رابعا ـ حصن الاستعاذة

رابعا ـ حصن الاستعاذة

دخلنا الحصن الرابع من حصون الروح.. كان مهيبا مخيفا.. لست أدري كيف شعرت بقشعريرة تسري في أوصالي.. كنت أتشبث بمعلم السلام، وكأني لا أتشبث بشيء.. خالطني رعب لست أدري ما سببه.. قف شعري.. اختلطت في خيالي صور كثيرة مرعبة.. وزاد من رعبي انطفاء الأضواء وامتلاء القاعة بظلمة شديدة.. فازداد رعبي.

فجأة لاحت أنوار عظيمة بددت مخاوفي، كانت الأنوار تكتب بحروف من نور سورة الفلق.

ضحكت مع نفسي، وقلت: عجبا لك يا نفس.. كيف تخافين.. وسورة الفلق موجودة !؟

قال: لقد عرفت سر هذا الحصن.

قلت: ما عرفت.. لم أر شيئا بعد.. إن هو إلا رعب بسيط سرى في أوصالي.. ولكني بحمد الله وجدت الحصن الذي أتحصن به.

قال: ما وجدت؟

قلت: الله.. فالله رب كل شيء.. وما دام كذلك فلم أخاف؟.. ومن أخاف؟.. ألم يقل الله تعالى وهو يعلمنا التحصن به:{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} (الفلق:2)؟

قال: ما دمت قد علمت هذا.. فاعلم أن هذا الحصن الذي تمثله سورة الفلق يحفظك من كل الأعداء ما يختفون، وما يبرزون.

قلت: عرفت الأعداء الظاهرين، فمن الأعداء المتسترين بستار الغيب؟

قال: كثيرون.. وهم يتربصون بك.. وما وجدته من وحشة كان نوعا من تلك الأنواع المتسترة.

قلت: فاذكر لي ما ورد في النصوص من هؤلاء الأعداء لأتقيهم.

قال: سأذكر لك ثلاثة.. ورد في النصوص ذكرهم.. وورد في النصوص الحث على الاستعاذة منهم.

قلت: من هم؟

قال: الشياطين، والسحرة، والحسدة.

قلت: لا أكتمك ـ يا معلم ـ فإن النصوص، وإن وردت بالاستعاذة من هذه الأمور.. وضمنت تحصين الله لمن التجأ إليه منها إلا أن من قومي من يفتت قلوبهم الخوف منها، وكأن ما وعدهم الله به لغو من القول أو مواعيد عرقوب.

قال: فابتدعوا لذلك بدعا كثيرة.

قلت: لست أدري هل يصح إطلاق هذا اللفظ في هذا المحل، أم لا؟

قال: بل لا يصلح هذا اللفظ إلا في هذا المحل.. فإنهم هجروا كلام الله الذي أمرنا بالاستعاذة به، وهجروا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وملأوا الكتب والمصنفات بخرافاتهم.. فرموا دين الله بالخرافة، وملأوه بالشعوذة.

قلت: يا معلم.. أنت تشتد في النكير عليهم.

قال: غيرة على دين الله.. فلم أر قوما يحرفون الكلم عن مواضعه كما رأيت هؤلاء.

قلت: فهل قامت إدارة المستشفى بعلاج هذه الظاهرة؟

قال: ليست إدارة المستشفى وحدها.. بل إدارة المستشفى، ووزارة الحياة.. ووزارة الحزم.

قلت: أكل هذه الجنود المجندة من أجل هذا؟

قال: ألم أقل لك: إن مدائن السلام تهتم بسلام الإنسان كاهتمامكم بسلام العمران؟

قلت: بلى..

قال: فوزارات الحرب عندكم تشهر دباباتها من أجل مصالح بسيطة، ولكنها لا تقف وقفة حزم واحدة للإنسان، وهو يخرب، ويحارب، ويكذب عليه.

قلت: أهؤلاء يكذبون؟

قال: أبشع الكذب.. ألم تسمع الحق تعالى وهو يقول:{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } (الأنعام:21)

قلت: أهؤلاء يفترون على الله كذبا؟

قال: ويكذبون بآياته.

قلت: لا.. إنهم مؤمنون.

قال: يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض.

كان الغضب باديا على معلم السلام، وهو يتحدث.. لست أدري هل يصيب جنسه من الخطأ حين الغضب مثلما يصيب جنسنا.. أم أنه معصوم الغضب، معصوم الرضا؟

قال لي، وكأنه قرأ ما في عيني: لقد عجبت لغضبي.

قلت: كنت أراك هادئا كصفحة الماء التي لم تعكر.

قال: الغضب لله سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ولا ينبغي أن نميت سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم مساكم([1]).

قلت: أجل.. وقد غضب صلى الله عليه وآله وسلم في مواضع.. ولم يكن غضبه إلا لله.. ففي الحديث الصحيح أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قال لأسامة لما علا ذلك الرجل بالسيف، فقال لا إله إلا اللّه فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لأسامة: (أقتلته بعدما قال لا إله إلا اللّه؟ وكيف تصنع بلا إله إلا اللّه يوم القيامة؟)، فقال: يا رسول اللّه إنما قالها تعوذاً، قال: (هلاّ شققت عن قلبه)  وجعل يقول ويكرر عليه: (من لك بلا إله إلا اللّه يوم القيامة؟) قال أسامة: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ([2]).

رأيت جماعة من المرضى تبدو عليهم الكآبة يدخلون من أربعة أبواب في ذلك الحصن، سألت المعلم عنهم، فقال: هؤلاء مساكين.. أصابهم رقاتكم بأنواع من الكآبة.. ولكن الله هداهم، فجاءوا إلى هذا المستشفى ليغسلوا ما أصابهم من سوء الفهم.. وما ملأ قلوبهم من العلل.

قلت: فهل ندخل معهم؟

قال: لا مناص لنا من ذلك.. فلا ينبغي أن تعود إلى قومك بعلم لا تعرف تفاصيله.

الاستعاذة من الشياطين

دخلنا الباب الأول من أبواب هذا الحصن، وقد كتب على بابه قوله تعالى:{ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} (فاطر:6)

قلت للمعلم: ما سر تحذير النصوص من الشياطين؟

قال: الشيطان هو العدو الأول للإنسان، ألم يأب السجود لأبيكم آدم u؟

قلت: ليس الشيطان وحده.. بل من معه من ذريته.. فإن قومي يحذرون منه ويحذرون.. ولذلك تمتلئ بيوتهم بالمعوذات، ويكثرون بين الحين والحين من زيارة الرقاة.

قال: أخطأتم.. أنتم تخافون الشيطان على دنياكم لا على دينكم.. تخافون منه أن يصيبكم بالأمراض، أو يصيب أموالكم بالمحق.. أو يصيب ذراريكم بالفقر.. وكأنه إله يوزع الأرزاق، لا شيطان يعلم المروق.

قلت: أصدقك.. فإن قومي لا يقصدون الرقاة إلا لأجل هذا.

قال: هذا كيد من كيد الشيطان، وأحبولة من أحابيله.. الشيطان لا يهمه غناكم، أو فقركم، بل إنه قد يحب غناكم الذي يصرفكم عن الله أكثر من حبه لفقركم الذي يقربكم إلى الله.

قلت: فلماذا نستعيذ من الشيطان؟

قال: لما قاله تعالى في الآية المعلقة على لافتة الباب، فقد قال:{ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (فاطر:6)، فقد ذكر علة واحدة لاتخاذه عدوا، وهي كونه يدعو إلى السعير.

قلت: قومي لا ينكرون هذا..

قال: ولكنهم يتيهون عنه.. يجعلونه أمرا هينا بجانب ما يتصورونه من أباطيل.

قلت: لا أفهم قصدك.

قال: في أي موضع يستدل قومك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)([3]

قلت: يستدلون به على قدرة الشيطان على استعمار جسد الإنسان، واضطراره إلى الرقاة ليخلصوه.

قال: وهل هذا الحديث الشريف ورد في هذا الموضع؟

قلت: لا.. لقد ورد في مواضع مختلفة، منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تدخلوا على هؤلاء المغيبات، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)، قيل: يا رسول الله ومنك؟ قال: ومني إلا أن الله أعانني عليه فأسلم([4]).

قال: فهم يحرفون الحديث إن فهموا منه ما فهموا.. فلا ينبغي صرف ألفاظ النصوص عن السياق الذي وردت فيه.

قلت: ولكنهم يستدلون بهذا من باب العموم، لا من باب الخصوص.

قال: أي عموم، وأي خصوص.. لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليغفل عن هذا حتى نذكره.. ولم يكن ليجهل حتى نعلمه.. ولم يكن ليترك دينه ناقصا حتى نكمله.

***

ينما نحن كذلك إذ دخل شيخ مهيب ممتلئا وقارا، فرنت عيون المرضى إليه، فقلت للمعلم: من هذا المهيب الذي امتلأ قلبي هيبة له.

قال: هذا ولي صالح.. وعالم جليل.. وهو خبير بعالم الشياطين.

قلت: إذن هو راق ناجح.. ولكني لا أرى الغنى يبدو عليه!؟..

قال: هو راق للقلوب، وبالحقائق.. لا ما يفعله قومك من الدجل.

قلت: ولكنهم يستندون للقرآن الكريم والسنة المطهرة.

قال: فهذا الرجل المهيب لم يكتسب هيبته إلا من القرآن الكريم، فاستمع إليه ليبين لك موقف القرآن الكريم من هذا العالم.. فهو الكتاب الوحيد الذي يمدنا بالحقائق.

قلت: وما شأن هؤلاء المساكين بهذا الرجل؟

قال: هؤلاء المساكين أقنعهم رقاتكم أنهم مستعمرون بعوالم من الجن والشياطين.. ثم استلوا كل ما في جيوبهم.. يحرقون كل يوم جنا بمال من مالهم وعرق من عرقهم.. فلما فرغت جيوبهم لجأوا إلى الله.. فدلهم على هذا المستشفى.. فأرسلتهم إدارة هذا المستشفى لهذا القسم ليصححوا ما أوقعهم فيه قومك من أخطاء ومن كآبة.

القرآن الكريم:

عم القاعة سكون مهيب، بعده تكلم الرجل المهيب بصوت يكاد يكون من السماء، قال، وكأنه يواصل كلاما قديما: لتقرير هذه الحقائق ـ الغائبة للأسف ـ نسوق هنا أكثر ما ورد في القرآن الكريم من ذكر الشيطان وعلاقته بالإنس، باختصار، لنفهم المسألة على ضوء القرآن الكريم، لا على ضوء ما يشرعه الرقاة المشعوذون:

فالله تعالى يقرر أن المس الذي يمس به الشيطان لا يعدو هذه الوساوس التي يلقيها، فتملأ القلوب هما وحزنا، وقد يمتد تأثيرها إلى الجوارح مرضا وأنينا، وقد يكون محل الوسوسة مريضا مستعدا لحصول الصرع، فيصرع ويتخبط، لتأثير تلك الوساوس على نفسه، بل هو يتخبط لأي وساوس من الجن أو من الإنس.

وهذا التأثير الذي يحدثه الشيطان في القلوب والنفوس، وقد يمتد إلى الجوارح والأعضاء، لا يكون إلا لأوليائه المقترنين به، قال تعالى:{ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران:175)، وقال تعالى:{ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً((النساء:38)، وقال تعالى:{ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً((النساء:119)، وقال تعالى:{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} (لأعراف:175)، وقال تعالى:{ تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النحل:63)  

أما المؤمنون، فلا يضرهم الشيطان، قال تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} (لأعراف:201)، وقال تعالى:{ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (المجادلة:10)

وذلك لأن معهم أسلحة مقاومته، قال تعالى:{ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} (صّ:83)، وقال تعالى:{ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (لأعراف:200)

وذلك لأن كيده ضعيف مثل ضعفه، قال تعالى:{ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} (النساء:76)، وقال تعالى:{ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (لأنفال:48)    

والشيطان يخوف معتنقي وساوسه من الفقر، ويأمرهم لذلك بالفحشاء، قال تعالى:{ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة:268)

والغاية الكبرى من وساوس الشيطان هي الإضلال وتوابعه، قال تعالى:{ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً} (النساء:60)، وقال تعالى:{ وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} (الزخرف:62)، وقال تعالى:{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} (لقمان:21)، وقال تعالى:{ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (فاطر:6)

قلت للمعلم: صدق الرجل، فضحايا هذه الحروب كما يصورها هؤلاء الرقاة ليست كما ورد في القرآن الكريم من تزيين المنكر والغواية وأصناف الوساوس الصارفة عن الله، وإنما هي حروب متصلة بالحياة المادية التي تلتصق التصاقا شديدا بمصالح الناس ورغباتهم.

قال: أتدري ما الدافع إلى اختصار هؤلاء الرقاة علاقة الجن بالإنس في هذه الناحية، أو تضخيمها على حساب غيرها من النواحي؟

قلت: ما سر ذلك؟

قال: لأنهم رأوا ذلك هو الاهتمام الوحيد للمجتمع، فهو لا يهمه أن يعرف مسالك الغواية أو مداخل الشيطان أو ضروب الوسوسة مادام ذلك لا يصيبه بصرع أو تخبط أو فقر أو حاجة، ولا يصيب مصالحه بأي نوع من الأذى سحرا أو مسا أو عينا أو غيرها من مصادر البلاء التي وكل بها الجن وتسلطوا على بني آدم في تصور هؤلاء.

واصل الشيخ يقول: وهو لذلك يبهرج لهم الوساوس ليتبعوه، قال تعالى:{ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً} (النساء:120)، وقال تعالى:{ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأنعام:43) وقال تعالى:{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} (لأعراف:20)، وقال تعالى:{ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى} (طـه:120)، وقال تعالى:{  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (الحج:52)   

    وهو يبحث عن كل الوسائل المؤدية إلى الإضلال، قال تعالى:{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (المائدة:91)، وقال تعالى:{ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً} (الاسراء:53)، وقال تعالى:{ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً} (الاسراء:64)، وقال تعالى:{ يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} (لأعراف:27)، وقال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (النور:21)

وبعد هذا كله، فإن الشيطان يخون من اتبعه، ويتركه في أهم مواضع الحاجة، قال تعالى:{ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً} (الفرقان:29)، وقال تعالى:{ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} (الحشر:16)

قال: أسمعت هذا العرض لكثير مما ورد في القرآن الكريم من ذكر الشيطان.

قلت: أجل..

قال: الأمر أخطر من هذا.. فهؤلاء الرقاة لا يقصرون خطر الجني أو الشيطان على الصرع، بل يتعدونه إلى أشياء كثيرة تدل النصوص القطعية على أنها من خصوصيات الله.

قلت: أوصل بهم الأمر إلى هذه الدرجة؟

قال: أجل.. ماذا يقول الله تعالى في الأولاد؟

قلت: يعتبرهم نعمة من الله تعالى على عباده يجب شكرها، فالله تعالى يقول:{ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ } (الشورى:49)

قال: إلا أن التفسيرات التي يتولاها رقاتكم تجعل الأولاد هبة من الشياطين، لا هبة من الله.

قلت: لم أسمع هذا.

قال: هم يجعلون العقم وليدا لتصرف جني يستقر في الرحم ليحول بين البويضة وحصول التلقيح، أو (ينفث في الجنين بعد تخلقه فيموت وتسقط المرأة حملها)([5])

أو أن الجن (يترك الإخصاب يتم ويكتمل الحمل، ولكن بعد عدة شهور من الحمل يركض الشيطان عرقا في رحم المرأة، فينزل الدم فيحدث الإجهاض)([6])

قلت: نعم.. هم يقولون هذا، ويتفقون عليه، ويرقون من به عقم على هذا الأساس.. أو على أسس أخرى قريبة.

قال: هذا التفسير الغريب الذي يكاد يجمع عليه الرقاة وبه يجتذبون كل من لديهم مشاكل في العقم أو حنين للأولاد يحمل ظلالا كثيرة من الشرك.

قلت: الشرك!؟ هذه تهمة خطيرة.

قال: ولكنها واقع.. فإن قولهم ذلك يؤدي إلى اعتبار الجني هو الواهب للأولاد بكف أذاه عنهم، وبتركهم يخرجون من أرحام أمهاتهم بسلام، وكأن الملك الموكل بالرحم والوارد في الأحاديث الصحيحة الإخبار عنه، وهو يؤمر بنفخ الروح فيه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقي وسعيد يقف عاجزا أمام تسلط الجني المارد الذي وصلت قوته وجبروته إلى أن يتحدى وجود كائن أذن الله له بالتخلق.

قلت: هذا صحيح.. ولقد لاحظت هذا.

قال: وهذا التفسير وما يحمله من خرافة وشرك هو الذي يشير إليه قوله تعالى:{ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (لأعراف: 189 ـ 190)

فالقرآن الكريم يذكر في هاتين الآيتين حالة حمل خاف الزوجان خلالها أن يسقط الحمل أو يولد على غير الخلقة البشرية، ويمكن أن يكونا قد التجآ إلى أي وسيلة من والوسائل لحفظ الحمل، ولكن بعد أن من الله عليهما بالولد السوي نسباه لغير الله، وقصراه على تلك الوسائل.

قلت: لم أفهم علاقة الآيات الكريمة بواقع الرقاة عندنا.

قال: إن الشبه بين الشرك المنصوص عليه في تينك الآيتين والشرك الذي تعيشونه قريب، فالراقي وزبناؤه يعتقدون أن تلك الرقية التي خلص بها الرحم من الجن المارد هي السبب المباشر لحصول نعمة الولد مع أنه هبة ربانية لا ارتباط لها بالراقي ولا بالجن، وكان يجب أن يولد ذلك الولد مادام مقدرا له أن يولد، ولو ذهبت أمه لساحر أو كاهن أو مشعوذ.

وبهذه التصورات الشركية تمكن كل مشعوذ ودجال من السيطرة على عقول الناس وقلوبهم وجيوبهم، لأن الله تعالى شاء أن يبسط عليهم من فضله وهم في صحبة ذلك المشعوذ، فيعتقد العامي الساذج أن تلك الصحبة هي السبب والواسطة والمحل والمؤثر.

قلت: نعم.. هذا شرك واضح.. وكثيرا ما أراهم ينسبون حصول الولد لراق معين.

قال: وهم لا يكتفون بهذا.. بل يضيفون لهذا تحريفات أخرى للقرآن الكريم.

قلت: فماذا يقولون؟

قال: هم يستندون إلى تفاسير عجيبة للقرآن تتنافى مع المسلمات الشرعية، فهم مثلا يفسرون قوله تعالى:{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} (الأنعام:128) بالاستمتاع بين الجن والإنس([7]).

قلت: سمعت هذا.. وهو من المسلمات عند العامة والخاصة.. بل لعلهم ينقلون عليه الإجماع.

قال: مع أنه لم يدل أي دليل نصي على ذلك، وإنما هي أخبار تتلقى عادة من المرضى النفسيين والمجانين لتبنى منها قضايا عقدية يحتاج التسليم لها إلى نصوص صريحة قطعية.

قلت: نعم.. هذه حقيقة عشتها.. فهم يصدقون كل ما يقال.. المهم أن يصب فيما يرونه.

قال: ليس هذا فقط.. بل إنهم يتنازلون كذلك عن كل مواقفهم من البدعة، فيضعون الأوراد الطويلة التي يبحث بها عن الجن أو التي يحرق بها، أو التي يعاهد على أساسها الجني، أو التي يفك بها السحر.

قلت: من العجيب ـ يا معلم ـ أن توظف الآيات الكريمة بواسطة هذه الفهوم توظيفا لا يليق بقدسيتها، فبعضهم مثلا يذكر من أوراد فك الربط قوله تعالى:{ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} (الكهف:71)

قال: الأمثلة عن ارتباط الخرافة بالعالم الغيبي واستغلالها في العبث بمشاعر الناس وصحتهم كثيرة، وخطرها لا يكمن في كونها خرافة أو شعوذة، ولكنه في استعمال القرآن الكريم في إشاعتها ونشرها واعتبارها علاجا شرعيا، وهو ما ينذر بخطر عظيم، فهؤلاء لا يكتفون بالقراءة، بل قد يلجئون إلى الضرب المبرح أو الكي أو الكهرباء أو غيرها من وسائل التعذيب لأنهم في تصورهم لا يعذبون المريض وإنما يعذبون الجن الذي يتلبسه، وقد يأتي يوم يسقون فيه مرضاهم السم ليقتلوا الجن،  وما ذلك منهم ببعيد([8]).

قلت: ولكنهم ـ يا معلم ـ يستدلون لذلك بنص من القرآن الكريم لا ينبغي تجاوزه.

قال: قوله تعالى:{ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } (البقرة:275)

قلت: أجل.. ففي هذه الآية تصريح بأن الشيطان يتخبط الإنسان من المس.

قال: في أي سياق وردت الآية.. ألم تعلم أنه لا ينبغي فصل الآية عن سياقها؟

قلت: وردت في سياق تحريم الربا، تشبه المرابين بهذه الصورة، قال تعالى:{ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة:275)

قال: فأنتم حرفتم هذه الآية تحريفا شنيعا.. انشغلتم بالتشبيه عن الحقيقة.. تركتم بنوككم وجيوبكم وحياتكم تمتلئ بالربا.. ورحتم للتشبيه تملؤون عيونكم وقلوبكم وحياة الناس به.

قلت: ولكن مع ذلك فهو قرآن كريم، وهو { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصلت:42)

قال: فما يقول قومك في هذه الآية؟

قلت: هم يتشددون في تفسيرها.. ويرون من خالف ما ذهبوا إليه مخالفا للسنة ولأهل السنة وشاذا عن جماعة المسلمين.. وهم ينقلون أقوال المفسرين في ذلك كدليل على هذا الإجماع.

قال: فأخبرني بما قالوا؟

قلت: نقلوا عن الطبري قوله: (فقال جلَّ ثناؤه للذين يأكلون الربا الذي وصفنا صفته في الدنيا لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، يعني بذلك: يتخبطه فيصرعه من المس، يعني من الجنون، وبمثل ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل([9]).

قال: صدق الطبري.. وهو لم يعدو ما ورد في الآية.

قلت: كيف هذا.. فأنت توافقهم إذن.

قال: لقد قال الطبري: (فيصرعه من المس) وهو لم يخالف نص الآية بذلك.

قلت: كيف هذا؟

قال: اذكر لي أولا ما قالوا.. ثم نشرح هذا.

قلت: نقلوا عن أبي إسحاق الزجاج قوله: (المعنى: الذين يأكلون الربا لا يقومون في الآخرة إلا كما يقوم المجنون من حالة جنونه، يقال بفلان مس، وهو أَلمْسَ وأَوْلقَ: إذا كان به جنون) ([10])

قال: صدق أبو إسحاق.. بل وقف إلى جنب أهل الحق.

قلت: ونقلوا عن الماوردي قوله: (لا يقومون يوم القيامة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، يعني الذي يخنقه الشيطان في الدنيا من المس، يعني الجنون) ([11]).

قال: هو لم يعدو ما ذكر أصحابه.

قلت: ونقلوا عن عبد الرحمن بن الجوزي قوله: (قال ابن قتيبة: لا يقومون أي يوم البعث من القبور، والمس: الجنون، يقال رجل ممسوس: أي مجنون) ([12]).

قال: أراهم يكررون نفس الكلام.. فما الحاجة إلى كل هذه التطويلات؟

قلت: ليؤكدوا ما قالوا.. وليستدلوا على الإجماع بسبب ذلك.

قال: فليفهموا ـ أولا ـ ما يقولون قبل أن ينقلوه.. فإن كل ما قالوه صحيح لا يختلف فيه المسلمون جميعا سنتهم وشيعتهم سنيهم ومعتزليهم.

قلت: لا.. المعتزلة يختلفون اختلافا شنيعا مع أهل السنة في هذا، وقد جروا أنفسهم إلى سهام أهل السنة ورميهم لهم بالبدعة.

قال: فما يقولون؟

قلت: ذهبوا إلى القول بعدم قدرة الجن على التأثير في بدن الإنسان وصرعه له([13]).

قال: أهذا ما ذهبوا إليه؟

قلت: لم يكتفوا بهذا، بل جروا إليهم نفرا من أهل السنة.

قال: ومن هؤلاء المغفلون من أهل السنة الذين تركوا أنفسهم في أيدي المعتزلة ليجروهم إلى البدعة!؟

قلت: كثيرون.. كثيرون جدا.

قال: مساكين.. فاذكر لي من هم لعلي أشفع لهم.

قلت: من الأقدمين: محمد بن علي القفال الشافعي المذهب، والبيضاوي وأبو السعود، وكلاهما من أصحاب التفاسير الذين اختصروا كتاب الكشاف للزمخشري المعتزلي، ومن المحدثين الشيخ محمود شلتوت، والشيخ طنطاوي جوهري، والشيخ أحمد مصطفى المراغي، والشيخ محمد الغزالي.

قال: هؤلاء من فحول العلماء، فكيف يتسلط المعتزلة على عقولهم!؟

قلت: اسمع ما قالوا لتدرك ذلك.. يقول القفال في تفسيره للآية السابقة: (إن الناس يضيفون الصرع إلى الشيطان وإلى الجن، فخوطبوا على ما تعارفوا من هذا، وأيضاً من عادة الناس إذا أرادوا تقبيح شيء أن يضيفوه إلى الشيطان كما في قوله تعالى:{  طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ} (الصافات:65)) ([14]).

قال: هذا رأي ذهبوا إليه.. ولهم في اللغة ما يدل عليه.. ولو أني أرى أن القرآن الكريم أعظم من أن ينقل خرافة جاهلية..

قلت: فأنت مع المؤيدين إذن؟

قال: لأي شيء؟

قلت: لدخول الجني في الإنسي وصرعه له.

قال: وهل نص القرآن الكريم على ما ذكرت.. وهل قال من قال من المفسرين الذي ذكرت أقوالهم ذلك؟

قلت: أجل.. وهو ما يستند إليه الرقاة في جهادهم لتخليص الإنس من استعمار الجن.

قال: وهل ذكر القرآن الكريم الدخول.. أم ذكر المس؟

قلت: ذكر المس.

قال: فهل المس في لغة القرآن الكريم ولغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم يعني الدخول.

قلت: لا.. ولكنه قد يعنيه على سبيل المجاز.

قال: والأصل في اللغة الظاهر لا المجاز.. هل ورد هذا اللفظ مرتبطا بالشيطان في غير هذا الموضع؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى عن حال المتقين إذا تعرضوا لمس الشياطين:{ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} (لأعراف:201)

قال: فلم لم يقل الله تعالى: (إذا مسهم طائف من الشيطان ذهبوا إلى الرقاة ليخرجوه منهم)

وهل تتصور أن هؤلاء الأتقياء الذين ذكرهم الله تعالى يتخبطون من المس الذي أصابهم به الشياطين.

قلت: لا.. بل أرى أنهم أعظم شأنا من ذلك.

قال: قل لي: أنتم تدرسون خصائص الأنبياء.

قلت: أجل.. فمن صفاتهم الأمانة والصدق والتبيليغ والفطانة، ومن خصائصهم..

قاطعني، وقال: هل يمكن أن يكون النبي مجنونا؟

قلت: هذا عظيم.. كيف تقول هذا، فهذا من المنفرات.. والنبي أذكى الأذكياء وأعظم العباقرة، فكيف يكون مجنونا؟

قال: رقاتكم يقولونه.

قلت: كيف.. لم أسمعهم يقولون هذا.. ولو قالوه لرماهم الناس بالحجارة.

قال: ألم يقل الله تعالى:{ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} (صّ:41).. فقد ذكر أن الشيطان مسه.. والمس عند رقاتكم يعني الدخول والصرع والتخبط.. وقد فسرتموه بالجنون.

قلت بيني وبين نفسي: هذا صحيح.. فكيف غاب عن بالهم هذا؟ ولكن كيف تفسر علاقة المس بالتخبط الذي ورد في القرآن الكريم؟

قال: ذلك شيء بسيط.. وسأضرب لك مثالا لتوضيحه.

قلت: هات.. فبالمثال يتضح المقال.

قال: سمعتكم تتحدثون عن مرض تسمونه (الحساسية)

قلت: أجل.. فبعض الناس لا يطيقون أشياء معينة، فتصيبهم لأجل ذلك علل قد لا تصيب سائر الناس.

قال: مثل ماذا؟

قلت: لعل أقرب مثال لذلك القطط.

قال: ما بها؟

قلت: فمع أنها من الطوافين علينا والطوافات([15])، إلا أن بعض الناس تصيبهم بالحساسية.

قال: أي أنهم يصيبهم التخبط كلما رأوا القطط.

قلت: ليست الرؤية وحدها.. هناك أشياء أخرى فقد أوردت وكالات الأنباء أن فريقا من الباحثين الفرنسيين نجح فى عزل الجين المسئول عن الحساسية التى تسببها القطط المنزلية لأصحابها..

قال: ألهذه الدرجة تهتمون بهذا؟

قلت: وأكثر من ذلك.. فلبعض الناس ولع شديد بالقطط قد لا تساعدهم عليه الحساسية التي تصيبهم جراء احتكاكهم بها.

قال: فما الرقية التي وضعتموها لهذا؟

قلت: لا.. هذا ليس ميدان الرقاة.. ولكن الباحثين في الولايات المتحدة يسعون أن ينجزوا في المستقبل مشروعا للتكييف الجيني يهدف إلى إنتاج قطط خالية مما يثير الحساسية عند البعض ممن يواجهون مشاكل باقترابهم من القطط.

وقد تدخلت الشركات في هذه البحوث، حيث أن شركة ترانسجينيك بيتس، وهي شركة للتكنولوجيا الحيوية تعتزم بيع هذا النوع  الجديد من القطط بأسعار تصل إلى ألف دولار للقط.

قال: دعنا من شذوذكم.. قل لي: كيف تؤثر القطط في الحساسية التي تصيب هؤلاء.. هل تدخل في هؤلاء الممسوسين بها؟

قلت: لا.. ـ يا معلم ـ بل هي بما فيها من روائح تسبب لهم تلك النوبات.

قال: فهل السبب منهم أم من القطط؟

قلت: منهم.. بدليل أن القطط من الطوافين علينا والطوافات، ومع ذلك لا يصيبنا منها شيء.

قال: فإذا أراد المريض أن يتجنب ما تثيره القطط فيه من حساسية ماذا يفعل؟

قلت: هناك حلان: إما أن يجتنبها تماما، وإما أن يستعمل من الأدوية ما يخفف أو يزيل تأثيرها عنه.

قال: فإذا صادف وأصيب أحد بنوبة حساسية جراء رؤيته لقط هل تستقدمون الرقاة ليقول له: (اخرج أيها القط)

قلت: نحن لا نفعل هذا.. بل نعطيه الأدوية التي تعيد له هدوءه.. ولكن ما علاقة هذا بما نحن فيه؟

قال: نفس المثال الذي ذكرته عن القطط ينطبق على المس الشيطاني.

قلت: كيف؟

قال: في بعض الناس أمراض عضوية، سنعرفها من الأطباء في هذا القسم.. وهذه الأمراض تجعل لهم حساسية تجاه وساوس معينة.

قلت: مثل ماذا؟

قال: كأن يخوفوا مثلا خوفا شديدا.. فإن ذلك الخوف يتسبب لهم في حصول هذه النوبات.

قلت: فالخوف هو الجين المسؤول عن هذه الحالة؟

قلت: ليس وحده، فهناك جينات أخرى.. ولكنا نقتصر على مثال التخويف.. فهذا الذي يصرع لأجل الخوف لو لاقاه أي مخلوق وخوفه ألا تصيبه نوبة الصرع؟

قلت: أجل.. فهو لا يختلف عن الحساسية.. يظهر بظهور السبب، ويختفي باختفائه.. ولكن ما دور الشيطان في هذا؟

قال: الشيطان خبير ماهر بطبيعة من يوسوس له.. فإذا علم من قرينه هذا.. راح يوسوس له بالمخاوف إلى أن يتخبطه من المس، كما قال تعالى:{ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران:175)

قلت: فأنت تفسر المس بالتخويف.

قال: التخويف بعض المس.. فمن الناس من لا يخاف.. ولكن يغضب، فيأتيه الشيطان.. وينفخ فيه من الوساوس ما يملؤه غضبا.. ألم تقرأ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما الغضب من الشيطان، والشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ)([16])

قلت: بلى.. ولهذا سن لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في هذه الحال، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلين يستبان، وأحدهما قد احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عَنْه ما يجد، لو قال أعوذ باللَّه مِنْ الشيطان الرجيم ذهب عَنْه ما يجد)، فقالوا له إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: تعوذ باللَّه مِنْ الشيطان الرجيم([17]).

قال: فالشيطان يوسوس لكل الناس، كما أن القطط تخالط جميع الناس، ولكن بعض الناس لهم استعدادات معينة كالحساسية والصرع، فيصيبهما ما يصيب.

قلت: فأنت تقر أن للشيطان دورا.

قال: صحيح.. وما كان لي أن أخالف القرآن الكريم.. ولكن: أجبني إن حصلت الوساوس من الإنسان بأن كان هو المتسبب في التخويف أو الغضب، فلماذا ننسب الصرع حينها للشيطان؟

قلت: ولكن القرآن الكريم ذكر الشيطان.

قال: ولكن القرآن الكريم لم يقصر الشيطان على إبليس، بل قال:{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً } (الأنعام:112)، وأمرنا بالاستعاذة منهم جميعا، فقال:{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} (الناس:1)إلى قوله تعالى:{ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} (الناس:6)

قلت: فما العلاج في رأيك؟

قال: علاجان: أحدهما لأهل الله يملؤون قلب الخائف طمأنينة، وغضبه سكينة، والآخر للأطباء يستأصلون مكامن الداء.. هو نفس علاجكم لوساوس القطط.. ألستم تعزلونها، أو تحاولون استنساخ السليم منها، أو تعالجون العليل بالمراهم، لا بأمر القطط بالخروج.

***

قلت: ولكن الأمر مخوف.

قال: لماذا؟

قلت: أخشى أن أخرج عن إجماع المفسرين، فهم يتفقون على أن المس يرتبط بالتخبط.

قال: هذا صحيح، وقد شرحنا ذلك.

قلت: والتخبط يكون عن دخول.. لا عن مجرد وسواس.. وهم يتشددون في المخالف لهذا ويرمونه بالبدعة، فقد قال القرطبي: (وفي هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مس)([18])

ويقول بن جزي الكلبي: (أجمع المفسرون أن المعنى لا يقومون من قبورهم في البعث إلا كالمجنون، ويتخبطه يتفعله من قولك: خبط يخبط، والمس: الجنون)([19])

ويقول محمد الطاهر بن عاشور: (والذي يتخبطه الشيطان هو المجنون الذي أصابه الصرع، فيضطرب به اضطرابات، ويسقط على الأرض إذا أراد القيام.. وإنما احتيج إلى زيادة قوله ]من المس[ ليظهر المراد من تخبط الشيطان، فلا يُظن أنه تخبط مجازي بمعنى الوسوسة)([20])

قال: فهل تترك ما فهمت إلى ما قالوا لمجرد خوفك أن تخرج عن قومك؟

قلت: صعب جدا أن يخالف المرء قومه.

قال: فمن قومك من ذهبوا إلى ما فهمت واقتنعت.. واسمع لهذا المتخصص في آراء الرجال يخبرك ويخبر هؤلاء المرضى المساكين الذين حرف لهم كلام ربهم بكلام الرجال.

دخل رجل القاعة، وبمجرد دخوله بادره المرضى يقولون: نخشى أن نخالف الإجماع.

قال لهم بنبرة الواثق: ومن قال بالإجماع حتى تخالفوه؟

قالوا: أقوامنا.

قال: أليس القفال، والبيضاوي وأبو السعود، ومحمود شلتوت، وطنطاوي جوهري وأحمد مصطفى المراغي، ومحمد الغزالي من أقوامكم؟

قالوا: بلى.. بل هم من خيارنا.. وبنو خيارنا.

قال: فهم، وغيرهم كثير يقولون بهذا.

فهذا محمود شلتوت يقول: (ليس للجن مع الإنسان شيء وراء الدعوة والوعد والوسوسة والإغراء والتزيين)([21]).. وهو ينفي أن تكون للجن مقدرة على أن يلبس جسم الإنسان، فينطق على لسانه، ويتحرك الإنسان بحركته وقال: (هذا من أوهام الناس، ومصدره خارج عن المصادر الشرعية، ذات القطع واليقين)

وهذا محمد الغزالي، فقد ذهب إلى أن عداوة الشيطان للإنسان لا تعدو سوى الوسواس والخداع والاستغفال، وأنكر تلبس الجن بالإنسان، واعتبر هذا الاعتقاد من الأوهام والخرافات التي شاعت بين الناس([22]).

وغيرهم كثير..

قال أحد المرضى: ولكن أحمد بن حنبل ونعله.

قال: ما تقصد؟

قال المريض: لقد جاء في  طبقات الحنابلة.. وآكام المرجان في أحكام الجان.. ولقط المرجان في أحكام الجان.. و…. الجان

قال العالم: ووساوس الشيطان في أحكام الجان.. قل قولك ولا تبالغ في التوثيق.

قال المريض: هم يقولون لنا هذا.

قال: ليملأوا قلوبكم رعبا.

 قال المريض: لقد رووا أن أحمد بن حنبل كان يجلس في مسجده، فأنفذ إليه الخليفة العباسي المتوكل صاحباً له يعلمه أن جارية بها صرع، وسأله أن يدعو الله لها بالعافية، فأخرج له أحمد نعلي خشب بشراك من خوص للوضوء فدفعه إلى صاحب له، وقال له: امض إلى دار أمير المؤمنين وتجلس عند رأس الجارية وتقول له، يعني الجن: قال لك أحمد: أيما أحب إليك تخرج من هذه الجارية، أو تصفع بهذه النعل سبعين.

فمضى إليه، وقال له مثل ما قال أحمد، فقال له المارد على لسان الجارية: السمع والطاعة، لو أمرنا أحمد أن لا نقيم بالعراق ما أقمنا به، إنه أطاع الله، ومن أطاع الله أطاعه كل شيء، وخرج من الجارية وهدأت ورزقت أولاداً، فلما مات أحمد عاودها المارد، فأنفذ المتوكل إلى صاحبه أبي بكر المروذي وعرفه الحال، فأخذ المروذي النعل ومضى إلى الجارية، فكلمه العفريت على لسانها: لا أخرج من هذه الجارية ولا أطيعك ولا أقبل منك، أحمد بن حنبل أطاع الله، فأمرنا بطاعته.

ضحك العالم وقال: لا شك أن هذه الرواية من اختلاق المتعصبين للإمام أحمد، فقد كان أورع من ذلك.

قال المريض: كيف هذا.. وقد رويت في تلك المصادر.

قال العالم: الإسناد المظلم يبقى مظلما، ولو طبعوه في نسخة واحدة مع القرآن الكريم.

قال المريض: وكيف ترد هذا؟

قال: أما الأول، فما فائدة النعل؟..  ألم يكن في إمكانه أن يدعو الله لها في مكانه؟ 

والثاني: هل كان أبو بكر المروذي من الغباء بحيث يحمل نعل ابن حنبل.. فهل كانت النعل هي الشافية!؟

ثم إن هؤلاء ينكرون التبرك بآثار الصالحين، فكيف يتبركون بنعل ابن حنبل!؟

 ثم ألم يكن في الدنيا جميعا من الصالحين إلا الحنابلة، بحيث لم يجد المتوكل إلا أبا بكر المروذي الذي هو تلميذ ابن حنبل؟

ومع ذلك.. فإني أرى أن للقصة أصلا صحيحا.

قال المريض: كيف هذا، وقد فندتها بهذه الوجوه؟

قال: لقد فطن ابن حنبل إلى أن الجارية ربما كانت تتلاعب بذلك التصرف.. فلذلك اكتفى بإخافتها لترتدع..

ثم بعد هذا: من روى هذه القصة: هل مالك في الموطأ، أم البخاري في الصحيح؟

قال المريض: لا هذا ولا ذاك، فهذه الرواية ليست حديثا.

قال: فهل ادعى أحمد في يوم من الأيام أنه رسول مشرع؟

قال المريض: لا …  كان أروع من ذلك.

قال: فهل تدعون له العصمة؟

قال المريض: نحن لا نقول بعصمة الأئمة.

قال: فهل كان أحمد أو من عاصره راقيا يجلس الناس إليه كما يجلسون إلى رقاتكم؟

قال المريض: ما في مسنده، وما رواه عنه تلاميذه لا يدل على هذا.

قال: فلماذا تزجون بهذا الإمام في هذه المتاهات؟

تركنا الرجل يتحدث مع المرضى، وهم يذكرون له ما قيل، فيرد أو يصحح أو يدافع.. قال لي المعلم: دعنا من الرجال.. ولنذهب إلى سيد الرجال.

قلت: تقصد سيد الأولين والآخرين محمدا صلى الله عليه وآله وسلم.

قال: أجل.

قلت: أنخرج الآن من المستشفى لنزور المدينة المنورة.

قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعظم شأنا من أن ينحصر في المدينة المنورة.

قلت: فأين نذهب إذن؟

قال: إلى سنته.. ألم يأمر الله بالرد إلى رسول الله عند التنازع؟

قلت: بلى.

قال: فلنترك آراء الرجال، ولنذهب إلى السنة.

السنة المطهرة:

قال المعلم: أقرأت الأصول الكبرى للسنة؟

قلت: وكيف لا أقرؤها، وفيها أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ولكني لا أكتمك بأني اكتفيت منها بالمصادر الصحيحة أو السنن، أما المعاجم وغيرها، فقد اكتفيت منها بما كتب النقلة عنهم.

قال: ففي تلك المصادر توجد أبواب خاصة بالرقى.

قلت: أجل.. توجد أبواب خاصة بالطب والرقى.. وهي تختلف في تصنيفها باختلاف المصنفين.

قال: فهل تجد الرقية من العين؟

قلت: أجل.. العلماء ينقلون التفاصيل المرتبطة بذلك، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم تحدث عن العين وبين خطرها، وعلمنا كيف نستعيذ منها.

قال: وقد أثبت المحدثون ذلك في تلك الأبواب؟

قلت: أجل.

قال: فهل فيها حديث واحد فيه الرقية من الجن، وكيفيتها؟

قلت: لا أذكر أني قرأت حديثا في هذا المعنى.

قال: بل لم تقرأ.. فلا يوجد نص فيما يمارسه قومك من أنواع الشعوذة.. ولم يرد نص صحيح واحد يخبر بما يدعيه الرقاة من استعمار الجني للإنسي.

قلت: ولكن العين تختلف عن المس؟

قال: ما الفرق بين أذى العين، وأذى الجن؟ أليس كلاهما أذى؟..

قلت: أجل.. هذا صحيح، بل إن قومي يزعمون أن العين بسبب الجن.. والمس على كل حال أخطر من العين.

قال: وأزيدك شيئا آخر.. ألم تسمع حديث المرأة التي تصرع؟

قلت: أجل.. لقد روي أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع اللَّه تعالى لي. قال: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت اللَّه تعالى أن يعافيك)، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع اللَّه أن لا أتكشف، فدعا لها([23]).

قال: في هذا الحديث دليل على أن الصرع مرض من الأمراض التي يجازى الصابر عليها.. وليس مرضا شيطانيا كما يزعمون.

قلت: إنهم يستدلون به على عكس ذلك، فقد ذكر ابن حجر العسقلاني عدة طرق لهذا الحديث ثم قال: (وقد يؤخذ من الطرق التي أوردتها أن الذي كان بأم زفر كان من صرع الجن لا من صرع الخلط)([24])، وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب وابن الأثير في أسد الغابة في ترجمة أم زفر أنها هي التي كان بها مس من الجن([25])، وقال ابن القيم: (ويجوز أن صرع هذه المرأة السوداء من جهة الأرواح الخبيثة)([26])

قال: لا.. هذا تحريف خطير للحديث.. فأين ذكر الشياطين هنا، لقد طلبت المرأة الدعاء، ولم تطلب الرقية، وقد كان التفريق بينهما مشهورا لا شك في ذلك بدليل ما سنعرفه من نصوص، فقد ذكرت فيها الرقية بكونها مرخص فيها بخلاف الدعاء الذي هو عبادة من العبادات.

ثم إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أرشدها إلى الصبر، ولا نرى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتركها للشيطان يسيمها سوء العذاب.

***

 بينما نحن كذلك إذ دخل رجل مهيب، فقلت للمعلم: من هذا الشيخ الممتلئ هيبة ووقارا؟

قال: هذا عالم من علماء الحديث..

قلت: فلم جاء هنا؟

قال: ليجيب عن الشبهات التي امتلأت بها نفوس هؤلاء المرضى.

سأل بعض الحاضرين هذا العالم، فقال: ولكنهم يروون في هذا أحاديث، وقد عرفناك معظما لها.

قال المحدث: وما يروون؟ إني أتحدى أي واحد منهم محدثا كان أو فقيها أن يأتيني بحديث واحد يبرهن على ما يأتونه من الدجل.

ارتعد القلم في يدي، وأنا أسمع تحديه، فتوقفت عن الكتابة، فقال لي: (ما بالك؟، ألم نتفق على كتابة كل ما يقال؟

قلت: ولكن التحدي صعب.

قال: ولكنا لا نتحدى لنظهر عجز غيرنا، وإنما نتحدى لطلب الحق ونصرة الحق، وقد قال تعالى متحديا بني إسرئيل:{ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (آل عمران:93)

قال أحد الحاضرين: لا.. يا شيخ، فقد رووا في الباب أحاديث.

قال المحدث: فما رووا؟

الحديث الأول:

قال: ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود عن صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (على رسلكما، إنها صفية بنت حيي)، فقالا: (سبحان الله يا رسول الله!) فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً، أو شيئاً)

فقد استدل بهذا الحديث على قدرة الجن سلوك بدن الإنسان جماعة من العلماء منهم القرطبي في تفسيره([27])، وابن تيمية في فتاواه([28])،وابن حجر الهيثمي وردَّ به على المعتزلة منكري ذلك([29])، والبقاعي في تفسيره([30])، وابن حجر العسقلاني في بذل الماعون([31])، والعلامة موفق الدين بن عبد اللطيف البغدادي([32])، والقاسمي في تفسيره([33]) و….

قال المحدث: هذا حديث صحيح لا شك فيه.. ولا علاقة له بهذا.

قال: كيف؟.. وكل هؤلاء استدلوا به.

قال المحدث: أليس معك عقلك.. وهو لا يختلف عن عقول الذين استدلوا به؟

قال: بلى..

قال المحدث: لقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم.. فهل الإنسان إنسان مخصوص، أم كل الناس؟

قال: بل كل الناس.

قال المحدث: وهل ذلك خاص بوقت من الأوقات؟

قال: نص الحديث يدل على عدم الخصوص.. أي أنه يجري دائما.

قال المحدث: وهل يجوز التخصيص بدون مخصص؟

قال: لا..

قال المحدث: فلم يخصصون المصروع بدخول الشيطان إليه وحده من دون سائر الناس.

قال: فما تقول في هذا الحديث؟

قال المحدث: هذا الحديث يذكر قرب الشيطان من الإنسان وسرعة تأثيره فيه بدليل قوله: (وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً، أو شيئاً)

قال: فأنت تؤول الحديث إذن، أو تنفيه، أو تقول بما قال من استدل بقول الشاعر:

وقد كنت أجري في حشاهن مرة     كجري معين الماء في قصب الآس

قال المحدث: أنا لا أقول بكل هذا.. بل إن لي نزعة ظاهرية مع النصوص، ولكني أرفض أن يحمل القائل غير ما أراده، فكيف إذا كان القائل هو المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم.. ثم لماذا لم يهرع صلى الله عليه وآله وسلم لهؤلاء الذي خشي عليهم من الشيطان يرقيهم.. بل اكتفى بما يبعد الوساوس عنهم!؟

الحديث الثاني:

قال آخر: فقد روى ابن ماجه وابن أبي عاصم وغيرهما عن عثمان بن أبي العاص قال: لما استعملني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الطائف جعل يعرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي، فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ابن العاص؟ قلت نعم يا رسول الله، قال: ما جاء بك؟ قلت: يا رسول الله عرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي، قال: ذاك الشيطان، أدنه، قال: فدنوت منه، فجلست على صدور قدمي، قال: فضرب صدري بيده وتفل في فمي، وقال: اخرج عدو الله، ففعل ذلك ثلاث مرات، ثم قال: الحق بعملك، فقال عثمان: فلعمري ما أحسبه خالطني.

فالحديث صحيح الإسناد، فرجاله ثقات وإسناده صحيح، كما قال البوصيري([34])، وصححه الحاكم في المستدرك، ومحمد ناصر الدين الألباني([35])، ودلالة الحديث على تلبس الجن بالإنسان ظاهرة، فقولهصلى الله عليه وآله وسلم: (اخرج عدو الله) تدل على وجود الشيطان داخل بدن الإنسان، فلذا أمَرَه صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج منه.

قال المحدث: مع أن الحديث فيه مقال من جهة السند.

قال: لا.. ليس فيه أي مقال.

قال المحدث: انفراد ابن ماجة به يجعل فيه ألف مقال.. ثم إن صحة السند وحدها لا تكفي.. فقد يكون الحديث معلولا.. وما فيه من العلل هو الذي صرف كبار المحدثين ممن التزموا الصحة أو الحسن عن قبوله.

قال:.. !؟

قاطعه، وقال: لا.. لن أناقشك في هذا الباب، ولكني أسألك: لقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما قال تعالى:{ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} (الزمر:30).. ولا يزال يعترينا ما اعترى هذا الرجل من الوساوس في الصلاة.. فلمن نلجأ؟ وهل ترضون أن يتفل هؤلاء الرقاة في أفواهكم ليبعدوا عنكم وساوس الشياطين؟.. ومن من الرقاة يفعل هذا مع أنه هو الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حسب ما تذكرون؟.. وهل انتفت الوساوس عن هذا الرجل بهذا، وصار من الخاشعين.. وبذلك يصير الخشوع شيئا سهلا، لن نحتاج فيه إلى أي مجاهدة، بل يكفي أن يبصق في أفواهنا الصالحون والرقاة لنصير ربانيين خاشعين.. وبذلك نضمن الفردوس الأعلى من غير أ ي مجاهدة.

قال: فما تقول؟

قال المحدث: لقد أخبر القرآن الكريم بأن المحل الذي يوسوس فيه الشيطان هو صدور الناس، كما قال تعالى عنه:{ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} (الناس:5)، وكما ورد في الحديث: (إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر اللّه خنس، وإن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس)([36])

فلذلك ـ إن صح الحديث ـ فقد زجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشيطان عن صدره ليكف عن وسوسته.. ولكن ذلك مرتبط بحالة معينة، وفي وقت معين.. لأن الشيطان لا ييأس من ابن آدم.. وإلا فأجبني: هل صار عثمان بن أبي العاص معصوما بما فعل معه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: لم يكن معصوما.. بل إنه وفد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وفد ثقيف.

قال المحدث: فقد أجبتني.. لقد كان ـ كما يقول المؤرخون ـ حدثا، وأسلم عام أسلمت ثقيف، أي في آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. أي أنه ـ بموقفه هذا ولجوئه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأجل هذا ـ لم يكن يعلم بما حض عليه الشرع في هذا الباب من الاكتفاء بالاستعاذة وذكر الله، كما قال تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} (لأعراف:201).. وإلا، فكيف لم يصدر هذا من الصحابة الكبار.. بل والصغار !؟

قال: فما تقول في ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على صدره.. أليس ذلك من السنة؟

قال المحدث: لا.. لقد نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وآله وسلم، فهل كان ذلك من السنة.

قال: تلك معجزة له صلى الله عليه وآله وسلم.

قال المحدث: فقد وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على الجذع لما حن فسكن، وأمسك بلسان بعض المنافقين، ودعا له فأصبح مؤمنا، كما في حديث حرملة بن زيد الأنصاري حين جلس بين يديه، وقال: يا رسول الله، الإيمان هاهنا، وأشار بيده إلى لسانه، والنفاق هاهنا، ووضع يده على صدره، ولا نذكر الله إلا قليلاً، فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وردد ذلك حرملة، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  لسان حرملة، وقال: (اللهم اجعل له لساناً صادقاً وقلباً شاكراً وارزقه حبي وحب من أحبني، وصير أمره إلى خير)، فقال له حرملة: يا رسول الله، إن لي إخواناً منافقين، وكنت رأساً فيهم، أفلا أدلك عليهم، فقال رسول الله: (من جاءنا كما جئتنا استغفرنا له كما استغفرنا لك، ومن أصر على ذلك فالله أولى به، ولا تخرف على أحد ستر)([37])

الحديث الثالث:

قال آخر: فقد روى أحمد وأبو داود والنسائي والطبراني والحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم، والغرق والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً وأعوذ بك أن أموت لديغاً)

والحديث صحيح الإسناد، صححه الحاكم ووافقه الذهبي([38])، والألباني([39]) وقال الشيخ عبد القادر الأرناؤوط: وإسناده حسن([40])

قال المحدث: فما موضع الاستدلال في هذا الحديث؟

قال: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أن يتخبطني الشيطان عند الموت)، ففيه دلالة واضحة على المس الحقيقي.. وقد استدل بهذا الحديث على إثبات صرع الشيطان للإنسان غير واحد من أهل العلم([41]).

قال المحدث: فهل كان صلى الله عليه وآله وسلم يخاف أن يصيبه الصرع عند الموت، فلهذا استعاذ بالله من ذلك؟

قال: معاذ الله.. فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعظم شأنا من أن يتسلط عليه الشيطان.

قال المحدث: فما وجه استدلالهم بالحديث؟

قال: هم يستدلون بقوله: (يتخبط)

قال المحدث: ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يتخبطني)، ولم يقل: (يتخبط)، فلم يحرفون الكلم عن مواضعه؟

قال: لقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك لنذكره نحن.. ومنه استغفاره صلى الله عليه وآله وسلم مع عصمته، ومع أن الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

قال المحدث: فلم خص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الموت بالاستعاذة من تخبطه.. وهل يخاف الإنسان على صحته وهو مقبل على الموت؟

قال: فما تقول أنت؟

قال المحدث: التخبط الذي يريده صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث هو الوساوس التي يلقيها في قلب الإنسان..

قاطعه، وقال: فلماذا لم يستعذ من الوساوس مطلقا.. ولم خص ذلك بالموت؟

قال المحدث: لأن الشيطان يدخر أعظم وساوسه للحظة الموت، ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يسأل الله حسن الخاتمة..

وقد ورد في الحديث أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول عند النوم: (باسم اللّه، أعوذ بكلمات اللّه التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون)([42])

قال:..!؟

قال المحدث: وأزيدك شيئا آخر: إن هذا الحديث الذي ذكرت تصحيحه يفسر معنى التخبط في الآية من غير أن نضطر لتأويلها.

قال: كيف؟

قال المحدث: التخبط لا يعني فقط ما نراه من المصروع من حركات.. بل قد يكون الإنسان هادئا سليم الجسم.. ومع ذلك فإنه يتخبط من داخله بالوساوس.. وهذا الحديث يشير إلى هذا المعنى.

قال: كيف؟

قال المحدث: لقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم التخبط وربطه بالموت، ولا نرى في العادة المحتضر ـ سواء كان صالحا أو غير صالح ـ إلا هادئا ساكنا لضعفه الشديد عن أي حركة.. فالتخبط في ذلك الحين ليس تخبط الحركات، وإنما تخبط الوساوس.

الحديث الرابع:

قال آخر: فقد روى أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا قام من الليل كبَّر، ثم قال: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، ثم يقول: الله أكبر كبيراً ثم يقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه ونفثه)

قال المحدث: فما محل الشاهد من الحديث؟

قال: استعاذته صلى الله عليه وآله وسلم  من همز الشيطان، فقد قال أهل اللغة: نفثه: الشعر، ونفخه: الكبِر، وهمزه: الموتة، قال ابن الأثير: والموتة: الجنون، لأن المجنون ينخسه الشيطان، والهمز والنخس أخوان([43])، وقال ابن كثير: (فهمزه الموتة، وهو الخنق الذي هو الصرع)([44])

قال المحدث: إن أصل الهمز في اللغة هو الغَمْزُ، والضَّغْطُ، والنَّخْسُ، والدَّفْعُ، والضَّرْبُ، وهذه جميعا فسرت في النصوص بالوساوس، ولا حرج عليها بعد ذلك إذا فعلت ما فعلت في صاحبها المستعد لتقبلها.

ثم هل تتصورون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو يقوم الليل خاشعا منيبا ـ يلتفت إلى ما تلتفتون إليه من المخاوف؟

الحديث الخامس:

قال الخامس: لقد روى أحمد والطبراني وابن عبد البر وغيرهم عن يعلى بن مرة قال: (لقد رأيت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثاً ما رآها أحد قبلي ولا يراها أحد بعدي، لقد خرجت معه في سفر حتى إذا كنا ببعض الطريق مررنا بامرأة جالسة معها صبي لها، فقالت يا رسول الله هذا صبي أصابه بلاء وأصابنا منه بلاء، يؤخذ في اليوم ما أدري كم مرة، قال: ناولينه، فرفعته إليه، فجعلته بينه وبين واسطة الرَّحل ثم فغر فاه فنفث فيه ثلاثاً، وقال: بسم الله، أنا عبد الله، اخسأ عدو الله، ثم ناولها إياه، فقال: ألقينا في الرجعة في هذا المكان فأخبرينا ما فعل، قال: فذهبنا، ورجعنا، فوجدناها في ذلك المكان معها شياه ثلاث، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ما فعل صبيك؟ فقالت: والذي بعثك بالحق ما حسسنا منه شيئاً حتى الساعة، فاجترر هذه الغنم، قال: انزل فخذ منها واحدة ورُدَّ البقية)

والحديث صحيح الإسناد، وقد ذكر الحافظ ابن كثير عدة طرق لهذا الحديث، ثم قال: (فهذه طرق جيدة متعددة، تفيد غلبة الظن أو القطع عند المتبحرين أن يعلى بن مرة حدّث بهذه القصة في الجملة)([45])

قال المحدث: فما وجه الاستدلال بالحديث؟

قال: هذا الحديث هو الحجة الكبرى في هذا الباب، بل هو حديث هذا الباب، ووجه الدلالة في الحديث واضحة، فقول الراوي: (ثم فغر فاه، فنفث فيه ثلاثاً)، ثم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (بسم الله، أنا عبد الله، اخسأ عدو الله) دليل على أن الصبي كان يعاني المسّ الشيطاني الذي سبب له بلاء وغماً.

قال المحدث: سنبدأ مناقشة الحديث من مبدئه.. لقد ذكر يعلى بن مرة ثلاثة أمور اختص برؤيتها.. أتستطيع ذكرها لي؟

قال: لقد وردت في الحديث.. أما الأولى، فهي ما ذكره، وأما الثانية، فقال: وخرجت ذات يوم إلى الجنان، حتى إذا أبرز قال: (انظر ويحك هل ترى شيئا يواريني؟) قلت: (ما أرى إلا شجرة، ما أراها تواريك)، قال: (فما قربها؟) قلت: (شجرة مثلها أو قريب منها) قال: (اذهب إليهما، فقل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمركما أن تجتمعا بإذن الله)، قال: فاجتمعتا، فبرز لحاجته، ثم رجع، قال: اذهب إليهما فقل: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمركما أن ترجع كل واحدة منكما إلى مكانها، فرجعت.

قال المحدث: وما الثالثة؟

قال: ما ذكره بقوله: وكنت معه جالسا ذات يوم، إذ جاء جمل يخبب حتى ضرب بجرانه بين يديه، ثم ذرفت عيناه، فقال: (ويحك انظر لمن هذا الجمل، إن له لشأنا)، فخرجت ألتمس صاحبه، فوجدته لرجل من الأنصار، فدعوته إليه، فقال: (ما شأن جملك هذا؟) قال: (وما شأنه؟) قال: (لا أدري والله ما شأنه، عملنا عليه ونضحنا عليه حتى عجز عن السقاية فأتمرنا البارحة أن ننحره ونقسم لحمه) قال: (لا تفعل، هبه لي، أو بعنيه) قال: (بل هو لك يا رسول الله) قال: فوسمه بميسم الصدقة، ثم بعث به.

وفي رواية أنه قال لصاحب البعير: (البعير يشكوك زعم أنك سناته حتى كبر تريد أن تنحره) قال: (صدقت والذي بعثك بالحق قد أردت ذلك والذي بعثك بالحق لا أفعل)

وفي رواية: (ثم سرنا ونزلنا منزلا فنام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته، ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ ذكرت له، فقال: (هي شجرة استأذنت ربها عز وجل أن تسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأذن لها)

قال المحدث: أترى كل هذه المعجزات التي ذكرها تمر على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أحد يهتم بها أو يرويها ما عدا يعلى بن مرة، ثم يرويها ولا يهتم لها التابعون، ولا من بعدهم.. ولا أئمة الحديث الذين التقطوا أقل شيء مما يتعلق بدلائل النبوة..

قال: ولكن السند صحيح؟

قال المحدث: ليس كل سند صحيح يقبل، فلولا أن في الحديث عللا لذكره الذين اهتموا بالصحيح.. ألا تعلم عدد الذين رووا نبع الماء بين أصابعه الشريفة؟

قال: بلغوا مبلغ التواتر.

قال المحدث: وأحاديث انشقاق القمر؟

قلت: كذلك.. هي أحاديث متواترة.

قال المحدث: حتى حنين الجذع ـ مع كونه أقل بكثير مما ذكرت ـ إلا أنه روي بالتواتر.

قال: لا يشترط التواتر لصحة الأحاديث.

قال المحدث: أنا لا أشترط التواتر لصحة الأحاديث، ولكني أعجب أن يمر هذا الحديث على الصيارفة، ثم لا يروونه مع كون الحاجة إليه ماسة..

قال: ولكن مع ذلك..

قال المحدث: نحن في مدائن السلام نكره الجدل.. فلذلك سأسلم لك جدلا بأن الحديث صحيح ومقبول، بل ومتواتر.. في أي محل يورد هذا الحديث: هل في باب دلائل النبوة أم في باب الرقى؟

قال: هم يوردونه في باب الدلائل.

قال المحدث: ولماذا يطبقونه في باب الرقى.. أيزعمون لأنفسهم ما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من النبوة؟

قال: حاشا لله.

قال المحدث: فهل قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا رأيتم صبيا حصل له ما حصل لهذا، فافعلوا مثلما فعلت)؟

قال: لا يشترط أن يقول هذا.

قال المحدث: ولكنه قال مثله في الصلاة والحج.. طلب منهم أن يقلدوه في أفعاله.

قال:….!؟

قال المحدث: لا بأس.. سأسلم جدلا بأن هذا من السنة التي يمكن العمل بها.. ما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع الصبي؟

قال: فغر فاه فنفث فيه ثلاثاً، وقال: بسم الله، أنا عبد الله، اخسأ عدو الله، ثم ناولها إياه.

قال المحدث: أهذا كل ما فعله؟

قال: هذا ما ورد به النص.

قال المحدث: فكيف عرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ما به من الشيطان؟

قال: هو رسول الله، فكيف لا يعرف؟

قال المحدث: فهل رقاتكم رسل لله يميزون بين الشياطين وغيرهم؟

قال:….!؟

قال المحدث: فهل حاور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا الشيطان!؟.. وهل دعاه إلى الإسلام!؟.. وهل أجرى مسامرة معه كالمسامرات التي تجرونها!؟

قال: هم يستدلون بهذا على جواز استعمار الشيطان للإنسان.

قال المحدث: لقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث: اخسأ عدو الله.. فمن قال بأن هذا العدو هو الشيطان، ومن قال بأن (اخسأ) تدل على الدخول.

قال: يمكن أن يقال ذلك.

قال المحدث: لا بأس.. سأسلم جدلا بصحة ذلك.. لقد تفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عيون بعض الصحابة فبرئت، فلماذا لا تفتحون عيادات للعيون يعالج بها رقاتكم العيون المريضة بالبصاق؟

قال: ولكن ذلك من دلائل النبوة.. لا من الرقية.

قال المحدث: ولكن كلا الحديثين يوضعان في دلائل النبوة.. فكيف جوزتم العمل بأحدهما وخصصتم الآخر؟

قال:….!؟

قال المحدث: الصحابة المنتجبون أحيوا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فمن من الصحابة فتح عيادة يخرج فيها الجان؟

قال: لا يشترط أن يذكر هذا.

قال المحدث: أنتم تشترطونه، فمع أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده)([46])، وظاهر الحديث يدل على جواز القراءة جماعة إلا أنكم تنكرون العمل بذلك، بل وتعتبرونه بدعة بحجة أنه لم يؤثر عن السلف العمل به.

سكت قليلا، ثم قال: فماذا تقول أنت في هذا الحديث؟

قال المحدث: أنا يراودني شك كبير في مدى صحة الحديث.. بل إن فيه من الغرابة ما يحيل صحته، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي لم ترو عنه الخوارق إلا في مواضع محددة، وللمصلحة العامة تتحرك له الأشجار لأجل ستره في قضاء الحاجة.. ثم لا يكون هو الآمر، بل يكلف صاحبه بأن يأمر الأشجار بالتقدم والتأخر!؟

ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال له ربه:{ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} (الأنعام:90)، وقال له:{ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } (الشورى:23) كيف يقبل من المرأة عرضها عليه ما عرضت.

وما لم أستطع فهمه هو البعير الذي لا يشكو المجاعة، ولكن يشكو هم أهله بذبحه، ونهيه لهم صلى الله عليه وآله وسلم عن ذبحه.. أذبح البعير بعد انتهاء العمل به جريمة؟.. أو من السنة أن لا يذبح، وماذا يفعل به في ذلك الحين؟

قال:….!؟

قال المحدث: أتدري ما الذي رغب رواتكم في هذا الحديث.. فحفظوه عن ظهر قلب؟

قال: ما هو؟

قال: قول المرأة، وهي تشير إلى غنمها: (انزل فخذ منها واحدة، ورُدَّ البقية)([47]).. فلولا هذا الكلمة ما عبئوا بالحديث كما لم يعبأوا بغيره.

العلم:

تركنا المحدث مع المرضى يناقشهم ويناقشونه.. وسرت مع المعلم إلى محل آخر لعلاج هؤلاء المرضى الذين تلاعب بهم الرقاة، قلت للمعلم: إلى أين نذهب الآن؟

قال: إلى الخبراء.. ألم يدعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى مراجعة الأطباء في حال المرض؟

قلت: بلى..

قال: فهؤلاء الأطباء والخبراء الذين شرحوا الإنسان عضوا، وعرفوا وظائف أعضائه عضوا عضوا لا يصح أن نعزلهم.

قلت: ولكن هؤلاء الرقاة يعزلونهم.

قال: لولا جهلهم ما عزلوهم.. فلا يعرف أهل الفضل إلا أهل الفضل.

قلت: ولكني أرى أنهم في بعض الأحيان قد يتعاونون.

قال: كيف!؟

قلت: الأطباء يرسلون المرضى إلى الرقاة، والرقاة يرسلون بعض من يأتيهم للأطباء.

قال: تلك تجارة محرمة.. فلا تحل التجارة في بني آدم.

دخلنا القاعة، رأينا فيها مرضى وأطباء، والمرضى يسألون، والأطباء يجيبون، اقتربنا من بعض الأطباء([48])، فسمعنا هذا الحديث:

قال بعض المرضى: هل يسبب الشيطان المرض النفسي؟

قال الطبيب: بحكم عملي في الطب النفسي فإن نسبة لا تقل عن 70 بالمائة من المرضى يذهبون في البداية إلى المعالجين الشعبين أو المشعوذين قبل أن يفكروا في زيارة الطبيب النفسي.

ورغم أنه لا يوجد دليل واحد على علاقة الشيطان بالأمراض النفسية فإن بعضا من المتعلمين إلى جانب البسطاء لا يستطيع فهم الحقائق العلمية التي تؤكد أن غالبية الأمراض النفسية الرئيسية قد تم التوصل إلى معرفة أسبابها، وأنها نتيجة تغييرات كيميائية في الجهاز العصبي يمكن علاجها عن طريق تعديل الخلل الذي يعاني منه المريض باستخدام الأدوية النفسية الحديثة.

قال مريض آخر: إن سلوك الجن في بدن الإنسان وصرعه له ونطقه على لسان المصروع أمر مشاهد محسوس، تكاد حوادثه تقع في كل عصر ومصر، ويعد منكره معانداً مكابراً للمشاهدة والمحسوس، وأخبار ذلك كثيرة جداً، شاهدها ورواها العلماء الثقات المشهورون بعلمهم وتقواهم، مما يوجب معه القطع بهذا الاعتقاد.

قال الطبيب، وكأنه لم يلتفت لما قال، أو لم يفهم ما قال: من الحالات الغريبة التي يتناقل الناس الحديث حولها في المجتمعات العربية حالات لمرضى يغيبون عن الوعي ويبدأ الشيطان أو الجن في الحديث من داخلهم !!! فالكلام يصدر عنهم لكنه بنبرات وأسلوب يختلف عن طريقتهم المعتادة في الحديث، والكل هنا يؤكد أن المتحدث هو المخلوق الغريب بداخلهم، وربما يذكر هذا المتحدث اسمه وديانته والمكان الذي حضر منه، فهناك الجن الكافر، وهناك الشيطان الصغير، والفتاة المثقفة، والمرأة التي تبدي رغبتها في الزواج من المريض، أو الرجل الذي يؤكد أن يحب ضحيته ولن يتركها، وكل هذه نماذج من الشياطين الذين يتحاورون مع المحيطين بالمريض، وكثيرا ما يقدم الواحد منهم بعض المطالب حتى يتخلى عن المهمة التي يقوم بها مع هذا المريض ويتركه وشأنه.

قال آخر: هذا صحيح.. وقد روى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي: إن قوماً يقولون: إن الجن لا يدخل في بدن المصروع من الإنس، فقال: يا بني يكذبون، وهو ذا يتكلم على لسانه)([49])

وقال ابن تيمية: (إن دخول الجني بدن الإنس، وتكلمه على لسانه بأنواع الكلام وغير ذلك أمر قد علمه كثير من الناس بالضرورة)([50])

قال آخر: بل قد عالج ابن تيمية الإنسان المصروع بسبب الجني مرات كثيرة، وحدَّث عن نفسه في ذلك فقال: (كما قد فعلنا نحن هذا، وجربناه مرات كثيرة يطول وصفها بحضرة خلق كثيرين)([51])

وقد ذكر مقالة أحمد في الرد على استفسار ابنه، ثم قال: (وهذا الذي قاله أمر مشهود، فإنه يصرع الرجل، فيتكلم بلسان لا يُعرف معناه، ويُضرب على بدنه ضرباً عظيماً لو ضُرب به جمل لأثر به أثراً عظيماً، والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب ولا بالكلام الذي يقوله)([52])

قال آخر: ومن أدلة الحس والمشاهدة على دخول الجن بدن الإنسان وتسببه له بالصرع ونحوه من الأمراض أن كثيراً من العلماء والمشايخ المعاصرين المشهورين قاموا بمعالجة مرضى المس الشيطاني بالطرق الشرعية، ومنها قراءة القرآن على المصروع، ومن هؤلاء الشيخ أحمد القطان([53])، والشيخ عبد العزيز بن باز مفتي السعودية([54])، والشيخ محمد الصايم([55])، والشيخ وحيد الدين بالي([56]).. وغيرهم كثير.

واصل الطبيب حديثه دون أن يلتفت لهم: هذا الكلام مؤكد وتسمعه من مصادر كثيرة لدرجة أن بعض الناس يقول لك: إن لديه تسجيلات لهذه الوقائع بصوت الشيطان نفسه حتى يصدق الجميع ذلك.

خشيت أن يتدخل المرضى ليغيروا مجرى الحديث، فصحت: فما تفسير هذا من وجهة نظر الطب النفسي؟

التفت إلي، وقال: الواقع أنني شخصيا قد استمعت إلى مثل هذه الأشياء في حياتي العملية عدة مرات، لكن هذه الحالة أيضا لا علاقة لها بالشيطان نهائيا، والمتحدث هنا هو المريض النفسي.

قلت: كيف هذا؟

قال: هي في حالة نطلق عليها التحول الهستيري يغيب فيها عن الوعي مؤقتا، وتظهر بعض محتويات عقله الباطن، فيقوم بالتنفيس عن بعض رغباته المكبوتة، ويهرب من الواقع والضغوط التي لا يحتملها، فيتصور الجميع أن بداخله شيطان يتكلم، وهذه الحالات لا تحتاج إلى الذهاب إلى الدجالين، أو ضرب المريض بقسوة لإخراج الجن، كل ما في الأمر هو تهدئة المريض وبحث حالته النفسية والتعامل مع الضغوط التي يتعرض لها، وهنا تتحسن الحالة دون تعامل مع الشيطان.

قال أحد المرضى، وكأنه يصف حالته: والأصوات، والخيالات والوساوس أأمراض هي أم مس شياطني!؟

قال: مرض الوسواس القهري هو أحد الأمراض النفسية الشائعة بصورة لم نكن نحيط بها من قبل، حيث اعتقد الأطباء النفسيون أنه من الحالات النادرة لكن الدراسات الحديثة تؤكد أنه يصيب 3 بالمائة من الناس.. وقد ارتبط هذا المرض في الأذهان بوساوس الشياطين بسبب التشابه بين مسمى (الوسواس القهري) ووصف الشيطان بالوسواس الخناس الذي ورد في القرآن الكريم، لكن إذا علمنا أن الوسواس القهري قد أصبح من الأمراض التي تم كشف النقاب عن الكثير من أسرارها، وأن هذه الحالات لها علاقة ببعض المواد الكيميائية في المخ مثل مادة (السروتونين) التي يتسبب اختلالها في أعراض الوسواس القهري، وهي تشمل أعراضا كثيرة.

قلت: مثل ماذا؟

قال: مثل أعمال وسواسية في صورة تكرار أفعال وطقوس لا معني لها، مثل غسل الأيدي أو الطهارة عند ملامسة أي شيء، أو التمتمة بكلمات، أو أعداد معينة قبل بدء أي عمل، أو إعادة الوضوء عدة مرات قبل الصلاة.

قال أحد المرضى: أنا مريض بهذه الحالة، وقد اكتشف الراقي أن سبب ما أصابني جن خطير لم يكشف عن اسمه.

قال الطبيب مازحا: قل لراقيك لقد عرفته إنه (السروتونين)، فغيابه هو الذي سبب لك ما سبب.

قلت: اذكر لنا أمثلة أخرى على هذا؟

قال: من أمثلتها الأفكار الوسواسية، كالانشغال والاستغراق في التفكير في موضوعات تافهة وقضايا لا حل لها مثل مسألة البيضة والدجاجة ومن الذي أتى أولا؟ أو البحث في شكل الشيطان وماذا يأكل وكيف يعيش؟ أو أفكار دينية لا معني لها تشغل التفكير وتعوق الشخص عن مزاولة حياته..

ومن أمثلتها: مخاوف وسواسية لا أساس لها من أشياء ليست مصدر خوف على الإطلاق.

قلت: فكيف يتعامل الطب النفسي مع هذه الحالات؟

قال: الطب النفسي بتعامل حاليا مع هذه الحالات بالعلاج الدوائي الذي يعيد الاتزان النفسي ونسبة الشفاء عالية حاليا باستخدام أجيال الأدوية الحديثة، ولا علاقة للشيطان بكل هذه الوساوس المرضية.

قال بعض المرضى: ولكني أرى أشباحا، وأسمع أصواتا تتحاور معي، بل وتهددني أو تأمر بأن يفعل أشياء معينة.

قلت: فماذا قال لك الرقاة؟

قال: وهل هناك غير المردة من العفاريت؟

قلت: فما فعلوا؟

قال: ظلوا يرقونني إلى أن نفذ ما في جيبي، فطردوني، وقالوا: جنك طيار، لا نقدر على إمساكه.

قلت للطبيب: بم تفسر هذا؟

قال الطبيب: من جهة نظر الطب النفسي هذا يرجع إلى وجود خلل في جهاز الاستقبال لدى المريض، يجعله يستقبل صورا وأصواتا لا وجود لها، وهذه الحالات أيضا تتحسن بالعلاج بالأدوية الحديثة، ولا دخل للشيطان في هذه الأعراض النفسية المرضية التي تحدث في مرضى الفصام والأمراض العقلية الذهنية.

***

 انتقلنا إلى محل آخر من القاعة، اجتمع فيه مجموعة مرضى مع طبيب، يتحدثون عن مرض الصرع وعلاقته بمس الشيطان.

قال الطبيب: يعتبر الصرع من أكثر الأمراض العصبية انتشارا حيث يصيب 1 بالمائة من الصغار والكبار، ومن أعراضه حدوث نوبات غياب عن الوعي قد تكون شديدة أو خفيفة، وفي حالة النوبة الكبرى يسقط المريض على الأرض في حالة تشنج يهتز لها كل جسده ويغيب عن الوعي نهائيا ولا يفيق الا بعد مرور وقت طويل، وتتكرر هذه النوبات في أي وقت وأي مكان.

قلت: نعرف هذا، فما تفسيره من وجهة نظركم؟

قال: لقد ظل مرض الصرع موضوعا للكثير من الخرافات والأوهام وتعرض المرضى لكثير من الممارسات غير الطبية ظنا من الناس أن الأرواح والشياطين وراء حدوثه حتى كشف الطب الحديث حقيقة هذا المرض.. فقد تبين من خلال الأبحاث الطبية أنه نتيجة لخلل في موجات المخ الكهربائية نتيجة شحنات زائدة من بؤرة نشطة تسبب إثارة الخلايا العصبية وتحدث النوبة نتيجة لذلك.

قلت: أهذا افتراض افترضه الأطباء ليهربوا من التفسير الغيبي، أم هو حقيقة علمية دلت عليها التجارب؟

قال: إن العلم الحديث يؤكد هذا المعنى الذي ذكرته، فقد ذكر أن كلمة صرع لا تعني شيئا سوى القابلية للتعرض لنوبات تشنّج متكرّرة، وهو يتم على مستوى الدماغ الذي يتحكم بحركاتنا وأحاسيسنا وأفكارنا وعواطفنا، فهو مقر الذاكرة، وهو الذي يقوم بتنظيم الأعمال الداخلية اللاإرادية في الجسم كوظائف القلب والرئتين.. وتعمل خلايا الدماغ معا وتتصل ببعض من خلال إشارات كهربائية.. وفي بعض الأحيان يكون هناك تفريغ كهربائي غير عادي في مجموعة من الخلايا وتكون نتيجة ذلك حدوث النوبة، ويتوقف نوع النوبة على جزء الدماغ الذي حصل فيه التفريغ الكهربائي، الجزئي غير العادي.

قلت: لا أقصد هذا.. أقصد هل يمكن كشف هذا بالأجهزة كما تكشفون الأمراض بالأشعة وغيرها؟

قال: أجل.. ويمكن كشف ذلك ببساطة حاليا عن طريق جهاز رسم المخ EEG الذي يلتقط هذه الإشارات، ويحدد شدتها ومكانها.

قلت: لقد عرفتم الحقيقة.. ولكن العلاج بقي غائبا.

قال: إن الأبحاث جارية في هذا الموضوع.. والعلم الحديث يقترب يوما بعد يوم من علاج هذا النوع من الأمراض، وقد ورد في بعض الدراسات العلمية تحت عنوان: (دور الغذاء الكيتونى([57]) فى علاج الصرع المستعصى) بأن دراسات عديدة سريريه أظهرت أن من 41 بالمائة – 95 بالمائة من الأطفال الذين عولجوا بهذا الغذاء تحسنت نسبة الصرع لديهم بنسبة أكثر من 50 بالمائة هذا فيما بين عامي 1920 و1930 م، ولكن بعد ظهور دواء الفينوتوين قل وغيره استعمال الغذاء واعتمد الأطباء على أدوية الصرع.

ثم عاد الاهتمام بهذا النوع من العلاج – أى (الغذاء الكيتونى) – في السنوات الأخيرة ففي عام 1998م أجريت دراسة على مراكز متعددة لمئة وخمسين طفلاً يعانون من الصرع المستعصي وعولجوا بالغذاء الكيتونى وقلت لديهم التشنجات، وثبت أن الغذاء الكيتونى عندما يستعمل بطريقة صحيحة فإن له تأثير جيدا على نسبة تحسن التشنجات)

التفت إلي المعلم ضاحكا، وقال: لعل هذا النوع من الغذاء رشوة جيدة للجن تكف شره عن الصبيان.

قلت: هو على كل حال أفضل من الملح أو الضرب الذي يقدمه الرقاة لهم.

قال الطبيب: يجتهد العلم الحديث الآن في السيطرة على نوبات الصرع، فمعظم النوبات الصرعية تخف نتيجة استعمال الأدوية المقاومة للصرع، فحوالي (50) بالمائة من الذين يتناولون هذه الأدوية تنتهي النوبات لديهم وحوالي (30) بالمائة منهم تقلّ درجة تكرارها لديهم لدرجة يمكنهم معها العيش والعمل بشكل اعتيادي، أما الـ (20) بالمائة المتبقية فهي إما حالات مستعصية للعلاج، أو أنها بحاجة إلى جرعات أكبر للسيطرة على النوبات.

بالإضافة إلى أن هناك الحل الجراحي، ويتم اللجوء إليه عندما يفشل العلاج الدوائي، وفي نسبة قليلة جدا من الحالات التي يتحدد فيها الجزء الدماغي المصاب والمسبب للنوبات وتكون إزالته مأمونة، وبدون أن تترك خللاً أو ضرراً بوظائف المخ.

العلاج البديل:

خرجنا من تلك القاعة، وقد تركنا المرضى مع الأطباء يفسرون لهم، ويحاولون إقناعهم، وهم يجهدون أنفسهم في ذلك جهدا عظيما، فالمسألة قد تغلغلت في قلوب وعقول المرضى، بل ربطت في أذهانهم بقضايا الإيمان والكفر، والسنة والبدعة([58])، فكان من الصعب اقتلاعها.

قلت: يا معلم.. قدرت هذا الجهد الذي يبذله هذا الحصن في وقاية الناس من هذه الشعوذة.. ولكنها على أي حال خففت على الناس كثيرا مما يعانونه.. أليس من الأجدى ألا نترك المرضى أسارى مرضهم؟

قال: بالصدق لا بالكذب.. وبالشرع لا بالدجل.. وبالحقائق لا بالأباطيل.

قلت: فهل يضع هذا المستشفى هذا الحق الذي يواجه به الباطل.. وهل يضع البديل الذي يقي الناس شرور هؤلاء الرقاة؟

قال: أجل.. فلا ينبغي لمن نهاك عن شيء أن يتركك تعاني الحيرة.. بل إنه يعطيك من الحلول والبدائل ما يريحك، ويملأ الفراغ الذي تركه نهيه.

قلت: فأين هذا البديل؟

قال: هيا إلى القاعة المخصصة لذلك، فهي آخر قاعات هذا الحصن.

قلت: ولم لم يبدأ المرضى بها؟

قال: لا.. ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفرغ أصحابه من تصورات الجاهلية، ثم يملؤهم بحقائق الإسلام؟

قلت: أجل.

قال: أتدري لماذا؟

قلت: حتى لا يختلط الإسلام بالجاهلية.

قال: فلهذا لا يصفون العلاج البديل إلا بعد أن يملأوا قلوب المرضى وعقولهم بالقناعات الصحيحة.

اقتربنا من قاعة مهيبة كانت تمتلئ بأنوار الإيمان، سألت المعلم عنها، فقال: هذه القاعة هي التي يعطى فيه المصل الذي يحمي من وساوس الشياطين، ومن آثار الدجل الذي يزرعه الرقاة.

رأيت شخصا مهيبا.. يبدو كأولئك الأولياء الصالحين الذين غمروا الكون بعطرهم.

قلت: من هذا؟

قال: هذا نموذج الراقي البديل، وقد دربه هذا المستشفى ليميت هذه البدعة.

قلت: راق بديل.

قال: نعم.. من باب المشاكلة سميناه كذلك.

قلت: فما دوره؟

قال: يبدأ دوره بنفسه.. يربيها ويطهرها ويعمق فيها حقائق الإيمان.. ولا يكتفى بذلك، بل يضيف إليه من العلم ما يجعله فطنا يعرف كيف يواجه الأمور وكيف يتحدى الصعاب.. فإذا آنست منه إدارة المستشفى القدرة على ممارسة هذه الوظيفة أعطته الإجازة بذلك.

قلت: وما هو دوره؟

قال: بسيط جدا، وعميق جدا.. أما الأمراض الجسدية، فيرشد أهلها إلى الأطباء، أما الوساوس الشيطانية، فيضع لها من برامج التربية ما يقهر كل وسواس.

قلت: إذن هو لا يعالج في جلسة واحدة؟

قال: لا.. هو يقنع مرضاه بالبرنامج المعطى لهم.. ولا يكتفي بذلك، بل يتابعهم إلى أن يرى مدى جدوى استفادتهم.

قلت: إذن هو يحصل على أجور لا بأس بها.

قال: تشترط إدارة مستشفى السلام فيمن يتولى هذا الزهد والعفاف.

قلت: لم؟.. هو ينفع الناس ويقدم لهم خدمات.

قال: لأن المال يجر المغرضين.. أما الزهد والعفاف، فلا يبقي غير المخلصين.

قلت: ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله)([59])

قال: ذلك في موضع مخصوص، لا يصح القياس عليه.

قلت: فبم يبدأ البرنامج التربوي الذي يمارسه هذا الراقي؟

قال: بربطهم بالله.. واسمع إلى هذا الراقي، وهو يخاطب مرضاه.

اجتمع المرضى حول ذلك الراقي، فراح يخاطبهم بقوله:.. أول ما يطهرنا به القرآن الكريم من الانحرافات العقدية المرتبطة بالعوالم الغيبية حصر تدبير الكون في الله تعالى إجمالا وتفصيلا، فالله تعالى هو المتصرف الواحد في الكون لا ينازع في تصريفه، فهو الذي يرسل الرياح وينزل المطر ويحيي ويميت ويخفض ويرفع ويبسط ويقبض ويعطي ويمنع وكل ما حدث في الكون أو يحدث فبإذنه وتقديره وتصريفه وفعله، فالله في القرآن الكريم ليس منعزلا كإله أرسطو المنشغل بكماله عن غيره، وليس كآلهة اليونان المنعزلة في جبال الألب، بل هو متصرف حاضر { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (المجادلة:7)

قلت: يشير إلى كل هذه المعاني اسمه تعالى[القيوم]،فهو القائم بنفسه المقيم لغيره، فلا قيام لشيء إلا بإقامته تعالى.

قال: ولأجل هذا كانت آية الكرسي من الآيات التي ورد في الأحاديث اعتبارها من الاستعاذات النافعة لما تحتوي عليه من التنبيه لقيومية الله تعالى لكل شيء فهو { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} (البقرة:255)

قال الراقي، وكأنه كان يسمعنا: فالتالي لهذه الآية المستغرق في معانيها يرى كل شيء من العرش إلى الفرش لا يملك شيئا ولا يقد ر على شيء ويحتاج إلى الله في كل شيء، وهو ما يشعر الضعيف بالقوة والذليل بالعزة والمريض بالشفاء، لأن الله تعالى لا يغفل عن حاله، فهو لا تأخذه سنة ولا نوم، وهو تعالى الذي حفظ السماوات والأرض ولم يؤده حفظهما لن يعجزه من شيء في الأرض ولا في السماء، ثم تنفي عن الاتصال بالله كل الوسائط والشفعاء الذين كانوا في جميع الديانات الحجب بين الله وعباده، ولذلك لن يحتاج المستغرق في هذه الآية إلى السعي للبحث عن أي وسيط لأن الله تعالى أقرب إليه من الوسيط.

قلت: ما شاء الله.. أظن هذا وحده يكفي علاجا لكل داء.

صاح أحد المرضى: والجن.. والعفاريت.. والشياطين.. أليس لهم تأثير؟

قال الراقي: الجن والشياطين أضعف شأنا من أن يتسلطوا على حياة الناس ويوجهوها حيث شاءوا، فليس لهم أي سلطان على الإنسان، وليس لهم إلا بعض الطاقات المحدودة بحدود طبيعتهم وجبلتهم، فلكل شيء في الكون طبيعته وطاقاته الخاصة به.

ولهذا ورد في أكثر آيات القرآن الكريم الإخبار عن عجز الجن وعدم تسلطهم على بني آدم إلا لمن تعرض لهم،كما أن الطاقة الكهربائية لا سلطان لها إلا على من مد يده إليها.

ويبرز ذلك واضحا فيما يسمى بخطبة الشيطان التي يلقيها على أهل النار يوم القيامة لينفي عن نفسه اللوم ويبين علاقته بالبشر والسلطات الوحيدة التي مكن منها، قال تعالى:{ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (ابراهيم:22)

فالشيطان يتجلى في هذه الآية بمظهره الحقيقي مظهر الضعيف العاجز الذي نفخ فيه البشر وألبسوه من ثياب العظمة والكبرياء ووهبوه من أسباب التسلط ما يزاحم به الألوهية.

صحت: ما سبب هذه النظرة التي جعلت للشيطان كل تلك السلطات؟

قال: التصور الوثني..

قلت: التصور الوثني!؟

قال: أجل.. فهو الذي يجعل من الشيطان إلها قائما بذاته يتحدى الله سبحانه وتعالى مع أنه ليس إلا جنديا بسيطا ومتواضعا من جنود الله خلقه الله ليقوم بعكس الدور الذي تقوم به الملائكة، فهو لا يتحدى الألوهية وإنما يطبق إرادتها وينفذ مشيئتها ليتم الاختبار.

قلت: ما هذا القول الخطير؟

قال: كونه جنديا لله لا يحمل أي صفة مدح، لأن كل شيء جندي لله يفعل ما يراد منه وقد يذم على فعله أو يحمد وقد يعاقب أو يجازى { وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} (الفتح:7){ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ  رَبِّكَ إِلَّا هُوَ }(المدثر:31)

قلت: فتعظيم الشيطان نوع من الشرك إذن؟

قال: أجل.. ولهذا اعتبر القرآن الكريم من أعطوا الجن من السلطات ما ليس لهم أو وضعوهم كمدبرين ومؤثرين بذواتهم في الكون مشركين بذلك التعظيم، قال تعالى:{ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} (الأنعام:100)

وقد أخبرت الملائكة ـ عليهم السلام ـ أن أكثر البشر كانوا يعبدون الجن ويشركونهم بالله، ومن أساليب العبودية التعظيم والخوف والذي لا يقتصر على المشركين من عرب الجاهلية فقط، قال تعالى:{ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} (سـبأ:41)

صاح مريض آخر: يا حكيم.. فهمنا ما قلت.. ولكن لم سلط الله علينا الشياطين يسوموننا الخسف.. ويضطرونا إلى هؤلاء المشعوذين؟

قال الراقي: إن تأثير الجن على الإنسان بحسب قابليته واستعداده، وتلك القابلية تتجلى في الشعور بالضعف والقصور أمامه، ولهذا كان الرهق وهو كل معاناة وأذى بسبب الخوف من الجن أو الالتجاء إليه أو الشعور بقوة تأثيره، قال تعالى على لسان الجن:{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} (الجـن:6)

 ولهذا جاءت الآيات الكثيرة تخبر عن عدم تسلط الجن أو الشياطين على المؤمنين الذين يتوكلون على ربهم ويلوذون بحفظه، قال تعالى:{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} (الحجر:42)، وقال تعالى:{ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (النحل:99)، وقال تعالى:{ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} (سـبأ:21)

وقد حكي عن بعض الصالحين أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال:أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: هذا يطول، أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبها ومنع من العبور ما تصنع؟ قال: أكابده وأرده جهدي. قال: هذا يطول عليك، ولكن استغث بصاحب الغنم يكفه عنك.

قلت: ألهذا ورد النهي عن تعظيم الشيطان والجن بنسبة المصائب والنكبات إليها؟

قال الراقي: أجل.. لأن ذلك مما يعظمها في نفس الإنسان، وكلما عظم الإنسان شيئا كلما أزال من نفسه من الشعور بعظمة الله بحسبه فنهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن كل مظهر ينم عن هذا التعظيم ولو كان في صيغة سب، قال بعض الصحابة : (كنت رديف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعثرت دابة فقلت: تعس الشيطان، فقال: لا تقل تعس الشيطان، فإنك إذا قلت ذلك تعاظم حتى يكون مثل البيت ويقول: بقوتي ولكن، قل: بسم الله، فإنك إذا قلت ذلك تصاغر حتى يكون مثل الذباب)([60])

فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم نهاه أن يعظم الشيطان ولو بنسبة تعثر الدابة إليه، فكيف بمن يجعله متصرفا كليا وحيدا في حياة الناس؟

***

 تركنا ذلك الحصن بعد طول مكثنا فيه، وقد رأيت على المرضى في قاعة العلاج البديل ارتياحا عظيما، وأنوارا تسري في وجوههم تحطم تلك الكآبة والسوداوية التي ملأهم بها الرقاة.

سألت أحد المرضى: ما حالك؟.. كيف تجد نفسك؟

قال: بحمد الله.. لقد كانت الوساوس تطاردني.. كانت العفاريت التي ملأ الرقاة عقلي بها تزاحمني وجودي.. تحطم حياتي.. أما اليوم فقد عرفت الله.

قلت: فماذا أفادتك معرفته؟

قال: نسخت كل تلك الظلمات.. وحطمت كل تلك الأساطير.. وأنا الآن أعيش في سعادة عميقة.

قلت: ما هو وردك؟

قال: ما حض عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أذكار، فأنا أسبح الله وأحمده وأكبره..

قلت: فما كان وردك؟

قال: الاستعاذة من الجن والعفاريت والمردة.. حتى أني كنت إذا قرأت القرآن الكريم لا أقرؤه لوجه الله، وإنما أقرؤه لأطرد العفاريت.

ثم تركني، وانصرف، وهو يسبح الله.. أما الشيطان.. فقد سلك فجا غير فجه، وقد عض أصابعه من الندم.. أما الرقاة.. فقد ضاع زبون من زبائنهم، ويوشك أن يضيع جميع زبائنهم.. وما ذلك على الله بعزيز.

الاستعاذة من السحر

قصدنا القاعة الثانية من قاعات حصن الاستعاذة، فرأيت لافتة مكتوبا عليها قوله تعالى:{ مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ} (يونس:81)

قلت: لا شك أن هذه القاعة قاعة علاج السحر.

قال: السحر.. وأوهام السحر..

قلت: وما علاقة أوهام السحر بهذا؟

قال: أوهام السحر أخطر من السحر.. بل هي نوع من أنواع السحر.

قلت: كيف؟

قال: لأن السحرة محدودون.. وأفعالهم محدودة.. وتأثيراتها أضيق من ذلك كله.. ولكن مع ذلك لا ترى أحدا إلا وهو يشكو أنه سحر في يوم من الأيام.. أو سحرت سيارته أو محله أو شواربه التي اشتعل فيها الشيب.

قلت: صدقت.. وأنا أعرف من لا يأكل أي طعام خارج بيته خشية أن يكون قد ملئ سحرا.

قال: وبسببه فرق الشيطان بين المرء وزوجه، وبين الأخ وأخيه.

قلت: هذا واقع نشكو منه.

قال: فمن ساهم فيه؟

قلت: لا شك في ضلوع الرقاة في هذه الجريمة.. فإنه ما يأتيهم أحد إلا ويصفون له أحد أقانيم هذا الثالوث: الجن والعين والسحر.

رأيت بابين داخل القاعة المخصصة للتحصين من السحر، ورأيت المرضى يدخلون منهما، فسألت المعلم عنهما، فقال: أما الباب الأول، فيؤدي إلى القاعة المخصصة لتشخيص السحر، وأما الباب الثاني، فيؤدي إلى القاعة التي يتم فيها العلاج.

قلت: فلم لا يذهبون مباشرة للقاعة الثانية للمعالجة؟

قال: إن أكثر من تراهم يتهمون السحر والسحرة مصابون بأوهام السحر.. لا بالسحر.. أو بأعراض لأمراض جسدية أو نفسية، ولكن الدجالين أوهموهم بأنهم مسحورون، فلذلك كان تخليصهم من الأوهام مقدما على علاجهم.

قلت: أمستشفى السلام يعالج المرضى في هاتين القاعتين فقط؟

قال: لا.. جميع الوزارات التي لها علاقة بالإنسان تخدم المرضى أو تقيهم من جهتها.

قلت: وما انشغال الوزارات بهذا؟

قال: إن لم تنشغل الوزارات بالإنسان، فبمن تنشغل؟

تشخيص السحر:

دخلنا القاعة الأولى، فوجدنا رجلا على منصة، والدموع تنهمر من عينيه، وهو يتكلم بصوت ضعيف تظهر عليه علامات الحزن، والمرضى مقبلون عليه يسألونه، سألت المعلم عنه، فقال: هذا عيسى بن شقفى([61]).

قلت: ومن عيسى بن شقفى؟

قال: كان ساحرا.. ثم تاب الله عليه.. وقد دعته إدارة هذا المستشفى ليبين للمرضى قدرات الساحر.

قلت: ولم ذلك؟ ألأجل اتقائها؟

قال: لا.. ليس ذلك فقط.. بل الغرض الأصلي هو أن يفسر لهم قوله تعالى:{ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ } (البقرة:102)

قلت: لم؟

قال: لأن الخوف من السحر، وتعظيم السحر، والاعتقاد بقدرات الساحر العجيبة جعلت الخلق يخافون من الساحر أكثر من خوفهم من الله.

قلت: وهذا غرض مقصود للساحر؟

قال: كما أنه غرض مقصود للشيطان.. فكما أن الشيطان يحب أن يراه الخلق مدبرا مصرفا للأمور.. فكذلك السحرة الذين اتبعوا الشيطان ومنهج الشيطان، ألم تسمع قوله تعالى:{ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } (البقرة:102)؟

قلت: فالسحر من تعليم الشياطين؟

قال: هذا ما نص عليه القرآن الكريم.

قلت: فما هي الأشياء التي يطيقها الساحر.. فإني أسمع أن له قدرات هائلة.

قال: هي ـ بحسب ما ينص عليه القرآن الكريم ـ قدرتان.

قلت: ما هما؟

قال: التخييل، والتأثير.. وكلا القدرتين محدودتان، لا يستطيع الساحر مهما أوتي من علم أن يتجاوزحدودهما.

قلت: فما الحدود التي تحدهما.

قال: سنعرف ذلك من عيسى.

قلت: أي عيسى !؟

قال: ذاك التائب الذي يجتمع عليه الناس.

السحر التخييلي:

اقتربنا منه، فسمعنا سائلا يسأله، قائلا: عرفنا أن الشياطين يعتمدون على استعداد الإنسان للوسوسة، فلذلك يأتونه من هذا الجانب، فعلام يعتمد السحرة؟

قال عيسى: على التخييل.. على مخيلة الإنسان([62]).. فإن كان الشيطان يضع خرطومه على صدر الإنسان، فإن هؤلاء السحرة يضعون خراطيمهم على مخيلته.

قال السائل: لم؟

قال عيسى: ليرى الأشياء على غير ما هي عليه.. ألم ير الناس حبال السحرة وعصيهم حيات تسعى؟

قال السائل: بلى، فقد قال تعالى:{ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} (طـه:66)

قال عيسى: فهكذا الساحر يلجأ إلى المخيلة ليتلاعب بها..

قاطعه سائل، وهو يقول:.. نعم.. لقد سمعت بعض العلماء يروي عن بعض العامة أن ساحراً أتى إلى صاحب غنم ومعه شاه يقودها بأذنها، وطلب من صاحب الغنم أن يعطيه بدلها كبشاً ليذبحه لرفقته، ففعل ذلك صاحب الغنم، فبعد أن ذهب بالكبش تبين أن تلك الشاة التي جاء يقودها كانت حشرة من دواب الأرض قد لبس بها على عين الراعي الذي ذهب في أثره حتى أدركه مع رفقته وقد ذبحوا الكبش، فسألهم عن صاحب الكبش الذي لبس عليه، فدلوه على الساحر فجعل يوبخه، ثم مد يده إليه ليبطش به، وقبض على رأسه فانقلع رأسه في يده وتعلق بحنجرته، فذهل الراعي وهرب معتقداً أنهم من الشياطين([63]).

قال عيسى: لا.. هذه حكاية ظاهرة التزوير.. وما كان للعلماء أن يقبلوا مثل هذا من العامة، ولو كان هذا في طاقة السحرة لاستولوا على أملاك الدنيا جميعا، ولكانوا أغنى الناس.

قال السائل: ولكن العامة يؤكدون مثل هذا.

قال عيسى: لا تؤخذ الحقائق من العامة، بل تؤخذ من أصحابها، وأنا أدرى بقدرات السحرة، إنهم أضعف بكثير.. أضعف مما تتصورون.

قال سائل آخر: لقد علمونا أن لسحر التخييل أنواعا.. فنرجوا أن تبين لنا مدى وقعيتها؟

قال: سل.. فستجد عندي ـ إن شاء الله ـ ما يشفي غليلك.

قال السائل: من الأمثلة التي ذكروها لما يسمى (سحر التخييلات) قلب الحقائق المتعلقة بالأفراد في نظر المسحور، فيرى الشخص على غير شاكلته كأن يرى الصغير كبيرا والكبير صغيرا، والطويل قصيرا والقصير طويلا، وهكذا في كثير من الصفات البشرية الأخرى.

قال: يمكن للساحر أن يفعل هذا.. ولكنه لفترة محدودة، وببعض التلاعبات.. هو تماما مثلما يتلاعب السحرة في نواديكم.. فإن طاقاتهم محدودة بزمن محدد لا تتجاوزه.

قال السائل: ومن الأمثلة التي ذكروها لهذا النوع قلب الحقائق المتعلقة بالحيوانات في نظر المسحور فيرى الحيوان على غير شاكلته، كأن يرى القط فأرا، أو أن يرى القط الهزيل بشكل ضخم مرعب، وقس على ذلك الكثير من الصفات الحيوانية الأخرى.

قال: هذا ممكن بحدود ضيقة جدا.. ولكنها لا تصل أبدا لما حكى عنه ذلك العامي.. وإلا لأقلع تجار الماشية عن إرهاق أنفسهم بعلف الحيوانات، واكتفوا بسحر أعين المشترين.

قال السائل: إنهم يتورعون عن ذلك..

قال: لا.. لو تورعوا عن هذا لتورعوا عن غيره.

قال السائل: من الأمثلة التي ذكروها: سحر التخييل للانتقال من صفة بشرية أو حيوانية أو عينية لصفة مضادة أخرى، فيرى المسحور من خلال هذا النوع من أنواع السحر الإنسان حيوانا، كأن يرى الزوج بشكل حمار أو قرد أو أن يرى كأحد أعمدة المنزل، وقس على ذلك الكثير للانتقال من صفة إلى صفة مضادة أخرى.

 قال: من أين عرفتم أن هذا من السحر؟

قال السائل: من يصابون بمثل هذا يذهبون إلى الرقاة فيقرؤون عليهم رقية التشخيص، فيعرفون أنه سحر.

قال: وما رقية التشخيص؟

قال السائل: هي أوراد معينة يتم من خلالها كشف نوع العلة التي يعاني منها المسترقي.

قال: في أي مصادر الحديث وردت هذه الأوراد؟

قال السائل: لا.. لم ترد هذه الأوراد في السنة.

قال: ما لم يرد في السنة فهو بدعة؟

قال السائل: أما الخلف المتقدمون، فلم يبتدعها أحد منهم، بل ابتدعها الخلف المتأخرون؟

قال: أهي وحي أوحي إليهم، أم علم لدني نالوه؟

قال السائل: لا هذا.. ولا ذاك.. ولكنهم مع ذلك مجمعون عليه.

قال: أي إجماع هذا.. هذا إجماع لا يختلف عن إجماع اليهود والنصارى..

قال: فكيف يعرفون أن المسترقي مسحور بهذا النوع من السحر؟

قال السائل: يذكرون لذلك علامات.. منها قلب الحقائق دائما في نظر المسحور، مما يؤدي في بعض الأحيان لاعتقاد الآخرين بإصابة الشخص بالجنون.

ومنها الشرود والنظرات غير الطبيعية، ومنها ما يلاحظ في نظرات المسحور من الدهشة والاستغراب، وذلك نتيجة لما يراه المسحور من قلب للحقائق والأمور.

ومنها محاولة الصدود عن الآخرين والعزلة عن الناس خوفا من قذفه بالجنون ونحو ذلك من أمور أخرى.

قال: فأكثر الناس قد يصاب بهذا لأي سبب من الأسباب!؟.. ومن لم يتعلم الشرود لم يتعلم التركيز..

ثم انصرف.. وهو يقول: حسبتنا ـ معشر السحرة ـ شر الناس، ولم أدر أن في الخلق من يجرؤ على كل هذه الدعاوى.

قلت للمعلم: ما بال عيسى ينصرف غاضبا؟

قال: هذا حال عيسى منذ تاب الله عليه، فهو لا يحب الكذب ولا الدجل.

قلت: لم؟

قال: لأن السحر يعتمد على الكذب والدجل.. ألا يصور الساحر الحقائق على خلاف ما هي عليه؟

قلت: بلى..

قال: فكل من فعل هذا تشبه بالساحر.

قلت: فالسحرة كثيرون إذن؟

قال: بهذا الاعتبار أكثر مما تتصور.. فالنمام الذي يفسد العلاقات شر من الساحر..

قلت: كيف هذا؟

قال: لأن الساحر ترد كيده بالمعوذتين، أما شر هذا فإنك لا ترده، ولو قرأت القرآن الكريم جميعا إلا أن تغلق أذنيك عن سماع نميمته.

قلت: يا معلم.. ما سر قدرة الساحر على التلاعب بالخيال([64]

قال: لن تعرف هذا حتى تعرف حقيقة بناء الإنسان.

قلت: والآن..

قال: لو أن أحدهم وضع نظاره محدبة أو مقعرة على عينيك.. كيف ترى الأشياء؟

قلت: أراها كما توحيها لي النظارة.. بل أستطيع أن أرى العالم كله يشع احمرارا أو يونع اخضرارا.

قال: فالسحر بما تعلمه من الشياطين يضع مثل هذه النظارة على العيون ليقلب بها الحقائق، وتظهر الأشياء على غير ما هي عليه.

قلت: ولكني لا أرى على عيون المسحورين نظارة.

قال: الساحر يتعامل مع البصيرة لا البصر([65]).. والبصيرة هي التي توحي للبصر بما يراه.

قلت: صحيح هذا.. فإني قد أكون جائعا، فأرى كل ما حولي خبزا يدعوني لأكله.. وأكون عطشانا فأجري خلف السراب لأبل به ريقي.

قال: ولهذا اعتبر البيان سحرا، فالساحر لا يقدر على ما يقدر عليه من آتاه الله لسانا.

قلت: فكل دعاة جهنم بهذا سحرة.

قال: أجل.. وليت الرقاة من قومك ينبتبهون لصد أباطيلهم، فهي أشد فتكا في الخلق من السحرة المشعوذين.

قلت: ولكنهم لن يبطلوا سحرهم إلا بتعلم السحر.

قال: فليتعلموه.. فذلك خير لهم من السحر الذي يمارسونه.

قلت: أهم يمارسون سحرا؟

قال: هم بتخليطهم على من يأتيهم وكذبهم عليه وتفريقهم بين المرء وزوجه بسببه أعظم خطرا من السحرة.

السحر التأثيري:

قلت للمعلم: هذا هو سحر التخييل، فما سحر التأثير؟

قال: سحر التأثير هو أثر لسحر التخييل.

قلت: ما تقصد؟

قال: تأثير السحر لا يعدو التخييل.

قلت: أتقصد أن الساحر لا يستطيع أن يؤثر في الأشياء؟

قال: كما أن الشيطان لا يستطيع، فالساحر أكثر عجزا منه.

قلت: إن من قومي.. ومن الرقاة خصوصا من يذكرون للساحر قدرات عجيبة.

قال: فما يقولون؟

قلت: اصبر علي معلم.. فإنهم يقولون أشياء كثيرة.

قال: اذكرها.. فلا يمكن أن نسكت عن ذكر عيوب الباطل.

قلت: من السحر ما يسمونه: (سحر المرض)، وقد ذكروا بأن الغرض منه إصابة الشخص بالآلام والأسقام، فتراه طريح الفراش عليل البدن، وقد تكون العلة في موضع واحد، وقد تنتقل من موضع إلى موضع، وكل ذلك بناء على ما يمليه ويفعله الساحر.

قال: أللساحر كل هذه القدرة؟

قلت: لقد قال بعض المشايخ في هذا: (وأما سحر المرض، فقد قيل إن أغلب الأمراض المستعصية هي بسبب الجن الذين يسخرهم الساحر فيلابسون الإنسان، ويحدث ذلك تعطيل بعض الأعضاء عن منافعها فينهك البدن، ويعظم الضرر، ولا يوجد في الطب له علاج سوى الأدوية المهدئة، والأولى استعمال الرقى النافعة المؤثرة، فلها تأثير كبير في تخفيف ذلك المرض كالسرطان والجلطة والشلل ونحوها)([66])

قال: وما ذكروا من أعراض هذا النوع من السحر؟

قلت: أعراض كثيرة جدا، فمنها مثلا ما يسمى: (سحر التشنجات العصبية)، ويقسمونه إلى قسمين:

قسم التشنجات العصبية قصيرة الأمد: وفيه يتعرض المسحور لتشنجات عصبية من فترة لأخرى دون أن تحدد بزمان أو مكان، وتستمر تلك التشنجات لفترات قصيرة الأمد نسبيا، وقد ترتبط تلك التشنجات أحيانا مع المؤثرات الاجتماعية للمريض، وتعتمد تلك التشنجات في قوتها على قوة السحر والساحر.

وقسم التشنجات العصبية طويلة الأمد: وفيه يتعرض المسحور لتشنجات عصبية من فترة لأخرى دون أن تحدد بزمان أو مكان، وتستمر تلك التشنجات لفترات طويلة نسبيا، وقد ترتبط تلك التشنجات أحيانا مع المؤثرات الخارجية للمريض، وتعتمد تلك التشنجات في قوتها على قوة السحر والساحر.

قال: فأعصاب الخلق بيد الساحر إذن؟

قلت: ليس أعصابهم فقط، بل أعضاؤهم أيضا.. فقد ذكروا ما يسمى بسحر الأمراض العضوية، ويقسمونه أقساما كذلك.

منها سحر الأمراض العضوية بتأثير كلي: وفيه يتعرض المسحور لأمراض وآلام تصيب جميع أنحاء الجسد، ويشعر المسحور من خلال هذا النوع بالتعب والإرهاق والخمول وعدم القدرة على القيام بأية أعمال.

ومنها سحر الأمراض العضوية بتأثير جزئي: وفيه يتعرض المسحور لمرض يتركز في جهة محددة من الجسم، وله أعراض معينة، وعند قيام المريض بالفحص الطبي يتبين سلامة كافة الفحوصات الطبية، وسلامة الجسم من أية أمراض عضوية.

ومنها سحر الأمراض العضوية المتنقلة: وفيه يتعرض المسحور لأمراض وآلام متنقلة في جميع أنحاء الجسم، فتارة يشعر بألم في الرأس وتارة أخرى يشعر بألم في المفاصل وهكذا، وكل ذلك يحصل دون تحديد أية أمراض عضوية محددة.

قال: فالساحر هو الذي لديه خزائن الآلام إذن؟

قلت: لا.. بل لديه خزائن الحواس والمدارك أيضا، فقد ذكروا ما يسمى بسحر تعطل الحواس، ويقسمونه كذلك أقساما:

منها سحر تعطل حواس دائم: يتعرض المسحور من خلال هذا النوع لتعطل الحواس الخاصة بالسمع والإبصار والشم تعطلا دائما، فلا تعود تلك الحواس للمسحور إلا بعد إبطال السحر وشفاء المريض بإذن الله تعالى.

ومنها سحر تعطل حواس مؤقت: يتعرض المسحور من خلال هذا النوع لتعطل الحواس الخاصة بالسمع والإبصار والشم تعطلا مؤقتا، ويتقلب الحال من وقت إلى وقت ومن زمن إلى زمن.

ومنها سحر الشلل: ويقسمونه أقساما:

منها سحر شلل كلي: يتعرض المسحور من خلال هذا النوع لشلل كلي في جميع أنحاء الجسم، فلا يستطيع الحراك مطلقا، ولا تعود له عافيته إلا بعد إبطال السحر بإذن الله تعالى.

ومنها سحر شلل جزئي: ويتعرض المسحور من خلال هذا النوع لشلل جزئي يختص بمنطقة معينة كاليد أو القدم أو الرأس ونحوه، ويبقى العضو معطلا فترة من الزمن ثم يعود إلى سابق عهده، وتنتهي المعاناة بإذن الله تعالى عند انتهاء وإبطال السحر.

ومنها سحر شلل متنقل: يتعرض المسحور من خلال هذا النوع لشلل جزئي متنقل، فتارة يصيب الشلل منطقة اليد، وتارة أخرى منطقة القدم وهكذا، وكل ذلك دون تحديد أسباب طبية معينة، ولا ينقطع هذا الأمر إلا بعد إبطال السحر بإذن الله تعالى.

قال: فأراهم لم يتركوا علة إلا نسبوها للسحر؟

قلت: ليس ذلك فقط.. بل حتى الذرية، فإنها تحت تصرف السحرة.

قال: ولكن الله تعالى اعتبر ذلك من الهبة التي لا يجوز التأثير فيها لغير الله.

قلت: وهم يشركون السحرة في ذلك، فلا يولد الولد إلا إذا كف الساحر شره عن والديه، فقد ذكروا ما يسمى بسحر: (العقم وعدم الإنجاب) وذكروا أن هذا النوع من السحر يؤدي لإحداث عقم وعدم إنجاب لدى كل من الزوج والزوجة دون اتضاح أية أسباب طبية لمثل ذلك، وقد ذكروا في هذا الباب قدرات عظيمة للسحرة.

ومنها قتل البويضة: وهذا النوع يؤدي لقتل البويضة عند المرأة وبالتالي لا تتم عملية التلقيح، أو حصول أي حمل يذكر.

ومنها عدم قابلية تلقيح البويضة من قبل الحيوان المنوي: وهذا النوع يؤدي لمنع وصول الحيوان المنوي إلى البويضة لتلقيحها، وفي بعض الأحيان قد تصل بعض الحيوانات المنوية، ولكنها لا تستطيع اختراق الغلاف الخارجي الخاص بالبويضة مع قوتها ونشاطها.

ومنها إجهاض الحامل بعد شهرها الثالث: وهذا النوع يؤدي لقتل الجنين بعد عدة شهور من تكونه بعد نفخ الروح فيه، مما يتسبب في إجهاض المرأة، ويتبع السحرة أساليب شيطانية خبيثة للوصول إلى هذا الهدف ومنها تسليط الشياطين على الحامل وضربها في نومها وإسقاط الحمل أو إرعابها ومن ثم إسقاط الحمل ونحو ذلك من طرق خبيثة.

قال: فقد جعلوا السحرة آلهة مع الله يتصرفون في خلق الله.

قلت: هم يستدلون لهذا بحديث صحيح.

قال: لا أعلم أن هناك حديثا صحيحا ينص على مثل هذه الخرافات.

قلت: هم يستدلون بما روي عن أسماء أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة. قالت: فخرجت، وأنا متم – أي مقاربة للولادة -، فأتيت المدينة، فنزلت بقباء، فولدته بقباء، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فوضعه في حجره، فدعا بتمرة، فمضغها، ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالت: ثم حنكه بالتمرة، ثم دعا له وبرك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام – للمهاجرين بالمدينة -، قالت: ففرحوا به فرحا شديدا، وذلك أنهم قيل لهم: (إن اليهود قد سحرتكم، فلا يولد لكم)([67])

قال: فما وجه الاستدلال بالحديث؟

قلت: ما ورد فيه من إخبار اليهود بأنهم قد سحروهم.

قال: فقد أصبحت أخبار اليهود إذن من مصادر الشريعة.. لماذا لم يستدلوا عن عجز السحر عن هذا بولادة عبد الله.. ألم يقرؤوا ما ورد في وفاة سليمان u، فقد قال تعالى:{ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} (سـبأ:14)

قلت: بلى.. فقد بين الله تعالى للجن بما حدث لسليمان u عجزهم عن إدراك علم الغيب.

قال: وكذلك بين لليهود بولادة عبد الله عجزهم عن التحكم في مخلوقات الله.

قلت: وهم لا يكتفون بهذا.. بل يجعلون للسحرة القدرة على بث الخمول والكسل في المجتمع بالسحر الخاص بهذه الناحية.

قال: وإلى ما يقسمونه؟

قلت: إلى قسمين:

قسم يسمونه سحر خمول دائم: يتعرض المسحور من خلال هذا النوع لخمول دائم ينتاب جميع أنحاء الجسم، فيشعر المريض دائما بالفتور والخمول وعدم القدرة على العمل أو ممارسة أي نشاط يذكر.

ومنها سحر خمول مؤقت: ويتعرض المسحور من خلال هذا النوع لخمول مؤقت ينتابه بعض الفترات ويتراوح ذلك بحسب قوة السحر وتأثيره، فيشعر المريض أحيانا بالفتور والخمول وعدم القدرة على العمل أو ممارسة أي نشاط يذكر، وتارة أخرى يكون نشيطا قويا يعيش كأي إنسان طبيعي آخر.

قال: فقد عرف الرقاة إذن علل تخلف الأمة.. فلماذا يجهد مفكروكم عقولهم في البحث عنها.

قلت: لا.. هم لم يتكلموا عن هذه المسألة، ولم يبحثوا فيها..

قال: لا.. بل بحثوا فيها.. فسحرة قومك استأجرهم بعض اليهود.. أو بعض جن اليهود ليسحروا الأمة جميعا بالخمول.. فلذلك كل ما تراه من خمول هو بسبب هذا السحر.. ولن تستطيعو النهوض إلا بعد البحث عن المكان الذي وضعوا فيه سحرهم لتعود الأمة إلى رشدها.

قلت: فالحل بسيط إذن..

قال: بل الحل معقد جدا.. فمكان العمل الذي عملوه لن تصلوا إليه أبدا إلا إذا وصلتم إلى ما وصل إليه اليهود من تكنولوجيا متطورة.. فقد استعمل اليهود ما وصلوا إليه من تطور لإخفاء العمل الذي عملوه.

قلت: يا معلم.. أراك تنكر كل ما ذكرته.. فإلى ما تستند في إنكارك؟

قال: إلى قوله تعالى:{ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} (الإسراء:36)

قلت: فما في هذه الآية من الاستدلال؟

قال: لقد نهانا الله تعالى أن نتكلم فيما ليس لنا به علم.. وهذا مما ليس لنا به علم.

قلت: كيف ذلك؟

قال: متى تكلم العلماء عن أنواع الجراثيم؟

قلت: بعد أن اكتشفوها.

قال: بم اكتشفوها؟

قلت: بالأجهزة المكبرة.

قال: فإذا وصلتم إلى أجهزة تكشف السحر.. ففصلوا وقسموا كما تشاءون.

قلت: وقبل ذلك.. هل نترك السحرة يعيثون في الأرض فسادا؟

قال: لن يطيقوا أن يفعلوا شيئا إلا إذا أعطيتموهم أنتم جواز السفر إلى ذواتكم.

قلت: فما ترى من الأضرار التي يمكن للسحرة فعلها؟

قال: شيء واحد.. لا علاقة له بأجسادكم([68])، فلا تخافوا عليها.

قلت: وما هو؟

قال: لقد ذكر الله تعالى ضرر السحرة حاصرا له في ضرر واحد.

قلت: وما هو؟

قال: التفريق بين المرء وزوجه، ألم تسمع قوله تعالى:{ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} (البقرة:102)

قلت: وما وجه الاستدلال في الآية.. ألا يمكن أن يكون ما ذكر هو بعض آثار السحر وتأثيراته؟

قال: لا.. النص لا يحتمل ذلك.. فالله تعالى جعل قوله:{ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } تعريفا للسحر بذكر آثاره.. ولا يمكن للتعريف إلا أن يكون جامعا للمعرف.

قلت: أريد مثالا على ذلك؟

قال: أرأيت لو أن شخصا عرف الطب بأنه العلم الذي يداوي الزكام، أيكون هذا التعرف صحيحا؟

قلت: لا شك في كونه غير صحيح.

قال: لم؟

قلت: لأنه قصر الطب على وظيفة بسيطة من وظائفه.

قال: ولو عرفه بأنه: (ما يداوي العلل المختلفة)

قلت: حينها سيكون تعريفا صحيحا مقبولا؟

قال: فكيف يتهم القرآن الكريم إذن بالقصور في تعريف السحر؟

قلت: فالسحر إذن يقتصر على قدرة واحدة هي التفريق بين الأزواج.

قال: نعم.. وهو ما نص عليه القرآن الكريم.. وهو تفريق يعتمد على التخييل الذي هو وسيلة الساحر الوحيدة.

قلت: كيف يكون التخييل؟

قال: الساحر المتقن لسحره قد ينجح في التأثير في مخيلة الزوج مثلا، فيرى زوجته في صورة بشعة تتقزز منها نفسه، فيبغضها أو يطلقها.

قلت: إذن علاقته مع الأزواج فقط.

قال: لا.. بل مع كل المتحابين.

قلت: هذا معروف ومشتهر، ويسمونه: (العطف والصرف)، فيجعلون الإنسان ينعطف على زوجته أو امرأة أخرى حتى يكون كالبهيمة تقوده كما تشاء، والصرف بالعكس من ذلك([69]).

وفي النصوص ما يشير إليه، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك)، والتولة([70]): ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره، وجعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر ويفعل خلاف ما قدره الله تعالى.

وقد يسمون العطف: (سحر المحبة)، وهو عمل وتأثير يسعى الساحر من خلاله للجمع بين المتباغضين والمتنافرين، أو الجمع بين الأشخاص عامة لأسباب معينة بناء على توصية من قام بعمل السحر.

وقد ذكر بعض العلماء من آثار هذا النوع من السحر قصة عجيبة يتداولها العامة لست أدري مدى صدقها.

قال: وما قال؟

قلت: ذكر أن امرأة رأت من زوجها شيئاً من الإعراض وعدم المودة التي تريدها منه، فهو يعطيها حقها ويعاملها كسائر النساء، لكنها تريد منه أكثر من ذلك من المحبة والبقاء عندها والملازمة لها، فدخلت عليها عجوز تعمل السحر، فأخبرتها بخبر زوجها، فأعطتها العجوز دواء في صرة، وأمرتها أن تجعله في طعامه، ولكن المرأة تورعت فجعلت الدواء في رغيف وأطعمته داجناً عندهم، فبعد أن أكله ذلك الداجن علق بها، فصار يتبعها ولا يفارقها ولا يستقر حتى يلصق رأسه ببطنها أو يجعله في حجرها وصار يلاحقها أينما ذهبت، فعجب زوجها من أمرها وأمره، ثم إنها أخبرت زوجها بأنها صرفت هذا الدواء عنه، ولو أعطته الدواء لفعل كما فعل الداجن، فلما أخبرته بادر بطلاقها، وقال: أخشى في المرة الثانية أن تجعليه في طعامي([71]).

قال: ما لعلمائكم وهذه الأمور!؟.. وأي فرق بين العامة والعلماء إذا خاض العلماء في هذا!؟

قلت: أتنكر هذا؟

قال: يجب أن أنكره.. لقد ذكر الله تعالى أن هؤلاء السحرة يفرقون بين المرء وزوجه، ولم يقل يحببون بين المرء وزوجه.. وما كان لي أن أغادر ما نص عليه القرآن الكريم لأي لغو يرويه عامي أو ينقله عالم.

قلت: والتولة؟

قال: لقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم أنها من الشرك، ولم يذكر أنها من السحر.. ولم يذكر لها صلى الله عليه وآله وسلم أي أثر.

قلت: لقد ذكروا لهذا النوع من السحر آثارا وأعراضا من خلالها يقوم الرقاة برقاهم؟

قال: ما هي؟

قلت: من الأعراض التي ذكروها 1. تغير الأحوال بشكل فجائي من كراهية وبغض إلى ود وحب.. ومنها عدم حصول أية مشكلات اجتماعية مع توفر كافة الأسباب الصغيرة والكبيرة لمثل تلك المشكلات .. ومنها القدرة الكبيرة على التكيف الاجتماعي والعاطفي مع الآخرين ممن عطفوا على المريض بواسطة السحر.. ومنها 4. المحبة المطلقة للأقوال والأفعال الصادرة عن هؤلاء الأشخاص.. ومنها حسن الظن والثقة المطلقة بهؤلاء الأشخاص.. ومنها رؤية هؤلاء الأشخاص بأشكال حسنة جميلة محببة للنفس.. ومنها المحبة المطلقة لأماكن تواجد هؤلاء الأشخاص.

قال: أرى رقاتكم هؤلاء يحرمون المحبة بين الناس بنشر مثل هذه الخرافات.

علاج السحر:

ذهبنا للقاعة الثانية، وهي القاعة المتخصصة في علاج من أصيب بالسحر، وقد فوجئت بأني لم أجد فيها إلا أفرادا محدودين بخلاف القاعة السابقة، فسألت المعلم عن سر ذلك، فقال: إن أكثر من جاءوا هذا المستشفى لعلاج السحر تبين لهم في قاعة التشخيص أنهم كانوا متوهمين، فلذلك رجعوا من حيث أتوا، مكتفين بذلك.

قلت: ولكني رأيت الخارجين مستبشرين.

قال: وما لهم لا يستبشرون.. لقد كان ما أوهموا به من سحر يقيد أرجلهم عن كل حركة، فلما علموا عجز السحر انطلقوا ونشطوا.. وكأنما نشطوا من عقال.

قلت: وهؤلاء الحاضرون في هذه القاعة؟

قال: هؤلاء شكوا في إمكانية أن يكون ما أصابهم نوع من السحر.

قلت: شكوا فقط.. ولم يتيقنوا.

قال: ليس في هذا الباب شيء يسمى اليقين.. إلا إذا أخبرك معصوم بهذا..

قلت: فما العلاج الذي يعطى لهؤلاء هنا؟

قال: لقد أنزل الله برحمته المعوذتين.. وهما رحمة من الله تكفيان الأمة عن كل تعويذة، وعن اللجوء لأي راق.

قلت: كيف هذا؟.. أيمكن أن نكتفي بالمعوذتين من دون الرجوع لأي راق لفك السحر؟

قال: أجل.. ألم يرو في الحديث أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنسان فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما ([72]).

قلت: ولكن العلماء يبالغون كثيرا في وجوب البحث عن السحر لفكه، وقد قال ابن باز: (ومن علاج السحر أيضا – وهو من أنفع علاجه – بذل الجهد في معرفة موضع السحر من أرض أو جبل أو غير ذلك فإذا عرف واستخرج وأتلف بطل السحر)([73])

 قال: لا.. هذا ليس صحيحا.. فبدل أن نكلف العامة بالبحث عن موضع السحر، وببذل الجهد في ذلك نكلفهم بالالتجاء إلى الله، وهو يكفيهم كل سوء رأوه أو لم يروه.. ثم من قال للعامة بأنهم مسحورون حتى يبذلوا جهودهم في البحث عن موضع السحر.

قلت: الأعراض التي يراها الرقاة.

قال: لو طبقنا الأعراض التي ذكروها على جميع الناس لوجدنا الخلق جميعا مسحورون.. ولو راعينا ما ذكروا لأغلقنا جميع المستشفيات أو لحولناها إلى مراكز رقية، وحولنا مراكز البحوث إلى مراكز بحوث عن مواضع السحر.

قلت: وقد ذكروا من أساليب العلاج السدر، فقد ورد في كتب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر، فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ آية الكرسي والقواقل([74])، ثم يحسو منه ثلاث حسيات، ثم يغتسل به، فإنه يذهب عنه كل ما به، وقد ذكروا أنه جيد للرجل إذا حبس عن أهله)([75])

قال: ومن وهب بن المنبه؟

قلت: رجل من اليهود أسلم، فكان من التابعين.

قال: وهل أسلم لتعلموه، أم ليعلمكم؟

قلت: لا أخفي عليك ـ يا معلم ـ لقد تعلمنا عنه كثيرا.

قال: فارموا بكل ما تعلمتموه منه عرض البحر.. فقد أتاكم بها صلى الله عليه وآله وسلم نقية صافية، فأبيتم إلا تدنيسها برجس اليهود والنصارى.

قلت: ولكن قومي تلقوا قوله هذا بالقبول، وهم يفتون الناس بهذا.. ولهذا أصبح السدر عندنا من السلع الغالية.. وقد ذكر بعض كبار المفتين عندنا وصفة يبيعها الرقاة بوزنها ذهبا([76]).

 قال: وما للمفتين وهذا!؟.. إن دورهم هو تبيين أحكام الله التي نص عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا التي نص عليها وهب بن منبه.

قلت: ولكنها مجربة، وقد قال بعض علمائنا المعتبرين عن تلك الوصفة: (وكذا رقيت على بعض الأقارب أو الأحباب الذين حبسوا عن نسائهم، بما ذكره ابن كثير من ورقات السدر، وقراءة الآيات التي ذكرها، فوقع الشفاء بإذن الله)([77])

قال: عجبا لكم ولعلمائكم.. لا تعد لرواية مثل هذه الأمور.. فإني أشعر بالأسى عندما أسمع هذا.. إن العالم في الأمة خليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا ينبغي أن يجاوز ما كان صلى الله عليه وآله وسلم يفعله.. فهل رأيت صلى الله عليه وآله وسلم فعل هذا؟

قلت: لا..

قال: فاكتفوا بما فعله.. ولا تبتدعوا، فكل بدعة ضلالة.

قلت: ولكن الرقية مما يجوز فيه الاجتهاد.

قال: ومن قال ذلك؟.. ومن قال بأن هناك رقية للسحر أصلا، ألم يحصر صلى الله عليه وآله وسلم الرقى في العين وذوات السموم؟

قلت: بلى.. ولكن العلماء يقيسون.

قال: ما أورد إبليس في الضلالة إلا قياسه..

قلت:..

قال: سنذهب إلى قاعات الرقى، وسنرى الأحكام المرتبطة بها، فلا تعجل.

الاستعاذة من العين

قصدنا القاعة الثالثة من قاعات حصن الاستعاذة، فرأيت لافتة مكتوبا عليها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (استعيذوا بالله من العين، فإن العين حق)([78])

قلت للمعلم: أهذه هي القاعة التي تعالج فيها العين؟

قال: أجل.. فقد ذكر هذا الحديث المرض وعلاجه.. وفيه ما يغني عن كل تلك الأسفار التي اشتغلتم بها، وشغلتم الناس.

قلت: هذا صحيح.. فإن قومي يبالغون في أمر العين كثيرا.. بل لو تتبعت كلامهم لتصورت أن كل ما يحدث في الكون من حوادث ليس إلا أثرا من آثار بعض العيون السامة.

قال: فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ لذلك ـ أثبت تأثير العين، ولكنه لم يكتف بذلك، بل أعطى العلاج الشرعي الذي يكف شرها.

قلت: تقصد الاستعاذة.

قال: أجل.. فهي وحدها الكافية الشافية، ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يعوّذ الحسن والحسين بقوله: (أعيذكما بكلمات اللّه التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة)، ويقول: (هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل ـ عليهما السلام ـ)([79])

قلت: ولكن العين خطيرة، إنها تدخل الرجل القبر، والجمل القدر([80]

قال: وهل يمكن للعين، أي عين أن تقتحم أسوار قوله تعالى:{ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} (الفلق:5).. الحق أقول لك: إن العين أضعفا شأنا، وصاحبها أهون أمرا من أن نلتفت إليه أو يستعبدنا..

ولهذا لم يأت في آية واحدة من القرآن الكريم: (إن العين لكم عدو مبين)، بل عدونا الوحيد المبين هو الشيطان الرجيم بوساوسه، لا بصرعه، قال تعالى:{ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (فاطر:6)

ثم سكت هنيهة، وصاح، وكأنه يخاطب اللاشيء: ارجع أيها الخائف من العين إلى ربك، واسأله مزيد نعمه، ولا تخف أن يسلبها منك أي عائن، بل خف معاصيك وانحرافك وجحودك ولجوءك لغير حصون الله.. أما إذا أبيت إلا أن تخاف هؤلاء، فاسمع لما يقول الله تعالى فيمن استجار من الرمضاء بالنار، قال تعالى:{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} (الجـن:6).. فلن يزيدك هؤلاء إلا رهقا وخوفا، ولن تشعر بلذة أي نعمة وعيون الناس ترمقك لتسلبها منك.

قلت: ولكن ورد في السنن ما يدل على الاسترقاء من العين بالاغتسال وغيره، فقد ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقت العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا)([81])

قال: هذا صحيح.. ولكن الرقية ـ كما سنرى رخصة ـ والكمال في الاكتفاء بالاستعاذة التي كان يفعلها صلى الله عليه وآله وسلم، ويخبر أن الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ كانوا يفعلونها، ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم في السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم (هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون)([82])

قلت: ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا رقية إلا من عين أو حمة أو دم لا يرقأ)([83])

قال: هذا صحيح، ولكنه لا ينافي كونها رخصة، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصفهم بكونهم لا يكتوون مع ورود النصوص بإباحة الكي.

قلت: فلم كان الأمر كذلك؟

قال: لقد وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السبعين ألفا بكونهم (على ربهم يتوكلون) والمتوكل هو الواثق في الله الراضي بتحصين الله المكتفي به، أما القاصر عن هذه الرتبة، فإنه يحتاج إلى أسلحة أخرى رخص فيها صلى الله عليه وآله وسلم كالاغتسال ونحوه..

قلت: ولكن ـ يا معلم ـ ألم يبلغك حديث سهل بن حنيف، فقد روي أن أباه حدّثه: أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم خرج وساروا معه نحو مكة، حتى إذا كانوا بشعب الخرار من (الجحفة) اغتسل سهل بن الأحنف، وكان رجلاً أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة أخو بني عدي بن كعب وهو يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، فلبط سهل، فأتى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فقيل له: يا رسول اللّه هل لك في سهل؟ واللّه ما يرفع رأسه ولا يفيق، قال: (هل تتهمون فيه من أحد؟)، قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة، فدعا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم عامرا فتغيظ عليه، وقال: (علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلا إذا رأيت ما يعجبك برّكت؟)، ثم قال: (اغتسل له)، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبته وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صبَّ ذلك الماء عليه، فصبه رجل على رأسه وظهره من خلفه، ثم يكفأ القدح وراءه ففعل ذلك فراح سهل مع الناس ليس به بأس([84]).

قال: هذه حادثة خاصة([85]).. ولا يمكن القياس عليها([86])، ولا اعتبارها من الكمال.

قلت: كيف هذا؟

قال: أرأيت لو أن شخصا مثل سهل مر في شارع، فأصابته عيون الشارع جميعا، أو ظهر على هذه الشاشات التي تعتكفون عليها، فأصابته عيون الملايين، كيف يتعامل مع عيونهم؟

قلت: في ذلك الحين يكفيه أن يستعيذ.

قال: فكيف تأمره بالاستعاذة إذا صوبت إليه سهام الملايين، ولا تأمره بها إذا أصابه سهم واحد؟

قلت: السهم الواحد يمكن استغساله بخلاف السهام الكثيرة.

قال: وهل الاستعاذة تكفي من غير حاجة إلى الاغتسال؟

قلت: ورد النص بالاغتسال.

قال: وورد النص بغيره، بل ورد ما يدل على أن الكمال في غيره ألم تقرأ رقية جبريل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

قلت: بلى.. فعندما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أتاه جبريل u، فقال: (باسم اللّه أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من كل حاسد وعين واللّه يشفيك)([87])

قال: فهذه الاستعاذة كافية شافية، وهي لا تحتاج إلى ما يفعله رقاتكم مما يسمونه رقية التشخص.

قلت: كيف هذا؟

قال: لقد دعا جبريل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعاء شاملا، فقال: (من كل شيء يؤذيك)، وهذا يكفي.. فلا يضرك أن تعلم المصدر الذي يؤذيك أو لا تعلمه.

قلت: اضرب لي مثالا يوضح لي هذا.

قال: أرأيت لو اشتريت ما تسمونه بالمبيد، وكان في هذا المبيد قدرات هائلة بحيث تقتل جميع أنواع الحشرات، ثم جهلت أنت بعض هذه الأنواع.. أفترى المبيد فاتكا بها، أم أنه لا يفتك بها حتى تعرف ذلك النوع؟

قلت: لا يحتاج المبيد مني إلى معرفة ذلك.

قال: فهكذا فعل جبريل u مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قلت: ولكنه جبريل.. وما أدراك ما جبريل؟

قال: فإن لم تقتدوا بجبريل u، فبمن تقتدون؟.. أبإبليس؟

قلت: من الأمور التي نصوا عليها من باب الوقاية من شر العين، ستر محاسن من يخاف عليه من العين.

قال: فبم استدلوا على ذلك؟

قلت: هذا أمر يكاد يكون متفقا عليه، فقد روي أن عثمان رأى صبيا مليحا، فقال: (دسموا نونته([88])، لئلا تصيبه العين)([89])

وقد قال الشاعر:

ما كان أحوج ذا الكمال إلى     عيب يوقيـه مـن العين

ونتيجة لهذا، نص كل من تكلم في هذا الباب على هذا النوع من الوقاية، وقد قال محمد بن مفلح: (وليحترز الحسن من العين والحسد بتوحيش حسنه)([90])

وقد اعتبر بعضهم هذا مما شرعه الله من أسباب الوقاية مستدلا عليه بقوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ } (النساء – الآية 71) قائلا: (وهو يعم الحذر من كل ما فيه ضرر على النفس أو المال)([91])

قال: إن هذا الكلام يحمل أنفاسا من شؤم التطير، وخطره عظيم، لأن الأدلة الشرعية تأمر بإظهار نعمة الله لا سترها، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من كان له شعر فليكرمه)([92])، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله تعالى جميل يحب الجمال ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويبغض البؤس والتباؤس)([93])

قلت: ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود)([94])

قال: إن هذا الحديث لا يدل على هذا المعنى، بل هو من جنس قوله تعالى على لسان يعقوب u:{ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} (يوسف:5)

فالخوف الذي خافه يعقوب u هنا ليس خوفا من العين، وإنما الخوف من كيد إخوته له، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالكتمان عن الحسدة حتى لا يسعوا في خلاف مقصود المحسود.

قلت: وما تقول فيما قال المفسرون من قوله تعالى:{ وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} (يوسف:67)، فقد أطبق المفسرون على اعتبار نهيه إياهم عن الدخول من باب واحد من باب الخوف من العين.

قال: لا ينافي ذلك ما ذكرنا، لأنه لا يحصل بدخولهم من أبواب متفرقة أي مضرة، فهم لم يكتموا أي نعمة.

زيادة على أن مراد يعقوب u هو الاحتياط الأمني لهم، ذلك أن دخول هذه المجموعة إلى مصر والسير في شوارعها، قد يثير الحسد والبغضاء في بعض النفوس الضعيفة فيسعون ضدّهم عند السلطان ويظهرونهم كمجموعة أجنبية تحاول العبث بأمن البلد ونظامه، فحاول يعقوب u أن يجنبهم بنصيحته عن هذه المشاكل([95]).

قلت: وما الخطر في هذا النوع من الوقاية؟

قال: خطره أنه جر سلوكيات كثيرة منحرفة في المجتمع، تقرب من التطير المنهي عنه، فلذلك كان الأولى منعه، والاكتفاء بما ورد في النصوص الصحيحة من التعويذات.

فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدسم نونة الحسن والحسين مع جمالهما وكمالهما وكونهما من آل بيت النبوة، وإنما كان يعوذهما بقوله: (أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة) ويقول: (هكذا كان إبراهيم يعوذ اسحق واسماعيل عليهما السلام)([96])

وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلمإذا أوى إلى فراشِهِ نَفَثَ فى كَفَّيْهِ:{ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ } والمُعَوِّذَتَيْن. ثم يمسحُ بهما وجهه، وما بلغت يدُه من جسده.

قلت له: مما ذكروه من أساليب الوقاية من العين(الإحسان إلى من عرفت أصابته بالعين كإحسان الغني إلى الفقير المستشرف لما في يد الغني)([97]) كأسلوب من أساليب الوقاية.

قال لي: بأي نص استدلوا؟

قلت: لا أعلم أنهم ذكروا نصا.

فقال: فهذا كلام بلا علم، بل بما يناقض العلم، فمن أي الأبواب يدخل هذا الإحسان؟، هل هو من الصدقات؟ أو من الهبات؟

قلت مازحا: لعله يخرجه من الزكاة ليضعه في نصيب المؤلفة قلوبهم.

ضحك، وقال: وأخير تحول الحاسد إلى المؤلفة قلوبهم.

 قلت له: ما تقول فيما ذكره العلماء من معاقبة العائن، كقول ابن القيم: (وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء أن من عرف بذلك حبسه الإمام وأجرى له ما ينفق عليه إلى الموت وهذا هو الصواب قطعا)([98])

ومثله قول العيني ناقلا عن القاضي عياض ناقلا عن بعض العلماء: (ينبغي إذا عرف واحد بالإصابة بالعين أن يجتنب وأن يحترز منه وينبغي للإمام منعه من مداخلة الناس، ويلزمه بلزوم بيته، وإن كان فقيرا لزمه ما يكفيه فضرره أكثر من آكل الثوم والبصل الذي منعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من دخول المسجد لئلا يؤذي الناس ومن ضرر المجذوم الذي منعه عمر)([99])

قال: كيف يقولون هذا، وهم يعلمون أن العقوبات في الشرع مقدرة، وأنها مع ذلك تدرأ بأبسط الشبهات، فكيف يسمح لموسوس مغرور منبهر بكمالاته أن يحبس الناس مدى الحياة لكونهم أعجبوا بطلعته البهية، أو جماله الرائع؟

ثم ما هذا القياس الذي قاسوه، وهل حبس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آكل الثوم والبصل؟

ثم كيف يقاس الثوم والبصل والجذام، وهما من الشهادة على العين، وهي غيب؟

ثم لماذا لم يحكموا بفقأ عينه، فهي المعاقبة، لا هو، ولعل ذلك أرحم له من الحبس مدى الحياة؟

قلت: فقد ذكروا صيغا وأورادا مجربة في دفع شر العين.

قال: فاعرض علي ما ذكروا.

قلت: من الأمثلة القديمة على ذلك ما ذكره ابن القيم في الكتاب الذي خصصه لهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال: (من الرقى التى ترد العين ما ذكر عن أبى عبد الله الساجى، أنه كان فى بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فارهة، وكان فى الرفقة رجل عائن، قلما نظر إلى شىء إلا أتلفه، قيل لأبى عبد الله: احفظ ناقتك من العائن، فقال: ليس له إلى ناقتى سبيل، فأخبر العائن بقوله، فتحين غيبة أبى عبد الله، فجاء إلى رحله، فنظر إلى الناقة، فاضطربت وسقطت، فجاء أبو عبد الله، فأخبر أن العائن قد عانها، وهى كما ترى، فقال: دلونى عليه. فدل، فوقف عليه، وقال: بسم الله، حبس حابس، وحجر يابس، وشهاب قابس، ردت عين العائن عليه، وعلى أحب الناس إليه، { فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ }(الملك: 3-4) فخرجت حدقتا العائن، وقامت الناقة لا بأس بها)([100])

قال: ما هذا؟ لا يصح أن يذكر هذا في كتاب خصص لهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

قلت: فما تنكر منه؟

قال: لا شيء في هذا النص معروف، بل كله منكر، فهذه صيغ غريبة، تحمل عقائد غريبة وسلوكا غريبا لا علاقة له بعقائد الإسلام ولا سلوكه.

فما كل تلك الثقة بتلك الألفاظ المسجوعة التي لا تختلف عن ألفاظ مسيملة؟

أو ليس في ذكرها بتلك الثقة دعوة للاستعاضة عن استعاذت القرآن والسنة، فقد ذكرها، وكأنها الطلسم الذي ينفي كل سحر، ويحل كل تعويذة؟

ثم لماذا ترد العين على أحب الناس إليه، وما ذنب المسكين حتى يتحمل جريرة العائن؟

ثم لماذا تحور معاني القرآن الكريم لغير ما أنزلت له؟

ثم لماذا كانت الناقة أهم عنده من أخيه، فقد أقام ناقته بتعويذته، وأخرج حدقتي عين أخيه؟

ثم ما معنى (حَبْسٌ حابسٌ، وحَجَرٌ يابِسٌ، وشِهابٌ قابِسٌ)؟

وأسئلة غيرها كثير لا نوجهها إلى ابن القيم، وإنما نوجهها لمن ينشر مثل هذه الشعوذات لينسخ بها المعوذات التي وردت بها النصوص.

قلت: والخطر الأكبر فيما ذكره ابن القيم لا يقتصر على إقراره مثل هذا، بل في إتاحة الفرص لمن يضع مثل هذا الدجل.

قال: أهناك غير هذا؟

قلت: كثير جدا.. وسأقتصر على مثال يكفي وحده لبيان مدى الدجل الذي تحمله الرقية المعاصرة، فقد ذكر بعضهم كيفيات مختلفة لعلاج الحسد، كوصفات تتعلق بالأمراض المختلفة.

فمنها كيفية علاج الحسد في الصحة والجمال، وهذه الكيفية ننقلها بحروفها فيما يلي: (يستمر علاج الحسد في الصحه والجمال إلى ثلاثة أيام وهي على النحو التالي: في اليوم الأول: الاغتسال بماء الوضوء غسلا شرعيا بعد صلاة الفجر وقبل بزوغ الشمس، وبعد الاغتسال، قراءة مجموعة المعوذات، وبعد صلاة الضحى قراءة سورة يس، وبعد صلاة الظهر قراءة الرقى الشرعية، وبعد صلاة العصر قراءة سورة  يوسف وبعد صلاة المغرب قراءة مجموعة التسابيح، وبعد صلاة العشاء قراءة الرقى الشرعية، وبعد صلاة قيام الليل قراءة مجموعة الاستغفار

 وفي اليوم الثاني: الاغتسال بماء الوضوء غسلا شرعيا بعد صلاة الفجر وقبل بزوغ الشمس، وبعد الاغتسال قراءة الرقى الشرعية، وبعد صلاة الضحى قراءة الأذكار الصباحية، وبعد صلاة الظهر قراءة مجموعة المعوذات، وبعد صلاة العصر قراءة سورة الكهف ، وبعد صلاة المغرب قراءة مجموعة التسابيح، وبعد صلاة العشاء قراءة الرقى الشرعية.

 وفي اليوم الثالث: الاغتسال بماء الوضوء بعد صلاة الفجر وقبل بزوغ الشمس غسلا شرعيا، وبعد الاغتسال قراءة الرقى الشرعية، وبعد صلاة الضحى قراءة سورة  المزمل، وبعد صلاة الظهر قراءة مجموعة المعوذات، وبعد صلاة العصر قراءة سورة المدثر ، وبعد صلاة المغرب قراءة الرقى الشرعية، وبعد صلاة العشاء قراءة مجموعة المعوذات، وبعد صلاة قيام الليل قراءة مجموعة الاستغفار)

وهذه كيفية أخرى خاصة بعلاج الحسد في المال والبنين..

قاطعني المعلم قائلا: حسبك .. بأي سند نقل هذا المبتدع كل هذه الكيفيات؟

قلت: لا سند لهذا..

قال: فهي شريعة جديدة وضعوها.. فحذر قومك منها.. وحذرهم من هؤلاء الذين يريدون أن ينسخوا شريعة العقل والحكمة بشريعة الشعوذة والخرافة.

قلت: ألا يمكن أن يقي العائن شر عينه عن الناس؟

قال: بلى، فقد ورد في النصوص ما يدل على إمكانية دفع العائن شر عينه عن الناس.

قلت: فماذا ورد من ذلك؟

قال: أن يقول: (اللَّهُمَّ بَارِكْ عليه)، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حُنيف: (ألا برَّكْتَ) أى: قلتَ: اللَّهُمَّ بارِكْ عليه.

ومثله كل الصيغ القريبة من هذا، كقول (ما شاء الله لا قُوَّة إلا بالله)

قلت: وما علاقة هذه الألفاظ بالوقاية من العين؟

قال: هذا يقودنا إلى سبب العين.

قلت: فما سببها؟

قال: العين القاصرة الحاسدة التي لا ترى فضل الله عليها، فدلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على النظر إلى قدرة الله الذي لا يعجزه شيء، فتكسر بقوة الإيمان رماح الحسد.

قلت: لا أقصد هذا.

قال: فما تقصد؟

قلت: لقد خاطبنا المؤمنين.. وبينت وجه الصواب في كيفية التعامل مع العين، فكيف نخاطب من ينكرها، ونبين له صدق اعتباره صلى الله عليه وآله وسلم العين حقا.

قال: هذا متكلم يبحث عن الشبهات ليرد عليها.. وسيجيبك.

قلت: إنها صدفة غريبة أن يحضر معنا.

قال: ليس هناك مكان للصدفة.. ألم تسمع قوله تعالى:{ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر:49)؟

تدخل الرجل الذي أشار إليه من غير أن أسأله، فقال: لقد كشفت الدراسات الحديثة([101]) أن للإنسان قدرات فوق القدرات التي نراها.. وهي ليست حكراً على أحد أو خاصية يتمتع بها أناس متميزون عن غيرهم، بل هي موجودة في معظم البشر، وأقل البشر، شريطة أن يدرك قدراته ويعرف الطرق لاستخدامها.

قلت: ما تقصد؟

قال: أنا لا أخاطبك أنت.. بل أخاطب الذين ينكرون العين.. والقوى الخارقة.

قلت: أنت تذكر أخبار الدراسات الحديثة.. فعلام استندت هذه الدراسات؟

قال: من الأمثلة الكثيرة التي رأتها القدرة على اختراق المادة بالنفس والتي امتلكها الشاب ماثيومانينغ من قرية لينتون قرب مدينة كامبردج، فقد كان باستطاعته طي الملاعق والسكاكين، وتغيير شكلها بمجرد النظر، وكان ينظر إلى عقارب الساعة فيوقفها عن الحركة، بل يستطيع إيقاف التيار الكهربائي..و ثبتت لديه القدرة على التأثير في سريان الدم في الأوعية والشرايين وكذلك التأثير على مرض السرطان.

ويعرف عن نابليون بونابرت أنه كان ذا نظرة حسد ثاقبة، فقد عرف عنه أنه إذا ثبت نظره على خصمه سبب له متاعب كبيرة، وإذا نظر بنظرته الحاسدة إلى شيء ما حطم ذلك الشيء.

قلت: فكيف تعرفت الدراسات الحديثة على مدى صدق هذا؟

قال: بوسائلها المعروفة.. وسأذكر لك نموذجا عن هذا بأكثر هذه الحالات غرابة، وأكثرها مصداقية، وذات توثيق علمي، وهي التجربة التي أجريت على نيليا ميخايلوفا التي كان باستطاعتها أنها بمجرد النظر من على بعد ستة أقدام أن تفصل بياض البيضة عن صفارها مستخدمة في ذلك مقدرتها الخاصة جداً في تحريك الأجسام المادية عن بعد، ودون أن تقربها.

وقد أجريت هذه التجربة وسط حشد من العلماء بجامعة ليننجراد، وباستخدام آلات التصوير لتسجيل الحدث لحظة بلحظة، وباستعمال العديد من الأجهزة التي تقيس الضغط والنبض وأنواع الإشعاعات التي تسود المخ أثناء التجربة، وقد نجحت السيدة نيليا في فصل صفار البيضة عن بياضها خلال نصف ساعة، وقد كشفت الملاحظة وأجهزة القياس على جسد السيدة نيليا عن نشاط غير منتظم في القلب مع زيادة النبض.. وارتفاع شديد في نسبة السكر.. وفقدت رطلين من وزنها.. وخرجت من التجربة تعاني من الضعف بشكل عام.. وأصيبت بما يشبه فقدان البصر المؤقت.. وتعانى من آلام شديدة في الأطراف.. وظلت لعدة أيام بعد التجربة غير قادرة على النوم.. وفقدت قدرتها على التذوق.

وقد كان اكتشاف حالة السيدة نيليا بفضل العالم البيولوجي إدوارد فاموف، الأستاذ بجامعة موسكو، والذي أعد دراسات على قدراتها، وذلك باستخدام عيدان الثقاب التي تستطيع نيليا تحريكها بتمرير يدها عليها، وهي مبعثرة على طاولة، ثم باستخدام لوح زجاجي بين يديها وبين عيدان الثقاب.

قلت: فكيف فسرت هذه الدراسات هذه الأمور الخارقة؟

قال: لقد ذكرت الكاتبة والباحثة الإنجليزية والصحفية التي جمعت أخطر دراسات في مجال الطاقة (لين ماكتاجارات) في كتابها: (البحث عن سر قوة الكون) ما يبين تصورهم لسر هذا، فقد ذكرت أن الكون مزود بطاقة ومتصل ببعضه البعض، ويؤثر كل جزء فيه بالآخر، ويبنى على ما توصلت إليه دراسات الـ (Quanum Physics) التي خرجت بعد نيوتن، ونظريات ألبرت آينشتاين في الطاقة والزمان.

فإحدى هذه الدراسات، على سبيل المثال، درست الذرة، وما داخلها (نواة والكترون)، ويسمى هذا العلم الفيزياء الذرية، ثم درسوا النواة في الداخل والإلكترون، ويسمى هذا العلم الفيزياء النووية، ثم درسوا جزيئات النواة ويسمى هذا العلم فيزياء الأشياء أو الجزيئات.

 ومعلوم أن الإلكترون يلف حول النواة بعكس مدار الساعة ولما نظروا في دوران وحركة الجزيئات الصغيرة في النواة توصلوا إلى حقيقة مذهلة حيث أنها تتحرك يميناً أو شمالاً أو بدوران بحسب فكرة الباحث حيثما توقع تسير.

ولذلك توصلوا إلى أن الفكرة تؤثر في حركة الجزيئيات الداخلية في النواة، وبالتالي فإن الفكرة بقوتها قد تؤثر في النواة، وإذا كانت أقوى أثرت بالذرة، وإذا كانت أقوى أثرت بالبيئة المليئة بالذرات، كما يحصل للنفس الحاسدة أو التخاطر أو الكشف أو السحر أو الإلهام أو غيرها من أمور.

ملاجئ إلهية

قصدنا القاعة الرابعة من قاعات حصن الاستعاذة، فرأيت لافتة مكتوبا عليها قوله تعالى:{ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ} (الانفطار:10)

قلت للمعلم: ما هذه القاعة؟

قال: هذه القاعة تملأ صدرك بالثقة في الملاجئ التي وضعها الله لحمايتك.

قلت: ولكن الآية تتحدث عن الملائكة ـ عليهم السلام ـ

قال: لقد شرفكم الله ـ معشر بني آدم ـ بأن وكل الملائكة بحفظكم، فقال تعالى:{ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} (الأنعام:61)، وقال تعالى: {، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ} (الانفطار:10).. وهل يمكن لأي ظلمة أن تمحو نور الملائكة؟

قلت: لقد وردت الآثار التي تبين الوظائف التي وكل بها هؤلاء الملائكة ـ عليهم السلام ـ فعن علي قال: (ليس من عبد إلا ومعه ملائكة يحفظونه من أن يقع عليه حائط، أو يتردى في بئر، أو يأكله سبع، أو غرق أو حرق، فإذا جاء القدر، خلوا بينه وبين القدر)

وقال: (لكل عبد حفظة يحفظونه، لا يخر عليه حائط أو يتردى في بئر أو تصيبه دابة، حتى إذا جاء القدر الذي قدر له، خلت عنه الحفظة فأصابه ما شاء الله أن يصيبه)([102])

ومن مظاهر الحفظ ما عبر عنه ابن مسعود بقوله: (إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى ييسر له فينظر الله إليه، فيقول للملائكة اصرفوه عنه فإنه إن يسرته له أدخلته النار، فيصرفه الله عنه فيظل يتطير بقوله سبني فلان وأهانني فلان، وما هو إلا فضل الله عز جل)

قال: وقد نص القرآن الكريم على تعدد هؤلاء الملائكة الحفظة وتعاقبهم على الإنسان، فقال تعالى: { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} (الرعد:11) أي للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حرس بالليل، وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر.

قلت: فالإنسان بهذا الاعتبار محاط في كل وقت بأربعة ملائكة، اثنان عن اليمين والشمال، يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، وأحد من ورائه وآخر من قدامه.

قال: بل روي أكثر من هذا العدد بكثير، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وكل بالمؤمن ثلثمائة وستون ملكا، يدفعون عنه ما لم يقدر عليه من ذلك، للبصر سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل من الذباب في اليوم الصائف، وما لو بدا لكم لرأيتموه على كل سهل وجبل، كلهم باسط يديه فاغر فاه، وما لو وكل العبد فيه إلى نفسه طرفة عين، لاختطفته الشياطين)([103])

وقد روي من شدة حرص الملائكة ـ عليهم السلام ـ على من يوكلان به إلى درجات أنهم لا ينصرفون عنه إلا بعد الاطمئنان إلى تسليمه لمن يعقبهم من الملائكة ـ عليهم السلام ـ، قال أبو أمامة: (ما من آدمي إلا ومعه ملك يذود عنه، حتى يسلمه للذي قدر له)

قلت: فصحبة الإنسان للملائكة ـ عليهم السلام ـ دائمة؟

قال: أجل.. فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيوهم وأكرموهم)([104])

قلت: ولكن كيف تقول هذا ـ يا معلم ـ والإنسان قد تعتريه العوارض، وتنزل به الآفات، أترى الملائكة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ تقصر في وظائفها؟

قال: لا.. معاذ الله.. إن هذا الحفظ مرتبط بأمر الله، كما قال تعالى: {، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } (الرعد:11)، قال ابن عباس في تفسيرها: (ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر اللّه خلوا عنه)

قلت: فهل لسلوك الإنسان وعمله تأثير في هذا؟

قال: أجل.. لقد ورد في النصوص ما يدل على أن لأعمال الإنسان دورا في هذا الحفظ، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم لابن عباس: (يا غلام احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا على ذلك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا على ذلك قضى القضاء وجفت الأقلام وطويت الصحف)([105])

ولهذا ورد بعد قوله تعالى: {، لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} (الرعد:11) قوله تعالى: {، إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } (الرعد:11)

ويروى في هذا أن الله تعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: (إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة اللّه فيتحولون منها إلى معصية اللّه إلا حوّل اللّه عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون)

***

رأيت أبوابا كثيرة داخل هذه القاعة، فسألت المعلم عنها، فقال: هذه أبواب الملاجئ التي نصبها الله لعباده ليؤووا إليها فيقيهم من كل بلاء.

قلت: فهل سنزورها جميعا؟

قال: لا.. سنكتفي بزيارة ثلاثة منها.

قلت: فما أولها؟

قال: القرآن الكريم، فهو الكتاب الذي يضعك في محلك من هذا الوجود، وينفي عنك الوساوس التي تنفخها الشياطين.. وهو أكبر الملاجئ وأعظمها.

قلت: والثاني؟

قال: دعاء الله تعالى والاستعاذة به والاطراح بين يديه، وهو لجوء محض، وافتقار خالص.

قلت: والثالث؟

قال: هو الرقى الشرعية التي سنها لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي نوع من العلاج الخاص الممزوج بالوساطة والأسباب.

القرآن الكريم:

دخلنا القاعة الأولى، وقد كتب على بابها قوله تعالى:{ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } (الاسراء:82)

قلت: هل يبحث الأطباء في هذا القسم عن الآيات التي يمكن الاستشفاء بها للحالات المختلفة؟

قال: ما تقصد بذلك؟

قلت: لقد ذكر الله تعالى أن منه ما هو شفاء.. ومن تدل على البعضية.

قال: ولم لم تقل بأنها لبيان الجنس لا للتبعيض؟

قلت: لقد رأيت قومي يستعملون بعض الآيات في التداوي، ويخبرون بأنهم وجدوا لها تأثيرات معينة.

قال: فكيف تتعاملون مع الآيات التي اكتشفوها؟

قلت: نعتبرها من المجربات الناجحة، فنستعملها كما استعملوها.

قال: وتقعون في تحريف لكلام الله بسبب ذلك.

قلت: كيف؟

قال: تنحرفون بالقرآن الكريم عن هدفه.. فتصبح آيات القرآن الكريم طلاسم وتعاويذ.

قلت: وهل القول بكون القرآن الكريم جميعا شفاء يقي من هذا؟

قال: أجل.. لأنك تتعامل معه كليا، لا جزئيا.. وتتعامل مع معانيه وألفاظه، وهو ما يحفظك من مخاطر سوء التعامل معه([106]).

قلت: ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأولئك النفر عن الفاتحة: (وما أدراك أنها رقية)، وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم خصص سورا معينة للاستعاذة والدعاء.

قال: صدقت.. وقد ذكرت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي فعل هذا، وقاله.. فإن جاءنا الخبر عنه قبلناه.. أما إن جاءنا عن غيره.. فلا نقبله إلا إذا استدل له بما عرفنا من مصدر الشريعة.

ثم.. ألم تسمع قوله تعالى وهو يقرر كون القرآن الكريم علاجا شاملا لكل الأحوال:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (يونس:57)، وقال تعالى:{ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} (فصلت:44)

قلت: بلى.. وقد وعيت ما قلت.

رأيت رجلين في القاعة التي تعالج بالقرآن الكريم واقفين أمام ملأ من الناس، فسألت المعلم عنهما، فقال: هذان الرجلان يمثلان النوعان الأساسيان للعلاج بالقرآن الكريم، أما أحدهما، فيمثل جانب معانيه، وتأثيراتها التي نعرفها بالحس، وأما الآخر، فيمثل جانب ألفاظه ومعانيه، وتأثيراتها التي تأتينا من الغيب.

قصدنا الرجل الأول، وقد كان على ما يبدو عالما جليلا، قد تشرب معاني القرآن الكريم وانصبغ بها، فسمعناه يقول: إن الأدوية القرآنية التي جعلها الله شفاء لأمراض الصدور.. لا يؤتي أكلها، ولا ينجع التداوي بها إلا لمن تشرب معاني القرآن الكريم وفهمها حق فهمها.

ألم تسمعوا الله تعالى، وهو يقول:{ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً} (الاسراء:82)، فقد اعتبر القرآن الكريم شفاء للمؤمنين، ولكنه في نفس الوقت لا يزيد الظالمين إلا خسارا.

ألم تسمعوا قوله تعالى:{ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} (فصلت:44)، فقد أخبر تعالى أنه هدى وشفاء للمؤمنين، وأنه ليس سوى بلاء على غيرهم.

ولهذا.. فإن الذي لا يعير القرآن الكريم اهتمامه، ولا يتأدب معه فستنقلب وبالا عليه، فهو شفاء لمن عرف كيف يستخدمه، ووبال على من استعمله في غير ما أنزل له.

قال أحدهم: إنه في ذلك يشبه كل دواء استعمل في غير محله، فإن ضرره أكثر من نفعه.

قال: أجل.. ولهذا، فإن تأمل الآيات التي ورد الاستشفاء بها تدل على هذا المعنى..

تركنا الرجل الأول، وانتقلنا إلى الثاني، وهو المكلف ببيان التأثير الغيبي للعلاج بالقرآن الكريم، فسمعته يقول: لقد وضع الله تعالى في كلامه من الخواص ما يداوي العلل.

وقد ورد في النصوص ما يبين قدرات القرآن الكريم العلاجية، لا مع الأمراض النفسية وحدها، بل مع الأمراض الجسدية أيضا، ففي الحديث أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتوا على حي من أحياء العرب، فلم يقروهم فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: (هل معكم من دواء أو راقٍ؟ فقالوا إنكم لم تقرونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلاً فجعلوا لهم قطيعاً من الشاء فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ، فأتوا بالشاء فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسألوه فضحك وقال: (وما أدراك أنها رقية خذوها واضربوا لي بسهم)([107])

وفي الحديث أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث ([108]).

قلت: فهل كان لهذه القراءات تأثيرها العلاجي؟

قال: لا شك في ذلك.. وتأثيرها لا يزال يشهده الكثير.. بل قد وفقني الله تعالى، فأجريت([109]) بحثاً قيماً حول تأثير القرآن الكريم في هذه الناحية، حيث أخذت ثلاث مجموعات من الناس، وهم من الأميركان الذين لا يتكلمون اللغة العربية ولا يفهموها، ووصلتهم بالمقاييس الطبية الدقيقة كقياس ضغط الدم، ونبضات القلب، وتخطيط الدماغ، وتخطيط العضلات، وقياس درجة التعرق، وقرأت على المجموعة الأولى آيات من القرآن الكريم، وقرأت على المجموعة الثانية كلاما عاديا باللغة العربية، والمجموعة الثالثة للسيطرة.

فوجدت أن المتغيرات الفسلجية([110]) عند المجموعة الأولى التي قرأت القرآن الكريم عليها، وارتفاع ضغط الدم، وتقلص العضلات، وانتصاب الشعر، والتعرق، هذه المؤشرات –وظائف الأعضاء الفسلجية- تحسنت كثيراً للذين سمعوا القرآن الكريم، سماعا مجردا مع عدم فهم معناه، مقارنة بالمجموعات الأخرى.

وللتأكد من صحة هذا، نقلت المجموعات، فحصل للمجموعات الأخرى عندما سمعت القرآن الكريم نفس الاستجابة والتغيرات الإيجابية.

قال له بعض الحاضرين: ولكن نرى أن هناك من يستخدم الآيات القرآنية في هذا المجال، فيسيء الاستخدام.

قال: فماذا يفعلون؟

قال الرجل: أكثرهم لا يقرأ القرآن الكريم لكونه كلام الله يداوي بألفاظه ومعانيه، ولكن لجر من يتوهم أنه سبب العلة، وهو الجني ـ في أكثر الأحيان ـ المستولي على ضحيته الإنسية إلى مسرحية تطول أو تقصر بحسب وقت الراقي المشعوذ.

قال: دعك من أولئك.. فقد شغلهم الجن عن الله، وعن أنفسهم، وعن الرسالة التي كلفهم الله بأدائها.

قلت: ولكن ألا يحتمل أن يكون ما ذكروه صحيحا.. فقد يكون الإنسان مصابا بنوع من المس أو السحر أو العين أو غيرها من أعداء الغيب.

قال: ذلك ممكن.

قال: وهذا ما يدعوهم إلى بذل الجهد في التعرف على الحالات المختلفة لعلاجها.

قال: وهذا ما أخطأوا فيه..

قلت: فما وجه الخطأ؟

قال: المعالجات القرآنية عامة، فلا نحتاج ـ لكف شر السحر أو العين أو إذية الشياطين ـ أن نشخص الداء كما تشخص الأدواء الحسية.

قال أحدهم: أليس التشخيص مقدما على العلاج؟

قال: أجل.. ولكن هذه الأدواء من الغيب الذي لا نعلمه، وليس لدينا وسائل العلم به، زيادة على أن هذه الأدوية الشرعية شاملة، وتقضي على مثل هذه الأدواء عرفناها أو لم نعرفها.

فسورة الفلق مثلا تجمع أنواع الاستعاذات من العين والسحر وغيرها، وهي في ذلك تشبه دواء يقضي على مجموعة كبيرة من الأمراض، فإذا ما جهل متناوله مرضا من الأمراض، أولم يعلم كونه مصابا به، ثم تناول ذلك الدواء شفي منه بغض النظر عن علمه به أو جهله.

ولهذا من الأخطاء الكبيرة التي وقع فيها هؤلاء الرقاة المشعوذون ـ الذين ابتليت الأمة والدين بهم ـ هو احتكارهم لتشخيص هذه الأنواع من الأدواء، وكأن لديهم أجهزة خاصة تكشف هذه الأنواع من العلل.

قلت: ولكن العامة لا يقبلون منهم غير هذا.. بل إن العامي لا يثق بشفاء القرآن الكريم، إلا إذا أخبرته بأنه معان أو مسحور أو تنهشه أحياء الغيب التي لا يراها.

قال: ولكن هذا العامي لا يجسر عن سؤال الطبيب عن علته ليعرف كيف يتأقلم معها، بل يكتفي بتناول الدواء، ولكنه مع الراقي الذي عوده أن يطلعه على أعداء الغيب لا يسمح له، بل لا تعظم قيمة الراقي في عينه إلا إذا شخص له ذلك.

قلت: ولكن الراقي يتأيد بما يقول العلماء، وقد سمعت أحدهم يقول جوابا لمن سأله عن تشخيص المرض من قبل الراقي: (معلوم أن الراقي الذي تتكرر عليه الأحوال ويراجعه المصابون بالمس والسحر والعين ويعالج كل مرض بما يناسبه أنه مع كثرة الممارسة يعرف أنواع الأمراض النفسية أو أكثرها وذلك بالعلامات التي تتجلى مع التجارب، فيعرف المباشرة بتغير عينيه أو صفرة أو حمرة في جسده أو نحو ذلك، ولا تحصل هذه المعرفة لكل القراء وقد يدعي المعرفة ولا يوافق ذلك ما يقوله، لأنه يبني على الظن الغالب لا على اليقين)([111])

قال: لا ينبغي للعلماء أن يقولوا مثل هذا.. إنهم يفتحون بهذا أبوابا يصعب غلقها.

قال آخر: وقد سمعت بعضهم يحث المريض ـ لا إلى اللجوء إلى الله، ليرفع عنه بلاءه ـ وإنما للبحث عن الوسيط الخبير الذي له الحق وحده أن يقرع باب الله، ويعطي صكوك الشفاء للمبتلين، فقد قال: (قد تكون الأعراض مشتركة نتيجة لمعاناة المريض من جراء إصابته بأمراض الصرع والسحر والعين والحسد، بسبب عامل مشترك واحد نتيجة اقتران الأرواح الخبيثة، وهذا بالتالي يحتاج للمعالِج الحاذق المتمرس ليقف على حقيقة المعاناة، ومن ثم يحدد الداء، ويصف الدواء النافع بإذن الله تعالى)

قال: فأين يجد هذا الحاذق المتمرس؟

قال الرجل: لعله يقصد نفسه، فقد ذكر بعد هذا الكلام أنواع الأعراض وصنفها كما تصنف أعراض الأمراض الحسية، وبجرأة دونها جرأة الأطباء الخبراء.

فقد ذكر ـ مثلا ـ من أعراض الاقتران الكلي حال إجراء الرقية: (الإغماء وتشنج الأعصاب، والصراخ الشديد والبكاء، وشخوص البصر، وطرف العينان يمنة أو يسرة، وانتفاخ الأوداج والصدر واحمرار العينين بشكل غير طبيعي، والقوة والقدرة غير الطبيعية وحركة غير طبيعية وغالبا ما تكون في منطقة البطن وانتفاخ غير طبيعي في منطقة البطن، وضيقة شديدة في منطقة الصدر، والقيء والاستفراغ، والاهتزاز والرجفة الشديدتان، وتغير الصوت كليا في بعض الحالات، وإصدار أصوات غريبة)

ومن الطرق الفعالة ـ التي ذكرها ـ للكشف عن صرع الأرواح الخبيثة (المتابعة الخاصة بحركة العين)

وهو ورع فلذلك قال: (ولا يجوز النظر في أعين النساء مطلقا، لكافة الأدلة الثابتة من الكتاب والسنة)

ولكنه مع ذلك يعطي البديل الذي يعبر عنه بقوله: (ولا بأس بمتابعة ذلك عن طريق أحد المحارم أو المرافقين للمريضة، وتدوين الملاحظات التي تعين المعالِج في قيامه بعمله دون الوقوع في الحرج والمخالفة الشرعية)

ثم يذكر الأعراض التي تدل عليها العين من شؤون الجن، فيذكر الأعراض التالية: (ارتعاش.. عدم القدرة على التركيز.. تغير في حجم بؤبؤ العين.. الاتجاه المعاكس في حركة العينين.. إغلاق العينين بسرعة وبصورة متكررة.. الصراخ أو البكاء.. التنميل في بعض الأطراف)

قال: فمن أي المصادر يقتبسون هذه المعاني؟

قال أحدهم: هم يسمون هذا النوع من الرقى (رقى شرعية)

قال: ولكن الشرعية في المصطلح الشرعي تستدعي الرجوع للمصادر الأصلية، ففي أي مصدر من هذه المصادر توجد هذه الأعراض، وتحدد نوع المس؟

قال آخر: بل إن قراءة بسيطة لما ذكروه من الأعراض، تدل على مدى الضياع الذي يعيشه هؤلاء، ويريدون من الأمة أن تعيش معهم فيه، فمن أعراض المس السابقة (الصدود عن المذاكرة أو الدراسة أو العمل أو البيت أو الزوجة).. ولهذا إذا أتاهم من يشكو من هذه الأعراض لا يوجهونه إلى الاجتهاد، ويحضونه على حسن الخلق مع أهله، وإنما يجتهدون في حرق الشياطين التي تسكنه أو دعوتها إلى الإسلام، أما هو فبريء لا حساب عليه، وكيف يحاسب على عمل الجني الذي يستوطنه.

قال آخر: والأخطر من ذلك ما ذكروه من عرض (الصدود عن العبادات وعلى الأخص الصلاة وتلاوة القرآن) وهم يتفقون في هذا العرض، وهم بهذا يبرئون أبا جهل وغيره من المشركين، فلعل بغضهم للقرآن الكريم والصلاة، لم يكن عمدا، بل كان نوعا من المس، ولو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اكتفى برقيتهم وأحرق شياطينهم لأسلموا وأحبوا القرآن الكريم، وتهجدوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهاجروا معه.

الاستعاذات الشرعية:

دخلنا القاعة الثانية، وقد كتب على بابها قوله تعالى:{ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (غافر:56)

قلت: أهذه قاعة الاستعاذة من الشياطين؟

قال: هذه القاعة تعلم فيها الاستعاذة بجميع أنواعها.. والشياطين من أنواع المستعاذ منهم.

قلت: ولكن القرآن الكريم ذكر الاستعاذة من الشياطين في مواضع منه، فالله تعالى يقول:{ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (لأعراف:200)، وهو يقول:{ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (النحل:98)، وهو يقول:{ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (فصلت:36)

قال: لقد ذكر الله تعالى أن الشيطان من أخطر أعداء الإنسان، فلذلك وردت هذه النصوص في التشديد بالأمر بالاستعاذة منه.. ولكنها لا تعني الحصر.. فقد ورد في النصوص الكثير من الاستعاذات، ألم تسمع قول موسى u:{ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (البقرة:67)،وقول نوح u:{ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (هود:47)، وقول مريم ـ عليها السلام ـ:{ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً} (مريم:18).. ألم تسمع المعوذتين؟

قلت: بلى..

قال: ومثله النصوص الكثيرة.. وهي تملأ الصدر انشراحا، والقلب راحة.

قلت: ألهذه الاستعاذات تأثير نفسي على قائلها؟

قال: أجل.. زيادة على التأثير الغيبي.. فالكثير قد يحزن، ويمتلئ قلبه كآبة لأجل أمور بسيطة، كرؤيا يؤرقه تذكرها، ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أمته  كيف تتحصن بحصن الله من الرؤى التي تخافها، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (الرؤيا من الله والحلم من الشيطان فإذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث حين يستيقظ ثلاث مرات ويتعوذ من شرها فإنها لا تضره)([112]) قال أبو سلمة أحد رواة الحديث يبين أثر هذا الحديث في نفسه: (وإن كنت لأرى الرؤيا أثقل علي من الجبل فما هو إلا أن سمعت هذا الحديث فما أباليها)

وورد في حديث آخر، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره)([113])

قلت: فلم نهاه عن ذكرها؟

قال: لما يحدثه ذكرها في نفسه من خوف، فيكفي التجاؤه إلى الله في حمايته من شرها، بخلاف التحديث بالرؤيا الصالحة فإن لها من التأثير المعنوي ما يدعو إلى روايتها.

بينما نحن كذلك إذ رأيت أقواما مجتمعين، كل منهم يلقن أخاه شيئا، فسألت المعلم عنهم، فقال: هؤلاء يذكر بعضهم لبعض أنواع الملاجئ التي تعلموها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورأوا تأثيرها في حياتهم.

اقتربت من بعضهم، فسمعته يقول لأخيه: لقد حرصت على كثرة الاستعاذة بـ: (أعوذُ بكلماتِ اللهِ التامَّاتِ مِن شرِّ ما خَلق) فوجدتها ـ مع قلة ألفاظها ـ واقية من كل سوء.

قال صاحبه: أما أنا.. فإني ـ كما تعلم ـ امرؤ لا تمتلئ نفسي بغير التفاصيل.. ليزيل كل ما أذكره وهما من الأوهام وسببا من أسباب الخوف.

قلت: فما تقول؟

قال: أقول إذا امتلأت نفسي بالمخاوف من الشياطين والعيون: (أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة)

وأقول إذا امتلأت بغيرها: (أعوذ بكلمات الله التامات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ فى الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر طوارق الليل، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن ش

وقد أقول (اللهم إنى أعوذ بوجهك الكريم، وكلماتك التامات من شر ما أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت تكشف المأثم والمغرم، اللهم إنه لا يهزم جندك، ولا يخلف وعدك، سبحانك وبحمدك)

اقتربت من آخر، فسمعته يلقن صاحبه: (أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون)

فإذا انتهى لقنه صاحبه: (أعوذ بوجه الله العظيم الذي لا شيء أعظم منه، وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وأسماء الله الحسنى، ما علمت منها وما لم أعلم، من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر كل ذي شر لا أطيق شره، ومن شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، إن ربى على صراط مستقيم)

اقتربت من آخر، فسمعته يقول: (اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت، عليك توكلت، وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بالله، أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربى على صراط مستقيم)

وسمعت صاحبه يقرأ بعدها: (تحصنت بالله الذى لا إله إلا هو، إلهى وإله كل شىء، واعتصمت بربى ورب كل شىء، وتوكلت على الحى الذى لا يموت، واستدفعت الشر بلاحول ولا قوة إلا بالله، حسبى الله ونعم الوكيل، حسبى الرب من العباد، حسبى الخالق من المخلوق، حسبى الرازق من المرزوق، حسبى الذى هو حسبى، حسبى الذى بيده ملكوت كل شىء، وهو يجير ولا يجار عليه، حسبى الله وكفى، سمع الله لمن دعا، ليس وراء الله مرمى، حسبى الله لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم)

تركناهم يلقن بعضهم بعضا، وانصرفت إلى محل آخر، فوجدت شيخا وقورا قد اجتمع عليه نفر من الناس يسألونه، فلما اقتربنا منه سمعته يقول: كما نهتم بتلقيح أنفسنا خوفا من كل داء طارق، أو عدو مهاجم، فينبغي تلقيحها كذلك، بل من باب أولى، بهذه الاستعاذات، فأعداؤها متيقنون، وهم أكثر خطرا من كل طاعون أو وباء.

قال أحدهم: إن قومنا قد وضعوا لنا مواقيت نلقح فيها أنفسنا من طوارق الجراثيم والفيروسات والأوبئة.

قال: وقد رتب لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المواقيت ما نلقح به أنفسنا من كل طوارق السوء.. لأن الأعداء يتربصون بالإنسان في كل وقت، ولذلك وجب أخذ الحذر، وعدم إتاحة الفرصة.

قالوا: فما نحفظ به أنفسنا من طوارق النوم، فلا نرى إلا أنه فرصة للشياطين والهوام وجميع أنواع الشرور؟

قال: لقد كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد النوم يجمع كفَّيْهِ، ثم ينفُث فيهما، ويقرأ فيهما سورة الإخلاص والفلق والناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأُ بهما على رأسه، ووجهه، وما أقبلَ مِنْ جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.

وكأنه صلى الله عليه وآله وسلم يمسح بترياق هذه السور جميع الآفات التي قد تخترق حصن الإنسان، أو يجعل منها تعويذة لمنع الشياطين من التسرب لأي محل من هذا الجسم.

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول إذا أوى إلى فراشه: (اللهم رب السماوات والأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل، والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر)

قالوا: فما نقول إذا خرجنا من بيوتنا.. فإنا نخشى على أنفسنا طوارق السوء؟

قال: كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا خرج من بيته قال: (بسم الله، توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل على)

وروي من تأثير هذه الاستعاذات قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال إذا خرج من بيته: بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هديت، وكفيت، ووقيت، وتنحى عنه الشيطان)

قالوا: فما نقول إذا دخلنا الخلاء، فهو محل للشياطين والقاذورات؟

قال: كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل الخلاء، قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).. وكان يقول: (لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إنى أعوذ بك من الرجس النجس، الخبيث المخبث، الشيطان الرجيم).. بل كان صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا التعويذة التي نستتر بها عن أعين الجن، فيقول: (ستر ما بين الجن وعورات بنى آدم إذا دخل أحدكم الكنيف أن يقول: بسم الله)

قال أحدهم: فكيف نستعيذ من الشر الذي قد يكون مخبأ بين ثنايا الجديد؟

قال: لقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا الاستعاذة من شر كل جديد نستفيده، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا أفاد أحدكم دابة، فليأخذ بناصيتها، وليدع الله بالبركة، ويسمى الله عز وجل، وليقل: اللهم إنى أسألك خيرها، وخير ما جبلت عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه)

قال آخر: فما نقول إذ فزعنا؟

قال: كان صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أصحابه عند الفزع أن يقولوا: (أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه ومن شر عباده، ومن شر همزات الشياطين، وأن يحضرون)

قال آخر: فما نقول إذا عزمنا على السفر، فالسفر والتنقل محل للأخطار، حتى أن المسافر في العصر الحديث يحتاج إلى أخذ بعض التلقيحات لتجنب آثار الأوبئة؟

قال: لقد روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم الكثير من الاستعاذت التي تحصن المؤمن من مخاطر سفره، والأرض التي يريد أن ينزل فيها.

ومما يروى في ذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في سفره: (أنت الصاحب فى السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من الضبنة فى السفر والكآبة فى المنقلب، اللهم اقبض لنا الأرض، وهون علينا السفر)

وكان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، ومن الحور بعد الكور، ومن دعوة المظلوم، ومن سوء المنظر في الأهل والمال)

وعلمنا أن نقول إذا نزلنا محلا: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)

وأخبر عن تأثير ذلك، فقال: (من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك)

وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا أشرف على قرية يريد دخولها يقول: (اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وأعوذ بك من شرها، وشر أهلها وشر ما فيها)، وكان يقول: (اللهم إني أسألك من خير هذه القرية وخير ما جمعت فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما جمعت فيها، اللهم ارزقنا جناها، وأعذنا من وباها، وحببنا إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا)

وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا أدركه الليل في سفره، قال: (يا أرض ربى وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك، وشر ما خلق فيك، وشر ما دب عليك، أعوذ بالله من شر كل أسد وأسود، وحية وعقرب، ومن شر ساكن البلد، ومن شر والد، وما ولد)

قال آخر: أما أنا فمقيم لا أكاد أبرح داري.. وإنما مطيتي الصباح والمساء، فما أقول فيهما؟

قال: لقد رويت الاستعاذات الكثيرة في الصباح والمساء، باعتبارهما بداية اليوم ونهايته، وكأن المؤمن بتلك الاستعاذات يحمي نفسه فترة يومه، كما تحمي التلقيحات المختلفة الإنسان فترات مؤقتة.

ويشير إلى هذه الحقيقة قوله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الاستعاذة: (اللهم أنت ربى، لا إله إلا أنت، عليك توكلت، وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، وشر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربى على صراط مستقيم): (من قالها في أول النهار لم تصبه مصيبة حتى يمسي، ومن قالها آخر النهار لم تصيبه مصيبة حتى يصبح)

قالوا: فعلمنا من هذه الاستعاذات ما نسأل الله أن يوفقنا للمحافظة عليه.

قال: من الاستعاذات التي تقال في الصباح والمساء: (أصبحنا وأصبح الملك لله، والحمد لله، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شىء قدير، رب أسألك خير ما في هذا اليوم، وخير ما بعده، وأعوذ بك من شر هذا اليوم، وشر ما بعده، رب أعوذ بك من الكسل، وسوء الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار، وعذاب القبر)([114])

ومنها (اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إنى أسألك العفو والعافية فى ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يمينى وعن شمالي، ومن فوقى، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي)([115])

قال آخر: إني لا أرب لي في دنياكم التي تتنافسون عليها.. وإنما كل حاجتي منها ركيعات وسجيدات أتقرب بها إلى ربي..

قال: فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم لا يترك الاستعاذة حتى وهو في مناجاة ربه وعبادته، فمن صيغ دعاء الاستفتاح: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله كثيرا، الحمد لله كثيرا، الحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، سبحان الله بكرة وأصيلا، سبحان الله بكرة وأصيلا، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه)

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يدعو في صلاته قائلا: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم)

فإذا انصرف من الصلاة قال: (اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نقمتك، وأعوذ بك منك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)([116])

وفي الحج وفى الموقف، كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (اللهم لك الحمد كالذى نقول، وخيرا مما نقول، اللهم لك صلاتى ونسكى، ومحياى، ومماتى، وإليك مآبى، ولك ربى تراثى، اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر، اللهم إنى أعوذ بك من شر ما تجئ به الريح)([117])

 وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل المسجد يقول: (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم)، وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن تأثير هذه الاستعاذة فقال: (فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ منى سائر اليوم)([118])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم فى أول قراءته، فيقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وربما كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه، ونفثه)

وكان يخبر أن سيد الاستغفار أن يقول المستغفر: (اللهم أنت ربى، لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك على، وأبوء بذنبي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها حين يصبح موقنا بها فمات من يومه، دخل الجنة، ومن قالها حين يمسى موقنا بها، فمات من ليلته، دخل الجنة)

الرقى الشرعية:

انتقلنا إلى القاعة الثالثة، وهي القاعة المختصة بالرقى الشرعية، وقد كتب على بابها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا رقية إلا من عين، أو حمة)([119])

فسألت المعلم عن سر وضع هذا النص هنا، فقال: لقد رأى أهل هذا المستشفى مبالغة قومك في شأن الرقى وتعميمها، وعدم التفريق بينها وبين الاستعاذات الشرعية، فلذلك جعلوا هذا الحديث شعارا لهذا الملجأ من الملاجئ الإلهية.

قلت: لكن هذا الحديث يحصر الرقى في أشياء محدودة جدا.. وقد ورد في النصوص ما يشير إلى أن الرقى غير محصورة في هذين الجانبين.

أشار إلى رجل في القاعة يقلب دفاتر بين يديه، فقلت: من هذا؟

قال: هذا رجل من المتكلمين آتاه الله فهما، وهو يشرح هذا النص ويرد على ما يجادل فيه.. فإن كان لك شيء من الجدل فاقترب منه واطرح عليه ما تشاء.

اقتربت منه، فواجهني بقوله: مثل ماذا؟

قلت: ما تقصد؟

قال: إن سيما وجهك تخبرني بأنك ترى عدم انحصار الرقية فيما أخبر به صلى الله عليه وآله وسلم من العين والحمة.

قلت: أجل.

قال: مثل ماذا !؟  

قلت: مثل ما روي عن سهل بن حُنَيفٍ، قال: مررْنا بَسيْلٍ، فدخلتُ، فاغتسلتُ فيه، فخرجتُ محموماً، فنُمِىَ ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (مُرُوا أبا ثابتٍ يَتَعَوَّذُ)، قال: فقلتُ: يا سيدى؛ والرُّقَى صالحة؟ فقال: (لا رُقيةَ إلا فى نَفْسٍ، أو حُمَةٍ، أو لَدْغَةٍ)([120]).. فقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم شيئا آخر غير ما ذكر الحديث السابق.

قال: ولكنه ذكرها بصيغة الحصر.. ثم إنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر في الأصل بالاستعاذة، ولم يكن حديثه عن الرقية إلا إجابة عن سؤال سألوه عنه ولا علاقة له بما حصل لسهل..

قاطعنا آخر، وقال: أنا لغوي من الله علي بعلم غريب النصوص، وسأشرح لكم من ألفاظه ما يبين توافق الحديثين، أما العين فمعروفة، ويقابلها في الحديث الثاني النَّفْس: وهي العَيْن، يقال: أصابت فلاناً نفسٌ، أى: عَيْن. والنافِس: العائن.

أما الحُمَةُ، فهي ذوات السُّموم كلها، كما قال ثعلب وغيره: هي سم العقرب وقال القزاز: قيل هي شوكة العقرب وكذا قال بن سيده أنها الابرة التي تضرب بها العقرب والزنبور، وقال الخطابي: الحمة كل هامة ذات سم من حية أو عقرب.

ولهذا فلا تعارض بين هذا الحديث والحديث السابق، لأن الحمة أعم من اللدغة، فبالتالي دخلت اللدغة فيها، والمقصود منها الأمراض التي يرجع سببها للسموم.

وإلى هذا أشار ابن حجر، فقد قال بعد إيراد الحديثين: (فغاير بينهما فيحتمل أن يخرج على أن الحمة خاصة بالعقرب فيكون ذكر اللدغة بعدها من العام بعد الخاص)

قلت: ولكن ابن القيم وغيره أجابوا على هذا التعارض بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يُرِدْ به نفىَ جواز الرُّقية فى غيرها، بل المرادُ به: (لا رُقية أولى وأنفعُ منها فى العَيْن والحُمَة)

قال: هذا تأويل للحديث، والأصل الأخذ بما جاء في ظاهر النص، خاصة مع يسر الجمع بينهما.

قلت: ولكن ورد في حديث ثالث، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا رُقْيَةَ إلا مِن عَيْنٍ، أو حُمَةٍ، أو دَمٍ لا يَرْقأُ)([121])، فقد أضاف في هذا الحديث الدم الذي لا يرقأ، وهو الدم الذي لا ينقطع.

قال: هذا يستدعي البحث عن سر عدم انقطاع الدم، ولعل له علاقة بالسموم، فيجمع بذلك بين هذا الحديث وما سبقه من الأحاديث.

قلت: وقد ورد في حديث رابع عن أنس قال: (رخَّص رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فى الرُّقية من العَيْن والحُمَةِ والنَّمْلَةِ)([122]).. فقد أضاف في هذا الحديث النملة، وقرنها بالعين.

قال اللغوي: النَّمْلَة: قُروح تخرج فى الجنبين، وهو داء معروف، ولعل له علاقة بذوات السموم، فيجتمع مع ما سبق.

قلت: وقد ورد في حديث خامس: (رخَّص رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فى الرُّقْيَة من الحيَّةِ والعقرب)([123])

قال: الحية والعقرب تدخل في ذوات السموم.

قلت:.. !؟

قال: أليس لديك غيرها؟

قلت: هذا ما أحفظه منها.

قال: فهذه الأحاديث جميعا تدل على انحصار الرقية في محال معينة لا تتجاوزها.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لقد وردتهذه النصوص بصيغ الحصر، ومع أنها وردت بصيغ مختلفة إلا أن التقارب بينها يسير، فهي عموما تدل على العين، وهي محل اتفاق بين النصوص جميعا، والأمراض الناشئة بسبب السموم.

قلت: لقد وضحت لي هذا.

قال: زيادة على هذا، فقد عبر الصحابة عن وقوع الرقية في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة الترخيص، والرخصة ـ كما تدل عليها نصوص الشريعة مقدرة بقدرها ـ فقد قال تعالى:{ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } (البقرة:173)

زيادة على ذلك، فإن هذا يدل على أن الأصل في الرقية النهي، وهو ما ثبت في أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اعرضوا علي رقاكم)، أي لأنظر مدى شرعيتها.

قلت: فما السر الذي تراه لهذا الترخيص؟

قال: السر في هذا هو أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وجد الرقية منتشرة في المجتمعات الجاهلية، ووجدها مختلطة بين استعمال أدوية طبيعية، وأخرى مما يمكن تسميته روحانية.

ولم يكن صلى الله عليه وآله وسلم ليحرمها باعتبارها من التجارب التي ربما أثبتت بعض فاعليتها، فلذلك رغب في تركها أولا سدا لذريعة الشرك، فلما انتفت قيدها بالقيود الشرعية، وهي حصرها في أحوال معينة وبأساليب خاصة لا تتجاوزها.

قلت: أهي بذلك تشبه ما يجرب من الأدوية مما يسمى بالطب البديل حيث أن هناك طرقا كثيرة قد يتوهم تلبسها بالشعوذة مع تأكد صلاحيتها في شفاء العلل؟

قال: أجل.. هذا صحيح.. وهو مثال جيد.

قلت: ورقية المس؟

قال: بدعة.. فلم يرد نص واحد بجواز الرقية فيها، فلم يرد في جميع الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتي بمصروع فرقاه، وأخرج الجن منه كما يفعل الرقاة الآن.

قلت: فما تقول في النصوص الكثيرة التي وردت فيها الاستعاذات والأدعية المختلفة، وهي في النصوص الصحيحة الصريحة؟

قال: إن اصطلاح الرقية في الشرع خاص بنواح محددة، وهي ما نصت عليه النصوص من مجالات وكيفيات، أما ما عداها فهو من الاستعاذات والأدعية، وليس من الرقية، ويدل لذلك ما ورد في حديث أبي سعيد قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذات فأخذ بها وترك ما سواها)([124])

قلت: فما فائدة التفريق بين الرقية والاستعاذات والأدعية؟

قال: الرقية رخصة، والأدعية مسنونة مستحبة، والقول بهذا ينفي التعارض الذي يبدو في حال ما لو سوينا بينهما.

ذلك أن الكثير من النصوص تذكر أنواع الاستعاذات والأدعية التي يدعو بها المريض ربه، وهي ترغب في ذلك، وتستحبه بدليل ما فيها من المعاني.

بينما لا نجد في الرقية أي نص يدل على الاستحباب، بل قد ورد استحباب ترك الرقية في محال معينة، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: ((هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)

فلم يذكر صلى الله عليه وآله وسلم تركهم الاستعاذة، وإنما ذكر تركهم للرقى، ولهذا فمن اكتفى بالاستعاذة من العين، واكتفى من ذوات السموم باستعمال العلاج واللجوء إلى الله كان ذلك كافيا له.

قلت: ولكن العلماء أجابوا على ما يبدو من تعارض بين النهي عن الرقية أو بيان كون الكمال في تركها، وبين ثبوت النصوص الكثيرة الدالة على طرق الدعاء للمريض بإجابات كثيرة كما قال النووي: ( فقد يظن مخالفاً لهذه الأحاديث ولا مخالفة بل المدح في ترك الرقى المراد بها الرقى التي هي من كلام الكفار والرقى المجهولة والتي بغير العربية وما لا يعرف معناها فهذه مذمومة لاحتمال أن معناها كفر أو قريب منه أو مكروه، وأما الرقي بآيات القرآن وبالأذكار المعروفة فلا نهي فيه بل هو سنة، ومنهم من قال في الجمع بين الحديثين أن المدح في ترك الرقى للأفضلية وبيان التوكل والذي فعل الرقى وأذن فيها لبيان الجواز مع أن تركها أفضل)

قال: وأفضل من ذلك لو حصروا الرقية فيما حصر من النصوص، وفرقوا بين الاستعاذة والرقية.

قلت: فما كيفية الرقية، وما مدى حرية الاجتهاد فيها؟

قال: من خلال استقراء النصوص نرى طرقا معينة في الرقى المرتبطة بالعين أو المرتبطة بعلاج ذوات السموم، وهي طرق منها ما هو منبن على الأعراف الجاهلية، وأقره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومنها ما شرع أساسا.. وبذلك فإن كيفيات الرقى توقيفية، لا تختلف عن سائر التوقيفات بدليل الحديث المعروف: (اعرضوا علي رقاكم)

قلت له: ولكن الرقاة يستدلون عادة بهذا الحديث على ما يفعلونه ويخترعونه.

قال: فما وجه استدلالهم؟

قلت: وجهه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقر بعض الرقى.

قال: وهل نسوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بعرضها عليه ليقرها، فلمن يعرضوها حتى تعتبر رقية؟

قلت: يعرضوها على قواعد الدين وأصوله، أو يقيسوها على ما ورد في النصوص من الرقى.

قال: لو كان الأمر خاضعا للقياس لبين العلة، وتركهم يقيسون دون أن يطلب منهم عرض آحاد القضايا عليه.

ولكن الرقية شيء مختلف.. إنها دواء، هي مثل أي اختراع لدواء، فإنه يحتاج إلى عرضه على هيئات مختصة لترى مدى فاعليته، وبما أن تأثير الرقية غيبي، فيحتاج فيها إلى معصوم له علاقة بهذا العالم، وليس ذلك إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

 قلت: فأورد لي كيفية الرقية من خلال النصوص.

قال: بما أن مجالات الرقية محددة بما سبق بيانه، فسأورد لك النصوص الدالة على تلك الكيفيات التي لا يحل تجاوزها، وأورد معها ـ من باب النصيحة للأمة ـ  بعض الأخطاء في هذا المجال، ولولا أن المصيبة بها عامة، لما اشتغلت بذكرها والتنبيه عليها.

قلت: فلنبدأ بالعين.

قال: لقد رأينا أنواع الرقى والاستعاذات المرتبطة بها.

قلت: فلم تبق إلا الأمراض السمية.. فما هي؟.. وما كيفية الرقية فيها؟

قال: الأمراض السمية هي الأمراض التي وردت النصوص بجواز الرقية فيها، ولعله يدخل فيها كل الأمراض التي تسببها الجراثيم وغيرها، باعتبارها من أنواع التسممات.

قلت: فما كيفية الرقية فيها؟

قال: لقد ورد في النصوص بعض أنواع الرقى في هذا الجانب، منها الاسشفاء بالقرآن الكريم ممزوجا بالنفث على موضع الداء، وهو الرقية الأولى، وقد ورد فيها هذا النص، فعن أبى سعيد الخدرى، قال: انطلق نفر من أصحاب النبى صلى الله عليه وآله وسلم فى سفرة سافروها حتى نزلوا على حى من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحى، فسعوا له بكل شىء لا ينفعه شىء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعلهم أن يكون عند بعضهم شىء. فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط؛ إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شىء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شىء؟ فقال بعضهم: نعم والله إنى لأرقى، ولكن استضفناكم، فلم تضيفونا، فما أنا براق حتى تجعلوا لنا جعلا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ:{ الحمد لله رب العالمين }، فكأنما أنشط من عقال، فانطلق يمشى وما به قلبة، قال: فأوفوهم جعلهم الذى صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذى رقى: لا تفعلوا حتى نأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنذكر له الذى كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذكروا له ذلك، فقال: (وما يدريك أنها رقية؟)، ثم قال: (قد أصبتم، اقسموا واضربوا لى معكم سهما)

قلت: لقد قرأ عليه القرآن الكريم، فكيف اعتبر هذا رقية؟

قال: السر في اعتبارها رقية هو جمع الراقي بين القراءة والنفث عليه.

قلت: لقد ذكر ابن القيم السر في تأثير هذا النوع من الرقية، فقال: (وقد جعل الله سبحانه لكل داء دواء، ولكل شيء ضدا، ونفس الراقي تفعل في نفس المرقى، فيقع بين نفسيهما فعل وانفعال، كما يقع بين الداء والدواء، فتقوى نفس الراقي وقوته بالرقية على ذلك الداء، فيدفعه بإذن الله، ومدار تأثير الأدوية والأدواء على الفعل والانفعال، وهو كما يقع بين الداء والدواء الطبيعيين، يقع بين الداء والدواء الروحانيين، والروحاني، والطبيعي، وفى النفث والتفل استعانة بتلك الرطوبة والهواء، والنفس المباشر للرقية، والذكر والدعاء، فإن الرقية تخرج من قلب الراقي وفمه، فإذا صاحبها شيء من أجزاء باطنه من الريق والهواء والنفس، كانت أتم تأثيرا، وأقوى فعلا ونفوذا، ويحصل بالازدواج بينهما كيفية مؤثرة شبيهة بالكيفية الحادثة عند تركيب الأدوية.

وبالجملة.. فنفس الراقي تقابل تلك النفوس الخبيثة، وتزيد بكيفية نفسه، وتستعين بالرقية وبالنفث على إزالة ذلك الأثر، وكلما كانت كيفية نفس الراقي أقوى، كانت الرقية أتم، واستعانته بنفثه كاستعانة تلك النفوس الرديئة بلسعها)

وذكر حكمة أخرى، فقال: (وفى النفث سر آخر، فإنه مما تستعين به الأرواح الطيبة والخبيثة، ولهذا تفعله السحرة كما يفعله أهل الإيمان. قال تعالى:{ ومن شر النفاثات فى العقد}، وذلك لأن النفس تتكيف بكيفية الغضب والمحاربة، وترسل أنفاسها سهاما لها، وتمدها بالنفث والتفل الذى معه شيء من الريق مصاحب لكيفية مؤثرة، والسواحر تستعين بالنفث استعانة بينة، وإن لم تتصل بجسم المسحور، بل تنفث على العقدة وتعقدها، وتتكلم بالسحر، فيعمل ذلك في المسحور بتوسط الأرواح السفلية الخبيثة، فتقابلها الروح الزكية الطيبة بكيفية الدفع والتكلم بالرقية، وتستعين بالنفث، فأيهما قوى كان الحكم له، ومقابلة الأرواح بعضها لبعض، ومحاربتها وآلتها من جنس مقابلة الأجسام، ومحاربتها وآلتها سواء، بل الأصل فى المحاربة والتقابل للأرواح والأجسام آلتها وجندها، ولكن من غلب عليه الحس لا يشعر بتأثيرات الأرواح وأفعالها وانفعالاتها لاستيلاء سلطان الحس عليه، وبعده من عالم الأرواح، وأحكامها، وأفعالها.

والمقصود.. أن الروح إذا كانت قوية وتكيفت بمعاني الفاتحة، واستعانت بالنفث والتفل، قابلت ذلك الأثر الذي حصل من النفوس الخبيثة، فأزالته)

قال: هذا كلام جميل.. ولكنه خطير.

قلت: لم؟.. وما هذا التناقض !؟

قال: هذا التحليل قد يقبل، ويعجب بعبقرية صاحبه، ولكن الخطر ليس فيه، وإنما في اعتبار ما ذكره علة يمكن القياس عليها، وهو ما حصل بين الرقاة، حيث أدرجوا في رقاهم أمورا كثيرة، فلم يبق للنفث عندهم قيمة، أو أن النفث صنعة قديمة.

قلت: صدقت.. فقد رأيت مهندسا غرق في بحار الرقية، فاخترع كرسيا عجيبا لها، وكتب في فضائله كتبا، وسر اختراعه يكمن في إيصال موجات القرآن الكريم إلى الدم مباشرة من غير وسيط.

قال: فمن أين تلقى هذا الكرسي العجيب؟

قلت: لقد وهب له من الغيب.

قال: أنبي هو أم ولي؟

قلت: هو لا يزعم كليهما.

قال: فهو دعي إذن.. ارموا به مع كرسيه عرض الحائط.


([1])  ابن ماجة، وابن حبان والحاكم.

([2])  البخاري ومسلم.

([3])  النسائي.

([4])  النسائي.

([5])  الحاج خليفة معامرة،تجربتي الواقعية في الرقية الشرعية،عنابة:مطبعة الريام،1997،ص45.

([6])  وحيد عبد السلام البالي، الصارم البتار في التصدي للسحرة الأشرار، ص112.

([7])  انظر:محمد الصايم،حوار مع الشياطين،ص61.

([8])  لم يعد الضرب هو الوسيلة الوحيدة التي يعامل بها الجن عند هؤلاء الرقاة، بل إنهم كل يوم يطورون المزيد من الطرق، ويستفتون العلماء الذين لا يجدون منهم إلا التشجيع، وقد أورد بعض الرقاة هذه الطرق من أنواع الأذى والتي عنونها بقوله: (لحاق الأذى بالجن المعتدي الساكن بالجسد)، ومن هذه الطرق:

1. استخدام الماء الساخن المقروء عليه في تعذيب الجن وابعاده عن مكان أذاه بالجسم بوضع الماء الساخن على العضو المراد

2. استخدام الموجات الصوتية بواسطة سماعات عالية التردد موصلة بجهاز تسجيل عليه آيات الرقية والحرق والحفظ وبعض السور والآيات ووضع السماعة على مكان وجود الجن أو مكان تأثيره في عضو من الأعضاء فيبدأ الجن في ترك العضو غير السليم.

3. استخدام الثلج المقروء عليه آيات معينة ووضعه على وجه الشخص المصاب وخاصة في حالة الجن المجوسي عابد النار.

4. استخدام جلسات الكهرباء على الدماغ أو على أي عضو من أعضاء الجسم لصرف الجني المسبب للألم أو المرض.

5. غمر الجسد أو جسم المصاب في حوض به ماء مقروء عليه (برميل ماء مثلا)مع تغطيس الجسم كله بالرأس صعودا وهبوطا لخنق الجن.

6. كتابة آيات قرآنية على جسم المصاب أو أماكن وجوده لحبس الجني العارض وتكتفيه.

7. صرفه من الرحم وخاصة في سحر النزيف بواسطة الأعشاب (شرب مغلي نبات البرداقوش والينسون والحرمل) وينفع كذلك شرب مغلي الشبت والبقدونس ويحلى المشروب بالعسل المقروء عليه 0

8. هناك مأكولات تضر بالجن اليهودي مثل ان يحرص المريض على أن يأكل لحم الأرانب لأن اليهود لا يأكلون الأرانب.

9. الحجامة أثناء القراءة وأثناء وضع حقنة الجلوكوز في وريد المريض

10. استخدام العطس، ويتم باستنشاق النشوق في الأنف عدة مرات وتحميد الله فإن ذلك يؤذي الجن وخاصة إذا كان النشوق مقروءا عليه.

11. إنزال الجن الساكن بالدماغ والمقارن للحالة (حاضر على الحالة طوال الوقت) بواسطة جلسات الكهرباء على الدماغ وعمل الحجامة اللازمة والضرب بقوة على أعلى الظهر ونقرة القفا.

([9])  الطبري: 3/101.

([10])  الزجاح، معاني القرآن وإعرابه:1/358.

([11])  الماوردي: النكت والعيون: 1/348.

([12])  زاد المسير: 1/286.

([13])  انظر مقالات الإسلاميين: 1/133.

([14]) الرازي: 7/89.

([15])  نص الحديث:(إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات) رواه مالك وأحمد وابن حبان والترمذي، وقال: حسن صحيح.

([16])  أحمد وأبو داود عن عطية السعدي.

([17])  البخاري ومسلم.

([18])  القرطبي:3/355، وانظر نفس القول في تفسير الشوكاني:1/295.

([19])  ابن جزي الكلبي، التسهيل لعلوم التنزيل: 1/94.

([20])  التحرير والتنوير: 3/82.

([21])  الفتاوى، دار الشروق، الطبعة العاشرة 1400هـ-1980م، ص 24.

([22])  انظر كتابه: السنة النبوية بين أهل الفقه والحديث، دار الشروق -القاهرة، بيروت- الطبعة الرابعة 1989م ص93.

([23])  البخاري.

([24])  فتح الباري: 10/115.

([25])  انظر ابن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب:  6/333.

([26])  زاد المعاد:3/181.

([27])  انظر تفسير القرطبي 2/50.

([28])  انظر مجموع الفتاوى 24/277

([29])  انظر الفتاوى الحديثية:  72.

([30])  نظم الدرر في تناسب الآيات والسور:1/531.

([31])  بذل الماعون في فضل الطاعون: 83.

([32])  الطب من الكتاب والسنة:  231.

([33])  محاسن التأويل 3/360.

([34])  مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة:4/36.

([35])  انظر سلسة الأحاديث الصحيحة:2/273.

([36])  أخرجه الموصلي.

([37])  ابن منده وأبو نعيم.

([38])  المستدرك 1/713.

([39])  صحيح الجامع الصغير وزياداته: 1/275.

([40])  هامش جامع الأصول 4/361.

([41])  انظر تفسير القرطبي 3/355، فتح القدير للشوكاني 1/295، برهان الشرع ص 129، وحيد الدين بالي: وقاية الإنسان من الجن والشيطان، دار البشير -القاهرة- ص 61.

([42])  أبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حسن غريب.

([43])  النهاية في غريب الحديث والأثر 5/273، جامع الأصول 4/186.

([44])  البداية والنهاية: 1/61.

([45])  البداية والنهاية: 6/139-140.

([46])  أبو داود.

([47])  وفي رواية:: فبرأ، فأهدت له كبشين  وشيئا من إقط وسمن، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(يا يعلى خذ الإقط والسمن، وخذ أحد الكبشين ورد عليها الآخر)

([48]) انظر: أضواء على بعض الجوانب الخفية للأمراض النفسية: المرض النفسي وأعمال الشيطان، د0لطفي الشربيني، استشاري الطب النفسي.

([49])  مجموع الفتاوى: 19/12، 24/277.

([50])  الرد على المنطقيين ص 407.

([51])  مجموع الفتاوى: 19/60.

([52])  مجموع الفتاوى: 24/277.

([53])  انظر تجاربه حكاية عنه: مجدي محمد الشهاوي: العلاج الرباني للسحر والمس الشيطاني، مكتبة القرآن -مصر- ص 63-66.

([54])  انظر مجموع فتاوى ومقالات متنوعة 3/299.

([55])  انظر تجاربه في كتابيه: المنقذ القرآني لإبطال السحر وعلاج المس الشيطاني، حوار مع الشياطين وتجربتي العملية في إخراج الجان وإبطال السحر.

([56])  انظر تجاربه في كتابه: وقاية الإنسان من الجن والشيطان.

([57])  هذا الغذاء محسوب بدقة ومصمم بطريقة معينة وموزونة وهو يتكون من: أربعة أجزاء من الدهون (زبدة ، قشطة، زيوت نباتية)، جزء واحد بروتين وكربوهيرات (لحم أو فول +أرز أو بطاطس). سعرات حرارية محددة حسب حاجة المريض ووزنه ويقصد بها زيادة أو نقص الوزن حتى يصل المريض إلى الوزن النموذجى لعمره. فيتامينات وأملاح معدنية مضافة حتى يتجنب المريض فقدان هذه العناصر الهامة والإصابة بنقص الفيتامينان أو الملاح.

([58])  أول ما يفاجئك به من يتحدث عن هذه المسألة هو ربطها بالسنة وربط خلافها بالبدعة، فهذا أحدهم يقول في الموقع الذي خصصه لذلك:(فعلى من يُنكر دخول الجني بدن الإنسي أن يلجم فاه عن الإنكار والاستنكار ومخالفة أئمة أهل السنة والجماعة، وأن لا يشوش أفكار المسلمين بأفكاره الملوثـة بأفكار أهل البدع والفلسفة،  فإن قال: هذا رأي، فإن الرأي يحتمل الخطـــأ والصواب، فما تراه صوابا فإنه يحتمل الخطأ وما تراه خطأ فإنه يحتمل الصواب، ولعله يأتي اليوم الذي يتحول فيه رأيك إلى رأي غيرك… وإن العاقل إذا سمع أمرا عجبا جائزا لا دليل من الشرع ينفيه، استحسنه ولم يكذب قائله، والجاهل إذا سمع ما لم يشاهده قطع بتكذيب قائله، وتزييف ناقله.

جَهلتَ ولا تدري بأنك جاهلٌ  ومن لي بأن تدري بأنك لا تدري

ثم يقول:(ولعل السبب في إنكار البعض لدخول الجان بدن الإنسان هو إتباع الهوى، والجهل وقلة العلم في أحوال الجن والشياطين، وتحجر العقول وإتباع  منهج { مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ } [غافر: 29] ، وكذلك إبراز الشخصية وإتباع منهج خالف تعرف، وأيضا حسد طلبة العلم والأطباء الرقاة على ما آتاهم الله من فضله)

([59])  البخاري.

([60])  أبو داود وغيره.

([61])  كان عيسى بن شقفى ساحرا يأتيه الناس ويأخذ على ذلك أجرا، فجاء إلى  الامام جعفر الصادق ، وتاب على يديه.

([62])   يقول ابن خلدون:(سحر التخيل هو أن يعمد الساحر إلى القوى المتخيلة فيتصرف فيها بنوع من التصرف، ويلقي فيها أنواعا من الخيالات والمحاكاة وصوراً مما يقصده من ذلك، ثم ينزلها إلى الحس من الرائين بقوة نفسه المؤثرة فيه، فينظر الراؤن كأنها في الخارج وليس هناك شيء من ذلك) مقدمة ابن خلدون: 498.

([63])  الحكاية حكاها الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، انظر: الصواعق المرسلة في التصدي للمشعوذين والسحرة،  ص 113، 114.

([64])   قال الدكتور محمد محمود عبدالله:(سحر التخييل: هو أن ترى الثابت متحركاً، والمتحرك ثابتاً، والكبير صغيراً، والعكس، والمريض صحيحاً، وعكسه، والقبيح حسناً… وخلاصته: أن الأشياء ترى على غير حقيقتها على سبيل المثال: ما رآه الناس من سحرة الزمان: الحجر طفلاً ؛ والعصا ثعباناً 0 فكل زمان له سحرة، لكنهم يختلفون في منهجية السحر التنفيذية: يقوم الساحر بإحضار شيء يعرفه الناس، ثم يتلو عزيمته وطلاسمه الشيطانية ؛ فيرى الناس الشيء على غير حقيقته) انظر: إعجاز القرآن في علاج السحر والحسد ومسّ الشيطان: 85.

([65])  وقد يتعامل مع البصر، فمن ألوان السحر ما كان يمارس عن طريق الاستفادة من خواص المواد الـكيميائية والفيزيائية لخداع الناس، وقد ذكر أن سحرة فرعون وضعوا داخل حبالهم وعصيهم مادة كيميائية خاصة لعلها الزئبق ، كانت تتحرك بتأثير حرارة الشمس أو أية حرارة أخرى، توحي للمشاهد أنها حية.

([66])  الصواعق المرسلة في التصدي للمشعوذين والسحرة – 158، 159، والكلام للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين.

([67])  البخاري ومسلم.

([68])  إلا إذا احتوى السحر على مواد ضارة.

([69])  مرجع المعالجين من القرآن الكريم والحديث الشريف – ص 327 – 328.

([70])  بكسر التاء وفتح  الواو، انظر: النهاية في غريب الحديث – 1 / 200.

([71])  الصواعق المرسلة في التصدي للمشعوذين والسحرة- ص 141،142.

([72])  الترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

([73])  فتوى الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز – برقم (8016) – الصادرة  بتاريخ  22 / 1 / 1405 هـ.

([74])  القواقل: هي السور التي تبدأ بـ (قل) وهي: الجن، الكافرون، والإخلاص،  الفلق، والناس.

([75])  فتح الباري: 10 / 233.

([76])  انظر: مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز: 3 / 279 – 280.

([77])  الصواعق المرسلة في التصدي للمشعوذين والسحرة: 606.

([78])  ابن ماجه كتاب الطب باب العين، رقم (3508).

([79])  البخاري وأهل السنن.

([80])  روي في هذا:(العين تدخل الرجل القبر وتدخل الجمل القدر) ابن عدي وأبو نعيم في الحلية.

([81])  مسلم.

([82])  البخاري ومسلم.

([83])  أبو داود.

([84])  أحمد ورواه ابن ماجة بنحوه.

([85])  نرى أن هذا النوع من العلاج خاص بمن حصل منه ما حصل من عامر بن ربيعة، حيث أنه لم يكتف بإذيته بعينه بل صرح بذلك، حيث قال:(ما رأيتُ كاليوم ولا جِلْدَ مُخَبَّأة) بدون أن يبرك، أما من لم يتلفظ بمثل هذا، واتهم مجرد تهمة، فإنه من الحرج العظيم تكليفه بالاغتسال، ففي ذلك ما قد يؤثر في العلاقات الاجتماعية التي جاء الشرع بطلب تماسكها.

([86])  بنى المتأخرون على هذا، لتصورهم جواز القياس في مثل هذه المسائل، فأضافوا أمورا كثيرة كلها من البدع المحدثة، وخطرها ليس في كونها بدعة فقط، مع خطورة البدع، بل في تأثيرها الخطير علىالعلاقات الاجتماعية بين المسلمين، والوساوس الكثيرة التي تبثها في صفوفهم.

فمما أضيف في عصرنا من أساليب استخدام آثار المريض الداخلية أو الخارجية ووضعها بالماء ورشه بعد ذلك على المعين، وقد أفتى بجواز ذلك الشيخ محمد بن صالح العثيمين، حيث يقول:(وهناك طريقة أخرى – لعلاج العين – ولا مانع منها أيضا، وهي أن يؤخذ شيء من شعاره أي  ما يلي جسمه من الثياب كالثوب، والطاقية والسروال وغيرها، أو التراب إذا مشى عليه وهو رطب، ويصب على ذلك ماء يرش به المصاب، أو يشربه. وهو مجرب) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد: 1 / 94.

والأخطر من ذلك قوله في موضع آخر:(وقد جرت العادة  عندنا أنهم يأخذون من العائن ما يباشر جسمه من اللباس مثل الطاقية وما أشبه ذلك ويربصونها بالماء ثم يسقونها المصاب ورأينا ذلك يفيده (حسبما تواتر عندنا من النقول)[86]) [انظر: فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين – 1 / 196.]، فأي طبيب يسمح بمثل هذا السلوك، وأي طبع سليم يسمح لنفسه أن يتناول مثل هذا الشراب.

 ومن الأساليب المعاصرة التي وجدت من يفتي بجوازها، بل يحث عليها استخدام أثر العائن على أي صفة كانت كالماء والقهوة والنوى.

فقد سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين عن أخذ بعض الأثر المتبقي من بعض الناس الذين يشك بأنهم أصابوا شخص ما بالعين، كأخذ المتبقي في الكأس من ماء أو شراب، أو فضلات الأكل، وهل هذا صحيح معتمد؟

 فأجاب:(نعم كل ذلك صحيح ونافع بالتجربة، وكذا غسل ثوبه الذي يلاصق بدنه أو يعرق فيه، أو غسل رجليه أو يديه لعموم (وإذا استغسلتم فاغسلوا) فهو يعم غسل البدن كله، أو غسل بعض البدن، وحيث جرب أن أخذ شيء من أثره يفيد، فإن ذلك جائز كغسل نعله الذي يلبسه، أو جوربه الذي يباشر جلده، لأمره في الحديث بغسل داخله إزاره، أي الذي يلي جسده، وكذا ما مست يداه من عصى أو قفاز، وكذا فضل وضوئه الذي اغترف منه، أو ما لفظه من النوى، أو تعرق من عظم أو نحو ذلك، وهذا بحسب التجربة، وقد يصيب بإذن الله، وقد يستعصي ذلك بحسب قوة نفس العائن وضعفها)

 ومن الأساليب المعاصرة التي وجدت من يفتي بجوازها، بل يحث عليها استخدام آثار عتبات الأبواب أو أقفالها ونحوه ووضعها بالماء والاستحمام بها لإزالة أثر العين، فقد سئل الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين عن جواز استخدام آثار عتبات الأبواب والأقفال وذلك عن طريق مسح المكان ووضع ذلك في الماء واغتسال المعين منه؟

 فأجاب:(قد عرف بالتجربة  أن غسل كل ما مسه العائن ثم شرب المعين من غسالته أو صبه عليه يكون سببا في الشفاء من تلك العين بإذن الله تعالى، وحيث أن العائن يمس قفل الباب أو مفتح   السيارة وقد يطأ حافيا على عتبة الباب أو يمس العصا أو المظلة أو الفنجان للقهوة أو الشاي، أو يأكل من التمر ويلفظ النوى بعد أن يمصه بفمه، فإن غسل هذه كلها مما جرب وحصل معه زوال أثر العين بإذن الله قياسا على أمره بالاغتسال كما في الحديث الصحيح) انظر: المنهل المعين في إثبات حقيقة الحسد والعين – ص 237)

([87])  أحمد.

([88])  أى: سَوِّدُوا نونته، والنونة: النُّقرة التى تكون فى ذقن الصبىِّ الصغير.

([89])  البغوىُّ فى كتاب (شرح السُّـنَّة)

([90])  الآداب الشرعية – 3 / 60

([91])  انظر: المنهل المعين في إثبات حقيقة الحسد والعين – 218، 219.

([92])  أبو داود.

([93])  البيهقي عن أبي سعيد.

([94])  العقيلي، وابن عدي، والطبراني في الكبير، وأبو نعيم في الحلية، والخرائطي في إعتلال القلوب وابن عساكر، قال المناوي في فيض القدير (1/493): الحديث ضعيف ومنقطع، ولما ساق الحافظ العراقي الخبر المشروح جزم بضعفه واقتصر عليه.

([95])  انظر: الأمثل، وهو قول للجبائي، مع العلم أن الشيرازي لم ينف ما ذكره المفسرون من العين.

([96])  البخاري.

([97])   قاله الدكتور عبدالله الطيار والشيخ سامي المبارك بتقريض الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، انظر: فتح الحق المبين في علاج الصرع والسحر والعين – ص 192.

([98])  الطب النبوي، ص 168.

([99])  عمدة القاري بشرح صحيح البخاري: 17 / 405.

([100])  زاد المعاد: 4/174.

([101])  انظر: كتاب: The Field: The Quest for Secret Force of the Universe نقلا عن: فراس نور الحق محرر موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

([102])  أبو داود في القدر.

([103])  ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان، والطبراني والصابوني في المائتين.

([104])  الترمذي، وقال: غريب.

([105])  سبق تخريجه.

([106])  والقرآن الكريم ـ من جهة أخرى ـ علاج خاص سواء كان ذلك للأمراض النفسية والفكرية أم للأمراض البدنية.

فمن مرض قلبه بالشهوات عولج بمواعظ القرآن الكريم وتخويفاته، ومن غليه الخوف عولج بما ورد في القرآن الكريم من آيات الرجاء والرحمة.. وهكذا يعالج كل شخص بما يتناسب مع دائه.

ومثل ذلك الأمراض الجسدية، فهناك آيات خاصة أخبرت النصوص بتأثيرها، فهي شفاء، مع أن شفاء في القرآن الكريم في أصله شامل لآياته جميعا.

وسيتعمق هذا المفهوم من خلال ما سنطرحه هنا من سر تأثير القرآن الكريم العلاجي.

([107])  البخاري.

([108])  البخاري.

([109])  هو الدكتور أحمد القاوي في الولايات المتحدة الأميركية.

([110])  أي وظائف الأعضاء.

([111])  الفتاوى الذهبية في الرقية الشرعية – ص 20، 21، والمفتي هو الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين.

([112])  ابن ماجة.

([113])  البخاري ومسلم.

([114])  مسلم، وآخر الحديث:(وإذَا أمْسَى قَالَ: أمْسَيْنَا وَأَمْسَى المُلْكُ لِلَّهِ..) 

([115])  صححه الحاكم

([116])  أبو حاتم في صحيحه.

([117])  الترمذى.

([118])  أبو داود

([119])  أبو داود

([120])  أبو داود.

([121])  أبو داود.

([122])  مسلم.

([123])  ابن ماجه.

([124])  الترمذي وحسنه والنسائي

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *