الحمير

الحمير

اعذروني على هذه التسمية، فلم أكن لأتجرأ عليها لولا أنها تمثل لقبا قرآنيا لصنف من الناس يحمل الأسفار، ولا يعيها، ويحمل العلوم، ولا يفكر فيها.

وأعتذر للحمير بعد أن أعتذر لكم.. فالحمير خلقها الله كذلك، وهي راضية بذلك، وتسبح الله وتحمده، وتنفذ ما أمرت به بدقة.. وهي لم تتلطخ بما تلطخت به الحمير البشرية الذين جعلوا من ظهورهم مطايا لكل الطغاة والمجرمين ليركبوهم، ويحولوا منهم أدوات لتنفيذ جميع مخططاتهم الشيطانية.

لا طاقة لي أن أحدثكم عن جميع الحمير الذي عرفتهم، فهم من الكثرة بحيث نحتاج إلى أسفار كثيرة للتعريف بهم.. ولهذا سأكتفي هنا بأحدهم، ويمكنكم أن تقيسوا عليه الباقي.

إنه رجل نال شهادة عالية في العلوم الدينية في جامعة من الجامعات الكبرى، وقد نال مع الشهادة بفضل ذكائه وحدة ذهنه الكثير من التزكيات التي خولت له أن يتولى التدريس والخطابة واعتلاء المنابر الكثيرة والحضور للمؤتمرات الحافلة ورئاسة الكثير من الجمعيات والمؤسسات والمنظمات.. وكان فرحا بذلك كله إلى درجة الثمالة.

وقد نال بسبب قدرته الفائقة على الاستحمار رضى الكثير من المنظمات العالمية المختلفة، وخصوصا منظمة الأيباك الصهيونية التي ضمته شرفيا إلى أعضائها المخفيين مع كونه مسلما ورث الإسلام عن آبائه لمئات السنين.. وقد أخفت اسمه ولم تعلن عنه حرصا على حياته، فحياته أهم عندها من رئيس الأيباك نفسه.

وممن سجلوا إعجابهم به – على حسب ما علمت من مصادر موثوقة- وزيرة الخارجية الأميركية السابقة (كونداليزا رايس)، وذلك في حديث صحفي لها مع جريدة (واشنطن بوست الأميركية)، وقد أخبرت حينها عن مشروعها في نشر الديمقراطية بالعالم العربي والبدأ بتشكيل مايُعرف بـ (الشرق الأوسط الجديد)، عبر نشر (الفوضى الخلاقة)

وعندما سئلت عن كيفية تحقيق ذلك، أخرجت صورة لهذا العلامة الكبير، وهمست للصحفي في أذنه، بأن صاحب الصورة هو الذي يقوم بذلك، وقد طلبت منه أن يحلف بالأيمان المغلظة على ألا ينشر ذلك.. لكنه نشره بعد ذلك سرا مقابل بعض المبالغ المغرية.. أما الأيمان المغلظة فقد أفتاه للتخص منها بعض السبتيين الذين أتقنوا فن التحايل على الشريعة والعبث بها.. وما أكثرهم.

طبعا لم ينل إعجاب هذين فقط.. بل نال إعجاب الكثير.. ولكنهم جميعا لم يصرحوا بذلك.. بل ربما صرحوا بعكسه، لأنه لا يمكن أن يفطن الناس إلى أن الذين يشاهدونه على كل القنوات، ويسبحون بحمده كل حين ليس سوى حمار من أحمرة الاستكبار العالمي.. وأنه لم يمكن كل ذلك التمكين إلا ليؤدي وظيفته في نشر الفوضى بكل أنواعها.

لا أخفي عليكم أني كنت أستمع إلى نهيقه كل حين..

في البداية نهق لأجل خراب ليبيا.. وكان يحرض الذين يخربون بيوتهم بأيديهم بكل صنوف التحريض، وكان يعدهم بالجنة وما فيها من أنواع النعيم.. ويعد إخوانهم في الدين واللغة والوطن بالعذاب الدائم الذي لا ينتهي..

وبعدما خربت ليبيا.. راح يبحث عن مواطن أخرى.. فوجد سوريا أرضا خصبة لنهيقة.. فراح ينهق ويحرض جميع حمير العالم على أن يأتوا لسوريا، ويقوموا بإبادة كل من لا يزال يحتفظ بإنسانيته.

وهكذا هو في جميع القنوات والمنابر لا هم له إلا النهيق، وتحويل كل من يدمن على الاستماع لنهيقه إلى حمار لا يختلف عن الحمار العادي إلا في لباسه.. فالحمار العادي يرتدي بردعة.. والحمار الإنساني يلبس بذلة أو قميصا..

لست أدري كيف أتاح الله لي فرصة التعرف عليه عن كثب، بل الاستماع إلى حوار له مع صديق من أصدقائه الذين رافقوه في مرحلة الدراسة.. وقد كان صديقه هذا بسيطا متواضعا، لا يملك من الدنيا شيئا.. ولكنه كان مؤمنا ممتلئا تقوى وصلاحا.. وكان في إمكانه لو خضع لعملية بسيطة يتحول بموجبها إلى حمار لتخلص من كل ذلك البؤس الذي يعانيه.. لكنه لم يفعل.. ورضي أن يكون إنسانا فقيرا، بدل أن يكون حمارا غنيا.

عند سماحي للحوار الذي دار بينهما عرفت معنى قوله تعالى: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5]، وسأترك لكم الفرصة لتعرفوا معناها بأنفسكم من دون تدخل مني.

قال له صاحبه، وهو يحاوره في بعض خطبه وفتاواه حول اليمن ودعوته إلى خرابها: مهلا.. أخي.. فأنت قد من الله عليك بكل هذه الامتيازات، وقد آتاك الله كل ما كنت تحلم به.. لكن لا يحق لك أن تسخر نعم الله في سخطه، وأن تتخذ ما آتاك الله من علم ومعرفة مطية لخدمة الطغاة والظلمة. 

غضب (..؟)، وقال: من أنت حتى تحدد الظغاة والظلمة.. إن تحقيق المناط علم من علوم الشريعة الكبرى لا يحق لأحد أن يتحدث فيه إلا إذا قرأ (البرهان) للجويني.. و(المستصفى) للغزالي.. و(المحصول) للرازي.. و(الإحكام) للآمدي.. و(اللمع وشرحه والتبصرة) للشيرازي.. و(قواطع الأدلة) لابن السمعاني.. و(المنهاج) للقاضي البيضاوي.. وشروحه مثل نهاية السول للإسنوي.. والإبهاج للتقي السبكي وأكمله ابنه تاج الدين.. وكتاب (الورقات) لإمام الحرمين الجويني، وشروحه كشرح المحلي وشرحي العبادي على شرح المحلي.. وأوسع شروحه وأجمعها شرح المرابط الدلائي المسمى (المعارج المرتقاة إلى معاني الورقات) الذي حقق مؤخرا في رسالة ماجستير بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.. وكل هذه الكتب في مكتبتي وقد قرأتها من صغري الباكر، وكنت أحملها دوما على ظهري.

قال له صاحبه: أنت تعرف أني لم أقرأ ذلك كله.. وأنت تعلم أني مع كوني تشرفت بزمالتك في المراحل الأولى من الدراسة إلا أن ظروفي لم تسمح لي بإكمالها.. ولكن الذي حدثتك عنه لا علاقة له بكل تلك الكتب.. إنه واضح وضوحا جليا.. إن الأمراء والملوك الذين تدافع عنهم يرمون بنيران غضبهم وحزمهم وجبروتهم على قرى المستضعفين، فيحولونها خرابا.. أترضى أن يكون أولئك الفقراء خصومك يوم القيامة؟

قال (..؟): هذه الأمور لا تفهمها.. ولا يمكنك أبدا أن تفهمها.. وعقلك أقل من أن يفهمها.. وحتى تفهمها تحتاج إلى قراءة كل ما كتبه الباحثون المحققون حول الرافضة وخطرها على العالم الإسلامي، بل على العالم كله، ومنها كتاب (تبصرة الموحدين بخيانات ومخططات الشيعة على الإسلام والمسلمين) لمراد سلامة.. وكتاب (إيران الخفية) لراي تقية.. وكتاب (أصول الديانة اليهودية وفروعها ودورها في تكوين عقائد الرافصة) للدكتور سعد المبارك الحسن محمد.. وكتاب (تبديد الظلام وتنبيه النيام إلى خطر التشيع على المسلمين والإسلام) لإبراهيم سليمان الجبهان.. وكتاب (سل السنان في الذب عن معاوية بن أبي سفيان) للشيخ سعد ضيدان السبيعي.. وكتاب (حزب الله الرافضي تاريخ أسود وافتراءات) للدكتور سيد بن حسين العفاني.. وغيرها من الكتب.

قال له صاحبه: إن هذه الكتب جميعا تدعو إلى الطائفية والتفريق بين المسلمين، والله تعالى نهانا عن ذلك، فقال: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159]، وقال: { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]

قال (..؟): هذه الآية لن تفهمها بسهولة.. وحتى تفهمها تحتاج إلى قراءة ما كتب في كل أسفار التفسير مثل كتاب (جامع البيان عن تأويل القرآن) لابن جرير الطبري.. وكتاب (بحر العلوم) لأبي الليث نصر بن محمد السمرقندي.. وكتاب (معالم التنزيل) لأبي محمد الحسن بن مسعود البغوي.. وكتاب (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) لأبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية.. وكتاب (تفسير القرآن العظيم) لأبي الفداء إسماعيل بن عمر ابن كثير.. وكتاب (الجواهر الحسان في تفسير القرآن) لأبي زيد عبد الرحمن بن محمد الثعالبي.. وكتاب (الدر المنتور في التفسير بالمأثور) للحافظ جلال الدين بن أبي بكر عبد الرحمن السيوطي.. وكتاب (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) للشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي.. وغيرها كثير.

قال له صاحبه: لكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حذرنا من الفتن، ومن سفك الدماء، وقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( بين يدي الساعة الهرج )، قالوا: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال: ( القتل )، قالوا: أكثر مما نقتل، إنا لنقتل في العام الواحد أكثر من كذا ألفا؟ قال: ( إنه ليس بقتلكم المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضا )، قالوا: ومعنا يومئذ عقولنا؟ قال: ( إنه ينتزع عقول أكثر ذلك الزمان، ويخلف له هباء([1])من الناس، يحسب أكثرهم أنه على شيء، وليسوا على شيء) ([2])

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم:( والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قتل،  فقيل: كيف يكون ذلك؟ فقال:( الهرج القاتل والمقتول في النار )([3]

بدا الغضب على وجه (..؟)، وقال: لن تفهم هذه الأحاديث بسهولة.. ولتفهمها تحتاج إلى قراءة كل ما كتب في شروح الحديث مثل كتاب (إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ) لابن دقيق العبد.. وكتاب (سبل السلام شرح بلوغ المرام) للصنعاني.. وكتاب (نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار) للقاضي محمد بن علي الشوكاني.. وكتاب (جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم) لابن رجب.. وكتاب (غريب الحديث) لأبي عبيد.. وكتاب (النهاية في غريب الحديث والأثر) لابن الأثير.. وكتاب (الفائق في غريب الحديث) للزمخشري.. وكتاب (الكواكب الدرارى في شرح صحيح البخاري) لشمس الدين محمد بن يوسف بن علي بن سعيد الكرماني.. وغيرها من الكتب والأسفار.

بقي الصاحبان يتحدثان مدة.. أولهما أو الإنسان فيهما يذكر بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.. ويخوف من الفتن وأسبابها وآثارها.. والثاني فيهما، أو الحمار منهما، يعدد أسماء الأسفار التي يحملها، والتي غفل بها عن جميع قوى الشر العالمي التي تستثمر فيه وفي بردعته.


([1])    الهباء في الأصل: ما ارْتَفع من تَحْت سَنابِك الخَيْل، والشَّيءُ المُنْبَثُّ الَّذي تَراه في ضَوْء الشمسِ.

([2])    رواه البيهقي في الدلائل.

([3])    رواه أحمد.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *