمه واسم أبيه، أو يدعي الانتساب إلى آل البيت الشريف ليحول من نفسه مهديا([7]).

وقد كان لكل ذلك آثاره التاريخية السيئة في الحياة الإسلامية، ومن أمثلة ذلك ما ذكره البرزنجي قال 🙁 وظهر قبل تأليفي لهذا الكتاب بقليل، رجل بجبال عقر أو العمادية من الأكراد يسمى عبد الله، ويدعي أنه شريف حسيني، وله ولد صغير ابن اثنتي عشرة سنة أو أقل أو أكثر، قد سماه محمدا ولقبه المهدي، فادعى أن ابنه هو المهدي الموعود، وتبعه جماعة كثيرة من القبائل، واستولى على بعض القلاع، ثم ركب عليه والي الموصل ووقع بينهم قتال وسفك دماء، وقد انهزم المدعي وأخذ هو وابنه إلى استنبول، ثم إن السلطان عفى عنهما ومنعهما من الرجوع إلى بلادهما وماتا جميعا)([8]).

وأعجب منه صنيع الجنبوري، قال أبو رجاء محمد الشاه جهانبوري في الهدية المهدية: إن الجنبوري -واسمه محمد بن يوسف الحسيني- لم يمنع أصحابه من ذلك ـ أي من نسبة المهدوية إليه ـ ولأجلها بدل اسم أبيه بعبدالله، واسم أمه بآمنة، وأشاعهما في الناس([9]).

ومن المضحكات المبكيات في هذا ما صنعه ميرزا غلام أحمد القيداني والذي ادعى الإصلاح، ثم التجديد، ثم المهدوية، ثم كونه المسيح المنتظر، فقام ببناء منارة بقاديان سماها منارة المسيح وذلك بعد دعواه المسيحية بـ12 سنة، وذلك ليكمل دعواه أنه المسيح ابن مريم الذي ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق([10]).

قال: صدقت في مخاوفك هذه.. ولكنها لا تنفي التنزيل المشروع.. وإلا فإن هذا الورع لو طبقناه بجميع وجوهه لم ننتفع بما ورد في أحاديث الفتن.

ألم تسمع ما روي أن الصحابة لما سمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحدثهم عن الدجال، فخفض فيه ورفع ظنوا أنه في طائفة النخل، وشكوا في ابن صياد أنه المسيح الدجال، بل منهم من أقسم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك، ولم ينكر عليهم، بل قال صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم)، بل يروى عن أبي ذر الغفاري قوله 🙁 ما تؤيسني رقة عظمي ولا بياض شعري أن ألقى عيسى بن مريم)

بل قد ورد في السنة ما يشير إلى جواز التنزيل، بل دلالته على كمال العلم، فقد وردت الأحاديث في خبر الرجل الذي يقتله الدجال فيقطعه جزلتين، وفيه قول الرجل 🙁 أشهد أنك الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([11])، فهذا خبر صحيح يدل بوضوح على هذا.

قلت: صدقت في هذا.. وأنا لا أجادلك فيه.. ولكني أخشى سهام العلماء.. فأنا طويلب علم قاصر.. وفي العلماء من يملك لسانا شديدا لا يقل عن سيف الحجاج.

قال: فما تخشى منهم؟

قلت: أخشى أن يرموني بالبدعة.. أو يطلقوا مني زوجتي.. أو يدفنوني في غير مقابر المسلمين.

قال: لا تخش شيئا من ذلك.. فهم أورع من أن يفعلوا ذلك.. أخبرهم فقط أن العلماء ـ الذين يستفاد منهم الورع ـ لم يكونوا يتحرزون من مثل هذا..

واذكر لهم القرطبي، فقد قال بعد ذكر بعض الأشراط:( كل ما وقع في حديث معاوية هذا، فقد شاهدناه بتلك البلاد، وعاينا معظمه إلا خروج المهدي)

واذكر لهم محمد صديق حسن خان، فقد قال ـ بعد ذكر علامات للساعة ـ 🙁 وهذه الجملة من الأشراط موجودة تحت أديم السماء، وهي في التزايد يوما فيوم، وقد كادت أن تبلغ الغاية، أو قد بلغت، ولم يبق إلا الأشراط الكبرى التي أولها ظهور المهدي عليه السلام ولا شك أننا الآن أقرب إلى هذه العلامة من أي وقت مضى)([12])

قلت: أراك تريد أن توقعني في متاهة لست أدري كيف أخرج منها.. إن ما تريده مني لم يجرؤ عليه أحد من الأمة.. فلا تجعلني أخرق الإجماع بخروجي.

قال: لا بأس عليك.. سندخل هذا الباب من نوافذ ذكرها لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولن يناقشنا في دخولنا منها أحد.

قلت: أراك تريد الاحتيال، وهو أبغض الأشياء إلى نفسي..

قال: ليس في الأمر أي احتيال.. بل هو إعمال للنصوص، وبحث في السنن.. ولن يتسنى لنا أن نكون أنصارا للمهدي والمسيح ما لم نعرف الدجال، وأساليب الدجال.

قلت: فمن أي النوافذ تريد أن نطل؟

قال: من نافذة أحاديث كثيرة يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن تعدد الدجال..

قلت: تعدد الدجال!؟.. لا أعرف الدجال إلا واحدا.. ذلك الذي يقتله المسيح بباب لد([13]).

قال: ذلك زعيمهم الأكبر الذي اجتمع له كل ما اجتمع لغيره.. ولكن مع ذلك، فقد وردت الأحاديث بأنه يسبق بدجالين كثيرين يكون هو آخرهم.

قلت: فحدثني بهذه الأحاديث.. فلا يحل الخوض في مثل هذا بدون الأنوار المشعة من مشكاة النبوة.

قال: لقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:( إن بين يدي الساعة كذابين)([14])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم:( لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان فيكون بينهما مقتلة عظيمة دعواهما واحدة ولا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريبا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله)([15])

وقد وقع الجزم بهذا العدد في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى يعبدوا الأوثان، وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي) ([16])

وورد في حديث آخر تحديد عدد آخر، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 في أمتي كذابون و دجالون، سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة، و إني خاتم النبيين، لانبي بعدي)([17])

قلت: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ولا أرى أن هذا يغني عنا شيئا..

قال: كيف ذلك؟

قلت: لقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن عدد محدود من الدجالين، ولا ينبغي لأي عقل أن يزعم أن فلانا من الناس أحدهم إلا إذا رضي لنفسه أن تخوض فيما ليس لها به علم.

قال: فسندخل هذا الأمر من زاوية لا يمكن لأحد أن يجادلك فيها.

قلت: هذا ما أريده.. فإني امرؤ لا أحب أن أتهم في ديني.. ولا أحب لذلك أن أقف مواقف التهم.

قال: أجبني.. هل شك الصحابة في كون ابن الصياد هو الدجال؟

قلت: لا شك في ذلك، وقد رويت النصوص الصحيحة في ذلك.

قال: وما مصدر شكهم؟

قلت: لقد كان في ابن الصياد الكثير من العلامات التي تجعله شبيها بالدجال.. فقد كان ابن صياد يهوديا والدجال يهودي.. وهو دجال وذاك دجال.. وهو أعور وذاك أعور.. ومع ذلك فقد اتفق الكل على أن ابن الصياد ليس هو الدجال([18]).

قال: وأنا أقول بذلك.. ولا أجادلك فيه.. وإنما أريد أن أخبرك بأن الدجاجلة كثيرون.. وسنزور أحدهم.. فلا تخف، فلن يجرؤ أحد على أن يطلق زوجتك منك.

قلت: ولكن ما فائدة البحث في كل هذا.. أخاف أن أتورط بما تورط فيه بعض المشاغبين من قومي.. فراحوا يرضون فضولهم وفضول الناس، ويتلاعبون بأوقاتهم وأموالهم بباطل من القول وزور.. ولم يكتفوا بذلك بل راحوا يقسمون على ما ذهبوا إليه، وكأنهم اطلعوا على اللوح المحفوظ ([19]).

قال: لا تخف.. فلن ننتهج ما انتهجوه.. فنحن لا نبحث في التواريخ ولا الأسماء.. فلا يعنينا شيء منهما.. بل نبحث في السنن.. والسنن تقتضي أن نحتاط للأمور قبل وقوعها.

قلت: إن لي فضولا كثيرا في معرفة التفاصيل، فهل تأذن لي في طرحه.

قال: لا.. لم يؤذن لك أن تتحدث معه إلا فيما يخدم بحثك عن حصون المستضعفين.

قلت: وما ذاك؟

قال: اثنان: أسلحته التي ينشر بها فتنته، وحصونه التي تتحصنون بها منه.

أسلحة الدجال:

ما استتم صاحبي كلامه حتى سمعنا زئيرا عجيبا تنخلع له القلوب، امتلأ قلبي منه رعبا، فصحت في صاحبي: أين نحن؟

قال: عند الدجال.

قلت: الأعور!؟

قال: لن يكون دجالا حتى يكون أعور.

قلت: اليهودي!؟

قال: لن يكون دجالا حتى يكون يهوديا، أو يمد يده لليهود، أو ترضى عنه يهود.

قلت: أراك أدخلتني فيما أكره.

قال: لا تخف، فإن قيوده تمنعه أن يمد يده إليك..

قلت: أجل.. لقد قرأت حديث تميم الداري، وقد ورد فيه 🙁 فأتوه فدخلوا عليه، فإذا هم بشيخ موثق شديد الوثاق، يظهر الحزن، شديد التشكي)([20])

سمعت زمجرة عجيبة ارتجت لها أرجاء الأوكار، ثم تبعها صوت يقول: من يريد أن يحدثني.. فأنا الدجال.. أنا الدجال الأعور.. أنا أعظم مستبد عرفه التاريخ.. وستعرفه الأرض.

لئن كان فرعون قال :{ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ } (الزخرف: 51).. فإني لا أرضى بغير حكم الأرض.. الأرض جميعا.. فما مصر.. ولا الشام.. ولا العراق.. إلا وجبات خفيفة لن تسد جوعتي.. بل لن يسد جوعتي أوروبا ولا آسيا ولا إفريقيا.. ولا حتى موطني الذي يجاور عرش الشيطان.. بل أنا نهم فوق ما تتصور.. وفوق ما تتصورون.. أنا أريد أن أسيطر على الكون.. الكون جميعا بأكوابه ونجومه ومجراته.

قلت: لم كل هذا النهم بامتلاك الأشياء مع أنك مهما ملكت.. فلن تملك إلا المحل الذي تجلس عليه؟

قال: لقد فاتك أهم شيء في الحياة إن اقتنعت بهذا.

قلت: فما هو؟

قال: السيطرة.. أليست السيطرة هي التي حركت الرومان لحكم العالم..

أليست السيطرة هي التي حركت عالم المستكبرين ـ عالمنا ـ للاستحواذ على عالم المستضعفين؟

أتحسب أن كل هؤلاء كانوا بلها حين تركوا أراضيهم الخصبة، وانتشروا في الأرض ليرضوا تلك اللطيفة التي لا تتلذذ إلا برؤية كل شيء تحت يدها؟

قلت: ولكن التاريخ أثبت فشل الاستعمار.. فكل الأراضي التي دخلها المستعمرون المتكبرون خرجوا منها، والذلة تكسو وجوههم.

قال: الاستعمار مرحلة من مراحل التسلط.. لم يكن بد منها.. فالعالم كان منفصلا تماما عن بعضه، ولم تكن لديه قوى الدجال التكنولوجية ليسيطر على العالم من غير جنود ولا سلاح.. ولكن ـ بتطور الزمن ـ وجدنا السبل التي نستعمر بها العالم من غير جنود.. بل جعلنا مستعمراتنا تتودد إلينا لنختمها بخاتم الذلة الذي لا يملكه غيرنا.

قلت: أهناك مرحلة أخرى بعد الاستعمار يمكن للدولة القوية أن تسيطر بها على الدول المستضعفة؟

قال: نعم.. لقد وصلتم اليوم إلى ما تسمونه ( العولمة).. أنتم تمهدون لدولتي..

قلت: أنا لا أفهم من العولمة إلا أنها ( العملية التي يتم بمقتضاها إلغاء الحواجز بين الدول والشعوب، والتي تنتقل فيها المجتمعات من حالة الفرقة والتجزئة إلى حالة الاقتراب والتوحد، ومن حالة الصراع إلى حالة التوافق، ومن حالة التباين والتمايز إلى حالة التجانس والتماثل، وبذلك يتشكل وعي عالمي وقيم موحدة تقوم على مواثيق إنسانية عامة)([21])

قال: وهذا ما أريده..

قلت: وهذا ما نريده ـ نحن أيضا ـ بل هذا ما يريده كل صاحب حق.. فالعالم إذا اقترب من بعضه مهد لنا السبل لنشر حقنا.

قال: ولكنا لن نترك ذلك يدوم طويلا.. نحن لا نريد المواثيق التي يصنعها المستضعفون.. نخن نريد المواثيق التي نصنعها نحن، ثم نقوم نحن بتصديرها.

قلت: لا يهمنا من يصدرها أو من يوقعها.. المهم أن نمتطيها لنؤدي رسالتنا التي كلفنا بها.. ألم يصنع قومك السيارة والطائرة.. ولكنا امتطيناها واستعملناها؟

قال: سحقا لك.. إنك تذكرني بالمهدي..

قلت: ما بال المهدي.. وما الذي جعلك تذكره؟

قال: إنه مارس نفس الأسلوب.. لقد استثمر جميع ما بنيناه ليؤسس عليه دولة المستضعفين.. إنه لولا منجزاتنا ما فعل شيئا.

قلت: المهدي وأولياء الله ورسله لا يتناولون الأشياء من أيديكم المنجسة برجس الكفر، بل إنهم يتناولونها من يد الله، فلذلك يملؤها الله لهم بركة.

قال: دعني من بركاتك التي تظل تنعق بها.. إن لي من البركات ما لا يملك معه قومك من المستضعفين إلا أن يقبلوا يدي ورجلي ويذعنوا لي.. بل لا يؤمنوا إلا بي.

قلت: دعني من بركاتك الآن، فسأسألك عنها.. لقد اعتبرت العولمة مرحلة من مراحل التسلط.

قال: هي المرحلة التي يحاول قومك الآن فرضها على العالم بكل الوسائل.

قلت: فما هي المراحل التي تليها.. فنحن لا نزال نعيش زمننا.

قال: مرحلة ( العصابات المستكبرة)

قلت: وما تعني هذه المرحلة؟

قال: لن يبقى الحكم للدولة التي تفرض سلطتها على العالم أجمع..

قلت: هل سيزول نظام القطب الواحد الذي يحكم العالم اليوم؟

ضحك، وقال: ومتى حكم العالم قطب ثان.. إن المستكبرين مهما اختلفوا في الظاهر ـ متفقون تمام الاتفاق.. ألم تسمع مقالة لينين؟

قلت: فكيف يزول دور الدولة لتحل العصابات بدلها؟

قال: ستضخم الشركات التي تطعمكم السموم ضخامة تجعل الكل عبيدها.. إن السموم التي تتناولونها ستحولكم إلى مدمنين.. والمدمن عبد ما أدمن عليه.. إن هذه الشركات ستستعبد شعوب العالم أجمع.

قلت: أيمكن أن تحكمنا شركة كشركة كوكا كولا؟

قال: العصر الكوكاكولي لن يدوم طويلا.. أغبياء هم الذين سيطروا على ذلك العصر.. لقد تركوا بعض الحرية للمستضعفين، فاخترقوا حصون المتكبرين.. وأسسوا لهم دولة لم نتخلص منها إلا بعد جهد جهيد.

قلت: فما العصابة الذكية التي خلصت العالم من حكم المستضعفين؟

قال: لن تعرف ذلك الآن.. فالشركة التي مكنت للمستكبرين بصورتها الكبرى لم تؤسس بعد.. ولكنها نتاج شركات كثيرة تؤسسونها.

قلت: ما اسمها؟.. وهل لها من علامة تجارية تعرف بها؟

قال: أجل.. اسمها وعلامتها التجارية متشكلة من ثلاثة حروف لا غير: الكاف والفاء والراء.

قلت: الكاف والفاء والراء تعني الكفر.. إن هذا ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الدجال، فقد قال 🙁 ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه: ك ف ر؛ يقرؤه كل مسلم)([22]).. وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 إنه مكتوب بين عينيه: كافر؛ يقرؤه من كره عمله، أو يقرؤه كل مؤمن)، وقال 🙁 تعلّموا أنه لن يرى أحد منكم ربه عز وجل حتى يموت)([23])

قال: ولكن أكثر الناس لا يلتفتون لهذا ومثله.. إن الكثير من أسماء الشركات التي تستعبدكم تحمل شعارات كثيرة لا تنتبهون إليها([24]) .. أما نحن، فسنغذيهم بأنواع من الشهوات تنسيهم الإيمان، فلا يرون اللذة إلا في الكفر.

قلت: أهذه الشركة هي شركتك؟

قال: كنت واحدا من أعضائها.. لكني بعد ذلك صرت عضوها الوحيد.. أنا لا أرضى أن يزاحمني أحد السلطة.. ألم تسمع ما قال نبيكم؟

قلت: أتعرف أحاديث نبينا؟

قال: أجل.. وأصدقها.

قلت: فلم تظل على غيك؟

قال: لن تفهم ذلك الآن.. لقد ذكر نبيكم حادثة الذي خالفني، فقال 🙁 يخرج الدجال فيتوجه قبله رجلٌ من المؤمنين فيتلقاه المسالح، مسالح الدجال، فيقولون له: إلى أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الذي خرج، فيقولون له: أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاءٌ! فيقولون: اقتلوه، فيقول بعضهم لبعضٍ: أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحداً دونه، فينطلقون به إلى الدجال)([25])

قلت: فإلام يشير هذا الحديث؟

قال: يشير إلى نوع الحكم الذي سينتهي إليه العالم في عهدي.

قلت: وما تسميه؟

قال: الفردنة.

قلت: وما تعني الفدرنة؟

قال: أن يصير الحكم إلى فرد.. فرد واحد يحكم العالم.. فرد واجد بلا وزراء ولا برلمان ولا أي هيئات أخرى قد تزاحم الحاكم.

قلت: ولم الفردنة؟.. أليس من الأجدى أن يتخذ الحاكم وزراء وأعوانا يعينونه؟

قال: ذلك الحاكم الضعفيف.. أما الحاكم القوي، فلن يحتاج إلى ذلك.. هل يحتاج ربك إلى وزراء وأعوان؟

قلت: تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

قال: فلماذا تقدس ربك، ولا تقدسني.. كما أنه يستولي على العالم وحده، فسأستولي على العالم وحدي.. وسأجعل العالم يعبدني ولا يحني رقبته لسواي.

قلت: إن حكم فرد واحد للعالم يحتاج إلى قوى خارقة.. فالعالم بطوله وعرضه يحتاج إلى عقول كثيرة تسيره.

قال: أنت ابن عصرك.. فلذلك تتكلم انطلاقا من المعارف البسيطة التي منت بها عليكم المدارس.. ولكن عصري مختلف تماما.. لا بأس.. سأضرب لك مثالا يقرب لك كيف أحكم العالم وحدي.. ألا ترى المصانع الضخمة التي تسيرها أياد محدودة؟

قلت: أجل.. فالآلة حلت محل الإنسان في كثير من المصانع.

قال: والآلة ستحكم بدل الحاكم في كثير من الدول..

قلت: أذلك عصرك؟

قال: لا .. ذلك العصر الآلي.. وهو عصر فاشل بكل المقاييس.. لأن بعض المستضعفين سيعرف أسرار الآلة، فيحولها إلى صفه، كما حول قراصنة البرامج ما يشاءون من البرامج لحسابهم من غير أن يدفعوا فلسا واحدا.. ثم يحول الحكم بعدها إلى المستضعفين.

قلت: وفي عصرك.. هل تحكم العالم بالآلة.. بالحواسيب الضخمة؟

قال: ما تيهكم بحواسيبكم إلا كتيه الصينيين بأوراقهم.. العصر الحاسوبي قاصر جدا بالنسبة للتقنيات التي وصلت إليها.

قلت: فبأي تقنية توصلت إلى حكم العالم والانفراد بحكمه؟

قال: لن تفهم أنت.. ولن يفهم قومك شيئا مما أقول لو شرحتها.

قلت: لقد حاول بعض قومي أن يفسر ما ورد في النصوص من شأنك، فقال 🙁 بالنسبة لما سيكون مع الدجال من كميات كبيرة من القمح تشبه الجبال، فيمكن تخيله بقيام الشياطين بزراعة مساحات كبيرة من الأراضي الصحراوية تحت الأرض باستخدامهم أساليب زراعية متطورة كالتهجين، وذلك قبل خروج الدجال بعشرات السنوات، ثم تقوم الشياطين بتخزين هذا القمح في صوامع تحت الأرض، وبأسلوب تخزين جيد يحفظها لفترات طويلة حتى يصل حجم ها المخزون على مدار عدد من السنوات إلى ما يشبه الجبال، فيخرج الدجال ومعه هذه الكميات التي يغوى بها أهل الأرض.. وبالنسبة لقيام الدجال بأمر السماء أن تمطر فتمطر أمام الناس، فيمكن تخيله بقيام الشياطين بصنع أجهزة علمية للدجال تصنع سحابا صناعيا مزودا بشحنات كهربائية مسجل عليها بصمة صوت الدجال (مثل نظام الخزائن البنكية التي لا تفتح إلا ببصمة صوت صاحب الخزينة فقط)، فتطلق الشياطين هذه السحابة من الأجهزة المعدة لذلك من مكان بعيد عن المكان الذي يقف فيه الدجال أمام الناس، وعندما تمر السحابة من فوقهم ينادي الدجال بإسقاط مطرها، فتصطدم ذبذبات صوته بالذبذبات المسجلة لصوته على السحابة، فتحدث شرارة كهربائية أو صاعقة بها وتسقط مطرها، ويمكن تخيل ذلك أيضا بقيام الشياطين بإطلاق السحابة الصناعية في السماء من مكان بعيد، وعندما ينادي عليها الدجال تقوم الشياطين من خلال أجهزة اتصال كاللاسلكي أو من خلال سماع صوته، وهم في مكانهم بالضغط على جهاز مثل الريموت كنترول، فيجعلون السحابة تسقط ما فيها من ماء، ويظن الناس أنها أمطرت بأمر الدجال)([26])

وذكر هذا المتحري الذكي أن الحمار المذكور في أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذي ستمتطيه ( ما هو إلا طبق طائر صنعته له الشياطين، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شبهه بالحمار تحقيرا له، وليقرب إلى أهل زمانه وصف الدابة التي سينتقل بها الدجال)

ضحك، وقال: من هذا الأحمق الذي قاس عبقريتي بعبقرية الحمقى والمغفلين؟.. إنني أعظم شأنا.. إنني أعظم من كل تصور تصورونه.. ولولا عظمتي ما اجتمع الأنبياء على التحذير مني.. إنني زبدة الاستبداد وخلاصتها.. إن خلاصة جميع معارفكم وتقنياتكم وصناعاتكم ستصير إلي، وسأخلط بها من التقنيات ما لا يمكن أن تتخيلوه.. لا يمكن لأي أحد من الناس أن يخمن مجرد تخمين في الاساليب التي أستخدمها لتنفيذ ذلك.

قلت: لم كان شعارك هو الكفر؟

قال: الآن فقط بدأت تدخل في الموضوع.. والآن فقط بدأت تدرك سر قوتي.

قلت: وما علاقة الكفر بقوتك؟.. إن الكفر ـ بما ينتجه من محق ـ هو أساس كل ضعف وهزيمة واندحار.

قال: قد يكون معك الحق في بعض هذا.. ولكن له لذة مع ذلك لا تتصورها.. ولا يمكن أن تتصورها.. ألا ترى السكير.. إنه يضحي من أجل النشوة التي تتلبسه أثناء سكره بكل القيم التي تعرفونها بدءا من جسده، وانتهاء بعلاقاته.

قلت: أنت تدرك إذن عاقبة كفرك.

قال: أدركها.. ولكن إدراكي لها لن يحول بيني وبين تلك اللذة التي أستشعر فيها فردانيتي وعبودية كل شيء حولي.

قلت: فلم كان كفرك سر قوتك؟

قال: هذا سر خطير.. ولكن مع ذلك سأبثه لك..

قلت: ألا تخاف من بثه؟

قال: أنا لا أخاف من بثه، لأنه مشتهر بيننا معشر المستبدين، ثم إن إدراككم له لن يضرني شيئا.. أنا أعلم أني أنا المنتصر.. ولذلك لا أريد عدوا ضعيفا.. أريدكم بكل قوتكم، لأواجهم بكل قوتي.

قلت: فما سرك الذي لا تخاف عليه.. بل تشهر به؟

قال: لقد ذكرت لك أن قوتي تعتمد على كل ما أنتجتموه من علوم وصناعات.

قلت: لقد ذكرت لي هذا.

قال: هذا هو الجزء الأول من قوتي.

قلت: والجزء الثاني؟

قال: هو السر الذي لن تفهمه.. لقد أقمت حلفا مع الشيطان الأكبر.. مع إبليس الذي أبى السجود لآدم.. مع إبليس نفسه.

قلت: سمعت أن كل المستبدين يقيمون مثل هذا الحلف.

قال: هم يقيمون هذه الأحلاف.. ولكنهم يقيمونها مع الرؤوس الصغيرة، أما أنا فأقمته مع الرأس الأكبر الذي يتربع على عرشه.. فاجتمع لي بذلك قوى البشر، وقوى الشياطين.

قلت: فما نص العقد الذي تعاقدتما عليه؟

قال: لقد تعاقدنا على شيء واحد: أن أنشر الكفر بين الناس بكل ما أطقت.. وأن يعطيني من أسرار التقنيات ما عجزنا عنه البشر.

قلت: ولكن كيف رضيت بأن تنشر الكفر بين الناس، وأنت تعلم الإيمان، وتعلم عواقب الكفر.

قال: لقد كان الكفر هو الخادم الأول لأهدافي.. ألا تعلم أني لا أحب إلا الفردانية، ولا أرضى لمن تسمونه الله أن يزاحمني؟.. لقد خدمني الشيطان بكلا الشقين خدمة لا تقدر بثمن.

قلت: وسائر المستبدين.. هل يشترط عليهم شياطينهم الصغار الذين يتولونهم هذا الشرط؟

قال: أجل.. فلا يمكن للمستبد أن يستبد بالإيمان.. الإيمان يجعله يتطامن ويتواضع ويتذلل.. إنه يصير كالتراب بين رعاياه تدوسه أقدامهم.. أما المستبدون فإنهم لا يستبدون إلا بالكفر.. كل المستبدين يرددون مع فرعون :{ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (النازعـات: 24)

قلت: فهل ستردد هذا القول كما ردده فرعون؟

قال: لن أكون دجالا إذا لم أردده.. ولكنني سأردده ليسمعه العالم أجمع.. بل الكون أجمع.. لا كما قال ذلك القزم الذي لم يكن يملك غير مصر، وأنهار مصر.

قلت: ولكنك لن تدخل مكة والمدينة.. فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 يجيء الدجال فيطأ الأرض؛ إلا مكة والمدينة، فيأتي المدينة. فيجد بكل نقب من نقابها صفوفاً من الملائكة)([27])

قال: ومع ذلك.. فلم أيأس ممن فيها.. سأخرج منها كل من يحبني ويعبدني.. أصمت أذناك عن سماع ما ورد في ذلك من الأحاديث؟

قلت: لا.. لقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن خبث المدينة سيلحقك.. لقد حدث محجن بن الأدرع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب الناس فقال 🙁 يوم الخلاص، وما يوم الخلاص؟ يوم الخلاص، وما يوم الخلاص؟ يوم خلاص وما يوم الخلاص؟) ثلاثاً، فقيل له: وما يوم الخلاص؟ قال 🙁 يجيء الدجال فيصعد أحداً، فينظرون المدينة، فيقول لأصحابه: أترون هذا القصر الأبيض؟ هذا مسجد أحمد. ثم يأتي المدينة، فيجد بكل نقب منها ملكاً مصلتا، فيأتي سبخة الجُرُف، فيضرب رواقه، ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة ولا فاسق ولا فاسقة إلا خرج إليه، فذلك يوم الخلاص)([28])

وجاء في حديث جابر بن عبد الله قال: أشرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على فلق من أفلاق الحرة ونحن معه، فقال 🙁 نعمت الأرض المدينة، إذا خرج الدجال على كل نقب من أنقابها ملك لا يدخلها، فإذا كان كذلك؛ رجفت المدينة بأهلها ثلاث رجفات، لا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، وأكثر من يخرج إليه النساء، وذلك يوم الخلاص، وذلك يوم تنفي المدينة الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد)([29])

وفي حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 ينزل الدجال في هذه السبخة؛ بمرّ قناة، فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى أن الرجل ليرجع إلى حميمه، وإلى أمه، وابنته، وأخته، وعمته، فيوثقها رباطاً؛ مخافة أن تخرج إليه)([30])

قال: إن هذا الحديث الذي ذكرت يبين سرا من أسرار قوتي.

قلت: لقد ذكر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مخافة الرجل على أهله أن يتبعوك.

قال: وهذا ما يفرق بيني وبين كثير من المستبدين.. إن أكثر من سبقني من المستبدين كانوا أغبياء.. كانوا يختطفون اللقمة من أفواه رعاياهم ليضموها إلى موائدها.. أما أنا.. الغني المطلق.. فقد كنت أبذل لرعاياي كل ما يشتهون.. حتى لو أرادوا الجنة لنقلتها لهم.

قلت: في مقابل ماذا؟

قال: في مقابل شيء واحد.. أن ينسوا ذلك الذي يسمى الله.. ويفردوني بالسجود والعبادة.

قلت: لقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فقال: (فيأتي على القوم فيدعوهم، فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذراً، وأسبغه ضروعاً، وأمده خواصر. ثم يأتي القومَ فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين ليس بأيدهم شيء من أموالهم. ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل)([31])

قال: لقد وصف نبيكم بعض فتنتي، وهو يتناسب مع طبيعة البيئة التي وجد فيها.. أما حقيقة فتنتي، فلن تعرفها أنت ولا قومك.

قلت: وكيف لا أعرفها أنا ولا قومي.. ونحن في عصر يموج بالفتن.

قال: ألا تعلم أني الزبدة والعصارة والخلاصة؟.. فكما أني خلاصة الاستبداد، فأنا خلاصة الفتن.. إن كل المغريات التي عرفتها البشرية في جميع عهودها ستجتمع لدي كما اجتمعت لدي جميع علومهم وتقنياتهم.. ليس ذلك فقط.. بل تجتمع لدي جميع وساوس الأبالسة وفلسفاتهم.. أنسيت أني قد أقمت حلفي مع الشيطان الأكبر.

ليس ذلك فقط.. بل أنا أجمع بين العلم والفلسفة والشهوات.. فعلمي وفلسفتي يخدمون الشهوات، ويتفننون في عرضها.

قلت: كيف ذلك؟

قال: سأضرب لك مثالا يقرب لك هذا.. أنتم تعزفون أنواع الموسيقى؟

قلت: إن الشباب عندنا يموج مع رنات الموسيقى كما يموج البحر الهادر.

قال: تلك موسيقاكم البسيطة البدائية التي لا تستند إلى علم وفلسفة فعلت هذا الفعل في النفوس.. فكيف بالموسيقى التي وضعت أنا سمفونياتها.

قلت: ألك سمفونيات!؟.. أول مرة أسمع هذا..

قال: إن موسيقاي مؤسسة على علم بالطبيعة البشرية.. فلا تسمعها أذن إلا وخشعت لي أعظم من خشوعكم في صلواتكم.

قلت: أتعجب كيف تكون مستبدا وعازفا موسيقيا.

قال: لست ذلك فقط.. لقد تجمعت في من العبقريات ما جعلت الرعية تعبدني عن طواعية.. ألا ترى قومك كيف يعبدون الأبطال من الممثلين والمهرجين.

قلت: إنهم يعلقون صورهم على الجدران.. وينقشون أسماءهم على جلودهم.

قال: لو لم يحفروا أسماءهم في قلوبهم ما نقشوها على جلودهم.

قلت: هذا صحيح.. هم يفعلون هذا بداعي الإعجاب الشديد.

قال: إذا فعلوا ذلك مع أولئك البسطاء المهزولين.. فكيف لا يفعلونه معي أنا.. أنا الجبار.. منقذ الإنسانية من أسر الكبت.. مرسل الشهوات لتتيه في أودية الأماني.

قلت: لا تستهن بقومي.. فإنهم قد وصلوا بالإغراء إلى درجات لا يمكن تصورها.. لقد فتحوا عيون الشهوات، ففاضت كالأنهار.

صاح في بقوة: ويحك.. أتدري مع من تتحدث.. أنت تتحدث مع الدجال.. كيف تقول هذا.. ألم أحبرك أني جمعت كل شيء.. فأنا الزبدة والخلاصة.. لئن أجرى قومك أنهار الشهوات، فإن أنهارهم تصب في بحري.. بل في محيطي.. سأقرب لك ما قد تدرك به بعض فتنتي.. أرأيت حياة أشهر المشاهير عندكم؟

قلت: إن حياتهم من الرقي، بحيث لا نستطيع نحن البسطاء أن نتعرف عليها.. فنكتفي بالتفرج على ما تبثه الصحف التي ليس لها من هم إلا نقل حركاتهم وسكناتهم وبسماتهم وأناتهم.

قال: أرأيت لو نقلت أفقر فقرائكم وأبسط بسطائكم ليعيش حياة تفضل حياة أولئك الذين فتنتم به.. ألا يجعله ذلك عبدا لي عن طواعية؟

قلت: أجل.. ولكن مع ذلك، أنت أعور.. لقد وصفك صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقال: (ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب)([32])

قال: وذلك سر من أسرار فتنتي..

قلت: كيف ذلك.. ومتى صار العور فتنة.. إن العور قصور وضعف.

قال: ولكني في عهدي.. وفي رعيتي.. سيصير فتنة.. فتنة عظيمة.. لن تطيق التعرف عليها.

قلت: أراك تبالغ كثيرا في التيه بقدراتك.. أين عزبت عقول الناس حتى يتبعوك مع ما فيك من النقص.. بل يبيعون الله القدوس بك؟

قال: لقد باع قومك الله بالشياطين.. مع أنهم لم ينالوا منهم أي شيء، فكيف تستكثر على قومي أن يعبدوني بدل الله.. وأنا أوفر لهم كل ما يشتهون.

قلت: أجل.. ذلك صحيح.. ولكنهم مع ذلك نفر محدودون.

قال: كل شيء يبدأ محدودا، ثم يتسع.. ألم يبدأ دينكم برجل واحد لم يجد من يعرف كيف يقف في طريقه؟

لست أدري كيف خطر على بالي ابن الصياد، فقلت له: وكيف لم يقم ابن الصياد في وجهه.. لقد شك الصحابة في كونه الدجال.

قال: لقد كان مقترحا أن يتبوأ هذا المنصب الرفيع.. ولكنه كان ضعيفا.. ضعيفا جدا.. وهذا المنصب الرفيع يحتاج إلى القوة.. القوة التي تجعل الخلق يسلمون لك بالألوهية، وهم راضون.. بل يعبدونك وهم في منتهى الخشوع.

قلت: لقد ذكرت لي أن عور عينيك سر من أسرار فتنتك.

قال: أجل.. هو سر من الأسرار الكبرى.. ولذلك ألح نبيكم على ذكره.. إنه يدلكم على حقيقتي.

قلت: ما هي؟.. وما دلالة عوري عليها؟

قال: العينان تدلك على الحقيقة الكاملة.. ترشدك إلى الزوايا المختلفة للأشياء.. فلذلك قد تأخذ منها، وقد تدع.. ولكن العور يجعلك لا ترى إلا شيئا واحدا.. فلذلك كل من يتبعني لا يتبعني إلا بعد أن يصاب بالعور.. وبعد أن يستحلي العور.

قلت: عجبا.. كيف يستحلى العور.. وهو آفة تجعل صاحبها من المعاقين.

قال: في عصركم تقولون ذلك.. ولكنكم في الطريق إلى عصري الذي لا يرى إلا بعين واحدة.. العين الثانية تشتتك.. تجعلك ترى الصور كاملة، لكن العور يحول بينك وبين الشتات.. إنه يجمع همتك لترى الحقيقة التي تصور لك.. لا الحقيقة التي هي عين الواقع.

قلت: ذلك هو الدجل..

قال: وذلك هو السر الأكبر من أسراري، وذلك هو اسمي الذي به أعرف.. وشهرتي التي بها أنادى.

قلت: ألهذا ربط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين دجلك، وبين عورك، فقال 🙁 ألا كل نبي قد أنذر أمته الدجال، وإنه يومه هذا قد أكل الطعام، وإني عاهد عهداً لم يعهده نبي لأمته قبلي: ألا إن عينه اليمنى ممسوحة الحدقة جاحظة، فلا تخفى، كأنها نخاعة في جنب حائط، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه مثل الجنة ومثل النار، فالنار روضة خضراء، والجنة غبراء ذات دخان)([33])

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 ألا أحدثكم حديثاً عن الدجال ما حدّث به نبي قومه؟ إنه أعور، وإنه يجيء معه بمثال الجنة والنار، فالتي يقول: إنها الجنة. هي النار، وإني أنذركم كما أنذر به نوح قومه)([34])  

قال: ذلك بعض ما يمكنك فهمه من حديث نبيك.. أما حقيقته فلن تفهمها إلا إذا عشت إلى الزمن الذي أخرج فيه.

قلت: كيف يكون معك مثل الجنة والنار؟.. هل يمكن أن تموه على الناس، فتحول الجنة ذات الرياض النضرة إلى نار.. وتحول النار ذات اللهب إلى الجنة.

قال: في طاقة جدلي أن يفعل ذلك.

قلت: أنت ساحر إذن؟

قال: كل ما تعرفونه من السحر.. وما ستعرفه الأجيال.. وما تعرفه الشياطين والمردة.. يجتمع لدي.. أنا الجامع الذي اجتمعت عنده كل قوى العالم.

قلت: القوى الشريرة!؟

قال: لا يهمني أن تكون شريرة أو خيرة.. أنا لي همة واحدة أن يعبدني الخلق عن طواعية.. وأن ينسوا الله ـ ذلك الذي يزاحمني ـ بعبوديتي.

قلت: لقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن من فتنتك ودجلك إحياء الموتى.. فقد ورد في الحديث 🙁 وإن من فتنته؛ أن يقول لأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك؛ أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم. فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني! اتّبعه؛ فإنه ربك. ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً، فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه، فيقبل، ويتهلل وجهه يضحك)([35])

قال: وذلك مما يجعل الكل يهوي أمام قدمي ساجدا.. لقد أذل ربك عباده بالموت.. وأنا أعزهم بالحياة.

قلت: ولكنها حياة كاذبة.

قال: لا يهمني.. أنسيت أني الدجال.. تهمني الصور.. ولا ألتفت إلى الحقائق.

قلت: لم؟

قال: أنت كثير النسيان.. أنسيت أني لا أرى إلا بعين واحدة.. العين التي ترى الصور.. لا العين التي ترى الحقائق.

قلت: فسينطرح كل من يحب الحياة، ويحرص عليها بين قدميك..

قال: وأولهم قومي من اليهود.. لقد كلفتهم ببناء هيكلي، فماذا فعلوا فيه؟

قلت: هم يمارسون كل الأساليب.. ليبنوا الهيكل.. ولكني لا أرى أنهم يبنونه لأجلك.

قال: بل يبنونه لأجلي.. إن كل همهم أن يروني.. وأن يتبعوني.. وأن يعبدوني.

قلت: لم؟

قال: لأني الوحيد الذي أحقق لهم ما عجزوا عنه.

قلت: ولكنهم يهود، وهم أهل دين سماوي يوحد الله.

ضحك، وقال: أرى أن دجل أولئك التافهين البسطاء السذج ينطلي عليك، فكيف تزعم أن دجلي لا ينطلي على من سيعبدني.

قلت: أي دجل؟

قال: أنت لا تقرأ كتاب ربك.

قلت: بل أقرؤه بحمد الله.

قال: فما قال أجدادي لموسى بعد عبورهم البحر؟

قلت: لقد ذكر القرآن الكريم ذلك، فقال تعالى:{ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} (لأعراف:138)

قال: فهل صبروا على عبادة ربكم بعد غياب موسى عنهم؟

قلت: كلا.. فمع أن غيابه لم يدم طويلا إلا أنهم ذهبوا يعبدون العجل.

قال: لا تسئ فهمهم.. هم لم يعبدوا الجهل.. وإنما نفروا من عبادة ربكم.. بل قالوا لموسى: إننا نرضى بديلا عن إلهك بأي شيء.. ولو بعجل.

قلت: أشم منهم مثل هذه الرائحة، فهم يتحدثون عن الله، وكأنه رب موسى لا ربهم، وقد قال تعالى عنهم لما أمرهم موسى u بدخول الأرض المقدسة :{ يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة: 24)

قال: فإذا علمت ذلك، فاعلم أن الهيكل الذي سيبنونه لم يقصدوا ببنائه غيري.

قلت: لقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنك ستخرج من خلّة بين الشام والعراق، فهل في هذه الخلة يكون هيكلك؟

قال: أنا لا وطن لي.. أنا لا أريد أن يستعبدني أي وطن.. وكيف يستعبدني وأنا الإله.. الإله الأوحد.. ألم يقل نبيكم عندما سئل:( وما إسراعه في الأرض؟)، فقال 🙁 كالغيث استدبرته الريح)

قلت: أجل..

قال: فرجل بمثل هذه السرعة والقوة كيف يركن إلى أي محل، أو كيف يسكن في أي مسكن.

حصون الخلاص:

قلت: لقد ذكرت لي أسلحتك التي تستعبد بها الخلق.

قال: لم أذكر لك منها إلا ما ذكر نبيك.

قلت: أهناك أسلحة أخرى؟

قال: أصدقك وأنا الكذوب، ولولا أني في هذا المقام ما صدقتك، لم يترك نبيكم شيئا مما يمكن أن ينصح به إلا قاله..

قلت: أهناك أشياء لم يذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: هناك التفاصيل التي لا تعنيكم.. فنبيكم كان حريصا على السنن، ولم يكن يهتم بالتفاصيل التي لن يفقهها قومه، ولا أنتم، إن ذكرها.

قلت: فهل غاضك نصح نبينا لنا؟

قال: وكيف لم يغضني.. إن هذه الأحاديث التي نقلها الرواة عنه لن تمحوها الأيام، بل لا تزيدها الأيام إلا رسوخا.. وهي الأساس الذي تنطلق منه راية المعارضة التي يتبناها المؤمنون.

قلت: أجل.. ذلك صحيح.. فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن رجل مؤمن يعارضك، وأخبر أنه كان فقيها بأمرك.. وأن مصدر فقهه هو اطلاعه على أقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيك، ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 يخرج الدجال، فيتوجه قبَلَه رجل من المؤمنين، فتلقاه المسالح ـ مسالح الدجال ـ فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الذي خرج. قال: فيقولون له: أوَ ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء. فيقولون: اقتلوه. فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحداً دونه؟ قال: فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن قال: يا أيهاالناس! هذا الدجال الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فيأمر الدجال به فيُشبّح، فيقول: خذوه وشبحّوه. فيوسع ظهره وبطنه ضرباً، قال: فيقول: أوَ ما تؤمن بي؟ قال:فيقول: أنت المسيح الكذاب. قال: فيؤمر به، فيؤشر بالمنشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه، قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول له: قم. فيستوى قائماً، قال: ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة. قال: ثم يقول: يا أيها الناس! إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس. قال: فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاساً، فلا يستطيع إليه سبيلاً، قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به، فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار، وإنما ألقي في الجنة)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين)([36])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم:( يدعو رجلاً فلا يسلطه الله إلا عليه، فيقول: ما تقول فيّ؟ فيقول: أنت عدو الله، وأنت الدجال الكذاب. فيدعو بمنشار، فيضعه حذو رأسه، فيشقه حتى يقع على الأرض، ثم يحييه، فيقول: ما تقول؟ فيقول: والله؛ ما كنت أشد بصيرة مني فيك الآن، أنت عدو الله الدجال الذي أخبرنا عنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: فيهوي إليه بسيفه فلا يستطيعه، فيقول: أخرّوه عني)([37])

قال: إن الذي يعارضني ليس رجلا واحدا.. بل يعارضني مع فئة من المؤمنين معه.

ثم ضحك، وقال: بل يتآمرون على قتالي ومحاربتي.

قلت: أجل.. فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فقال 🙁 يأتي سباخ المدينة، وهو محرم عليه أن يدخل نقابها، فتنتفض المدينة بأهلها نفضة أو نفضتين – وهي الزلزلة- فيخرج إليه منها كل منافق ومنافقة، ثم يولي الدجال قبَل الشام، حتى يأتي بعض جبال الشام، فيحاصرهم الدجال نازلاً بأصله، حتى إذا طال عليهم البلاء؛ قال رجل من المسلمين: يا معشر المسلمين! حتى متى أنتم هكذا وعدو الله نال بأرضكم هكذا؟! هل أنتم إلا بين إحدى الحسنيين؛ بين أن يستشهدكم الله أو يظهركم؟ فيبايعون على الموت بيعة يعلم الله أنها الصدق من أنفسهم، ثم تأخذهم ظلمة لا يبصر امرؤ فيها كفه، قال: فينزل ابن مريم فيحسر عن أبصارهم، وبين أظهره رجل عليه لأمته، فيقولون: من أنت يا عبد الله؟ فيقول: أنا عبد الله ورسوله، وروحه، وكلمته، عيسى ابن مريم، اختاروا بين إحدى ثلاث: بين أن يبعث الله على الدجال وجنوده عذاباً من السماء، أو يخسف بهم الأرض، أو يسلط عليهم سلاحكم ويكف سلاحهم عنكم. فيقولون: هذه يا رسول الله أشفى لصدورنا ولأنفسنا، فيومئذ ترى اليهودي العظيم الطويل الأكول الشروب لا تقلّ يده سيفه من الرعدة، فيقومون إليهم، فيسلطون عليهم، ويذوب الدجال حين يرى ابن مريم كما يذوب الرصاص، حتى يأتيه أو يدركه عيسى فيقتله)([38])

انتفض الدجال بقوة، وصاح: لا تعد ذكر هذا الاسم أمامي.. لا تعد ذكر هذا الاسم أمامي.. فليس هناك من هو أبغض إلي منه.. إنه الماء الذي يطفئ لهبي.. إنه النور الذي يذهب بظلمتي.. إنه الصدق الذي يذهب بدجلي.. إنه الحق الذي يذهب بباطلي.

قلت: فما الحصن الذي تحصن به المسيح u لتصير له هذه القوة؟

قال: ألست في حصون المستضعفين؟

قلت: أنا لم أدخلها بعد.. لقد منعت من دخولها إلا بعد المرور على أوكاركم.

قال: فستدخلها، وترى الحصون التي تحصنوا بها.

قلت: سألتك عن سر المسيح.

انتفض بقوة، ثم قال: ألم آمرك بأن لا تعيد ذكر اسمه..

ثم سكت قليلا، ثم قال: ألم يأمركم نبيكم بقراءة سورة الكهف، لتحصنكم مني؟

قلت: بلى.. فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة، وإن خرج الدجال عصم منه)([39])

ومثل ذلك وردت النصوص بقراءة فواتح سورة الكهف، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف)([40])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 وإن من فتنته أن معه جنة ونارا فناره جنة وجنته نار، فمن ابتلى بنار فليستغث بالله وليقرأ فواتح الكهف فتكون بردا وسلاما كما كانت النار على إبراهيم)([41])

فهل يكتفي المسيح u ومن معه من المؤمنين بالاجتماع على قراءة سورة الكهف؟

قال: القراءة وحدها لا تجدي..

قلت: فما نحتاج غير القراءة؟

قال: الوعي.. هذه السورة تحوي الحصون التي تحمي من فتنتي.

قلت: سألتك عنها.

قال: ما هي المعاني التي تنتظمها هذه السورة؟

قلت: العنصر الغالب في هذه السورة هو القصص: ففي أولها قصة أصحاب الكهف، وبعدها قصة الجنتين، وفي وسطها تجيء قصة موسى مع العبد الصالح، وفي نهايتها قصة ذي القرنين.

وهذه القصص تستغرق معظم آيات السورة، فهي واردة في إحدى وسبعين آية من عشر ومائة آية؛ ومعظم ما يتبقى من آيات السورة هو تعليق أو تعقيب على القصص فيها.

قال: فإن في كل قصة من هذه القصص حصن من الحصون.

قلت: هي أربعة حصون إذن.

قال: أجل.. العزلة، والزهد، والعلم، والسعي.

العزلة:

قلت: كيف كانت العزلة حصنا من الحصون؟

قال: بماذا تبدأ مشاهد قصة أصحاب الكهف في كتابكم؟

قلت: تبدأ بعرض فرارهم إلى الكهف هربا بدينهم، فقد قال تعالى:{ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} (الكهف:9 ـ 10)

قال: وهكذا يبدأ مشهد المعارضين لربوبيتي.. فإنهم أول ما يفعلون لجوؤهم إلى الجبل.. هربا مني.

قلت: أليس من الأجدى أن يواجهوك؟.. فإن العزلة سلاح لا ينفع إلا صاحبه.

قال: من يواجهون؟.. إنني كالموج العاتي لا طاقة لأحد بمواجهتي.

قلت: ولكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أن هناك من يواجهك، ويعترض عليك.

قال: أولئك القلة.. أولم تسمع بقتلي له.. لقد قتلته..

قلت: ولكن المسيح يجتمع مع الثلة المؤمن لقتالك..

قال: لا تعد لذكر هذا الاسم أمامي..

ثم سكت برهة، ثم قال: نعم.. ذلك الرجل هو الوحيد الذي يعرف سر تركيبي.. فلذلك.. فلذلك.. أهرب منه.

قلت: أتبقى المعارضة حينذلك مختفية في رؤوس الجبال؟

قال: لا.. حينذاك يخرج الكل لمواجهتي..

قلت: لم؟

قال: لقد أذن ربك للمستضعفين العاجزين بالفرار بدينهم.. فإذا ما وجدوا من القوة ما استطاعوا به تغيير ما حولهم خرجوا.

قلت: لقد ذكرتني بأحاديث وردت في هذا.. وهي ليست خاصة بعهدك.. بل هي تعم كل عصر تنبت فيه أشواك الفتن:

فقد روي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أي الناس أفضل يا رسول الله؟ قال 🙁 مؤمنٌ مجاهدٌ بنفسه وماله في سبيل الله) قال: ثم من؟ قال: ثم رجلٌ معتزلٌ في شعبٍ من الشعاب يعبد ربه)([42])، وفي روايةٍ 🙁 يتقي الله، ويدع الناس من شره)

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 من خير معاشٍ الناس لهم رجلٌ ممسكٌ عنان فرسه في سبيل الله، يطير ([43]) على متنه، كلما سمع هيعةً أو فزعةً([44])، طار عليه يبتغي القتل، أو الموت مظانه، أو رجلٌ في غنيمةٍ في رأس شعفةٍ([45]) من هذه الشعف، أو بطن وادٍ من هذه الأودية، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ليس من الناس إلا في خيرٍ)([46])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمٌ يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن)([47])

قال: فقد جمع نبيكم بين المواجهة والعزلة.. فمن ليس له سلاح ولا قوة.. فقوته وسلاحه في عزلته.

قلت: ولماذا لا يواجه بما أطاق؟.. ألم يأمرنا الله تعالى بالإعداد حسب الطاقة.

قال: سيقتل نفسه بذلك.. ولا ينتفع هو ولا ينتفع غيره بموته.

قلت: كيف لا ينتفع هو؟.. إنه سيموت شهيدا.

قال: وأفضل الشهداء من حرص على حياته، ليمضيها في سبيل غايته، ثم يجعل نهاية ذلك روحه يقدمها قربانا لربه في الوقت المناسب.

قلت: أراك تتكلم كالعارفين.. وأنت تسلك سلوك الدجالين.

صاح بقوة: أنا زعيمهم.

قلت: كيف تجمع بين الأمرين؟

قال: كما تجمعون أنتم.. ألستم تعزلون العلم عن العمل؟

قلت: نحن نفعل ذلك.

قال: فما الذي ساقكم إليه؟

قلت: شهوات غالبة.

قال: فقد اجتمع في نفسي من حب التسلط ما تفرق من شهواتكم جميعا.. لقد اجتمعت في كل أحلام اليهود.. بل كل أحلام الأمم التي لم ترض أن تعيش من غير أن تستحوذ على الكل..

الزهد:

قلت: عرفت الحصن الأول.. فما الثاني؟

قال: لولا الثاني لم يكن الأول.. وبالثاني قد لا تحتاج إلى الأول.

قلت: كيف احتاجت العزلة إلى الزهد؟

قال: الزهد هو أبو العزلة وأمها.. فالراغب يسعى بيديه وقدميه ليملأ الفراغ الذي يطلبه حرصه.. أما الزاهد، فيلجم أعناق رغباته، فتلجم بذلك قدماه.

قلت: فكيف يغني الزهد عن العزلة؟

قال: من ألجم نفسه بلجام الزهد لا تضره الخلطة، ولا يضره الاستبداد.. أرأيت الذي هو أعظم الشهداء عندكم؟

قلت: ما به؟

قال: لقد امتلأ زهدا، فلم تغره جنتي التي كان يتهافت الخلق فيها كما يتهافت الفراش.. بل لم يحرص على حياته التي يحرص عليها الجبناء.

قلت: ألهذا قدم ليواجهك؟

قال: أجل.. قدم بأسلحة لا طاقة لي بها.. فلذلك غلبني.

قلت: كلا.. لقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنك قتلته..

قال: نعم.. ولكني طمعت في اتباعه لي، فعدت فأحييته.. فأنا أحب أن يتبعني الأقوياء.

قلت: لقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فقال 🙁 وإن من فتنته؛ أن يسلط على نفسٍ واحدة فيقتلها.. وينشرها بالمنشار حتى تلقى شقين، ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا؛ فإني أبعثه الآن؛ ثم يزعم أن له رباً غيري. فيبعثه الله ويقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدو الله، أنت الدجال، والله؛ ما كنت قط أشد بصيرة بك مني اليوم)([48])

قال: هذه هي النفس الوحيدة التي سلطت عليها.. ومع ذلك عجزت عنها.

قلت: كيف عجزت عنها، وقد شققتها نصفين.

قال: ولكني عدت فأحييتها.. ثم عدت لأقتلها من جديد، فلم أقدر.

قلت: أجل.. لقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فقال مخبرا عن ذلك الرجل الصالح:( يقول حين يحيى: والله؛ ما كنت قط أشد بصيرة فيك مني الآن! قال: فيريد قتله الثانية، فلا يسلط عليه)([49])

وقد قال معمر معقبا على هذا الحديث 🙁 وبلغني أنه يجعل على حلقه صفيحة من نحاس. وبلغني أنه الخضر؛ الذي يقتله الدجال ثم يحييه)

ولكن مع ذلك.. فقد تخلصت منه أخيرا.

قال: لقد رميته في ناري.

قلت: فكيف تزعم أنه غلبك؟

قال: لأن ناري لم تكن إلا الجنة.. لقد فاز الزهاد بكل شيء حتى النار تحول لهم جنة.. لكن التسلط مع ذلك خير من الزهد.. التسلط هو الحياة.. ولا حياة بلا تسلط.. ولا ينجي من التسلط إلا الزهد.. أتدي لم أهرب من ذلك الرجل البغيض.

قلت: المسيح u!؟

قال: لا تعد ذكر اسمه.. إن جبلي يندك لذكره..

قلت: فكيف سلط عليك، وغلبك.. وأنت الذي تسلطت على كل شيء، وقهرت كل شيء؟

قال: إنه رجل امتلأ زهدا.. ولا ينجو من شباك شهواتي إلا الزهاد.

قلت: والراغبون؟

قال: سأسوقهم كما يسوق الرعاة أغنامهم.

قلت: ورجال الدين من الفقهاء والعلماء؟

قال: أما أهل السلاطين منهم، فما أسهل أن أجذبهم إلى صفي.. بل لا أصير دجالا حتى أجذبهم إلى صفي.. بل إن أول ما يفعله أي مستبد هو أن يبدأ بالعلماء.. أهل الشهوات منهم.. يسجنهم في أقفاص الذهب.. ألم تسمع خبر بلعم؟

قلت: بلى.. فقد قال تعالى فيه :{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (لأعراف:175 ـ 176)

قال: فقد كانت شهوات بلعم هي التي جرته إلى الانسلاخ من آيات ربه.

قلت: أجل.. هذا ما نص عليه القرآن الكريم.

قال: وهذا ما أطبقه أنا، ويطبقه كل مستبد.. أربط العلم بالشهوات والمناصب.. حتى يصبح العلم شبكة ليس لها من هم إلا الصيد.

قلت: وأهل العفاف من العلماء كيف تتعامل معهم؟

قال: يسجنون في الزنازن والكهوف.. فيموتون في ظلال الخمول.

قلت: ولكنهم سرعان ما ينبتون.

قال: لكل شيء نهاية.. وأنا لا تهمني النهاية.. فأنا أعلمها كما كان يعلمها حليفي إبليس.. فهل صده ذلك عن غوايته؟.. إن هناك أشياء كثيرة لا يمكنك أن تقاومها.. وأكبرها السلطة والسيطرة على الكل.. وأكبرها جميعا أن تصير إلها يخضع له الجميع.. يرجوه الجميع، كما يرهبه الجميع.

قلت: زعمت أن سورة الكهف تحوي الحصون التي تحمي منك.. فأين حصن الزهد فيها.

قال: أرى شغفك بالأرقام.. كم مرة وردت كلمة 🙁 زينة) في سورة الكهف؟

بادرت قائلا: ثلاثة.. أما أولها، فقوله تعالى:{ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} (الكهف:7)

وأما الثانية، فقوله تعالى:{ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} (الكهف:28)

وأما الثالثة، فقوله تعالى:{ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} (الكهف:46)

قال: فهذه آيات تفوح بروائح الزهد التي يستطيبها الصالحون.. ولا ينجون إلا بها.

قلت: لقد زعمت أن في قصص السورة ما يدل على الحصون، فأي قصة تدل على حصن الزهد؟

قال: اقرأ قصة صاحب الجنتين، لترى كيف يعتز المؤمن بإيمانه في وجه المال والجاه والزينة.. وكيف يقاوم بزهده دجل جاه صاحبه وزينته.

قلت: لقد ذكر ذلك القرآن الكريم بأبلغ عبارة، وأفصح إشارة، فقال:{ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً} (الكهف:32 ـ 43)

قال: فهذه الآيات تحوي حقائق الزهد التي تمتلئ بها كهوف الذين يمتلئون بغضا لي، ومعارضة لشهواتي.. ولن يكون لفلسفتي التي سأبثها في ذلك الزمان إلى معارضة ما ورد في هذه الآيات من حقائق الزهد.

قلت: إن لنا فلسفات كثيرة تحمل المعارضة لهذه الآيات.

قال: لن تكفيني.. سأستعملها.. ولكني لن أكتفي بها.. ألا تعلم أني الجامع الذي اجتمعت في كعبته كل قواميس الإغراء والوسوسة.

قلت: أتلك هي فتنتك؟

قال: تلك هي فتنتي الكبرى.. أما القتل الذي يمارسه المستبدون الصغار، فلا حاجة لي فيه.. وقد أخبركم نبيكم أني لن أسلط إلا على روح واحدة، ومع ذلك تغلبني، فلا أملك إلا أن أرمي بها في رياض الجنة.

قلت: إني لا أزال أعجب من كونك أعظم فتنة تشهدها البشرية، ومع ذلك لا تسفك دماء.. ومع ذلك لا تدوم طويلا.. حتى روي عن أبي عمرو الشيباني قال: كنت مع حذيفة بن اليمان في المسجد، إذ جاءه أعرابي يهرول حتى جثا بين يديه، فقال: أخرج الدجال؟ فقال حذيفة: أنا لما دون الدجال أخوف من الدجال، وما الدجال، إنما فتنته أربعون يوما([50]).

قال: أنا أعظم فتنة عرفها التاريخ.. لقد نص على ذلك كل الأنبياء.. وسر فتنتي هي علمي بطبائعكم معشر البشر.. لقد درستكم، ومحصتكم، فأتيتكم من أبوابكم.

العلم:

قلت: لقد ذكرت أن الحصن الثالث هو العلم.. مع أنك قد ذكرت أن أهل العلم هو أول من ينتصر لك.

قال: لا أريد علومكم.. العلم الذي يقهرني علم الخضر.

قلت: فذلك الرجل الوحيد الذي سلطت عليه هو الخضر إذن.. كما ذكر معمر.. ولكن من المحدثين من رفض ذلك ورده.

قال: إذا لقيت الخضر.. فاسأله.. فلا شأن لي بالأسماء.

قلت: وأنى لي أن ألقى الخضر.

قال: من وصل إلى الدجال، لن يعجز أن يصل إلى الخضر.

قلت: أراك تريد أن تفتنني، لولا نور السنة ما حاورتك.. فأنا أضعف شأنا من أن أفترى على الله كذبا.

قال: فدعك من البحث عن الخضر وابحث عن أسرار الخضر التي نال بها العلم اللدني.. فلن ينجو مني إلا أصحاب العلم اللدني.

قلت: ما الفرق بين علم من اتبعك، وأصحاب العلم اللدني؟

قال: لم يتبعني إلا من أوتي علوم قارون.. ألم يقل :{ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي } (القصص: 78)

قلت: فما الفرق بين علم قارون، وعلم الحضر؟

قال: علم قارون علم أوتي من لدنه.. من نفسه من مستنقعات نفسه وشهواتها، أما علم الخضر، فهو علم من ربه.. بدأه باسمه وختمه به.

قلت: لقد أمرنا الله تعالى بالقراءة باسمه، فقال تعالى:{ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (العلق:1)

قال: من قرأ هكذا نجا مني.. ومن قرأ بنفسه وقع في حبالي؟

قلت: لم؟

قال: لأني أكبر تجل لعالم النفس.. أنا الجنة التي تهفوا إليها النفوس.. أنا الطور الذي تتم فيه مناجاة النفوس مع رب النفوس.. أنا الكل.. أنا الكل..

راح يصرخ بها، إلى أن ملأني رعبا، ثم سكت قليلا كالمتفكر، ثم قال: تريد أن تبحث عن أسرار العلم اللدني.

قلت: لم تعد ما في نفسي.. فإن قومي يعتبرون العلم اللدني من الإلهام، وهم يخصون به نفرا جعلوهم وسائط بينهم وبين ربهم.

قال: أولئك أول من يسير في ركابي.. إنهم من عالم النفس.. ولن يجد أهل عالم النفس ملجأ غيري.

قلت: فما العلم اللدني إذن.

قال: ستعرف أسراره من أهله.

قلت: ولكنك تتحدث عنه الآن.

قال: لأن نبيكم اعتبره حصنا من الحصون التي يحتمى بها مني.

قلت: أين هذا؟

قال: ألم تر أن ذلك الرجل لم ينج من فتنتي إلا باطلاعه على حديث نبيكم.

قلت: بلى.. ولكن أجاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنك بلغت مبلغ التواتر، فكيف غفل عنها الناس.

قال: أنتم تميتون كل يوم علما جديدا.. تقتلونه وتجهزون عليه.. ويوشك أن يأتي يوم يهب فيه بعض محدثيكم ليخبركم بأن الدجال أسطورة..

قلت: فهل يصدقه الناس؟

قال: لن يقول هذا حتى يمتلئ الناس تعظيما له، وثقة فيه.

قلت: ولكن نفرا من قومي يغيرون على السنة، وهم أعلم بالرجال، وسيسهل عليهم إثبات إفك هذا الأفاك.

قال: لا.. لن يصعب عليهم ذلك.. فسيأتي من يرمي الكل.. وحينذاك سيبث للناس ما يجعلهم يجهلونني.. بل يتجاهلونني.. بل قد يورد لهم ما يبشرهم بمجيء الله.. إني أرى نفرا من قومك بدأوا يعدون لهذا.

قلت: صدقت.. فقد انتشر التشبيه انتشارا عجيبا.. فلا يحلو لأحدهم نص إلا إذا وصف لهم ربهم كما يصف الرجل منهم.

قال: فهؤلاء هم المقدمات التي تقدم لمجيئي.. إني لن آتي حتى ينتشر شوق شديد بين الخلق طلبا لي.. أنا لا أحب إلا الانتصار الأبيض.. الانتصار الذي يجعل الكل يركع، وهو يحن لأن يركع.

قلت: لقد ذكرتني بقوله صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 يخرج الدجال في خفّة من الدين، وإدبار من العلم)([51])

قال: فلذلك لن يحصن مني إلا العلم.

قلت: لقد ذكرتني.. لم لم تذكر في القرآن الكريم مع أنه قد ذكر ما هو دونك من الآيات.

قال: وذلك من فتنتي..

قلت: كيف ذلك؟

قال: إن أعظم ما يستدل به المحدثون الذين يمهدون لتقبل الناس لي هو عدم ذكري في كتابكم، سيعتبرون ذلك من أعظم دلائل أسطوريتي.

قلت: فلم لم تذكر؟

قال: إن كتابكم يحتقرني، كما يحتقر كل المستبدين.. إنه يعطيكم كل الأسلحة التي تواجهون بها كل المستبدين، ولكنه لا يهتم بأسمائهم، وتفاصيل أسمائهم..

قلت: كيف تكون رأس المستبدين، والناس يتبعونك طوعا.

قال: وهذا أعظم استبداد.. أن يقهرك الحاكم، ثم لا تجد لك من الخيارات إلا أن تتبعه، وتسير في ركبه.. هو يظهر بمظهر العادل، ولكنه في الحقيقة يحمل نفس أعظم مستبد.

قلت: لكأني تشير إلى حضارة قومي.

قال: أجل.. هي تنشر ما تسمونه بالديمقراطية التي تنطوي على أعظم دكتاتورية.. وتبشر بحكم الشعب.. وهي لا توصل إلى حكم الشعب إلا من تكبر على الشعب، وتعالى على الشعب.

قلت: ما هي القصة التي تشير إلى هذ الحصن من قصص سورة الكهف؟

قال: قصة موسى مع الخضر..

قلت: لقد كان الخضر ينظر إلى الحقائق التي تؤول إليها الأشياء.

قال: ولا ينجو مني إلا من نظر بهذه النظرة.. من يبصر في جنتي حر جهنم.. ويتنسم من نارى عطر الجنة.

قلت: لقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، فقال:( ومعه نهران- أنا أعلم بهما منه- نهر يقول: الجنة، ونهر يقول: النار، فمن أدخل الذي يسميه الجنة فهو النار، ومن أدخل الذي يسميه النار فهو الجنة)([52])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 وإنه معه جنة ونار، ونهر وماء، وجبل خبز، وإن جنته نار، وناره جنة)([53])

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 يخرج الدجال ومعه نهر ونار، فمن دخل نهره وجب وزره وحط أجره، ومن دخل ناره وجب أجره وحط وزره، ثم إنما هي قيام الساعة)([54])

السعي:

قلت: لقد ذكرت أن الحصن الرابع هو السعي.. مع أنك قد ذكرت ـ في نفس الوقت ـ أن أهل العزلة هم الذين ينجون من فتنتك.. فكيف يستقيم السعي مع العزلة.. وهل العزلة إلا قعود عن السعي؟

قال: لم تتم العزلة التي نجى بها الناجون مني إلا بالسعي.

قلت: كيف ذلك؟

قال: إن أولئك الذين حملوا لواء معارضتي ساروا في الناس يحثونهم على الهرب من فتني.. لقد سعوا سعيا دونه كل سعي.. لقد تحملوا في سبيل سعيهم كل بلاء، وضحوا بكل شيء.

قلت: ولماذا لم يسعوا مثل هذا السعي لقتلك وحربك؟

قال: ما أضعف عقلك.. من له طاقة بحربي، والشعب كله في صفي ممتلئ إخلاصا يفديني بنفسه وماله.. ألا تزعم شعوبكم أنها تفدي حاكمها؟

قلت: نسمع ذلك في المظاهرات والمسيرات.

قال: ذلك نفاق وزور.. أما أنا، فيخلصون لي.. يعبدونني عن طواعية، لذلك لا يخلص أحد إلي قبل أن تخلص إليه سيوف رعيتي.

قلت: ألرعيتك سيوف؟

قال: أجل.. سيوف لا كالسيوف التي تعرفونها.. إنها آخر تطور وصلت إليه صناعة الأسلحة.. ألم تسمع بحماري؟

قلت: سمعت، وعجبت، فقد ذكره صلى الله عليه وآله وسلم، فقال 🙁 وله حمار يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعاً)

قال: صدق نبيكم.. لكأنه قاسه بذراعه.

قلت: كيف يكون الحمار بهذا الشكل؟

قال: أنسيت أني أحمل جميع علوم البشر؟

قلت: وما علاقة علوم البشر بهذا؟

قال: أنسيت ما تتلاعبون به من الجينات؟

قلت: تقصد الهندسة الوراثية.

قال: أنتم لا زلتم تتعلمون حروف هذا النوع من الهندسة.

قلت: وأنت إلى ما وصلت؟

قال: إلى سر أسرارها.. بل إلى سر الحياة.. فلذلك أشكل ما أشاء.. ليصير ما أشاء.

قلت: فلم ترض لنفسك غير الحمار.

قال: إن القيمة التي يحتلها حماري في أذهان رعيتي لن تتخيلها.. ولن تستطيع أن تتخيلها.. إنك تحكم على العالم بعينك القاصرة، وبنفسك المسجونة.

قلت: ما هي القصة التي ترتبط بهذا الحصن من قصص سورة الكهف؟

قال: قصة ذي القرنين.. ألم يطف ذو القرنين العالم؟

قلت: بلى.. لقد ذكر الله تعالى ذلك، فقال :{ وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ( (الكهف:83 ـ 98)

قال: في كل كلمة من كلمات هذه الآيات شرط من شروط السعي، وميدان من ميادينه.. وكلها مارسها من عارضني.. فلذلك لم أمكث في الأرض إلا قليلا.

قلت: فعلمني علومها..

قال: ويلك.. أنسيت أني الدجال.. أنا لا أعلم إلا الدجل.

قلت: فقد ذكرت لي من العلوم ما نفعني..

قال: قد يصدق الكذوب..

قلت: فكيف صدقت؟

قال: لا أكتمك أن الصدق له لذة لا تعدلها لذة.. فلذلك لا أرى أجمل من الصدق عندما أجد له موضعا.

قلت: ما دام للصدق تلك اللذة، فلماذا تعدل عنه إلى الكذب والدجل؟

قال: لأن الكذب والدجل هو وسيلتي الوحيدة لتحقيق أكبر أمنية حملتها نفوس المستبدين.. وأنا أضحي بكل لذة من أجل تلك اللذة.. وأول ما أضحي به الصدق.. فلا دجال إلا وهو كاذب.. ولا مستبد إلا وهو كاذب.

قلت: ولكنه يكذب على نفسه.

قال: لو صدق مع نفسه لصدق مع الكل.. ألا تعلم أن النفس هي منبع الكل؟.. وأنا لا أنبع إلا من نفسي.


([1])  مسلم (8/197-198)، وأبو داود(2/213)

([2])  ابن خزيمة (ص32)، وقال الهيثمي (7/351): (رواه الطبراني، ورجاله ثقات؛ إلا أن شيخ الطبراني أحمد بن محمد بن نافع الطحان لم أعرفه). وقال الحافظ ابن كثير (1/138):(قال الذهبي: إسناده قوي)

([3]) رواه أحمد 13698.

([4]) رواه أبو داود 4320 ، وأحمد 22258.

([5]) رواه أبو داود 4324 ، وأحمد 9017 .

([6]) الإذاعة 136، وانظر الإذاعة 158.

([7])  المهدي وفقه أشراط الساعة 631.

([8])  الإشاعة 255.

([9])  كتابه المهدي وفقه أشراط الساعة 429.

([10])  انظر القاديانية لإحسان إلهي ظهير 164.

([11])  رواه البخاري 1882 ، ومسلم 2938 ، وأحمد 10925.

([12])  المهدي وفقه أشراط الساعة 695.

([13])  كما قال a 🙁 يقتل ابن مريم الدجال بباب لد ) رواه الترمذي (2245)، وابن حبان (1901)، والطيالسي (2/219)، وعبد الرزاق (20835)، وأحمد (3/420)، والداني (143/1 و2)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

([14])  رواه مسلم 2923.

([15])  رواه البخاري 3609 ، ومسلم 157 ، وأبو داود 4333 ، والترمذي 2218 ، وأحمد 7187.

([16])  رواه الترمذي 2219 ، وأبي داود 4252.

([17])  رواه أحمد 22849.

([18])  قال البرزنجي في بيان عدم صحة كون ابن صياد هو المسيح الدجال 🙁 وحاصله أن الأصح أن الدجال غير ابن صياد وإن شاركه ابن صياد في كونه أعور ومن اليهود، وأنه ساكن في يهودية أصبهان، إلى غير ذلك، وذلك لأن أحاديث ابن صياد كلها محتملة وحديث الجساسة نص، فيقدم ) انظر: الإشاعة 293.

([19])  لقد كثرت تخرصات كثير من المعاصرين الذين لم يحاولوا البحث في السنن، وراحوا يبحثون فيما يرضي الفضول الذي لا يفيد علما ولا سلوكا، بل يتجرؤون على الله، فيقسمون على صدق ما يدعونه من الجدل:

ومن ذلك ما كتبه محمد عيسى داود في كتابه ( احذروا ) ص59 متحدثا عن الأطباق الطائرة 🙁 وأقسم لكم بالله غير حانث أنهم من هذه الأرض، ومن أبنائها، ولكنهم رجال المسيخ الدجال، وتلك الأطباق من اختراعه الذي سبق به زماننا بقرون )

ومن ذلك ما كتبه أمين محمد جمال الدين في كتابه هرمجدون ص48:( لقد كنت حريصا ألا أتورط في تنزيل الأحاديث على الواقع، ليس لعدم جواز ذلك، كلا، فإنه جائز، بل يجوز الحلف بالله على غلبة الظن، وإنما منعا للجدل وتحرزا عن الدخول في متاهات المشغبين ممن لم تتسع دائرة علمهم ولم ترسخ بعد في العلم أقدامهم، ولكن هيهات هيهات.

أما الآن، وبعد أن أصبح الناس كلهم أو جلهم يتوقعون حروبا وملاحم تتجمع أسبابها وتتسارع وتيرتها، وتكاد تدق الأبواب، فإنني لا أجد غضاضة ولا حرجا في ذكر ما أعلم وتنزيل الأحاديث على الواقع، بل أستطيع أن أقسم على ذلك، ولا أظن أن أحدا الآن يجرؤ على خلع برقع الحياء، فيجادل أو يشغب إلا من أراد أن يشتهر أو يتكسب، فإن الأمر قد جد جده، ولم يعد هناك وقت للتهريج )

ويقول في ص7 🙁 أستطيع أن أحلف ولا أستثني أن ملاحم آخر الزمان، والتي تبدأ بالحرب العالمية الثالثة والأخيرة قد كشرت عن أنيابها، وشمرت عن ساعديها، وكشفت عن ساقيها )

ويقول في ص119 🙁 أحلف ولا أستثني أن أولى الجولات بدأت بالفعل )

ويقول الدسوقي في كتابه القيامة الصغرى على الأبواب ص247 🙁 فإذا ثبت لنا بما لا يدع مجالا للشك أن هذا الحدث هو معركة الكويت التي هي الحرب العالمية الثالثة، فإننا الآن نكون يقينا في انتظار الزلزال العظيم الذي هو علة الخسوف الثلاثة التي هي الآيات الثلاث الأولى من الآيات العشر )

والحمد لله ، فمثل هذا لم يصدر إلا عن صحفايين راحوا يملون كل خاطر تمليه عليهم الشياطين، وكمثل على ذلك السبق الصحفي الذي غر رجلا مثل محمد عيسى داود ليقول في بعض الجرائد 🙁 لم يعرف العالم كله بفضل الله كاتبا أو مفكرا قال بنظرية وجود المسيخ الدجال في مثلث برمودة، وأنه صاحب الأطباق الطائرة سوى الكاتب الصحفي محمد عيسى داود… ) ثم يقول 🙁 ومعلوم للقاصي والداني أنني بصفتي الكاتب محمد عيسى داود عضو نقابة الصحفيين، والمستشار الإعلامي لمؤسسة أمل الإعلامية، الصاحب الأوحد لفكرة أن المسيخ الدجال هو مخترع الأطباق الطائرة، وأن له قلعة بمثلث برمودة، ولا يوجد كاتب في كل الدنيا قال بذلك غيري، وقد تعدى “فلان…” بسرقة نتائج أبحاثي، وانتحلها لنفسه، وذلك ثابت بكتابين له تم إبلاغ النيابة عنهما، وهي التي قامت بتحريك الدعوى ضده بتهمة السرقة الفكرية… ) … ثم يقول 🙁 يكفيني فخرا مئات بل آلاف القراء الذين يؤازرونني لعلمهم بالحقيقة، ويكفيني فخرا شهادة الدكتور… فلان، الذي شهد لي بأنني رائد هذا المجال، وصاحب الفكرة، ومن عداي عالة علي من الهواة والمقلدين )

ويقول في كتابه المفاجأة ص9 🙁 اللهم تقبل عملي هذا، واجعلني اللهم من كتبته في لوحك المحفوظ أول رجل في أمة سيدنا محمد a يمهد للمهدي سلطانه، كما تفضلت علي من قبل وجعلتني أول رجل في الكرة الأرضية يكشف أن المسيخ الدجال له قلعة في برمودة، وأنه صاحب الأطباق الطائرة، وأنه السامري، وأنه صاحب الختم على العملة الأمريكية بشعاره هو، لا الماسونية، وأنه هو الذي صاغ برتوكولات شيوخ صهيون، وأنه صاحب الوجه الآخر للمؤامرة على البشرية، فاجعلني اللهم أول من يبني منبرا للمهدي في مصر والعالم الإسلامي، والكرة الأرضية، ويهيئ العقول للخير القادم، حاملا سنبلة خضراء يتضاعف عطاؤها رزقا واسعا لكل أبناء آدم، وفي اليد الأخرى سيف ليقطع عنق الشر والأشرار، اللهم وكما جعلت كتبي وأفكاري رزقا واسعا للكثيرين في كل مسارات أرضك، فسلط اللهم سيف انتقامك على من يسرق فكري، أو يحاول تعطيل مسيرتي بأي كيد وضيع وضاعة أهل الكيد والسرقة والشر والكذب )

ونحن لا نعجب من نطق هذا بمثل هذا ، ولكن نعجب في أمة تنشر مثل هذا ، وتقرؤه، ثم لا تحاكم صاحبه … بينما تحاكم المخلصين الصادقين أصحاب الفكر النير.

([20])  مسلم (8/205)، وأحمد (6/413 و418)، وأبو داود (2/214)

([21])  د. أحمد مجدي حجازي : العولمة وآليات التهميش في الثقافة العربية ص 3 ، وهو  بحث ألقي في المؤتمر العلمي الرابع (الثقافة العربية في القرن القادم بين العولمة والخصوصية)  المنعقد بجامعة فيلادلفيا في الأردن في مايو 1998م .

([22])  البخاري (13/85)، ومسلم (8/195)، وأبو داود (2/213)، والترمذي (2246) وصححه، وأحمد (3/103.

([23])  مسلم (8/193)، وعبد الرزاق في المصنف (20820)، والترمذي (2236) وصححه، وأحمد (5/433.

([24])  وكمثال على ذلك شعار بيبسي ، فقد ذكر بعضهم أنه يشير إلي اختصار للكلمات التالية:Pay Every Panny To Save Israil وتعني ادفع كل قرش لكي تنقذ إسرائيل.

([25])  مسلم (8/200)، وابن منده (95/1.

([26])  هشام كمال عبد الحميد في كتابه اقترب خروج المسيخ الدجال ص29.

([27])  البخاري (1/466)، ومسلم (8/206-207)، وأحمد (3/191 و206 و238 و292)

وقد ورد في حديث آخر عدم دخوله أربع مساجد، قال a 🙁 وإنه يلبث فيكم أربعين صباحاً يرد فيها كل منهل؛ إلا أربع مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، والطور، ومسجد الأقصى، وإن شكل عليكم أو شبه؛ فإن الله عز وجل ليس بأعور ) رواه أحمد (5/434و435)

([28])  أحمد (4/338)، والحاكم (4/427 و543) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.

([29])  أحمد (3/292)

([30])  أحمد (2/67)

([31])  مسلم (8/197-198)، وأبو داود(2/213)

([32])  البخاري (13/85)، ومسلم (8/195)

([33])  عبد بن حميد (118/2)، وابن عساكر (1/610-611)، والحاكم (4/537-539)

([34])  البخاري (6/286)، ومسلم (8/196)

([35])  مسلم (8/197-198)، وأبو داود (2/213)

([36])  مسلم (8/200)، وابن منده (95/1)

([37])  رواه الطبراني.

([38])  عبد الرزاق(20834)

([39])  المختارة برقم (430)

([40])  أحمد ومسلم والترمذي.

([41])  ابن ماجة وابن خزيمة ، والحاكم والضياء.

([42])  البخاري ومسلم.

([43])  أي يسرع.

([44])  الهيعة: الصوت للحرب. والفزعة: نحوه.

([45])  الشعفة بفتح الشين والعين: هي أعلى الجبل.

([46])  مسلم.

([47])  البخاري.

([48])  حديث واثلة السابق.

([49])  عبد الرزاق (20824)

([50])  نعيم بن حماد في الفتن برقم 1551 قال المحقق: (إسناده قوي).

([51])  أحمد (3/367-368)

([52])  أحمد (3/367-368) وابن خزيمة في (التوحيد) (ص31-32)، والحاكم (4/530)

([53])  أحمد (5/434و435)، وحنبل (54/2-55/2).

([54])  أحمد وأبو داود والحاكم.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *