ابن تيمية.. وأعداؤه

ابن تيمية.. وأعداؤه

في اليوم الخامس عشر وقبل أن أخرج إلى صاحبي الوهابي سمعت صياحا كثيرا في حارتنا، فخرجت لأستطلع ما يحدث، فوجدت الكثير من الشيوخ والشباب يقيمون تأبينا لرجل نفذ فيه الإعدام ذلك اليوم، وعندما سألت عنه عرفت أنه ينتمي لتنظيم القاعدة، وأنه سافر إلى محال كثيرة من الأرض قبل أن يمسك به، وأنه في كل محل سافر إليه ترك خلفه دمارا ودماء وآلاما.

لكن المؤبنين غفلوا عن كل ذلك، وراحوا يشيدون بشجاعته وهو يتقدم إلى المقصلة، ثم كيف يخاطب جلاديه بلغته القوية، وكيف أنه في ذلك الموقف الشديد تذكر كلمات ابن تيمية التي قال فيها: (ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة)

كان الخطباء يتداولون على المنصة، يذكرون أمجاد الرجل وآثاره، ولا يضمنون له الجنة فقط، بل يضمنون له معها الفردوس الأعلى في صحبه ابن تيمية وابن عبد الوهاب وأصحابهما.

لست أدري كيف سقطت دمعة من عيني في ذلك الموقف المؤثر الذي اختلطت فيه أصوات الخطباء بتكبيرات الحاضرين..

تركتهم، وانصرفت إلى البيت، وأنا محتار في سر الدمعة التي سقطت من عيني مع أني أعلم جيدا المآسي الكثيرة التي خلفها ذلك الرجل على الحياة والأحياء.

عندما دخلت على صاحبي الوهابي نظر إلى عيني، وقال: هل قام القوم بتأبين ابن تيمية؟

قلت: ما بالك يا رجل.. ابن تيمية أبن منذ مئات السنين..

قال: فمن أبن إذن هذا اليوم؟

قلت: رجل من حارتنا سار إلى بلاد كثيرة، وقد قبض عليه في بعضها، وأودع السجن فترة من الزمن، ثم حكم عليه بالإعدام، ثم أعدم هذا اليوم؟

قال: وقد قام أهل حارتكم بتأبينه والحزن عليه، وضمان الجنة له.

قلت: لعل هذا نابع من وفائهم.

قال: بل هو نابع من غبائهم وغفلتهم وحمقهم؟

قلت: ماذا اتقصد؟

قال: إنه نابع من الناحية التي يؤتى منها الطيبون المغفلون البلهاء الذين يغلبون عواطفهم على عقولهم.

قلت: لست أدري هل أراك تذمهم، أم أراك تمدحهم؟

قال: لا أنا أمدحهم، ولا أنا أذمهم.. ولكني أصف واقعا.. والواصف لا مادح ولا ذام؟

قلت: أي واقع.. وما علاقته بالرجل.. وما علاقة كل ذلك بابن تيمية؟

قال: الواقع هو نفسك.. ونفوس الآلاف والملايين.. بل نفسي قبل أن تتنزل عليها أنوار الهداية فتمسخ عنها ظلمات العاطفة الباردة، والحزن الكاذب.

قلت: سلمت لك، وإن كنت لم أفهم.. فما علاقة نفسي ونفوس الآلاف والملايين ونفسك قبل التوبة بهذا الرجل المسكين؟

قال: ألم تعلم لم سجن الرجل الذي سافر إلى بلاد كثيرة.. ولم حكم عليه بالإعدام؟

قلت: لقد قيل إنه من القاعدة.. وهي كما تعلم لا يعرف أعضاؤها قيمة للحدود الجغرافية.

قال: فما الذي خلف في كل بلاد نزل فيها؟

قلت: ما تخلفه القاعدة عادة.. دمار ودماء ليس غير؟

قال: فقد صدقت فراستي إذن عندما ذكرت لك أن المؤبن هو ابن تيمية.. فشيخ القاعدة وملهمها ومفتيها هو ابن تيمية.

قلت: إن شئت الصدق، فقد كان لهذا الشاب تعلق كبير بابن تيمية حتى أنه عندما سيق إلى منصة الإعدام نسي أن ينطق الشهادة، ونطق بدلها بكلمة ابن تيمية التي يحفظها الجميع (ما يصنع أعدائي بي)

قال: لقد سمعت هذه العبارة كثيرا عندما كنت في سجون الوهابية.. لقد كانوا يضعونها مع كل حزام ناسف، ومع كل قنبلة موقوتة، ومع كل هدم يمارسونه.. لقد كانوا يقتلون الحياة ويدمرون ما أمر الله به أن يبنى، فإذا ما قبض على أحدهم فسجن أو اعتقل تراهم جميعا يحزنون على سجنه، ويبكون على اعتقاله، فإذا ما أعدم خطبوا الخطب المطولة في وصف شجاعته وشهادته متناسين ما فعله بالحياة وبالإنسان.

قلت: لا أكتمك أن الخطباء عندنا يذكرون كثيرا المآسي والمحن التي تعرض لها ابن تيمية.. بل يعتبرونها أهم دلائل صدقه وإخلاصه ومواقفه البطولية.. بل إنهم يعتبرونه فوق ذلك شهيدا لأنه استطاع أن يواجه خصومه بتلك العبارة الشهيرة التي صارت شعارا للكثير.. ولهذا تجد أكثر الناس لا يعرفون من ابن تيمية إلا أنه سجن ومات في سجنه.. بل إن بعضهم يبالغ فيذكر أنه في سجنه صعق بالكهرباء وعذب بأشياء كثيرة لم يكن يعرفها أهل ذلك الزمان.

قال: قال: فهل كان صاحبك هذا يعرف مقالات ابن تيمية؟

قلت: لم يكن يعرف مقالاته.. ولكنه كان يعرف أعداءه.. وكان يحصيهم كل حين واحدا واحدا، ويتوعد بالانتقام منهم إن لاحت له أي فرصة.

قال: فمن كان أعداؤه؟

قلت: لقد كان يذكر أنهم: علماء الفقه والعقائد والعلوم التجريبية بالإضافة إلى الشيعة والصوفية والقبورية وغيرهم ممن لا تحضرني أوصافهم.

قال: فهل بقي هؤلاء الأعداء أم أن التاريخ ذهب بهم؟

قلت: لقد كان ذلك الشاب يردد دائما بأن باله لن يهدأ حتى ينتقم من جميع أعداء ابن تيمية.. وذلك يدل على أنهم لا يزالون يسرحون ويمرحون.

قال: ما دمت قد ذكرت ذلك، فسأذكر لك حادثة لتعلم منها سرا من أسرار الإرهاب الوهابي.. وهي حادثة حصلت لي، وكانت سببا من أسباب تغلب عقلي على عاطفتي، وحقيقتي على وهمي.

لقد أدركت من تلك الحادثة أنه منذ أخرج ابن عبد الوهاب عفريت ابن تيمية من قمقمه ومآساته تستنزل دموع الملايين.. إن أصدقاء ابن تيمية من الوهابية والإخوان وغيرهم من الحركات السلفية تذكر أن ابن تيمية عودي ولا يذكرون أبدا أنه عادى.. ويذكرون أنه سجن، ولا يذكرون أبدا تلك الأرواح الطيبة التي سجنها في أفكاره الخبيثة التي تفوح منها روائح الشياطين.

في ذلك اليوم الذي قررت مع نفر من أصدقائي، وبوحي من صديق غريب من أصدقائنا، كان ممتلئا نورا وحكمة وأدبا أن نؤسس جمعية نطلق عليها (جمعية أصدقاء ابن تيمية)، وقد كان الهدف منها كما ذكر لنا صديقنا الحكيم أن نبحث في ابن تيمية بحثا علميا وموضوعيا لنخرج صورته الحقيقية للناس، قال لنا حينها: هلم بنا أيها الأصدقاء ندافع عن ابن تيمية بالعلم لا بالعاطفة.. دعنا من مقولته (إن جنتي وبستاني في صدري)، ودعنا من مقولاته الكثيرة التي يعرفها الناس جميعا، وهلم بنا نبحث عن الجديد في تراث هذا الرجل الذي شغل الأجيال.

قلنا: فما تقترح علينا؟

قال: أقترح عليكم أن نؤسس جمعية تبحث من خلال كلماته وتصريحاته عن حقيقته.. ودعنا نستمع لأعدائه، لنرى سر عداوتهم له.. لماذا نصم آذاننا عنهم.. ولماذا نحتقرهم ونكفرهم.. نحن نعلم أن ابن تيمية بشر، وأنه قد يكون صدر منه ما ألب أعداءه عليه.. فهلم بنا نبحث عن هؤلاء، وهلم بنا نخرج ما في صدورهم عنه.

لم نجد – نحن النفر القليل – إلا أن نقبل ذلك، وقد استعملنا ما أتاح الله لنا من طاقات لنجمع جمعا حضر فيه كل من ينتقد ابن تيمية أو يعاديه أو يحمل له ولو بذرة من بذور الإنكار..

وقد كان الجمع على خلاف ما توهمنا كثيرا جدا، حتى أننا لم نجد من السعة ما نؤدي به حق ضيافته.. لكنهم رضوا بدل إطعامنا بأن نشرح صدورنا لهم، ونفتح أسماعنا لحديثهم.

وسأقص عليك بعض ما جرى من حديث عساك تنتفع به.

الصوفية:

كان أول المتحدثين رجلا تبدو عليه علامات الصلاح والزهد والتواضع، وتلوح على وجهه سمات الحكماء والعارفين، كان اسمه ابن عطاء الله، نظر إلينا وسلم علينا جميعا بسلام ممتلئ بالمحبة والأخوة، ثم قال: نحن – الصوفية – لا نحمل حقدا على أحدا، لأنا لا نرى إلا الله، ولا نبحث إلا عن الله، ولا نسير إلا إلى الله.. والله هو المحبة وهو السلام وهو الرحمة التي لا يحدها شيء.. لقد قال لي شيخي، وهو يؤدبني:..

قام رجل منا مغضبا، وقال: دعنا من شيخك.. وحدثنا عن سر عداوتكم لابن تيمية؟

نظر الشيخ إليه بهدوء، وقال: ابن تيمية هو الذي عادانا.. وهو الذي أعلن حربه علينا.. هو الذي ذهب إلى تلك المعاني العرفانية السامية التي اتفق عليها جميع صالحي البشرية، فاعتبرها إلحادا واتحادا وحلولا ومروقا، واعتبر أصحابها من الأولياء ملاحدة وأفاكين ومارقين ومحاربين للرسل صلوات الله وسلامه عليهم.

وذلك لأن نظرته قاصرة لله، فهي مبنية على التجسيم والتحديد والحصر، وكأن الله – عنده –  ليس سوى جرم من الأجرام السماوية الضخمة.

بل إن نظرته تلك هي التي جعلته لا يفهم – أولا – ما نقصده من المعاني السامية، وجعلته – ثانيا- يحكم علينا وعلى معارفنا وعارفينا، وأنتم تعلمون أن الناس أعداء لما جهلوا.

قال التيمي: كيف تتجرأ على اتهام ابن تيمية بالجهل، وهو الذي جمعت له كل أصناف العلوم يأخذ منها ما يشاء، ويدع ما يشاء.

قال الصوفي: عجبا لكم يا عباد ابن تيمية، ألستم تذكرون أنه سافر كثيرا، وجاهد كثيرا، وتنقل بين الناس آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر كثيرا؟

قال التيمي: بلى.. وفوق ذلك سجن كثيرا إلى أن وافاه الأجل في سجنه.

قال الصوفي: فكيف يتسنى له أن يدرس جميع كتب الفلاسفة والحكماء والصوفية والفقهاء والمحدثين والمسيحيين واليهود وجميع الطوائف، وكل علم من هذه العلوم تستهلك أعمارا.

قال التيمي: أنت لا تعرف شيخ الإسلام، لهذا تقول هذا الكلام.. لقد ذكر المؤرخون له أن تنصب للفتوى، وهو ابن سبع عشرة سنة، وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت، ولهذا كثرت مؤلفاته وبورك له فيها.

قال الصوفي: فمن فتاوى ابن تيمية إذن فتاواه وهو ابن سبع عشرة سنة؟

قال التيمي: أجل.. بل إن من كتبه ما كتبه في ذلك السن.. وهو من فضل الله الذي يؤتيه من يشاء..

قال الصوفي: ألا تعرف أن الغزالي مع اهتمامه بالعلوم العقلية وتدريسه لها، عندما أراد أن يضع فتواه في الفلسفة احتاج إلى سنتين كاملتين لدراستها متفرغا تاما، ومع ذلك يقر بأنه لم يحصها، بل لم يتطرق إلا إلى مدرسة من مدارسها.. يقول في ذلك: (فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه والإطلاع على كنهه رمى في عماية، فشمرت عن ساق الجد، في تحصيل ذلك العلم من الكتب، بمجرد المطالعة من غير استعانة بأستاذ، وأقبلت على ذلك في أوقات فراغي من التصنيف والتدريس في العلوم الشرعية، وأنا ممنو بالتدريس والإفادة لثلاثمائة نفر من الطلبة ببغداد، فأطلعني الله سبحانه وتعالى بمجرد المطالعة في هذه الأوقات المختلسة، على منتهى علومهم في أقل من سنتين. ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريباً من سنة، أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره، حتى اطَّلعت على ما فيه من خداع وتلبيس، وتحقيق وتخييل، اطلاعاً لم أشك فيه)([1])

قال التيمي: فرق كبير بين الغزالي وبين ابن تيمية.. فشتان بين الثرى والثريا.

استمر الصوفي في حديثه، وكأنه لم ينتبه لما ذكره التيمي:.. وعندما قرأ التصوف لم يستعجل، فيحكم لهم أو عليهم، بل بقي أكثر من عشر سنوات في الخلوات لأنه علم أن من علومهم ما لا يقتنص بالدراسة وحدها، بل يحتاج معها إلى الرياضة والمجاهدة والسلوك، قال يذكر ذلك: (ثم إني، لما فرغت من هذه العلوم، أقبلت بـهمتي على طريق الصوفية وعلمت أن طريقتهم إنما تتم بعلم وعمل ؛ وكان حاصل علومهم قطع عقبات النفس. والتنـزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل (بـها) إلى تخلية القلب عن غير الله (تعالى) وتحليته بذكر الله.. وكان العلم أيسر عليّ من العمل. فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل: (قوت القلوب) لأبي طالب المكي (رحمه الله) وكتب (الحارث المحاسبي)، والمتفرقات المأثورة عن (الجنيد) و (الشبلي) و (أبي يزيد البسطامي) قدس الله أرواحهم، وغيرهم من المشايخ ؛ حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية، وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم والسماع. فظهر لي أن أخص خواصهم، ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات. وكم من الفرق بين أن تعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابـهما وشروطهما، وبين أن تكون صحيحاً وشبعان؟.. فعلمت يقيناً أنـهم أرباب الأحوال، لا أصحاب الأقوال.. وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم فقد حصلته، ولم يبقَ إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم، بل بالذوق والسلوك)([2])

التفت الصوفي إلى التيمي، وقال: فهل مارس ابن تيمية ما مارسه الغزالي من المجاهدات والرياضات الروحية لتستقيم له فتاواه؟

قال التيمي: لقد كان شيخ الإسلام يرى أن كل ذلك بدعة، فلا وجود لشيء اسمه مجاهدات أو رياضات.. كل ذلك ضلالات أخذها المسلمون من رهبان النصارى والهنود، كما أخذ الشيعة التصوف من ابن سبأ اليهودي، وكما أخذ الفلاسفة الفلسفة من اليونان.. وكما أخذ..

قاطعه الصوفي، وقال: هذه حجة الجاهل، فهل اطلع على ما فيها وأتقنه ليحكم عليه.. إن قراءة كتب ابن عربي وحدها والتأمل فيها تحتاج إلى عمر طويل، وذهن حاد، وسلوك مخلص عميق، فهل تسنى لابن تيمية كل هذا.. أم أنه بجرة قلم راح يمحو كل شيء؟

قال التيمي: أنت تتحدث عن الزنادقة وتنتصر لهم.. ألا تعلم أن الانتصار للزندقة زندقة، وأن من شك في كفر الكافر فهو كافر.. وأن الكافر حلال الدم؟

قال الصوفي: هذا ما علمكم ابن تيمية.. لقد حولكم جميعا إلى خصماء وقضاة ومنفذين.. ليس لكم من دور في الحياة سوى أن تصنفوا الناس لتبحثوا عن القتلة التي تتناسب معهم.

قال التيمي: دعنا من هذا، وعد بنا إلى سر عداوتكم لشيخ الإسلام.

قال الصوفي: إن ابن تيمية بمنهجه المجادل المتسرع المخاصم راح يقضي على كل شيء جميل ندعو إليه.. راح إلى حلاوة علاقتنا بالله يرميها بالإلحاد والزندقة.. وإلى علاقتنا برسول الله يرميها بالشرك.. وإلى علاقتنا بأولياء الله يرميها بالضلالة.. وهكذا لم نسلم منه في القليل أو الكثير.. حتى تلك المجالس الجميلة التي ننشد فيها قصائد العشق الإلهي راح يبدعها ويكفرنا بسببها، بل راح يعتبر أن مجالس اللهو والمجون أفضل منها.. فلذلك عندما جاء تلميذه ابن عبد الوهاب أباح كل محبة إلا محبة الله ورسوله.. فانتشر ما ترون من الانحراف والضلال.

قال التيمي: رويدك يا هذا.. فقد قرأت لابن تيمية مقالات كثيرة ليس فيها ما ذكرت.. بل فيها عكس ما ذكرت.

ابتسم الصوفي، وقال: لاشك أنك لا تعرف ابن تيمية، ولا تعرف دهاءه.. إن ابن تيمية لا يقتل بسيفه.. بل يقتل بسيف غيره.. إن شيخه في الدهاء معاوية بن أبي سفيان ذلك الذي استطاع – مع جرائمه الكثيرة – أن يجعلكم جميعا تتفرغون للدفاع عنه ولتقديسه، بل لتطردوا جميع الصحابة من أجله.

لقد ذكر المؤرخون أن رجلا جاء إلى معاوية، ووضع يده على موضع من جسمه، وقال: ما أشبهه بهند (يعني أم معاوية)، فقال له معاوية: ما أظنك الا مراهنا، فقال الرجل: نعم، فقال له: خذ مائة ألف علي رهانك، وأدلك علي من فعلت به هذا أعطاك أكثر من هذا بكثير، فقال: من؟ فقال: زياد.. وكان زياد حازما شديد الحزم، فأراد معاوية أن يقطع دابر هذا الرجل بغير سيفه، فذهب الرجل إلى زياد وفعل معه مثلما فعل مع معاوية، فقال زياد: ما حملك على هذا؟ فقال: أنا مراهن، وحكى له القصة.. ففهم زياد الرسالة، وقتل الرجل.

هكذا يفعل ابن تيمية.. ولهذا لا نستغرب أن يكفر تلاميذه كل الصوفية حتى الذين لم يجرؤ ابن تيمية نفسه على تكفيرهم، لأن الزمان الذي كان فيه لم يسمح له بذلك.. ولكنه نظر للتكفير.. فجاء من بعده ليطبق تنظيراته، ويكتفي بها.

لقد جاء محمد بن عبد الوهاب ليضع النقاط على جميع الحروف التي تركها ابن تيمية معجمة.. وجاءت القاعدة وجميع الحركات الجهادية لتصيغ من كل ذلك نظرية الإسلام الإرهابي العدواني.

قال صاحبنا العاشق لابن تيمية: كل ما تذكره دعاوى، فأين البينات؟

قال: سأضرب لك أمثلة ربما تدلك على ذلك..

أخذ نفسا عميقا، ثم قال: لعلك تعلم أن مبنى التصوف على حب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بل عشق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلهذا ترى الصوفية هم الوحيدون المختصون في المديح النبوي.. ومن ضروريات المحبة تعظيم المحبوب، وكل ما يرتبط به، ولهذا أنشدوا القصائد الطوال في أعظم أثر على الأرض، بل في السموات، وهو المحل الشريف الذي دفن فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

لقد مضت الأمة جميعا تتقبل هذا السلوك من الصوفية وغيرهم.. ولم يجادلهم الفقهاء، ولم يعنت عليهم المتكلمون، بل كانوا جميعا يدا واحدة في تعظيم الآثار النبوية، لكن ابن تيمية جاء ليقول لنا: إن زيارة رسول الله بدعة.. بل معصية.. وأن تربة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تختلف عن أي تربة.. بل جسد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يختلف عن أي جسد.

لاشك أنكم قرأتم فتاواه في ذلك، ولذلك لقي منا تلك الشدة والعداوة.. فمحال على القلب الذي يحمل ما يحمل من حب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيم لآثاره أن يرضى بمثل تلك المقالة.

هل يرضى أحدكم أن يمنع من زيارة قبر أبيه أو أمه أو ابنه؟

قال الجميع بصوت واحدأحد: لا..

فقال الرجل: وهكذا نحن فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أغلى عندنا من آبائنا وأمهاتنا وأبنائنا.. ولذلك لا نقابل من منعنا من زيارته إلا بالعداوة والبغضاء التي نتقرب بها إلى الله، فعدو الحبيب عدو لا محالة.

بهذه المشاعر نطق صاحبنا تقي الدين الحصني معبرا عن غضبه الشديد الدال على حبه الشديد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كتابه (دفع شبه مَن شبَّه وتمرَّدَ) فقال: (ومن الأمور المنتَقَدَة عليه ـ أي ابن تيمية ـ قوله: زيارة قبر النبي وقبور الأنبياء معصية بالإجماع مقطوع بها، وهذا ثابت عنه أنه قاله، وثبت ذلك على يد القاضي جلال الدين القزويني فانظر هذه العبارة ما أعظم الفجور فيها من كون ذلك معصية، ومن ادعى الإجماع وأن ذلك مقطوع به؟! فهذا الزائغ يُطالب بما ادعاه من إجماع الصحابة رضي الله عنهم وكذا التابعون ومن بعدهم من أئمة المسلمين إلى حين ادعائه ذلك. وما أعتَقِدُ أن أحدًا يتجاسر على مثل ذلك مع أن الكتب المشهورة، بل والمهجورة وعمل الناس في سائر الأعصار على الحث على زيارته من جميع الأقطار، فزيارته من أفضل المساعي وأنجح القُرَبِ إلى رب العالمين، وهي سنة من سنن المرسلين ومجمع عليها عند الموحدين ولا يطعَنُ فيها إلا من في قلبه مرض المنافقين ومن هو من أفراخ اليهود وأعداء الدين من المشركين الذين أسرفوا في ذم سيد الأولين والآخرين ولم تزل هذه الأمة المحمدية على شد الرحال إليه على ممر الأزمان من جميع الأقطار والبلدان، سار في ذلك الزُّرافات والوُحدان والعلماء والمشايخ والكهول والشبان حتى ظهر في آخر الزمان مبتدع من زنادقة حرَّان لَبَّسَ على أشباه الرجال)

ومثله غضب الشيخ ابن حجر الهيتمي، فقال في كتابه (الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف المكرّم): (فإن قلتَ: كيف تحكي الإجماع السابق على مشروعية الزيارة والسفر إليها وطلبها، وابن تيمية من متأخري الحنابلة مُنكرٌ لمشروعية ذلك كلّه كما رآه السبكي في خطه، وأطال – أعني ابن تيمية – في الاستدلال لذلك بما تـمـجُّـه الأسماع وتنفر عنه الطباع، بل زعم حرمة السفر لها إجماعا، وأنه لا تقصر فيه الصلاة، وأن جميع الأحاديث الواردة فيها موضوعة وتبعه بعض من تأخر عنه من أهل مذهبه؟ قلتُ: مَن هو ابن تيمية حتى يُنظرَ إليه ويُعوَّلُ في شىء من أمور الدين عليه؟ وهل هو إلا كما قال جماعة من الأئمة الذين تعقبوا كلماته الفاسدة وحججه الكاسدة حتى أظهروا عوار سقطاته وقبائح أوهامه وغلطاته كالعز بن جماعة: (عبد أضله الله تعالى وأغواه وألبسه رداء الخزي وأرداه وبوَأه من قوة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان وأوجب له الحرمان)

هذا مثال واحد ترى به كيف استفزنا وكيف جرح مشاعرنا.

قال صاحبنا التيمي: لقد صار هذا من المسلمات عندنا، فالقبور واحدة، وكل من توجه إليها، فهو قبوري، وكل قبوري، فهو مشرك، وكل مشرك، فهو حلال الدم.

قال الصوفي: أرأيت النتيجة التي كان يرمي إليها ابن تيمية.. إنه لم يكن يهدف بتلك الفتاوى إلى مجرد النطق بحكم رآه أو اجتهد فيه، وإنما انطلق إلى بديهيات الدين ومسلماته التي يقوم عليها لينخر فيها.. فإذا ما هدت هد الدين جميعا.

قال التيمي: إنك تبالغ كثيرا في ذلك.

قال الصوفي: أنا لا أبالغ في ذلك.. ولكن الحقيقة التي تفوح منها كتب ابن تيمية كلها تدل على ذلك، فابن تيمية لم يكن يرى في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سوى بشر ممتلئ بالضعف والقصور كلف كما يكلف سفراء الدنيا بإرسال الرسائل، فإذا ما وصلت الرسالة انتهت مهمته وانقضت، ولم تبق له علاقة بالمرسل إليهم.

قال التيمي: إن هذا من العقائد التي نعتقدها، ونجزم بها.

قال الصوفي: ولذلك تحرمون التوسل والاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال التيمي: نحن لا نحرم ذلك فقط، بل نحن نكفر من يفعل ذلك ونبيح دمه.

قال الصوفي: ولم؟

قال التيمي: لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات.. وعندما مات صار لا يختلف عن أي جماد من الجمادات.. لا ترجى منه أي منفعة، ولا تدفع به أي مضرة.

قال الصوفي: وممن تعلمتم هذا؟

قال التيمي: لقد علمنا هذا شيخنا ابن عبد الوهاب، وهو قد تعلمه من شيخه ابن تيمية.

قال الصوفي: فكيف هي علاقتكم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال التيمي: هي علاقة من جاءته الرسالة، فهو منشغل بها عن موزع البريد الذي جاء بها.

قال الصوفي: ولهذا استطاع ابن تيمية أن يجعل من نفسه بديلا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

قال التيمي: كيف تقول هذا، وهو لم يدع النبوة.

ابتسم، وقال: ألا ترى أنكم تخالفون الأحاديث التي صحت إن وقف منها ابن تيمية موقفا سلبيا؟

قال التيمي: بل.. نفعل ذلك.. فهو حافظ متقن.

قال الصوفي: حتى لو خالف جميع المحدثين.

قال التيمي: أنت لا تعرف ابن تيمية.. لقد جمعت له جميع علوم الدنيا، لقد قال فيه الشاعر:

ماذا يقول الواصفون له
 
وصفاته جلّت عن الحصر
  
هو حجة لله قاهرة
 
هو بيننا أعجوبة الدهر
  
هو آية للخلق ظاهرة
 
أنوارها أربت على الفجر([3])
  

لقد ذكر لي الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عبد الله السدحان ونحن نتذاكر سرعة شيخنا ابن باز  في استحضاره للأدلة، فقال: نقل أحدهم مقولة عن بعض أهل العلم مفادُها: (لو لم نُخبرَ بختام النبوة لقُلنا: إن ابن تيمية نبي) فعُرِضت العبارة على بعض أهل العلم فبالغ في أنكارِها. وعرضتُها بنفسي على سماحته – رحمه الله تعالى – فتبسم ضاحكًا وقال ما معناه: نعم ، لذلك أصل.. ثم ذكرَ حديث (لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب)([4])

أرأيت كيف يعرف الرجال قيمة الرجال؟

قال الصوفي: فهنيئا لكم بنبوة ابن تيمية.. ودعونا لرسول الله.. فنحن نعتقد أن النبوة ختمت به.

الشيعة:

بقي الصوفي طيلة ذلك اليوم يتحدث عن مواقف ابن تيمية من التصوف وأهله، وقد أحضر معه جميع ما كتب ابن تيمية، وما كتبه أنصاره، وقارنه بما كتب الصوفية.. فدلنا عليه إلى أن وضعنا في موقف حرج عرفنا من خلاله مدى العداوة التي كان يحملها ابن تيمية للصوفية، ومدى ظلمه لهم.

وفي اليوم الثاني قام رجل من علماء الشيعة هو أشبه الناس بعالم جليل من علمائهم لا يزال حيا، هو السيد كمال الحيدري، فقال: أيها الجمع الكريم.. لاشك أنكم تعرفون مبلغ عداوة ابن تيمية للشيعة بفرقها جميعا، وخصوصا أصحاب جعفر الصادق، والأئمة الاثني عشر.

قال الجمع: أجل.. فقد خصص في ذمكم الكتب والفتاوى.. وسبكم بما لا مزيد عليه.. وعندما جاء أتباعه من بعده كتبوا أضعاف ما كتب، وسبوكم بأضعاف ما سبكم به.. بل أباحوا فوق ذلك دماءكم واستحلوا أعراضكم.

قال الشيعي: ولذلك سأطرح ظلامتي وظلامة مئات الملايين من الشيعة التي ارتكبها هذا الرجل في حقنا.. وقبل أن أتحدث عن ذلك أحب أن أذكر لكم بأن جميع أصناف العداوة التي عادى بها الصوفية كانت متوجهة لنا أيضا، لأن نتفق مع الصوفية في جميع الجوانب العرفانية والسلوكية التي طرحوها، بل إنا نعتقد أن الصوفية ليسوا سوى أبناء بررة لآل البيت عليهم السلام، حملتهم التقية والظروف الشديدة على أن يظهروا ببعض المظاهر التي نخالفهم فيها.

قال التيمي: لا حاجة لك لبيان ذلك.. فقد كتب تلاميذ ابن تيمية يبرزون الصلة بين التشيع والتصوف..

قال الشيعي: وبناء على هذا فلن أكرر ما ذكره أخي الصوفي.. وإنما أضيف إليه ذكر الحقيقة التي أراد ابن تيمية وأتباعه طمسها.. وهي أنه ليس لنا دين خاص كما يزعم هذا الرجل.. فمصادر ديننا هي نفس مصادر جميع المسلمين من كتاب وسنة إلا فرقا بسيطا، وهو أننا لا نتلقى السنة إلا من المصادر التي نرى سلامتها، ولا حرج علينا في ذلك، فأنتم تعلمون أن لكل فقيه من فقهاء الإسلام من يثق فيه من الرواة، ومن لا يثق فيه.. ومع ذلك فإن نسبة كبيرة من الاتفاق بيننا وبين سائر المسلمين في أكثر النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وهكذا الأمر بالنسبة للكثير من أمور الدين.. فالخلافات بيننا وبين سائر المسلمين فرعية بسيطة لنا أدلتنا عليها، ونحن نحرص على عرضها وتبيان وجاهتها والتحذير من الانحراف الذي وقع في الأمة بسبب التفريط فيها.. أليس لنا حق في ذلك؟ أم ترانا نتمدد ونتوسع إن فعلنا ذلك؟ مع أنه لا يوجد أحد في الدنيا إلا ويشرح مذهبه وآراءه ليقتنع من يشاء ويعرض من يشاء.

سكت الجمع، فقال: بناء على هذا.. أحب أن أختصر لكم بأن التشيع في حقيقته ليس سوى الولاء التام لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته الطاهرين، والولاء عندنا ليس المحبة العاطفية المجردة، وإنما هو ولاء شامل لنصرتهم واتباعهم والتمسك بهم.. هذه قناعتنا.. وهذا فهمنا لما ورد في النصوص الدالة على وجوب موالاتهم.. ولهذا لم نزاحم بحب واتباع محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته أحدا من الناس مهما كان.. بل اعتبرنا الجمع بين الولاء لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته الطاهرين نوعا من النفاق.. فكيف يستقيم أن نوالي عليا بن أبي طالب ذلك الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى)، وقال فيه: (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) مع من كال له العداوة، ونصب له الحرب..

نحن لم ننفذ في مواقفنا من الذين حاربوا عليا أو أبغضوه إلا ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق..

وهكذا فعلنا مع الحسنين عليهما السلام.. فأبغضنا أعداءهما، وأحيينا ذكرهما، واعتبرناهما نموذجا للمسلم الكامل الطاهر الذي من سلك سبيله نجا.. وقد كان رائدنا في ذلك تلك الأحاديث الكثيرة التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  في حقهما كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أحب الحسن والحسين أحببته، ومن أحببته أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله جنات النعيم، ومن أبغضهما أو بغى عليهما أبغضته ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله جهنم وله عذاب مقيم)([5])، وقوله عنهما: (اللهم! إني أحبهما فأحبهما، وأبغض من أبغضهما)([6])، وقال: (اللهم! إني أحبهما فأحبهما)([7]

وهكذا فعلنا مع جميع الأئمة الاثني عشر الذين أشار إليهم صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: (الخلفاء من بعدي اثنا عشر) ([8]).. لقد بان لنا بالأدلة الكثيرة التي سأعرضها عليكم أن هؤلاء الأئمة هم أئمتنا فهم الفقهاء العلماء الربانيون المجاهدون.. وهم الذين اجتمعت الأمة على مراتبهم العالية، ولم يجادل في ذلك أحد من الناس حتى جاء ابن تيمية لينصب لنا من العداوة، ويكذب علينا من الكذب ما لا يزال الأجيال يتلقفونه.

ولسنا ندري سر ذلك.. ولم لم يتعامل معنا كما تعامل مع أصحاب مالك والشافعي وغيرهم من الأئمة، فقد كان لكل منهم خلفاؤه العشر أو الاثني عشر.. وكان يحترمهم جميعا، بل يعتبر أنهم من السلف الصالح.

بل كان فوق ذلك هينا لينا مع كل من عادى أهل البيت.. ألا تعرفون موقفه من اليزيدية تلك الطائفة التي غلت في يزيد بن معاوية وبالشيخ عدي بن مسافر الأموي، والتي اتفق المسلمون على اعتبارها من الغلاة الذين أجمع المسلمون على خروجهم من الملة لأنهم أضافوا إلى البشر صفات الإله.

لقد عاصر ابن تيمية هذه الطائفة فكتب إليهم كتابا استهله بكلام لا يشبه شيئا من كلامه في مخالفيه.. لقد استهل كتابه بقوله: (من أحمد بن تيمية إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة، والمنتمين إلى جماعة الشيخ العارف القدوة أبي البركات عدي بن مسافر الأموي، ومن نحى نحوهم، وفقهم الله لسلوك سبيله.. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته)([9])

انظروا إلى هذا اللين والسماحة والدعة.. انظروا إليه كيف جعلهم من المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة، ودعا لهم بالتوفيق إلى سلوك السبيل، ورفع إليهم تحية الإسلام.. وليس ذلك لهم وحدهم، بل لمن نحى نحوهم أيضا وسلك طريقتهم في الغلو!

بينما إذا جاء إلينا – نحن الذين طبقنا وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلزوم آل بيته والتمسك بهم – راح يشنع علينا، ويعلن كل أصناف العداوة لنا، بل إنه لم يكتف بذلك، بل راح يبيح دماءنا، بل يقوم هو نفسه بذلك..

قام التيمي، وقال: لعلك تقصد الرافضة في جبل كسروان القريب من دمشق والذين استأذن ابن تيمية نائب السلطان على دمشق أن يجهز جيشاً، وأن يقاتل هؤلاء في جبلهم، فأذن له وأمر بتكوين جيش لقتالهم، وصحبه في ذلك القتال، وما زال الجيش في حصارهم وقتالهم، حتى فتح الجبل، وأجلي أهله، وقد ذكر ابن عبد الهادي (ت – 744هـ) أن فتح الجبل يعد من الكرامات المعدودة لشيخ الإسلام، ذلك أن أهله من الشيعة الرافضة فتعين قتالهم([10])، وقد كانت هذه الموقعة من أسباب أذية ابن تيمية واضطهاده، وسجنه فيما بعد، وقد ذكر ابن كثير (ت – 774هـ) أن هذه الواقعة ملأت قلوب أعدائه حسداً له وغماً([11]).

التفت الشيعي إلى الجمع الحاضر، وقال: ها هو صديق ابن تيمية قد أقر بما فعل ابن تيمية بنا نحن المسالمين الممتلئين عشقا للنبي وآل بيته.. وكل ذنبنا هو أننا لم نر ما يراه، ولم نقل بما يقول به.

قال التيمي: ولكنكم تسبون الصحابة.

قال الشيعي: نحن نفرق بين أمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته.. ونفرق بين دراسة التاريخ وتقديسه.. ونفرق بين المبادئ والأشخاص.. ولذلك ترون أننا إن نبشنا عن الحقائق لنأخذ منها العبرة، ولنبرز بها الجمال المخبأ خلفها طعنا في الصحابة.

بالله عليكم أيها الجمع كيف نعرف فضائل علي التي وردت بها النصوص إن لم نعرف سيرته وتاريخه وننبش في تفاصيلها.. وكيف نفعل ذلك دون أن نتعرض للتاريخ ومن عاش في التاريخ..

بالله عليكم أيها الجمع كيف نرى فضيلة الحسين الذي اعتبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد شباب أهل الجنة إن لم ندرس التضحيات التي قام بها ونعيشها كل حين.

بالله عليكم أيها الجمع كيف ندرك فضيلة الحسن حبيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد شباب أهل الجنة إن عظمنا قاتله بحجة أنه من الصحابة.

ثم لم يكيل ابن تيمية بالمكاييل المزدوجة، فتراه يسب البدريين والصحابة الكبار ليحفظ ماء وجه الطلقاء والمنافقين..

ثم إن كان يعتبر سب معاوية ضلالة، فكيف لا يعتبر سب علي بن أبي طالب وآل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضلالة مع أن الأحاديث التي وردت في فضلهم ووجوب التعلق بهم وتعظيمهم لا يوازيها شيء.

قال التيمي: كذبت في هذا.. فابن تيمية محب لآل البيت معظم لهم.. وقد كتبت الرسائل في بيان ذلك.. وهو وإن ظهر منه بعض القسوة والشدة عليهم، فإنما مصدره في ذلك معارفه الكثيرة وعلومه الجمة.. فهو لم ينطلق إلا من  العلم.

ابتسم الشيعي، وقال: اسمح لي قبل أن أجيبك عن هذا أن أذكر لك مقولة ذكرها ابن دقيق العيد في ابن تيمية يعتبرها أصحابك من مناقب ابن تيمية، وأنا لا أراها كذلك، لقد قال فيه: (لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلاً العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد، ويدع ما يريد)([12])

هذه العبارة في الحقيقة هي أحسن تعريف بابن تيمية فهو لا ينطلق في بحثه ودراسته وتحصيله من إرادة الحقيقة، وإنما ينطلق من إرادته هو.. وهو لذلك يستعمل خلاف العلماء في الفقه والحديث والتفسير وغيره وسيلة لذلك.. فإن شاء أن يضع شخصا اختار من العلم ما يضعه به، وإن شاء أن يرفعه اختار ما يرفعه به، وما أسهل على العالم بآراء الناس أن يستغل ما شاء لما شاء.

انظر – كمثال على ذلك – كيف يجادل في المسلمات، فقد اتفقت الأمة على أن عليا بن أبي طالب عليهما السلام أول من أسلم لكن ابن تيمية يعبر عن هذه الحقيقية بهذه الطريقة، فيقول: (فان الناس متنازعون في أول من أسلم، فقيل: أبو بكر أول من أسلم، فهو أسبق اسلاماً من علي، وقيل: إنّ عليا أسلم قبله، لكن على كان صغيرا واسلام الصبي فيه نزاع بين العلماء، ولا نزاع في ان اسلام أبي بكر أكمل وأنفع، فيكون هو أكمل سبقاً بالاتفاق)([13])

انظروا كيف استعمل النزاع لينقص من فضل علي ، بل ليشكك في إسلامه.

وهكذا عندما يتحدث عن البضعة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ومطالبتها بحقها في (فدك) يقول: (وليس تبرئة الانسان لفاطمة من الظن والهوى بأولى من تبرئة أبي بكر، فان أبا بكر إمام لا يتصرف لنفسه بل للمسلمين، والمال لم يأخذه لنفسه بل للمسلمين، وفاطمة تطلب لنفسها)([14])

انظروا كيف يهون من أمر فاطمة عليها السلام تلك التي اعتبرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بضعة منه، يرضيها ما يرضيه، ويؤذيها ما يؤذيه، وهي مع ذلك كله سيدة نساء العالمين.

لكنه إن تحدث عن أعداء آل البيت تجده يصحح الأحاديث الضعيف، ويضع الإجماعات ليخرجهم من رذائلهم وجرائهم، حتى أنه صنف كتابا أسماه (فضائل معاوية وفي يزيد وأنه لا يسب) مع أن السلف الذي يدعي انتسابه إليهم يذكرون أنه لا يصح في فضائل معاوية حديث واحد([15])

وعندما طلب من النسائي صاحب السنن من بعض النواصب من أهل دمشق أن يكتب في فضائل معاوية فقال: ما أعرف له فضيلة إلا: (لا أشبع الله بطنه!)([16])

أما ما ثبت في ذمه من كبار الصحابة وآل البيت فلا يعد ولا يحصى.. ولكن ابن تيمية يرفض كل ذلك.. بل إنه يعتبر معاوية وابن يزيد وغيرهم من الظلمة من الخلفاء الاثني عشر الذي نص عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل اعتبرهم هداة مهديين.

وعندما أتى إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض)([17])، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إني تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور… وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي)([18])

ولم يستطع أن يتملص من تصحيحه راح يتأوله ويتلاعب به ويشكك في صحته، فيقول: (الحديث الذي في مسلم إذا كان النبي قد قاله فليس فيه إلا الوصية باتباع الكتاب، وهو لم يأمر باتباع العترة ولكن قال: أذكركم الله في أهل بيتي)([19])

لكنه إن جاء إلى ما فيه مذمة لآل البيت من طريق أعدائهم راح ينشره ويستخرج منه الفوائد الكثيرة.. ولهذا ترونه كل حين يكرر تلك القصة الموضوعة المكذوبة عن خطبة علي لابنة أبي جهل، كرر الكلام فيها في أكثر من موضع من كتابه منهاج السنة! مع أن القصة نسجها المسور بن مخرمة، أو كذبها عليه الكرابيسي.. وكلا الرجلين ناصبين مشهورين ببغض علي والانحراف عنه وتعظيم أعدائه وموالاتهم([20])..فقد كان المسور بن مخرمة، لا يذكر معاوية إلا صلى عليه، وكان حليفا للخوارج، يجتمعون عنده ويستمعون حديثه، بل كانوا ينسبون إليه فيعدونه قدوة لهم([21])!!

وهكذا يستعمل علمه ودجله وأحقاده ليرميها جميعا على علي، ويضعه مع الطلقاء النواصب في خانة واحدة، فيقول: (علي إنما قاتل الناس على طاعته، لا على طاعة الله.. فمن قدح في معاوية بأنه كان باغيا قال له النواصب: وعلي أيضا كان باغيا ظالما.. قاتل الناس على إمارته وصال عليهم.. فمن قتل النفوس على طاعته كان مريدا للعلو في الأرض والفساد، وهذا حال فرعون، والله تعالى يقول: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص:83)، فمن أراد العلو في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة!!)([22])

وهكذا عندما يتحدث عن علم علي، والذي هو محل اتفاق من الأمة جميعا، يقول: (ليس في الأئمة الأربعة ولا غيرهم من أئمة الفقهاء من يرجع إلى علي في فقهه.. فمالك أخذ علمه عن أهل المدينة، وأهل المدينة لا يكادون يأخذون عن علي!.. وأبو حنيفة والشافعي وأحمد تنتهي طرقهم إلى ابن عباس، وابن عباس مجتهد مستقل، ولا يقول بقول علي!!)([23])

مع أن ابن عباس يقول: (أعطي علي تسعة أعشار العلم، وإنه لأعلمهم بالعشر الباقي)([24])

وهكذا إن جاء إلى الحسين تجده يعتبره أدنى من يزيد ذلك الظالم الطاغية الباغي، وكمثال على ذلك قوله في خروج الحسين على يزيد: (هذا رأي فاسد، فإن مفسدته أعظم من مصلحته، وقل خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير)([25])

وهكذا في سائر آل البيت عليهم السلام.

قال التيمي: ولكنكم تقول بعصمة الأئمة..

قال الشيعي: نحن لا نقولها من عندنا.. لقد أخبرنا الله بأنه طهرهم، ودعانا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الاقتداء بهم والتمسك بحبلهم، بل اعتبرهم سفينة النجاة، وما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليدلنا على ضلالة.

ونحن إن جوزنا عليهم الخطأ سرى ذلك لكل قول يقولونه، أو فعل يفعلونه، ومن أين لنا بعد ذلك أن نميز بين الخطأ والصواب والهداية والضلالة..

إن دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للتمسك بهم هو دليلنا على عصمتهم.. ثم ما يضيركم ذلك.. أوليس إحسان الظن أولى من إساءته.. وهل أتاكم من النصوص ما يعتبر العصمة خاصة بالأنبياء.. أو لستم تنقلون في كتبكم عن حفظ الله للصالحين والأولياء.. فلم لم تعاملوا هؤلاء المطهرين كما تعاملون من ترونه من الصالحين؟

أو لستم في تعاملكم مع ابن تيمية تنزلونه هذه المنزلة، فتخضعون لكل أقواله، ولا تناقشونه في شيء منها؟

أولستم تقولون بعصمة المحدثين عندما تعتبرونهم ثقاة في كل ما يروونه؟

أو ليس كل أتباع المذاهب يقولون بعصمة أئمة مذهبهم، حين يقلدونهم دون أن يسألوهم عن أدلتهم؟

إنكم جميعا تقولون بعصمة الأئمة.. لكن إن قلنا بها نحن بناء على نصوص صحيحة وردتنا رحتم تؤلبون الناس علينا، وتستهزئون بنا مع أن أئمتنا أنفسهم يضعون لنا الضوابط الصحيحة لاتباعهم، فعن عبد الله بن أبي يعفور، قال:سألت أبا عبد الله (ع) عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به، و منهم من لا نثق به؟ قال: (إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله، أو من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا فالذي جاءكم به أولى به)([26]).

وعن أيوب بن الحر قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (كل شي‏ء مردود إلى كتاب الله و السنة، فكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف)

وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع) قال: (ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف)

وجاء رجل إلى أمير المؤمنين (ع) فقال: أخبرني عن السنة والبدعة، والجماعة والفرقة، فقال له أمير المؤمنين (ع): (السنة ما سن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والبدعة ما أحدث من بعده، والجماعة أهل الحق وإن كانوا قليلا، والفرقة أهل الباطل وإن كانوا كثيرا)

وهكذا تجد أئمتنا عليهم السلام يدعون إلى إرجاع ما ورد عنهم إلى كتاب الله.. فهل تجدون في علمائكم من يقول هذا.. ألستم تضربون القرآن بالحديث؟

هل في علمائكم من قال ما قال علي (ع): (ما جاءتك رواية من بر أو فاجر توافق القرآن فخذ بها، وما جاءتك من رواية من بر أو فاجر تخالف القرآن فلا تأخذ بها)

أو لستم تقبلون كل من تعتبرونه ثقة حتى لو خالف المنقول والمعقول حتى جعلكم ذلك تشوهون نبيكم وتشوهون دينكم.

أو لم تقبلوا حديث السحر وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سحر، وتصرخون بها كل حين في كل المجامع مع أن الله تعالى نزهه عن ذلك وعصمه عنه، بل نزه كل الأنبياء وأخبر بعصمته عنه.

اسمعوا أيها الجمع ما يقول ابن القيم، وهو تلميذ ابن تيمية النجيب لتعرفوا كيف يقول هؤلاء بعصمة الرواة حتى لو كانت على حساب عصمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

ساقرأ لكم النص كما ورد، وأترك لعقولكم التعليق، يقول ابن القيم في التفسير القيم بعد أن ذكر الحديث الذي ينص على سحر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث متلقى بالقبول بينهم لا يختلفون في صحته، وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم وأنكروه أشد الإنكار وقابلوه بالتكذيب، وصنف بعضهم فيه مصنفا مفردا حمل فيه على هشام وكان غاية ما أحسن القول فيه أن قال غلط واشتبه عليه الأمر ولم يكن من هذا شيء، قال لأن النبي لا يجوز أن يسحر فإنه يكون تصديقا لقول الكفار: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا } [الإسراء: 47] قالوا وهذا كما قال فرعون لموسى: إني لأظنك يا موسى مسحورا {الإسراء: 101} وقال قوم صالح له: { إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ } [الشعراء: 153] وقال قوم شعيب له: إنما أنت من المسحرين ـ قالوا فالأنبياء لا يجوز عليهم أن يسحروا، فإن ذلك ينافي حماية الله لهم وعصمتهم من الشياطين، وهذا الذي قاله هؤلاء مردود عند أهل العلم، فإن هشاما من أوثق الناس وأعلمهم ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رد حديثه، فما للمتكلمين وما لهذا الشأن، وقد رواه غير هشام عن عائشة، وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة، والقصة مشهورة عند أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله وأيامه من المتكلمين. قالوا: والسحر الذي أصابه كان مرضا من الأمراض عارضا شفاه الله منه ولا نقص في ذلك ولا عيب بوجه ما، فإن المرض يجوز على الأنبياء، وكذلك الإغماء فقد أغمي عليه في مرضه، ووقع حين انفكت قدمه وجحش شقه، رواه البخاري ومسلم، وهذا من البلاء الذي يزيده الله به رفعة في درجاته ونيل كرامته، وأشد الناس بلاء الأنبياء فابتلوا من أممهم بما ابتلوا به من القتل والضرب والشتم والحبس، فليس ببدع أن يبتلى النبي من بعض أعدائه بنوع من السحر كما ابتلي بالذي رماه فشجه، وابتلي بالذي ألقى على ظهره السلا وهو ساجد وغير ذلك، فلا نقص عليهم ولا عار في ذلك، بل هذا من كمالهم وعلو درجاتهم عند الله)

هل سمعتم أيها الناس ما يقول هؤلاء.. وكيف لنا أو لأي عاقل أن يصدق نبيا مسحورا.. يرى أنه فعل الشيء مع أنه لم يفعله، أو قال الشيء مع أنه لم يقله..

لقد قالوا بعدم عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من السحر مخالفين القرآن لأجل حفظ عصمة هشام أو عائشة رواه الحديث..

قارنوا بين هذا وبين مواقفنا من أئمتنا.. أينا يقول بالعصمة هل نحن أم هم؟

ولهذا لا تجدون عندنا كتبا نسلم لها بالصحة المطلقة، فكل ما عندنا عرضة للاجتهاد، فأي مجتهد رأى في أي نص من النصوص مخالفة للقرآن الكريم أو للمتواتر من الحديث رماه، وجاز له أن لا يأخذ به.. فهل عندكم معشر التيميين من يقول بهذا؟

أم أنكم لأجل الحديث الواحد تخالفون التاريخ والجغرافيا والعقل والنقل.. وكل شيء.

وليتكم تفعلون هذا مع القضايا البسيطة والجزئية والتي قد لا يكون فيها أي ضرر كبير على الأمة جميعا.. لا.. إنكم تفعلون هذا في كل القضايا الكبرى ابتداء من العقائد إلى الحياة جميعا.

سكت قليلا، ثم نظر إلى بعض المسيحيين ممن كانوا حاضرين في ذلك المجلس، وقال: ألم تعلموا ما ورد في القرآن الكريم من كيفية التعامل مع أهل الكتاب، ومن عدم الإكراه في الدين، ومن أن وظيفة الرسول والأمة بعده هي البلاغ، وتبيان الدين بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن.. أليست هذه حقائق مقررة في القرآن؟

من كان لديه مخالفة لها.. فلينطق..

سكت الجميع، فقال: ولكنكم – وخصوصا معشر التيميين والوهابيين – رميتم بكل تلك النصوص المعصومة المتفق عليها عرض الحائط، ورحتم تستدلون بالحديث لأن الرواة عندكم ثقاة معصومون حتى لو خالف ما جاءوا به القرآن الكريم. 

اسمعوا – معشر الحاضرين- لما ذكره الرواة من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم)([27])

لو كان هذا الحديث عندنا – أشياع آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم – لرمينا به عرض الحائط، لأنه لا يتفق مع ما جاء في القرآن.. فالقرآن عندنا هو الحكم الذي يلجأ إليه.. لكنكم – ولقولكم بعصمة الرواة والعلماء والفقهاء – لم تترددوا في رمي كل القرآن من أجل هذا الحديث حتى قال بعضكم تعليقا على الحديث: (أرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأربعة سيوف: سيف على المشركين من العرب حتى يسلموا.. وسيف على المشركين من غيرهم حتى يسلموا أو يسترقوا أو يفادوا بهم.. وسيف على أهل القبلة من أهل البغي.. وسيف على أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية.. وسيف على أهل البغي)

ولم تكتفوا بهذا، بل رحتم تنقلون عن الخلفاء والصحابة الذين ترون عصمتهم ما يشوه تسامح الإسلام.. لقد كتب ابن تيمية يقول في كتابه الذي أراد به أن يميز المسلمين عن غيرهم في كل شيء حتى في اللباس والمظهر في فصل تحت عنوان (الإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم)، جاء فيه قوله: (.. من ذلك: أن أمير المؤمنين عمر في الصحابة، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء، جعلوا في الشروط المشروطة على أهل الذمة من النصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم: (أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا، إذا أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم قلنسوة، أو عمامة، أو نعلين، أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتنى بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئا من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كان، وأن نشد الزنانير على أوساطنا، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر صليبا ولا كتبا، في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين).

وقد علق ابن تيمية على هذا النص بقوله: (رواه حرب بإسناد جيد)، انظروا.. لأجل عصمة الإسناد الجيد راح يبني ابن تيمية أحكامه الجائرة التي تشوه جمال سماحة الإسلام، ونبي الإسلام، ولا يعنيه بعد ذلك أن يضرب بالقرآن الكريم جميعا عرض الحائط.

ولم يكتف بهذا، بل راح ينقل عن غيره بالأسانيد الجيدة ما يشوه الدين جميعا، حتى الشخصية التي يتصور المسلمون أنها ملأت عهدها عدلا

انظروا ماذا يقول عن عهد عمر بن عبد العزيز: (وروى أيضا أبو الشيخ بإسناده، عن محمد بن قيس وسعد بن عبد الرحمن بن حبان، قالا: دخل ناس من بني تغلب على عمر بن عبد العزيز وعليهم العمائم كهيئة العرب، فقالوا يا أمير المؤمنين ألحقنا بالعرب، قال: فمن أنتم؟ قالوا نحن بنو تغلب، قال: أولستم من أوسط العرب؟ قالوا: نحن نصارى، قال: عليّ بجلم فأخذ من نواصيهم، وألقى العمائم، وشق رداء كل واحد شبرا، يحتزم به، وقال: لا تركبوا السروج، واركبوا على الأكف، ودلوا رجليكم من شق واحد)

يا قوم.. هل هذا هو الدين.. قارنوا بين هذا.. وبين التعاليم التي نص عليهم آل البيت الكريم، والتي تتناسق تماما مع ما ورد في القرآن الكريم، لقد قال الإمام علي في عهده لمالك الاشتر لما ولاه مصر: (… وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق يفرط منهم الزّلل وتعرض لهم العلل، ويؤتى على ايديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه)

فأيهما أقوم قيلا، وأقرب عصمة، هل ما تروونه بأسانيدكم الجياد.. أم ما نرويه عن إمامنا الذي شغفنا بحبه.. والذي جنبنا الله بالتمسك به من أن نظلم أحدا من الناس من أي دين أو مذهب.

ساد الجمع سكون عميق، قطعه التيمي بقهقهة عالية، قال بعدها: دعنا من كل هذا.. وقص علينا قصة الحمار يعفور.. أليس الحمار يعفور معصوما عندكم؟

ابتسم الشيعي، وقال: هذا ما تتقنونه.. مع أن هذه القصة مروية في كتبكم كما هي مروية في كتبنا.. ونحن لا نقبلها كما أنكم لا تقبلونها.. ثم ما الضرر فينا لو قبلناها، فأيهما أعظم خطرا، أن نقبل حمارا يتكلم معجزة لنبي، أم اعتقاد سحر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وظلم من أمرنا ببرهم والإحسان إليهم.. وأشياء كثيرة يستحيي العفيف من ذكرها.

أهل الكتاب:

ظل الشيعي يتحدث يوما كاملا، وقد أتى معه من الوثائق ما جعلنا نتأسف لتلك المظالم الكثيرة التي أصابتهم بسبب ابن تيمية وأحفاد ابن تيمية.

وفي اليوم الثالث تقدم رجل يرتدي لباس أهل الكتاب، وقال: دعوني اليوم أتحدث أنا عن عداوة ابن تيمية لنا.. نحن الذين قدر الله أن نعيش بين المسلمين لنكون رمزا للتسامح والأخوة والتعايش.. لكن ابن تيمية ذلك المجرم العتيد قلب الحياة، وقلب الموازين، وملأ الصدور ضغائن وأحقادا.

قال التيمي: ليس ابن تيمية هو الذي عاداكم، بل القرآن هو الذي عاداكم؟

قال الكتابي: حاشا القرآن من ذلك.. القرآن هو الذي حث على مودتنا، ففيه:

وهو الذي حث على برنا ومودتنا: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)(الممتحنة)

وهو الذي حث على جدالنا بالتي هي أحسن: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) (العنكبوت)

وهو الذي أقر بوجود  الصالحين فينا: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) (آل عمران)

قال التيمي: وماذا فعل ابن تيمية؟

قال الكتابي: لا حاجة لي أن أعيد ما ذكره أخي الشيعي، فقد بين ذلك التمييز العنصري الذي طرحه ابن تيمية وانتصر له.. فهو مما شوه عدالة الإسلام وسماحته.

ولكني سأحدثكم بدلا عن ذلك عن فتوى خطيرة لا زالت الوهابية وأذنابها تتبناها، إنها فتواه بتدمير كنائسنا، تلك التي أمر القرآن الكريم بالحفاظ عليها، والجهاد في سبيل الحفاظ عليها، أليس في القرآن الكريم: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(الحج: من الآية40)

لكن ابن تيمية ضرب بهذا النص المقدس عرض الحائط، وضرب بأمثاله من النصوص المحمدية التي تدعو إلى حفظ المعابد عرض الحائط، وراح بدل ذلك يفتي بحرمة بناء الكنائس، وتهديم ما بني منها.

وله في ذلك فتاوى كثيرة أكتفي هنا بذكر ملخص لها ذكره تلميذه النجيب ابن القيم، وهو (أن كل كنيسة في مصر والقاهرة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد ونحوها من الأمصار التي مصرها المسلمون بأرض العنوة فإنه يجب إزالتها إما بالهدم أو غيره، بحيث لا يبقى لهم معبد في مصر مصره المسلمون بأرض العنوة، وسواء كانت تلك المعابد قديمة قبل الفتح أو محدثة، لأن القديم منها يجوز أخذه ويجب عند المفسدة.. فلا يجوز للمسلمين أن يمكنوا أن يكون بمدائن الإسلام قبلتان إلا لضرورة كالعهد القديم، لا سيما وهذه الكنائس التي بهذه الأمصار محدثة يظهر حدوثها بدلائل متعددة والمحدث يهدم باتفاق الأئمة.. وأما الكنائس التي بالصعيد وبر الشام ونحوها من أرض العنوة فما كان منها محدثا وجب هدمه، وإذا اشتبه المحدث بالقديم وجب هدمها جميعا لأن هدم المحدث واجب وهدم القديم جائز وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما كان منها قديما فإنه يجوز هدمه ويجوز إقراره بأيديهم فينظر الإمام في المصلحة فإن كانوا قد قلوا والكنائس كثيرة أخذ منهم أكثرهم. وكذلك ما كان على المسلمين فيه مضرة فإنه يؤخذ أيضا وما احتاج المسلمون إلى أخذه أخذ أيضا. وأما إذا كانوا كثيرون في قرية ولهم كنيسة قديمة لا حاجة إلى أخذها ولا مصلحة فيه فالذي ينبغي تركها.. وأما ما كان لهم بصلح قبل الفتح مثل ما في داخل مدينة دمشق ونحوها فلا يجوز أخذه ما داموا موفين بالعهد إلا بمعاوضة أو طيب أنفسهم كما فعل المسلمون بجامع دمشق لما بنوه)([28])

وبناء على هذا قسم الكنائس إلى ثلاثة أقسام: (منها ما لا يجوز هدمه.. ومنها ما يجب هدمه كالتي في القاهرة مصر والمحدثات كلها.. ومنها ما يفعل المسلمون فيه الأصلح كالتي في الصعيد وأرض الشام مما كان قديما على ما بيناه)

ثم خاطب أولي الأمر من الوهابية وآل سعود والقاعدة والجماعات الجهادية والإخوان وكل من يرى في ابن تيمية مصدرا من المصادر بقوله: (فالواجب على ولي الأمر فعل ما أمر الله به وما هو أصلح للمسلمين من إعزاز دين الله وقمع أعدائه وإتمام ما فعله الصحابة من الزامهم بالشروط عليهم ومنعهم من الولايات في جميع أرض الإسلام ولا يلتفت في ذلك إلى مرجف أو مخذل يقول إن لنا عندهم مساجد وأسرى نخاف عليهم فإن الله تعالى يقول (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) وإذا كان فوروز في مملكة التتار قد هدم عامة الكنائس على رغم أنف أعداء الله فحزب الله المنصور وجنده الموعود بالنصر إلى قيام الساعة أولى بذلك وأحق فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أنهم لا يزالون ظاهرين إلى يوم القيامة)([29])

بعد هذه النصوص – أيها السادة- كيف تطلبون منا أن نهدأ أو تقر لنا عين أو نرتاح في وطن يرانا أبناؤه غرباء عنهم.. يحتقروننا، ويضيقون علينا، ويطلبون منا أن نقص من شعورنا ما لا رغبة في قصه، ونلبس من الثياب ما لا رغبة في لباسه.. وفوق ذلك يطلبون منا أن نهمس بقراءة أناجيلنا، وأن نكف عن بناء الكنائس في أرضنا..

أي دين يقول هذا؟.. وأي نبي ينزل عليه الوحي من السماء بهذا؟

ألا ترون أن ابن تيمية وأتباع ابن تيمية يجروننا إلى المواجهة جرا؟

الأشاعرة:

بقي الكتابي يومه ذلك يحدثنا عن جرائم ابن تيمية في حق أهل الكتاب، وما انبنى عليها بعد ذلك من إرهاب، وقد أحضر معه من الوثائق ما لم نستطع دفعه، وما جعلنا أو جعل الكثير منا يقر بأن ما فعله ابن تيمية بأهل الكتاب ينسخ سماحة الإسلام وعدالته ودعوته.. بل يجعل من آراء ابن تيمية في هذا المجال دينا قائما بذاته لا علاقة له بالإسلام، أو سماحة الإسلام.

بعد أن انتهى من حديثه قام رجل تبدو عليها سيما العلماء، وقال: لن أطيل عليكم.. فأنا حارس على ثغر من ثغور الإسلام يسمى التوحيد والعقيدة.. وقد اصطلح الناس على تسميتنا علماء الكلام.. وأنا خصوصا من فرقة منهم تنتشر في جميع الأرض يطلق عليها الأشاعرة.. منها العلماء والباحثون الكبار..

لا أزعم أننا معصومون في كل ما طرحناه، إلا في شيء واحد نحسب أن الله قد عصمنا فيه.. أتدرون ما هو؟

سكت الجميع، فقال: إنه شيء واحد.. هو بغضنا لابن تيمية وأذناب ابن تيمية.

ونحن لا نبغضه أو نعاديه لأجل أنفسنا، وإن كانت نفوسنا لدينا عزيزة، وإنما لأجل أنه يلجأ إلى كل ما بنيناه ليهدمه غير مبال أن يهدم معه الإسلام جميعا.. ولذلك من السهل على كل من يريد أن يهدم الإسلام وعقائد الإسلام أن يلجأ إلى مقولات هذا الرجل ليرى فيها كيف تتأسس العقائد، وكيف يتحول جمال العقائد الإسلامية إلى خرافات وأساطير دونها خرافات اليونان وأساطيره.

قبل أن أذكر لكم عداوته لنا أذكر لكم عداوته لله..

قام التيمي مغضبا، وقال: ماذا تقول أيها  الرجل.. لقد عاش ابن تيمية حياته جميعا داعيا إلى الله.. فكيف يكون عدوا لله؟

ابتسم المتكلم، وقال: لقد اعتبر القرآن الكريم أساس التعرف على الله هو تنزيهه وتقديسه وتعظيمه.. لكن ابن تيمية أبى ذلك فاعتبر الله جرما من الأجرام.. وجسما من الأجسام.. له جميع مواصفات الأجسام من تركيب وحيز وحدود وثقل وغير ذلك.. ولم يكتف بما ورد في القرآن أو في السنة الصحيحة، بل راح إلى اليهود ليأخذ منهم عقيدة التجسيم والتشبيه..

نهض التيمي مغضبا، وقال: كف عن هذا لا أبا لك.. فابن تيمية هو أبو التنزيه، فكيف يكون مجسما أو مشبها.

ابتسم المتكلم، وأخرج كتابا من محفظته، ثم قال: هذا كتاب لابن تيمية، وهو مطبوع في بلد التوحيد (السعودية)، وفي نقطة مركز التوحيد (الرياض) عنوانه (بيان تلبيس الجهمية) اسمعوا ماذا يقول فيه – وهو ينص على إثبات الكيفية التي تستلزم الكمية والشكلَ، وينسب ذلك إلى السلف كاذبا عليهم-: (..وأما قوله (الكيفية تقتضي الكمية والشكل)، فإنه إن أراد أنها تستلزم ذلك فمعلوم أن الذين أثبتوا الكيفية إنما أرادوا الصفات التي تخصه كما تقدم، وإذا كان هذا مستلزماً للكمية فهو الذي يذكره المنازعون أنه ما من موصوف بصفة إلا وله قدْر يخصه، وأكثر أهل الحديث والسنة من أصحاب الإمام أحمد رحمه الله وغيرهم لا ينفون ثبوت الكيفية في نفس الأمر بل يقولون لا نعلم الكيفية.. وهو موافق لقول السلف رضي الله عنهم والأئمة كما قالوا لا يعلم كيف هو إلا هو، وكما قال مالك الاستواء معلوم والكيف مجهول وأمثال هذا كثير في كلامهم ومنهم من ينفي ذلك ويقول لا ماهية له فتجري في مقال ولا كيف فيخطر ببال وهذا قول ابن عقيل وغيره وهذا موافق لقول نفاة الصفات.. ومعلوم أن الموجود يُنظر في نفسه وفي صفته وفي قدرْه، وإن كان اسم الصفة يتناول قدْره ويستلزم ذاته أيضاً، فإذا عُلم بصريح العقل أنه لا بد له من وجود خاص أو حقيقة يتميز بها ولا بد له من صفات تختص به لا يشركه فيها أحد فيقال وكذلك قدره)([30])

أخرج كتابا آخر عنوانه (الرد على الجهمية)، ثم راح يقرأ: (أخرج الدارمي بسنده عن عطاء بن يسار أنه قال: أتى رجل كعباً وهو في نفر. فقال يا أبا إسحاق حدثني عن الجبار؟ فأعظم القوم قوله. فقال كعب: دعوا الرجل فإن كان جاهلاً تعلم وإن كان عالماً ازداد علماً. ثم قال كعب: أخبرك أن الله خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن. ثم جعل ما بين كل سماءين كما بين السماء الدنيا والأرض، وكثفهن مثل ذلك. ثم رفع العرش فاستوى عليه. فما في السموات سماء إلا لها أطيط كأطيط الرحل العلافي أول ما يرتحل من ثقل الجبار فوقهن).. وساق بعده أحاديث أخرى ثم قال: (والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن أصحابه والتابعين ومن بعدهم في هذا أكثر من أن يحصيها كتابنا هذا غير أنا قد اختصرنا من ذلك ما يستدل به أولو الألباب)([31])

أغلق الكتاب، ثم قال: الأمثلة على هذا أكثر من أن تحصى، ومن شاء منكم أن يحصيها له، فليحضر مجالس العلم ليرى الفرق بين عقدة التنزيه والتعظيم التي يؤمن بها جميع المسلمين من شيعة ومعتزلة وأشاعرة وماتريدية وصوفية وزيدية وغيرهم وبين عقيدة هذا الرجل وأذنابه([32]).

فهل ترونا بعد ذلك نسكت عن عداوته أو عن إعلان بغضنا له؟

سكت الجمع، فقال: ولهذا أعترف أمامكم بأننا كنا سببا في سجنه، ولم نندم على ذلك، فالفتنة التي أحدثها لا تقل عن فتنة اللصوص والمجرمين والمحاربين..

قال التيمي: دعنا من الحديث عن الله.. فالله ليس ملكا لأحد.. وحدثنا عن عداوته لكم.

نظر المتكلم إلى التيمي، وقال: هل ترضى يا أخي أن ترمى بالشذوذ والتخنث؟

قال التيمي: كيف أرضى بذلك، ومن يرضى بذلك؟

قال المتكلم: فقد كان ابن تيمية يرمينا بذلك، ويسمينا بالإناث والمخانيث وأعداء السنة وغير ذلك كثير:

لقد قال في الفتاوى الكبرى عنا: (هذا حكاية عبر بها عن القرآن، والله تكلم مرة ولا يتكلم بعد ذلك، ثم قالوا: غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، وهذا من فخوخهم يصطادون به قلوب عوام أهل السنة، وإنما اعتقادهم أن القرآن غير موجود لفظته الجهمية الذكور بمرة والأشعرية الإناث بعشر مرات)([33])

وقال في مجموع الفتاوى: (ومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصرا نافذا وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء علم قطعا أنهم يلحدون فى أسمائه وآياته وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب وبما أرسل به رسله ولهذا كانوا يقولون ان البدع مشتقة من الكفر وآيلة اليه ويقولون ان المعتزلة مخانيث الفلاسفة والاشعرية مخانيث المعتزلة، وكان يحيى بن عمار يقول المعتزلة الجهمية الذكور والاشعرية الجهمية الاناث ومرادهم الاشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية، وأما من قال منهم بكتاب الابانة الذى صنفه الاشعرى فى آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة لكن مجرد الانتساب الى الاشعرى بدعة)([34])

وقال في موضع آخر من مجموع الفتاوى: (فالمعتزلة فى الصفات مخانيث الجهمية وأما الكلابية في الصفات و كذلك الأشعرية ولكنهم كما قال أبو إسماعيل الأنصارى الأشعرية الإناث هم مخانيث المعتزلة ومن الناس من يقول المعتزلة مخانيث الفلاسفة لأنه لم يعلم أن جهما سبقهم الى هذا الأصل أو لأنهم مخانيثهم من بعض الوجوه)([35])

أتعلمون ما مراده بالمخانيث؟.. لقد ذكر ذلك في كتاب الاستقامة، فقال: (وأحدث بعد أولئك أيضا الاستماع من المخانيث المعروفين بالغناء لأهل الفسوق والزنا وربما استمعوه من الصبيان الـمُرْدان أو من النسوان الملاح كما يفعل أهل الدساكر والمواخير وقد يجمعون في السماع أنواع الفساق والفجار)([36])

***

بعد أن انتهى المتكلم من حديثه تحدث الكثير من العلماء في مختلف المجالات، وكلهم شكا ما حصل له بسبب ابن تيمية، وقد كانت أحاديثهم من الطول بحيث لا يسعها هذا المجلس، ولعله إن قدر الله لنا زمنا أطول فسأحدثك عن أشياء أخرى تدرك بها سر عداوة الكل لهذا الرجل الذي لم يترك أحدا إلا سبه وآذاه.

قلت: فما كانت نهاية تلك الجلسات عسى أن أصحابك قد توقفوا عن صحبة ابن تيمية وصداقته.

قال: لقد انقسموا إلى فريقين: أما الفريق الأول فقد ظل مصرا على صداقته، وإن عادى الكل، وكان من بينهم ذلك الذي يجادل كثيرا، وقد عرفت من خلال حوار جرى بيني وبينه أنه ليس له من العلم إلا ما ذكره ابن تيمية، وأنه يخشى إن عادى ابن تيمية أن تذهب علومه جميعا.

وأما الفريق الثاني، فقد حصل له ما حصل للذهبي.

قلت: وما حصل للذهبي؟

قال: لقد كان يحسن الظن بابن تيمية، ويمتلئ له حبا، ويكثر من الثناء عليه، لكنه بعد أن اكتشف حقيقته كتب وصية طويلة، مما جاء فيها قوله مخاطبا ابن تيمية: (إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك !. إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذم العلماء وتتبع عورات الناس مع علمك بنهي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تذكروا موتاكم إلا بخير، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) بلى أعرف أنك تقول لي لتنصر نفسك: إنما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شموا رائحة الإسلام ولا عرفوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو جهاد.

يا رجل بالله عليك كف عنا، فإنك محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام.. إياكم والغلوطات في الدين كره نبيك صلى الله عليه وآله وسلم المسائل وعابها ونهى عن كثرة السؤال وقال: (إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان) وكثرة الكلام بغير زلل تقسي القلوب إذا كان في الحلال والحرام، فكيف إذا كان في عبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات التي تعمى القلوب.

يا خيبة من اتبعك فإنه معرض للزندقة والانحلال لا سيما إذا كان قليل العلم والدين باطوليا شهوانيا لكنه ينفعك ويجاهد عندك بيده ولسانه وفي الباطن عدو لك بحاله وقلبه فهل معظم أتباعك إلا قعيد مربوط خفيف العقل أو عامي كذاب بليد الذهن أو غريب واجم قوي المكر أو ناشف صالح عديم الفهم، فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل، يا مسلم أقدم حمار شهوتك لمدح نفسك.

إلى كم تصادقها وتعادي الأخيار.. إلى كم تصادقها وتزدري الأبرار.. إلى كم تعظمها وتصغر العباد. إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد.. إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح – والله – بها أحاديث الصحيحين.

يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والاهدار أو بالتأويل والإنكار، أما آن لك أن ترعوى؟

أما حان لك أن تتوب وتنيب؟

أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل.

بلى – والله – ما أذكر أنك تذكر الموت بل تزدري بمن يذكر الموت فما أظنك تقبل على قولي ولا تصغي إلى وعظي بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات وتقطع لي أذناب الكلام ولا تزال تنتصر حتى أقول: يا ليته سكت.

فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحب الواد فكيف حالك عند أعدائك.

وأعداؤك – والله – فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء كما أن أولياءك فيهم فجرة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر.

قد رضيت منك بأن تسبني علانية وتنتفع بمقالتي سرا (فرحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي) فإني كثير العيوب غزير الذنوب.

قلت: هذا عن أصحابك.. فما عنك؟

قال: لقد شاء الله أن أستمر مع الوهابية ولو أن قلبي كان نافرا منهم.. وما ذلك إلا لأعرف الشر من جميع أبوابه.. فلا يعرف الخير حق المعرفة من لا يعرف الشر حق المعرفة.


([1])    المنقذ من الضلال: ص14.

([2])    المنقذ من الضلال: ص30.

([3])    انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص9.

([4])    الإمام ابن باز دروس وعبر،  ص 33.

([5])   رواه الطبراني في الكبير.

([6])   رواه البيهقي في الشعب، والطبراني في الكبير.

([7])   رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

([8])   صحيح البخاري 9 / 101 مسند أحمد بن حنبل 5 / 90، 95. دلائل النبوة 6 / 519.

([9])    الوصية الكبرى لابن تيمية: 5.

([10])    انظر: العقود الدرية ص180.

([11])    البداية والنهاية 14/35.

([12])    الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي ص111.

([13])    منهاج السنة (7/285)

([14])    منهاج السنة (5/522)

([15])    نقل ذلك الحافظ الذهبي عن إسماعيل بن راهويه الذي كان يقرن بالإمام أحمد بن حنبل. (سير أعلام النبلاء 3: 132)

([16])    (سير أعلام النبلاء 14: 125، وفيات الأعيان 1: 77)

([17])    سنن الترمذي: ح / 3788، مسند أحمد 3/ 17، المستدرك 3 / 148 وغيرها.

([18])    صحيح مسلم ح / 2408

([19])    منهاج السنة 4: 85

([20])    شرح نهج البلاغة 4: 64

([21])    سير أعلام النبلاء 3: 390 – 393

([22])    انظر: منهاج السنة 2: 202 – 205، 232 – 234.

([23])    منهاج السنة 4: 142 – 143

([24])    طبقات الفقهاء: 42.

([25])    منهاج السنة 2: 241

([26])    البهبودي/صحيح الكافي/ج 1/ص11، ونفس المصدر الأحاديث التالية.

([27])    أحمد(5114،5115،5667)، والخطيب في الفقية والمتفقه (2/73)، وابن عساكر(19/96/1)

([28])    انظر: أحكام أهل الذمة ج‍ 2 / 677: 686

([29])    انظر: أحكام أهل الذمة ج‍ 2 / 677: 686

([30])    بيان تلبيس الجهمية1/347.

([31])    الرد على الجهمية 279.

([32])    سنرى التفاصيل الكثيرة عن هذا في محالها الخاصة من هذه السلسلة.

([33])    الفتاوى الكبرى (5/330)

([34])    مجموع الفتاوى (6/359)

([35])    مجموع الفتاوى (8/227)

([36])    كتاب الاستقامة (1/306)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *