سادسا ـ الفحشاء

سادسا ـ الفحشاء

بعد أن انتهينا من الدراسة في القسم الخامس، وبعد أن رأيت تأثير التعاليم التي بثها الجاحظ في نفوس السامعين، سرت مع أهل السوق إلى القسم السادس، وكان اسمه (قسم الفحشاء)، وقد عرفنا أن شيخه رجل قدم من الأندلس كان اسمه ابن حزم([1]).. وعرفنا أنه صاحب خبرة طويلة في العلوم والأخلاق.. وأنه قدم ليقضي ما بقي من عمره في تلك المدرسة ناصحا لعباد الله ومحذرا لهم مغبة الفواحش والمنكرات.

عندما دخلنا المدرسة استقبلنا بقوله: لا يمكن للقلب المدنس بدنس الشهوات أن يفقه حقيقة الإنسان.. إنه يصير كالبهيمة لا هم له إلا إرواء غليل شهواته.

قلنا: فما السبيل لقطع جذور الشهوات التي تجر إلى الفواحش؟

قال: لقد وجدت من خلال استقرائي للنصوص المقدسة وللشريعة الحكيمة التي أنزلها الله على عباده أن العفة غرفة من غرف الكرامة الإنسانية لها أربعة أبواب من دخلها اعتصم بعصمة الله وحفظ بحفظ الله.

قلنا: قبل أن تحدثنا عنها حدثنا عن السبب الذي جعلك تختار هذا القسم دون سائر الأقسام.

قال: لقد تأملت الحياة، وسبرت أغوارها، فرأيت أن الفواحش هي السبب الأكبر في كل خراب يحل بالعمران، بل رأيتها الجرثومة الكبرى التي تنبت كل أنواع الكفران، وتحطم جميع بنيان الإنسان.

ثم ذهبت بعدها إلى النصوص المقدسة أتأملها، فوجدتها تؤكد لي ما اكتشفته..

لقد وجدت القرآن يذكر العقوبات المشددة المرتبطة بالواقعين في الفواحش.. بل وجدتها تنهانا أن تأخذنا بهم رأفة ورحمة، قال تعالى:{ سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)} (النور)

ووجدته يجعل من أمهات صفات المؤمنين ابتعادهم عن الفواحش، قال تعالى:{ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (68) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (69) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70)} (الفرقان)

ووجدته يخبر أن من بنود البيعة التي كان يبابع بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بيعتهم على الابتعاد عن الفواحش، قال تعالى:{ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)} (الممتحنة)

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يبايع أصحابه بقوله: (أبايعكم على أن لا تشركوا باللّه شيئا، ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تشربوا مسكرا. فمن فعل من ذلك شيئا فأقيم عليه حدّه فهو كفّارة، ومن ستر اللّه عليه فحسابه على اللّه- عزّ وجلّ- ومن لم يفعل من ذلك شيئا ضمنت له على اللّه الجنّة)([2]

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن (من أشراط السّاعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزّنا)([3]

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاثة لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة ولا يزكّيهم. ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذّاب، وعائل مستكبر)([4])

وقال: (ثلاثة يحبّهم اللّه، وثلاثة يبغضهم اللّه: فأمّا الّذين يحبّهم اللّه: فرجل أتى قوما فسألهم باللّه ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فمنعوه، فتخلّف رجل بأعقابهم فأعطاه سرّا لا يعلم بعطيّته إلّا اللّه والّذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتّى إذا كان النّوم أحبّ إليهم ممّا يعدل به نزلوا فوضعوا رؤوسهم، فقام أحدهم يتملّقني ويتلو آياتي. ورجل كان في سريّة فلقي العدوّ فهزموا وأقبل بصدره حتّى يقتل أو يفتح له. والثّلاثة الّذين يبغضهم اللّه: الشّيخ الزّاني، والفقير المختال، والغنيّ الظّلوم)([5]

وقال: (إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات اللّه لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا اللّه وكبّروا وصلّوا، وتصدّقوا. ثمّ قال: يا أمّة محمّد. واللّه ما من أحد أغير من اللّه أن يزني عبده أو تزني أمته. يا أمّة محمّد. لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا)([6]

وقال: (من زنى وشرب الخمر نزع اللّه منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه)([7]

وقال: (لا تزال أمّتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزّنا، فإذا فشا فيهم ولد الزّنا فأوشك أن يعمّهم اللّه بعذاب)([8]

وقال: (لا يحلّ دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلّا اللّه، وأنّي رسول اللّه إلّا بإحدى ثلاث: النّفس بالنّفس، والثّيّب الزّاني، والمفارق لدينه التّارك للجماعة)([9]

وقال: (لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السّارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع النّاس إليه أبصارهم فيها حين ينتهبها وهو مؤمن)([10]

وقال: (لا ينظر اللّه عزّ وجلّ إلى الأشيمط([11]) الزّاني، ولا العائل المزهوّ)([12]

وقال: (حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمّهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله، فيخونه فيهم إلّا وقف له يوم القيامة، فيأخذ من عمله ما شاء. فما ظنّكم؟)([13]

وقال حين نزلت آية الملاعنة: (أيّما امرأة أدخلت على قوم رجلا ليس منهم فليست من اللّه في شيء، ولا يدخلها اللّه جنّته، وأيّما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب اللّه عزّ وجلّ منه، وفضحه على رؤوس الأوّلين والآخرين يوم القيامة)([14]

وقيل يا رسول اللّه: متى نترك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر؟ قال: (إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم) قلنا: يا رسول اللّه، وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: (الملك في صغاركم([15]) والفاحشة في كباركم([16])، والعلم في رذالتكم([17])([18])

وعن سلمة بن قيس قال: إنّما هي أربع، فما أنا بأشحّ منّي عليهنّ يوم سمعتهنّ من رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، ألا لا تشركوا باللّه شيئا، ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ، ولا تزنوا ولا تسرقوا)([19]

وعن المقداد بن الأسود أنّه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: (ما تقولون في الزّنا؟) قالوا: حرام حرّمه اللّه- عزّ وجلّ- ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: (لأن يزني الرّجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره)([20]

وعن أنس أنّه قال: سمعت من رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم حديثا لا يحدّثكم به غيري قال: (من أشراط السّاعة أن يظهر الجهل، ويقلّ العلم، ويظهر الزّنا، ويشرب الخمر، ويقلّ الرّجال، وتكثر النّساء حتّى يكون لخمسين امرأة قيّمهنّ رجل واحد)([21]

وعن عبد اللّه بن عمر قال: أقبل علينا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهنّ، وأعوذ باللّه أن تدركوهنّ: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ، حتّى يعلنوا بها إلّا فشا فيهم الطّاعون والأوجاع الّتي لم تكن مضت في أسلافهم الّذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلّا أخذوا بالسّنين وشدّة المؤونة، وجور السّلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلّا منعوا القطر من السّماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد اللّه وعهد رسوله، إلّا سلّط اللّه عليهم عدوّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب اللّه، ويتخيّروا ممّا أنزل اللّه، إلّا جعل اللّه بأسهم بينهم)([22]

وقد ورد مع هذا النصوص نصوص كثيرة تدل على العقوبات القدرية التي قدرها الله على الواقعين في الفواحش، ومن ذلك أن ما ورد من أن الزاني لا تفتح له أبواب السماء، قال صلى الله عليه وآله وسلم :(تفتح أبواب السماء نصف الليل فينادي مناد هل من داع فيستجاب له ؟ هل من سائل فيعطى ؟ هل من مكروب فيفرج عنه ؟ فلا يبقى مسلم يدعو دعوة إلا استجاب الله عز وجل له إلا زانية تسعى بفرجها أو عشارا)([23])

وموعد الزاني نار يلتهب بها وجهه، قال صلى الله عليه وآله وسلم :(إن الزناة تشتعل وجوههم نارا)([24])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم يصف بعض العقاب الذي يتعذب به الزناة في البرزخ :(رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة)ـ فذكر الحديث إلى أن قال ـ :(فانطلقنا إلى نقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته نار فإذا ارتفعت ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا وإذا خمدت رجعوا فيها ، وفيها رجال ونساء عراة)([25])، وفي رواية قال صلى الله عليه وآله وسلم :(فانطلقنا إلى مثل التنور ، قال فأحسب أنه كان يقول فإذا فيه لغط وأصوات ، قال فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب  ضوضوا – أي صاحوا)الحديث، وفي آخره :(وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني)

وقد رأيت – مع هذا كله – في الكتب السابقة أن موسى u كان جالساً في بعض مجالسه إذا أقبل إليه إبليس وعليه برنس يتلون فيه ألواناً؛ فلما دنا منه خلع البرنس فوضعه، ثم أتاه فقال: السلام عليك يا موسى، فقال له موسى من أنت؟ فقال: أنا إبليس، فقال: لا حياك الله ما جاء بك؟ قال: جئت أسلم عليك لمنزلتك من الله ومكانتك منه، قال: فما الذي رأيت عليك؟ قال: برنس أختطف به قلوب بني آدم قال: فما الذي إذا صنعه الإنسان استحوذت عليه قال: إذا أعجبته نفسه واستكثر عمله ونسي ذنوبه، وأحذرك ثلاثاً: لا تخل بامرأة لا تحل لك فإن ما خلا رجل بامرأة لا تحل له إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أفتنه بها وأفتنها به، ولا تعاهد الله عهداً إلا وفيت به، ولا تخرجن صدقة إلا أمضيتها فإنه ما أخرج رجل صدقة فلم يمضها إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه وبين الوفاء بها. ثم ولى وهو يقول: علم موسى ما يحذر به بني آدم.

وحدثني الثقاة عن بعضهم أنه قال: ما بعث الله نبياً فيما خلا إلا لم ييأس إبليس أن يهلكه بالنساء ولا شيء أخوف عندي منهن، وما بالمدينة بيت أدخله إلا بيتي وبيت ابنتي أغتسل فيه يوم الجمعة ثم أروح.

وحدثني آخر قال: إن الشيطان يقول للمرأة أنت نصف جندي وأنت سهمي الذي أرمي به فلا أخطئ، وأنت موضع سري وأنت رسولي في حاجتي. فنصف جنده الشهوة ونصف جنده الغضب.

قلنا: وعينا ما ذكرته.. ولا نحسب أننا نخالفك فيه، فنحن نعلم ما تجره الفواحش على أصحابه، بل على المجتمعات والأمم.. فحدثنا عن تلك الغرفة الكريمة التي نحفظ بها كرامتنا، وحدثنا عن أبوابها الأربع.

قال: أبوابها هي تيسير الزواج، وحفظ البصر، وحفظ العرض، وحفظ البيئة.

تيسير الزواج:

قلنا: فحدثنا عن الباب الأول.. حدثنا عن تيسير الزواج.

قال: لقد عبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الباب من أبواب العفة، فقال:(يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة، فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)([26])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم :(ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف)([27])

وقد أشار القرآن الكريم إلى اعتبار الزواج هو السبيل الوحيد للتحصين من الشهوات، فلذلك اعتبر من صرف شهوته بغير سبيل الزواج من المعتدين، قال تعالى :{ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ } (المؤمنون:5)، ثم استثنى، فقال:{ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } (المؤمنون:6)، أي (والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام فلا يقعون فيما نهاهم اللّه عنه من زنا ولواط، لا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها اللّه لهم، أو ما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحله اللّه له فلا لوم عليه ولا حرج)، فقد استثنت الآية من حفظ الفرج حفظه عن الزوجة أو ملك اليمين، وهي في حكم الزوجة.

وأشار إليه كذلك قوله تعالى:{ وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ }(النور: 33)، فالنص ظاهر في أن من مقاصد الزواج الاستعفاف.

قال رجل منا: نحن لا نشك في دور الزواج في تحصيل العفة، ولكنا نسألك عن معنى (تيسير الزواج).. ما تريد به؟

قال: بما أن الشريعة الحكيمة جاءت لتحفظ الإنسان من شهوات نفسه، فإنها قد شرعت التشريعات الكثيرة التي تيسر هذا الباب العظيم من أبواب العفة.

ومن ذلك أن الله تعالى أمر الله الجماعة المسلمة أن تعين من يقف المال في طريقهم إلى النكاح الحلال، قال تعالى:{ وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(النور:32)والأيامى هم الذين لا أزواج لهم رجالا كانوا أو نساء، والمراد بهم في هذه الآية الأحرار دون الرقيق لأنه أفردهم في قوله تعالى:{ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ}

ومن ذلك نهى الله عضل المرأة ومنعها من الزواج إن تقدم لها الكفء الذي ترغب فيه، فلا يحل عضلها عنه حتى لو كان قد سبق له إيذاءها بالطلاق، قال تعالى:{ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(البقرة:232)، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين فتنقضي عدتها ثم يبدوا له أن يتزوجها وأن يراجعها وتريد المرأة ذلك فيمنعها أولياؤها من ذلك فنهى اللّه أن يمنعوها، والذي قاله ظاهر من الآية.

ومثل نهي العضل عن المطلق عضل المتوفى عنها زوجها طمعا في مالها أ وفي عدم خروجها من أسرة الزوج بعد وفاته، قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً)(النساء:19)

ومثل ذلك نهى عن عضل أي امرأة عن الزواج بمن تتحقق فيه شرائط الكفاءة، قال صلى الله عليه وآله وسلم :(إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، قالوا :(يا رسول الله، وإن كان فيه)، قال :(إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه)ثلاث مرات([28]).

ومثل ذلك ما ورد في النصوص الكثيرة من تيسير رسوم الزواج من المهر وغيره، ففي الحديث قال  صلى الله عليه وآله وسلم  :(أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا)([29])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم لرجل: (تزوَّجْ ولو بخاتَم من حديد)([30]

قال رجل منا: وعينا ما ذكرت.. ومن الرجال من لا تحصنه زوجته لشيء يصيبها.. ومن النساء من يصيبها العنس ولا تظفر بالرجل، أو قد ترمل، أو قد تطلق.

قال ابن حزم: لقد حلت الشريعة هذه المعضلة بإباحة تعدد الزوجات، ففيه تأمين لزواج النساء، وفيه تحصين للرجال.. فبدل أن يقع في الفاحشة مع التي تاقت إليها نفسه يتزوج بها.

حفظ البصر:

قلنا: عرفنا الباب الأول.. فحدثنا عن الثاني.. حدثنا عن حفظ البصر.

قال: لعلكم سمعتم بقول الشّاعر:

وكنت متى أرسلت طرفك رائدا  ‍
رأيت الّذي لا كلّه أنت قـــــــادر
  لقلبك يوما أتعبتك المناظر
  عليه ولا عن بعضه أنت صابر

قال رجل منا: أجل، وقد سمعنا الشاعر الآخر، وهو يقول:

كسبت لقلبي نظرة لتسرّه  ‍
ما مرّ بي شيء أشدّ من الهوى
  عيني فكانت شقوة ووبالا
  سبحان من خلق الهوى وتعالى

قال آخر: وسمعنا آخر، وهو يردد:

ألم تر أنّ العين للقلب رائد   فما تألف العينان فالقلب يألف

قال آخر: وسمعنا آخر، وهو ينشد:

كلّ الحوادث مبداها من النّظر  ‍
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها  ‍
المرء ما دام ذا عين يقلّبها  ‍
يسرّ مقلته ما ضرّ مهجتــــــــــــه
  ومعظم النّار من مستصغر الشّرر
  فتك السّهام بلا قوس ولا وتر
  في أعين العين موقوف على الخطر
  لا مرحبا بسرور بعده الضّــــــرر

قال ابن حزم: وقبل ذلك أمرنا ربنا، فقال :{ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)} (النور)

وفي الحديث ورد في نظر الرجال للنساء قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تتبع النّظرة النّظرة، فإنّ لك الأولى، وليست لك الآخرة)([31]

وعن جرير، قال: سألت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم عن نظرة الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري([32]).

وعن عبد اللّه بن عبّاس قال: أردف رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم الفضل بن عبّاس يوم النّحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلا وضيئا، فوقف النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للنّاس يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها، فالتفت النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النّظر إليها فقالت: يا رسول اللّه؛ إنّ فريضة اللّه في الحجّ على عباده، أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على الرّاحلة، فهل يقضي عنه أن أحجّ عنه؟ قال: (نعم)([33]

وفي خصوص النساء حدثت أمّ سلمة قالت: كنت عند رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وميمونة، قالت: فبينا نحن عنده أقبل ابن أمّ مكتوم فدخل عليه وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (احتجبا منه)، فقلت: يا رسول اللّه؛ أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه)([34]

ولأجل حفظ البصر وردت الأحاديث الكثيرة تتشدد على كل من أطلق بصره حيث لا يحل له إطلاقه، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من اطّلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلّ لهم أن يفقؤا عينه)([35])

وعن سهل بن سعد قال: إنّ رجلا اطّلع من جحر في باب رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ومع رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم مدرى([36]) يرجّل به رأسه، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (لو أعلم أنّك تنظر طعنت به في عينك، إنّما جعل اللّه الإذن من أجل البصر)([37]

وعن أنس بن مالك أنّ رجلا اطّلع من بعض حجر النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقام إليه بمشقص أو مشاقص([38]) فكأنّي أنظر إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يختله([39]) ليطعنه)([40]

قال رجل منا: لقد كنا نرى أمر البصر هين، فكيف ضيقته علينا كل هذا التضييق؟

ابتسم ابن حزم، وقال: أتدري مم أتي المجنون؟

قال الرجل: أتقصد مجنون ليلى؟

قال ابن حزم: أجل.

قال الرجل: لا شك أن لبصره دورا في ذلك.. فلولا أنه أرسل طرفه ما أصابه الجنون.

قال ابن حزم: فقد أجبت عن سؤالي.. النّظر يولّد المحبّة فتبدأ علاقة يتعلّق بها القلب بالمنظور إليه، ثمّ تقوى فتصير صبابة ينصبّ إليه القلب بكلّيّته، ثمّ تقوى فتصير غراما يلزم القلب كلزوم الغريم الّذي لا يفارق غريمه، ثمّ تقوى فيصير عشقا وهو الحبّ المفرط، ثمّ يقوى فيصير شغفا وهو الحبّ الّذي قد وصل إلى شغاف القلب وداخله، ثمّ يقوى فيصير تتيّما وهو التّعبّد فيصير القلب عبدا لمن لا يصلح أن يكون هو عبدا له، وهذا كلّه جناية النّظر فحينئذ يصير القلب أسيرا بعد أن كان ملكا، ومسجونا بعد أن كان مطلقا، فيتظلّم من الطّرف ويشكوه، والطّرف يقول: (أنا رائدك ورسولك وأنت بعثتني)([41])  

حفظ العرض:

قلنا: عرفنا الباب الثاني.. فحدثنا عن الثالث.. حدثنا عن حفظ العرض.

قال: لم تكتف الشريعة الحكيمة بأن تحفظ أبصار المؤمنين عن المناظر التي قد تجرهم إلى الفحشاء، بل راحت تغرس الغيرة في نفوس جميع أبناء المجتمع ليحموا أعراضهم من العبث بها..

فقد وردت الأحاديث ذامة للدياثة([42])، ومخبرة عن العذاب الشديد الذي ينتظر الديوث، ففي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاثة لا ينظر اللّه- عزّ وجلّ- إليهم يوم القيامة: العاقّ لوالديه، والمرأة المترجّلة، والدّيّوث. وثلاثة لا يدخلون الجنّة: العاقّ لوالديه، والمدمن على الخمر، والمنّان بما أعطى)([43]

وفي مقابل ذلك مدحت الغيرة المنضبطة بالضوابط الشرعية،  فقد وردت النصوص الكثيرة تبين فضل غيرة الرجل على أهله، وتبين في نفس الوقت خطورة موت القلب والدياثة التي تجعل الرجل لا يبالي بعرضه.

وقد بين صلى الله عليه وآله وسلم أن هذه الغيرة الشرعية دليل كمال على رجولة الرجل، بل على إيمان المؤمن، بل اعتبر المؤمن متخلقا بالتخلق بهذا بوصف من أوصاف الله تعالى، قال صلى الله عليه وآله وسلم :(المؤمن يغار والله يغار ومن غيرة الله أن يأتي المؤمن شيئا حرم الله)([44] 

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن نفسه وهو الأسوة الحسنة، والإنسان الكامل وخير أنموذج عن الرجولة الكاملة عندما قال له سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم  فقال:(أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني) ([45]) 

ولكن هذه الغيرة – مع هذا – لا ينبغي أن تشتط فتخرج إلى الحرام، بل يجب أن تنضبط كما تنضبط جميع سلوكات المسلم بالضوابط الشرعية، وقد جمع صلى الله عليه وآله وسلم تلك الضوابط في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن من الغيرة ما يحب الله عز وجل، ومنها ما يبغض الله، ومن الخيلاء ما يحب الله عز وجل ومنها ما يبغض الله عز وجل،فأما الغيرة التي يحب الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغض الله فالغيرة في غير ريبة، والاختيال الذي يحب الله عز وجل اختيال الرجل بنفسه عند القتال وعند الصدقة، والاختيال الذي يبغض الله عز وجل الخيلاء في الباطل)([46])  

حفظ البيئة:

قلنا: عرفنا الباب الثالث.. فحدثنا عن الرابع.. حدثنا عن حفظ البيئة.

قال: لم تكتف الشريعة بما بثته في نفوس الناس من توجيهات، بل وضعت التشريعات المتشددة التي تحفظ أبناء المجتمع من الوقوع ضحايا الفواحش..

ومن ذلك النهي عن الظهور بالمظاهر السافرة التي قد تحرك النفوس الضعيفة، قال تعالى يبين ضوابط الزينة الشرعية :{ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)} (النور)

وقال في الأمر بالحجاب :{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59)} (الأحزاب)

وقال ناهيا عن كل خضوع قد يطمع القلوب المريضة:{ يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (34)} (الأحزاب)

ووردت الأحاديث الكثيرة تؤكد هذه المعاني، وتفصل في كيفية تنفيذها، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيا، وأمة أو عبد أبق فمات، وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها مؤنة الدّنيا فتبرّجت بعده. فلا تسأل عنهم.. وثلاثة لا تسأل عنهم، رجل نازع اللّه- عزّ وجلّ- رداءه، فإنّ رداءه الكبرياء وإزاره العزّة، ورجل شكّ في أمر اللّه، والقنوط من رحمة اللّه)([47]

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا استعطرت المرأة فمرّت على القوم ليجدوا ريحها فهي زانية)([48]

وقال: (أيّما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معناه العشاء الآخرة)([49]

وقال: (سيكون في آخر أمّتي نساء كاسيات عاريات([50]) على رؤوسهنّ كأسنمة البخت([51])، العنوهنّ، فإنّهنّ ملعونات)([52]

وقال: (صنفان من أهل النّار لم أرهما. قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها النّاس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهنّ كأسنمة البخت المائلة. لا يدخلن الجنّة ولا يجدن ريحها. وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)([53]

وجاءت امرأة إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم تبايعه على الإسلام فقال: (أبايعك على أن لا تشركي باللّه شيئا، ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي ولا تبرّجي تبرّج الجاهليّة الأولى)([54])  

***

بقينا مع ابن حزم أياما معدودات يحدثنا فيها عن مرض (الفحشاء)، ويستعمل في التنفير عنه كل ما آتاه الله من العلم والحكمة.. وبعد أن رأى أن المحيطين به قد فقهوا عنه ما أراد أن يبلغهم إياهم ويدربهم عليه، طلب منهم أن يسيروا للقسم السابع.


([1])  أشير به إلى علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الاَموي بالولاء، أبو محمد الاَندلسي القرطبي، الفارسي الاَصل (384 ـ 456 هـ) مروِّج المذهب الظاهري، ومنقّحه، والمحامي عنه، وناشره في الغرب بعد انحساره عن الشرق. له رسائل كثيرة، منها: (أسماء الخلفاء)، و(الغناء الملهي)، و(الاِمامة)، و(مداواة النفوس)، و(طوق الحمامة)، وقد اخترناه هنا لأجل الرسالتين الأخيرتين.

([2]) رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون.

([3]) رواه البخاري ومسلم.

([4]) رواه مسلم.

([5]) رواه الترمذي واللفظ له وقال: هذا حديث صحيح، والنسائي.

([6]) رواه البخاري ومسلم.

([7]) رواه الحاكم على شرط مسلم.

([8]) رواه أحمد وإسناده حسن ومثله عند أبي يعلى.

([9]) رواه البخاري ومسلم.

([10]) رواه البخاري ومسلم.

([11])) الأشيمط: تصغير أشمط وهو من اختلط شعر رأسه الأسود بالأبيض. وذلك في سن الشيخوخة.

([12]) رواه الطبراني ورواته ثقات.

([13]) رواه مسلم.

([14]) رواه النسائي وأبو داود والدارمي والحاكم، وقال: صحيح.

([15]) في صغاركم: أي إن الملوك يكونون صغار الناس سنا، غير مجربين للأمور، أو ضعافهم عقلا.

([16]) في كباركم: المعنى أن الفاحشة وهي الزنا تنتشر وتفشو إلى أن توجد في الكبار أيضا.

([17]) والعلم في رذالتكم: إذا كان العلم في الفساق.

([18]) رواه أحمد وابن ماجة.

([19]) رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات.

([20]) رواه أحمد ورواته ثقات والطبراني في الكبير والأوسط.

([21]) رواه البخاري ومسلم.

([22]) رواه ابن ماجة والحاكم.

([23])  أحمد والطبراني واللفظ له.

([24])  الطبراني.

([25])  البخاري.

([26])  رواه البخاري ومسلم.

([27])  رواه النسائي والترمذي، وقال: هذا حديث حسن.

([28])  رواه الترمذي وقال حسن غريب.

([29])  رواه ابن حبان والحاكم والبيهقي.

([30]) رواه البخاري ومسلم.

([31]) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حسن غريب.

([32]) رواه مسلم.

([33]) رواه البخاري ومسلم.

([34]) رواه أبو داود.

([35]) رواه البخاري ومسلم.

([36]) المدرى: حديدة تشبه المشط.

([37]) رواه البخاري ومسلم.

([38]) المشاقص: جمع مشقص وهو نصل عريض السهم.

([39]) يختله: أي يراوغه ويستغفله.

([40]) رواه البخاري ومسلم.

([41]) إغاثة اللهفان (1/ 47) بتصرف.

([42]) الدّياثة فعل الدّيّوث، وهو الّذي يقرّ الخبث في أهله، أي يستحسنه على أهله، وقيل: هو الّذي لا غيرة له على أهله.

([43]) رواه النسائي.

([44]) رواه البخاري ومسلم.

([45]) رواه البخاري ومسلم.

([46]) رواه أبو داود والنسائي وابن حيان والدارمي والبيهقي.

([47]) رواه أحمد والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين.

([48]) رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حسن صحيح. والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.

([49]) رواه أبو داود والنسائي.

([50]) كاسيات عاريات: يعني تستر بعض بدنها وتكشف بعضه إظهارا لجمالها ونحوه، وقيل معناه: تلبس ثوبا رقيقا يصف لون بدنها.

([51]) البخت: كلمة معربة ومعناها الإبل الخراسانية لأنها تنتج من بين عربية وفالج، ومعنى رؤوسهن كأسنمة البخت أي يكبرنها ويعظمنها بلف عصابة أو عمامة وغيرها.

([52]) رواه الطبراني في الصغير.

([53]) رواه مسلم.

([54]) رواه أحمد، ونحوه عند النسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح..

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *