مفتاح الإتقان

مفتاح الإتقان

بمجرد أن قال هذا شعرت بقناعة عظيمة بضرورة العلم بأصوله النظرية والعملية وأنه لولاه لما استطعنا أن ننهض من تخلفنا، ولا أن نقوم بأي دور حضاري.. لكنا ما إن سرنا قليلا حتى بدا لنا باب جديد، وقد علقت عليه لافتة في منتهى الجمال مكتوب عليها:(إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه)([1])

فسألت المعلم عنه، فقال: هذا باب الإتقان.

قلت للمعلم: نعم، هذا باب مهم جدا، فنحن في عصرنا نشكو كثيرا من أضرار التفريط في الإتقان، فحسب أكثر العمال عندنا أن ينهوا أشغالهم دون اهتمام بمدى إتقانهم لأعمالهم.. وهذا هو الذي يجرهم في أحيان كثيرة إلى الفقر، فالعامل عندنا إذا اشتهر بعدم إتقانه لم يطلبه أحد، وذلك طريق لفقره .. فما سر عدم الإتقان يا معلم؟

قال: سره هو الخواء الذي تعيشونه في نفوسكم، فهو الذي جعلكم تنظرون إلى الكم، ولا تنظرون إلى الكيف، وتهتمون بالكثرة ولا تهتمون بالنوعية.

قلت: فما علاجه؟

قال: الإيمان.

ابتسمت، وقلت: حسبتك ستذكر الرقابة التي تهتم بالبحث عن مدى الجودة لتقر بعدها العمل أو ترفضه.

قال: ولكني لم أنكر الرقابة، وهي من مقتضيات الإيمان، بل هي جزء من آثار الإيمان.

قلت: رقابة الشرطة .. لا أظن أن لها علاقة بالإيمان؟

قال: وما علاقتنا بالشرطة، نحن الآن نتعلم السلام، والذي يتعلم السلام لا يعرف الشرطي ولا الجندي ولا أي قوة من القوى، ولا يحتاج لها.

قلت: فرقابة من إذن؟

قال: رقابة الله، فإنها إذا حلت في القلب لم يحتج الخلق إلى أي رقابة أخرى .. هل تتصور أن في الجنة شرطة؟

قلت: هذا مستحيل، فهي دار السلام.

قال: فكذلك المؤمنون الذين يعيشون في جنة الدنيا لا يحتاجون إلى هؤلاء الشرطة.

قلت: فالرقابة إذن هي السبيل الوحيد لتحقيق الإتقان؟

قال: لا، بل هي جزء من ذلك السبيل، أو هي المرتبة الأخيرة منه.

قلت: فهل هناك مراتب أخرى؟

قال: أجل، هناك التشبه، والقدوة، والجزاء، ثم تأتي بعدها الرقابة.

قلت: فهي إذن أربع.

قال: نعم أربعة معان إيمانية من تحقق بها رزقه الله الإتقان، وجعله خلقا من أخلاقه لا يتكلف فيه ولا يتصنع.

التشبه:

قلت: فبمن يكون التشبه، أبدول العالم المتطور التي تحرص على إتقان أعمالها؟

قال: لا .. المؤمن لا يرى إلا الواحد.

قلت: تقصد القطب الواحد، فنحن الآن محكومون بقطب واحد؟

قال: أقصد القطب الواحد الذي يتوجه له الكل .. السموات والأرض والعرش والفرش .. والذرة والمجرة ..

قلت: تقصد الله؟

قال: وهل هناك غيره، فالله هو خالق الخلق وأعمالهم، كما قال تعالى:{ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} (الصافات:96)

قلت: فكيف نتشبه به؟

قال: ألم يقل الله تعالى:{ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ  ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ} (الملك:3 ـ 4)

قلت: بلى، فهذه الآية تخبر عن مدى الإتقان الذي صمم به خلق السموات والأرض، فلا ترى فيها أي فطور.

قال: بل إن الله تعالى يأمرنا بإعادة النظر والتحقق للتأكد من سلامة خلق الله من أي عيب.

قلت: وكأنه بذلك يدلنا على الطريقة التي نكتشف بها عيوب أعمالنا، فلا نكتفي بالنظرة البدائية البسيطة التي قد تكتفي بالانبهار، بل يدلنا على النظرة النقدية المحققة.

قال: وهو يدلنا كذلك على عرض أعمالنا على غيرنا، لأنا قد لا نرى من عيوب أعمالنا ما يراه غيرنا.

قلت: فالله يؤدينا ـ إذن ـ بهذه الآيات.

قال: نعم، هو يؤدينا كما يؤدب أحدنا ولده عندما يقف أمامه المواقف المختلفة ليبين له كيف يتصرف التصرف السليم.

قلت: ولهذا وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه (كان خلقه القرآن)([2])

قال: أجل، فالله تعالى يربينا بأوصافه كما يربينا بأوامره .. ولهذا، فإنه عندما يقول على لسان إلياس u:{ أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ} (الصافات:125)، فإنه في الحقيقة يقول لنا:(ربكم أحسن الخالقين، فكونوا أنتم أحسن العاملين)

قلت: فاضرب لي أمثلة من القرآن الكريم، وبين لي كيفية سماعها والاستجابة لها.

قال: سنذكر أربعة أمثلة قرآنية لها علاقة كبرى بحياتنا.

قلت: فما المثال الأول؟

قال: الإنسان.

قلت: كيف؟

قال: ألم يأمر الله الإنسان بالنظر إلى نفسه، والاعتبار به؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى:{ فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ} (الطارق:5)، وقال تعالى: { وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} (الذريات:21) 

قال: فقد ذكر الله تعالى إتقانه لخلق الإنسان فقال تعالى:{ لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (التين:4)

وذكر إتقانه صورة الإنسان، فقال:{ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (التغابن:3)

قلت: لقد أثبت العلم الحديث كل هذه المعاني إثباتا دقيقا، فجسم الإنسان في غاية الحسن والقوة.

قال: ولذلك من الله على الإنسان بأنه صوره فعدله، كما قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} (الانفطار:7 ـ 8)

قلت: لماذا لم يمن عليه بالخلق وحده؟

قال: لأن الخلق وحده كالعمل قد يكون خيرا، وقد يكون شرا، ولكن إتقانه وتحسينه هو الذي ينقله إلى الخيرية.

قلت: فما المثال الثاني؟

قال: الحديث الحسن، فحديث الله تعالى لا يختلف عن خلقه في الحسن.

قلت: لقد قال الله تعالى يخبر بأنه نزل أحسن الحديث:{ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } (الزمر:23)

قال: وهذا يدعونا إلى أن نلتمس كل الأساليب المؤثرة الحسنة التي تغير من نفوس من نخاطبهم.

قلت: كيف؟

قال: ألا تعلم أن الكلام قد يكون حقا، ولكن قولنا له وطريقة إلقائنا تحوله شرا، ولهذا ورد في القرآن الكريم ذكر الحسن مرتبطا بالقول في مجال الدعوة، فقال تعالى:{ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت:33)، بل إن الله تعالى لم يأمر بالحسن فقط عند المجادلة، بل أمر بالأحسن، فقال:{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } (النحل: 125)

قلت: هذا صحيح، فنحن نعرض الإسلام بصورة مشوهة، ثم نتأسف على انصراف الناس عنه.

قال: وتحكمون عليهم بالضلال، ولا تحكمون على أنفسكم بالإضلال.

قلت: ولكن منا الشعراء والقصاصون ..

قال: تركتموها لغيركم يعبث فيها، ويملؤوها بالمجون، واكتفيتم بعرض الإسلام وحقائق الإسلام بجفاء وغلظة وجفاف يفسد أكثر مما يصلح، ويبعد أكثر مما يقرب.

قلت: فما الطريق؟

قال: هو ذا القرآن الكريم أمامكم، أليس هو الكتاب الهداية الأبدية الشاملة!؟

قلت: ولكن القرآن الكريم جاء ليهدينا، لا ليعلمنا كيف نتكلم.

قال: القرآن الكريم جاء لكل شيء، ولكن الشأن أن تفهموه، وترتقوا للاستفادة منه.

قلت: فاشرح لي ذلك.

قال: لذلك محله، فاصبر، فالعلم لا ينال بالعجلة.

قلت: ولكنك تظل تشوقني إلى المعاني الجميلة، ثم تتركني حائرا.

قال: الشوق هو بداية التعلم، ومن لم يشتق إلى العلم كما يشتاق الخليل إلى خليله لم يتعلم.

قلت: أجل، فقد ذكرتني بحديث لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه إشارة إلى هذا المعنى،  ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم خيبر:(لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه)([3]) فقد كان بإمكانه صلى الله عليه وآله وسلم أن يستدعي من يريد إعطاءه الراية من غير أن يشوقهم إليه.

قال: الأمثلة على ذلك كثيرة، والسنة طافحة بذلك، فيمكنكم استثمارها كاستثمار القرآن الكريم والاستفادة منها في تحسين كلامكم، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه)([4])

قلت: فما المثال الثالث؟

قال: الرزق الحسن، ألم يأمر الله تعالى بالنظر في رزقه، فقال تعالى:{ فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} (عبس:24)، وقال:{ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأنعام:99)

قلت: بلى، فقد وصف الله تعالى رزقه بالحسن، فقال:{ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (الحج:58)

قال: لتعرف مدى ما يحمله رزق الله من الحسن قارن بين أرزاق الله التي تحملها سنابل القمح وحبات الثمر وأعشاب الأرض وبين السموم التي تصنعونها كل حين.

قلت: صدقت، فأرزاق الله غذاء ودواء، وأرزاقنا داء وسموم.

قال: ذلك لأنكم انشغلتم بالأكل، فعبدتموه من دون الله، فهم أحدكم من يومه جميعا ما يأكله وما يشربه، فلم تكتفوا بما خلق الله لكم من أصناف الموائد التي تتناسب مع أجهزتكم، بل رحتم تبدلون وتغيرون وتتفننون مما أوقعكم في الهلكة، وأوقع أجهزتكم في العطب.

قلت: فما المثال الرابع؟

قال: خلق الكون بهذا البناء الرائع الذي لا تملك القلوب المؤمنة إلا التسبيح عند رؤيته .. ألم يأمر الله بالنظر في السموات والأرض؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى:{ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} (يونس:101)

قال: ففي كون الله من آيات الإتقان والحسن ما يحرك القلوب المؤمنة، لا لمجرد التسبيح فقط، بل للاقتداء، ألا تعلم من أحب شيئا ظهر عليه؟

قلت: بلى، فهذه حقيقة لا شك فيها، فمن يستطيع كتم أشواقه ومحبته.

وأفضحَ من عينِ المحبِّ لسرهِ           ولا سيما إِن أطلقتْ عبرة تجري

قال: ولهذا يذكر الله تعالى خلقه السموات والأرض، بل يذكر خلقه لها بهذه الصيغة التي لا يستطيع اللسان التعبير عنها، قال تعالى:{ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذريات:47)

قلت: والله تعالى يصف نواحي الكمال في خلق الكون مما يحفز الهمم للبحث فيها ..

قال: لا البحث فقط، وإنما التشبه والاقتداء ..

القدوة:

قلت: عرفنا التشبيه، وهو طريق العارفين الذائقين في تحصيل الإتقان، فما القدوة، وبمن تكون؟

قال: القدوة هي انصهار المقتدي وذوبانه في المقتدى نتيجة إعجابه وحبه له.

قلت: فبمن تكون؟

قال: لقد ذكر الله مثالين للقدوة في العمل، أحدهما من جنسنا، والآخر من غير جنسنا.

قلت: فمن من جنسنا؟

قال: عباد الله الصالحين المحسنين، فقد قال تعالى في شأنهم:{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب:21)، وقال:{ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} (النساء:125)

قلت: فكيف نقتدي بهم؟

قال: بالبحث عن سيرهم وسلوكهم واتخاذ مواقفهم دستورا تنتهجونه وتمشون على خطاه، ألم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستعيد مواقف الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ويجدد الحياة فيها؟

قلت: بلى، فقد ورد في السيرة المطهرة أنه لما كان يوم فتح مكة، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة أرسل إلى من حاربه منهم، فقال:(مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته:{ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (يوسف: 92) ([5])

قال: لقد استعاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موقف يوسف u مع إخوته، فعامل الذين آذوه أبلغ الإيذاء بنفس الأسلوب.

قلت: ومثل ذلك ما ورد في الحديث أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قسم قسماً، فقال رجل: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه اللّه، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(رحمة اللّه على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)([6])

قال: ومثل الأنبياء الصالحون الذين ذكرت أوصافهم في القرآن الكريم، والتي تمتلئ كتب السير والطبقات بنماذجها.

قلت: فهذا هو موضع القدوة الأول، والذي هو من جنسنا، فمن نقتدي به من غير جنسنا؟

قال: الحيوانات.

ثرت قائلا: ما هذا؟ .. ما عهدتك يا معلم هكذا .. كيف تقرن الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ بالحيوانات .. أليس هذا كفرا أو قريبا من الكفر!؟

قال: ولماذا تستهين بالحيوانات لهذه الدرجة، أليست من خلق الله؟ ألا تعلم أن احتقارك لها احتقار للذي خلقها؟ ألم تسمع قوله تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } (البقرة: 26)؟  .. ألم يذكر الله الذباب والعنكبوت والنحل والحمار والبغال وغيرها في القرآن الكريم؟ 

قلت: بلى، ولكن قومي، أو من اشتهر بالأدب منهم يتحرجون من مثل هذا.

قال: فهم يتعاظمون ويتكبرون على خلق الله .. فمن ضمن لهم أنهم أشرف من هذه الحيوانات.

قلت: بلى، لقد تذكرت نهيه r عن إتخاذ ظهور الدواب منابر، معللا ذلك بقوله: (فرب مركوبة خيرا أو أكثر ذكرا لله تعالى من راكبها)([7])

قال: ستسألني عن كيفية اتخاذ الحيوانات قدوة في الإتقان، وعن تأصيل ذلك.

قلت: نعم، لم تعدو ما في قلبي.

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} (المائدة:31)؟

قلت: لقد سمعت هذه الآية في مواضع مختلفة.

قال: لكل قضية سماعها الخاص بها.

قال: فبماذا تحدثني هذه الآية في هذا الموقف؟

قال: تخبرك بأن الله تعالى ألهم الحيوانات من العلوم ما نستفيد منه في حياتنا وفي أعمالنا، ألم يقل الله في هذه الآية:{ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ }

قلت: بلى.

قال: فقصد هذا الغراب أن يري الإنسان كيف يتعامل مع جثة أخيه.

قلت: نعم، هكذا ينص القرآن الكريم.

قال: فهذا يدل على أن الله تعالى جعل في الحيوانات معلمين لنا.

قلت: لا أظن أن هناك حرجا في ذلك بناء على ما سبق ذكره من الحرمة التي استفادتها الحيوانات من خلق الله لها.

قال: فلذلك لا تتعجب إن ذكرنا الحيوانات كمحل من محال القدوة.

قلت: أجل، ولكن الحيوانات في نظرنا لا تختلف عن الجماد إلا في بعض الوعي الذي يهيئها لاكتساب رزقها.

قال: ذلك ما ترونه أنتم، أما الحقيقة فأعظم من ذلك.

قلت: بين لي بعض نواحي القدوة في الحيوانات.

قال: أولها نظام الحكم.

ضحكت وقلت: نظام الحكم، كيف يكون هذا؟ .. لم أر في عالم الحيوانات صناديق انتخاب.

قال: صناديق الانتخاب أنشأها جشعكم وحرصكم وطلب كل واحد منكم التسلط على عباد الله، أما الحيوانات، فتعرف الأمر لأهله، فتسلمه له من غير أن تزاحمه فيه.

قلت: صدقت في هذا.. وقد ذكر العلماء الكثير من الأدلة المثبتة لذلك.. فعالم الحيوان يدعو حقا للإعجاب، وكأنه مدارس نستفيد منها، فلماذا لا يحظى بالاحترام الكافي.

قال: الغافلون وحدهم هم الذين لا يحترمون هذا العالم لأنهم لا يحترمون إلا أنانيتهم، أما الأولياء فهم يحترمونه ويعظمونه ويتأدبون بين يديه …

الجزاء:

قلت: عرفنا التشبيه والقدوة، وامتلأنا بالمعاني الواردة فيهما، فما الجزاء، وما أنواعه؟

قال:الجزاء هو الأجر الذي جعله الله تعالى بفضله وشكره لمن يتقن عمله.

قلت: فما أنواعه؟

قال: كثيرة نقتصر منها على هذه الأربع مما دلت عليه النصوص.

قلت: فما هي؟

قال: المحبة، والزيادة، والرحمة، والوقاية.

قلت: فما المحبة، وما دليلها؟

قال: المحبة هي السماء العالية التي هفت إليها قلوب الصديقين .. وهي الشعاع النير الذي ظلوا طول حياتهم يطلبونه.

قلت: تقصد محبتهم لله.

قال: أقصد محبة الله لهم، ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الأولياء:(ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه وإن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته)([8])

قلت: فهل ورد في النصوص ما يدل على محبة الله لعبادة المتقنين؟

قال: أجل، فقد قال تعالى مرغبا في الإحسان:{ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة:195)

قلت: فما السر في محبة الله للمحسنين؟

قال: هو السر في محبته للراحمين وللتوابين وللطاهرين.

قلت: فما السر في هؤلاء جميعا؟

قال: إن الله يحب المتخلقين بأخلاقه المتصفين بصفاته، ألا تفهم الإشارة في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وماتناكر منها اختلف)([9])

قلت: بلى، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم يبين انجذاب كل جنس إلى جنسه، وكل شكل إلى شكله، فالطيور على أشكالها تقع.

قال: فافهم الإشارة، ممزوجة بترياق التنزيه، فالله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير} (الشورى: 11)

قلت: وعيت هذا.. فما الزيادة؟ وما دليلها؟

قال: الزيادة هي شيء فوق النعمة، أو هي نعمة مخبأة مستورة .

قلت: أتعني ما نسميه نحن بالمفاجأة.

قال: وماذا تفعلون فيه؟

قلت: نخبئ ما نريد أن نجعله مفاجأة داخل قراطيس أو صناديق لتفتح في أوقات خاصة.

قال: هذا قريب من الزيادة، ولو أن الزيادة التي وعد الله بها عباده من العظمة بحيث لا تستطيع قراطيس الدنيا جميعا حملها.

قلت: فما دليها؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة:58) أي أن المحسنين سينالون المزيد من الأجر إضافة إلى غفران الخطايا.

فالله تعالى وعد المحسنين بالجزاء على أعمالهم، كما قال تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} (الكهف:30)

ووعد فوق ذلك بأن يجزيهم على أحسن أعمالهم، فقال تعالى:{ وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (التوبة:121)، وقال تعالى:{ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (النور:38)

ووعدهم فوق ذلك كله بالجمع بين الحسنى والزيادة، فقال تعالى:{)لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } (يونس: 26)

قلت: ولماذا لم يذكر الجزاء، وبقي مخبأ في سراديب الكتمان؟

قال: لا .. هو ليس مخبأ، ولكن طاقتنا العقلية أقل من أن تتحمل ذكره .. أرأيت لو وصف لك نوع من الفواكه لم تره في حياتك جميعا، أكنت تفهم ذلك الوصف؟ 

قلت: لا .. فالأذواق لا يصفها مثل اللسان، كما الألوان لا تصفها مثل العين.

قال: فكذلك هذ الزيادة .. وأضيفك سرا آخر.

قلت: ما هو؟

قال: هل المفاجآت التي تقدمونها لأصناف الناس متكافئة؟

قلت: لا .. هي مختلفة باختلاف طبقاتهم الاجتماعية، أو باختلاف مراتب نجاحهم، فالهدية المقدمة للأول ليست كالهدية المقدمة للثاني.

قال: فكذلك الله تعالى خبأ هذه الهدايا ليتنافس عباده على استلام أفضلها.

قلت: متى؟

قال: يوم الجزاء.

قلت: متى هو؟

قال: في الدنيا والآخرة، فالله ديان الدنيا والآخرة.

قلت: فما الرحمة وما دليلها؟

قال: يمكنك أن تفهمها، ولكن لا يمكنك التعبير عنها.

قلت: ولكن من قومي من يعبرون عنها بالإحسان.

قال: قد يحسن إليك في الظاهر من لا يرحمك.

قلت: فكيف أفهمها؟

قال: ليس عقلك هو الذي يفهمها، فعقلك معقول بعقال الحس، مكدر بمستنقعات التشبيه.

قال: فمن يفهمها إذن إذا لم يفهمها عقلي؟

قلت: يفهمها وجدانك ومشاعرك المنزهة عن دنس التشبيه.

قلت: أريد شرحا أكثر لهذا المعنى.

قال: عندما تجاوز المراحل العشر التي تبدأ بها مسيرتك للسلام، ستتمكن من القدرة على فهم هذه المعاني .. أتريد أن تنتقل إلى الجامعة، وأنت لم تكمل دراستك الابتدائية؟

قلت: فما دليل كون الرحمة جزاء من أجزية الإحسان؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (لأعراف:56)

قلت: فلماذا قال:{ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}، ولم يقل:(إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ للْمُحْسِنِينَ)

قال: لأن رحمة الله الشاملة وسعت كل شيء، لكن من الخلق من ابتعد عنها بسلوكه، ومنهم من اقترب منها، فكانت الرحمة قريبة منه، وفي الحقيقة كان هو القريب منها.

قلت: فسر لي هذا المعنى بما يحتمله عقلي من الحس.

قال: الهواء الذي تتنفسه موجود في كل مكان، فمن أغلق أنفه وفمه فلم يتنفس لا نقول:(إن الهواء انقطع عنه)، وإنما نقول:(إنه هو الذي قاطع الهواء)، فرحمة الله شاملة، ومن حجب عنها لم يحجب من قبل الرحيم، وإنما حجب من قبل هواه.

قلت: فما الوقاية وما دليلها؟

قال: الوقاية وقايتان: وقاية لروحك من التدنس بأوزار الذنوب، ووقاية لجسدك من التدنس بأدناس البلاء.

قلت: فبأي الوقايتين يجازى المحسن؟

قال: بكلا الوقايتين.

قلت: فما دليل ذلك؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى في تبشير عباده بتكفير خطاياهم وتطهيرهم منها:{ َالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} (العنكبوت:7)

قلت: فهذه وقاية الروح، فما وقاية الجسد؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ  لا تَشْعُرُونَ} (الزمر:55)، وقوله:{ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (يونس:26)

قلت: فهل للإحسان جزاء في الدنيا، فإن كل ما ذكرته من أجزية الآخرة؟

قال: من أخطر الأوهام التي تقعون فيها تفريقكم بين الدنيا والآخرة، وأحكام الدنيا وأحكام الآخرة، أليس رب الدنيا والآخرة واحد؟

قلت: بلى.

قال: فالجزاء والعقوبة يعجل في الدنيا، قبل الآخرة، ففي الدنيا روح من روح الجنة، وفيح من عذاب جهنم.

قلت: فطبق لي هذا على ما ذكرت من أجزية.

قال: كل ما ذكرته يتناول الدنيا والآخرة، فالمحسن محبوب من الله والخلق، فكل من أحبه الله نشر محبته بين الخلق، ألم تقرأ حديث جبريل u؟

قلت: بلى، فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله تعالى يبغض فلانا فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض([10]).

قال: ومثل ذلك الزيادة، ألستم تكافئون المحسن بالجوائز؟

قلت: أحيانا.

قال: أقل شيء تكافئونه به هو اضطراركم إليه، وقرعكم لبابه،وهجرانكم باب المسيء.

قلت: والرحمة.

قال: من اضطررتم إليه، اضطررتم إلى رحمته، لأنكم لا ترحمونه هو بل ترحمون اضطراركم إليه.

قلت: والوقاية؟

قال: تغضون الطرف عن سيئاته طمعا في حسناته.

الرقابة:

قلت: وأخيرا وصلنا إلى باب الرقابة .. فما هي؟ ولم كانت سبيلا من سبل الإحسان، ومعراجا من معارجه؟

قال: أرأيت لو كلفت بعمل من الأعمال، وحضر الوزير لرؤية مدى إتقانك له، أو تقصيرك فيه، ماذا كنت ستفعل؟

قلت: سأحبره تحبيرا تحتار نفسي فيه، بل إني أعمل كل جهدي لأجعل منه آية من آيات الجمال.

قال: ولو علمت أنه لا يجازيك على ذلك؟

قلت: لا تهمني مجازاته لي، فحسبي من جزائي رؤيته لي.

قال: فإن حضر الرئيس؟

قلت: سيكون التحبير أعظم.

قال: فكيف إذا كان الرائي هو الله رب كل شيء ومليكه.

قلت: .. ..!؟

قال: فهكذا المؤمن الذي امتلأ قلبه محبة لله وتعظيما له، فإن قلبه يمتلئ فرحا وسرورا برؤية الله له، فيندفع إلى عمله بنشاط عظيم يجعله يتفنن في إتقانه.

قلت: ألهذا قال تعالى مرغبا المؤمنين:{ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون} (التوبة: 105)؟

قال: بلى .. ولهذا عرف صلى الله عليه وآله وسلم الإحسان بقوله:(أن تعبد الله كأنك تراه)

قلت: أجل، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يربي أصحابه على هذا المعنى، فلا يحتاجون للاندفاع إلى العمل وإتقانه إلا للشعور بالله.. وقد رويت أحاديث كثيرة في هذا الباب، فعن أبي ذر قال:(أوصاني خليلي صلى الله عليه وآله وسلم أن أخشى الله كأني أراه فإن لم أكن أراه فإنه يراني) .. ومثل ذلك ما روي عن عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله حدثني بحديث واجعله موجزا فقال صلى الله عليه وآله وسلم:( صل صلاة مودع، فإنك إن كنت لا تراه فإنه يراك)([11]) ..

قال: لقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة العظيمة في آيات كثيرة، فالله تعالى يقول لنبيه  صلى الله عليه وآله وسلم:{ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} (الطور:48)، ويقول له:{ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} (الشعراء:218)

ويخبر أولياءه مبشرا لهم بقوله:{ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (يونس:61)

قلت: يا معلم، لقد عهدت قومي يتحدثون عن رقابة الله مخوفين من نظر الله.

قال: ذلك مقام الغافلين، فإنهم يرون في رؤية الله لهم ما يحول بينهم وبين معاصيهم، أما العارفون المحققون فإنهم يرون في رؤية الله لهم ما يراه كل محب عندما يراه محبوبه، ألم تسمع ما قال بشر لذلك العاشق؟

قلت: بلى، فقد حكى عن نفسه، قال: مررت برجل وقد ضرب ألف سوط في شرقية بغداد ولم يتكلم ثم حمل إلى الحبس، فتبعته فقلت له: لم ضربت؟ فقال: لأني عاشق، فقلت له: ولم سكت؟ قال: لأنّ معشوقي كان بحذائي ينظر إليَّ، فقلت: فلو نظرت إلى المعشوق الأكبر قال: فزعق زعقة خرّ ميتاً.

قال: أرأيت الطاقة الكبرى التي يمنحها الحب لأصحابه.

قلت: لو علم قومي ما في هذه الطاقة لعبأوها في قارورات، وزودوا بها المصانع والمعامل.

قال: ولكن قومك يتفننون في العوم في بحار الحب المدنس.

قلت: فكيف السبيل إلى بحار الحب المقدس؟

قال: عندما ترتفع الأنا من نفسك، لترى الوجود كما الوجود، حينها تخلع أثواب العدم لتلبس أنوار الوجود ..وحينها ستذوق طعم الحب المقدس .. وحينها ستشرب من أكواب الكون فلا ترتوي.

قلت: فدلني على شواطئه.

قال: ذلك علم آخر من علوم السلام، فاصبر، ولا تتخط رقاب الصديقين.

قلت: فمن أين أبدأ؟

قال: ابدأ من الابتدائي .. تخط حجب الغفلة أولا.

قلت: كيف أتخطاها؟

قال: ابدأ من مقامات الغافلين، فلا يمكن أن ترتقي درجات الصديقين، وأنت لم تقطع درجات الغافلين.

قلت: فحدثني عن مراقبة الغافلين.

قال: أرأيت لو أنك وظفت في معمل يحتاج العمل فيه إلى دقة عظيمة، فالأخطاء فيه خطيرة غير مغتفرة، بل قد يؤدي التقصير فيه إلى هلاكك وهلاك جميع المحيطين بك، وكان صاحب المعمل حازما شديدا، له من القوى والصلاحيات ما يسمح له بأن يعاقبك بكل أنواع العقوبات، فيمكنه أن يحبسك في زنزانة، ويمكن أن يذيقك من أنواع الآلام ما يجعلك عين العذاب .. ومع ذلك كله لا خيار لك إلا أن تعمل عنده.

قلت: يا معلم .. رويدك، فقد اقشعر جلدي مما قلت، لكأني بك تتعمد إخافتي .. فما وجه هذا المثال؟

قال: هذا ليس مثالا، بل هذه حقيقة ..

قلت: كيف؟

قال: الله هو صاحب هذه الأرض، وقد خلقنا أجراء فيها، ألم يقل تعالى للملائكة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ:{ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } (البقرة: 30)

قلت: بلى.

قال: أليس الخليفة هو الذي ينوب مناب صاحب العمل في عمله؟

قلت: أجل، فله من الحرية ما يكفل له أن يتصرف بما يراه مناسبا.

قال: ولكن تصرفاته محكومة بما يرتضيه صاحب العمل.

قلت: نعم، وإلا عد منقلبا على صاحب العمل.

قال: فقد قال صاحب العمل مبينا سر خلق الإنسان:{ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} (الكهف:7)، وقال:{ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} (الملك:2)

قلت: فهمت هذا، ولكن ما علاقة هذا بالمراقبة؟

قال: أليست المراقبة هي أن تظل منتظرا في كل لحظة حضور صاحب العمل ليرى مدى الدقة التي تقوم بها في عملك؟

قلت: أجل.

قال: فالله تعالى أخبر بأنه يراك في كل لحظة، بل أخبر أن كل ما تفعله مسجل عنده، ألم يقل الله تعالى للغافلين:{ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} (الزخرف:80)

قلت: بلى .. فالله تعالى ينبه الغافلين في القرآن الكريم في مواضع كثيرة إلى علم الله واطلاعه عليهم، كما قال تعالى:{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} (التوبة:78)

قال: وهذا الاعتقاد وحده كفيل بأن يجعل العامل متقنا لعمله متفانيا فيه لا يحتاج إلى شرطي يقمعه، وقد يرشوه ليسكت عن أخطائه.

قلت: فالإيمان إذن علاج للجودة.

قال: الإيمان هو علاج الجودة الحقيقية لا الجودة التي تتصورونها، ويغش بعضكم بعضا على أساسها.

قلت: كيف، ونحن في عصر الجودة.

 قال: أنتم في عصر أقنعة الجودة لا الجودة.

قلت: كيف؟

قال: أنتم تتفنون في الأغلفة أكثر من تفننكم في اللباب.

قلت: نعم فللغلاف دوره الكبير في تيسير بيع السلع.

قال: إن المنطق التجاري الذي تتعاملون به مع الأشياء يحول بينكم وبين رؤية اللباب.

قلت: نعم، فنحن نبيع السموم مزينة بأنواع الزينة التي تجذب العين، ولا نكتفي بذلك، بل ننشر عليها من الروائح ما يجذب الأنوف، ومن الأصوات ما يجلب الآذان، فلا يكاد أي مار يمر بها إلا ويسقط صريعا لهواها، فلا يذوقها حتى يوارى في الثرى.

قال: أما الجودة الحقيقية، فهي التي يدل ظاهرها على باطنها، وباطنها على ظاهرها، فلا غش فيها ولا خداع.


([1])    رواه البيهقي في الشعب.

([2])    رواه  ومسلم.

([3])    رواه البخاري.

([4])    رواه أحمد وأبو داود.

([5])    رواه البخاري ومسلم.

([6])    رواه البخاري ومسلم.

([7])     رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه.

([8])    رواه البخاري .

([9])    رواه البخاري ومسلم.

([10])   رواه البخاري ومسلم.

([11])    رواه الطبراني.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *