مفتاح الخدمة

مفتاح الخدمة

بعد أن قال ذلك فتح لنا الباب .. لكنا ما إن سرنا قليلا حتى رأيت بابا عجيبا، علقت عليه لافتة مشعة مكتوب عليها قوله تعالى:{ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ} (الرعد: 23)،  وتحتها أو في أثنائها صورة لرجل قد التف حوله جمع غفير من الخدم، كل واحد يقدم له خدمة من الخدمات.

سألت المعلم عن سر هذا الرجل: أفرعون هذا .. أم قارون؟

قال: لا .. هذا كل مسلم .. بل كل إنسان.

قلت: كيف؟ أرى الخدم يلتفون به.

قال: هذا باب الخدمات .. وهو الباب الذي تبذل فيه كل ألوان الخدمات لمن يحتاجها.

قلت: ولكن ما سر وضع هذه الآية هنا، فلا أرى لها مناسبة.

قال المعلم: في هذه الآية إشارة بديعة إلى وجوب توفير كل الخدمات لكل من يحتاج إليها، لتسد بكل باب من الأبواب نافذة من نوافذ الحاجات.

قلت: ولكن الآية تتحدث عن الجنة.

قال: وما الذي يمنعكم أن تجعلوا من الدنيا جنة؟

قلت: ولكن الآية تتحدث عن الملائكة ـ عليهم السلام ـ

قال: وما الذي يمنعكم من التشبه بالملائكة ـ عليهم السلام ـ ألم يكن صلى الله عليه وآله وسلم يقول لأمته:(ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟)، قالوا:(يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟)، فقال:(يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف)([1])  

قلت: فكيف ندخل على الناس من كل باب؟

قال: كل باب يشير إلى حاجة من الحاجات، فالمرض حاجة تستدعي توفير الأطباء والدواء، والجوع حاجة تستدعي توفير من يقوم بتوفير الطعام ابتداء من الفلاح وانتهاء بالطباخ، والمأوى حاجة تستدعي توفير كل من يقوم به ابتداء من المهندسين، وانتهاء بكل وسائل البناء وأسبابه .. وهكذا.

التفت فرأيت أربعة أبواب مفتوحة تقابل الداخل لهذا الباب، فسألت عنها، فقال: هذه هي الأبواب التي تمثل الأركان التي تقوم عليها الخدمات.

قلت: فما هي؟

قال: التنوع، والعموم، والاحترام، والرعاية، فإن كل ما يتعلق بالخدمات من وظائف يعود إليها.

التنوع:

تقدمنا إلى باب التنوع، وقد علقت على بابه صورة مصنع ضخم تجمعت فيه كل الأعمال، ففيه آلات النسيج والتغذية والمطابع وما لا يحصى من الآلات .. بل إن أرض المصنع لم تخل من استغلال، فقد غرست فيها أصناف النباتات، والأشجار المثمرة.

قلت للمرشد: ما هذا المصنع العجيب؟ وفي أي منطقة من مناطق العالم يوجد؟ عهدي بالمصانع متخصصة في صناعات معينة؟ وعهدي بالفلاحة منفصلة عن الصناعة .. فما هذا الاختلاط؟

قال: هذا باب التنوع، وما رأيته من الصورة يشير إليه، فالتنوع يستدعي توفر كل ما رأيته وغير ما رأيته من أصناف الحاجات، واجتماعها مع بعضها يدل على وجوب التناسق بينها، فلا ينبغي للصناعة أن تضر بالزراعة، ولا ينبغي للصناعات أن يضر بعضها ببعض.

قلت: فهمت الصورة، فما الحقائق التي تنطوي عليها؟

قال المعلم: لا بد من توفر الخدمات التي يحتاج إليها البشر لاستقرارهم، فلا ينبغي التفريط في أي حاجة من الحاجات.

قلت: أليس في انشغالنا بسد منافذ الحاجات ما يشغلنا عن الله، وعن الوظيفة التي خلقنا لها؟

قال: لا .. فالله خلق لنا ما في الكون لننتفع به، فلا يجوز لنا أن نقصر في الانتفاع بما خلق الله لنا.

قلت: نعم، لقد وردت النصوص الكثيرة تخبر بتسخير الكون لنا، ولكني لا أفهم منها إلا معنى التفضل المستوجب للشكر لا معنى الإيجاب المستوجب للعمل.

قال: إن نفس معنى الشكرالذي تفهمه يدل على العمل؟

قلت: كيف ذلك؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} (سـبأ:13)؟

قلت: لقد ربط الله تعالى بين العمل والشكر، فما سر ذلك؟

قال: الشكر ينتظم ثلاثة أمور: معرفة النعمة وعلاقتها بالمنعم، والفرح الحاصل بانعامه، والقيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه .. ومن هذا الأخير يدخل العمل، ويدخل كل ما تعرفونه من الشكر بالجوارح واللسان.

قلت: عرفت الركنين الأولين لكني لم أفهم علاقة العمل بالركن الثالث.

قال: الركن الثالث من أركان الشكر يتعلق بالجوارح .. بأن تستعمل نعم الله تعالى في طاعته والتوقى من الاستعانة بها على معصيته، فشكر كل نعمة لا يتم إلا باستخدامها فيما خلقت له.

قلت: فهمت كل هذا .. ولكني لا أقصد بالعمل إلا ما يتمحض منه للدنيا.

قال: لا فرق بين الدنيا والآخرة .. ولا بين الدين والحياة .. ألم تسمع قوله تعالى:{ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} (الأنعام:138)

قلت: هذه الآيات تشدد على الذين حرموا ما رزقهم الله من النعم معتبرة ذلك من الافتراء على الله.

قال: فهي لذلك تدعوكم إلى تناول هذه النعم باسم الله ليكون تناولكم لها جزءا من شكركم لله.

قلت: لم أفهم هذا .. فلا أرى في التناول شكرا.

قال: أرأيت لو أن محسنا أهدى إليك قميصا .. فرحت ووضعت ذلك القميص في القمامة .. وفي موضع يراه .. ألا تعتبر بذلك قد رددت هديته بأبشع رد؟

قلت: أجل.

قال: فكذلك نعم الله التي أهداها لنا من شكرها أن نتناولها باسمه، ونستعملها فيما أمر، ولا نرميها في القمامات.. فقد سخر الله لنا كل شيء، فإن استفدنا مما سخر الله لنا نكون قد أدينا شكر ذلك المسخر، وإلا كنا مقصرين في الشكر، ولهذا اعتبر الله عمل آل دود الحضاري شكرا.

قلت: فنحن في عصرنا إذن قد تحققنا بقمة شكر الله، فإنا لم نترك قانونا من قوانين الكون إلا سخرناه.

قال: لا .. الشكر يستدعي معرفة المنعم .. فلا يكفي أن تستعمل النعمة وتغيب عن المنعم بها.

قلت: ألا يدخل في هذا الباب ما ورد في النصوص من أمره صلى الله عليه وآله وسلم بتناول الطعام الساقط على الأرض وعدم تركه للشيطان، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذىً وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه؛ فإنه لا يدري في أي طعامه البركة)([2]

قال: أجل، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يحذرنا من التفريط في النعمة صغيرها وكبيرها .. حتى ما يبقى في القصعة أو في الأصابع .. وقد ربط صلى الله عليه وآله وسلم هذا بالشيطان، لأن الشيطان يمثل جحود النعم، ولهذا اعتبر المبذر من إخوان الشيطان، كما قال تعالى:{ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً} (الاسراء:27)

قلت: على هذا الاعتبار أيأثم من له مورد من موراد الرزق يملكه، ولكنه لا يستغله.

قال: أجل .. فقد عرفنا أنه لا حق لأحد في شيء، فالمال مال الله، والعبد مستخلف فيه، فلا يحق له أن يكنز من مال الله ما يعود ضرره على خلق الله، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم :(من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه)([3])..

قلت: بلى.

قال: فلا يحل لأحد أن يترك نعمة من نعم الله لا يستسخرها فيما ينتفع به الخلق.

قلت: أتعلم يا معلم أن هذا الأصل الذي ذكرته يجعل جميع الخدمات التي يحتاج إليها الإنسان تخرج من باب الشكر لا من باب الأنانية والهوى؟

قال: أجل .. وهذه هي نظرة المؤمن في تناوله الأشياء وتسخيره لها .. هو يتناولها من باب العبودية لله، أما غيره فيتناولها، وهو يصارع في تناولها .. فلذلك قد يعبث بها، أو يسخرها فيما لم تخلق له، ألم تقرأ شكوى العصفور ؟

قلت: بلى، فقد أنكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على من قتل عصفوراً عبثاً، وأخبر أنه سيشكو إلى الله قاتله يوم القيامة قائلا:(يا رب، قتلني عبثاً ولم يقتلني منفعة)([4])

قال: ألا تسمع صياح آلاف الأبقار وشكاواهم؟

قلت: أسمع خوارهم، ولا أسمع شكاواهم.

قال: أولئك المجرمون غلاظ القلوب الذين يضعون الثيران في حلبات، ثم يطعنونهم بما شاءت لهم قلوبهم القاسية، أرحم أم هذا الذي ركب على البقرة؟

قلت: بل هو أرحم، فلعل المسكين احتاج إلى ركوبها، أما هؤلاء فلا مبرر لما يفعلونه سوى ما تنفخه شياطينهم فيهم من القوة الكاذبة.

قال: فأنت تسخرون كثيرا من قوانين الكون، ولكنكم تخلطون التسخير بعبث كثير.

قلت: فحدثنا عنه حتى نتقيه.

قال: ذلك درس آخر من دروس السلام.

قلت: متى موعده؟

قال: حين نرحل إلى (أكوان الله)

قلت: عرفت أصول التنوع، فما أصول التنسيق بين الأنواع؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحديد:25)

قلت: بلى، فالله تعالى يمن على عباده بما أنزل عليهم من الكتاب والميزان والحديد.

قال: ألا ترى ذلك الجمال في اجتماع هذه جميعا في محل واحد، ثم التعبير عنها جميعا بكونها منزلة من الله.

قلت: بلى، بل إني أرى ضرورتها جميعا، فلا يصح أن نكتفي بأحدها دون الآخر.

قال: فالله تعالى في هذه الآية عندما ذكر الحديد، هل اكتفى بوجه من وجوه صناعته؟

قلت: كلا، بل إن الله تعالى جمع في الآية بين الصناعات السلمية للحديد، والصناعات الحربية.

قال: فهل تستقيم الحياة بوجه واحد من وجوه الصناعة؟

قلت: كلا .. إلا إذا عمر السلام العالم، فحينذاك لن يحتاجوا إلى الصناعات الحربية.

قال: وذلك لن يكون .. فالبشر هم البشر.

قلت: وبذلك ستظل الحاجة إلى حمل السلاح دائمة .. وإلى صناعة السلاح ضرورة.

قال: فقد فهمت إذن معنى التناسق.

قلت: أتقصد أنه مراعاة جميع الحاجات، والاهتمام بها جميعا في نسق واحد.

قال: أجل، بل إن في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا تبايعتم بالعينة، ورميتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم،حتى تراجعوا دينكم)([5]) دليلا على هذا.

قلت: كيف، فالحديث ينهى عن الركون للأرض، وإن من قومي من يفهمه عكس ما تريده .. فهو يفهم منه ضرورة الاهتمام بالجهاد، وإغفال الجوانب الأخرى.

قال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث لم ينه عن التجارة، ولا عن الزراعة، وإنما ينهى عن ترك الجهاد في سبيل الله، لما في تركه من الثغرات التي تطمع الأعداء، وتمكن لهم.

قلت: كأنك تقصد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث ينهى عن استغلال الحديد في الجانب السلمي فقط.

قال: أجل .. مادام الصراع موجودا، فلا بد من توفر الحديد الذي يردع النفوس المصارعة، وهكذا .. فكل حاجة من الحاجات منفذ من المنافذ يحتاج إلى ما يسده .. أتحسب أن الحروب تأتيكم فقط من الجيوش المحاربة؟

قلت: أتقصد الاستعمار الثقافي والاقتصادي .. وغيرها؟

قال: أقصد استعمار كل شيء لكم حتى استعمار الفيروسات والجراثيم .. فإنها إن لم تلاق بجنود من الأطباء يردعونها، فستعيث في أرض أجسادكم من الفساد ما لا يستطيع أي عدو القيام به.

الاحترام:

تقدمنا إلى الباب الثاني من أبواب الخدمات، وقد علقت على بابه صورة، لست أدري هل كانت كاريكاتورا ساخرا، أم أن صاحبها جاد فيما قصده، فقد صورت أناسا محترمين ببذلات مهنهم، بعضهم أطباء، وآخرون قضاة، وآخرون أساتذة، بل بعضهم سياسيين وحكاما، وليس في هذا كله أي غرابة، ولكن الغرابة هي وضعهم في مرتبة واحدة مع الكناسين والحمالين، أو ما يسميهم بعض الفقهاء بأصحاب الصناعات الدنية.

سألت المعلم عن سر هذه الصورة، والمعنى الذي ترمز له، فقال: هذا باب الاحترام، وهذه صورته، فالعمال كلهم محترمون .. فلا وضيع بينهم ولا محتقر.

قلت: ولكن الخلق يكادون يتفقون على شرف بعض الحرف ووضاعة بعضها، بل إن من الفقهاء من اعتبروا الكفاءة في الحرفة، وقد سئل بعضهم عن تاجر قمح يقرأ بعض القرآن زوج ابنته لرجل شلبي طحان، فهل الزوج كفء لها وهل العقد صحيح أو لا؟ فأجاب:(أنه ليس الزوج كفء الزوجة ونكاحها باطل)([6])، وليس ذلك لأجل القرآن، لأن القرآن ليس حرفة، وإنما لأجل التجارة.

قال: وبم يستدلون على ذلك؟

قلت: يروون في ذلك حديثا يقول: (الناس أكفاء إلا الحائك والحجام)([7])، وهو مع ضعفه الشديد إلا أنهم يقبلون الاستدلال به، وقد روي أنه قيل لأحمد في هذا الحديث:كيف تأخذ به وأنت تضعفه؟ قال: العمل عليه. يعني أنه ورد موافقا لأهل العرف)([8]).. ويستدلون كذلك بقوله تعالى:{ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ }(النحل:71)

قال: أما الحديث، فيكفي فيه ما قال المحدثون، ولو أجزنا الاستدلال بمثل هذا لخربنا الشريعة، بل لخربنا الدين جميعا عقيدة وشريعة.. أما الآية فليس لهم فيها مطمع، فالتفاضل في الأرزاق لا يعني تفاضل أصحابها، ولو كان الأمر كذلك لكان الرعي أشرف الحرف، ألم يرع الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ الأغنام..

ثم أين تراهم يضعون قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات:13)؟

ثم .. لو أن هؤلاء الكناسين والحمالين تركوا هذه المهن الوضيعة التي رماهم بها هؤلاء الفقهاء، وذهبوا جميعا إلى المهن الشريفة التي تخول لهم الزواج بمن شاءوا من النساء، هل تستقيم الحياة؟

قلت: لا شك أنه لو ترك عمال النظافة التنظيف أسبوعا واحدا لامتلأت الشوراع بالأوساخ والقاذورات، ولهرب الناس إلى البوادي يطلبون العافية.

قال: فكيف تعتبرون مهن هؤلاء المنظفين خسيسة؟

قلت: فما الأصل الذي دعا الفقهاء إلى هذا؟

قال: هو الأعراف المنحرفة التي أسسها المترفون، وأرادوا أن ينسخوا دين الله بها ..

قلت: ولكن العرف مصدر من مصادر الشريعة.

قال: عرف الصالحين، لا عرف المترفين، وعرف المقربين، لا عرف الفاسقين، وعرف السامعين من الله، لا عرف المستقبلين لإلهام الشياطين.

قلت: يا معلم .. أتعلم أن من اكبر أسباب البطالة في عصرنا، والمؤدية إلى الفقر هذا الجانب؟

قال: كيف؟

قلت: إن الكثير من المتخرجين من الجامعات عندنا تربأ أنفسهم في بداية حياتهم العملية من أي عمل قد لا يتناسب مع البذلات التي يلبسونها، فيظلون يحلمون بمكاتب مكيفة إلى أن ينطوي بساط العمر من بين أيديهم من غير أن يفعلوا شيئا.

قال: فهلا اقتحموا مستنقعات الحياة، ليستخرجوا منها لآلئ النجاح.

قلت: وهل في المستنقعات لآلئ.

قال: اللآلئ والكنوز في كل محل، ففضل الله واسع وبره عظيم، ولكنه لا ينال إلا الباحثين المجدين.

العموم:

تقدمنا إلى الباب الثالث من أبواب الخدمات، فرأيت أرزاقا شتى تنزل على خلق كثير، فلا تميز في نزولها بين غني وفقير، وشريف ووضيع.

فسألت المعلم عنها، فقال: هذا باب العموم.

قلت: وما باب العموم؟

قال: هو الباب الذي ينتشر منه فضل الله على خلق الله.

قلت: وخدماتنا تنشر فضل الله على خلق الله.

قال: خدماتكم تميز بين الخلق، فتهطل وابلا صيبا على السمان، وتترك المهزولين يموتون بهزالهم.

قلت: ولكن المهزولين ليس لديهم من المال ما يسددون به ثمن الخدمات.

قال: الخدمات حق من حقوق الخلق، ولا علاقة لها بقدرتهم على السداد.

قلت: فكيف يتمبز الأغنياء عن الفقراء إذن إذا تساووا في الخدمات؟

قال: الأغنياء يملكون، والفقراء يستفيدون.

قلت: فهم طفيليون إذن.

قال: لا .. الطفيلي هو الذي يستفيد من غير أن يكون له حق في الاستفادة، أما الفقراء فيستفيدون ما هو حق لهم.

قلت: بأي وصف نالوا هذا الحق؟

قال: بوصف فقرهم.

قلت: وهل الفقر صك يجوز لهم تناول الخدمات من غير أن يدفعوا ما يقابلها؟

قال: نعم .. فلا ينبغي أن يحرم الفقراء من حقوقهم بسبب فقرهم.

الرعاية:

تقدمنا إلى الباب الرابع من أبواب الخدمات، فرأيت عمالا بثياب مهنهم، منشغلون انشغالا كليا، فلا تطرف لهم عين، ولا ينشغل منهم عضو بغير ما هم فيه، فقلت في نفسي: ما أصدق هؤلاء العمال، وما أعظم إخلاصهم، ليتني قدرت على حملهم إلى بلادي .. إذن لنجحت في كل مشروع أقوم به.

وبينما أنا كذلك إذ رأيت شخصا لا يكاد يختلف عنهم، ولكنه مع ذلك يبدو أنه صاحب المصنع، فقد كان يتفقدهم، ولكنه لا يتفقد فقط إتقانهم، بل يتفقد حاجاتهم، ويسألهم عن أهلهم، ويعطي كل واحد منهم ما يحتاجه، وهم يبتسمون له، ويبتسم لهم، فقلت: لا غرابة أن يصدر منهم كل ذلك الإخلاص، ورئيسهم يتعامل معهم بهذا الأسلوب.

قال: نعم، فهذا باب الرعاية، وهو الباب الذي يخدم أصحاب الخدمات .. فلا يمكن للخدمات أن تتم، والقائمون عليها ضائعون.

قلت: أتقصد حقوق العمال؟

قال: الرعاية أعظم من الحقوق .. الحقوق فيها نفحة من نفحات الصراع .. أما الرعاية ففيها نفحة من نفحات الأبوة والأخوة ..

قلت: فما الفرق بين الرعاية والحقوق؟

قال: من وجوه شتى، أقلها أنكم لا تعتبرون الابتسامة حقا من الحقوق.

ضحكت، وقلت: الابتسامة .. وما جدواها .. لا هي تطبخ، فتؤكل، ولا هي تفصل، فتلبس.

قال: وهل الحياة أكل ولباس؟ أين المشاعرالطيبة، والنفس المطمئنة الوديعة، ألم يكن من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طلاقة الوجه وانشراح الأسارير والابتسامة إلى درجة أن لوحظ ذلك عليه، فقال بعضهم: ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ([9]).

قلت: أجل، ولهذا لا تذكر وجوه المؤمنين في القرآن إلا مستبشرة منطلقة مسفرة ضاحكة، ولا تذكر وجوه غيرهم إلا وعليها غبرة ترهقها قترة.. وقد بين صلى الله عليه وآله وسلم الثمرة التي تجنى من هذا السلوك السهل البسيط الذي ينتفع به الجسم والروح والأهل والمجتمع بقوله:) إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجوه وحسن الخلق) ([10])

قلت: فنحن نسمي هذا النوع من الحقوق:(الحقوق النفسية)

قال: سموها بما تشاءون .. المهم أن تعيشوها وتطبقوها.

قلت: لا أكتمك أن كثيرا من الرؤساء عندنا يحرصون على ألا يظهروا إلا بوجوه عابسة مكفهرة.

قال: لم .. أهم في مأتم دائم؟

قلت: لا .. ولكن يخشون إن أظهروا بعض التواضع لعمالهم أن يتسلطوا عليهم .. أو يستهينوا بأعمالهم.

قال: الصراع إذن هو السبب .. ألم أقل لك: إن الصراع هو سم الحياة .. فليتعلموا السلام.. فلا يبتسم إلا من تعلم السلام.

قلت: فهمت الحق الأول، فما الحق الثاني؟

قال: هو ما عبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:(اعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)([11])، بل أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن من الثلاثة الذين يخاصمهم الله يوم القيامة:(ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يعطه أجره)([12])

قلت: تقصد حق العامل في أجرة عمله.

قال: أجل .. فهذا من الجهد المشروع المتج.

قلت: نحن لا نختلف في هذا .. فليس هناك عامل في الدنيا إلا وينال أجره.

قال: لا .. أنتم تظلمون العمال ظلما عظيما .. فلا تعدلون في الأجور .. بل تجعلون الناس طبقات مختلفة، فترفعون المرتفع، وتخفضون المنخفض.

قلت: أتريد أن نخفض المرتفع، ونرفع المنخفض ليتساويا .. هذه شيوعية.

قال: هذه عدالة .. وسمها بأي اسم شئت؟

قلت:  كلامك صحيح.. ولكن الأمر مختلف عندنا ..

قال: لقد خالفتم فخولف بكم.

قلت: ما هذا؟

قال: ألا تعلم أن الله لا يغير عادته مع قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

قلت: بلى.

قال: فالله تعالى أكرمكم بما أكرمكم به من عزة وعدل ووحدة، فلما خالفتم أصابكم ما أصاب كل مخالف، ألم تسمع قوله تعالى:{ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً} (مريم:59)، فاحذروا من الغي؟

قلت: هو واد في جهنم.

قال: ومثله وديان في الدنيا .. فالله ديان الدنيا والآخرة.

قلت: يا معلم .. دعنا من الوزراء ومن فوقهم، ولنتكلم عمن تحتهم.

قال: سل ما بدا لك.

قلت: إن من قومي من يجعلون المستأجر حرا في التعامل مع أجرائه، فالمال ماله والعمل عمله، فلذلك له أن يفرض من الأجور ما يشاء .. أما العميل فهو بين أن يقبل أو يرفض.

قال: هذا صحيح، فقد وسع الله على الخلق في هذا الباب، وهو ما يدعو إلى التنافس.

قلت: ولكن هذا قد استغله البعض فظلموا العمال مستغلين حاجتهم.

قال: يمنع الظالم من ظلمه.

قلت: ولو بمخالفة ما ذكر الفقهاء.

قال: الفقهاء ذكروا لأصل .. ولكنهم يتفقون على تحريم الضرر، فلذلك لو ظلم العامل بطلب ما يفوق أجره، أو طلب المستأجر بما يفوق عمل العامل رد إلى العدل.

قلت: أهذا تسعير للأجرة؟

قال: لا .. هذا رد للعدل .. فلا يحل لأحد أن يظلم أحدا مستغلا حاجته وضرورته.

قلت: فما الحق الثالث؟

قال: حق الراحة بعد العناء، والتفرغ لله بعد النصب، ألم تسمع قوله تعالى:{ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} (الشرح:7 ـ 8)

قلت: بلى .. ولكن ما محل هذه الآية هنا .. هي تتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تقول له:(إذا فرغت من أُمور الدنيا وأشغالها، وقطعت علائقها فانصب إلى العبادة، وقم إليها نشيطاً فارغ البال، واخلص لربك النية والرغبة).. ولكن هذا المعنى لا علاقة له بهذا الباب.

قال: كيف يتفرغ العامل لله إن لم تترك له فرصة للتفرغ.

قلت: له فرصة للتفرغ كل يوم في وقت الراحة.

قال: تلك الفرصة اليومية، وأنتم تفسدونها ببرامج أعمالكم.

قلت: وهل هناك فرصة أخرى.

قال: فرصة العمر .. الراحة التي يتسلمها العامل بعد انتهاء أشغال العمر.

قلت: تقصد التقاعد.

قال: أنتم تسمونها كذلك .. أما نحن فنسميها التفرغ لله .. ألم تقرأ ما ذكره بعض السلف عن أهل المدينة؟

قلت: تقصد قوله عن تفرغ أهل المدينة لله إذا بلغوا الأربعين.

قال: أجل، ويشير إليه قوله تعالى:{ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (الاحقاف: 15)

قلت: أتقصد أن نجعل سن التقاعد يبدأ من الأربعين، إن العامل عندنا يبدأ عمله من الأربعين، ويتزوج في سن الأربعين ..

قال: أنا لا أحدد لك سنا معينة، ولست أعني بالتفرغ ما تفهمونه من التقاعد .. فأنتم أعلم بأمور دنياكم.

قلت: وماذا تعني؟

قال: أعني أن يمنح العامل في سن معينة ما يتيح له أن ينصب لله بعد نصبه في عمله.

قلت: تقصد أن يخفف عنه.

قال: بحسب عمله .. أما أصحاب الأشغال الشاقة فبحسب ما تتيح لهم وظائفهم .. وأما العالم فمن المحبرة إلى المقبرة .. إلا إذا قعدت قواه العقلية عن ذلك.


([1])   رواه مسلم.

([2])    رواه مسلم.

([3])    رواه البخاري ومسلم.

([4])    رواه أحمد والنسائي وابن حبان.

([5])    رواه أحمد والطبراني والبيهقي.

(1)     فتاوى الرملي:3/159

(2)    روي الحديث بطرق مختلفة وكلها ضعيفة أو موضوعة، نصب الراية:3/398.

(3)    المغني:7/29.

(1)    رواه  الترمذي وأحمد.

(1)  رواه ابن أبي شيبة.

([11])    رواه ابن ماجة.

([12])    رواه البخاري.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *