أعداء علي

أعداء علي

في اليوم الرابع عشر من زيارته لي دخلت عليه، فوجدته جاثيا على قدميه، منهمكا يقرأ بشغف كتاب (نهج البلاغة) للإمام علي بن أبي طالب، وكانت نسخة قديمة مخطوطة كنت أحتفظ بها في مكتبتي، ولست أدري كيف جذبت انتباهه من بين الكتب جميعا مع كون أكثرها من الجديد الفاخر.

لم أشأ أن أقطع عليه خلوته مع الإمام علي.. فلذلك سرت منصرفا من غير أن أنبس ببنت شفة، لكنه التفت لي، وناداني، فقدمت إليه، فرأيت الدموع تنهمر من عينيه بشدة، ثم أخذ ينتحب، متوجها إلى الكتاب مخاطبا له، وكأنه يخاطب الإمام علي نفسه، وكان من قوله له: يا إمام.. اعذرني، فقد كنت من قوم يناصبوك العداء.. اعذرني، فقد نسيت في غمرة جهالتي ما توعد به صلى الله عليه وآله وسلم المعادين لك، فقد حدثت، وأنت الصادق المصدوق، فقلت: (عهد إلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أنه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق)([1])

اعذرني.. فقد سللت سيوف بغضي عليك.. ونفثت سموم حقدي عليك.. وصببت جام ضغائني عليك.

قال ذلك، ثم أخذ ينتحب بشدة، فأسرعت إليه، وقد أثر في حاله تأثيرا شديدا، وقلت مهونا عليه: رويدك يا أخي.. فلا أظنك إلا ترمي نفسك بالأباطيل.. ألم تكن من قوم يعتبرون عليا من المبشرين بالجنة؟.. ألم تكن من قوم يعتبرونه من الخلفاء الراشدين؟.. ألم تكن من قوم..

قاطعني، وقال: دعك من تلك الأراجيف التي كنا نكذب بها على أنفسنا.. لقد كنا في قرارة أنفسنا نجعله أهون الناس، وإن كنا نتقي من ينكر علينا بمثل ذلك الكلام المعسول.

قلت: إن لم يكن لذلك الكلام معنى، فلأي كلام في الدنيا معنى؟

قال: اسمعني جيدا.. وأخبرني صادقا.. أرأيت لو أن قوما من الناس كتبوا فيك القصائد الطويلة في الثناء عليك، وفي دعوى محبتك.. أتراك تصدقهم مباشرة.. أم تراك تحتاج إلى بعض أنواع الاختبار لتتأكد من صدق مودتهم لك؟

قلت: إن شئت الصدق، فإني أراني محتاجا إلى بعض أنواع الاختبار، ذلك أن أكثر ما كتب من قصائد المديح لم تصدر من قلوب محبة، بقدر ما صدرت من نفوس طامعة.

قال: أرأيت لو أن هذا الذي مدحك بتلك القصيدة الجميلة، وذكر لك فيها مودته راح إلى أبيك الشريف الصالح التقي النقي من قضى عمره في خدمة الحق وأهله يتهمه بالضلال، ويرميه بالفجور، ويتوعده بجهنم؟

قلت: هذا أول برهان من براهين كذبه..

قال: ثم ذهب إلى أعدائك ممن قضوا عمرهم في المكيدة لك وحربك وحرب ذريتك يترضى عليهم ويساويهم بك.

قلت: في هذه الحال ينقلب قائل القصيدة في مدحي عدوا من أعدائي.. فصديق عدوي عدوي.

قال: ولم يكتف بذلك.. بل ذهب يعزلك ويكذب ما ورد فيك من الثناء..

قلت: هذا حسود حقود.

قال: ولم يكتف بذلك.. بل راح يتهمك بالخرق.. ويرميك بالجرائم العظيمة..

قلت: هذا عدود لدود..

قال: ولكنه كتب قصيدة في مدحك، وبث لك فيه صنوف مودته.

قلت: إن حال هذا لا يختلف عن حال المنافقين الذين ذكرهم الله تعالى، فقال: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) (المنافقون:1)، فقد كذب الله شهادتهم للرسالة لرسول الله، ذلك أنها لم تصدر من قلوب صادقة، بل صدرت من قلوب ممتلئة بالحقد.

قال: وهكذا الأمر معنا.. أو مع ثلة كثيرة من أمثالي مع الإمام علي.

قلت: هلا انتقلت من الدعاوى إلى أدلتها..

قال: أجل.. لك ذلك.. فلنطبق ما ذكرنا من تمثيل على ما نحن فيه.

قلت: لا بأس.. فهلم بالأول.. هل تراك وأصحابك أسأتم إلى والد الإمام علي.

قال: أعظم إساءة.. إننا في الوقت الذي نترضى فيه على من كادوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأرادوا قتله وأخرجوه من أرضه نعمد إلى السند العظيم الذي استند إليه، والذي كان السبب الأكبر في حفظ الدين والرسالة في مهدها فنكفره ونضلله وندخله بعد ذلك في جهنم ونحرمه من شفاعة حبيبه الذي قضى حياته كلها في نصرته.

قلت: ولكنهم يروون أحاديث في ذلك.

قال: هي أحاديث رواها وكتبها ونشرها أعداؤه.. ثم لماذا ينصرفون عن الأحاديث التي تبين إيمانه وصلاحه وتقواه؟

قلت: هم ينصرفون عنها لأن رواتها شيعة.

قال: ومن الشيعة؟

قلت: هم من يزعمون أنهم يحبون عليا.

قال: فلماذا قبلوا الأحاديث التي رواه أعداؤه من النواصب، ورفضوا الأحاديث التي رواه أحبابه، أو من يزعم محبته؟

قلت: هكذا جرى العرف.. لقد جرى عرف المحدثين على أن يقبلوا من أعداء علي.. وأن لا يقبلوا من محبيه ومواليه.

قال: ألا ترى في هذا كيلا بمكاييل مزدوجة؟

قلت: لست أدري ما أقول لك.. ولكن هذا يطرح وكأنه دين لا ينبغي التشكيك فيه.. فمن روى تلك الأحاديث أعطوه حصانة تمنعه من أن يسأل أو يناقش أو يرد عليه.. ومن تجرأ على ذلك رمي بالبدعة والزندقة.. حتى أن من تكلم عندهم في الصحابة ضال مبتدع.. بينما من كتب القصائد في مدح قاتل علي يعتبر متدينا صالحا ثقة.. وتروى عنه بعد ذلك الأحاديث والشرائع.

قال: فقد سقط بهذا أول دعامة من دعامات محبتهم لعلي.. بل هم فوق ذلك يترضون على أبي سفيان ذلك الذي رمى أبا طالب في الشعب.. ويترضون على هند تلك التي أكلت كبد حمزة.. في نفس الوقت الذي يكادون يلعنون ذلك الظهر الذي حماه والصدر الذي آواه.

قلت: صدقت في هذا.. فهلم بالثاني.

قال: وما الثاني؟

قلت: الثناء على الأعداء واحترامهم.

قال: أنت تعرف هذا جيدا.. أنت تعرف جيدا من سل سيفه على الإمام علي على الرغم من تلك الأحاديث الكثيرة التي تعتبر عداوته مناقضة للإيمان.

قلت: أجل.. وأعرف خصوصا منهم معاوية.. فهو مع كونه من الطلقاء إلا أن أصحابك رفعوه إلى درجة لا تقل عن علي نفسه.. بل تفوقه.. وأعرف أستاذا من الأساتذة في بلادنا([2]) كان يحاول كل جهده أن يتأول كل حديث يرى أنه يمس بعصمة معاوية والعصابة الإجرامية الخطيرة التي كانت تحيط به.. والتي لم يكن لها من هدف سوى القضاء على الدين نفسه.. لقد كان من ضمن ما كان ينعق به كل حين قوله: (روى البخاري ومسلم وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن عمارا تقتله الفئة الباغية) وكان عمار مع أهل العراق، وقد قتله أهل الشام في صفّين، فالحديث دلّ على أن الفئة الباغية هي التي تقتل عمارا، ومن المحتمل أن الحديث لا يشمل كل أهل الشام، وإنما أريد به تلك العصابة- الفئة- التي حملت على عمار حتى قتلته، ،و هي طائفة من العسكر([3])، وروي أن معاوية تأوّل الطائفة التي قتلت عمارا بأنها هي الطائفة التي جاءت به، فردّ عليه علي بقوله: (فالمسلمون إذن هم الذين قتلوا حمزة وليس المشركون)، وعند ابن تيمية أن ما ذهب غليه معاوية ضعيف، وأن ما قاله علي هو الصواب.. لكن لا يغيب عن البال أن في الطائفتين بغاة، فالذين قتلوا عمارا بغاة وهم من أهل الشام، والذين قتلوا الخليفة عثمان أعظم بغيا وجرما من هؤلاء، وهم مع جيش العراق، مما يجعل ما ذهب إليه معاوية بن أبي سفيان له وجه من الصحة، فقتلة عثمان هم السبب في مجيء عمار وغيره. وفي هذا الأمر يرى الباحث محب الدين الخطيب أن قتلة عثمان هم الفئة الباغية، فكل مقتول يوم الجمل وصفين فإثمه عليهم لأنهم هم الذين أججوا نار الفتنة بين المسلمين، ابتداء بعثمان وانتهاء بعلي ومرورا بطلحة والزبير وعمار)

قال: إن أحاديثهم في فضل معاوية وما سطروه من كتب يفوق ما سطروه عن علي نفسه.. إن حالهم لا يختلف عن حال أسلافهم من الذين قتلوا المحدث الكبير النسائي([4]) بسبب معاوية.

قلت: أجل.. فقد ذكروا أنه لما كتب كتابه في فضل الإمام علي بن أبي طالب الذي جمع فيه الاحاديث الواردة في فضل الامام أمير المؤمنين وأهل بيته.. فقد ذكر المؤرخون أنه بعد أن ترك مصر في أواخر عمره قصد دمشق ونزلها، فوجد الكثير من أهلها منحرفين عن الامام علي بن أبي طالب، فأخذ على نفسه وضع كتاب يضم مناقبه وفضائله رجاء أن يهتدي به من يطالعه أو يلقى إليه سمعه، فأتى به والقاه على مسامعهم بصورة دروس متواصلة.

وبعد أن فرغ منه سئل عن معاوية وما روي من فضائله، فقال: (أما يرضى معاوية ان يخرج رأسا برأس حتى يفضل؟)، وفي رواية: (ما أعرف له فضيلة إلا لا أشبع الله بطنك)، فهجموا عليه وداسوه حتى أخرجوه من المسجد، فقال: احملوني إلى مكة، فحمل إليها، فتوفى بها.

قال: وفوق ذلك تراهم يتأولون كل حديث ورد في ذمه.. فيحولونه من الذم إلى المديح.

قلت: أجل.. وقد سمعت من ذلك الكثير، ومن ذلك أن بعضهم قال في دعائه صلى الله عليه وآله وسلم على معاوية بأن لا يشبع بطنه: (وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه، أما في دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميراً، كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئاً كثيراً ويقول: والله ما أشبع وإنما أعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك)

قال: بل إنهم لأجل تبرئة معاوية من هذه الدعوة يتهمون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عصمته، فيزعمون بأنه قد يدعو على من لا يستحق أن يدعى عليه، ويروون في ذلك حديثا يمزجونهما مزجا، وكأنهما حديث واحد، وهو (اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَىُّ المُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ، فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاَةً وَأَجْراً)

قلت: أجل.. وقد قرأت لمحب الدين بن الخطيب، قوله في تبرئه معاوية من دعائه صلى الله عليه وآله وسلم عليه: (فالظاهر أن هذا الدعاء منه صلى الله عليه وآله وسلم غير مقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب فى وصل كلامها بلا نية كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: تربت يمينك.. ويمكن أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وآله وسلم بباعث البشرية التى أفصح عنها هو نفسه صلى الله عليه وآله وسلم فى أحاديث كثيرة متواترة منها حديث عائشة)([5]

قال: يكفيك هذا.. وربما أعود إليه لترى مدى تعلقهم بهذا الرجل.. وهم في الحقيقة لا يفضلونه لسواد عيونه، وإنما يفضلونه لأنهم يبررون به الاستبداد وخدمة المستبدين.

قلت: فلننتقل للثالث.

قال: وما الثالث؟

قال: العزل والتغطية..

قال: وقد كان لنا من هذا أوفر نصيب.. ففي الوقت الذي كنا نتأول فيه ما ورد من ذم معاوية وإخوانه من السامريين الذين أرادوا تحريف الدين رحنا نكذب كل ما صح في فضائل علي.. ونتأول ما لا نملك تضعيفه.

قلت: أعرف هذا جيدا.. وقد سمعت كثيرا من الخطباء ينعقون بمثل هذا.. إنهم يعمدون إلى أحاديث كنور الشمس قوة وبهاء ووضوحا فيحجبونها بما شاءت لهم أهواؤهم أن يحجبوها.

قال: لا شك أنك تعلم ما قالوا في حديث: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)

قلت: أجل.. فقد ضعفه ابن تيمية، بل عده من الموضوعات([6]).

قال: وقد بحثت في هذا.. وتبين لي كذب ابن تيمية، وكذب أصحابنا من المتبعين له.. لقد روى هذا الحديث أحمد بن حنبل والترمذي والبزّار والطبراني وأبو الشيخ وابن بطّة والحاكم وابن مردويه و أبو نعيم.. وغيرهم.. وصححه الكثير منهم.

قلت: صدقت في هذا.

قال: ألا تعلم ما يقول أصحابنا في حديث: (علي مع الحق والحق مع علي)؟

قلت: بلى..  لقد ذكر أنه من أعظم الكلام كذباً وجهلاً، وقال: (إنّ هذا الحديث لم يروه أحد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، فكيف يقال: إنّهم جميعاً رووا هذا الحديث؟ وهل يكون أكذب ممّن يروي عن الصحابة والعلماء أنّهم رووا حديثاً، والحديث لا يعرف عن واحد منهم أصلاً، بل هذا من أظهر الكذب)([7])

قال: مع أني مع تتبعت هذا الحديث، فوجدته مرويا في أكثر دواوين الحديث، فقد رواه الترمذي في صحيحه، والحاكم في المستدرك، والطبراني، وأبو بشر الدولابي، والخطيب البغدادي، وابن عساكر، والبزّار، وأبو يعلى، وغيرهم.

قلت: صدقت في هذا.

قال: ألا تعلم ما يقول أصحابنا في حديث: (اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه)؟

قلت: إنهم ينقلون عن ابن تيمية قوله: إنه (كذب باتّفاق أهل المعرفة بالحديث)([8]

قال: وقد بحثت في الحديث، وتبين لي كذبه في هذا، فقد رواه أحمد بأسانيد صحيحة، ورواه ابن أبي شيبة، وابن راهويه، وابن جرير، وسعيد بن منصور، والطبراني، وأبو نعيم، والحاكم.. وغيرهم كثير.

قلت: صدقت في هذا ووعيته، وقد سمعت من جرأتهم على هذا.. فهلم للرابع.

قال: وما الرابع؟

قلت: الكلام في دينه وأخلاقه ومنجزاته.

قال: أليس في مكتبتك كتاب (منهاج السنة)؟

قلت: بلى.. هو موجود.. فقلما يخلو بيت منه.

قال: ائت به.. وافتح أي صفحة منه فستراه كيف يعلم النواصب بدهاء وحيلة ماذا يقولون للموالين لعلي ولأهل البيت.

أحضرت الكتاب، وفتحته، ورحت أقرأ هذه الفقرة: (لا ريب أن أهل السنة وإن كانوا يقولون إن النص على أن عليا من الخلفاء الراشدين لقوله (خلافة النبوة ثلاثون سنة) فهم يروون النصوص الكثيرة في صحة خلافة غيره، وهذا أمر معلوم عند أهل العلم بالحديث يروون في صحة خلافة الثلاثة نصوصا كثيرة بخلاف خلافة علي فإن نصوصها قليلة، فإن الثلاثة اجتمعت الأمة عليهم فحصل بهم مقصود الإمامة وقوتل بهم الكفار وفتحت بهم الأمصار وخلافة علي لم يقاتل فيها كفار ولا فتح مصر وإنما كان السيف بين أهل القبلة وأما النص الذي تدعيه الرافضة فهو كالنص الذي تدعيه الراوندية على العباس وكلاهما معلوم الفساد بالضرورة عند أهل العلم ولو لم يكن في إثبات خلافة علي إلا هذا لم تثبت له إمامة قط كما لم تثبت للعباس إمامة بنظيره)([9])

قال: انظر كيف يحتال اللئيم ليشوه صورة علي والخلافة الناصعة التي زينها.. ثم يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي لم يكتف بأن يخبر بصحة خلافته، بل أمر الأمة بها واعتبر الخارج عنها باغيا.

فتحت صفحة أخرى، ورحت أقرأ: (لم يتمكن أحد منهم من الإمامة إلا علي بن أبي طالب مع أن الأمور استصعبت عليه، ونصف الأمة أو أقل أو أكثر لم يبايعوه، بل كثير منهم قاتلوه وقاتلهم، وكثير منهم لم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه، وفي هؤلاء من هو أفضل من الذين قاتلوه وقاتلوا معه، وكان فيهم من فضلاء المسلمين من لم يكن مع علي مثلهم بل الذين تحلفوا عن القتال معه وله كانوا أفضل ممن قاتله وقاتل معه)([10])

قال: انظر كيف يقزم أولئك العمالقة الذين هم أشرف أهل الأرض ليفضل عليهم الناكثين والبغاة والقاعدين ضاربا بكل ما ورد في النصوص المقدسة عرض الحائط.

فتحت صفحة أخرى، ورحت أقرأ: (ومن المعلوم أن الخلفاء الثلاثة اتفقت عليهم المسلمون وكان السيف في زمانهم مسلولا على الكفار مكفوفا عن أهل الإسلام، وأما على فلم يتفق المسلمون على مبايعته بل وقعت الفتنة تلك المدة وكان السيف في تلك المدة مكفوفا عن الكفار مسلولا على أهل الإسلام)([11])

قال: انظر كيف يرمي المحتال عليا بن أبي طالب بالدماء التي سفكت في الوقت الذي يدافع فيه عن المجرمين الذين أسعروا نار الحروب.

فتحت صفحة أخرى، ورحت أقرأ: (إنّ الرافضة تعجز عن إثبات إيمان علي وعدالته… فإنْ احتجّوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده، فقد تواتر إسلام معاوية ويزيد وخلفاء بني أُميّة وبني العباس، وصلاتهم وصيامهم وجهادهم)([12])

قال: انظر إلى اللئيم كيف يسوي بين أخي رسول الله ووصيه ومن هو كنفسه ومن اعتبره رسول الله كهارون مع موسى.. انظر كيف يسويه بالطلقاء والملوك الظالمين الذين شوهوا عدالة الإسلام.

فتحت صفحة أخرى، ورحت أقرأ: (فإنّ عليّاً قاتل على الولاية، وقُتل بسبب ذلك خلق كثير، ولم يحصل في ولايته لا قتال للكفّار ولا فتح لبلادهم، ولا كان المسلمون في زيادة خير)([13])

قال: انظر إلى الشقي كيف يطعن في نية الإمام علي، وكيف يسوي بينه وبين المستبدين، وكيف يحمله فوق ذلك وزر الدماء التي سالت بسبب الظالمين الذين أرادوا الانحراف بالدين عن سبيله الصحيح.

فتحت صفحة أخرى، ورحت أقرأ: (أنه ليس كل خطباء السنة يذكرون الخلفاء في الخطبة، بل كثير من خطباء السنة بالمغرب وغيره لا يذكرون أحدا من الخلفاء باسمه، وكان كثير من خطباء المغرب يذكرون أبا بكر وعمر وعثمان ويربعون بذكر معاوية لا يذكرون عليا)([14])

قال: انظر.. كيف هان علي في عينه.. وكيف هون من أمره.. وكيف اعتبر منكر خلافته ومثبت خلافة الطلقاء من المسلمين.. بل من أهل السنة.. بينما لو أن أحدا تكلم في أي خليفة آخر لسل عليه سيف تكفيره.

أردت أن أفتح صفحة أخرى لكن نفسي لم تطاوعني.. ولست أدري كيف رميت الكتاب من يدي من غير أن أشعر، فأخذه وقال: هذا الكتاب كنا نعتبره كتابا مقدسا.. هو كالتلمود نفسه عند اليهود.. كنا نرجع إليه كل حين لنطعن فيه عليا ودولته الكريمة المباركة.. ولنفرق به صف الأمة.. ولننشر به فكر الإرهاب وإرهاب الفكر.

قال ذلك، ثم راح يحتضن كتاب (نهج البلاغة)، وهو يقول: اسأل أي أحد من أصحابنا عن هذا الكتاب العظيم الذي حوى درر ولآلئ الإمام علي.. فلن تجده عالما بما فيه.. بل ستجده ينظر إليه شزرا.. وإن كان يحمل سلاحا فاحذر على رأسك منه فإنه سليل قوم يسلون صوارمهم المسلولة متى شاءوا وكيف شاءوا.

قلت: أخبرني.. ما الذي شدك في نهج البلاغة؟

قال: لا يمكن أن أصف المشاعر التي تنتابني أثناء قراءته.. ولكني أقول لك: إن الأمة لو أعطت هذا الكتاب حقه لما حصل فيها من الخلاف والضلال ما تراه اليوم..

قلت: لقد ذكرتني بما قال ظهير الدين علي بن زيد البيهقي، فقد قال فيه: (هذا الكتاب النفيس ( نهج البلاغة ) مملو من ألفاظ يتهذّب بها المتحدث، ويتدرّب بها المتكلّم، فيه من القول أحسنه، ومن المعاني أرصنه، كلام أحلى من نغم القيان، وأبهى من نعم الجنان، كلام مطلعه كسنة البدر، ومشرعه مورد أهل الفضل والقدر، وكلمات وشْيُها خبر، ومعانيها فقر، وخطب مقاطعها غرر، ومباديها درر، استعاراتها تحكي غمرات الألحاظ المراض، ومواعظها تعبّر عن زهرات الرياض، جمع قائل هذا الكلام بين ترصيع بديع، وتحنيس أنيس، وتطبيق أنيق.

فللّه درّ خاطر عن مخائل الرّشد ماطر، وعين الله على كلام إمام ورث الفضائل كابرا عن كابر، ولا غروللروض الناضر إذا انهلّت فيه عزالي الأنواء أن يخضرّ رُباه، ويفوح ريّاه، ولا للساري في مسالك نهج البلاغة أن يحمد عند الصباح سراه، ولا لمجيل قداح الطهارة اذا صدّقه رائد التوفيق والإلهام أن يفوز بقدحي المعلّى والرقيب، ويمتطي غوارب كل حظّ ونصيب.

ولا شك أن أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب كان باب مدينة العلوم، فما نقول في سقط انفضّ من زند خاطره الوادي، وغيض بدا من فيض نهره الجاري، لا بل في شعلة من سراجه الوهّاج، وغرفة من بحره الموّاج، وقطرة من سحاب علمه الغزير، ولا ينبّئك مثل خبير)

 وقال فيه الأستاذ محمد حسن نائل المرصفي.. فقد قال فيه: (نهج البلاغة) ذلك الكتاب الذي أقامه الله حجة واضحة على أن عليا كان أحسن مثال حيّ لنور القرآن وحكمته، وعلمه وهدايته، وإعجازه وفصاحته)، وقال: (اجتمع لعليّ في هذا الكتاب ما لم يجتمع لكبار الحكماء، وأفذاذ الفلاسفة، ونوابغ الربّانيّين، من آيات الحكمة السابغة، وقواعد السياسة المستقيمة، ومن كل موعظة باهرة، وحجة بالغة تشهد له بالفضل وحسن الأثر)، وقال: (خاض عليّ في هذا الكتاب لجّة العلم، والسياسة والدين، فكان في كل هذه المسائل نابغة مبرّزا، ولئن سألت عن مكان كتابه من الأدب بعد أن عرفت مكانه من العلم، فليس في وسع الكاتب المترسّل، والخطيب المصقع، والشاعر المفلق، أن يبلغ الغاية من وصفه، أوالنهاية من تقريظه، وحسبنا أن نقول: أنه الملتقى الفذّ الذي التقى فيه جمال الحضارة، وجزالة البداوة، والمنزل المفرد الذي اختارته الحقيقة لنفسها منزلا تطمئن فيه، وتأوي إليه بعد أن زلّت بها المنازل في كل لغة)

وقال فيه الشيخ محمد عبده: (قد أوفى لي حكم القدر بالاطلاع على كتاب ( نهج البلاغة ) مصادفة بلا تعمّل، فتصفّحت بعض صفحاته، وتأملت جملا من عباراته، فكان يخيّل لي في كل مقام أن حروبا شبّت، وغارات شنّت، وأن للبلاغة دولة، وللفصاحة صولة، وأن للأوهام عرامة، وللريب دعارة، وأن جحافل الخطابة، وكتائب الدرابة، في عقود النظام، وصفوف الانتظام، تنافح بالصفيح الأبلج، والقويم الأملج، وتمتلج المهج بروّاضع الحجج، فتقلّ من دعارة الوساوس. وتصيب مقاتل الخوانس. فما أنا إلاّ والحق منتصر، والباطل منكسر، ومرج الشكّ في خمود، وهرج الريب في ركود، وأن مدبر تلك الدولة، وباسل تلك الصّولة، هوحامل لوائها الغالب، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

بل كنت كلّما انتقلت من موضع إلى موضع أحسّ بتغير المشاهد، وتحوّل المعاهد: فتارة كنت أجدني في عالم يغمره من المعاني أرواح عالية، في حلل من العبارات الزاهية، تطوف على النفوس الزاكية، وتدنومن القلوب الصافية: توحي إليها رشادها، وتقوّم منها مرادها، وتنفّر بها عن مداحض المزالق، إلى جوادّ الفضل والكمال.

وطورا كانت تتكشف لي الجمل عن وجوه باسرة، وأنياب كاشرة، وأرواح النمور، ومخالب النسور، قد تحفّزت للوثاب، ثم انقضّت للاختلاب، فخلبت القلوب عن هواها وأخذت الخواطر دون مرماها، واختالت فاسد الأهواء، وباطل الآراء.

وأحيانا كنت أشهد أن عقلا نورانيا، لا يشبه خلقا جسدانيا، فصل عن الموكب الإلهي، واتّصل بالروح الإنساني، فخلع عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الأعلى، ونما به إلى مشهد النور الأجلى، وسكن به إلى عمار جانب التقديس، بعد استخلاصه من شوائب التلبيس.

وآنات كأني أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعياء الكلمة، وأولياء أمر الأمة، يعرّفهم مواقع الصواب، ويبصّرهم مواضع الارتياب، ويحذّرهم مزالق الأضراب، ويرشدهم إلى دقائق السياسة، ويهديهم طرق الكياسة، ويرتفع بهم إلى منصّات الرئاسة، ويصعّدهم شرف التدبير، ويشرف بهم على حسن المصير)([15])

قال: كلهم قالوا فيه لما عرفوه منه إلا نحن فلم نكن نعرف إلا الهدم والجرح والتكذيب.. إننا نرى آيات الله الجلية فيه ولكنها نتركها جميعا ونذهب إلى الإرهابي مقبل الوادعي الذي قال في كتابه :(من طالع كتابه نهج البلاغة جزم بأنّه مكذوب على أمير المؤمنين عليّ، ففيه السبّ الصراح والحطّ على السيّدين: أبي بكر وعمر، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفة بنفس القرشيّين الصحابة وبنفس غيرهم ممّن بعدهم من المتأخّرين، جزم بأنّ الكتاب أكثره باطل)([16])

قلت: أرى أن لك علاقة سابقة بهذا الكتاب، وبالإمام علي.. كنت أتصور أنك لم تعرفه إلا اليوم.

قال: كيف تقول ذلك، ولولا ما قيض الله لي من أحباب الإمام علي لكنت الآن أسدر في غيي، ولكانت الأغلال التي طوقتني دهرا طويلا لا تزال تطوقني.. إن نور الإمام علي هو أكبر نور يطفئ ظلمات البغاة.. ولذلك تراهم يحذرون منه ويحذّرون منه.


([1])    وفي رواية: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وآله وسلم إلي: أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق، أخرجه الحميدي (58) وأحمد 1/84(642) ومسلم 1/60(152) والنسائي 8/115 وغيرهم.

([2])    أقصد به (الدكتور خالد كبير علال) – حاصل على دكتوراه دولة في التاريخ الإسلامي من جامعة الجزائر- والكتاب المشار إليه، والذي سأنقل منه موقفه من الإمام علي هو (دراسات نقدية هادفة عن مواقف الصحابة بعد وفاة الرسول الكريم  – قضية التحكيم في موقعة صفّين بين الحقائق و الأباطيل-)

([3])    هذا تأويل ابن تيمية للحديث ليخرج معاوية، انظر: ابن تيمية: الخلافة و الملك، الجزائر، دار الشهاب ص: 90..

([4])    هو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي الكبير (215-303 هـ) القاضي الإمام، أحد الأئمة المبرزين والحفاظ المتقنين، والأعلام المشهورين. طاف البلاد وسمع من ناس في خراسان والعراق والحجاز ومصر والشام والجزيرة وغيرها. قال الحاكم: كان النسائي أفقه مشايخ مصر في عصره وأعرفهم بالصحيح والسقيم من الآثار وأعرفهم بالرجال. له من الكتب: السنن الكبرى في الحديث؛ المجتبى وهو السنن الصغرى، خصائص عليّ؛ مسند عليّ؛ الضعفاء والمتروكون بمسند مالك.

([5])    العواصم من القواصم تعليق الأستاذ محب الدين الخطيب ص 213..

([6])    منهاج السنّة 7 / 515.

([7])    منهاج السنّة 4 / 238.

([8])    منهاج السنة: 7/55.

([9])    منهاج السنة: 1/372.

([10])    المصدر السابق: 4/48.

([11])    المصدر السابق: 4/80.

([12])    المصدر السابق: 2/62.

([13])    المصدر السابق: 6/191.

([14])    المصدر السابق: 4/81.

([15])    مقدمة الشيخ محمد عبده على نهج البلاغة: ص3.

([16])    رياض الجنّة لمقبل الوادعي: 142.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *