مفتاح الاحتساب

مفتاح الاحتساب

كان أول باب قابلنا بعد دخولنا من الباب الأكبر بابا يحمل صورا لناس خاملين كادوا يذوبون من فرط خمولهم .. وفجأة لاح نور عظيم سرى إلى عقولهم ومنها إلى أجسادهم، فهبوا بأعظم نشاط.

وقد سرى إلي من ذلك النور ما جعلني أشعر بنشاط وحيوية عجيبة، سألت المعلم عن سر هذا الباب، فقال: هذا باب الاحتساب.. ولن ندخل منه حتى ننال مفتاحه.

قلت: ومن أين لنا أن نحصل على مفتاحه؟

قال: عندما تعي ضرورة هذا الباب، وتدرك أهميته ستنال مفتاحه.

قلت: وكيف لي أن أعرف ذلك؟

قال: هل تحتاج إلى من يشرح لك وجه الحاجة إلى الماء والطعام؟

قلت: لا .. فالحس الضروري البداهي يجعلني أدرك ذلك.

قال: فإذا عرفت بذلك الحس البداهي حاجتك للاحتساب ستنال مفتاحه.

قلت: فما الحاجة إلى الاحتساب؟

قال: الاحتساب أول مراتب السعي، فإن النفس الخاملة، والهمة المنحطة، والعجز القاعد، لا ينهض بهم إلا ما ينفخ فيهم روح النشاط، ويحيي فيهم نشاط الروح.

ضحكت، وقلت: نحن نطلق على هذا لقب التشجيع.. ونحن نستعمله في العادة في مباريات في كرة القدم، فنشجع فريقا من فرقها؟

قال: دعنا من لغوكم وصراعكم، فما هذه الكرة التي تهتفون بها سوى لغو من لغو الشيطان ينفخه فيكم كما تنفخون جلدها.

قلت: ولكنها رياضة؟

قال: الرياضة لمن يمارسها .. لا لمن يتفرج عليها .. هي كالعلم تماما هو لمن يعمل به لا لمن يصفه ويتحدث عنه.

قلت: ولكنها تنشئ فينا نشاطا وحيوية وشبابا؟

قال: ولكنها تنشئ بينكم صراعا، وتفرغ لكم جيوبا، وتهدر لكم طاقات.

قلت: صدقت، فنحن نصرف عليها مصاريف ضخمة.

قال: لو أنكم وفرتموها لاستطعتم توفير أسباب الرياضة لشعوبكم جميعا لا لأفراد محدودين.

قلت: صدقت، فنحن في عصرنا لا نتعامل مع أفراد الشعوب، بل نتعامل مع ممثليهم والنخبة منهم، فننفخهم وندللهم ونسمنهم.

قال: وتتركون غيرهم يموت هزالا.

قلت: صدقت في ذلك.. فهذا هو الواقع المر الذي نعيشه.. عد بنا إلى ما كنا فيه.

قال: إلى من يتوجه قومك بالتشجيع؟ وكيف؟

قلت: رويدك يا معلم، فقد سألت سؤالين كل واحد منهما يحتاج موسوعة خاصة به.

قال: فقل لي أولا: من هم الأشخاص الذين يتوجه إليهم قومك بالتشجيع؟

قلت: أولهم الحكام، فما إن يخطب الحاكم خطبة، حتى ينهض الشعب من سباته العميق يحمل لافتات ضخمة، وصورا كثيرة تمجد الحاكم وتسبح بحمده.

قال: ويتركون أشغالهم لأجل ذلك؟

قال: بل إن المرأة لتذهل عن رضيعها لأجل ذلك، فتصيح مع الجموع لتسكت بصياحها صياح ابنها.

قال: ومن تشجعون أيضا؟

قلت: الفنانين.

قال: أتقصد الذين يتذوقون الجمال فينثرونه شعرا أو نثرا؟

قلت: لا .. أقصد الذين يتفننون في إضحاك الناس أو في إخراج الدموع من مآقيهم.

قال: بالوعظ والإرشاد، أو بالتعليم والتدريب؟

قلت: بل بالصياح والنفير، والرقص والصفير.

قال: أعادت جاهلية المكاء والصفير.

قلت: تلك جاهلية أولى، أما جاهليتنا فأكثر إبداعا وتفننا.

قال: فمن تشجعون أيضا؟

قلت: أصحاب الرياضات المختلفة كما ذكرت لك، وخاصة كرة القدم.

قال: أنتم لا تشجعون أصحاب الرياضات، وإنما تشجعون من يمثلهم.

قلت: نحن في كل الأشياء نفعل ذلك.

قال: فمن تشجعون أيضا؟

قلت: من يقدمون لنا خدمات إنسانية.

قال: هذا شيء جميل.

قلت: رويدك يا معلم، فنحن لا نشجع هذا الصنف إلا بعد أن يأوي إلى الثرى، أو يكاد يأوي إلى الثرى.

قال: فما فائدة التشجيع حينذاك؟

قلت: لنحذر من يسلك سبيلهم من الغرق في متاهة النسيان.

قال: فكيف تشجعون؟

قلت: أما الأثرياء، فنشجعهم بزيادة ثرائهم، وأما االفقراء والمحتاجون، فنشجعهم بشهادات تقديرية.

قال: فهل تشجعون العمال الذي يعتمد رزقكم على اجتهادهم؟

قلت: العمال هم طبقة المنبوذين في مجتمعنا.

قال: ولكن طبقة المنبوذين طبقة هندية لها علاقة بالديانات الهندية.

قلت: ألم تسمع قوله r:(لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي أخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع، قيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا أولئك)([1])

قال: وكيف يعيش هؤلاء العمال بدون تشجيع؟

قلت: يلتهمهم وحش الروتين القاتل الذي يعيشونه، أو تشغلهم أنواع اللهو التي يستهلكونها.

قال: فلماذا لا يطالبون بالتشجيع؟

ضحكت، وقلت: هم يعرفون أن هذا الاسم لا يرتبط إلا بمن ذكرت، فإذا تجرأ أحدهم، وطالب بالتشجيع، قيل له: ارتق أولا من طبقة المنبوذين التي تعيش فيها إلى طبقات الفنانين والرياضيين والحكام لنشجعك.

قال: قد عرفنا رياح الجاهلية، فهيا لنعرف سلام الإسلام.

قلت: فهل يضع الإسلام لهؤلاء العمال جوائز؟

قال: جوائز أعظم من الجوائز التي ينالها حكامكم أو فنانوكم.

قلت: فما الغرض من وضع هذه الجوائز .. وما حاجة العمال لها؟

قال: ألم تقرأ في كتب الفقه ما ورد في النصوص من الترغيب في الوضوء والصلاة والصيام، وكل الأعمال الصالحة؟

قلت: بلى، بل لقد كتب المنذري في ذلك كتابا عظيما سماه (الترغيب والترهيب)، وكتب النووي كتابه المشهور (رياض الصالحين)، وكتب ..

قاطعني، وقال: فما غرضهم من ذلك؟

قلت: بعث الهمم إلى العمل الصالح.

قال: ودخولهم إلى العمل بالنية الصالحة.

قلت: لم أفهم؟

قال: من علم أن الله تعالى أعد أجرا معينا لعمل معين دخله مؤمنا محتسبا، ومن دخل العمل مؤمنا محتسبا أعطاه الله ما طلب من أجر.

قلت: لكأني بك تشير إلى النصوص الكثيرة التي تقيد بلوغ الأجور لأصحابها باحتسابهم، كقوله r:(من لقي الله لا يشرك به شيئا وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتسبا وسمع وأطاع فله الجنة)([2])

قال: وقوله r:( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)([3])، وقوله:( من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)([4])

قلت: وأحاديث أخرى كثيرة .. ولكن ما فائدة هذا؟

قال: أن ينتقل العمل من العادة إلى العبادة، ومن قصره على أجر الدنيا إلى العروج به إلى سموات الآخرة، بالإضافة إلى ما يحدثه في النفس من سكينة وطمأنينة.

ثم التفت إلي، وقال: ما الفرق بين من يعمل العمل، ولا ينتظر عليه من الجزاء إلا ما يعطيه مستأجره..  إلى أي شيء يكون نظره؟

قلت: إلى الأجر، فإن عظم حصل الإتقان، وإن قصر قصر الإتقان.

قال: ولكن من عمل وهو لا ينتظر فقط أجر من استأجره، بل ينظر ـ كذلك، وقبله وبعده ـ إلى الأجر الذي أعد الله له.

قلت: سيكون إتقانه أعظم، وأجره أوفر، بالإضافة إلى ما يكسبه من راحة نفسية.

قال: بالإضافة إلى هذا .. ألا ترى أشياء كثيرة تطبع مدنكم وشوارعكم بصور لا تليق؟

قلت: كالقمامات مثلا، وكأبنية مهدمة لم تجد من يرممها، أو أنابيب طالها الصدأ لم تجد من يصلحها..

قال: وأشياء أخرى كثيرة ..

قلت: إن المكلف بذلك يزعم أن القيام بكل تلك الأعمال يحتاج ميزانية ضخمة ينوء بها ظهر الخزانة.

قال: هنا يبدو فضل الاحتساب، وفضل مفتاح التشجيع.

قلت: كيف؟

قال: إذا انتشر في الأمة وعي ـ بفضل هذا المفتاح المعتمد على الاحتساب ـ ستؤدى جميع هذه الأعمال، وبإتقان عظيم، ومن غير أن ترهق أحدا.

قلت: كيف؟

قال: إذا عرفوا فضل تنظيف شوارعهم، والأجور التي أعدها الله لذلك، والرضوان العظيم الذي ينتظر من فعل ذلك سيتنافسون بل يتزاحمون في رفع القمامات، وترميم الجدران، وإصلاح العيوب ..

قلت: لقد ذكرتني بقوله تعالى:{ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} (الكهف:77)

قال: هذه الآية الكريمة تشير إل هذا المعنى، فبالرغم من الأذى الذي حصل لموسى والخضر ـ عليهما السلام ـ من أهل القرية، إلا أن ذلك لم يمنع الخضر u من أن يقيم جدارا كان يهم بالسقوط من غير أن ينتظر على ذلك أجرا، بل إنه لم يرض عندما سأله موسى u أن يبتغي الأجر بذلك العمل.

قلت: ولكن ذلك سيشجع الدولة على حبس خزانتها على أهوائها وترك الشعب للاحتساب.

قال: هذه أوهام تتوهمونها لا مخاوف حقيقية، فمن المستفيد من الضياع الذي تعيشه مجتمعاتكم؟ أنتم تتهمون الفقر، ولكن الفقر لا يمنعكم من أن تنظفوا بيوتكم وأفنيتكم وثيابكم وتكونوا كالشامة بين الناس.

إن مثلكم كمثل من أصيب بعض ثوبه بوحل الطريق، وكان في إمكانه تنظيفه، فغضب على نفسه وخاض في الوحل بيديه ورجليه وصدره ورأسه، فما يغنيه ذلك؟ .. وكذلك مثلكم أنتم .. كان الفقر لباسا خفيفا لامس بعض جوارحكم، فأبيتم إلا أن تجعلوه لباسا لكيانكم كله.

قلت: فالاحتساب إذن علاج للفقر؟

قال: لا .. بل هو علاج لنهضة الأمة جميعا .. فلا يمكن أن يؤدى أي عمل بإتقان تام إذا لم يطلب فيه وجه الله، أو ما وظف الله من الأجور.

قلت: كيف؟

قال: المدرس الذي ينال أجره الدنيوي، ولكنه لعلو همته لا يكتفي به، بل يبتغي بعمله وجه الله والدار الآخرة، فيقول: سأربي من وكلت بتدريسهم، وأنقل لهم كل خبرتي ليساهموا في نهضة أمة محمد r، وسأنال على ذلك من الأجر بكل حرف أقوله، ففي كل ثانية تنهال علي الأجور والدرجات والرضوان ما يملؤني بالسعادة .. أهذا المدرس سينجح في ما وكل إليه من مهام؟

قلت: لا ينجح فقط، بل لو أن كل المدرسين سلكوا سلوكه لتحولت بلادنا إلى عالم غير الذي نراه.

قال: وهكذا التاجر والصانع والفلاح الذين لا يكتفون بما تدر عليهم أعمالهم من أرباح،  بل ينتظرون من أجور الله ما يجعلهم يشعرون بأنهم عمال عند الله لا عند الناس.

قلت: لو أن هذا سرى بين الناس لتبدلت الأرض غير الأرض .. ولكن هل ذلك ممكن؟

قال: كل شيء ممكن.

قلت: كيف؟

قال: بالتشجيع.

قلت: أللتشجيع كل هذه القيمة؟

قال: ولذلك كان أول باب من أبواب السعي .. فالنهضة لا تقوم إلا على الهمم العالية، والهمم لا تعلو إلا إذا وجدت من يرتقي بها.

قلت: ولكن من يقوم بالتشجيع؟ .. أئمة المساجد ..

قال: لا الأمة جميعا بكل طاقاتها .. ألستم تستخدمون وسائل الإعلام لإشهار السلع؟

قلت: بلى، فنحيي الميت، ونحول من المعدوم موجودا، ومن الدميم جميلا، ومن القذارة طهارة.

قال: ويقبل الناس على ذلك مصدقين.

قلت: بل ومتهافتين.

قال: فقد صدقوكم وأنتم تكذبون، فكيف لا يصدقوكم وأنت تصدقون؟

قلت: ولكن وسائل الإعلام لا تسمح بتلك الإعلانات الإشهارية إلا بعد أن تنال أجورها.

قال: فلتحتسب بعض أجورها، ألم نعرف بأن الاحتساب ركن أساسي من أركان نهضة الأمة؟

قلت: بلى ..

لاح لي أربعة أبواب داخل مدخل باب التشجيع، فسألت معلم السلام عنها، فقال: هذه الأبواب هي التي تحوي الجوائز التي ينالها العمال المحتسبون.

قلت: وما هي؟

قال: الأجور المضاعفة، وتكفير الخطايا، ورفع الدرجات، وزيادة البركات.

الأجور المضاعفة:

اقتربت من الباب الأول، فقال المعلم: هذا باب الأجور المضاعفة.

قلت: فما هي هذه الأجور؟

قال المعلم: لقد ورد في النصوص اقتران السعي في الأرض طلبا لفضل الله بأعمال لها من الأجور ما لا يمكن احتسابه.

قلت: لماذا؟

قال: أرأيت لو أن شخصا كلف بوظيفة، فسأل عن الأجر الذي يعطاه، فقيل له: سنعطيك أجر الوزير أو الحاكم، أو سنجعل أجرك وأنت وحدك كأجر جماعة تعمل أعمالا مرهقة.

قلت: إن هذا أجر عظيم، وأنا ضامن بأن هذا الشخص سينبعث إلى عمله بنشاط عظيم، بل لعله سيضيف من عنده أعمالا أخرى يشكر بها من قدم له هذا الأجر، ويستبقي وده.

قال: فلهذا ورد في النصوص المقدسة اقتران السعي بأعمال لا حدود لأجرها.

قلت: فما هي هذه الأعمال؟

قال: أولها الجهاد، ألا تعلم ما أعد الله للمجاهدين من الثواب؟

قلت: بلى، فقد اعتبر القرآن الكريم الجهاد في سبيل الله من أعظم أبواب الجنة، فقال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة:111)

وفضل الله المجاهدين على غيرهم من المؤمنين، فقال تعالى:{ لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} (النساء:95)

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم بأن الحركة البسيطة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، فقال:(لغدوة في سبيل اللَّه أو روحة خير من الدنيا وما فيها)([5])

وأخبر عن الجزاء المعد للمرابط في سبيل الله، فاعتبره لا يقل عن جزاء الصائم القائم القانت الذي لا يقعد عن ذلك طيلة غياب المجاهد في سبيل الله، فقال: (مثل المجاهد في سبيل اللَّه كمثل الصائم القائم القانت بآيات اللَّه لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل اللَّه)([6])

قال: أليست هذه أجور عظيمة؟

قلت: كيف لا تكون عظيمة؟ .. بل إن هذه الأجور هي التي تحرك القلوب المؤمنة المحتسبة للنهوض في وجه كل ظالم، ونصرة كل مستضعف.

قال: وهذه النصوص نفسها هي التي أخبرت بأن للعامل إن احتسب من الأجر ما لا يقل عن أجر المجاهد، فقد رأى بعض الصحابة شاباً قوياً يسرع إلى عمله، فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله! فرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم بقوله: (لا تقولوا هذا ؛ فإنه إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفُّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان)([7])

قلت: يا معلم كيف هذا؟.. والمجاهد يذهب بنفسه وماله وقد لا يعود بواحد منهما، بينما العامل مطمئن في بيته يسعى على رزقه.

قال: لأن كليهما مجاهد في سبيل الله.

قلت: كيف!؟ .. فإن فهم هذا صعب.

قال: الجهاد الذي هو حمل السلاح لا يكون في الشريعة إلا لطارئ، وهو أشبه بالحراحة التي يقوم بها الطبيب لنزع علة معينة، أما الجهاد الذي هو حمل الفأس والضرب في الأرض، فإنه لعمارة الدنيا التي أمرنا بعمارتها، فلا يليق أن نملأ الدنيا التي هي دار الضيافة الإلهية بالجهاد المدمر، ولا نملؤها بالجهاد المعمر.

قلت: ولكن فضل الشهادة عظيم؟

قال: وفضل الحياة الممتدة في سبيل الله أعظم، بل إن الله تعالى قدم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضله على المجاهدين، فقال:{ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } (المزمل: 20)

قلت: أجل، لقد قرن الله تعالى في هذه الآية بين الجهاد والضرب في الأرض.

قال: بل قدم الضرب في الأرض على الجهاد، فلا يمكن للمجاهد أن يجاهد لولا وجود من يضرب في الأرض.

قلت: فإن كثيرا من أغرار قومي قرأوا ما ورد في فضل الجهاد والموت في سبيل الله، فراحوا يحملون السلاح على كل غاد ورائح.

قال: فأخبروهم عن فضل العمل، وفضل الحياة في سبيل الله، وأعطوهم بدل أسلحتهم ما يرفع هامتكم ويحصن ثغوركم.

قلت: حصوننا محمية بجيوش لا قبل لأحد بها، وبأسلحة هي في غاية التطور.

قال: ولكنكم تغزون علميا واقتصاديا وإعلاميا .. أنت تغزون في بيوتكم كل حين ولكنكم لا تشعرون.

قلت: وعيت هذا.. فما غيره؟

قال: لقد قرن الله تعالى السعي في عمارة الأرض بالعبادة، فقال:{ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الجمعة:10)

قلت: وورد اقتران الكسب بالحج، فقال تعالى:{ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} (البقرة:198)، فمن الأقوال في تفسير قوله تعالى:{ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم} (الحج: 28) أن المنافع (الأجر في الآخرة والتجارة في الدنيا)

قال: أتدري ما أسرار هذا الاقتران؟

قلت: ماهي؟ فأنا لا ألحظ أي سر في ذلك.

قال: إن كلام الحكيم مرتب ترتيبا بديعا، فلا يقرن شيء بشيء إلا لأهميته، أرأيت لو قال لك شخص:(أعطيك مليار دينار ودينار)؟

قلت: أضحك على هذا، وأقول: ما يساوي الدينار أمام المليار، بل لعلي أقول له:(دع الدينار لك، فأنا يكفيني أن تعطيني المليار)

قال: فقد رأيت إذن أنه لا يقرن الأجر العظيم إلا بالأجر العظيم.

قلت: نعم، فهمت، فلولا ما في العمل من القيمة ما قرن بالصلاة والحج اللذين هما من أركان الإسلام.

قال: وبالإضافة إلى هذا، فقد ورد في النصوص ما يدل على أن كل منتفع بعمل العامل يصب في أجره، فقد قال قال صلى الله عليه وآله وسلم في إحياء الأرض:(ما من امرئ يحي أرضا فتشرب منها كبد حرى، أو تصيب منها عافية إلا كتب الله تعالى له به جرا)([8])، وقال في أجر من أحيا أرضا ميتة:( من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر، وما أكلت العافية منها فهو له صدقة)([9])، وقال في غرس الغرس:(ما من مسلم يزرع زرعا أو يغرس غرسا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كانت له به صدقة)([10])، وقال:(ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق منه صدقة، وما أكل السبع فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة)([11])

قلت: هذه أجور عظيمة.

قال: فما تأثيرها فيمن يفقهها؟

قلت: لن يترك دقيقة واحدة من عمره تمضي إلا وهو يحي الأرض وينميها لينال من الأجر ما يناله.

قال: فإذا لم يجازه الناس على جهده هذا؟

قلت: لقد وعده الله بالأجر، فما انتظاره لأجوره الناس؟

قال: ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها)([12])

رفع الدرجات:

اقتربت من الباب الثاني، فقال المعلم: هذا باب (رفع الدرجات)

قلت: فما باب الدرجات؟

قال: ما هو منتهى آمال العمال عندكم غير الأجور؟

قلت على البديهة من غير تفكير: الترقية.

قال: وما الترقية؟

قلت: أن ينتقل العامل البسيط إلى نائب لرئيس للعمال، وأن يرتقي النائب إلى درجة الرئيس، وهكذا ..

قال: ألأجل الأجر المرتفع للمنصب الأعلى؟

قلت: ليس ذلك فقط، بل أحيانا لا يكون هناك اختلاف كبير في الأجور، ومع ذلك يطمح كل عامل في منصب أرقى.

قال: لماذا إذن؟

قلت: هذا شيء نفسي، فكل إنسان يحب أن يكون له من المناصب أرفعها .. لقد عجن هذا في طبيعة الإنسان عجنا.

قال: فما تسمونه بالترقيات تسميه النصوص بالدرجات، وهي من أنواع الجزاء التي ينالها الساعي المحتسب .. وهي من الجزاء الذي وضعه الله لملء تلك الحاجة الإنسانية الطالبة للترقي.

قلت: فما هي هذه الدرجات؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} (التكوير:7)، وقوله:{  وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً} (الفرقان:13)

قلت: أجل، لقد ورد في تفسير هذه أن المراد منه الجمع بين النظراء أو الأشكال منهم كل صنف إلى صنف.  

قال: أتجد تشبيها لهذا في واقع قومك؟

قلت: أجل، بل ما أسهل تشبيه هذا، فنحن مثلا في مؤتمراتنا ننزل كل نظير مع نظيره، فأصحاب المقامات العالية ننزلهم الفنادق الفخمة، ومن دونهم ننزلهم ما هو دونها، وهكذا، حتى لا يبقى إلا المتفرجون، فننزلهم الشوارع والساحات.

قال: فاجمع بين هذين المعنيين وابحث في سير الكمل من عباد الله، فسيتضح لك علو المقامات والدرجات التي ينزلها الساعي والعامل المحتسب.

قلت: فمن هم الكمل، وكيف كانوا؟

قال: أكمل الكمل هم الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وقد كانوا كلهم عمالا يأكلون من عمل أيديهم.

قلت:  صدقت.. فقد  ورد في الآثار أن نوحا كان نجارا يأكل من كسبه، وأن إدريس  كان خياطا، وأن إبراهيم كان بزارا .. وأن داود كان يأكل من كسبه.. وغيرهم عليهم السلام.. ولكن في النفس شبهة أريد أن تأذن لي في ذكرها، وتصبر علي في طرحها، وفي الإجابة عليها، فإن لها بين قومي نظيرات.

قال: تريد أن تقول بأن في السعي انحطاط عن الهمة العلية، كما قال ابن عطاء الله:(إرادتُكَ التجريدَ مع إقامةِ الله إِيَّاكَ في الأسباب من الشَّهوة الخفيةِ، وإرادتُكَ الأسبابَ مع إقامةِ الله إِيَّاكَ في التجريد انحطاطٌ عن الهِمَّةِ العَلَيَّةِ) .. أو تريد أن تقول ما روي عن يوسف بن الحسين:(إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص والكسب، فليس يجيء منه شيء) ؟

قلت: هو ذا ما أردت، فالله تعالى قال في كتابه:{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذريات:56)، وفي الاشتغال بالكسب ترك ما خلق المرء لأجله وأمر به من عبادة ربه.. وقال تعالى:{ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} (طـه:132)، والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالمراد أمته، فقد أمروا بالصبر والصلاة وترك الاشتغال بالكسب لطلب الرزق، فالله قد ضمن الرزق لعباده، ولا أظن ابن عطاء الله إلا استنبط قوله:(اجتهادُكَ فيما ضَمِنَ لكَ، وتقصيرُكَ فيما طَلَبَ منكَ، دليلٌ على انْطماسِ البصيرةِ منْكَ) إلا من هذه الآية.. وقال ..

قال المعلم: رويدك .. هذه شبهة تحتاج إلى تأن في طرحها، وهي شبهة قديمة، لذلك سنعرض ما تستند إليه واحدا واحدا، لنبين وجه الحق فيه ووجه الباطل.

قلت: نعم، فقد رسخت في بعض آثار هذه الشبهة من كتب قرأتها، ومن واقع عشته.

قال: أما الآيتين اللتين أوردتهما، فإن الذي قالهما هو الذي حث على السعي في الأرض ابتغاء لرزق الله، فقد قال تعالى:{ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (الملك:15)، أي فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات.

قلت: ولكن الله تعالى ضمن الرزق لعباده، فقال:{ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (هود:6)

قال: وهذا صحيح، وهل تتصور الإنسان بسعيه يسعى لأجل صنع رزقه؟

قلت: ولم يسعى إذن؟

قال: هو يسعى للحصول على رزقه وأكله، أما الرزاق فهو الله.

قلت: اشرح لي هذا، فإنه يصعب علي فهمه.

قال: لو تأملت جميع أسباب الرزق التي يرتزق منها الإنسان لوجدتها جميعا لا يمكن تحققها من دون الله، أما سعي الإنسان فهو مجرد تناول لذلك الرزق وأكل له، ألم تسمع قوله تعالى:{ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} (الواقعة:63 ـ 67)؟

قلت: بلى، فما فيها من العلم؟

قال: إن الله تعالى ينفي عنا في هذه الآيات الوهم الذي نحمله في نفوسنا من أننا نحن المتسببون في حصول الزرع والثمار اللذين هما الغذاء الأساسي للإنسان.

قلت: هذا ليس وهما، بل هذه حقيقة.

قال: لو كانت هذا حقيقة لمات الخلق جميعا من الجوع، لأن ذلك سيستدعي موظفين يرعون النبتة ويمدونها بالحياة وأسباب الحياة إلى أن تثمر، ولو اجتمع الخلق جميعا أن يفعلوا ذلك بنبتة واحدة لم يطيقوا، بل الله هو الذي يمد النبتة بالقوى التي تمكنها من استغلال ما حولها من المياه والتربة والهواء والضوء لتنتج لنا بعد ذلك ما شاء الله لنا من رزق.

قلت: فأنت تقول بتأثير الأسباب؟

قال: أي شيء تقوله في هذا صحيح، عزلت الأسباب أو أثبتها، فالله هو الخالق، خالق العلة وخالق المعلول.

قلت: فهمت هذا، وأنا لا أجادل فيه، ولكني أتحدث عن المقامات الرفيعة التي تهفوا إليها نفوس العارفين، ويخافون أن ينشغلوا عنها بأي مكسب أو رزق.

قال: سادة العارفين هم الأنبياء، وقد عرفت أحوالهم في طلب الرزق، ولم نطالب بالاقتداء الكامل إلا بهم، ألم تسمع قوله تعالى:{ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ } (الأنعام: 90)

قلت: ولكن الأنبياء لا يشغلهم شيء عن الله.

قال: تريد من دونهم.. فأولياء الأمة وصالحوها كانت لهم أشغالهم وحرفهم التي لم تلههم عن الرسالة التي وكلت لهم من حفظ هذا الدين وتبليغه.

قلت: أنا لا أنكر السعي، ولكن ..

قال: أنت تتحدث عن الهمة العالية .. أجبني أيهما أرفع همة المتكسب الذي يسعى لينال رزقه، وينال الناس رزقهم بسببه، أم القاعد الذي ينتظر رزقه أن يأتيه؟

قلت: إن اشتغل ..

قاطعني، وقال: قبل أن تجيبني اسمع لهذه القصة التي رويت عن عن شقيق البلخي، وقد كان من أهل العبادة والزهد، فقد ودَّع صديقه إبراهيم بن أدهم  لسفره في تجارة عزم عليها. ولم يلبث إلا مدة يسيرة، ثم عاد، ولقيه إبراهيم، فعجب لسرعة إيابه من رحلته، فسأله عما رجع به قبل أن يتم غرضه، فقصَّ عليه قصة شهدها، جعلته يغير وجهته ويلغي رحلته، ويعود قافلاً.

ذلك أنه نزل للراحة في الطريق، فدخل خربة يقضي فيها حاجته، فوجد فيها طائراً أعمى كسيحاً لا يقدر على حركة، فرَقَّ لحاله، وقال: من أين يأكل هذا الطائر الأعمى الكسيح في هذه الخربة؟ ولم يلبث أن جاء طائر آخر يحمل إليه الطعام ويمده به، حتى يأكل ويشبع، وظل يراقبه عدة أيام وهو يفعل ذلك، فقال شقيق: إن الذي رزق هذا الطائر الأعمى الكسيح في هذه الخربة لقادر على أن يرزقني! وقرر العودة.. أتدري ما قال له إبراهيم بن أدهم؟

قلت: ما قال؟

قال: قال له:(سبحان الله يا شقيق! ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى العاجز الذي ينتظر عون غيره، ولا تكون أنت الطائر الآخر الذي يسعى ويكدح ويعود بثمرة ذلك على من حوله من العمي والمقعدين؟! أما علمت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(اليد العليا خير من اليد السفلى)؟ 

فقام إليه شقيق وقبَّل يده وقال: أنت أستاذنا يا أبا إسحاق!

قال: فأيهما أرفع همة من تشبه بصفة الله (الرزاق) أم من تشبه بصفة العبد المرزوق؟

قلت: صحيح هذا .. ولكن ألا تشغل المكاسب عن السلوك إلى الله؟

قال: السلوك الصحيح لا يكون إلا في الواقع، فلا يمكن أن تأخذ الناس إلى الفلوات لتربيهم، وقد كان بعض المشايخ المربين يقول:(ما أجمل أن يجعل الفلاح فأسه مِسبحته، ويجعل النجار منشاره مِسبحته، ويجعل الحداد مطرقته مِسبحته، وهكذا)

وقد حكى ابن عطاء الله ـ الذي أسأت فهم حكمته ـ  عن بداية صلته بشيخه أبي العباس المرسي، فذكر أنه سمع من أصحابه من طلبة العلم أن الذي يصحب مشايخ الطريق يضمُر حظه في العلم الشرعي الظاهر، قال: فشقَّ عليَّ أن يفوتني العلم، وشقَّ عليَّ أن تفوتني صُحبة الشيخ.

فلما ذهب إلى الشيخ كان أول ما بادره به أن قال:(نحن إذا صحبنا تاجر، ما نقول له: اترك تجارتك وتعال، أو صاحب صنعة، ما نقول له: اترك صنعتك وتعال، أو طالب علم، ما نقول له: اترك طلبك وتعال، ولكن نقر كل أحد فيما أقامه الله فيه، وما قسم له على أيدينا فهو واصل إليه.

قال: وقد صحب الصحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما قال لتاجر: اترك تجارتك، ولا لذي صنعة: اترك صنعتك، بل أقرَّهم على أسبابهم، وأمرهم بتقوى الله فيها.

تكفير الخطايا:

اقتربت من الباب الثالث، فقال المعلم: هذا باب تكفير الخطايا.

قلت: أهذه جائزة تشجيعية؟

قال: بل من أعظم الجوائز التشجيعية.

قلت: فاضرب لي مثالا على ذلك أعيه، ويعيه قومي.

قال: أتعلم أخطر ما يقف في وجه المجرم الذي تناهى في الإجرام، فيحول بينه وبين التوبة؟

قلت: نفسه الأمارة بالسوء، وشيطانه الرجيم الذي يزرع في نفسه ما ينبت تلك الجرائم.

قال: وتلك النظرات القاسية التي يجدها في المجتمع، إما نظرات الخوف أو نظرات الاستعلاء .. فلذلك لا يجد علاجا يمسح به جرائمه إلا المزيد من الجرائم.

قلت: هو إذن كالواقع في الإدمان يعالج الداء بالداء.

قال: نعم هو كذلك ..

قلت: أريد توضيحا أكثر لهذا، أعيه ويعيه قومي.

قال: أرأيت لو أعطيت ما شئت من الأموال على أن تتحمل جريمة من الجرائم الخطيرة، بأن تنسبها إليك، ولو لم تفعلها، على أن يضمن لك البراءة من الملاحقة، أترضى بذلك؟

قلت: لا .. ولا أظن أن هناك من يرضى، فالمال لا يمكنه أن يغسل الوسخ الذي ينشئه رميي بتلك الجريمة في المجتمع.

قال: فالبراءة إذن فوق الأجور؟

قلت: بل أحيانا فوق الدرجات، فالمسؤول الكبير ينهار من برجه العاجي الذي بناه طول حياته بسبب فضيحة واحدة تسببها شهوة من شهواته.

قال: فقد أقررت إذن بأن تكفير الخطايا جائزة.

قلت: نعم، فما أعظم أن يمسح السجل الإجرامي للمجرمين.

قال: فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم إذن بأن التعب الذي ينال الإنسان جراء سعيه على رزقه الحلال مكفر لخطاياه، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(ما يصيب المؤمن من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن ولا أذى، ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)([13]) ؟

قلت: بلى .. وقد ورد في حديث آخر ما هو أصرح من ذلك، فقد روي انه صلى الله عليه وآله وسلم قال:(من بات كالا في طلب الحلال بات مغفورا له)([14]) ، فهذا أجر عظيم قد جعله الله لطالب الرزق الحلال.

قال: ويمكنكم أن تستثمروا هذا النوع من الأجر في الدنيا قبل الآخرة.

قلت: كيف، والمغفرة لها علاقة بالآخرة فقط.

قال: ألا تعلم أن الله يحب تشبه عباده بصفات كرمه، فهو كريم يحب الكرماء، رحيم يحب الرحماء، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)([15]

قلت: بلى، فهذه حقيقة تدل عليها النصوص الكثيرة.

قال: فيمكنكم استثمار هذا إذن، فتضعوا لمن تعاقبوهم من الفرص ما يستعيدون به طهارتهم.

قلت: كيف ذلك، ونحن نعاقبهم؟

قال: فلماذا لا تجعلوا نيتكم من عقوبتهم أن تطهروهم؟

قلت: ولكن الحق العام يأبى ذلك، فهو يريد أن يشفي غليله من المجرمين.

قال: وذلك لا يمنعه من تطهيرهم، بل الحق العام يستفيد من طهارتهم أكثر من استفادته من مجرد عقوبتهم.

قلت: ولكن كيف يحصل ذلك؟

قال: أنا لا طاقة لي بوضع اقتراحات لكم، فأنتم أعلم بأمور دنياكم، ولكن إن تصدقوا في البحث، فستجدون من فرص الطهارة التي تضعوها بين يدي المجرمين، ما يجعل منهم طاقات حية نافعة لا قاذورات مهملة مرمية في الزنازن والسجون تقتلها الكآبة، أو ترتع فيها وساوس الشياطين.

زيادة البركات:

اقتربت من الباب الرابع، فقال المعلم: هذا باب (زيادة البركات)  

قلت: فما الجائزة التي يختزنها هذا الباب؟

قال: هي من الجوائز التي ينالها صاحبها في الدنيا قبل الآخرة، ألم تعلم بأن الله تعالى يعجل لعباده الصالحين بعض جوائزهم في الدنيا قبل الآخرة؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى:{ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل:97)

قال: وأخبر تعالى عن تنزل البركات على المؤمنين المتقين، فقال:{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (لأعراف:96)

قلت: فما البركات؟

قال: هي أن يصبح القليل كثيرا، والصغير كبيرا، والضعيف قويا؟

قلت: كيف ذلك، ولا أرى أنه من الممكن تحول قنطار قمح إلى قنطارين، فكيف يصبح القليل كثيرا؟

قال: ألم تسمع حكمة ابن عطاء الله: (رب عمر اتسعت آماده، وقلت أمداده.ورب عمر قليلة آماده، كثيرة أمداده)؟ 

قلت: بلى، فهو يتحدث عن شيء واقعي ممكن، فقد يرزق الله من فضله صاحب العمر القصير من الأمداد والفوائد ما لا يظفر به المعمرون.

وقد أشار إلى هذا في الحكمة الأخرى التالية لهذه، بقوله:(من بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة، ولا تلحقه الإشارة)

قال: فقد فهمت ـ إذن ـ معنى البركة.

قلت: لقد فهمت معنى البركة في العمر، فهو لا بآماده، بل بأمداده، وعلى هذا وردت النصوص، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر)([16])، وورد في الحديث أن صلة الرحم تزيد في العمر، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من سره أن يبسط له رزقه وينسأ له أثره فليصل رحمه)([17])  .. لكني لم أفهم بعد كيف يصبح القليل كثيرا ..

قال: ألم تقرأ الاحاديث التي ورد فيها تكثير الطعام لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

قلت: بلى، فقد حصل ذلك مرات كثيرة كما يذكر علماء السير.

قال: فقد رأيت فيها أن القليل الذي لا يشبع النهم تحول إلى الكثير، فيطعم أمة من الناس.

قلت: ولكن هذا يذكر على سبيل المعجزة، فهو معجزة لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم، لا يذكر كسنة عامة تشمل جميع الناس، وحديثنا هنا عن العموم لا عن الخصوص.

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (لأعراف:96)، أفهذه الآية خاصة بالأنبياء، أم بأمم الأنبياء؟

قلت: بل بأمم الأنبياء.

قال: فقد وعد الله بتنزل البركات عليهم، وهو يعني ما ذكرناه من تحول القليل كثيرا، والضعيف قويا، والهزيل سمينا ..

قلت: أنا لا أناقش في هذا، ولكن أناقش في تصوره، فلم أر في حياتي تحول الموازين ولا المقاييس.

قال: أرأيت إن خيرت بين أن ترزق مالا قليلا، ولكن يبارك لك فيه، فلا تستهلكه إلا فيما يفيدك، ويمتعك، وبين أن ترزق مالا كثيرا، ولكن ترزق معه من البلاء كالأمراض والأشغال ما يفنيه ويحوله قليلا لا يكاد ينفعك.

صحت: بل أرضى بالقليل، فما فائدة الكثير الذي يرهقني، ثم لا أستفيد منه.

قال: فهذا القليل تحول بسبب مباركة الله له إلى كثير، بل إلى ما هو أفضل من الكثير .. أجبني .. لو خيرت بين أن يكون لك عشرة من البنين، وكلهم عاق ومنحرف، وبين أن يكون لك ولد واحد، ولكنه بر تقي وصول، فأيهما تختار؟

قلت: بل الولد الواحد، فما فائدة العشرة التي لا تزيدني ولا تزيدهم إلا ضياعا وضلالا.

قال: فقد بورك إذن في الولد الواحد بسبب تقواه فصار أفضل من العشرة.

قلت: فقد فهمت إذن، فالشيء يبقى هو نفسه، ولكن الله تعالى يبارك فيه بحمايته من الآفات، فيصبح بتلك الحماية كافيا.

قال: ليس هذا فقط، بل إن الله برحمته وبركته يمده من الزيادة ما لا نستطيع أن نتعرف عليه .. فليس العالم شهادة فقط .. وكما للحكمة مظاهرها، فللقدرة مظاهرها.

قلت: لقد نبهتني إلى نوع مهم من الغنى لا يفطن له كثير من الفقراء.

قال: ما هو؟

قلت: إن الله يبارك في كثير من أولاد الفقراء، فينجحون في حياتهم، بل يكونون سببا في خروج آبائهم من ضائقة الفقر، بينما يتيه أولاد كثير من الأغنياء في أودية الغفلة .. فهذا من بركات الفقر على أهله.

قال: لا تفهمني خطأ، فالبركة تشمل الغني والفقير، ونحن لا نفضل أحدهما، بل للبركة أسبابها التي تحل بمن تحقق بها.

قلت: فما أسبابها، فقد شوقتني إليها؟

قال: أولها الالتزام الذي أشار إليه قوله تعالى:{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (لأعراف:96)

قلت: عرفت هذا .. فهل هناك أسباب أخرى؟

قال: القناعة، فهي من أعظم أسباب البركة.

قلت: أجل، وقد صرحت الأحاديث بذلك، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم :(إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع)([18])

قال: ومن أسبابها الصدق، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما)([19]) .. ومن أسبابها النشاط ..

قلت: وما النشاط؟

قال: عدم الخلود إلى الكسل في أوقات البركة؟

قلت: أهناك أوقات للبركة؟

قال: نعم، والعاقل هو الذي يبحث عنها.

قلت: أين؟

قال: في الشريعة والواقع.

قلت: أي في النصوص الشرعية، وفي البحث في سنن الحياة.

قال: نعم، فكلاهما كتاب الله تعالى.

قلت: فاضرب لي مثالا على ذلك.

قال: ما ورد في النصوص من استحباب التبكير، فقد دعا صلى الله عليه وآله وسلم لذلك، فقال:(اللهم بارك لأمتي في بكررها)([20])

قلت: فهمت هذا، ولعله سبب مهم جدا من أسباب الفقر، فإني أرى في الواقع الرجل ينهض وقت الضحى يتثاءب كسلا، ليطلب رزقه، ثم يشكو من سد أبواب الرزق في وجهه.

قال: ليس هذا فعل رجل واحد فقط، بل كلكم يفعله.

قلت: كيف؟

قال: أنتم تبدؤون يومكم من نصفه لا من أوله.

قلت: كيف؟

قال: ألا تدعون الشمس حتى تطلع، لتنطلقوا في أعمالكم؟

قلت: هذه مواقيت عالمية للعمل.

قال: وما دخل العالم بهذا .. هي مصالحكم وأنتم أدرى الناس بها، ولو لم تناموا ليلا ولا نهارا من أجل الحفاظ عليها لم يناقشكم أحد فيها.

قلت: وعيت هذا.. فللبركة أسبابها إذن؟

قال: لكل شيء سببه، ألم تسمع قوله تعالى:عن ذي القرنين: { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} (الكهف:84)، فهل نجح ذو القرنين في المهمة التي وكلت له من غير اتباع الأسباب؟

قلت: كلا، فقد قال الله تعالى:{ فَأَتْبَعَ سَبَباً} (الكهف:85)

قال: ولكن قومك المشغوفين بتحريف المعاني حرفوا معنى البركة تحريفا عظيما.

قلت: أجل .. فهم يذهبون إلى من شهروه بينهم بالولاية يلتمسون بركاته.

قال: فما بركاته؟

قلت: كسر خبز، أو قطع مناديل، أو حبات تمر.

قال: فما يفعلون بها؟

قلت: يعالجون بها أسقامهم، ويقضون بها حاجاتهم.

قال: فمرهم بالتوبة إلى الله، فببركات الله لا تنال إلا من يد الله، ولا تمد اليد إلى الله إلا إذا يئست من غير الله.


([1])    رواه البخاري.

([2])    رواه أحمد.

([3])    رواه البخاري.

([4])    رواه مسلم.

([5])    رواه البخاري ومسلم.

([6])    رواه البخاري ومسلم.

([7])    رواه الطبراني في الكبير.

([8])    رواه الطبراني في الكبير.

([9])    رواه أحمد والترمذي وابن حبان ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

([10])    رواه أحمد والترمذي.

([11])    رواه مسلم.

([12])    رواه  أحمد وعبد بن حميد، والبخاري في الأدب.

([13])    رواه البخاري ومسلم.

([14])    رواه ابن عساكر.

([15])    رواه  أحمد وأبو داود والترمذي.

([16])     رواه أحمد والنسائي وابن ماجه

([17])    رواه أحمد وابن ماجة.

([18])    رواه مسلم.

([19])    رواه البخاري.

([20])    رواه أحمد.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *