معلم السلام

معلم السلام

كانت تغمرني سعادة عظيمة عندما جاءني معلم السلام هذا الصباح، فقال: أرى البسمة في عينيك، فهل استحدثت شيئا من العلم؟

قلت: إن الكنوز التي رأيتها في مدائن الفقراء الربانيين ملأت نفسي سكينة وسرورا، فقررت أن أعيش حياتهم، فما أجملها من حياة، وما أسعدهم من أناسي؟

قال: نعم هم سعداء بما قسم الله لهم، ولكنهم يعيشون في وضع مختلف عن وضعك.

قلت: لكني سأعيش في وضع كوضعهم، ألم يجعل الله الخيار لنا في اختيار الحياة التي نريدها؟

قال: بلى، ولكن وفق ما وضعك الله فيه من أنواع البلاء .. أرأيت لو أن جنديا أعجبته حياة مريض قعد به المرض عن الجهاد لما رأى من تفرغه لعبادة الله، فأراد أن يقتدي به في ذلك .. هل يصح منه ذلك؟

قلت: لا .. فلا ينبغي للمجاهد أن يغادر ثغره، وإلا أتي من قبله.

قال: فكذلك أنت .. وكذلك كثيرون غيرك .. أنتم على ثغور الحق، فلا تتركوها لهجمات الباطل..

قلت: ولكن السعادة والرضى والسكينة لا تتحقق إلا بذلك الجو الهادئ الجميل الذي اكتمل لهم.

قال: السعادة والرضى والسكينة في طاعة الله .. فإنك إن أطعت الله أسعدك ولو في أتون النيران، ألم تسمع قوله  تعالى: { يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ} (الانبياء: 69)؟

قلت: ولكن ذلك هو إبراهيم u .. وهو خليل الله.

قال: فكن إبراهيم .. وارتفع لتصير خليلا لله .. فهل منع الله أحدا من عباده أن يصير خليلا له؟

قلت: كلا ..

قال: فارفع همتك عن نفسك لترى السلام في التوجه لله .. { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة: 115)

قلت: وماذا أصنع حتى أرتفع؟

قال: لقد عرفت سكينة الفقر، فاعرف ثورته، وعرفت علاج فقر الفرد، فأسرع لعلاج فقر المجتمع.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لنرحل إلى مدائن الحضارة لنتسلم مفاتيح أبوابها.

قلت: أي مدائن .. وأي حضارة .. الحضارات كثيرة والمدائن أكثر.

قال: الحضارات الراشدة .. والمدائن الربانية ..

قلت: تلك حضارات عضها الزمن بنابه .. فلا تراها في غير دفاتر الوراقين.

قال: نحن نبحث عن الحقائق، لا عن التواريخ.

قلت: فكيف نرحل؟.. وأين؟.. أهناك أعماق أخرى سنتجول فيها؟

قال: لا .. سنرحل إلى متاهة نمر فيها على أبواب كثيرة .. كل باب يسلمنا إلى باب إلى أن نصل إلى مدائن الحضارة .. وسنرى أشياء كثيرة .. فلا يشغلنك شيء عن طريقك.

قلت: متاهة .. أخاف أن أتيه فيها، فلا أرجع إلى أهلي.

قال: لا تخف، فمعنا خارطة لذلك، وبوصلة تدلنا على الطريق.

قلت: أي خارطة .. لا أرى معك أي خارطة، ولا أي بوصلة.

قال: هي كتاب ربك وهدي نبيك.. فما وصل من وصل إلا بهما.

***

فجأة وجدت نفسي في صحراء لا زرع فيها ولا ماء، ولا أثر فيها لحي أو لميت، فالتفت حولي، فلم أر إلا الموت يتربص بي، فالشمس بأشعتها المحرقة تكوي جلدي، والعطش يكوي حلقي، وأحشائي قد عضها ثعبان الجوع، وفوق كل هذا تعصف الرياح الشديدة حاملة معها ذرات الرمال لتعمي عيني، وتصم أذني.

صحت: أين أنت يا معلم؟ .. أجئت بي للموت؟

فجأة ظهر كشعاع النور يقول لي: هل تألمت لهذا المصير الذي صرت إليه؟

قلت: بل كدت أموت جزعا وحزنا .. كيف تخرجني من بيتي الهادئ لترميني في هذه الصحراء القاحلة؟

قال: لتبصر حقيقة ما أنتم فيه .. فلا يمكن أن تعالجوا أدواءكم قبل أن تعرفوها.

قلت: لا .. نحن في أحسن الأحوال، فالسماء تدر علينا بأمطارها، والأرض تدر علينا بنفطها، فنحن بين بحرين، بحر يروينا، وبحر يطعمنا ويكسونا.

قال: لا .. بل أنتم في صحراء عارية من الحياة .. لأنكم تلبسون حياة غيركم، بعد أن خلعتم لباس حياتكم.

قلت: فكيف نسترد لباسنا؟

قال: بالدخول إلى مدائنكم، ففيها تجدون الملابس على مقايسكم.

قلت: ومن أين ندخل مدائننا؟

قال: من أبوابها، ألم تسمع قوله تعالى:{  وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا } (البقرة: 189)

قلت: فما في هذا من العلم؟

قال: إن أردتم أن تدخلوا مدائنكم .. مدائن الحضارة الراشدة .. فعليكم أن تفتحوا الأبواب المغلقة دون ذلك .. كل باب يسلمكم إلى باب إلى أن تصلوا إليها.

قلت: وأين هي هذه الأبواب؟

قال: افتح عيني بصيرتك لتراها.

فتحت عيني بصيرتي، وحدقت، فلم أر شيئا، قلت: يا معلم، فتحت عيني بصيرتي، فلم تر أبوابا ولا نوافذ .. لا أرى غير الصحراء القاتلة.

قال: لا يمكنك أن ترى الأبواب، وأنت ترى الصحراء.

قلت: ولكني في صحراء، فكيف لا أراها.

قال: الصحراء لا علاقة لها ببصيرتك ولا بروحك، إن علاقتها لا تعدو جسدك .. فإن رأيتها ببصيرتك فإن ذلك دليل على استيلائها عليك وتأثيرها فيك، واستعمارها لك.

قلت: أتقصد أن أعيش ببصيرتي في الجنان، مع أني في الحقيقة أعيش في الصحراء؟

قال: الحقيقة ما تعيشه روحك، لا ما يعيشه جسدك.

قلت: ولكن قومي يعتبرون هذا من الوهم الذي يبعدك عن الحقيقة.

قال: دعك من قومك، وامتلأ بالحكمة التي لا تعرف الزمان والمكان.

قلت: فهمت قولك .. فلا زالت قيود قومي تمسك بي.

قال: فافتح بصيرتك الآن .. فسترى أبواب المدائن.

فتحت بصيرتي، فرأيت الصحراء قد انزاحت رمالها من حولي وبين يدي، ثم رأيت بابا عظيما مفتوحا، وقد علقت عليه لافتة كتب عليها قوله تعالى:{ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ) (الحجر:46)

قال: هلم بنا لندخل هذه المدينة من بابها .. وإياك أن تدخل إلا من الأبواب التي آذن لك في دخولها، فبعضها سراديب ومصايد.

قلت: يا معلم .. وأين مفاتيح أبوابها؟

قال: مفاتيح أبوابها هي الحقائق .. ليس لها مفاتيح غيرها.

قلت: فهي ككنوز الفقراء إذن.

قال: بل هي ككل أبواب الدنيا وكنوزها، فمفاتيح أبواب الكون هي الحقائق.

قلت: ولكن حقائق أبوابها عندك، فهلم لندخل المدائن من غير أن نضيع أوقاتنا في الأبواب.

قال: لن يؤذن لك بالدخول إلا بعد أن تحمل مفتاحك، فلا يصح التطفل في هذه البلاد، ألم تسمع قوله تعالى:{ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } (الاسراء: 15)

قلت: بلى.

قال: فهلم نتبصر الحقائق، ونفتح الأبواب.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *