مفتاح الحركة

مفتاح الحركة

بعد اقتناعي بما قاله المعلم عن التطوير وضرورته فتح لنا بابه.. لكنا ما إن سرنا قليلا حتى صادفنا باب يتحرك حركات كثيرة مختلفة، وإذا عليه لافتة جميلة تتحرك بحركاته مكتوب عليها:{ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ}(النمل:88)

فقلت للمعلم: لا شك في أن هذا باب الحركة، فإني أراه يتحرك حركات مختلفة .. لست أدري هل هي منتظمة، أم عشوائية؟

قال: ليس هناك حركة عشوائية في الكون، بل كل ما في الكون منتظم ودقيق، ألم تسمع ما علق باللافتة، ألم تسمع قوله تعالى:{ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} (لأعراف: 54)).. ألم تسمع قوله تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (الانبياء:33)؟

قلت: بلى، قد قرأت كل هذه الآيات، وحاولت فهمها بحسب ما زودنا به العلم الحديث من المعارف ..

قال: فلنبدأ حديثنا إذن عن الحركة من هنا.

قلت: ماذا تقصد؟

قال: هل الأرض مستقرة ثابتة ساكنة أم متحركة متدفقة بالحركة؟

قلت: لكأني بك يا معلم تريد أن تخوض ببي في الجدل الذي غرق فيه البعض من التساؤل عن مدى صحة حركة الأرض.

قال: وهل خيض في هذا؟

قلت: أجل.

قال: ومن خاض فيه؟

قلت: بعض علماء المسلمين.

قال: عجبا، كيف يقال هذا وقد وردت النصوص القرآنية المخبرة عن شكل الأرض والمنبئة عن حركتها، ألم تقرأ ما كتب على لافتة هذا الباب؟

قلت: بلى، فقد كتب عليها قوله تعالى:{ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} (النمل: 88)

قال: أتدري الأسرار المودعة في هذه الآية.

قلت: نحن نعرف الآن بعضها([1])، فمرور الجبال مر السحاب كناية واضحة علي دوران الأرض حول محورها،‏ وعلي جريها حول الشمس ومع الشمس،‏ لأن الغلاف الهوائي للأرض الذي يتحرك فيه السحاب مرتبط بالأرض بواسطة الجاذبية وحركته منضبطة مع حركة الأرض،‏ وكذلك حركة السحاب فيه،‏ فإذا مرت الجبال مر السحاب كان في ذلك إشارة ضمنية إلي حركات الأرض المختلفة التي تمر كما يمر السحاب‏.‏

قال: وقد دل على هذا المعنى نصوص أخرى، فالله تعالى يقول:{ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ } (الزمر: 5)

قلت: نعم، فهذه من الآيات التي يستدل بها العلماء على كروية الأرض، فمعنى {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} أي يغشي كل واحد منهما الآخر كأنه يلفه عليه،‏ وهو وصف واضح الدلالة علي كروية الأرض،‏ وعلي دورانها حول محورها أمام الشمس‏.

قال: وهناك نصوص أخرى غير هذين النصين .. وليس مرادنا أن نتحدث عن هذا، فلهذا محله الخاص من دروس السلام .. ولكني أريد أن أبين لك ما لهذه المسألة من أهمية في السلوك والتربية.

قلت: يا معلم .. هذه النصوص لا علاقة لها بهذا المحل، فهي تذكر في مواضع تأمل خلق الله، أو البرهنة على صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدليل الإعجاز.

قال: ويمكن أن تذكر في آلاف المواضع .. ألم أقل لك إن القرآن الكريم هو كتاب الحقائق .. حقائق الهداية وحقائق السلوك؟

قلت: فما نستفيد من هذه الآيات في هذا الموضع؟

قال: ماذا ينتج عن حركة الأرض؟

قلت: حياة الأرض مرتبطة بحركتها، فلو جمدت لحظة واحدة لصارت من الضعف بحيث يلتهمها هذا الفضاء العظيم.

قال: وكذلك أنتم لما قعدتم عن التطوير، وسكنتم لموروثاتكم تنهلون منها من غير محاولة لفهمها أو لتطويرها تحركت جميع شموس الأرض لتلتهمكم.

قلت: وقد وقع بذلك ما أخبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:(يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها) قيل:(يا رسول الله فمن قلة يومئذ)، قال:(لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يجعل الوهن في قلوبكم وينزع الرعب من قلوب عدوكم لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت)([2])

قال: فماذا قال العلماء في قوله تعالى:{ فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ} (المعارج:40)

قلت: لقد قرأت تفاسير جميلة من علماء عصرنا، فقد أثبت علماء الفلك أن للأرض حركات كثيرة جدا، ولهذا كانت المشارق والمغارب بحسب حركتها ‏.‏

قال: فما الفائدة من هذه الحركات؟

قلت: ينتج عن ذلك تعاقب الليل والنهار،‏ وتبادل الفصول المناخية،‏ فلو ثبتت الأرض لم يحصل هذا التعاقب في الفصول والمناخ.

قال: وهذا ما نريده، فالحركة هي التي أعطت للأرض هذه النعم التي تزخر بها، والتي هي وليدة الليل والنهار وتعاقب الفصول.

قلت: فما الفائدة السلوكية من هذا، وما علاقتها بالحركة، ثم ما علاقة الحركة بالتمدن؟

قال: ألم نقل: إن المؤمن الذي يرى نفسه خليفة لله يتخلق بأخلاق الله في خلقه، فكما أن الأرض لم تنتظم حياتها إلا بحركتها، وانتقالها من حالة إلى حالة، وعدم ثباتها على حالة واحدة، فكذلك حياة الإنسان تموت إن لم ينتقل صاحبها من طور إلى طور، فالثبات موت، والحركة حياة.

قلت: نعم .. لقد ذكرني كلامك هذا بما قال علماء الجيولوجيا عن أصل الأرض، وأنها كانت منذ 200 مليون سنة عبارة عن كتلة واحدة تسمى بانجيا، وكانت تلك الكتلة في بداية تفتتها، أي في بداية الانجراف القاري.

ومنذ 135 مليون سنة تفتتت أجزاء البانجيا إلى كتلة أرضية شمالية تسمى لوراسيا، كونت الهند مساحة منفصلة، والكتلة الأرضية الجنوبية عُرفت باسم جوندوانالاند.

ومنذ 65 مليـون سـنة بـدأت الكتـل الأرضيـة تشـكـّل القـارات المعروفـة بأشـكالها الحالية. وكـانت تلـك القارات تتحرك في اتجاه مواقعها الحالية، ولم تكن الهند قد التصقت بعد بآسيا.

قال: فلو أن ما تسمونه بالبانجيا لم تتحرك لتتتشكل القارات، أكان يمكن للأرض أن تصير بهذه الصورة؟

قلت: لا.

قال: فقد جعل الله تعالى بحكمته ورحمته لطفه ورزقه في ضمن الحركة، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا)([3])

قلت: فما علاقة الحركة بالتمدن؟

قال: الحركة هي أصل التمدن ومنبعه، فالخامل لا يفكر في أن يتطور، بل يرضى بما هو عليه، بل يحسب التطور عبئا يثقل ظهره بالمسؤوليات.

قلت: نحن نتحدث عن السعي للخروج من التخلف والفقر يا معلم.

قال: ونحن نتحدث عن الباب الذي يعرف العاملين كيف يتعاملون مع قوى الكون لاستغلالها والاستفادة منها، والعامل الخامل الراضي بما هو فيه، الذي لا يحاول التغيير، ولا يفكر في التغيير عامل ميت مصيره إلى الفقر، ومصير جهده الفشل.

قلت: ولكن الثبات محمود ..؟!

 قال: الثبات على الحق والمبدأ، لا ثبات الماء الآسن ..


([1])    انظر: الاسلام و الحقائق العلمية، لمحمود القاسم،والإعجاز العلمي في القرآن الكريم أ. د حسن أبو العينين.

([2])    رواه أحمد وأبو داود.

([3])    رواه الترمذي وابن ماجه.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *