مفتاح الحماية

مفتاح الحماية

بعد أن قال ذلك فتح لنا الباب .. لكنا ما إن سرنا قليلا حتى رأيت بابا عجيبا، علقت عليه لافتة مشعة مكتوب عليها قوله تعالى:{ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} (قريش: 4)

ورأيت في مدخل الباب أقواما هم أشبه بالجنود والشرطة، ولكنهم لا يحملون أذناب البقر، ولا يعبسون في وجوه الناس، ولا يرتدون الخوذات الواقية.

فقلت للمعلم: ما بال هؤلاء .. ألا يخافون أن تطحن رؤوسهم بالحجارة، ومن يرهبهم وهم لا يحملون أذناب البقر؟

ضحك، وقال: وما أذناب البقر؟

قلت: تلك التي أخبر عنها صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:(صنفان من أهل النار لم أرهم بعد: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا)([1])

قال: وهل ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هؤلاء ليحث على الاقتداء بهم، أم ذكرهم ليستهجن أسلوبهم؟

قلت: بل ذكرهم كرمز للقمع والظلم.

قال: فاعلم إذن أن السلام لا يصنعه هؤلاء، فالأمن لا تحققه الهراوات، ولا المدافع، ولا السجون..

صحت: فما الذي يحققه؟ .. وما الذي يردع النفوس الظالمة، والقلوب القاسية، والعيون المتحجرة؟ .. من الذي يحطم ذلك الكبرياء الذي تمتلئ به نفوس المجرمين، فيقدمون أنانيتهم على كل شيء؟

قال بهدوئه المعتاد: السلام.

قلت: أبهذه البساطة؟ .. إن الأمر أخطر من هذا بكثير.

قال: أنتم تبحثون عن الأمن .. ولا يمكنكم تحقيقه إلا بالسلام ..

قلت: ومن نسالم .. أنسالم الذين يقتلوننا، ويمدون أيديهم لدمائنا يمتصونها؟

قال: نعم .. السلام لا يتعامل مع كل شيء إلا بالسلام.

قلت: أنت تحيرني يا معلم .. فأفصح .. فقد يفهم كلامك خطأ، فالسلام عند بعضنا مرادف للخنوع والذلة.

قال: لا .. السلام هو العزة والكرامة والرفعة .. ولا يصح أن يرادف الخنوع والذلة.

قلت: فكيف نتعامل إذن مع من يظلموننا؟

قال: بالسلام تتعامل مع من يظلمك، ومن لا يظلمك.

قلت: لقد عدنا يامعلم، فوضح.

قال: أجبني: في أي باب نحن؟

قلت: في باب الحماية.

قال: وما تعني الحماية؟

قلت: الأمن.

قال: أي أمن؟

قلت: الأمن الداخلي والخارجي.

قال: فبم يتحقق الأمن الداخلي والخارجي؟

قلت: أما الأول فيتحقق بمجوعات كثيرة منها الشرطة والمخابرات وفرق التدخل السريع والحرس الملكي أو الجمهوري أو الوطني أو .. وأما الثاني، فيتحقق بالجيش وبالأسلحة التي تمتلكها الجيوش.

قال: فقد ذكرت صنفين من أصناف الحماية.

قلت: أجل: حماية داخلية، وحماية خارجية.

الحماية الداخلية:

قال: فلنبدأ بالحماية الداخلية.

قلت: هي الحماية التي تمثلها الشرطة وغيرها من المكلفين بحفظ الأمن الداخلي.

قال: فما وظيفتهم؟

قلت: يراقبون حركات المجتمع، ليردعوا الظالم، ويعينوا المظلوم.

قال: أهذه هي الحماية في تصوركم؟

قلت: أجل، وفي تصور جميع الناس، ولا أرى أن هناك تصورا آخر .. بل لا أرى أنه يمكن أن تكون هناك مدينة بلا شرطة إلا في حالة واحدة هي أن يكون سكان المدينة ملائكة لا بشرا.

قال: ولكن الجنة مدينة الحضارة الربانية لا تحتوي على الشرطة.

قلت: تلك الجنة، وهي التي قال الله تعالى فيها:{ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} (لأعراف: 43)، وقال فيها:{ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} (الحجر:47)

قال: فما تعني؟

قلت: إن طهارة قلوب أهل الجنة تجعلهم لا يحتاجون إلى الشرطة.

قال: لماذا؟

قلت: لأن أساس الجرائم جميعا مهما تنوعت يرجع إلى الصدور المملوءة بالأمراض من غل وحسد وحرص وجشع .. فلولاها لما ظهرت السرقة والقتل وجميع أنوع الجنايات.

قال: فسبب الجرائم الداخلية إذن هي الصدور المظلمة بأوزار الذنوب.

قلت: أجل، لا شك في ذلك .. ولهذا خلت الجنة من الجرائم لطيبة أهلها، كما قال تعالى:{ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} (الزمر:73)، فقد كانت طبيتهم هي المفتاح الذي فتحت لهم به الجنة.

قال: فحضارة الجنة إذن مبنية على طيبة أهلها.

قلت: إلى الآن ـ يا معلم ـ لم أفهم سر تعبيرك عن الجنة بكونها حضارة .. الجنة هبة ربانية، وليست حضارة مكتسبة.

قال: ستفهم سر هذا عندما نرحل إلى (دور السعادة) .. ولكن أليس تفاضل أهل الجنة في الجنة منطلقه الكسب؟

قلت: بلى، قد قال تعالى:{ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (لأعراف: 43)

قال: فالحضارة كذلك هبة من الله، وهي تنال بالكسب، وهي درجات قد تصلون إلى قمتها إذا تحققتم بما يتطلب هذا الكسب من سلوك.

قلت: فهمت هذا .. ولكني لم أفهم تحقيق الحماية بالسلام بدل الشرطة.

قال: أنا لم أقل:(استغنوا عن الشرطة، وعن جميع الأجهزة المذكورة) ولكني قلت: علموا الشرطة أن يقضوا على الجريمة بالسلام.

ضحكت، وقلت: عدنا إلى السلام.

قال: نعم .. فهو الحل .. وهو مفتاح الحضارة .. فلا يمكن لأمة أن تتحضر الحضارة الحقيقية، الحضارة الفردوسية، وهي تصارع.

قلت: أتطلب من الشرطة إذن أن يعلموا السلام.

قال: أجل .. بسلوكهم وأخلاقهم، لا بأذناب البقر التي يحملونها.

قلت: فهمت الآن .. أنت تخالف أساليب الشرطة القاسية.

قال: أنا لا أخالف ذلك فقط .. بل أخالف أساس وظيفتهم التي ينالون عليها رزقهم.

قلت: لقد أقررت بضرورة وجودهم.

قال: أجل .. فوجودهم فرض في الواقع.

قلت: فكيف تناقش في أساس وظيفتهم؟

قال: أرأيت لو أن كل شرطي وقف يعلم الناس ما يقتضيه السلام من أخلاق مما يحد من الجريمة.. أتبقى هناك جريمة؟

قلت: لعل الناس سيضحكون من سلوكه، ويقولون له: اذهب إلى المسجد، فهو أولى بك من هذا المحل.

قال: هذه بدع ابتدعتموها، أو أعراف تعارفتم عليها، أو سنة من سنن من قبلكم، ومن معكم حذوتم حذوها .. رأيتم الشرطة عابسين فعبستم، ورأيتموهم يحملون أذناب البقر، فحملتموها، ورأيتم كل شرطي يحمل مسدسا، فحملتم، ثم تصورتم أن أمنكم موكول بذلك المسدس الذي يحمله ذلك الشرطي .. ثم لم تكتفوا بذلك، بل رحتم تصورون الأفلام البوليسية الكثيرة، والتي تبدأ بإطلاق الرصاص، وتنتهي بإطلاق الرصاص.

قلت: هذا واقع يا معلم .. أتريد من الأفلام البوليسية أن تبدأ بالمصافحات، وتنتهي بالمصافحات؟

قال: فالشرطي الناجح هو الشرطي الذي ينسى سلاحه.

قلت: سيحكم عليه بالإعدام إن نساه.

قال: ولكنهم لا يحكمون عليه بالإعدام إن لم ينسه.

قلت: هذه وظيفته.

قال: التي ابتدعتموها.

قلت: ولكن الاقتراح الذي تطرحه يكاد يكون محالا.

قال: لقد جربتم الكثير من الطرق والسياسات .. جربتم الشيوعية والاشتراكية الرأسمالية .. فلا عليكم أن تجربوا هذا الاقتراح.

قلت: أتقصد أن نعلم الشرطة الأخلاق بدل تعليمهم السلاح.

قال: السلاح يتعمله كل مؤمن لوجه الله، ولا يتعلمه الشرطي فقط، والأخلاق يتعلمها كذلك كل مؤمن.

قلت: فبم يتميز الشرطي؟

قال: بالسلوك والتعليم.

قلت: إذن يصبح كل الشرطة معلمين .. فكم من المدارس يكفي لذلك؟ وأين نضع المعلمين؟

قال: لا .. الشرطة يعلمون في الشوارع والطرقات .. وفي الأسواق والحدائق .. يراقبون سلوك الناس وينصحونهم.

قلت: فهمت .. أنت تتحدث عن المحتسب .. لا عن الشرطي.

قال: لا فرق بينهما .. بل إن ذهاب من تسمونه بالمحتسب هو الذي رفع البركة فملأ دكاكين الشرطة بالزبائن.

ضحكت، وقلت: أللشرطة دكاكين؟

قال: لكل قوم دكاكينهم.

قلت: فمخازنهم إذن هي سجونهم؟

قال: أجل .. فقد ملأتم خزائن الشرطة بجميع أصناف البضاعات البشرية.

قلت: هذا واقع .. فما علاجه؟

قال: أن تلبسوا الشرطي لباس المحتسب .. فلا يتعامل بالسلاح فقط .. بل يتعامل بالعلم والتعليم والتربية والنصح .. فالخلق لا يؤدبهم السلاح .. بل يؤدبهم السلام.

قلت: فهمت الآن قصدك من استخدام السلام وسيلة للحماية.

قال: هذا حل من الحلول .. فالأمن لا يمكن أن يصنعه الشرطي وحده؟

قلت: فمن يصنعهم عداهم؟

قال: ألم تقل بأن النفوس الطيبة لأهل الجنة هي التي منعت ظهور المجرمين؟

قلت: أجل.

 قال: فضعوا جزءا من تلك الأموال الكثيرة التي تخدمون بها الأمن في ملأ القلوب بالطيبة ونزع الأحقاد .. فسوف تكفون كل شر.

قلت: بماذا؟

قال: بتعليم السلام .. فإنكم تتفننون في تعليم الصراع أكثر من تفننكم في تعليم السلام.

قلت: نعلم الصراع ..

قال: نعم .. تلك الأفلام البوليسية ألا تعلم الصراع؟

قلت: بلى .. بكل أسف .. بل هي جامعة لتعليم جميع أنواع الإجرام.

قال: فلو أنكم بدلها .. وبدون حاجة إلى مسدسات علمتم الناس فنون الابتسامة العذبة، وفنون { لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ } (المائدة: 28)([2]) لتخلوا عن الصراع، ولجعلوا القوي في نظرهم هو قوي الروح لا قوي الجسد، فليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.

قلت: فكيف السبيل إلى ذلك؟

قال: بتعليمهم الإيمان.

قلت: الناس مؤمنون بحمد الله ورثوا الإيمان أبا عن جد.

قال: دعوكم من الإيمان الوراثي .. فالإيمان لا يورث .. الإيمان جدة وحياة، وأنتم تبلونه وتقتلونه بالوراثة.

قلت: فكيف نحييه .. وكيف نجدده؟

قال: نفس الأساليب التي تحيون بها الصراع في النفوس أحيوا بها السلام فيها.

قلت: تقصد التعليم والإعلام ..

قال: كل ما تمارسونه من أساليب لإحياء الصراع مارسوها لتعليم الإيمان الذي هو مفتاح السلام.

الحماية الخارجية:

قلت: حدثتني عن الحماية الداخلية، فحدثني عن الحماية الخارجية؟

قال: من يتكفل بها بين قومك؟

قلت: الجيوش المجيشة، والآلات العسكرية المتطورة.

قال: فكم تصرفون من أموال على هذه الجيوش، وما تستعمله من أسلحة؟

قلت: ما يكفي لإغناء الشعب كله.

قال: وبأي حجة تصرفون كل هذه المصاريف؟

قلت: لا يمكن للناس أن يعيشوا أغنياء، وهم يخافون، ألا تعلم يا معلم أن الأمن شيء أساسي في الحياة؟

قال: بلى، فقد ذكره الله في مواضع كثيرة شرطا من شروط الحياة، وركنا من أركانها.. ولكن ما علاقة هذه الجيوش بالأمن؟

قلت: هي التي تحمينا إن داهمنا العدو.

قال: اذكر لي مثالا واحدا حمت فيه الجيوش بلادها من الاستعمار.

قلت: الآن .. لا أذكر .. ولكن لا أتصور أن للجيوش دورا آخر غير حماية بلادها.

قال: سأضرب لك مثالا عن دولة من دولكم صرفت أموالا ضخمة على جيوشها، وعلى ترسانتها العسكرية حتى أصبحت قوة من القوى يحسب لها كل حساب .. أتدري من هي؟ وما مصير جميع أسلحتها؟ بل ما مصير شعبها؟

قلت: أجل .. أدري، وأتأسف.

قال: على ماذا تتأسف؟

قلت: على الذي حل بها .. فهم قوم من قومي ممتلئون طيبة وكرامة وإيمانا.

قال: السلام لا يحب التأسف، ولايحب المتأسفين، ألم تسمع قوله تعالى:{ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ } (آل عمران: 153)

 قلت: بلى .. ولكنه حادث عظيم.

قال: ولكن العبرة منه ـ إن استفدتم منها ـ قد تكون أعظم مما فاتكم .. فالأسف لا يجدي، ولا ينفع.

قلت: وبماذا نعتبر؟

قال: أنتم منذ فترة طويلة تتأسفون على تخلفكم العسكري، ولا تتأسفون على تخلفكم الأخلاقي.. فجاءت هذه الأحداث لتنبهكم على أن التقدم العسكري لا ينفع وحده .. بل قد يكون داء من الأدواء الخطيرة ..

ثم سكت برهة، وقال: هيا لنمحو بعض الزمن .. أو لنعد تركيب الزمن .. ولنبحث عن موضع العبرة.

قلت: نمحو الزمن .. ونركب الزمن .. كيف؟

قال: لنفرض أن تلك البلاد توجهت بجميع ما آتاها الله من ثروة في خدمة اقتصادها وشعوبها وسمعتها الطيبة في العالم .. بحيث صارت مضرب المثل في كرامتها وشهامتها ونبلها .. وصار حكامها مضرب المثل في عدلهم وإخلاصهم وحكمتهم .. ولنفرض جدلا أنهم لم يصنعوا أي سلاح.. بل ولم يدربوا أي جندي .. هل كان يمكن أن يحدث لهم ما حدث؟ .. أو يمكن أن يحصل لجيرانهم بسببهم ما حصل؟

قلت: إن شئت الصدق .. فإنه لو حصل ما ذكرت لتغير التاريخ تماما.

قال: كيف؟

قلت: دعني أجنح بخيالي لأرى ما سيمكن أن يحصل.

قال: اجنح بخيالك .. فلا خير فيمن لم يستعمل هذه الطاقة العظيمة التي وهبها الله له.

سرحت بذهني أقول، وكأني أرى ما أقول: تلك ثروة عظيمة من الله بها علينا، فرحنا نحسبها .. نقسمها فلسا فلسا .. وضعنا نصيبا وافرا منها في خطة مستعجلة للقضاء على الفقر وقتله.. ونصيبا آخر لرفع الاقتصاد وبناء المؤسسات التي لا تحوجنا لأحد من الخلق .. ونصيبا آخر لنشر العلم وبجانبه التربية .. ونصيبا آخر للإعلام .. ننشر القنوات الفضائية الملتزمة .. وننشر الكتب بكل لغات العالم .. لنعود كما كنا مهدا للحضارة .. وحينها ستشتاق جميع أفئدة العالم لزيارة بلادنا، والتبرك بثراها.. وسوف لا نبخل عليهم .. بل نحسن معاملتهم .. ونتألف قلوبهم، ونريهم من نحن، بل نريهم حقيقة الإنسان التي غفلوا عنها.

قال: والميزانية العسكرية الضخمة؟

قلت: لن نحتاج إليها .. لأن الحب الذي عمرنا به قلوب العالم نحونا يجعلهم لا يفكرون في غزونا ولا قهرنا ولا الاستيلاء علينا، فإن فكروا لم يجدوا الشعوب التي تؤيدهم .. ولم يجدوا من شعوبنا من يقف معهم.

قال: فإن فكروا، ودخلوا .. وليس لكم أي جندي، ولا أي سلاح .. فماذا تفعلون؟

قلت: لن يتغير الموقف كثيرا .. بل لعل الموقف سيكون أحسن من وضعنا الحالي.

قال: كيف؟

قلت: سيدخلون من غير أن يدمروا .. لأنهم لن يجدوا السلاح الذي يخافون منه.

قال: ولكنهم سيرهبونكم بسلاحهم.

قلت: ولكن القوة التي بثها فينا العلم والتربية لن تسمح لهم بأن يغزونا .. ألا تعلم أنهم لا يغزون إلا من وجدوا فيه الاستعداد لأن يغزى .. هم كالذباب تماما لا يقعون إلا حيث توجد المستنقعات والقاذورات.

قال: فقد أجبت عن سؤالك ..

عدت إلى نفسي، وقلت: أي سؤال؟

قال: ألم تكن تحيل أن تكون هناك دولة بلا جيش؟

قلت: بلى .. ولا زلت أقول باستحالة ذلك.

قال: فماذا يفعل الجيش؟ .. وماذا تفعل الترسانة العسكرية المتطورة التي تسرفون في تدليلها؟

قلت: هي ثقل علينا، وعلى اقتصادنا .. ومع ذلك نرى لزومها.

قال: سمعت أنكم تشترون أسلحة متطورة .. وطائرات ضخمة .. ممن تشترونها؟

قلت: إن شئت الصدق، فنحن نشترها من أعدائنا .. لأنه ليست لدينا صناعات متطورة في هذا الميدان، كما في غيره من الميادين.

قال: وهل أعداؤكم ينصحونكم إلى هذه الدرجة، بحيث يبيعونكم هذه الأسلحة المتطورة.

قلت: هي على الأقل تقف لنتفرج عليها ..

قال: فإذا تطورت الأسلحة .. واستحدثت أسلحة جديدة .. ماذا تفعلون؟

قلت: سنعوض القديمة بالجديدة.

قال: فمن يستفيد من كل هذا؟

قلت: إن شئت الصدق .. لا يستفيد من هذا إلا تجار الأسلحة .. أما نحن، فهذه الأسلحة عبء كبير علينا .. فنحن نحتاج كل لحظة لصيانتها في انتظار أن نرمي قطع غيارها لنلوث بها البحار.

قال: ومن يشترون الأسلحة، هل يفكروون في الغزو بها؟

قلت: هم أضعف في أن يفكروا في ذلك .. بل هم لا يفكرون حتى في مجرد الدفاع بها.

قال: فانصحهم بأن يبيعوا أسلحتهم، ويشتروا بدلها ما ينفعهم وينفع شعوبهم.

قلت: والجيوش .. أتبقى بدون أسلحة؟

قال: انصحهم بأن يستثمروا الأراضي الكثيرة التي وهبكم الله لتشبعوا بطونكم وبطون المستضعفين.

قلت: ما الذي تقول؟

قال: هذا خير لكم من سلاح تعطونه كل ما تملكون من مال وجهد لترموه بعد ذلك في المستنقعات.

قلت: ولكن كيف نحمي أنفسنا؟

قال: بالسلام .. بنشر السلام .. بملأ قلوب العالم محبة لكم وشوقا إليكم .. اجعلوهم ينظرون إليكم كما ينظرون إلى القديسين .. وسوف لن يؤذيكم أحد.

قلت: ولكن هل يمكن أن تكون هناك دولة بلا جيش؟.. إن النظام سيفلت.

قال: النظام يفلت من الجور والظلم والاستبداد، لا من العدل والرحمة والصفاء.

قلت: ولكن قومي لن يقبلوا ما تطرحه .. أنت تتحدث عن خيالات.

قال: فما أجداهم الواقع .. وما أجدتهم جيوشهم .. ألا تعلم من وراء أكثر الانقلابات التي تحدث في بلاد المستضعفين؟

قلت: لا شك في ذلك، فنحن نسميها:(انقلابات عسكرية) أي أن العسكر هم سببها.

قال: فالجيش إذن لا يفعل شيئا مع العدو .. ويفعل كل شيء في بلاده.

قلت: هو ماهر في ذلك .. ولعله ماهر في ذلك فقط.

قال: فما الحاجة إليه إذن؟

قلت: يا معلم .. هناك شيء لم تنتبه إليه .. وهو يدعو إلى ضرورة الجيش؟

قال: تقصد الحدود.

قلت: بلى .. فنحن نحمي حدودنا من جيراننا.

قال: ومن جيرانكم؟ .. هل المستضعفون، أم المستكبرون؟

قلت: لو كانوا مستكبرين لوهبناهم أرضنا من غير أن يسألونا، ولكنهم مستضعفون مثلنا.

قال: فلماذا ترهقون أنفسكم وشعوبكم من أجل قطع أرض لا تسمن ولا تغني من جوع؟

قلت: ولكنه الوطن .. ألم تسمع قول الشاعر:

بلادي وإِِن جارتْ عليَّ عزيزةٌ   وأهلي وإِن ضَنُّوا عليَّ كرامُ

قال: أنتم تتاجرون بالوطن أكثر مما تخدمونه.

قلت: نعم، هناك من يفعل هذا، كما قال الشاعر:

وجدْنا خدمةَ اللأوطانِ فخاً      يصيدُ به مطامعَه الأريبُ

وكم مُلِئَتْ جيوبٌ من نُضارٍ   بذاكَ كأنما الوطنُ الجيوبُ

ولكن فينا المخلصون لأوطانهم.

قال: الإخلاص لا يكون إلا لله .. فمن أخلص لله أخلص لكل شيء، ومن خادع الله خادع كل شيء.

قلت: حب الوطن من الإيمان .. وهو مفطور في الطباع.

قال: فرق بين أن تحب، وبين أن تتاجر .. وفرق بين أن تحب، وبين أن تظلم .. ألا تعلم أن الإخلاص ينبغي أن يكون لكل الكون لا للوطن وحده؟ .. ألا تعلم أن جميع هذا الكون وطن المؤمن؟

قلت: هذه حقائق كبرى.

قال: فعيشوها .. فالحقائق الصغرى تقتلكم وتبيدكم وتجعل قراكم كقرى النمل، وبيوتكم كبيوت العنكبوت.

قلت: فأنت تدعو إذن للعالمية والوطن الإنساني.

قال: مخطئ أنا إن قلت ذلك.

قلت: فقد كنت تقوله.

قال: أنا أدعو إلى الأخوة الكونية، والوطن الكوني .. فما العالم إلا جزء من الكون .. وما الإنسان إلا فرد من أفراد العالم.

قلت: أتريدنا أن نؤاخي الملائكة وسكان الكواكب ..

قال: الملائكة والجن وكل سكان الكون .. ألسنا نشترك في العبودية لله؟

قلت: أجل .. ولكن لكل منا خصائصه ومزاياه.

قال: الخصائص والمزايا المختلفة تدعو للتعارف لا للتنافر، وتدعو للأخوة لا للعداوة .. وتدعو للانسجام لا للانفصال .. سمعت بعضكم يقول:(غزو الفضاء) أتفكرون في غزو الفضاء أيضا؟

قلت: لا تلمهم يا معلم .. فقد تفرجوا في الأفلام الخيالية كيف يحاربون سكان الكواكب المختلفة.

قال: أتدري ما منبع هذا التعبير؟

قلت: ما منبعه؟

قال: تلك الجيوش التي تتفننون في صناعتها ونشر قواعدها وتطوير أسلحتها .. تلك القوة التي صاحت بها عاد، فقالت:{ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} (فصلت: 15) .. فماذا فعل الله بهم؟

قلت: أبيدوا عن آخرهم.

قال: فهل نفعتهم قوتهم؟

قلت: كما لم تنفعنا قوتنا.

قال: فاعتبروا بهم، واعتبروا بأنفسكم، واعتبروا بعدوكم.

قلت: بعدونا.

قال: أجل .. سمعت أنكم في هذا القرن تجرعتم غصص حربين متتاليتين حصدت الأخضر واليابس.

قلت: أجل .. هما الحربان العالميتان الأولى والثانية .. وقد قتل فيهما الملايين .. وشرد عشرات الملايين .. وآثارهما لا زلنا نعيشها إلى الآن.

قال: أتدري سبب تلك الحروب؟

قلت: أحداث تاريخية .. فألمانيا ..

قال: دعنا من التاريخ .. ولنبحث في السنن .. إن تلك الجيوش غرتها قوتها وغرها سلاحها وغرها فوق ذلك الفراغ القاتل الذي تعانيه، فراحت تبحث لها عن حرب تتذرع لها الذرائع.

قلت: هذا صحيح ..

قال: هذا هو السبب المباشر .. ولو أن ذلك الجيش كان عمالا في المصانع والمزارع .. ولو أن الباحثين توجهوا إلى الزراعة والصناعة وامتطاء سنن الله، لكان واقع الآن خلاف ذلك تماما.

قلت: فأنت تدعو لإلغاء الجيوش.

قال: لا جيوشكم وحدها، بل جيوش العالم جميعا .. فلم يصدر شر في العالم إلا بسببها .. ولعلي أجد من أنصار الإنسان من يقف معي يدعو لإلغاء الجيوش، كما وجدت الحيوانات أنصارا لها تحميها من الانقراض.

قلت: ولكن الجيوش هي التي خلصت المستضعفين من نير الاحتلال، وهي التي ..

قال: عندما تجدون جيوشا كتلك الجيوش طالبوا بعودة الجيوش.

قلت: وقبل ذلك .. إن داهمنا عدو ماذا نفعل؟

قال: تعاملوا معهم كما تعامل أسلافكم مع التتر.

قلت: وما فعلوا؟

قال: حولوا المنتصر إلى دين المنهزم .. فسلم الأمر لهم من غير سلاح.

قلت: كيف هذا؟

قال: لأنه لم يكن للعدو فضل ثقافة .. كان فارغا كفراغ أعدائكم .. فلما دخلوا امتلأوا، أو امتلأت فطرهم برؤية الحق، فصاروا أنصارا للحق.

قلت: أنت تدلنا على طرق جديدة للدفاع.

قال: سمها:(تقوية الجبهة الداخلية)

قلت: نحن نطلق هذا على الجيوش.

قال: فأطلقوها على جبهات الأنفس .. فلا خير في جندي مدجج بجميع أنواع الأسلحة .. وباطنه خراب في خراب.

قلت: ولكن الله تعالى يقول:{ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } (لأنفال:60)، فقد أمر بالإعداد.

قال: وبماذا أمر قبله؟ .. فالسورة جميعا تتحدث عن الإعداد ..فلا تأخذوا ببعض الكتاب، وترفضوا بعضه.

قلت: تبدأ هذه السورة بالحث على طاعة الله ورسوله وإصلاح ذات البين، كما قال تعالى:{ يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (لأنفال:1)، ثم تبين صفات المؤمنين، قال تعالى:{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (لأنفال:2)

قال: فإن وجدتم جيشا كهذا، فعلموه السلاح، وأعطوه السلاح.

قلت: فإن لم نجد.

قال: إن لم تجدوا مثل هؤلاء .. فلا تعطوهم السلاح، لئلا يجرحوا أنفسهم به.

قلت: ولكنهم ليسوا أطفالا .

قال: من لم يكن كمن وصفهم الله من المؤمنين، فهو أقل عقلا من الأطفال.

قلت: بجد تحدثني يا معلم .. فإن قومي ستمتلئ أفواههم ضحكا إن سمعوا هذا الكلام.

قال: فليضحكوا .. هذا خير من أن يبكوا.

قلت: ولكنهم سيضحكون عليك .. وعلي تبعا لك .. ولعلهم يملؤون الجرائد استهزاء وسخرية.

قال: فقد ملأوها قبل ذلك صيحات حماسية .. فماذا فعلوا بعدها؟

قلت: نكسوا على رؤسهم .. وكتموا دمعات حارة في مآقيهم.

قال: فليعتبروا بتلك الدمعات .. وليرسلوها ولا يكتموها كما لم يكتموا ضحكاتهم.

قلت: نحن نحسن كتمان البكاء .. ولكنا لا نحسن كتمان الضحك.

قال: واجهوا أنفسكم .. اصرخوا ببكائكم وبضحككم .. انتقدوا أخطاءكم .. قاوموا الدجل الذي تعيشونه .. فلن ترتفعوا قيد شبر، وأنتم راضون عن أنفسكم ساكنون لها.

قلت: ولكن أرضنا ضاعت .. ونحن لا نزال نصرخ.

قال: أنتم ضيعتموها .. لقد كانت لكم أسلحة كثيرة، وجيوش جرارة .. ولكن لم يكن هناك فرد واحد يستطيع أن يحمل السلاح .. فلذلك سلمتم أرضيكم وأراض كثيرة جديدة من أراضيكم .. ثم بكيتم كثيرا .. ثم ضحكتكم .. ثم أنتم الآن تعيدون المهازل من جديد .. فدعهم يضحكون .. وأوصهم فقط بأن يضعوا أيديهم على أفواههم عند الضحك حتى لا يدخل الذباب إلى أفواههم فيستعمرها، كما استعمر أراضيهم.


([1])   رواه مسلم.

([2])   إشارة إلى قوله تعالى:) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ( (المائدة:28)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *