مفتاح الكفاية

مفتاح الكفاية

بعد أن قال ذلك فتح لنا الباب .. لكنا ما إن سرنا قليلا حتى رأيت بابا عجيبا، قد علقت عليه صورة ثغرات كثيرة، بعضها أخاديد بسيطة، وبعضها أخاديد عميقة، وبعضها في عمقها كالآبار، وبعضها في سعتها كالأنهار والبحار .. ثم لاحظت رجالا مختلفين بألبسة مختلفة يحاولون سد تلك الثغرات، وملأها بأصناف الخيرات .. وهم لا يألون جهدا في ذلك.

سألت المعلم عن سر هذه الصورة، فقال: أترى تلك الثغرات الكثيرة؟

قلت: أجل .. فما أكثرها، وما أكثر تنوعها .. أهي حفر يدفن فيها الخلق، أم سراديب تخبأ فيها الأموال .. أم ..

قال: هي أصناف الحاجات التي يتطلبها وجود الإنسان على هذه الأرض، واستقامة حياته فيها.

قلت: وأولئك الرجال؟

قال: هم العمال المكلفون بسد تلك الثغرات، وقضاء تلك الحاجات.

قلت: لقد فهمت المعنى الرمزي الذي تحمله الصورة .. لكني لم أفهم المراد منها هنا.

قال: أخبرني: لو أن الجهد المبذول كان شرعيا، أي أنه لم يتصف بأي وصف من الأوصاف التي تجلب له الحرمة، أيكون ذلك كافيا ليكون جهدا ناجعا؟

قلت: لا .. لا يكفي ذلك.. بل يجب أن يكون منتجا، أي له إنتاج ينتفع به.

قال: أرأيت لو أن جميع الجهود توجهت وجهة واحدة لا تعدوها، أتضيع مصالح الخلق بذلك.

قلت: أجل .. وهي تشبه كما أن لو أن جميع العمال الذي رأيناهم على لوحة الباب توجهوا لأخدود واحد ليسدوه، وتركوا سائر الأخاديد يتضرر الناس بها، وتتضرر حياتهم.

قال: فتوزيع الجهد على الحاجات المختلفة هو ما سموه هنا في مدائن الغنى بـ (الكفاية)، وهم يتشبهون في ذلك باسم الله (الكافي)، وقد عرفت أنه الاسم المرتبط بسد الحاجات.

قلت: فهمت هذا، وقد ذكرتني بكلام جميل لأبي حامد الغزالي يلوم فيه طالبي العلم في عهده إلى الانصراف إلى الفقه، وترك الطب، مع أن الحاجة لكليهما واحدة.

قال: فما قال ذلك الفقيه العارف؟

قلت: قال بحسرة وألم:(فكم من بلدة ليس فيها طبيب إلا من أهل الذمة، ولا يجوز قبول شهادتهم فيما يتعلق بالأطباء من أحكام الفقه، ثم لا نرى أحدا يشتغل به، ويتهاترون على علم الفقه لا سيما الخلافيات والجدليات، والبلد مشحون من الفقهاء بمن يشتغل بالفتوى والجواب عن الوقائع .. فليت شعري كيف يرخص فقهاء الدين في الاشتغال بفرض كفاية قد قام به جماعة وإهمال ما لا قائم به، هل لهذا سبب إلا أن الطب ليس يتيسر الوصول به إلى تولي الأوقاف والوصايا وحيازة مال الأيتام وتقلد القضاء والحكومة والتقدم به على الأفران والتسلط به على الأعداء .. هيهات هيهات قد اندرس علم الدين بتلبيس العلماء السوء فالله تعالى المستعان وإليه الملاذ في أن يعيذنا من هذا الغرور الذي يسخط الرحمن ويضحك الشيطان)([1])

قال: لهذا حرقوا كتبه.

قلت: من؟

قال: أولئك الذين لبسوا عباءة الفقهاء، كما لبسها من قبلهم أحبار أهل الكتاب.

قلت: أراك متحاملا عليهم .. أخشى أن يحرقوا ما تقوله كما أحرقوا كتب الغزالي.

قال: لوأحرقوها .. فستنبت كما نبتت كتب الغزالي .. بل كما نبتت كل الكتب المحروقة، وكل الجثث المحروقة.


([1])    إحياء علوم الدين: 1/21.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *