مفتاح الزمن

مفتاح الزمن

بعد أن فتح لنا باب السنن سرنا مدة من الزمن إلى أن صادفنا باب آخر كتب عليه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} (قّ:38)

قلت للمعلم: هذا باب الزمن؟

قال: نعم، فالزمن جزء من العلاج .. ولا يمكن أن تسير قدما في لحظة واحدة ..

قلت: إن من قومي من يقتلهم العجز، وهم يسندون عجزهم إلى الزمن.

قال: كيف؟

قلت: يواصل أحدهم نوم الليل بالنهار، ثم لا يصرف من نهاره إلا جزءا ضئيلا جدا، ثم يتعلل بالزمن.

قال: وما يقولون؟ وكيف يستدلون؟

قلت: يقولون ما تقول من أن الزمن جزء من العلاج.

قال: الزمن جزء من العلاج لمن يعالج لا لمن يقعد .. أرأيت لو أن طبيبا أعطاك دواء لتتناوله شهرا، فقعدت دون أن تتناوله تنتظر مضي الشهر ليحصل لك الشفاء .. فهل سيحصل لك الشفاء بعد مضي الشهر؟

قلت: كلا .. بل لعل حالتي ستتردى، فبراعم الجراثيم التي غفلت عنها طيلة الشهر ستصبح أشواكا تقتلني بسمومها.

قال: فالزمن بهذا ليس جزءا من العلاج، وإنما هو جزء من المشكلة.

قلت: نعم.

قال: فهو سلاح ذو حدين كسائر الأسلحة.

قلت: نعم .. ولكن متى يكون سلاحا نافعا؟

قال: إذا استعان بالسنن، فالسنن هي الدواء، ومن لم يستعمل الدواء أكله الداء، أو قتلته الأدواء.

قلت: فكيف يكون الزمن سببا من أسباب الترقي والتطور؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} (الفرقان:62)؟

قلت: إن الله تعالى يمن في هذه الآية على عباده أنه جعل الليل والنهار يتعاقبان توقيتاً لعبادة عباده، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل، وقد قال ابن عباس  في الآية:(من فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار، أو من النهار أدركه بالليل)

قال: فهذه الآية إذن تضع الفرص الزمانية أمام العباد ليترقوا، وكأنها تقول لهم:(لم يفتكم شيئ، فما فاتكم يمكن أن تستدركوه)، وقد نص صلى الله عليه وآله وسلم على هذا التبشير الذي تحمله الآية، فقال:(إن اللّه عزَّ وجلَّ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل)([1])  

قلت: لكأن الآية تدعونا إلى تجديد حياتنا في كل لحظة.

قال: بل تدعونا إلى ميلاد جديد في كل لحظة، فلا يمكن أن نبقى مزبلة تتكوم على أرواحنا أكوام النجاسات.

قلت: هذا كلام جميل، فكثيرا ما نعيش الماضي، ونتألم الماضي، فنصير ضحايا الماضي.

 قال: وهذا خلاف ما يدعوكم إليه القرآن الكريم، فقد قال تعالى:{ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ } (الحديد: 23)

قلت: فما العلاج يا معلم؟

قال: التخطيط للزمن المستقبل، فتجعل حياتك كتابا موقوتا.

 قلت: كأني بك تسمع قوله تعالى:{ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} (النساء: 103)

قال: نعم، فالصلاة هي المؤمن، والمؤمن هو الصلاة، فما دامت الصلاة كتابا موقوتا، فالمؤمن كتاب موقوت، ألم تسمع ما قال تعالى في وصف عباده الصالحين وعلاقتهم بالليل.

قلت: بلى، فالله تعالى يثني على علاقتهم بالليل ثناء حسنا، فقد قال تعالى فيهم:{ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} (الفرقان:64)، وقال:{ كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الذريات:17 ـ 18)، وقال:{ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (السجدة:16)

قال: فليلهم كنهارهم حي عامر يملتئ حياة.

قلت: وهل يمكن أن تمتلئ حياة امرئ موتا؟

قال: نعم، عندما يعيش في السراب، باحثا عن السراب، لاهثا وراء السراب.

قلت: لقد ذكرتني، يا معلم، بقول الشاعر:

يخبرني البواب أنك نائم       وأنت إذا استيقظت أيضا فنائم

قال: فكذلك الغافلون، نومهم كنهارهم لا ينتفعون بهما.

قلت: فكيف أعمر وقتي بالحياة؟

قال: بالهمة.

قلت: ولكن الهمة مضى الحديث عنها.

قال: لم يمض، الهمة ستجدها في كل باب، وفي كل معراج، وفي كل بحر، فلا يمكنك أن تسلك سبل السلام وتعرج إلى دار السلام إلا بالهمة العالية، فهي الجناح الذي تطير به، وهي السفينة التي تبحر بها، وهي المفتاح الذي تفتح به غوامض الحقائق، والشيفرة التي تحل بها أسرار الوجود.

قلت: فكيف السبيل إلى الهمة؟

قال: فلنعد إلى أولئك الخاشعين الذي تركوا الفراش الوثير والنوم الهادئ وراحوا يفترشون أقدامهم تزلفا إلى الله .. ما الذي حركهم؟

قلت: أروي في ذلك أبياتا، واحفظ في ذلك قصصا.

قال: فما الأبيات؟

قلت: قال ذو النون المصري:

منع القران بوعده ووعيده  مقل العيون بليلها أن تهجعا

فهموا عن الملك الجليل كلامه فرقابهم ذلت إليه تخضعا

وقال آخر يصف الصالحين:

إذا ما الليل أظلم كابدوه       فيسفر عنهم وهم ركوع

أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الأمن في الدنيا هجوع

قال: فما الحكايات؟

قلت: حكى أن غلاما بالبصرة اسمه صهيب، كان يقوم الليل كله، فقالت له سيدته:(إن قيامك بالليل يضر بعملك بالنهار)، فقال:(إن صهيبا إذا ذكر النار لا يأتيه النوم)، وقيل لغلام آخر، وهو يقوم كل الليل فقال:(إذا ذكرت النار اشتد خوفي، وإذا ذكرت الجنة اشتد شوقي، فلا أقدر أن أنام)

قال: فقد أجبت إذن على سؤالك.

قلت: تعني أن الحقائق التي آمنوا بها فتغلغلت في كيانهم هي التي جعلتهم يستهينون بتلك المتاعب التي تكابدها أعينهم بالسهر وأرجلهم بالقيام.

قال: لا، بل إن الحقائق التي كانوا يعيشونها جعلتهم يستحلون افتراش أقدامهم لله، فهم لم يتكلفوا في تلك الحال، بل كانوا يتنعمون، ألم تقرأ أخبارهم مع الليل؟

قلت: بلى، فقد كانوا يحبون الليل ويحنون شوقا إليه، وقد قيل لبعضهم:(كيف أنت والليل؟)، فقال:(ما راعيته قط، يريني وجهه، ثم ينصرف وما تأملته بعد)، وقال آخر:(أنا والليل فرسا رهان، مرة يسبقني إلى الفجر، ومرة يقطعني عن الفكر)، وقيل لبعضهم:(كيف الليل عليك؟) فقال:(ساعة أنا فيها بين حالتين، أفرح بظلمته إذا جاء، وأغتم بفجره إذا طلع، ما تم فرحى به قط)، وقال آخر:(منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء سوى طلوع الفجر)، وقال آخر:(ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة)

قال: وأقوال أخرى كثيرة تنبئ عن فرحهم به.

قلت: يا معلم لكأني بنا تهنا مع أهل الليل عن أهل النهار؟

قال: ما تقصد؟

قلت: ألم يجعل الله النهار للمعايش، فقال:{ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً} (النبأ:11)؟

قال: لم نته، بل نحن نسترشد بأهل الليل لنعرف ما نعمل بالنهار.

قلت: كيف؟

قال: أهل الليل كانت لهم همة هي الترقي إلى الله، والصعود في معارج العرفان، وقد تم لهم من ذلك الكثير، ومن نجح في الليل لن يعجز أن يدلنا على النجاح في النهار.

قلت: اشرح لي، فإني لا أكاد أفهم.

قال: أهل الليل كانت لهم همة عالية، وكان لهم ما يثير تلك الهمة من الأشواق، فتحقق لهم ما أرادوا من التنعم بالتعب، والتلذذ بوطأة الليل.

قلت: فكيف نسترشد بهذا في نهار المعايش؟

قال: عندما تكون لنا أشواق الترقي عن الحضيض، والسمو عن السفاسف، والتحليق في أجواء الكمال حينها سنمتطي صهوة الزمن للعروج في معارج التمدن.

قلت: أتعني أن الشوق هو بذر الطريق.

قال: الشوق هو البذر، والزمن هو الكفيل بإنبات ذلك البذر.

قلت: فإلى أي معارج نرتقي؟

قال: ألستم متخلفون؟

قلت: بلى، بل في أرذل درجات التخلف.

قال: هذا شيء جميل.

قلت: كيف يكون شيئا جميلا، أتحسب ما نحن فيه كمالا؟

قال: لا أقصد هذا، ولكني أقصد أن شعوركم بتخلفكم شيء جميل.

قلت: لم؟

قال: لأنه سينفخ فيكم الألم الذي يجعلكم تثورون على تخلفكم، فتمتطوا الزمن كما يمتطي العداء ما بقي له من دقائق ليسابق من سبقه.

قلت: ولكن المسافة بيننا وبين من سبقنا هائلة، فلو امتطينا مراكب فضائية، لن نسبقهم.

قال: لم؟

قلت: لأنهم حينها سيكونون قد اخترعوا مراكب ضوئية.

قال: وهل تتصور أنكم ستبدأون من حيث بدأوا؟

قلت: ومن أين نبدأ إذن؟

قال: من حيث انتهوا.

قلت: كيف؟

قال: ألم يصلوا إلى أشياء فاتكم الوصول إليها؟

قلت: بلى، وهي أشياء كثيرة.

قال: فابدأوا منها، وابدأوا سباقا جديدا كل يوم، واخلعوا ثياب ماضي التخلف أو التقدم، فلا يهمكم من تخلف من أجدادكم أو تقدم، ألم تسمع قوله تعالى:{ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (البقرة:134)؟

قلت: ولكنا لا نزال في أسفل درجات التخلف.

قال: ألم تعلم كيف بدأ إطلاق أول صاروخ في الفضاء؟

قلت: بلى، ففي شهر آب (أغسطس) من عام 1932م أطلقت الجمعية الأمريكية للسياحة بين الكواكب صاروخها الأول، ولم يكن طوله يزيد عن 15 سم، وقطر قاعدته 7.5 سم، وكانت منصة الإطلاق مكونة من قائمين مصنوعين من خشب الصنوبر، وقد غطيتا بكمية وافرة من الصابون لتسهيل انطلاق الصاروخ إلى الأعلى، وقد وقف رئيس الجمعية (ديفيد لير) والمهندس (لورانس ماننغ) يراقبان عملية الإطلاق من خلف أكياس الرمل.

وتفادياً لمشكلات الإشعال فقد كلف أحد المهندسين المساعدين بإشعال الصاروخ بعود من الثقاب، وبعد ثانيتين دار المحرك كما كان مقدراً له، ولكن لم يلبث أن انفجر وطار إلى حيث وقع على بعد 170 م من منصة الإطلاق.

قال: فهل كانت هذه مسرحية هزلية، أم ماذا؟

قلت: بل كانت تجربة أثبتت جدواها بعد عقود من السنين ظل الجهد فيها مستمرا.

قال: لا تهم العقود، بل يهم الوصول، فهل وصلوا؟

قلت: أجل، ولولا تلك التجارب البسيطة ما استطاعوا ملء الفضاء بالأقمار الصناعية وغيرها، ولسنا ندري ماذا سيحصل في المستقبل.

قال: فقد بدأو بعود ثقاب، وببضع سنين.

قلت: نعم.

قال: أتدري وجه الإشارة القرآنية لهذا المعنى.

قلت: ما هي؟ فإني لا أتصور أن في القرآن الكريم حديثا عن هذا.

قال: ألم تسمع قصة الذي مر على القرية الخراب؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى في شأنه:{ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة:259)

قال: لقد تعجب أن يحيي الله تلك القرية بعد موتها، فأماته الله مائة عام ليبصر حياتها.

قلت: فهل نحتاج إلى الموت لنبصر حياة أمتنا؟

قال: لا .. بل تحتاجون إلى الحياة .. فإن استسلمتم للموت، فإن الله يحي هذه الأمة بخلف يدفنونكم في كهوف النسيان، ألم يقل الله تعالى:{ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} (محمد: 38)؟

قلت: فما الطريق؟

قال: امتطوا صهوة الزمن، واحملوا أشعة السنن لتملأوا الأرض خيرا وريا.


([1])     .

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *