مفتاح الأخلاق

مفتاح الأخلاق

بعد أن فتح لنا باب الزمن سرنا مدة إلى أن صادفنا باب آخر كتب عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)([1])

قلت: لا شك أن هذا باب الأخلاق.

قال: أجل ..  ومن لم يدخل إليه تعذب بمدنيته في الدنيا قبل الآخرة .. ولم ينفعه تمدنه في الدنيا، ولا في الآخرة.

قلت: لماذا تخوفني هكذا.

قال: هذا ليس تخويفا، هذه حقيقة، فالأخلاق هي حامي هذه الأبواب، فمن لم يتخلق لم يفد الخلق بعلمه ولا بإتقانه ولا بتطويره.

قلت: صدقت يا معلم، بل الأخلاق هي الكنز الذي لو استثمره الفقراء لكسبوا به ما تعجز خزائن الأغنياء عن تحمله.

قال: بل لو استثمروه لعاشوا به في سعادة يعجز الأغنياء عن تحصيلها بأموالهم.

قلت: كيف ذلك.. وأنا أرى في الواقع كثيرا من قومي قد فتحت لهم أبواب الثروة، وأغدقت عليهم شآبيب الرزق من غير أن يكون لهم من الأخلاق كثير ولا قليل، فكيف يكون الخلق جزءا من التمدن؟

قال: وما فائدة أرزاق تكثر، وبركات تنقص؟ وما قيمة مصانع تؤسس، وقصور تهدم؟

قلت: أي قصور تهدم يا معلم؟ أنا لا أراها بل أرى الزلازل مع ما أوتيت من قوة تعجز عن قصور هؤلاء.

قال: تلك أكواخ، وليست قصورا؟

 قلت: فأين القصور إذن، أهي قصور الجنة؟

قال: هي القصور التي جعلها الله في أعماق الإنسان إن تأدب مع الله ومع نفسه ومع الإنسان ومع الكون .. الحق أقول لك: من لم يحز هذا القصور عاش في زنازن من الرعب، ولو سترها بطلاء الذهب والفضة، فالزنازن تظل زنازن ولو طليت بكل طلاء وزينت بكل زينة، ألم تسمع الله تعالى وهو يقول:{ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (طـه:124)

قلت: ولكن الآية الكريمة تتحدث عن الذكر، ولا تتحدث عن الخلق.

قال: وهل الذكر إلا خلق، أترى من نسي مولاه الذي خلقه، ورباه، ورزقه، وأنعم عليه، ولا خير إلا منه، يكون متخلقا .. إن مبدأ الخلق هو التخلق مع الله، فمن تخلق مع الله تخلق مع عباد الله، ومن أساء أدبه مع الله أساء أدبه مع الكون جميعا ابتداء من نفسه، ألم تسمع الحق تعالى وهو يقول:{ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} (البقرة:9)؟  فمن ظن أنه يخدع الله، فقد وقع في خديعة نفسه.

قلت: يا معلم، فما هي نواحي الخلق التي على المتمدن أن يربي نفسه عليها، أو يربيه المجتمع عليها؟

قال: لن تعرف النواحي حتى تعرف حقيقة الخلق.

قلت: وما حقيقة الخلق؟

قال: أداء الحقوق لأصحابها، وعدم الاعتداء عليها.

قلت: كيف؟

قال: إذا اعتديت على حقوق أصحاب الحقوق ظلمتهم، والظلم منبع الرذائل، وإذا سلمتها لهم كاملة غير منقوصة عدلت، والعدل أصل الفضائل.

قلت: ولكن الأخلاق كثيرة، وما العدل إلا واحد منها، بل إن الفضل والإيثار أعظم من العدل نفسه.

قال: ولكن العدل هو البذرة التي ينبت منها الفضل والإيثار، كما تنبت منها جميع الفضائل.

قلت: فسر لي ذلك.

قال: الإنسان محاط بمجموعة من العلاقات، وكل علاقة تتطلب سلوكا معينا، وحقوقا معينة، فمن قصر في حق طائفة من الطوائف وقع في الجور، ومن وقع في الجور لا يستقيم أمره إلا بالرجوع إلى العدل.

قلت: ولكني لم أر للعدل في النصوص هذه المكانة التي تتحدث عنها.

قال: ألم يجعل الله الاستقامة هي مبتغى آمال السالكين، فقال تعالى:{ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (الفاتحة:6)، وأخبر عن غيرهم، فقال:{ وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} (المؤمنون:74)

قلت: بلى.

قال: فالاستقامة هي العدل، فمن اعتدل فقد استقام.

قلت: لعلك تقصد ما ذكره علماء السلوك من المسلمين وغيرهم من أن الخلق الحسن يقع بين طرفين مذمومين والاستقامة والعدل هو تجنب الطرفين المذمومين.

قال: بل قد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم واضحا جليا، فقد ذكر في القرآن الكريم الأكل مقيدا بما يمنعه من الطغيان، قال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأنعام:141)، ففي الآية الكرية دعوة للأكل تنافي ما يدعو إليه الرهبان من الجوع، ولكنها لا تنسجم كذلك مع ما يدعوا إليه أهل الشهوات من الاقتصار على الأكل المجرد.. وهي تدعو كذلك إلى البذل، وعدم نسيان المحتاجين، لأن الشهوة قد تولد الحرص المولد للبخل، فلذلك تعارض الشهوة بالبذل.

قلت: صدقت في هذا، وقد قال تعالى:{وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً} (الاسراء:29)، فغل اليد إلى العنق يولد صفة البخل، وهي من شر الصفات، وبسط اليد كل البسط، قد يولد الفاقة والفقر، وهو كذلك منبع من منابع الانحراف، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:( كاد الفقر أن يكون كفرا)([2])

قلت: قد عرفت الخلق، وأنه أداء الحقوق لأصحابها، فمن هم أصحاب هذه الحقوق، وكيف أؤديها لهم؟

قال: إن اقتنعت بهذا، فسيفتح لنا هذا الباب .. وسنمر بعده على الأبواب تجيبك على هذا.


([1])     رواه أحمد.

([2])    أبو نعيم في الحلية ، و الطبراني.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *