مفتاح المجتمع

مفتاح المجتمع

بعد أن قال ذلك فتح لنا الباب .. فرأينا ما لا يمكن وصفه.. لكنا ما إن سرنا قليلا حتى رأيت بابا عجيبا قد صور عليه بالأبعاد جميعا خلق كثيرون، كلهم يظهر التشبث بي طالبا مني الرحمة، حتى أني كدت أمد يدي إليهم لنجدتهم.

سألت المعلم: ما هذا الباب العجيب؟ ومن هؤلاء الذين يتشبثون بي طالبين النجدة؟

قال: هذا المجتمع.

قلت: وما يطلب مني.

قال: حقوقه.

قلت: أنا إنسان بسيط، لا أكاد أملك من الدنيا إلا ما يسد رمقي ورمق أولادي، فكيف أغيثهم؟

قال: هؤلاء ليسوا شحاذين، وإنما هم يطلبون منكم الرحمة.

قلت: وهل الرحمة شيء غير الإحسان؟

قال: هناك رحمة الإحسان، وهناك رحمة عدم الإساءة.

قلت: فهل نحن في الواقع نسيئ لهؤلاء؟

قال: أجل تسيئون إليهم كثيرا.

قلت: كيف؟

قال: تسيئون إليهم بأربعة أنواع من الإساءات.

الطبقية:

قلت: ما هي الإساءة الأولى؟

قال: تقسمونهم إلى طبقات مختلفة منها العليا، ومنها الدنيا.

قلت: هذا صحيح، ولا أحسب مجتمعا من المجتمعات خلا من هذه النظرة.

قال: ولكن المجتمع المؤمن الذي يعلم وحدة خالقه لا ينظر هذه النظرة، ولا يتعامل مع الخلق بهذا الأسلوب، بل ينظر إلى أفراده كنظره إلى إخوانه لا يميز فقيرهم عن غنيهم، ولا قويهم عن ضعيفهم.

قلت: فنحن نسيء في واقعنا للطبقات الدنيا؟

قال: بل تسيئون لكل المجتمع بطبقاته الدنيا والعليا.

قلت: كيف؟ نحن لا نسيء للطبقات العليا ..

قال: بل إن إساءتكم لهم أعظم من إساءتكم للضعفاء.

قلت: كيف؟

قال: أنتم تغيرون أخلاقهم، وتبدلون طباعهم، قد يكون أحدهم محسنا، فتجرونه إلى الإساءة، وقد يكون مسيئا، فلا تصرفوه عن إساءته، وإنما تثبتوه عليها، وتطلبوا منه أن يزيد منها.

قلت: أشعر كأني فهمت .. ولكني لم أفهم.

قال: أنت تفهم .. ولكن لا تستطيع أن تعبر عن فهمك .. لأنك لا تستطيع أن تستحضر أمثلة لذلك .. أو تخاف أن تستحضر أمثلة لذلك.

قلت: أجل، فإن بعضها قد يكون من السياسة، وأنا استعذت بالله من السياسة.

قال: نعم، في السياسة وغيرها .. أنتم تدللون الكبار، وتقمعون الصغار، ويكفي هذا لطبقيتكم.

قلت: سأضرب مثالا بسيطا لا علاقة له بالسياسة.

قال: الحج؟

قلت: أجل .. نحن نرسل أصحاب البطون الضخمة بالمجان ليؤدوا المناسك .. ونطلب من المهزولين الذين ظلوا طول عمرهم يجمعون المال درهما درهما أن يدفعوا عن السمان حقوق حجهم.

قال: أهؤلاء يحجون إلى بيت الله، أم يحجون إلى بيوت النيران؟

قلت: بل يحجون إلى بيوت الله.

قال: ولم ترسلونهم؟

قلت: ليرجعوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، فإنا نخشى عليهم أن يصيبهم من عذاب الآخرة ما أخطأهم من عذاب الدنيا.

قال: فبشرهم بأنهم لن يرجعوا من ذنوبهم كما ولدتهم أمهاتهم، بل سيرجعون بأوزار تنوء بها ظهورهم، وحيات تمتلئ بها قبورهم.

التطفيف:

قلت: فما الإساءة الثانية؟

قال: أنتم تطففون، مع أنكم تقرأون قوله تعالى:{ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} (المطففين:1)

قلت: كيف هذا، وقد اخترع قومي موازين دقيقة، توضع الشعرة عليها فيهتز لسان الميزان مخبرا عن وزنها وثمنها، ولو شئت لأخبرك عن كيفة الدفع.

قال: ولكنه لا يتعامل مع كل الناس معاملة واحدة.

قلت: لا، بل هو جماد لا يفرق بين الناس.

قال: نعم، هو لا يفرق، ولكنكم تفرقون.

قلت: كيف؟

قال: إذا وضعت فيه رطلا كم من الثمن تدفع؟

قلت: سيطلب منك الميزان نفسه أن تسلمه ثمن رطل.

قال: ولو وضعت رطلين.

قلت: سيطلب ثمن رطلين.

قال: فلو طلب ثمن رطل.

قلت: يكون قد طفف، وحينذاك سنرسله إلى قطع الغيار القديمة ليطحن فيها، ويعاد تركيبه من جديد.

قال: فليتكم تعاقبون أنفسكم بهذا الأسلوب.

قلت: كيف، ولماذا؟

قال: لأنكم تطففون.

قلت: كيف؟

قال:أليس المطففين هم:{ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} (المطففين:2 ـ 3)

قلت: بلى، فهذا هو تعريف القرآن الكريم للمطففين.

قال: وهو ما يطبقه مجتمكم.

قلت: كيف نطبقه؟

قال: من بذل منكم جهد رطل تعطونه الملايين وتعتذون إليه عن قلتها، ومن حمل منكم القناطير المقنطرة على ظهره، تسلمون إليه دراهم معدودات، ثم تسلبونه نصفها تأمينا وضرائب، ثم تضيفون إلى حمله قنطارا خدمة لوطنه وتضحية في سبيله .. وأنتم لا تدرون أن ذلك القنطار يقصم ظهره كما قصمت الشعرة ظهر البعير.

قلت: كثير من كلامك صحيح، فالموظفون الكبار عندنا ينال أحدهم من الأجور ما يناله المئات من المستضعفين الذي ناء ظهرهم بالأحمال الثقال، ومع ذلك يكون تقاعدهم قبل تقاعد الصغار.

قال: حتى الموت تطففون فيه.

قلت: كيف ..

قال: إذا مات فيكم الضعيف واريتموه التراب لا يشهد جنازته إلا المستضعفون من أمثاله، فإذا مات السمين أقمتم المآتم، ونكستم الأعلام، وأغلقتم المدارس حزنا عليه.

قلت: هذا صحيح .. وهذه إساءة لا ننكرها؟

التسميم:

قلت: فما الإساءة الثالثة؟

قال: التسميم.

قلت: أنحن نسمم المجتمع؟

قال: نعم، بأحدث أنواع السموم وأخطر أنواع السموم.

قلت: كيف، ونحن الذين اخترعنا لأدوية، وبنينا المستشفيات.

قال: لولا سمومكم لأغلقتم أكثر مستشفياتكم.

قلت: ونرمي أدويتنا في البحر بعدها.

قال: ألم تكتفوا بقتل الحياة فيكم حتى تقتلوا أمم البحار.

قلت: فما السموم التي نقتل بها مجتمعنا؟

قال: أكثر مخترعاتكم التي تملؤون بها البطون والآذان والعيون سموم.

قلت: كيف ..  اشرح لي .. فإني لا أكاد أستوعب ما تقول.

قال: سأكتفي بسم واحد ابتدعتموه إبداعا .. حاولت أن أجد سرا له، فلم أستطع.

قلت: ما هو؟

قال: هذه اللفافات المحروقة التي تضعونها في أفواهكم لتستنشقوا دخانها.

ضحكت، وقلت: ذاك الدخان، إنه من أنواع السموم التي يحرص قومي على استعمالها مع علمهم بسميتها.

قال: وكيف يسمح بها؟

قلت: لأن الشركات الكبرى التي تنتجه لها من السطوة بحيث لا تستطيع القوانين قهرها ولا السيطرة عليها، ولكنهم مع ذلك استطاعوا أن يفرضوا عليهم أن يسجلوا في غلافها عبارة (التدخين مضر بالصحة)

قال: فهل أثرت هذه العبارة؟

قلت: لا .. لم تؤثر، إنها تذر الرماد في العيون من غير أن يكون لها أي تأثير في الواقع.

قال: بل هي تحد للمجتمع، تقول له:(مع أن هذا السم مضر بالصحة إلا أننا نفرض عليك استعماله أبيت أو كرهت، بل نوقعك في الإدمان عليه، لتصير عبدا لنا لا عبدا لله)

قلت: وما علاقة هذا بالعبودية لله؟

قال: ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم:(تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي، وإن لم يعط تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)([1])

قلت: أتعلم([2]) يا معلم أن منظمة الصحة العالمية وجميع الهيئات الطبية في العالم قررت أن التدخين هو أكبر خطر على الصحة يواجه البشرية اليوم.. فالتدخين يقتل أربعة ملايين شخص كل العام، والعدد في ازدياد بسبب الزيادة السكانية وخاصة في العالم الثالث. وتقدر منظمة الصحة العالمية أن يصل العدد إلى 10 ملايين شخص يتوفون سنويا بحلول عام 2020 م.

قال: ولماذا يصبون جام غضبهم على القنابل النووية إذن، وعلى التسلح الننوي في العالم.

قلت: بالمقارنة، فإن القنبلتين الذريتين اللتين ألقيتا على هيروشيما وناجازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945 قتلت مباشرة 140 ألفا، ثم مات بعد ذلك عدد آخر بسبب الأشعة القاتلة، ويقدر العدد الإجمالي لضحايا القنبلتين الذريتين بربع مليون شخص.

فكيف يمكن أن نقارن ضحايا التدخين، وهم أربعة ملايين شخص يتوفون سنويا بضحايا القنابل الذرية؟

قال: وهل تقوم وكالات الطاقة بتفتيش معامل التبغ لتشمعها بالشمع الأحمر؟

قلت: لا .. ولا علاقة لها بهذا، أتعلم أن هذه الشركات الضخمة، وأغلبها أمريكية تصنع ثلاث سجائر لكل إنسان على وجه الأرض يوميا، أي 18 ألف مليون سيجارة، وهي تكفي لإبادة الجنس البشري بأكمله لو أخذ ما فيها من النيكوتين بطريقة الحقن، بحيث لا تبقي على إنسان على وجه الأرض.

قال: فلماذا لا تطلبون من هذه الأمريكا أن تكف شرها على الناس؟

قلت: اسكت يا معلم، وإلا صودرنا وصودر ما نقوله.

قال: لماذا؟

قلت: فلنغير الموضوع .. هل هناك سموم أخرى؟

قال: كثيرة .. هذا الطعام الذي تعلبونه، وتلك الحلويات التي تتفنون في صنعها، وذلك اللهو الآثم الذي تنشرونه .. وتلك المسابقات العابثة التي تجرونها .. وتلك .. وتلك .. اسمح لي أن أقول لك: إنكم تعيشون في مستنقعات من السموم.

قلت: التجارة تتطلب هذا.

قال: لا .. التجارة المباركة لا تنظر إلى الأرباح فقط، بل تنظر إلى المصلحة فتحققها، وتنظر إلى المفسدة فتدرأها، وتجعل جزاءها هو جلبها للمصلحة ودرؤها اللمفسدة.

الإفساد:

قلت: فما الإساءة الرابعة؟

قال: الإفساد.

قلت: فما الفرق بينها وبين الإساءة الثالثة؟

قال: التسميم يقتل الجسد، والإفساد يقتل الروح.

قلت: فنحن إذن متفننون في قتل الجسد والروح.

قال: بل محترفون لذلك.

قلت: فكيف نقتل الروح؟

قال: تقتلون القيم الرفيعة التي أجمعت عليها الخلائق بما تنشرون من أنواع الشذوذ، وأنواع الانحراف، ثم تسمون كل ذلك حضارة ومثلا وحرية .. أنتم تشربون الخمور وتسمونها بغير اسمها.

قلت: ولكن ذلك باختيار الأفراد، لا بالقهر.

قال: مثلما تفعلون مع التدخين، أنتم تكتبون عنه بأنه مضر للصحة، ثم تنشرونه وتشهرونه أكثر مما تشهرون الأدوية.

قلت: لقد ذكرتني يا معلم بأن عدد الساعات التي يقضيها الطلاب عندنا أمام التلفزيون تفوق عدد ساعات الدراسة والبحث، فقد ورد في بعض الإحصائيات أن بعض الطلاب عندما يتخرج من المرحلة الثانوية يكون قد أمضى أمام جهاز التلفزيون قرابة (15) ألف ساعة، بينما لا يكون أمضى في حجرات الدراسة أكثر من (10800) ساعة على أقصى تقدير، أي في حالة كونه مواظبا على الدراسة محدود الغياب.

ومعدل حضور بعض الطلاب في الجامعة (600) ساعة سنويا، بينما متوسط جلوسه عند التلفزيون (1000) ساعة سنويا.

هذا بالإضافة إلى أن الحالة النفسية للمتلقي، فإنه يكون في حالة نفسية جيدة أما التلفزيون راغبا في المشاهدة مستعدا للتلقي، متلذذا بما يرى، بخلاف الطالب في المدرسة.

 قال: فهل تنشرون القيم الصالحة في هذا التلفزيون؟

قلت: لو قارنا عدد القنوات الخبيثة مع القنوات العادية لوجدنا النسبة تكاد تؤول إلى الصفر.

قال: ولو قارنتم القنوات العادية مع الطيبة التي لا تفرز إلا طيبا.

قلت: لا تكاد النسبة تصح.

قال: والناس إلى أين يميلون؟

قلت: بحسب الغرائز .

قال: فكيف يسلمون، وفي بيوتهم ما يغذي شياطين غرائزهم .. ثم تقول لي: نحن لا نعيش في مستنقعات السموم .. أنتم بأرواحكم وأجسادكم تعيشون في مستنقعات السموم.

قلت: رويدك يا معلم، فإن إلقاء الحقيقة المرة يحتاج إلى مسوغات لتقبلها.

قال: والمسوغات من السموم التي تفننتم فيها، فكذبتم على أنفسكم، وكذبتم على أجسادكم .. ألستم تضعون نكهات خاصة على سجائر التبغ التي تتناولونها؟

قلت: وبحسبها تكون الجودة.

قال: أرأيت ماذا تفعل المسوغات .. واجهوا أنفسكم بالحقيقة .. واصرخوا فيها .. فما أفلح من لم يصرخ.


([1])    رواه البخاري.

([2])    انظر: الـتدخـين: مـخاطر التدخين وشركات التبغ، الدكتور محمد علي البار.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *