أحلام سلفية

أحلام سلفية

بعد أن انتهت الاستراحة، وركب الركاب الحافلة، وقد نقص منهم نفر كما في المرات السابقة.. أخرج السائق شريطا جديدا، ثم قال: بعد أن نلتم حظكم من الراحة اسمحوا لنا أن نضع شريطا آخر.. يوضح لكم مدى عقلانية توجهنا السلفي المبارك.. ولتعلموا علم اليقين أننا وحدنا الفرقة الناجية.. وأن من عدانا ليس سوى حطب لجهنم.

قال ذلك، ثم أدخل الشريط.. ليبدو مشهد لثلاثة رجال، يبدون وكأنهم في مناظرة، أما أحدهم، فكان يجلس بينهما، يظهر عليه أنه مدير الجلسة، وعلى يمينه يجلس شيخ يشبه من رأيناهم من المشايخ في الأشرطة السابقة، وفي الطرف الآخر يجلس شيخ يرتدي عمامة خضراء، مثل العمامات التي يرتديها بعض رجال الطرق الصوفية.

ابتدأ رئيس الجلسة حديثه بقوله: يسرنا أن نلتقي اليوم في مناظرة بين رجلين ذوي توجهات مختلفة، أما أحدهما فوصف لي نفسه أنه سني سلفي أثري، وأما الثاني، فوصف لي نفسه أنه مسلم سني صوفي من طريقة من الطرق الصوفية.. وهذه الجلسة مرتبطة بناحية دقيقة، وهي اعتماد الرؤى والأحلام في الدين([1]).

ونبدأ كالعادة بصاحب الدعوى، صاحبنا السلفي الأثري، وسأترك الحوار بينهما من غير تدخل مني إلا إذا اقتضى المقام ذلك..

ابتدأ السلفي الأثري بمقدمة طويلة شملت بسملة وحمدلة وقراءة بعض آيات القرآن، ثم قال: أبدأ– أولا – بأن أقول لهذا الدعي الذي وصف نفسه بكونه سنيا: أنت لست سنيا.. والسنة تبرأ منك.. السنة حكر على السلف وأتباع السلف.. وكل من عداهم مبتدعة..

أراد الصوفي أن يتحدث، فأوقفه المذيع، وقال مخاطبا السلفي: أرجو أن تكتفي بدعواك حتى لا نخرج عن الموضوع.

قال السلفي: أجل.. دعواي واضحة.. ويدل عليها كل البراهين.. فهؤلاء القوم نتيجة ابتعادهم وإعراضهم عن كتاب ربهم وسنة نبيهم وهدي سلفهم الصالح وقعوا في الخرافة.. فصاروا يعتمدون على الرؤى والأحلام، ويستمدون منها دينهم ومواقفهم.. وكل ذلك ضلال وانحراف وبعد عن المنهج الذي جاء به هذا الدين.. فالله تعالى قال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132].. ولم يقل أطيعوا المنامات والأحلام.

قال الصوفي: صدقت.. ونحن لا نستمد ديننا من الرؤى والأحلام، بل نستمده من كتاب ربنا وسنة نبينا، فهل رأيت صلاتنا أو صيامنا أو أي شعيرة من الشعائر التعبدية التي نمارسها تختلف عن سائر ما يفعله المسلمون.. وهل رأيتنا نحلل الحرام، ونحرم الحلال بالرؤى والأحلام.. وهل رأيت عقائدنا التي كتبناها أو كتبها أسلافنا تختلف في شيء عن سائر المسلمين.. إننا ننتمي لمذاهب فقهية وعقدية كسائر المسلمين.. ولم نر للأحلام أي دخل في هذه الجوانب من ديننا.. وكل مشايخنا متفقون على أن العصمة في الكتاب والسنة، وليست في الكشف أو الرؤى أو أي باب آخر، وقد قال شيخ الطريقة التي أنتمي إليها الشيخ أبو الحسن الشاذلي: (إِذا عارض كشفُك الصحيح الكتابَ والسنة فاعمل بالكتاب والسنة ودع الكشف، وقل لنفسك: إِن الله تعالى ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة، ولم يضمنها لي في جانب الكشف والإِلهام)([2])

ضحك السلفي بسخرية، وقال: ولماذا تولون الأحلام والرؤى كل تلك الأهمية، فلا يكاد يخلو كتاب من كتبكم من الرؤى والأحلام.. وكأنكم تعيشون عالم النوم، لا عالم اليقظة؟

قال الصوفي: رويدك.. لا تحتقر شيئا عظمه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.. لقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أهمية الرؤيا.. ونحن نعظم ما عظمه الله ورسوله.. ونحن نروي تلك الرؤى باعتبارها مبشرات تدعونا إلى العمل الصالح، وطلب القرب من الله، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [يونس: 62 – 64]، وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصداقا من مصاديق هذه البشرى، وهو الرؤيا الصالحة، فقال: (أيها الناس إنه لم يبقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له)([3])

قال السلفي: لقد اعتبرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مبشرات، ولم يعتبرها معلمات أو مفقهات أو مبينات لأحكام الله.

قال الصوفي: ونحن نتعامل معها بتلك الصورة، فقد ذكرت لك أننا نتمسك بالشريعة كما يتمسك بها سائر المسلمين.. وليس لدينا أي شريعة مبنية على الرؤى والأحلام.

قلب السلفي أوراقا بين يديه، وقال: لدي أدلة كثيرة على دعواي.. وهذه أولها: لقد حدث بعض الصوفية، فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، فقلت: ادع الله ألا يميت قلبي، فقال: (قل كل يوم أربعين مرة، يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت)؛ أليس في هذا تشريعا؟

قال الصوفي: وما الحرج في هذا.. لقد طلب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حلا لمشكلة، فأعطاه الحل، وهو ذكر مشروع بصيغ مشروعة.

قال السلفي: والعدد.. أليس بدعة؟

قال الصوفي: أنتم تعتقدون أنه بدعة.. ونحن لا نعتقد ذلك.. والمسألة أطول من أن نناقشها هنا.. وأرى أنها من الخلاف الفقهي المشروع.. كالاختلاف في سائر المسائل الفرعية.

قال السلفي: هذا هروب منك.

قال الصوفي: لا.. ليس هروبا.. ولكن المسألة تعتمد على أصول فقهية كثيرة، ووقتنا لا يسمح بالتفاصيل الكثيرة.. ولكني أقول لك من باب الاختصار: إن هذا الذي أقول به هو قول أكثر الفقهاء والمحدثين في أزمنة كثيرة، فإن بدعتنا في هذا، فأنت تبدع أكثر الأمة.

قلب السلفي صفحات أخرى، وقال: فلندع هذا.. هذه رؤيا خرافية لصوفي آخر، يقول فيها: رأيت ربي في المنام، فقلت: كيف الطريق إليك؟ فقال: اترك نفسك وتعالَ.. انظروا كيف يتجرأ هذا الرجل، فيرى ربه في المنام.. ثم كيف يستفيد أحكاما في منامه.

ابتسم الصوفي، وقال: بالنسبة للأحكام الجديدة، فأنا لا أرى في الرؤيا أي أحكام جديدة، لأنها تتفق تماما مع قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40، 41]

وأما بالنسبة لرؤية الله.. فهذا عالم رؤى.. والأمر فيها متسع.. وقد وجدت في مراجعكم فيما رواه ابن الجوزي في (مناقب الإمام أحمد) عن أحمد قال: رأيت ربّ العزة عز وجل في المنام فقلت: يا ربّ ما أفضل ما تقرب به المتقربون إليك؟ فقال: كلامي يا أحمد، قال: قلت: يا ربّ بفهمٍ أو بغير فهمٍ؟ قال: بفهمٍ وبغير فهمٍ.

ألا ترى هذه الرؤيا تطابق تماما ما ذكرته من رؤيا الصوفي؟ ففيها رؤية الله، وفيها استفادة أحكام هي أخطر بكثير من الأحكام التي ذكرها الصوفي، لأني لا أراها تتفق مع ما ورد في القرآن الكريم من الحث على التدبر والفهم.. وقد رأيت الكثير يزهد في فهم القرآن وفي تدبره ويستدل لذلك بهذه الرؤيا، وكأنها حديث لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليست مجرد رؤيا لفقيه من الفقهاء.

قال السلفي: ويلك.. أتعقب على ناصر السنة وقامع البدعة الإمام أحمد بن حنبل.. صاحب أكبر محنة في التاريخ..

قال الصوفي: أنا أعقب على رؤياه، وليس عليه.. فرؤياه تحتاج إلى عرضها على القرآن الكريم كأي شيء آخر.. لأن الله ضمن لنا العصمة في كتابه وفي نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ولم يضمنها في أحد من الفقهاء.

قال السلفي: ويلك.. أأنت أعلم بالقرآن من الإمام أحمد.. ذلك الذي كان يحفظ ألف ألف حديث؟

قال الصوفي: لعلك لم تفهمني.. أردت فقط أن أوضح لك أن رؤية الله ممكنة ولا حرج فيها، وقد تحققت لإمامك وإمامي.

قال السلفي: ويلك.. أتقارن إمامك البدعي الملحد الكافر بإمامي السني السلفي الأثري؟

أراد الصوفي الحديث، فتدخل مدير الجلسة، وقال: نرجو العودة للموضوع.

قال الصوفي: لا أرى من المنطق أن ننكر شيئا، ثم نأت مثله.. إن هذا يخالف ما ورد في القرآن الكريم، فقد قال تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2، 3]

قال السلفي: ألي تشير بهذه الآية؟

قال الصوفي: لك ولأصحابك.. فأنتم تنكرون على الصوفية وتزعمون أنهم يتلقون دينهم من الرؤى والأحلام، بينما نجد مصادركم التي تعتمدونها تطفح بذلك.

قال السلفي: هذه دعوى.

قال الصوفي، ولدي أدلتها.

قال السلفي: فهاتها..

قلب الصوفي بعض الأرواق، ثم قال: انظر.. هذا ما رواه القاضي أبو الحسين في (طبقات الحنابلة) عن أحمد قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فقلت: يا رسول الله كل ما روى عنك أبو هريرة حق؟ قال: (نعم)

ألا ترى أن هذه الرؤيا تحكم بعصمة أبي هريرة في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أن الكثير من مشايخ الحديث، بل من مشايخ الإمام أحمد يرمونه بالتدليس، ولذلك اختلطت رواياته بروايات كعب الأحبار([4]).. فأيهما نصدق: هل رؤيا الإمام أحمد، أم قول المحدثين؟

قام السلفي غاضبا، وقال: أتطعن في أبي هريرة.. أتسب أبا هريرة؟

قال الصوفي: هذا ليس طعنا، ولا سبا.. فأنا أحترم جميع الصحابة، كما أحترم أي شيء له علاقة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. لكن الاحترام شيء، والدين شيء آخر.. فالدين من الله.. ولهذا نحتاج إلى الاحتياط فيه.. والاحتياط في الدين يقتضي التشدد في قبول الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأن حديثا واحدا قد يهدم الدين من أساسه.. وقد اعترضت أم المؤمنين عائشة على كثير من الصحابة في روايته، ومن ذلك أنها لما سمعت حديث (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه!) أنكرته، وحلفت أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما قاله، وقالت ـ بيانا لرفضها إياه ـ (حسبكم القرآن {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]([5])

قال السلفي: أهذا ما عندك من الأدلة؟

قال الصوفي: الأدلة أكثر من أن تحصر.. انظر هذا المثال الخطير.. لقد حدث ابن الجوزي عن عبد الوهاب الوراق قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقبل فقال لي: (ما لي أراك محزونًا؟) قال: قلت: وكيف لا أكون محزونًا وقد حلّ بأمتك ما قد ترى، قال: فقال لي: (لينتهين الناس إلى مذهب أحمد بن حنبل لينتهين الناس إلى مذهب أحمد بن حنبل) ([6])

وحدث عن أبي عبد الله السجستاني قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فقلت: يا رسول الله من تركت لنا في عصرنا هذا من أمتك نقتدي به في ديننا؟ قال: (عليكم بأحمد بن حنبل)

قال السلفي: وما في هذه الرؤيا.. إنها بشارة بأن مذهب الإمام أحمد حق.. وأنه السنة.. وأن الناس لا محالة سينتهون إليه.. وذلك هو الواقع.

قال الصوفي: ولكن كل هذه تشريعات.. وكأنكم من خلال الاستدلال بهذه الرؤيا تحرمون مناقشة ما جاء به إمامكم.. لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد وقع لكم عليه.

قال السلفي: وأنتم أيضا.. لقد تلاعب الشيطان بكم بما زعمتموه من تأييد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكتاب الإحياء.. فقد روى اليافعي أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فناوله كتاب الإحياء، فتصفحه ورقة ورقة من أوله إلى آخره ثم قال: والله إن هذا الشيء حسن، ثم ناوله الصديق، ثم ناوله الفاروق، فأثنيا عليه، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتجريد الفقيه علي بن حرزهم الذي أمر بإحراق كتاب الإحياء عن القميص وأن يضرب ويحد حد المفتري فجرد وضرب إلى آخر هذه الفرية ([7]).

ومثله قول الساوي أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه زي أهل التصوف، وقرأ عليه قواعد العقائد الذي صنفه الغزالي، فأذن له في القراءة فقرأ عليه الكتاب([8]).

قال الصوفي: لا بأس.. ولو أن هذه الرؤيا يمكن توجيهها لكني مع ذلك أتنازل، فأذكر لك بأن هذه الرؤيا لا يمكن قبولها جملة، فليس الإحياء قرآنا حتى نقبل كل ما فيه.. فهل تتنازل أنت أيضا عن رؤيا الإمام أحمد؟

قال السلفي: ويلك.. أبك لوثة من جنون؟.. كيف تضع الإمام أحمد ناصر السنة في مرتبة واحدة مع أبي حامد الغزالي الضال المبتدع الذي أحرق سلفنا كتبه؟

قال الصوفي: أنا لا أتحدث عن الرجلين.. بل أتحدث عن الرؤى والأحلام.

قال السلفي: ولو.. فأحلام السنيين السلفيين الأثريين هي التي ينطبق عيها حديث البشارة، أما أحلام الصوفية فأبعد من أن ينطبق عليها ذلك.. لقد روى ابن الجوزي عن بندار بن بشار قال: رأيت أحمد بن حنبل في المنام شبه المغضب فقلت: يا أبا عبد الله أراك مغضبًا، فقال: وكيف لا أغضب وجاءني منكر ونكير يسألان مَنْ ربك فقلت لهما: ولمثلي يقال مَنْ ربك، فقالا لي: صدقت يا أبا عبد الله ولكن بهذا أمرنا فاعذرنا.

أرأيت هذه الرؤيا، وكيف تدل على مبلغ معرفة الإمام أحمد بالله.. فكيف تقيس به الغزالي ذلك الصوفي الأشعري الجهمي الملحد المعطل.

ألم تعلم ما ورد في حق المعطلة من الجهمية وغيرهم من الآثار الصحيحة الصريحة.. لقد حدث الخطيب البغدادي في تاريخه عن يحيى بن يوسف الزمي قال: (رأيت في المنام إبليس رجلاه في الأرض ورأسه في السماء أسود مثل الليل وله عينان في صدره، فلما رأيته قلت: من أنت؟ قال: هو إبليس فجعلت اقرأ آية الكرسي، قال: فقلت له: ما أقدمك هذه البلاد؟ قال: إلى بشر بن يحيى رجل من الجهمية، قال: قلت: من استخلفت بالعراق؟ قال: ما من مدينة ولا قرية إلا ولي فيها خليفة، قلت: ومن خليفتك بالعراق؟ فقال: بشر المريسي دعا الناس إلى أمر عجزت عنه. وفي رواية قال: دعا الناس إلى ما عجزت عنه قال القرآن مخلوق، وقال في هذه الرواية، إن بشر بن يحيى كان بمرو يرى رأي المريسي)

وروى الخطيب أيضًا بسند صحيح كله ثقاة عن أحمد بن الدورقي قال: (مات رجل من جيراننا شاب رأيته في الليل وقد شاب فقلت: ما قصتك؟ قال: دفن بشر المريسي في مقبرتنا زفرت جهنم زفرةً شاب منها كل من في المقبرة)

وروى الخطيب وابن الجوزي بسنده عن عبد الله بن المبارك الزَّمِن قال: (رأيت زبيدة في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قالت: غفر لي بأول معول ضرب في طريق مكة، قلت: فما هذه الصفرة في وجهك؟ قالت: دفن بين ظهرانينا رجل يقال له بشر المريسي زفرت عليه جهنم زفرة فاقشعر لها جلدي، فهذه الصفرة من تلك الزفرة، قلت: فما فعل أحمد بن حنبل؟ قالت: الساعة فارقني أحمد بن حنبل في طبار من درة بيضاء في لجة حمراء يريد زيارة الجبار عز وجل، قلت: بما نال ذلك؟ قلت: بقوله القرآن كلام الله غير مخلوق.

وحدث الخطيب عن سفيان بن وكيع قال: (رأيت كأن جهنم زفرت فخرج منها اللهب فقلت: ما هذا؟ قال: أُعِدَّت لابن أبي دؤاد)

وحدث ابن رجب عن علي الضرير قال: رأيت صدقة الناسخ في المنام فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بعد شدة فسألته عن علم الكلام، فقال: لا تشتغل به فما كان شيء أضرّ عليّ منه وما نفعني إلا خمس تميرات تصدقت بها على أرملة.

وقد علق ابن رجب على هذه الرؤيا بقوله: (هذا المنام حق، وما كانت مصيبته إلا من علم الكلام، ولقد صدق القائل ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح)

التفت السلفي إلى الصوفي، وقال: هذه حجتي.. فهات حجتك.

قال الصوفي: ليس لدي ما أقوله.. فقد كفيتني وشفيتني.

هوى السلفي إلى الأرض ساجدا، وقد تهلل وجهه استبشارا، وهو يقول: الحمد لك يا رب.. لقد نصرت السنة، وقمعت البدعة.. ولا نسألك إلا أن تشفي غليلنا بحرق هؤلاء في الآخرة، وذبحهم وتجميد الدماء في عروقهم في الدنيا.. فيعز علينا أن يقابلوا نعمك بالشرك والضلال.

ثم جلس، وقال: بالمناسبة أذكر رؤيا رآها بعض إخواننا من السلفيين فيها الأمر بذبح بعض المبتدعة، أريد أن أختم بها([9]): لقد رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، فقال: (يا رسول الله فلان يطعن في بعض أصحابك)، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: (خذه هذه المدية فاذبحه بها)، قال الرجل: فأخذتها، فأضجعته، وذبحته، على الهيئة التي يمارسها إخواننا أصحاب الدولة، ورأيت كأن يدي أصابها من دمه، فألقيت المدية وأهويت بيدي إلى الأرض لأمسحها، فانتبهت وأنا أسمع الصراخ من نحو داره فقلت: ما هذا الصراخ؟ قالوا: فلان مات فجأة فلما أصبحنا جئت فنظرت إليه فإذا خط موضع الذبح.

تحسس مدير الجلسة رقبته، وقال: هنيئا لأخينا السلفي الأثري.. فقد انتهت الجلسة.. وقد انتصر فيها كما عودنا في كل مرة نستضيفه فيها.

***

بعد أن وصل الحديث إلى هذا الحد وصلنا إلى محطة أخرى لنستريح، وهناك اقتربت من رجلين من الركاب لأسمع تحاورهما:

قال الأول: هل رأيت.. ألم أكن أقول لك دائما إن المجتمع الذي يعتمد على الأحلام لن يعيش أبدا حالة اليقظة.. وأن المجتمع المسلم سيبقى متخلفا ما دام أهل الرؤى والأحلام هم الذين يتحكمون فيه.

قال الثاني: صدقت.. واليوم سلمت لك.. وأنا في حاجة بعد الآن إلى مراجعة الكثير من أفكاري..

انتقلت إلى مجموعة أخرى، فسمعت ضحكات وهمسات، فلم تطق نفسي أن تقترب منهم، ولم تطق أذني أن تتصنت عليهم.


([1])     أردنا من خلال هذا الفصل بيان مدى تناقض السلفيين في موقفهم من الأحلام، وقد رجعنا من مراجعهم في هذا إلى كتاب لحمود بن عبد الله بن حمود التويجري بعنوان: (كتاب الرؤيا)

([2])     إِيقاظ الهمم، (2/302)

([3])     رواه مسلم.

([4])     من الأمثلة على ذلك ما رواه البيهقي في السنن الكبرى عن أبي سلمة : أنه سمع أبا هريرة يقول : خير يوم طلعت فيه الشمس يوم جمعة، فيه خلق الله عز وجل آدم، وفيه إدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة، ورواه الأوزاعي، عن يحيى زاد قال : قلت له : شيء سمعته من رسول الله a، قال : بل شيء حدثناه : كعب، وفي نفس الوقت نرى هذا الحديث رواه عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي a.

([5])     الحديث في الصحيحين بهذه الصيغة: أنكرت ذلك عائشة وقالت : (رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله a أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكنه قال : إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه. وقالت : حسبكم القرآن : {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]

([6])     هذه الرؤيا وغيرها من الرؤى التالية منقولة من كتاب الرؤيا للتويجري، وهو من مشايخ السلفية المعتمدين، بل من المجمع عليه عندهم، والذين زكاهم ابن باز كثيرا.

([7])   انظر: تعريف الأحياء بفضائل الإحياء (5/3، 4) ملحق بالإحياء، دار المعرفة، وطبقات السبكي (4/131، 132).

([8])   انظر: تبيين كذب المفتري (297-299)

([9])     ذكر هذه الرؤيا ابن القيم وغيرها، وهي في كتاب الرؤيا للتويجري، وهم يستدلون بها.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *