رابعا ـ اللؤم

رابعا ـ اللؤم

بعد أن انتهينا من الدراسة في القسم الثالث، وبعد أن رأيت تأثير التعاليم التي بثها المسعودي في نفوس السامعين، سرت مع أهل السوق إلى القسم الرابع، وكان اسمه (قسم اللؤم)، وقد عرفنا أن شيخه هو أبو عبد اللّه الحليمي([1]).. وقد عرفنا أنه كأصحابه من الأساتذة عالم من علماء الأخلاق، وعلمنا أنه صنف فيه كتابه (المنهاج في شعب الإيمان)، وقد ذكر أنه دعاه لتأليفه ما رآه من اشتغال جمهور الناس عن العلوم بالتوسع في الأهل والمال، والتهافت في الحرام والحلال والتنافس في رتب الدنيا، والتغافل عن درج الآخرة.. واعتبر أن منبع ذلك كل هو لؤم النفس وخستها.. وقد رشحه هذا الاكتشاف لأن يؤهل للتدريس في هذا القسم.

عندما دخلنا القسم استقبلنا بقوله: أهلا بأصحاب الهمم العالية ممن ترقوا عن درك البهيمية متطلعين إلى حقيقة الإنسان السامية.

قلنا: من العجب أن يختار مثلك اللؤم علما يعلمه، وقسم يدرس فيه؟

قال: إنما اخترت هذا القسم نصحا لعباد الله.. فقد رأيت أن العائق الأكبر المانع من كل كمال هو اللؤم والخسة وصغر النفس وحقارتها.. وقد آليت على نفسي أن أحذر منه ما حييت.

لقد وجدت الكل مطبقا على لوم اللئيم، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفصح الفصحاء، وأحكم الحكماء، اعتبر اللؤم صفة الفاجر، فقالصلى الله عليه وآله وسلم: (المؤمن غرّ كريم، والفاجر خبّ لئيم)([2])

وقيل لبعض الحكماء: ما الجرح الّذي لا يندمل، قال: حاجة الكريم إلى اللّئيم، ثمّ يردّه بغير قضائها، قيل: فما الّذي هو أشدّ منه، قال: وقوف الشّريف بباب الدّنيء ثمّ لا يؤذن له.

وقال الشّاعر:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته  وإن أنت أكرمت اللّئيم تمرّدا

وقال آخر:

أحبّ بنيّتي ووددت أنّي  ‍
ومالي بغضها غرضا ولكن  ‍
مخافة أن تصير إلى لئيــــــم
  دفنت بنيّتي في جوف لحد
  مخافة ميتتي فتضيع بعدي
  فيفضح والدي ويشين جدّي

قلنا: فما اللؤم([3])؟.. ولم كان بهذه الصورة؟

قال: اللؤم هو نزول الإنسان من المحل الرفيع الذي أقامه الله فيه إلى أسفل سافلين، فبدل أن يرقى بهمته إلى المعالي ينزل بها إلى المنحدرات، ثم هو في نزوله لا يقع إلا على الخنافس والجرذان، ولا يجد رفيقا له إلا الخنازير والسباع.

قلنا: لقد ملأت نفوسنا تقززا، فهلا فصلت لنا مظاهر اللؤم التي بها يظهر، والألوان التي لها يلبس.

قال: هي كثيرة.. فلا تستطيع هذه المدرسة بكل من فيها وبكل ما فيها أن تحصي خلال اللئيم، فهو يتلون كما تتلون الحرباء.

قلنا: فاذكر لنا بعضها.. لنستدل بما تذكره على ما لم تذكره.

الفحش:

قال: من المظاهر التي يظهر بها اللئيم الفحش.. فاللئيم لا تجدونه إلا فاحشا مقيتا.

قلنا: من الفاحش المقيت؟

قال: هو ذو الفحش والخنا من القول، الّذي يتكلّف سبّ النّاس ويتعمّده.. ويجعل ذلك وسيلته للسيطرة عليهم.

قلنا: بئس الرجل هو.

قال: ولذلك وردت النصوص بتحذير المؤمنين منه، وببيان العقاب الذي أحله الله به لتملأ النفوس رهبة من سلوك سبيله، ففي الحديث أن رجلا استأذن على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (ائذنوا له، بئس أخو العشيرة)، فلمّا دخل ألان له الكلام. قلت: يا رسول اللّه، قلت الّذي قلت ثمّ ألنت له الكلام. قال: (إنّ شرّ النّاس من تركه النّاس اتّقاء فحشه)([4]

وروي أنّ يهود أتوا النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: السّام عليكم، فقالت عائشة: عليكم، ولعنكم اللّه، وغضب اللّه عليكم. قال: (مهلا يا عائشة، عليك بالرّفق، وإيّاك والعنف والفحش) قالت: أو لم تسمع ما قالوا. قال: (أو لم تسمعي ما قلت، رددت عليهم فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيّ)([5]

وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قسم قسما، فقيل له: واللّه يا رسول اللّه لغير هؤلاء كان أحقّ به منهم، قال: (إنّهم خيّروني أن يسألوني بالفحش أو يبخّلوني، فلست بباخل)([6]

وفي حديث آخر قالصلى الله عليه وآله وسلم: (الظّلم ظلمات يوم القيامة، وإيّاكم والفحش، فإنّ اللّه لا يحبّ الفحش ولا التّفحّش، وإيّاكم والشّحّ، فإنّ الشّحّ أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا..)([7])  

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس أحد أحبّ إليه المدح من اللّه- عزّ وجلّ-، من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من اللّه، من أجل ذلك حرّم الفواحش..)([8]

وقال: (ليس المؤمن بالطّعّان، ولا اللّعّان، ولا الفاحش، ولا البذيء)([9]

وقال: (ما كان الفحش في شيء إلّا شانه، وما كان الحياء في شيء إلّا زانه)([10]

وقال: (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنّة، والبذاء([11]) من الجفاء، والجفاء في النّار)([12]

البذاءة:

قلنا: وعينا هذا.. فاذكر لنا صفة أخرى من صفات اللئيم.

قال: من صفات اللئيم البذاءة([13]).

قلنا: ما البذاءة؟

قال: هي تلك التي نهى الله عنها، فقال:{ لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (148)} (النساء)

وعاتب عتابا شديدا من وقع فيها فقال: { إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (16)} (النور)

واعتبر أهلها من المنافقين، فقال:{ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (19)} (الأحزاب)، وقال:{ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2)} (الممتحنة)

وحذر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوقوع فيها، فقال: (إنّ أنسابكم هذه ليست بسباب على أحد، وإنّما أنتم ولد آدم، طفّ الصّاع لم تملؤوه، ليس لأحد فضل إلّا بالدّين أو عمل صالح. حسب الرّجل أن يكون فاحشا بذيّا بخيلا جبانا)([14]

واعتبرها من اللؤم، ففي الحديث عن ابن عبّاس أنّه قال: إنّ رجلا وقع في أب للعبّاس كان في الجاهليّة فلطمه، فقال النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تسبّوا أمواتنا، فتؤذوا أحياءنا، ألا إنّ البذاء لؤم)([15]

بل اعتبرها من النفاق، فقال: (الحياء والعيّ شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان([16]) شعبتان من شعب النّفاق)([17]

بل حذر أصحابها من النار، فقال: (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنّة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النّار)([18]

بل بين أن البذيء لا يستحق اسم الإيمان، فقال: (ليس المؤمن بالطّعّان ولا اللّعّان ولا الفاحش ولا البذيء)([19])

بل بين بغض الله للبذيء، فقال: (ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإنّ اللّه ليبغض الفاحش البذيء)([20]

قلنا: لقد ملأتنا بالمخافة.. فما البذاءة؟

قال: هي مسارعة اللسان الذي هو المعبر عن الإنسان إلى الكلام القبيح الشنيع الذي ترتعد له قلوب الصالحين.

قال رجل منا: فهي ما نعبر عنه بالسباب.

قال: أجل.. حتى لو كان السباب لما لا يعقل.. ففي الحديث عن جابر، أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، دخل على أمّ السّائب فقال: (مالك يا أمّ السّائب تزفزفين([21])؟) قالت: الحمّى لا بارك اللّه فيها، فقال: (لا تسبّي الحمّى، فإنّها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد)([22]

ولعن رجل الرّيح، على عهد النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تلعنها، فإنّها مأمورة، وإنّه من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللّعنة عليه)([23]

وجاء أعرابيّ جريء إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللّه: أخبرنا عن الهجرة إليك أينما كنت، أو لقوم خاصّة، أم إلى أرض معلومة، أم إذا متّ انقطعت؟ قال: فسكت عنه يسيرا ثمّ قال: (أين السّائل؟) قال: ها هو ذا يا رسول اللّه. قال: (الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتقيم الصّلاة، وتؤتي الزّكاة، ثمّ أنت مهاجر وإن متّ بالحضر)([24])

وعن أبي برزة قال: بعث رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم رجلا إلى حيّ من أحياء العرب، فسبّوه وضربوه، فجاء إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (لو أنّ أهل عمان([25]) أتيت، ما سبّوك ولا ضربوك)([26]

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ اللّعّانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة)([27]

وقال: (الصّيام جنّة، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إنّي صائم- مرّتين- والّذي نفسي بيده لخلوف فم الصّائم أطيب عند اللّه من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصّيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها)([28]

وعن المعرور بن سويد قال: مررنا بأبي ذرّ بالرّبذة([29]) وعليه برد وعلى غلامه مثله. فقلنا: يا أبا ذرّ لو جمعت بينهما كانت حلّة، فقال: إنّه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وكانت أمّه أعجميّة، فعيّرته بأمّه، فشكاني إلى النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فلقيت النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (يا أبا ذرّ إنّك امرؤ فيك جاهليّة) قلت: يا رسول اللّه، من سبّ الرّجال سبّوا أباه وأمّه. قال: (يا أبا ذرّ، إنّك امرؤ فيك جاهليّة، هم إخوانكم جعلهم اللّه تحت أيديكم، فأطعموهم ممّا تأكلون، وألبسوهم ممّا تلبسون، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم فإن كلّفتموهم فأعينوهم)([30]

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (من الكبائر شتم الرّجل والديه). قالوا: يا رسول اللّه، وهل يشتم الرّجل والديه؟ قال: (نعم، يسبّ أبا الرّجل فيسبّ أباه ويسبّ أمّه فيسبّ أمّه)([31]

وعن جابر بن سليم، قال: رأيت رجلا يصدر النّاس عن رأيه، لا يقول شيئا إلّا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا (هذا) رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم. قلت: عليك السّلام يا رسول اللّه- مرّتين- قال: (لا تقل عليك السّلام! فإنّ عليك السّلام تحيّة الميّت قل: السّلام عليك) قال: قلت: أنت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: (أنا رسول اللّه الّذي إذا أصابك ضرّ فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفراء أو فلاة فضلّت راحلتك فدعوته ردّها عليك، قلت: اعهد إليّ، قال: (لا تسبّنّ أحدا) قال: فما سببت بعده حرّا ولا عبدا، ولا بعيرا ولا شاة، قال: (ولا تحقرنّ شيئا من المعروف، وأن تكلّم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك إنّ ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف السّاق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإيّاك وإسبال الإزار فإنّها من المخيلة، وإنّ اللّه لا يحبّ المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيّرك بما يعلم فيك فلا تعيّره بما تعلم فيه، فإنّما وبال ذلك عليه)([32]

قال الرجل: وعينا خطورة البذاءة.. فاذكر لنا الأرض التي تنبت فيها لئلا نسير إليها.

قال: أرضها هي أرض الخبث واللّؤم.

قال الرجل: أقصد الباعث عليها.

قال: الباعث عليها إمّا قصد الإيذاء، وإمّا الاعتياد الحاصل من مخالطة الفسّاق وأهل الخبث واللّؤم لأنّ من عادتهم السّبّ..

قال الرجل: فهلا فصلت لنا ما نفقه به حقيقة البذاءة.

قال: يمكن حصر البذاءة في كلّ حال تخفى ويستحيا منها، فإنّ التّصريح في مثل هذه الحال فحش وينبغي الكناية عنها.. وكذلك يدخل في ذكر العيوب الّتي يستحيا منها فلا ينبغي أن يعبّر عنها بصريح اللّفظ([33]).

النجوى:

قلنا: وعينا هذا.. فاذكر لنا صفة أخرى من صفات اللئيم.

قال: من صفات اللئيم النجوى.

قلنا: ما النجوى؟

قال: هي تلك التي أشار عليها قوله تعالى:{ لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (114)} (النساء)، وقوله:{ وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (45) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (46) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (47)} (الإسراء)

ونهى عنها صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتّى تختلطوا بالنّاس من أجل أنّ ذلك يحزنه)([34]

وقال: (لا يتناجى اثنان دون صاحبهما، ولا يقيم الرّجل أخاه من مجلسه ثمّ يجلس)([35]

وقال: (لا يتناجى اثنان دون الثّالث؛ فإنّ ذلك يؤذي المؤمن، واللّه يكره أذى المؤمن)([36]

وقال: (لا يتسارّ اثنان دون الثّالث)([37]

قلنا: وعينا هذا.. ولكن الكل يقع فيه.. بل قد نرى الصالحين يقعون فيه.

قال: النجوى تختلف باختلاف الأمر المتناجى فيه، فإن كان أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر، فهذا لا شيء فيه، وقد استثنى المولى- عزّ وجلّ- من فعل ذلك من انعدام الخيريّة الغالبة على النّجوى فقال :{ لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ (114)} (النساء)

وفيما عدا ذلك فالتّسارّ خصوصا في وجود الآخرين أمر مذموم يسوّل به الشّيطان ليقع سوء الظّنّ بين النّاس، قال تعالى :{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8)} (المجادلة)، وقد نزلت هذه الآيات في اليهود والمنافقين.

وقد اشتملت آية أخرى على المحمود والمذموم من التّناجي فقال تعالى ناهيا عن التّناجي المذموم وآمرا بالتّناجي المحمود :{ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9)} (المجادلة)

الإسراف:

قلنا: وعينا هذا.. فاذكر لنا صفة أخرى من صفات اللئيم.

قال: من صفات اللئيم الإسراف.

قلنا: في الطعام؟

قال: في كل شيء.. فالإسراف هو التعدي، والتعدي قد يحصل في أي شيء.. ولهذا، فإن المؤمنين يستغفرون من الإسراف في كل أمر، قال تعالى:{ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (147) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)} (آل عمران)

وقال تعالى يبين عموم الإسراف:{ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53))} (الزمر)

وذكر الله تعالى الإسراف في المال، فقال:{ وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (6) } (النساء)

وذكره في أرزاق أخرى، فقال:{ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)} (الأنعام)

وذكره في الأكل والشرب، فقال:{ يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)} (الأعراف)

وذكره في القتل، فقال:{ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (33)} (الإسراء)

وذكره في الكفر، فقال:{ مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)} (المائدة)

وذكره في أنواع الشذوذ، فقال:{ وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)} (الأعراف)

وذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمور كثيرة، فقال: (كلوا وتصدّقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة)([38])، وقال: (إنّ اللّه- عزّ وجلّ- حرّم عليكم عقوق الأمّهات، ووأد البنات، ومنعا وهات، وكره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السّؤال، وإضاعة المال)([39])، وقال: (إنّ اللّه يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرّقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السّؤال وإضاعة المال)([40]

وعن معاذ أنّه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، لمّا بعثه إلى اليمن: (إيّاك والتّنعّم، فإنّ عباد اللّه ليسوا بالمتنعّمين)([41]

وجاء أعرابيّ إلى النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثا ثلاثا ثمّ قال: (هكذا الوضوء. فمن زاد على هذا، فقد أساء وتعدّى وظلم)([42]

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء)([43]

وقال: (ما ملأ آدميّ وعاء شرّا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه)([44]

المجاهرة:

قلنا: وعينا هذا.. فاذكر لنا صفة أخرى من صفات اللئيم.

قال: من صفات اللئيم المجاهرة.

قلنا: ما المجاهرة؟

قال: تلك التي أشار إليها قوله تعالى:{ لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (118)} (النساء)، وقوله:{ قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (33)} (الأعراف)، وقوله:{ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19)} (النور)

ونهى عنها صلى الله عليه وآله وسلم، وبين عظم جرمها، فقال: (كلّ أمّتي معافى إلّا المجاهرين، وإنّ من المجاهرة أن يعمل الرّجل باللّيل عملا، ثمّ يصبح وقد ستره اللّه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربّه، ويصبح يكشف ستر اللّه عنه)([45]

وقال: (ما ظهر في قوم الرّبا والزّنا إلّا أحلّوا بأنفسهم عقاب اللّه)([46]

وقال:(يكون في آخر هذه الأمّة خسف ومسخ وقذف). قالت، قلت: يا رسول اللّه، أنهلك وفينا الصّالحون؟ قال: (نعم إذا ظهر الخبث)([47]

وقال: (إنّ اللّه لا يحبّ الفحش، أو يبغض الفاحش والمتفحّش، قال: ولا تقوم السّاعة حتّى يظهر الفحش والتّفاحش، وقطيعة الرّحم، وسوء المجاورة، وحتّى يؤتمن الخائن، ويخوّن الأمين، وقال: ألا إنّ موعدكم حوضي، عرضه وطوله واحد، وهو كما بين أيلة ومكّة، وهو مسيرة شهر، فيه مثل النّجوم أباريق، شرابه أشدّ بياضا من الفضّة، من شرب منه مشربا لم يظمأ بعده أبدا)([48]

قلنا: فعلام تنص هذه النصوص المقدسة؟

قال: تنص على ثلاثة أنواع من المجاهرة اللئيمة.

قلنا: فما أولها؟

قال: إظهار المعصية، كما يفعل المجّان والمستهترون بحدود اللّه.. والّذي يفعل المعصية جهارا يرتكب محذورين: الأوّل: إظهار المعصية، والآخر: تلبّسه بفعل المجّان، والمجون مذموم شرعا وعرفا.

قلنا: فما الثاني؟

قال: إظهار ما ستر اللّه على العبد من فعله المعصية، كأن يحدّث بها تفاخرا أو استهتارا بستر اللّه تعالى، وهؤلاء هم الّذين لا يتمتّعون بمعافاة اللّه عزّ وجلّ.

قلنا: فما الثالث؟

قال: ما يفعله الفسّاق من مجاهرة بعضهم بعضا بالتّحدّث بالمعاصي.

النجاسة:

قلنا: وعينا هذا.. فاذكر لنا صفة أخرى من صفات اللئيم.

قال: من صفات اللئيم النجاسة([49]).

قلنا: أتلك التي نراها بأعيننا فنستقذرها، أو نشمها، فنغلق أنوفنا من رائحتها المنتنة؟

قال: ذلك نوع من أنواع النجاسة.. وهناك أنواع أخرى لا ترونها.. رائحتها لا تطيقها السموات والأرض.

قلنا: فما هي هذه الرائحة؟

قال: تلك التي أشار إليها قوله تعالى:{ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)} (التوبة)، وقوله:{ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125)} (الأنعام)، وقوله:{ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)} (المدثر)

وأشار إليها صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال في دعائه: (اللّهمّ لك الحمد ملء السّماء وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد. اللّهمّ طهّرني بالثّلج والبرد والماء البارد. اللّهمّ طهّرني من الذّنوب ونقّني منها كما ينقّى الثّوب الأبيض من الوسخ)([50]

وعندما قال مبينا تأثير الصلاة في الطهارة: (أرأيتم لو أنّ نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كلّ يوم خمسا ما تقول ذلك يبقي من درنه؟) قالوا: لا يبقي من درنه شيئا. قال: (فذلك مثل الصّلوات الخمس يمحو اللّه به الخطايا)([51]

وأشار إليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم عندما اعتبر الطهارة نصف الإيمان، فقال :(الطهور شطر الإيمان)([52]

قال رجل منا: فسر لنا هذا.. فكيف يكون الطهور الذي هو إفاضة الماء على بعض الجوارح نصف الإيمان؟

قال([53]):  هيهات أن يقصد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك.. والطهارة أعظم من أن تنحصر في ذلك.. الطهارة لها أربع مراتب، لا يمكن أن تتحقق من دونها.. وهي في كل محل نصف ما جاء الإسلام للدعوة إليه.

قلنا: فما أولاها؟

قال: تطهير الظاهر عن الأحداث وعن الأخباث والفضلات.. وهي من مهمات الدين، فلا يكون المسلم إلا نظيفا، وقد ورد في الحديث عن جابر أنّه قال: أتانا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فرأى رجلا شعثا قد تفرّق شعره، فقال: (أما كان يجد هذا ما يسكّن به شعره؟) ورأى رجلا آخر وعليه ثياب وسخة. فقال: (أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه؟)([54]

وعن ابن عبّاس قال: مرّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم على قبرين فقال: (إنّهما يعذّبان وما يعذّبان في كبير: أمّا هذا فكان لا يستنزه من بوله، وأمّا هذا فإنّه كان يمشي بالنّميمة)، ثمّ دعا بعسيب رطب فشقّه باثنين فغرس على هذا واحدا، وعلى هذا واحدا ثمّ قال: (لعلّه يخفّف عنهما ما لم ييبسا)([55]

ولأجل هذه الطهارة وضع الفقهاء الفروع الفقهية الكثيرة المبنية على ما ورد في النصوص المقدسة، وكلها تهدف إلى تخليص المسلم من اللؤم المرتبط بهذا الجانب.

قلنا: فما الثانية؟

قال: تطهير الجوارح عن الجرائم والآثام.. فلا يمكن لأي ماء في الدنيا أن يطهر الجوارح المتسخة بالظلم والإثم والجريمة.

قلنا: فما الثالثة؟

قال: تطهير القلب عن الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة.

قلنا: فما الرابعة؟

قال: تطهير الروح عما سوى الله تعالى.. وهي طهارة الأنبياء والصديقين.

أكل الحرام:

قلنا: وعينا هذا.. فاذكر لنا صفة أخرى من صفات اللئيم.

قال: من صفات اللئيم أكله للحرام، وتلذذه بالحرام، وعدم تفريقه بين الحلال والحرام.

قال رجل منا: أتقصد تلك المطعومات التي وردت النصوص المقدسة بتحريمها.. كما في قوله تعالى:{ إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) } (البقرة)، وقوله:{ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ.. (3)} (المائدة)، وغيرها من الآيات الكريمة.

قال: تلك بعض المحرمات، وهناك غيرها كثير..

قال الرجل: لا أحسب المحرمات إلا ما ذكرت.

قال: لقد ذكر الله محرمات أخرى لا تقل عن الميتة والخنزير.

قال الرجل: أتقصد أنه يمكن أن يأكل الإنسان خبزا أو فاكهة ويكون آكلا للحرام؟

قال: أجل.. لقد ذكر الله ذلك، فقال:{ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)} (البقرة)، وقال:{ وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (2)} (النساء)، وقال:{ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (29)} (النساء)

وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ليأتينّ على النّاس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن الحلال أم من حرام)([56]

وقال: (يا أيّها النّاس! إنّ اللّه طيّب لا يقبل إلّا طيّبا، وإنّ اللّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال :{ يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)} (المؤمنون)، وقال :{ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ (172)} (البقرة)، ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السّماء. يا ربّ! يا ربّ! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنّى يستجاب لذلك؟)([57])

وقال: (اجتنبوا السّبع الموبقات)، قالوا: يا رسول اللّه وما هنّ؟ قال: (الشّرك باللّه، والسّحر، وقتل النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)([58]

وقال: (إنّ رجالا يتخوّضون في مال اللّه بغير حقّ، فلهم النّار يوم القيامة)([59]

وقال: (إنّما أنا بشر، وإنّكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حقّ أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنّما أقطع له قطعة من النّار)([60]

وعن كعب بن عجرة قال: قال لي رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (أعيذك باللّه يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون بعدي، فمن غشي أبوابهم فصدّقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس منّي ولست منه ولا يرد عليّ الحوض، ومن غشي أبوابهم أولم يغش فلم يصدّقهم في كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو منّي وأنا منه، وسيرد عليّ الحوض.. يا كعب بن عجرة! الصّلاة برهان، والصّوم جنّة حصينة. والصّدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النّار، يا كعب بن عجرة! إنّه لا يربو لحم نبت من سحت إلّا كانت النّار أولى به)([61]

وعن وائل بن حجرأنّه قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال الحضرميّ: يا رسول اللّه، إنّ هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي. فقال الكنديّ: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حقّ. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم للحضرميّ (ألك بيّنة؟) قال: لا. قال: (فلك يمينه). قال: يا رسول اللّه إنّ الرّجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورّع من شيء. فقال (ليس لك منه إلّا ذلك) فانطلق ليحلف، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم لمّا أدبر: (أما لئن حلف على ماله ليأكله ظلما، ليلقينّ اللّه وهو عنه معرض)([62]

وخطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (لا واللّه! ما أخشى عليكم، أيّها النّاس إلّا ما يخرج اللّه لكم من زهرة الدّنيا) فقال رجل: يا رسول اللّه! أيأتي الخير بالشّرّ؟ فصمت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: ساعة. ثمّ قال (كيف قلت؟) قال: قلت: يا رسول اللّه! أيأتي الخير بالشّرّ؟ فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم (إنّ الخير لا يأتي إلّا بخير، أو خير هو؟ إنّ كلّ ما ينبت الرّبيع يقتل حبطا([63]) أو يلمّ. إلّا آكلة الخضر. أكلت حتّى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشّمس. ثلطت([64]) أو بالت. ثمّ اجترّت، فعادت فأكلت. فمن يأخذ مالا بحقّه يبارك له فيه. ومن يأخذ مالا بغير حقّه فمثله كمثل الّذي يأكل ولا يشبع)([65]

وعن جابر أنّه سمع رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول وهو بمكّة عام الفتح: (إنّ اللّه ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)، فقيل: يا رسول اللّه أرأيت شحوم الميتة فإنّه يطلى بها السّفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح([66]) بها النّاس، فقال: (لا، هو، حرام)، ثمّ قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم عند ذلك: (قاتل اللّه اليهود، إنّ اللّه لمّا حرّم شحومها جملوه([67])، ثمّ باعوه فأكلوا ثمنه)([68]

***

بقينا مع الحليمي أياما معدودات يخبرنا فيها عن اللؤم وأهله، ويستعمل في التنفير عنه كل ما آتاه الله من العلم والحكمة.. وبعد أن رأى أن المحيطين به قد فقهوا عنه ما أراد أن يبلغهم إياهم ويدربهم عليه، طلب منهم أن يسيروا للقسم الخامس.


([1]) أشير به الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم، أبو عبد اللّه الحليمي، الشافعي (338 ـ 403 هـ) ولد بجرجان، ونشأ ببخارى، وولي القضاء، تقدّم في المذهب حتى صار شيخ الشافعية بما وراء النهر.

([2]) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما.

([3]) اللّؤم: شحّ النّفس ودناءة الأصل، وهو مأخوذ من مادّة (ل أم) الّتي تدلّ على ذلك، يقول ابن فارس: (اللّام والألف والميم أصلان: أحدهما: الاتّفاق والاجتماع والآخر: خلق رديء، فمن الثّاني: اللّؤم: يقولون: إنّ اللّئيم الشّحيح المهين النّفس الدّنيّ الأصل (المقاييس:5/ 226)

([4]) رواه البخاري ومسلم.

([5]) رواه البخاري ومسلم.

([6]) رواه مسلم.

([7]) رواه أبو داود وأحمد.

([8]) رواه البخاري ومسلم.

([9]) رواه أحمد والترمذي، وقال: حديث حسن غريب.

([10]) رواه الترمذى وقال حديث حسن، وابن ماجة.

([11]) البذاء: الفحش في الكلام.

([12]) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.

([13]) عرفها الغزاليّ بقوله: (هي التّعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصّريحة)، وقال المناويّ: (البذاء هو الفحش والقبح في المنطق، وإن كان الكلام صدقا)

([14]) رواه أحمد والطبراني وفيه ابن لهيعة وبقية رجاله وثقوا.

([15]) رواه النسائي بإسناد صحيح.

([16]) المراد بالبيان: كشف ما لا يجوز كشفه، أو المراد به المبالغة في الإيضاح حتى ينتهي إلى حد التكلف.

([17]) رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه على شرطهما.

([18]) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.

([19]) رواه الترمذي وقال: حسن غريب. وأحمد والحاكم وصححه.

([20]) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.

([21]) تزفزفين: يعني تتحركين حركة شديدة وترتعدين.

([22]) رواه مسلم.

([23]) رواه أبو داود والترمذي  وقال: حسن غريب.

([24]) رواه أحمد.

([25]) عمان: مدينة بالبحرين، وهي الآن في سلطنة عمان.

([26]) رواه مسلم.

([27]) رواه مسلم.

([28]) رواه البخاري ومسلم.

([29]) الربذة: موضع بالبادية بينه وبين المدينة ثلاث مراحل، وهو في شمال المدينة نفي إليه أبو ذر وتوفي ودفن فيه.

([30]) رواه البخاري ومسلم.

([31]) رواه البخاري ومسلم.

([32]) رواه أبو داود.

([33]) الإحياء بتصرف.

([34]) رواه البخاري ومسلم.

([35]) رواه أحمد.

([36]) رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط.

([37]) رواه أحمد.

([38]) رواه النسائي وابن ماجة.

([39]) رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح.

([40]) رواه البخاري ومسلم.

([41]) رواه أحمد والبيهقي ورواة أحمد ثقات.

([42]) رواه النسائي واللفظ له، وأبو داود وابن ماجة.

([43]) رواه البخاري.

([44]) رواه الترمذي واللفظ له، وقال: حسن صحيح. وابن ماجة والحاكم وصححه. وابن حبان.

([45]) رواه البخاري ومسلم.

([46]) رواه أحمد وأبو ادود، وبعضه عند أبي داود.

([47]) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب.

([48]) رواه أحمد.

([49]) النّجاسة: هي المستقذر الّذي يطلب مباعدته والبعد منه بحيث لا يلمس ولا يشمّ ولا يرى (إغاثة اللهفان: 1/ 59)

([50]) رواه أحمد ومسلم.

([51]) رواه البخاري ومسلم.

([52]) رواه مسلم.

([53]) انظر: الإحياء.

([54]) رواه أبو داود والنسائي والحاكم.

([55]) رواه البخاري ومسلم.

([56]) رواه البخاري.

([57]) رواه مسلم.

([58]) رواه البخاري ومسلم.

([59]) رواه البخاري.

([60]) رواه البخاري ومسلم.

([61]) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب، والنسائي والحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

([62]) رواه مسلم.

([63]) حبطت: الحبط أن تأكل الماشية فتكثر حتى تنتفخ بطونها.

([64]) ثلطت: الثلط الرقيق من الرجيع، قال ابن الأثير: وأكثر ما يقال للإبل والبقر والفيلة.

([65]) رواه البخاري ومسلم.

([66]) يستصبح بها النّاس: أي يوقدون بها مصابيحهم.

([67]) جملوه: أي أذابوه واستخرجوا دهنه.

([68]) رواه البخاري.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *