رابعا ـ كنز الفضل

رابعا ـ  كنز الفضل

سرت مع معلم السلام نبحث عن القصر الذي يتواجد به كنز الفضل، لاح لنا قصر جميل، كله أبواب يؤدي بعضها إلى بعضه، بل هو نفسه يشبه بابا كبيرا، وقد غرست على جوانب القصر الأربع أصناف الأشجار المثمرة والزروع اليانعة.

لقد كان القصر يشبه لوحده مدينة ضخمة تعج بالحياة، التفت إلىاللافتة المعلقة في بوابة القصر، فإذا مكتوب عليها قوله تعالى: {لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ }(يوسف: 67)

سألت المرشد عن سر وضع هذه الآية هنا، فقال: هذا قصر الفضل، وهذا القصر يعرفونه في مدائن الغنى بقصر الأبواب، فهو كثير الأبواب، وهي متداخلة بعضها في بعض، ولكن أبوابه الكبرى أربعة.

وقد وضعت هذه اللافتة هنا لتنبه الداخل إلى أن لا يلتمس بابا واحدا للدخول، بل إذا وجد بابا مغلقا في وجهه يلتمس بابا آخر، فلا بد لكل داخل لهذا القصر من أبواب مفتوحة، ومن جواهر ينالها.

قلت: كيف؟ لم أفهم.. عهدي في قصور هذه المدائن أن أدخلها من بابها، ثم أرتقي طوابقها طابقا طابقا إلى الطابق الرابع.

قال: هذا القصر ليس فيه طوابق، بل فيه بدل ذلك أبواب، ألم تسمع عن أبواب الجنة؟

قلت: بلى، سمعت، فقد قال تعالى فيها:) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ}(الرعد:23)

قال: فما فائدة تلك الأبواب؟

قلت: لا يدخل من كل باب من تلك الأبواب إلا المستحق له، فقد قال r:(  لكل باب من أبواب البر باب، من أبواب الجنة، وإن باب الصيام يدعى الريان )([1])

 قال: أرأيت لو أن شخصا لم تتوفر فيه الخصال الكافية لدخول واحد من تلك الأبواب، أيؤذن له بدخوله؟

قلت: كلا، فالنصوص تدل على حرمانه منه.

قال: فكذلك هذه الأبواب.. فهي أبواب لفضل الله، وهي أربعة، لا يجوز دخول أي واحد منها إلا لمن استحق دخوله.

قلت: فما هي؟

قال: باب السعي، وباب الإحسان، وباب الالتزام، وباب الرجاء، أما هذان البابان الأخيران، فهما مفتوحان لكل داخل، وأما باب السعي فمفتوح للأقوياء فقط، وأما باب الإحسان، فمفتوح للضعفاء فقط.

قلت: فأين جواهر هذا القصر؟

قال: هي في أبوابها، فبمجرد تحققك بما يقتضي الباب من معارف تنال الجواهر التي تناسب ذلك الباب.

قلت: فلم كانت الأبواب أربعة، والجواهر أربعة؟

قال: لأن الله تعالى جعل لفضله في هذه الدنيا هذه الأبواب الأربعة.

قلت: ولكن أبواب فضل الله لا تحد ولا تعد.

قال: ولكنها تجتمع في هذه الأربع لا تعدوها، وكلها مذكورة في القرآن الكريم، ومفصلة في أحكام الشريعة.

جوهرة السعي:

كان أول باب مقابل لنا باب كتب عليه ( باب السعي )، ومكتوب بجانبه لافتة سجل عليها ( لا يدخله إلا من له كسب، أو قدرة على الكسب)

اقتربت مع المعلم من ذلك الباب لالتماس الجوهرة التي يحتوي عليها، فلاحت لي جوهرة نفيسة دهشت لجمالها.

سألت المرشد عنها، فقال: هذه جوهرة نفيسة، تؤنس تعبي، وتمسح عرقي، وتمدني بالقوة التي أحمل بها فأسي ومعولي.

ابتسمت، وقلت: أتحمل أيها المرشد فأسا ومعولا، أين؟.. لم أرك تفعل ذلك.. بل إن هندامك يدل على أنك لا تعرف الفأس ولا المعول.. فكيف تزعم أنك تحمله؟

قال: ما أسرع ما تنسى، ألم أقل لك: إنني ذلك الرجل الذي زرته في بيته.. ألم تر في البيت فأسا ومعولا؟

قلت: بلى.

قال: فأنا إذا ما أرهقني التعب، جئت إلى هذه الجوهرة مستأنسا بها.

قلت: فما الحقائق التي تنطوي عليها، والتي تجعل لها هذه القدرة العجيبة على تبديل التعب راحة، والألم لذة؟

قال: ذلك سؤال يجيب عنه المعلم، لا أنا، فقد أذن له في الكلام، ولم يؤذن لي.

التفت إلى المعلم، فقلت: ما الحقائق التي تنطوي عليها هذه الجوهرة؟

قال: حقائقها عظيمة، ولكن الصراع الذي تتعاملون به مع الأشياء أوقعكم في الغفلة عنها.

قلت: فعلمني ما أصارع به الصراع فأصرعه.

قال: السلام لا يعرف الصراع، ولا يعلم الصراع.

قلت: فكيف ينتهي الصراع إذن؟

قال: ينتهي بالسلام.. ينتهي بالنسيم العليل الذي يهب على صفحة البحار الهادرة ليجعلها مرآة تنتظم الحقائق.

قلت: فانفخ في بحار روحي الهادرة هذا النسيم العليل، لأعيش السلام.

قال: ألم أقل لك: إنني لا طاقة لي ببناء ولا هدم، فكيف تكون لي طاقة بالنفخ؟

قلت: فكيف أتحقق إذن؟

قال: بالحقيقة.

قلت: وكيف أصل إلى الحقيقة؟

قال: بالنور.

قلت: نور الشمس أم نور القمر؟

قال: بكليهما، فنور الشمس يغذي نور القمر.

قلت: تقصد بالسراج المنير الحامل للحقائق، وبالقلب الصافي المستعد لتقبلها.

قال: أقصد نور الله الهادي، ونور الإيمان المستوعب.

قلت: فما الحقائق التي ينالها من يستلم هذه الجوهرة؟

قال: أربع.. كل واحد منها مرتبة تؤدي إلى التي تليها.. أو كل باب منها يؤدي إلى الباب الذي يليه.

قلت: ما هي؟

قال: التشجيع، والتدريب، والمال، والعمل.

قلت: فعلمني علومها.. وفقهني من فقهها.

قال: لن تتعلم علومها هنا.

قلت: فأين تتعلمها؟

قال: عندما ترحل باحثا عن مفاتيح المدائن([2]).

جوهرة الإحسان:

اقتربنا من الباب الثاني من أبواب الفضل، فرأيت خيرا كثيرا يتساقط كما يتساقط الثلج، لكنه ثلج دافئ لطيف تنتشر منه روائح زكية، فسألت المرشد عن هذا الباب، فقال: هذا باب الإحسان.

قلت: باب ( أن تعبد الله كأنك تراه )؟

قال: لا.. هو مشتق من ذلك الباب، وهو نور من أنواره، بل هو أول نور من أنوره.

قلت: فما جهة اشتقاقه؟

سكت المرشد، فقال المعلم: لا يمكنك أن تعرف الله، ثم يمتلئ قلبك قسوة على خلقه، فمن أحب الله امتلأ قلبه رحمة ورقة ومودة.

قلت: كيف ذلك؟

قال: ألم تقرأ القرآن الكريم؟

قلت: بلى.. فقد قرأته بحمد الله ومنته.

قال: فكيف تحدث عن المساكين؟

قلت: لقد ربط الله تعالى حقوق المساكين بحقوقه، فقال: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ } (النساء:36)

قال: فهذا ما يدلك على أن أول نور من أنوار الإحسان أن تشمل الخلق بما أعطاك الله من فضل.. ألا ترى السراج؟

قلت: ما به؟

قال: أيمكن أن ينشر السراج الظلام؟

قلت: لو فعل ذلك لم يبق سراجا.

قال: فكذلك المؤمن العارف بربه لا يمكن إلا أن يكون محسنا.

قلت: ولكن انتظار الإحسان من الخلق قد يملأ صدور الفقراء بالغفلة.

قال: أهل الله من الفقراء لم يعنهم أن تصلهم الأعطيات التي رتبها الله لهم، وإنما ملأ صدورهم أشواقا وراحة وسرورا اقترانهم بالإيمان بالله ، وبعبوديته، فلذلك إذا نالهم ما نالهم من يد الأغنياء قبضوها باسم الله ، ومن يد الله، فبورك لهم فيها.

جوهرة الالتزام:

اقتربنا من الباب الثالث من أبواب الفضل، فرأيت رجلا يمتلئ خشوعا، وهو يمسك بمسبحة يعد بها تسبيحاته، فإذا ما انتهى من عدها، ملئت جرة أمامه يواقيت وجواهير.

فقلت للمعلم: أهذا يطلب حسنات الله، وجواهر أهل الله، أم تراه يطلب حسنات أهل الدنيا، وجواهر أهل الغفلة.

قال: لا.. هذا رجل من أهل الله ، فقه عن الله، وعلم أن الله رب الدنيا والآخرة، وله خزائن حسنات الدنيا والآخرة، فراح يملأ خزائنه منهما.

قلت: ألا يقدح ذلك في إخلاصه؟

قال: وهل دعا الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ أقوامهم لغير الإخلاص.

قلت: كلا.. ولكن ما علاقة ذلك بهذا الرجل.

قال: هذا رجل سمع قول نوح u:{ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً( (نوح:10 ـ 12)، فعلم أنه سنة من سنن الله، وسحابة من فضل الله، فراح يلتمس هذا السبب كما يلتمس غيره من الأسباب.

قلت: إن قومي يعتبرون هذا الباب من أبواب فضل الله من التواكل المنهي عنه.

قال: أولئك هم الجاهلون الغافلون الذي استعبدتهم الأسباب، فلا تسلك سبيلهم.

قلت: كيف لا أسلك سبيلهم، وهو يقولون حقا كثيرا.

قال: فما الحق الذي يقولونه؟

قلت: لقد رأوا قوما التزموا المسابح، وهجروا الفؤوس والمعاول.

قال: لقد أخطأ هؤلاء كما أخطأ أولئك، ولا ينبغي تصحيح الخطأ بالخطأ، بل الخطأ يصحح بالصواب.

قلت: فما الصواب الذي يعالج أوهام الخطأ؟

قال: هو قرع كل أبواب الله، أبواب الفؤوس ، وأبواب المسابح.. فلا يصح أن تهجر المسبحة لأجل الفأس، ولا أن تهجر الفأس لأجل المسبحة.

قلت: عرفت جدوى الفأس، فما جدوى المسبحة؟

قال: ستعرف فضلها في رحلتك في عوالم السلام، فلا خير في يد لا تحمل مسبحة، كما لا خير في يد لا تحمل فأسا.

قلت: أنت تدعو لأمرين لم ترد بهما النصوص ، فليس في النصوص ما يدل على سنية حمل الفأس والمسبحة.

قال: أما سنية الفأس، فقد علمتها في باب الفضل، وستعلم تفاصيلها في مفاتيح المدائن.. وأما سنية المسبحة، فكل رحلتك في عوالم السلام تعلمك كيف تحمل المسبحة.

قلت: فعلمني من علومها الآن ما يملؤني قناعة بجدوى المسبحة في رزق الله، وفي طرق أبواب فضل الله.

قال: ألم تسمع قوله تعالى:{ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً( (الطلاق:2 ـ 3)

 قلت: بلى.. فما فيها من العلم؟

قال: هذه الآيات تبين لك سنة الله مع الأتقياء من عباده، فهو يرزقهم من حيث يحتسبون ، ومن حيث لا يحتسبون.

قلت: ذلك صحيح.. وقد سمعت قوله تعالى عن مريم ـ عليها السلام ـ ما يملأ الصدر ثقة بفضل الله، فقد قال الله تعالى فيها:{ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ( (آل عمران:37)، ولكن كل ذلك يكاد يكون خاصا بها، أليست أم المسيح u؟

قال: ومن قال ذلك؟ الله عدل يعامل خلقه معاملة واحدة.. كونوا كمريم طهارة وعفة ، وسيأتيكم من فضل الله ما يغنيكم عن مد أيديكم لغيره.

قلت: أيمكن أن تحصل لنا من كرامات الرزق ما حصل لمريم ـ عليها السلام ـ؟

قال: إذا اجتهدتم أن تكونوا مثلها، فترزقون بمثل ما رزقت.

قلت: من الغيب؟

قال: من الغيب، أو من الجيب.. فالله ربهما جميعا.

قلت: إن هذا سيشيع روح التواكل.

قال: من عرف الله ووحده لا يخاف عليه من هذا الذي تخافونه.

قلت: إن خوفنا من تسلل مثل ذلك الانحراف جعلنا نوسوس في طرح مثل هذه القضايا.

قال: ووسوستكم جعلتكم تتيهون عن محكمات قرآنية كثيرة، بل تتيهون عن سنن كثيرة من سنن الله، بل تتيهون عن أبواب عظيمة من فضل الله.. فحاق بكم من الجهل والغلظة ما حاق بالقرى.. ألم تسمع قوله تعالى:{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ( (لأعراف:96)

قلت: بلى.. وقد سمعت معها نموذج سبأ الذي ضربه الله لهذه السنن.

قال: أرأيت كيف تغير جيوش المعاصي على النعم؟

قلت: أجل..ولكني أرى أقواما تصر على المعاصي، ومع ذلك يتقاطر عليها من فضل الله ما يزيدها عتوا وعنادا.

قال: ومن قال بأن ما ينزل عليهم من فضل الله.

قلت: إن أموالهم تتضاعف، وخزائنهم لا تزيدها الأيام إلا انتفاخا.

قال: وقلوبهم؟

قلت: لا يزيدها امتلاء خزائنهم إلا قسوة.

قال: فليس هذا من فضل الله.. فكل رزق حجبك عن الله عذاب.. وليس له من عاقبة إلا الهلاك.. هو أشبه بمن تناول من الدواء الخطير ما ملأ جسمه سموما.

قلت: صدقت.. لقد نص القرآن الكريم على هذه الحقيقة، فقال:{ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} (لأعراف:100)

قال: أفلا تكفيكم هذه الآية لتزيل غدة عبوديتكم لغيركم، وانبهاركم بهم، وذلتكم أمامهم.

قلت: نحن نتيه على غيرنا ، ولا ننبهر به.

قال: لأي عالم ينتمي قومك؟

قلت: للعالم الثالث.. وبعضهم يصنفهم في العالم الرابع.. وبعضهم لم يضع لهم تصنيفا بعد.

قال: أليس قبولكم بهذا التصنيف جزءا من الانبهار؟

قلت: كيف ذلك؟

قال: ألا تطمحون لأن تصبحوا العالم الأول؟

قلت: لا حرج علينا في أن نطمح، فالله يحب أصحاب الهمم العالية.

قال: فمن هو العالم الأول في نظر قومك؟

قلت: العالم الأول هو العالم الأول.

قال: وهو عالم عاد وثمود وسبأ والروم والفرس والأندلس والـ..

قلت: حسبك لقد وعيت ما قلت.

قال: لا يكفي أن تعي.. بل عش الحقائق، وبشر بها.

قلت: فلأي عالم ننتمي.. أللعالم الأول؟

قال: لا.. لن تصلوا إلى هذا العالم حتى تتخلصوا من الحجب التي تحول بينكم وبين عوالم السلام.

قلت: فأين ننتمي الآن؟

قال: لا انتماء إلا بعد سير.. فإن سرتم انتميتم.. وكانت أول خطوة صحيحة تسيرونها هي مفتاح وصولكم.

جوهرة الدعاء:

اقتربنا من الباب الرابع من أبواب الفضل، فرأيت أيد كثيرة ممدودة إلى السماء.. ورأيت خيرا كثيرا يتساقط على تلك الأيدي.. لست أدري كيف انشغلت عن المرشد والمعلم.. ولم أجد نفسي إلا وأنا أمد يدي مع أيديهم.. وأصيح بما بصيحون.. وأجأر إلى الله بما يجأرون.

قال المعلم: ردد معي هذا الدعاء ، فقد روي عن بعض الصالحين أنه قال:( ما دعا عبد قط بهذه الدعوات، إلا وسع الله له في معيشته، يا ذا المن ولا يمن عليه، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطول، لا إله إلا أنت ظهر اللاجين وجار المستجيرين ومأمن الخائفين، إن كنت كتبتني في أم الكتاب شقيا فامح عني اسم الشقاء، وأثبتني عندك سعيدا، وإن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب محروما مقترا علي رزقي، فامح حرماني ويسر رزقي وأثبتني عندك سعيدا موفقا للخير، فإنك تقول في كتابك الذي أنزلت { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (الرعد:39))

قلت: أتصدق مثل هذا يا معلمي؟

قال: وما الذي يمنعني من تصديقه؟

قلت: الصالحون كانوا يطلبون الله ، ويرشدون إلى الله ، ولم يكن يطلبون الدنيا.

قال: وطلب الدنيا وسعتها حجاب الغافلين عن الله، أما العارفون الفاقهون عن الله ، فلو وضعت الدنيا جميعا في خزائنهم ما شغلتتهم عن الله لحظة واحدة.. ألم تسمع مقالة سليمان u؟

قلت: أي مقالة؟

قال: لقد قال لله ، وبإلحاح متضرع:{ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ( (صّ: 35)

قلت: بلى.. ولا زلت محتارا في سر هذا الطلب العجيب.

قال: ستفقه سره الأوفى في مفاتيح المدائن.. أما هنا فاعلم أن سليمان u في غمرة ثقته بحبه الله، وامتلاء قلبه به ، قال: يا رب ابتلني بما شئت.. بالمال.. بالملك.. بل بالملك الذي لا يوجد نظيره.. فلن يزيغ بصري عنك ، ولن يطغى.

قلت: لقد فقهت هذا.. ولكني لا أفقه أن أسأل الله الرزق.. مع أنه رزاق بذاته.. فما حاجتي للطلب؟

قال: الله رزاق ، ومجيب.. فلا ينبغي أن يحجبك اسم عن اسم.. اعبد الله بأسمائه جميعا.

قلت: اشرح لي مرادك من هذا.

قال: لله في كل اسم من أسمائه الحسنى عبودية تليق به.. والكامل هو الذي نظر إلى كل اسم من أسماء الله، فبحث عن أسرار العبودية المرتبطة به.

قلت: اضرب لي مثالا يوضح هذا.. فإني أكاد أفهمه.

قال: أرأيت لو أن شخصا آتاه الله قدرات عجيبة، فهو فقيه طبيب فلكي مهندس.. وفوق ذلك هو مصارع قوي، ووجيه له من الوجاهة ما يجعل الخلق يبادرون لرغباته ، فلا يرفضون له طلبا، ولا يردون له شفاعة.. ومع كل هذا كان قريبا منك محبا لك.. وكان مع ذلك كله كريما خدوما يحب أن تسأله وتتعلم على يديه، وتستشفع به.

قلت: أراه كنزي الذي منه أنهل.. وبه أستعز ، وعلى يديه أتعلم، بل وبه تبرأ عللي ، وترفع أسقامي.

قال: فأنت تلاحظ كل وصف فيه ، ثم تستفيد منه بقدر طاقتك.

قلت: لا شك في ذلك.. وكلهم يفعله.. فمن الغباء عدم استثمار الطاقات.

قال: فنزه ربك عن التشبيه.. ثم ارم بجنود هذا المثال على ما ذكرت من شبه، ولا أراك يصعب عليك تطبيقه.

قلت: لقد وعيت ما ذكرت ، فبورك فيك.


([1]) )  الطبراني في الكبير.

([2]) )  انظر التفاصيل المرتبطة بهذه الأبواب في رواية: ( مفاتيح المدائن)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *