مفتاح التطوير

مفتاح التطوير

بعد اقتناعي بما قاله المعلم عن الإتقان وضرورته لكل بناء حضاري فتح لنا بابه.. لكنا ما إن سرنا قليلا حتى بدا لنا باب جديد في منتهى الجمال، فسألت المعلم عنه، فقال: هذا باب التطوير.

قلت للمعلم: باب التطوير!؟ عجبا .. ولكن أليس التطور منافيا للدين، فقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المحدثات، فقال:(إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)([1]

قال: ليس هذا هو المراد بالتطور .. المراد منه هنا أن لا يقنع العامل بما لديه من وسائل وطاقات، بل يحاول عبورها إلى ما ييسر عليه مرافق الحياة، ويجعل استفادته منها أعظم استفادة.

قلت: فاضرب لي على ذلك مثالا.

قال: سأذكر لك بدل المثال دليلا .. أسمعت قصة سليمان u مع ملكة سبأ؟

قلت: هي في القرآن الكريم، فكيف لا أقرأها؟

قال: وهل سمعت ما فيها من طلب سليمان u من ملئه أن يأتيه بعرشها.

قلت: نعم، فقد قال لهم:{ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} (النمل: 38)

قال: فما الذي أجابه به العفريت؟

قلت: قال له ما نص عليه القرآن الكريم من قوله تعالى:{ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} (النمل:39)

قال: فهل كان ما طرحه العفريت مقبولا من جهة سرعة إحضاره؟

قلت: أجل، فلا أظن أن هناك وسيلة معاصرة تستطيع إحضارالعرش بهذه السرعة.

قال: وهل رضي سليمان u بما طرحه العفريت؟

قلت: لا، بدليل أنه لم يكتف به، بل سمع للذي عنده علم من الكتاب، فقد ضمن له سرعة أكبر.

قال: فهذا هو التطوير: مثالا ودليلا .. فإن سليمان u لم يرض بما اقترح العفريت، بل ظل يتطلع إلى سرعة أعظم، إلى أن حصل عليها.

قلت: أجل هذا واضح من القصة، ولكن ما علاقة التطور بالعمل، ثم ما علاقة ذلك كله بالفقر والتخلف؟

قال: من الخطأ أن تعالج الفقر بوضع مرهم بسيط على جرح من جروحه، ليندمل، أو لتجففه الشمس، ثم تتصور بعد ذلك أنك عالجت الفقير، وقتلت فقره.

قلت: فما علاقة التطوير به.

قال: التطوير يبحث عن استغلال سنن الله أتم استغلال، وهو ما يضمن للفقير وصول رزقه إليه على أتم الوجوه.

قلت: فاضرب لي على ذلك مثالا.

قال: من كان لديه سهل واسع، لا حد لاتساعه، ولديه من القوى، وفي أرضه من منابع الماء ما يكفي لاستغلال ذلك السهل جميعا، لكنه لم يستغل إلا جزءا من ألف ألف جزء منه، ثم راح يشكو الجوع والفاقة، أيعذر في شكواه؟

قلت: كلا، فشكواه لا ترجع إلا إليه، وأحرى به أن يشكو نفسه لا أن يشكو السهل والماء.

قال: فكذلك ما يحث عليه التطوير، فإنه يذكرك بالطاقات التي يختزنها الكون المسخر لتستغلها فتقضي على كل عجز، وتقتل كل فقر، وتسد كل فاقة، وحينذاك لن تطعم جوعك فقط، بل تطعم جوعك وجوع الآلاف من أمثالك، فتتخلق بصفة الرزاق، ويكون تخلقك مفتاحا من مفاتيح القرب.

قلت: إن من قومي من لا يكفيهم مثل هذا الكلام، بل يحتاجون من الأدلة ما ينير لهم الطريق، ويوضح لهم السبل.

قال: لن يعجزك البحث عن أدلة هذا، فالنصوص متظافرة عليه، ألم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب على جذع نخلة في المدينة، فلما كثر المسلمون واستقر لهم الأمر، استدعى نجارا روميا، فصنع له منبراً من ثلاث درجات، فكان يخطب عليه؟

قلت: بلى.

قال: فهذا تطوير في المرافق تطلبته الحاجة التي لا يكفي للوفاء بها المنبر القديم .. وفي استعمال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للنجار الرومي دليل على أن مثل هذه الخبرات ينبغي أن يستفاد فيها بكل من له طاقة ومعرفة بغض النظر عن جنسه ودينه.

قلت: أنت تذكرني بهذا بما حصل في غزوة الأحزاب عندما أشار سلمان على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحفر خندق حول المدينة يحميها من الغزاة المشركين، فأعجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم برأيه ونفذه، ولم يقل: هذا من أساليب المجوس، لا نأخذ به.

قال: فقد فهمت إذن أن التطوير من سنن الدين، وليس من بدعه.

قلت: أجل.

قال: فأضف إلى ذلك أن السكون والقعود عن التطور هو البدعة، وإدخال الدين في ذلك تحريف له وحض للثورة عليه.

قلت: كيف؟

قال: ألا تعلم موقف الكنيسة الغربية في العصور الوسطى من موجات التطور العلمي الذي بدأ يهب على سمائها في ذلك الحين؟

قلت: بلى، فقد وقفت منه موقفا عنيفا.

قال: لم؟

قلت: لأن الكنيسة تبنت أفكاراً ونظريات في علوم الجغرافيا والفلك والطب والأحياء وغيرها، وطبعتها بطابع القداسة مما جعلها جزءاً من الدين، فاعتبرت كل مخالفة لها مخالفة للدين.

قال: فاضرب لي على ذلك أمثلة تقنع بها قومك بصدق دعواك.

قلت: لقد ذكر محمد عبده في كتابه (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية) من مواقف الكنيسة ورجالها من التطور ما يثير العجب والدهشة.

فقد ذكر أن دي رومنيس جلب إلى روما وحبس حتى مات، ثم حوكمت جثته وكتبه فحكم عليها وألقيت في النار، ولك ذلك بسبب قوله:(إن قوس قزح ليست قوساً حربية بيد الله ينتقم بها من عباده إذا شاء، بل هي من انعكاس ضوء الشمس في نقط الماء)

ولما أظهر (بلاج) رأيه في أن الموت كان يوجد قبل آدم u أي أن الحيوانات كان يدركها الموت قبل أن يخطئ آدم بالأكل من الشجرة، قامت لذلك ضوضاء، وارتفعت جلبة، وانتهى الجدال إلى صدور أمر إمبراطوري بقتل كل شخص يعتقد ذلك الاعتقاد.

ولما اكتشف بعض الأميركان تخدير المرأة عند الولادة، حتى لا تحس بألم الطلق، قامت قيامة القسس، لأنه يخلص المرأة من اللعنة أو العقوبة الأبدية التي سجلت عليها في التوراة في سفر التكوين.

قال: فما هي النتيجة التي تحملتها الكنيسة لهذا التشدد؟

قلت: لقد ثارت الجماهير الهائجة على الكنيسة التي وقفت مع الجهل ضد العلم، ومع الخرافة ضد الفكر، ومع الملوك والنبلاء ضد الشعب، وقالت الجماهير قولتها:(اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس)

قال: فهل ترى الدين بعد هذا معارضا للتطور، أم داعية له؟

قلت: بل داعية له، فلو لم يكن فيه إلا ما فيه من حماية من الفقر واستدرار لفضل الله لكفى .. ولكن ما السبيل إليه؟

قال: سر بنا.. وسنرى مفاتيحه.. فما وصل من لم يسر.


([1])    رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *